النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
كتاب النكاحِ
قلتُ: وليت شِعري مِن أين فَهِموا أن الحديث حُجّة لهم في المسألة الثانية أيضاً،
فإِن أَقْصى ما يدلُّ عليه الحديثُ لغةً هو أنَّ رِضَى الوليّ وشركته أَمْر ضروري، وأنَّ النِّكاح
لا يكون إلاَّ بشهودِهِ، سواء لحقته إجازةٌ سابقةٌ أو لاحقة، وسواء صَدَر النِّكاح من عبارةِ
المولية أو وَلِيِّها. فالحديثُ إنْ كان حُجَّةً، ففي المسألة الأُولى، وأما المسألة الثانية فلا
مِساس له بها. كيف! وحديثُ عائشةَ: ((أيما امرأة نُكِحت بغير إذْن وَلِيِّها، فنكاحُها
باطِلٌ)) ... إلخ، صريحٌ في أنَّ الضَّروري هو إذْنُ الوليّ لا عبارتُه، ثم لا نُنْكِره أيضاً،
فإِنَّ الحنفية قد أَقَرُّوا به في بعض المواضع، فقالوا: لو نكحت في غيرِ كفء بغير إذْن
الوليّ، بطل نِكاحُها في رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفةَ، وإن كان ظاهر الرواية
خلافه، ثُم للوليِّ ولايةُ الفَسْخ بالمرافعة إلى القاضي في ظاهر الرواية أيضاً.
وبالجملةٍ ليس فيه ما يدلُّ على أنَّ النِّكاح لا يَنْعَقِدُ إلاَّ بِلسان الرِّجال، ولا حرف،
اللهم إلا أن يُقال: إنَّهم أخذوه نظراً إلى العُرْف، فإِن انصرام أمورِ النِّساء لا يكون إلا
بالأولياء في العُرْف، أو يقال: إنَّ حديث: ((لا نِكاح إلاّ بوليّ))، لما كان مُصدّراً بنفي
النِّكاح، والنكاح عبارةٌ عن العقد، زعموا أنَّ معناه: عَقْد النِّكاح لا يكون إلا بالأولياء،
والعقدُ عبارةٌ عن الإِيجاب والقُبول، فخرج أنَّ الإِيجابَ والقَبول في باب النِّكاح ليس إلاَّ
إلى الرجال، وأما قوله: ((الأَيّم أحقُّ بنفسها)) ... إلخ، فإِنّهم حملُوه على أنَّ الوليَّ
مأمُورٌ بتحصيل رضاء موليته.
هذا نضد الحديثين عندهم، وستعرف ما هو عندنا. ومذهب أبي حنيفة أن رضى
المُولِّية مقدَّم عند تعارض الرِّضاءين، مع كونها مأمورةً بتحصيلِ رِضى الولي، وكذا
المُولَّى مأمورٌ بتحصيل رضائها، فلم يستبدَّ به واحدٌ منهما، فإِنه أَمْرٌ خطيرٌ لا بد فيه (١)
(١) قال الشيخ الشاه ولي الله: اعلم أنه لا يجوزُ أن يحكم في النكاح النساء خاصّة، لِنُقْصان عَقْلهن، وسوء فِكْرهن،
فكثيراً ما لا يهتدين إلى المصلحةِ، ولعدم حماية الحسب منهن غالباً، فربما رَغِبن في غير الكُفء، وفي ذلك
عارٌ على قومها، فوجب للأولياء شيء من هذا الباب، لتنسد المفسدة. وأيضاً السُّنة الفاشية في الناس مِن قَبْلَ
ضرورة جبليّة: أن يكون الرِّجال قَوّامين على النساء، ويكون بيدهم الحَلّ والعقد، وعليهم النَّفقات، وإنما النساء
عوان بأيديهم، وهو قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَى بَعْضٍ﴾ وفي اشتراط الوليِّ
في النكاح تنويه بِأمْرهم، واستبدادُ النِّساء بالنكاح وَقاحةٌ منهنَّ منشؤها قِلّهُ الحياء، واقتضابٌ على الأولياء، وعدمُ
اكتراث لهم. وأيضاً يَجِب أن يُميّز النكاح عن السِّفاح بالتشهير، وأحقّ التشهير أن يحضرَه أولياؤها. وقال ◌َّ:
((لا تنكح الثيب حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن، وإذنها الصموت))، وفي رواية: ((البكر يستأذنها أبوها)).
أقول: لا يجوز أيضاً أن يُحكّم الأولياءُ فقط، فإنهم لا يعرفون ما تَعْرف المرأة من نفسها، ولأنَّ حارّ العقد وقارَّه
راجِعٌ إليها، والاستثمار طَلَبٌ أن تكون هي الآمِرة صريحاً، والاستئذان طلبٌ أن تَأُذن ولا تمنع، وأدناه
السكوت، وإنما المرادُ استئذانُ البكر البالغة دون الصغيرة، كيف! ولا رَأي لها، وقد زَوّج أبو بكر الصديق عائشةً
من رسول الله وَلّه وهي بِنْتُ ست سنين، اهـ ((حجة الله البالغة)).

٥٢٢
كتاب النّكَاحِ
من اجتماع الرضاءين، ثُم لما كان اشتراطُ رِضى النِّساء لِحقّهن في أنفسهن، فَدّمه على
رِضى الولي. وقد صَرّح الحنفيةُ باستحباب شهودِ الولي في بعض المواضع، وبوجوبه
في بعض، فإِن عَضَل الوليُّ، ولم يرض بحيلةٍ، فالمسألة فيه عند الشافعية أن يَعْزِله
القاضي، ويقيم ولياً آخَر مقامَه ليتولى أَمْرَ نكاحها. وقال الحنفية: إن نَكَحت كُفؤاً بِمَهْر
مِثْلها، فالمتعنت هو الوليّ، فلا يُعبأ به ولا يُبالي بأمره، نعم إن نكحت من غير كفئها،
أو بأَقلَّ مِن مَهْر مِثْلها، فللولي أن يرافع أَمْرَها إلى القاضي، ويفسِخَه ليدفع عن نفسه
العار. هذا هو تحرير المذاهب. والحديث حُجّة لهم في المسألة الأولى.
فنقول أَوّلاً: إنَّ ما تقرر بعد البحث أنَّ الحديث حسن، حتى صَحَّحه بَعْضُهم
أيضاً، إلا أنه لم يكن على شَرْط المُصَنّف، فأدخله في ترجمة الباب، ولم يُخرِّجه في
المسانيد. وأما جوابه عند الحنفية في القوم، فَليُرَاجع في مواضعه.
أما أنا فأذكر لك ما سنحٍ لي، ولا بد له مِن تمهيد مقدّمة، وهي أنه قد تَقرَّر عندنا
مِن سَيْر طريق الشارع: أنّ كلَّ أَمْر يقوم بجماعةٍ يُراعى فيه حالُ الطرفين، والأحاديثُ فيه
تَرِد في الجانبين، وذلك هو الأَصْلح لإِقامة النَّظْم. فالصوابُ في هذه المواضِعَ أن تُجْمع
أحاديثُ الطرفين، ويُؤْخَذ المرادُ مِن مجموعها. ومَنْ يقصر نظرُه على حديثِ الجانب
الواحد، فإِنه لا يُدْرك من مرادِ الشارع إلا شطراً منه، ولن يأتي على تمامه، كيف! وتمام
مراده ليس إلاّ في المجموع. ونأتيك بأربعة أَمْثلة من هذا الباب:
فالأوّل: معاملة الزَّكاة، فإِنها تقومُ على المُعْطي والعامل، فالأحاديث فيها على
هذه الشاكلةِ فقال لأصحاب الأموال - كما في ((المشكاة): قال رسولُ اللهِ وَالـ ــ:
((سيأتيكم ركيبٌ مبغضون - أي العاملون - وإنما تبغضونهم لأَخْذهم الزكاة من أموالكم،
فإِن جاؤوكم فَرحِّبوا بهم، وخلوا بينهم وبين ما يبتغون، فإِن عدلوا فلأنفسهم، وإنْ ظلموا
فعليهم، وأرضوهم، فإِن تمام زكاتِكم رضاهم، وليدعُوا لكم)) رواه أبو داود. وعنده أيضاً
عن جرير بن عبد الله قال: جاء ناسٌ - يعني من الأعراب - إلى رسولِ اللهِ وَّ فقالوا: إنَّ
أُناساً من المصدقين يأتونا، فيظلمونا. فقال: ((أرضوا مصدقيكم. يا رسول الله، وإنْ
ظلمونا؟ قال: أرضوا مصدقيكم وإنْ ظُلمتم))، وفي حديثٍ آخر عنده عن بشير بن
الخصاصية، قال: قلنا: إنَّ أهل الصدقةِ يعتدُون علينا، أَفَنكْتُم من أموالنا بِقَدْر ما
يعتدون؟ قال: ((لا))؛ ولما خاطب العاملين قال لهم: ((وإياكم وكرائمَ أموالِهم، واتقٍ
دعوةَ المظلوم، فإِنها ليس بينها وبين الله حجابٌ)). وقال: ((المعتدي في الصدقة كمانعها))
اهـ.
فانظر الآن كيف وجدت الحديثَين، وهل ترك الأحاديث في الأَوّل لصاحب
الأموال حقاً؟ فإِن وفيت حَقّها في الألفاظ ساغ لك أن تقول: إنَّ رضاهم من تمامية

٥٢٣
کتاب النّگاحِ
الزكاة بأي نحوٍ كان، وأنه يجوز لهم الظّلم أيضاً، فما بكرائم الأموال؟ ثُم إنْ صَرَفت
النَّظر إلى الأحاديث في العاملين، وجدت أنّهم لا حقَّ لهم في أموالهم الكريمة، ومَنْ
يتعدَّى منهم كان عليه مِثْل وِزْر المانع، فكيف بِمَن ظلم عليهم! والوَجْه أنَّ الأحاديثَ في
مِثْل هذه تخرَّج على التشديد في الجانبين، لتكون أحفظَ لحدود الله، فيقف كلٌّ منهما
على حِدَة، وهذا هو الطريق في جميع أحاديث الوَعْد والوعيد، فإِنها تَرِد مُرسلةً عن
القيود والشروط لتكون أرغب، وأهيب. ومَنْ لا يراعيه يَزْعمُ الكلامَ ناقصاً، ثم يزيد عليه
القيودَ مِن قِبَله كالإِصلاح له. وهذا السّلف لم يكونوا يتقدمون إلى مِثْله، بل كانوا
يكرهون التأويل(١) .
ودونك نظيراً آخَرَ من باب الصلاة، فقال للرجال: ((لا تمنعوا النِّساء حظوظَهن من
المساجد)) - أو كما قال ــ كأنه يُرَغِّبهن في الإِتيان إلى الجماعات، فلما خاطبهنَّ قال:
((إنَّ صلاةَ إحداكُنَّ في مخدعها خيرٌ من صلاتها في بيتها)) - أو كما قال -. فذكر أنَّ أفضل
صلاتهن ما كانت أخفى عن الأعين.
وخُذ نظيراً ثالثاً من باب إطاعة الأمير، فإِنه لما خاطب النَّاس أمرهم بإِطاعةٍ
الأمراء، وإنْ أُمِّر عليهم عَبْدٌ حبشيٍّ، مجدع الأطراف، إلا أن يروا كُفْراً بواحاً. ثُم
لما انصرف إلى الأمراء، وَعَدهم بالنَّار، حتى خِيف عليهم أن لا يَنْجوا منها رأساً
برأس.
وهاك نظيراً آخَر تكميلاً للأربعة: ما جاء في التشديد في السؤال، فإِنه قال للناس:
إنَّ للسائل حقاً ولو جاء راكباً على فرس، ولما تَوجَّه على السائلين جعل سؤالهم
خموشاً، أو خدوشاً، أو كدوحاً في وجهه(٢) .
وإذا أَتْقَنت تلك النظائر من الشّارع: فاعلم أنَّ الأحاديث في أَمْر النكاح أيضاً
(١) أخرج الترمذي في أبواب البر والصلة، في باب ما جاء في رحمةِ الصبيان: قال عليٍّ بن المَدِيني: قال يحيى بنُ
سَعيد: كان سفيانٌ الثوريُّ يُنْكِرُ هذا التفسيرَ: ليس منا، ليس مِثْلنا. وقال النووي: وكان سفيانُ بن عيينةً يكره
قولَ مَنْ يفسر: ليس على هَذْينا، ويقول: بئس هذا القول، يعني بل يُمسك عن تأويله ليكون أوقعَ في النفوس،
وأبلغ في الزَّجْر.
(٢) قلتُ: وخُذ مني علاوةً، وعدّ هذا طارفاً مع تليدك: ما عند الترمذي في حقِّ الزوج على المرأة، فإِن الأحاديث
بلغت فيه إلى الوعيد بالنار، ولما التفتَ الشارع على الأزواج، قال لهم: ((أكملُ المؤمنين إيماناً أحسنُهم خلقاً،
وخيارُكم خيارُكم لأهله)). ومَنْ أراد الزيادةَ عليه لم يتعب نفسه، فإن المجال واسع، ونحوه قوله ◌َّر النهي عن
الصلاة في الأوقات المكروهة، مع قوله عند الترمذي في ((كتاب الحج)): ((يا بني عبد مناف لا تَمْنعوا أحداً طاف
بهذا البيت، وصلّى أيةَ ساعة شاء من ليل أو نهار))، فإِن هذا الحديث مخالفٌ للحنفية، ولم أر جوابه أحسنَ مما
قرره الحافظ فضل الله التوربشتي الحنفي في شرحه على ((المصابيح)) فراجعه.

٥٢٤
كتاب النَّاحِ
وردت بالوجهين، ألا ترى أنه لما خاطب النساء أخبرهن أن لأوليائهن حقاً عليهن،
حتى خيف منها أن لا يبقى لهن حَقٌّ في أنفسهن، وهذا في نحو قوله: ((أيما امرأةٍ
نكحت بغير إِذْن وَلِيها، فنكاحُها باطلٌ باطِلٌ باطِلٌ)). فليس في تكرار ((باطل باطل)) غير
المبالغة، وتأكد مطلوبية الإذْن، والغرض مخرج على ما قلنا بعينه. فاعرف مدارٍكَ
الكلام، أبصرك اللَّهُ، وزادك بصراً وبصيرة؛ ولما تَوجَّه إلى الأولياء قال لهم: ((إنَّ
الأَيِّم أحقُّ بنفسها مِن وَليها، كأن الأولياءَ ليس لهم دَخْل في البين، وإنما سلك
الحديثُ في هذه المواضع مسلك الإِجمال، لما عَلِمت أن هذا هو الأنفعُ في الناس،
وأَدْعى لهم إلى العمل.
ولعلك عَلِمت الآن أن مرادَ الشارع في المجموع، وإنما أُدِّي في كلٍّ من الحديثين
شطر شطر، فمن تَمسّكِ بواحدٍ منهما فكأنه لم يأخذ إلاَّ بشطرِ المراد، وهذا الذي يلوحُ
من كلام الطرفين. فإِنَّ الشافعية جعلوا حديثَ: ((لا نِكاح إلا بوليّ)) حجةً لهم، وأَوّلوا
في حديث: ((الأَيِّم أحقُّ)) ... الخ، كأنه يخالفهم. وكذا يَظهَرِ من كلام الحنفيةِ أنَّ
حديث: ((الأَيِّم أَحقُّ)) ... إلخ، حُجةٌ لهم، وحديث: ((لا نِكاح إلاَّ بوليّ يخالِفُهِم))، فهم
يطلبون عنه مَخْلصاً، والأَمْر على ما قَرّرت: أنَّ مراد الشَّارع في المجموع، وإنَّما فصل
في مراده، وألقى على كلٍّ من الفريقين قطعةً قطعة لإِقامة النَّظم، ولا سبيل إليه إلاّ أن
يُرْشِد الأولياءَ لِطلب رِضاهنّ، وتؤمر النِّساء بشركة الأولياء، فلا يفتتن النِّساء على
الأولياء، ولا يضيّق الرجال على النساء. وليس الأَمْر أنهما حديثانِ متعارِضان، لِتطلب له
صورةُ التوفيق.
وبعبارة أخرى إنَّ حديث: ((لا نِكاح إلاَّ بولي))، لم يرد فيما تعارَضَ فيه الرضاءانِ،
وإنَّما هو في بيانٍ منشأ الشّارعِ: وهو أنَّ المُولية مأمورةٌ بتحصيل رِضاه، كما أنه مأمورٌ
بتحصيلٍ رضاها، فإذا توافق الرضاءان تحقق منشؤه. أما إذا تعارَضا، فهل يقدّم رضاها
على رضاه أو بالعكس؟ ففيه قوله: ((الأَيِّم أحقُّ بِنَفسها مِن وليها، والنظر المعنويُّ يؤيدُه،
فإِنها إذا نكحت من كفئها بمهر مِثْلها، ثُم لم يرض الولي، عُلِمٍ أنه مُتعنّت، فأيّ عبرةٍ به،
وحينئذ يظهر حَقُّها الذي هو حَقّها، وفيه حديث: ((الأيِّم أحقُّ)) ... إلخ. واهتديت إلى
هذا الجواب من لفظٍ محمد رحمه الله تعالى، وإذا ثبت أن الحديثَ لا يدلُّ إلاّ على إِذْن
الولي، ظهر أن تمسّكهم به على المسألةِ الثانية تطاول.
ثُم هل اشتراطُ الإِذْن لكونه حقّاً للوليّ أَم نظراً إلى المُولية؟ فالنظرُ فيه دائرٌ: فذهب
الجمهورُ إلى أنه لكونه حَقّه؛ وذهب أبو حنيفة أنه نظراً للمولية، لنقصان عقلهن وسوء
فِكْرهن، فكثيراً ما لا يهتدين إِلى المصلحةِ، ولعدم حمايةِ الحسب منهنَّ غالباً، فربما
رَغِبن في غير الكُفء، وفي ذلك عارٌ على قومها، فاشترط الإِذنَ لِتَنْسدَّ المفسدةُ. فإِن

٥٢٥
کتاب النَّاحِ
كان الأَمْرُ كذلك، فالنَّظرُ يَحْكُم أن يُقدّم رضاؤها على رضائه، إنْ تعارض الرضاءان(١)،
فليمعن النّظر في هذا الحَرْف: فإن ثبت أنَّ إثبات الولاية لِكونها حقَّ الوليّ قَوِي
مَذْهَبُهم، وإن ثبت أنه لكونها نظريةً، تأيّدَ مذهبُنا .
ثُم اعلم أنَّ الولاية ولايتان: ولايةُ إجبار، وولاية استحباب. والأُولى عندنا في
الصغيرة، أما الكبيرةُ فلا إجبار عليها. ومعنى الإِجبار نفاذُ النِّكاح عليها بدون رضاها،
دون جَبْرها على النِّكاح. وفَرّق الشافعية بالبكارة، والثيابة: فجعلوا ولايةَ الإِجبار في
الباكرة دون الثيب، ولم يعبأوا بالصِّغر والكِبر. وعلى هذا لا إجبارَ عندهم على الثَّيِّب
الصغيرة، وعندنا عليها ولايةُ الإِجبار لِصِغَرها. فالصورُ أربعٌ، ذكرها صاحِب (الهِداية))،
وفصل الخلافية عن غيرها .
قلتُ: لا ريبَ أنَّ المؤثر هو الصِّغر، ولا دخل فيها للثيابة والبَكَارة، ولذا أفتى
السُّبْكي - مع كونه شافعياً - على مسألةٍ أبي حنيفة، ولم ير في البكارة البالغة ولايةً
الإجبار.
هذا كلامٌ في شَرْح الحديثين، أما دلائلُ الحنفية فقد بسطه الشارحون، فراجعه (٢).
(١) قلتُ: ولعلهم لا ينازعوننا في أن الولايةَ في الأموال ليست إلا من باب النَّظر، فلتكن كذلك في باب الأنفس.
ولعل هذا هو الذي عناه الطحاوي، فقال: وأما النظر في ذلك، فإِنا قد رأينا المرأة قبل بلوغها يجوزُ أَمْر والدِها
عليها في بُضْعها ومالها، فيكون العَقْدُ في ذلك كلُّه إليه لا إليها، وحُكمه في ذلك كلّه حُكُم واحِد غير مختلف،
فإِذا بلغت فكلّ قد أجمع أنَّ ولايته على ما لها قد ارتفعت، وأنَّ ما كان من العقد عليها في مالها في صِغَرها قد
عاد إليها. فالنظر على ذلك أن يكون كذلك العَقْد على بُضْعِها يخرجُ ذلك من يدِ أبيها ببلوغها ... إلخ.
(٢) واعلم أنَّ الكلام في حجج الحنفيةِ، وأجوبة الخصوم طويلٌ جداً، لا يليق بهذه الحاشية، غير أني أشير إلى نبذة
مما ذكره العلامة المارديني، قال: وقولُه وَّهُ: ((ولا تُنْكح البِكُر حتى تُستأذن)»، دليلٌ على أنَّ البِكْر البالغ لا
يجبرها أبوها ولا غيرُه. قال شارح «العمدة)): وهو مذهب أبي حنيفة، وتمسُّكه بالحديث قويَ، لأنه أقربُ إلى
العموم في لفظ البِكر، وربما يزادُ على ذلك بأن يُقال: الاستئذانُ إنما يكون في حَقِّ مَنْ له إذنٌ، ولا إذن
للصغيرةٍ، فلا تكون داخلةً تحت الإِرادة، ويختصُّ الحديثُ بالبالغين، فيكون أقربَ إلى التناولِ. وقال ابنُ
المُنْذرِ: وهو قولٌ عامّ - أي الحديث المذكور -، وكل مَنْ عقد على خلافِ ما شرع رسولُ اللهِ وَّ، فهو باطل.
اهـ؛ وقوله عليه السلام في حديث ابن عباس: ((والبكر يستأذنها أبوها))، صريحٌ في أنَّ الأب لا يجبر البِكْر
البالغ، فترك الشافعيُّ منطوقَ هذه الأدلةِ، واستدل بمفهوم الحديث: ((الثيبُ أحقّ بنفسها))؛ وقال: هذا يدلُّ على
أن البِكْر بخلافها .
وقال ابنُ رُشْد: العمومُ أَوْلى من المفهوم بلا خلاف، لا سيما في حديث مُسْلم: ((البِكُر يستأمِرُها أبوها)»، وهو
نصٌّ في موضع الخلاف. وقال ابنُ حَزْم: ما نعلم لمن أَجَاب على البِكْر البالغةِ، إنكاح أبيها لها بغير أَمْرِها،
متعلّقاً أَضْلاً. وذهب ابنُ جرير أيضاً إلى أنَّ البِكْر البالغة لا تُجْبر. وأجاب عن حديث: ((الأَيُم أحقُّ بنفسها))،
بأنَّ الأَيِّم مَنْ لا زوج له، رجلاً أو امرأة، بِكْراً أو ثيباً، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَ مِنْكُرُ وَالصَّلِينَ﴾ [النور:
٣٢] وكرّر ذِكْر البكر بقوله: ((والبكر تستأذن، وإذْنها صِماتها))، للفَرْق بين الإِذنين؛ إذْن الثّب، وإذن البكر . =

٥٢٦
كتاب النكاح
٥١٢٧ - قوله: (نِكاحَ الاسْتِبْضَاعِ) والاستِبْضَاعِ طَلَبُ الجِماع.
٣٨ - بابٌ إِذَا كانَ الوَلِيُّ هُوَ الخَاطِبَ
وَخَطَبَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ امْرَأَةً هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهَا، فَأَمَرَ رَجُلاً فَزَوَّجَهُ. وَقَالَ عَبْدُ
الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ لأُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ قارِظِ: أَتَجْعَلِينَ أَمَرَكِ إِلَيَّ؟ قالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: قَدْ
تَزَوَّجْتُكِ. وَقَالَ عَطاءٌ: لِيُشْهِدْ أَنِّ قَدْ نَكَحْتُكِ، أَوْ لِيَأْمُرْ رَجُلاً مِنْ عَشِيرَتِهَا. وَقَالَ سَهْلٌ:
قالَتِ امْرَأَةٌ لِلِنَّبِيِّ وَِّ: أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا
حاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا .
٥١٣١ - حدّثنا ابْنُ سَلَامٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا في قَوْلِهِ: ﴿وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] إِلَى
آخِرِ الْآيَةِ، قَالَتْ: هِيَ اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حَجْرِ الرَّجُلِ، قَدْ شَرِكَتْهُ في مالِهِ، فَيَرْغَبُ عَنْهَا
أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ فَيَدْخُلَ عَلَيهِ فَيَ مالِهِ، فَيَحْبِسُهَا، فَتَهَاهُمُ اللّهُ عَنْ
ذلِكَ. [طرفه في: ٢٤٩٤].
٥١٣٢ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ المِقْدَامِ: حَدَّثَنَا فُضَيلُ بْنُ سُلَيمانَ: حَدَّثَنَا أَبُو حازِمِ:
حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيَّ ◌َّهِ جُلُوساً، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ تَعْرِضُ نَفسَهَا عَلَيْهِ،
ومَنْ أَوّل الأَيِّم بالثيِّب أخطأ في تأويله، وخالف سَلَف الأُمة وخَلَفها في إجازتهم لوالدِ الصغيرة تزويجها، بكراً
۔
كانت أو ثَيّباً من غير خلاف.
وفي ((التمهيد)) - ملخصاً -: قال أبو حنيفة، وأصحابُه، والثوريّ، والأوزاعي، والحسن بن حي، وأبو ثور، وأبو
عُبيد: لا يجوز للأبِ أن يزوّج بنته البالغة، بكراً أو ثيباً، إلاّ بإِذنها، والأَيّم التي لا بَعْل لها، بِكْراً أو ثيباً،
فحديثُ: ((الأَيِّم أحقُّ بِنَفْسها))، وحديث: ((لا تُنْكح البِكر حتى تستأذنَ))، على عمومهما، وخُصِّ منهما الصغيرةُ
بقصةٍ عائشة: ثم قال المارديني: وحَمْلُ المؤامرة على استطابة النفس خروجٌ عن الظاهر من غيرِ دليل، بل قوله:
((يستأمرها أبوها)) خبرٌ في معنى الأمر، وحديث: ((لا تُنكح البكر حتى تُستأمر))، يدلّ على ذلك، وكذا رده عليه
الصلاة والسلام إكفاح الأب، في حديث جرير بن حازم، وغيره. ولو ساغ هذا التأويل لساغ في قوله عليه الصلاة
والسلام في الصحيح: ((لا تنكح الثيِّب حتى تُستأمر)). اهـ مختصراً.
قال صاحب ((الاستذكار)): كان الزهريّ يقول: إذا تزوّجت المرأةُ بغير إذْنٍ وَليها جاز، وهو قولُ الشَّعبي، وأبي
حنيفةً، وزُفَر. وعند ابن أبي شيبةً عن عليّ كان إذا رُفع إليه رجلٌ تزوّج امرأةً بغيرٍ وليّ فدخل بها، أمضاه، اهـ.
وفي ((المعتصر)): وعن عائشةَ قالت: ((سألتُ رسولَ الله ◌ِِّ عن الجاريةِ يُنكِحُها أهلُها، أتستأمر أم لا؟ قال: نعم
تستأمر)) ... إلخ. وعن عدِي الكندي عن أبيه مرفوعاً، قال: ((القَيّب تُعْرِب عن نفسها، والبِكْر رضاها صَمْتُها. اهـ
ملخصاً، وإنما زَقَفت إليك هذه الجُملَ خاصّة، لكونها عزيزةً في الباب، وإنما يعرِفُها المجرِّبُ دون الحكيم، وقد
تَعرّض إليه الطحاوي في ((معاني الآثار)) فأجاد، وكذا الشيخ ابنُ الهُمام في ((الفتح))، وكذا الحافظ فضل الله
التوربشتي في شَرْح ((المصابيح))، غير أنه لا يمكنُ تلخيصُ كلماتِهم في هذا المختصر، بل لا يليق، وقد ذكر فيها
الشيخ أشياء في درس الترمذي، فعليك به من موضعه، وليس كلُّ الصيد في جوف الفری.

٥٢٧
كتاب النِّكَاحِ
فَخَفَّضَ فِيهَا النَّظَرَ وَرَفَعَهُ، فَلَمْ يُرِدْهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: زَوِّجْنِيهَا يَا رَسُولَ اللهِ،
قالَ: ((أَعِنْدَكَ مِنْ شَيءٍ؟)) قالَ: ماَ عِنْدِي مِنْ شَيءٍ، قالَ: ((وَلاَ خاتَماً مِنْ حَدِيدٍ؟)). قالَ:
وَلاَ خاتَماً مِنْ حَدِيدٍ، وَلكِنْ أَشُقُّ بُرْدَتي هذهِ فَأُغْطِيهَا النَّصْفَ، وَآَخُذُ النَّصْفَ، قالَ: ((لاَ،
هَل مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيءٌ؟)) قالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((اذْهَبْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)) .
[طرفه في: ٢٣١٠].
كابن العَمِّ بِبِنْت عَمِّه، وحينئذ هل يكفي له اللفظُ الواحد، أو يجب اللفظان؟
فليراجع له ((الكنز)). وأما ما في حديث البُخاري من قوله: ((قد تَزَوجتك))، ففيه لفظ
واحد فقط. ثُم في ((الهداية)) أنَّ إحدى الصِّيغتين إذا كانت للأمر، والأُخرى للماضي،
انعقد النِّكاح. ثُم للمشايخ فيه بَحْث، وهو: أن صِيغَةَ الأَمْر منهما إيجابٌ والماضي
قَبول، أو أنها توكيلٌ والماضي يقوم مَقامَ الإِيجاب والقبول؟ وليراجع له ((البحر الرائق)).
٣٩ - بابُ إِنْكاح الرَّجُلِ وَلَدَهُ الصِّغَارَ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَِّى لَمْ يَحِضْنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فَجَعَلَ عِدَّتَهَا ثَلاَثَةَ أَشْهُرِ قَبْلَ البُلُوغِ.
٥١٣٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائِشةً
رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ تَزَوَّجَهَا وَهيَ بِنْتُ سِتّ سِنِينَ، وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهيَ بِنْتُ
تِسْعٍ، وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعاً. [طرفه في: ٣٨٩٤].
لقوله تعالى: ﴿وَلَِّى لَمْ يَحِضْنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فجعل عِدَّتَها ثلاثةَ أشهر قبل البلوغ،
فجعل اللَّهُ سبحانه عِدّة غيرِ الحائض ثلاثةَ أشهر، ومعلوم أنها لا تَعدُّ إلا بعد النِّكاح، ثُم
الطلاق. والظاهر أنَّ الصَّغير لا يُنْكِحه إلا أبوه، فظهرت الترجمةُ.
٤٠ - بابُ تَزْويجِ الأَبِ ابْنَتَهُ مِنَ الإِمامِ
وَقَالَ عُمَرُ: خَطَبَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِلَيَّ حَفْصَةَ فَأَنْكَحْتُهُ.
٥١٣٤ - حدّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَجَهَ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتّ سِنِينَ، وَبَنَى بِهَا وَّهيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ. قالَ
هِشَامٌ: وَأُنْبِئْتُ أَنَّهَا كانَتْ عِنْدَهُ تِسْعَ سِنِينَ. [طرفه في: ٣٨٩٤].
٤١ - بابٌ السُّلطَانُ وَلِيٍّ
بِقَوْلِ النَّبِيِّ نََّ: ((زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)).
٥١٣٥ - حدّثنا عَبْدُ اللّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ أَبِي حازِمِ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ
سَعْدٍ قالَ: جاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَّهَفَقَالَتْ: إِنِّي وَهَبْتُ مِنْ نَفسِي، فَقَامَتْ طَوِيلاً،

٥٢٨
كتاب النّكَاحِ
فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، قالَ: ((هَل عِنْدَكَ مِنْ شَيءٍ تُصْدِقُهَا؟))
قالَ: ما عِنْدِي إِلاَّ إِزَارِي، فَقَالَ: ((إِنْ أَعْطَيتَهَا إِيَّهُ جَلَسْتَ لاَ إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيئً)).
فَقَالَ: ما أَجِدُ شَيئاً، فَقَالَ: ((التَمِسْ وَلَوْ خاتَماً مِنْ حَدِيدٍ)). فَلَمْ يَجِدْ، فَقَالَ: ((أَمَعَكَ مِنَ
القُرْآنِ شَيءٌ؟)) قالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرِ سَمَّاهَا، فَقَالَ: ((زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا
مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)). [طرفه في: ٢٣١٠].
والسلطانُ قد يكون وَلياً في فِقْهنا أيضاً، كما إذا لم يكن له العَصَبة بنفسه .
٤٢ - بابٌ لاَ يُنْكِحُ الأَبُ وَغَيرُهُ البِكْرَ وَالثَّيِّبَ إِلاَّ بِرِضَاهَا
٥١٣٦ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ أَبَا
هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قالَ: ((لاَ تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلاَ تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى
تُسْتَأْذَنَ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، وَكَيفَ إِذْنُهَا؟ قالَ: ((أَنْ تَسْكُتَ)). [الحديث ٥١٣٦ - طرفاه في:
٦٩٦٨، ٦٩٧٠].
٥١٣٧ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ قالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكَةَ،
عَنْ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى عائِشَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّ الِكْرَ تَسْتَحِي،
قالَ: ((رِضَاهَا صَمْتُهَا)). [الحديث ٥١٣٧ - طرفاه في: ٦٩٤٩، ٦٩٧١].
والظاهر أنه أشارَ إلى مُوافَقَتِهِ لأبي حنيفة، أنَّ ولاية الإِجبار تنقطع بالبلوغ، لأنَّ
الصغيرة لا ولاية لها على نفسها، فهي مستثناةٌ عَقْلاً .
٥١٣٦ - قوله: (حتى تُسْتأمر) فَرْق الحديثُ(١) في اللفظ، فَوَضَع الاستئذانَ في
البكر، والاستثمارَ في الثَّيّب، والسرُّ فيه أنه لا بد في الأَيِّم مِن الإذن قَوْلاً، بخلاف
البِكْر، فإِنه يكفي لها السكوتُ أيضاً.
٤٣ - بابٌ إِذَا زَوَّجَ ابْتَتَهُ وَهيَ كَارِهَةٌ،
فَنِکاحُهُ مَرْدُودٌ
٥١٣٨ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَني مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ القَاسِم، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرحْمُنِ وَمُجَمِّع ابْنَي يَزِيدَ بْنِ جارِيَةَ، عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامَ اْلأَنْصَارِيَّةِ: أَنَّ
أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللّهِ وَلَ فَرَدَّ نِكَاحَهُ. [الحديث ٥١٣٨ -
أطرافه في: ٥١٣٩، ٦٩٤٥، ٦٩٦٩].
٥١٣٩ - حدّثنا إِسْحاقُ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ: أَخْبَرَنَا يَحْيى: أَنَّ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَدَّثَهُ:
(١) قلت: وقد مَرّ آنفاً ما ذكر فيه الشاه وليّ الله قدس سره في ((حجة الله)) فراجعه.

٥٢٩
كتاب النكاحِ
أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ يَزِيدَ وَمُجَمِّعَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَاهُ: أَنَّ رَجُلاً يُدْعى خِذَاماً أَنْكَحَ ابْنَةً لَهُ،
نَحْوَهُ. [طرفه في: ٥١٣٨].
لم يقيده لهُهنا بالصغيرةِ مع كونه لازِماً، وصَرَّح بالبُطلان، على خلافِ الشافعيِّ.
٥١٣٨ - قوله: (إنَّ أباها زَوَّجها، وهي ثَيِّب) وذكر الآخَرُون أنها كانت بِكراً، فلم
ينفصل منه شيء(١).
٤٤ - بابُ تَزْوِيجِ اليَقِيمَةِ(٢)
لِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى الْيَ فَأَنْكِحُواْ﴾ [النساء: ٣]، وَإِذَا قالَ لِلوَلِيِّ: زَوِّجْنِي
فُلاَنَةَ، فَمَكُثَ سَاعَةً، أَوْ قَالَ: ما مَعَكَ؟ فَقَالَ: مَعِي كَذَا وَكَذَا، أَوْ لَبِثَا، ثُمَّ قالَ:
زَوَّجْتُكَهَا، فَهُوَ جائزٌ. فِيهِ سَهْلٌ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ.
٥١٤٠ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ اللَّيثُ: حَدَّثَني
عُقَيِلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: أَنَّهُ سَأَلَ عائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَ لَهَا:
يَا أُمَّتَاهُ: ﴿وَإِنَّ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ الْيَى فَأَنْكِحُواْ﴾ إِلَى: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾ [النساء: ٣] قالَتْ
عائِشَةُ: يَا ابْنَ أُخْتِي، هذهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حَجْرٍ وَلِيِّهَا، فَيَرْغَبُ في جَمَالِهَا وَمَالِهَا،
وَيُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ صَدَاقِهَا، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ إِلَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ في إِكْمَالِ الصَّدَاقِ،
وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ، قالَتْ عَائِشَةُ: اسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللّهِوَهَ بَعْدَ
ذلِكَ، فَأَنْزَلَ اللّهُ: ﴿ وَيَسْتَقْتُونَكَ فِىِ الْنِسَاءِ﴾ إِلَى: ﴿وَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] فَأَنْزَلَ
اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ لهُمْ في هذهِ الآيَةِ: أَنَّ اليَتِيمَةَ إِذَا كِانَتْ ذَاتَ مَالٍ وَجَمَالٍ رَغِبُوا في نِكَاحِهَا
وَنَسَبِهَا وَالصَّدَاقِ، وَإِذَا كانَتْ مَرْغُوباً عَنْهَا فِي قِلَّةِ المَالِ وَالجَمَالِ تَرَكُوهَا وَأَخَذُوا غَيْرَهَا
مِنَ النِّسَاءِ، قالَتْ: فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا حِينَ يَرْغَبْونَ عَنْهَا، فَلَيسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إِذَا رَغِبُوا
فِيهَا، إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهَا وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا الأَوْفَى مِنَ الصَّدَاقِ. [طرفه في: ٢٤٩٤].
وهي التي لا أب لها، ولا وليَّ لها، فإِذا مات أبو الصغيرة ولا وليّ، فلا سبيلَ
للنِّاح حتى تَحِيض، وكذلك عند الشافعيّ، فإنه إذا لم تكن عنده ولايةُ الإِجبار على الثَّيب
الصغيرة، عَضَلَت عن النكاح ما لم تبلغ، لأنها إما أن تَعْقِد نكاحَها بنفسها، فالنكاح لا
ينعقد عندهم بعبارة النساء، وإما أن يعقد عليها وَليُّها، فليس له ولايةُ الإِجبار.
قوله: (فَمَكُثَ ساعةً) أي لم يتبدّل المَجْلِس.
قوله: (أو قال: ما مَعَك) فالمجلس لا يتبدّل بهذا القول، وحينئذ يرتبِطُ القَبول مع
الإِيجاب، لكونِهما في مجلس واحدٍ.
(١) وراجع له ((الجَوْهِر النَّقي)).
(٢) وراجع ((الجَوْهر النَّقي)).

٥٣٠
كتاب النَّاحِ
٤٥ - بابٌ إِذَا قالَ الخَاطِبُ لِلوَلِيِّ: زَوِّجْنِي فُلاَنَةٍ، فَقَالَ: قَدْ زَوَّجْتُكَ
بِكَذَا وَكَذَا، جازَ النِّكَاحُ، وَإِنْ لَمْ يَقُل لِلِزَّوْجِ: أَرَضِيتَ أَوْ قَبِلتَ
٥١٤١ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ أَبِي حازِمِ، عَنْ سَهْلٍ: أَنَّ
امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ◌َّهِ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفسَهَا، فَقَالَ: ((ما لِي الْيَوْمَ في النِّسَاءِ مِنْ حاجَةٍ)).
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللّهِ زَوِّجْنِيهَا، قالَ: ((ما عِنْدَكَ؟)) قالَ: ما عِنْدِي شَيءٌ، قالَ:
((أَعْطِهَا وَلَوْ خاتَماً مِنْ حَدِيدٍ)). قالَ: ما عِنْدِي شَيءٌ، قالَ: ((فَمَا عِنْدَكَ مِنَ القُرْآنِ؟».
قالَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: ((فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)). [طرفه في: ٢٣١٠].
وهي المسألةُ التي ذكرناها: أنَّ إحدى الصِّيغَتين إذا كانت صيغةَ الأَمْر، والأُخْرى
صيغةَ الماضي، فماذا تخريجه فيه؟.
٤٦ - بابُ لاَ يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَدَعَ
٥١٤٢ - حدّثنا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيج قالَ: سَمِعْتُ نَافِعاً يُحَدِّثُ: أَنَّ
ابْنَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا كَانَ يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ وَّهِ أَنْ يِّبِيعَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلاَ
يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةٍ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَّهُ الخَاطِبُ. [طرفه في:
٢١٣٩].
٥١٤٣ - حدّثنا يَحْيى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيِعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ
قالَ: قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَأْثُرُ عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالّنَّ، فَإِنَّ الِّنَّ أَكْذَبُ الَحَدِيثِ،
وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَكونُوا عِبَادَ الله إِخْوَاناً)). [الحديث ٥١٤٣ -
أطرافه في: ٦٠٦٤، ٦٠٦٦، ٦٧٢٤].
٥١٤٤ - ((ولاَ يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ)). [طرفه في:
٢١٤٠].
٤٧ - بابُ تَفْسِيرِ تَرْكِ الخِطْبَةِ
٥١٤٥ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ
اللّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا يُحَدِّثُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، حِينَ
تَأَيَّمَتْ حَفصَةٌ، قالَ عُمَرُ: لَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ،
فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللّهِ بَّهَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ
إِلَيكَ فِيمَا عَرَضْتَ، إِلاَّ أَنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ قَدْ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لأُفشِيَ سِرَّ
رَسُولِ اللّهِ بََّ، وَلَوْ تَرَكَهَا لَقَبِلتُهَا. تَابَعَهُ يُونُسُ، وَمُوسى بْنُ عُقْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ عَنِ
الزُّهْرِيِّ. [طرفه في: ٤٠٠٥].

٥٣١
كتاب النّكَاحِ
يعني أنَّ القرائن الدَّالةَ على إرادةٍ تَرْك التزوج كافيةٌ، ولا يحتاج إلى أن يصرِّح به أيضاً.
٥١٤٥ - قوله: (ولو تَرَكَها لَقَبِلْتُها) قاله أبو بكر لعمرَ. بقي أن أبا بكر كيف عَلِم أنَّ
النبيَّ ◌َلَّ تارِكُها؟ قلتُ: بهذه القرائن التي يعرف بها الدّنيا.
٤٨ - بابُ الخُطْبَةِ
٥١٤٦ - حدّثنا قَبِيصَةُ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ
يَقُولُ: جاءَ رَجُلاَنٍ مِنَ المَشْرِقِ فَخَطَبَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّه: ((إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْراً)). [الحديث
٥١٤٦ - طرفه في: ٥٧٦٧].
وهي مُستحبَّةٌ، إلا أنَّ الحديث فيه ليس على شَرْطه، فأتى بحديثٍ في الجنس.
٥١٤٦ - قوله: (إنَّ من البيانِ لَسِحْراً) يحتمل أن يكونَ مَدْحاً، كما يحتمل أن يكون ذَمّاً .
٤٩ - بابُ ضَرْبِ الدُّفِّ في النّكاح وَالوَلِيمَةِ
٥١٤٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ: حَدَّثْنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ قَالَ: قَالَتِ
الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ: جاءَ النَّبِيُّ وَل﴿ فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي
كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، فَجَعَلَتْ جُوَيرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ، إِذْ
قالَتْ إِحْدَاهُنَّ: وَفِينَا نَبِيِّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ بَّهَ: ((دَعِي هذِهِ، وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ
تَقُولِينَ)). [طرفه في: ٤٠٠١] .
ويُستفاد من تكملة ((فتح القدير)) جوازُ الطَّبل أيضاً، لأنّه لا حَظّ فيه للنَّفْس، وإنما
يتلذّذ به مَنْ مُسِخ طَبْعُه، وهو المختار عندي، وإنْ كان فيه خلاف للشاه محمد إسحاق،
فظهر أن المناط على حَظّ الطبائع السليمة.
٥٠ - بابُ قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى: ﴿وَءَاتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَتِهِنَّ نِعْلَةٌ﴾ [النساء: ٤]
وَكَثْرَةِ المَهْرِ، وَأَدْنَى ما يَجُوزُ مِنَ الصَّدَاق
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَدهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيًْا﴾ [النساء: ٢٠] وَقَوْلِهِ جَلَّ
ذِكْرُهُ: ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وَقَالَ سَهْلٌ: قالَ النَّبِيُّ نَّهِ: ((وَلَوْ خاتَماً مِنْ حَدِيدٍ)).
٥١٤٨ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيبٍ، عَنْ
أَنَسِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَقَّجَ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ، فَرَأَىَ النَّبَيُّ ◌َرَ بُشَاشَةَ
العُزَّسِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْن نَوَاةٍ. وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ عَبْدَ
الرَّحْمُنِ بْنَ عَوْفٍ، تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. [طرفه في: ٢٠٤٩].
والظاهر أنه اختار مَذْهب الشافعي في عدم تعيينِ المَهْر، وقال أبو حنيفة: لا مَهْر

٥٣٢
كتاب النّكَاحِ
أقل من عشرةٍ دراهمَ. إلا أنَّ في إسناده حجاجَ بن أَرطاة، وحَسّن الترمذيُّ حديثَه في غير
واحد مِن المواضع من كتابه، وإن كان المحدِّثون لا يعتبرون بتحسينه، أما أنا فأعتمد
بتحسينه، وذلك لأنَّ الناس عامّة ينظرون إلى صورةِ الإِسناد فقط، والترمذيُّ ينظر إلى
حاله في الخارج أيضاً، وهذا الذي ينبغي، والقَصْر على الإِسناد فقط قصور، والطَّعْن فيه
أنه كان يَشْرب النبيذ.
قلتُ: ولا جَرْح به عند أهل الكوفة، فإِنه حلالٌ عندهم. وقالوا أيضاً: إنَّه كان
مُتكبّراً؛ قلتُ: دعوها، فإِنها كلمةٌ مُنْتِنة، واتركوا سائرَ الناس لله عز وجل. وقالوا: إنه
كان يَترك الجماعة؛ قلتُ: نعم هذا الجرح شديدٌ، إلاّ أنه نُقلٍ عن مالك أنه لم يأت
المسجدَ النبويَّ إلى ثلاثينَ سنةً، فَسُئل عنه. فأجاب: أنَّ كلّ أَحَدٍ لا يقدر على إظهارٍ
تُذْرِهِ، فحسنه العلماءُ على جوابه، كما في ((التذكرة))؛ قلتُ: نعم، وذلك لأنه كان إماماً
عظيماً أَتَاه الله عِلْماً وحِكْمة، وقَبولاً، فنكسوا رؤوسهم. أما الحَجّاج فكان رَجُلاً من
الرجال، فتكأكأوا عليه كالتكأكؤ على ذي جِنّة .
ثُم الشيخُ ابنُ الهُمام أتى بحديثٍ في تقدير المَهْر في باب الكفاءة، وهذا من
زياداتِه على الزَّيلعي، وقد زاد عليه في موضع آخر، وإلاَّ فجميع كتابِه مأخوذ من
الزَّيلعي، ولم يأت عليه بشيءٍ جديدٍ، ونقل الشيخُ تصحيحَه عن الحافظ بُرْهان الدِّين
الحَلَبي، إلا أنه لم يكن عنده إسنادُه، ثُم ذكر الشَّيخ ابنُ الهُمام أنَّ بَعْضاً من أصحابه جاء
بسندِه(١) من عندِ الحافظ ابنِ حَجَر، والحديث بذلك السَّند ليس أَقلَّ من الحَسَن. قلتُ:
وأَكْبر ظَنِّي أن هذا البَعْضَ الذي جاء بسنده، - هو تلميذُه ابنُ أمير الحاج - وهو نِصاب
القَطْع، في باب السَّرقة عندنا (٢).
(١) قلتُ: وهذه صورةُ ما ذكره الشيخ ابنُ الهُمام لإِسنادٍ حديثِ المَهْر، قال: ثُم وجدنا في شَرْح البخاري للشيخ
بُرهان الدِّين الحلبي: ذَكَر أن البغوي قال: إنه حَسَنٌ، وقال فيه: رواه ابنُ أبي حاتم من حديث جابر عن عمرو
بن عبد الله الأُؤْدي بِسنده. ثُم وجدنا عند بَعْضٍ أصحابنا صورةَ السَّند عن الحافظ قاضي القضاة العَسْقلاني،
الشهير بابن حجر. قال ابنُ أبي حاتم: حدثنا عَمْرو بن عبد الله الأودي: حدثنا وَكيع عن عَبَّاد بن منصور، قال:
حدثنا القاسم بن محمد، قال: سَمِعت جابراً رضي الله عنه يقول: قال: سمعتُ رسولَ الله وَ ليقول: ولا مَهْر
أَقلُّ من عشرة ... الحديث الطويل. قال الحافظ: إنه بهذا الإِسناد حَسَنٌ، ولا أَقَلّ منه. اهـ كذا في ((فتح القدير))
في فَضْل الكفاءة .
(٢) قال الخطابي في ((المعالم)): وقال أصحابُ الرأي: أَقلّه عشرةُ دَراهمَ، وقَدّروه بما يُقطع فيه يدُ السّارق عندهم،
وزعموا أنَّ كلَّ واحدٍ منهما إتلافُ عُضْو. اهـ وذكر ابنُ رُشْد: قال ابن شُبْرُمة: هو خمسةُ دراهم، لأنّه النِّصاب
عنده أيضاً في السَّرِقة، ثُم قال ابنُ رُشْد: وقد احتجَّت الحنفيةُ بما رُوي عن جابر مرفوعاً: أنه قال: لا مَهْر بأقلَّ
من عشرةٍ دراهمَ، ولو كان هذا ثابتاً لكان رافِعاً لموضِع الخلاف. اهـ: ((بداية المجتهد». قلتُ: وقد عَلِمت
تحسينَ هذه الروايةِ آنِفاً، وراجع كلام ابن رُشْد مُفَصّلاً، فإِنّ فيه فوائد.

٥٣٣
كتاب النَّاحِ
وله حديثٌ قويٌّ عند النَّسائي، والرأي فيه عندي أنَّ المَهْر، وكذا نِصاب السَّرقة
كانا قَليلين في أَوَّل الإسلام، لعسر حال المسلمين، فلما وَسَّع الله تعالى عليهم زِيد في
المهر ونصاب السرقة أيضاً، حتى استقرَّ الأَمْر على عشرة دراهمَ فيهما، فلا نَسْخ عندي.
وحينئذٍ جاز أن يكون نَحْوُ خاتم حديد تمامَ المَهْر في زمن، ولك أن تحمله على المُعَجّل
أيضاً. فالصُّورُ كلُّها معمولةٌ بها عندي، وإن انتهى الأَمْر إلى العشرةِ (١).
(١) قلتُ: وفي المقام مباحثُ نفيسةٌ ذكرها القاضي أبو بكر بنُ العربي في ((شرح الترمذي)) أهديها إليك لتنتفع بها،
ثُم لتنفع الناس، فإِنّ خيرَ الناسِ مَنْ ينفع الناس:
قال ابنُ العربي رحمه الله تعالى: وقد اختلف الناسُ في ذلك على سَبْعة أقوال: الأَوّل: لا مَهْر أَقلُّ من أربعينَ،
قاله النخعي؛ الثاني: لا مَهْر أقلّ من دينار. قاله أبو حنيفة؛ الثالث: لا مَهْر أقلُّ من خمسة دراهم، قاله ابن شُبْرمة؛
الرابع: لا مَهْر أقلُّ من رُبُع دينار، قاله مالك؛ وقال الدَّاودي: تَعَرَّقْتُ أبا عبد الله، أي قلت بمذهبِ أهل العراق.
وقال الأَوْزاعي، وابن وَهْب: درهم، وهو الخامس؛ السادس: قيراط، قاله ربيعة. وقال الشافعيُّ وجماعةُ أهل
المدينة: وما تراضى عليه الأَملون، وهو كلُّ ما جاز أن يكون ثمناً، أو أُجرةً، حتى الموزون، ورُوي مِثْله عن ابن
عباس. وقد روى مالك حديث الموهوبة، وأنَّ النبيَّ ◌ٍَّ قال للذي سأله أن يُزوّجها منه: التمس ولو خاتماً مِن
حديد، ودرهماً من حديد، أو قَدْرها بما يكون خاتماً لا يساوي رُبُع دينار. إما لا جوابَ عنه لأحد، ولا عُذْر فيه،
وإما أنَّ المحقّقين من علمائنا نظروا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾
[النساء: ٢٥] فمنع اللَّهُ القادِرَ على الطَّوْلِ من نكاح الأَمة. ولو كان الطّوْل درهماً ما تَعذَّر على أَحَد، وكذلك ثلاثة
دَراهمَ، لا تتعذّر على أَحد. على أنَّ الناس اختلفوا في الطَّوْل، فمنهم مَنْ قال: هو القدرةُ على نِكاح الحُرّة، ومَنْ
قال: الطَّوْل هو وجودُ الحُرّة تحته، ويحتمل أن يُراد حقوقُ الحرّة من الإِنفاق والكِسوة، فلا يدخلُ محتمل آيةٍ على
نصّ حديث ذَكَره الأئمةُ في الصِّحاح. وقد ذكر أبو عيسى بعد ذكر قليل الصَّداق حديث عُمرَ: أَلا لا تغالوا في
صدقاتِ النِّساء، فإِنها لو كانت مَكْرمةً عند الله، لكان أَوْلى بها رسولُ اللهِ ◌َّ، ما عَلِمت أنَّ رسول الله ◌ِهِ أَصْدَقَ
لِعدّة من نسائه أكثرَ من ثماني عشرةً أوقيةً. وزاد أبو عيسى: ولا امرأة. زاد النَّسائي: وأنَّ رَجُلاً ليغلي بصداق
امرأته، حتى لا يكون لها حرارةٌ في نفسه، وحتى يقول لك: عَلّق القرفة. وذُكر عن عائشةً عن النبيِّ ◌َِّ: ((أعظمُ
النّساء بركةً أَيْسرُهنَّ مَؤونةً)). وروى مسلمٌ: أنْ رَجْلاً جاء إلى النبيّ وَّرِ فقال: إني تزوّجت امرأةٌ من الأنصار، قال
النبيُّ ◌َّه: هل نظرت إليها، فإِنَّ في أعين الأنصار شيئاً؟ قال: قد نظرت إليها. قال: على كم تَزوَّجتها؟ قال: على
أربعةِ أواقٍ. فقال النبيُّ ◌َّرَ: أَزْبع أواق، فكأن تَنْحِتون الفِضَّة من عرض هذا الجبل، ما عندنا نعطيك، ولكن عسى
أن نّبعثك في بَعْث تصيبُ منه ذلك، فبعث ذلك الرّجل فيهم. وفي ((أحكام القرآن)) تمامُ بيانه.
فأما معنى الحديث الذي ذكره، ففيه عُشرون تكملةً: الأولى: أنَّ المرأة وهبت نفسها بغيرِ صَدَاق، وذلك لا يكون
إلاَّ للنبيِّ وَّر. واختلف الناس في وَجْه ذلك، فمنهم مَنْ قال: إنها أعطته نَفْسها بغير صَدَاق، وذلك لا يكون إلا
للنبي ◌َّهِ خَاصّة، ومنهم مَنْ قال: إن هو إلا أنها عقدت نِكاحها منه، على معنى النّكاح بِلَفْظ الهِبة. وقال ابنُ
المسيّب: لو أعطاها سوطاً لحلّت له.
وقال وكيعٌ: لو رضيت بسوط كان مَهْرَها. والصحيح أنها أرادت هِبةَ النفس بغير ◌ِوض، لاعتقادها أنَّ النبي ◌ِّيّ
أَوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، وأنه يختصُّ في النكاح بأشياء كثيرة لا تجوز لغيره، وهذا منها، فقد تَزوّج صفيةً بغير
صداق.
الثاني: أنَّ النّكاح بلفظ الهِية جائز، لأنَّ النبيَّ ◌َِّ قال في آخره: مَلَّكْتُكَها، وزوجتُكها، وأَنْكَحْتُكَها، وهذا كله في
الصحيح، ويقتضي أنه ليس للنكاح لفظ مخصوص، فإِنه بعبارة - كما قال بعض أصحاب الشافعي - وإنما هو عَقْد =

٥٣٤
كتاب النّكَاحِ
تراضٍ، فما فُهِم منه الرضى جاز. وأما أبو حنيفة فجعله بكلٌ لَفْظٍ ويقتضي التمليكَ على التأبيد، وهذا تعلق
=
باللفظ، وليس له عندنا معنًى بحال، بل لو قال: وحللت لك، أو أَبَخْت لك، لجاز. وذكر بعضُ أصحابنا: لمالك
أنَّ النّكاح بِلَفْظ الهِبة لا يجوز، وليس الأَمْر كما زعم، إنما قال: عند مالك لا تكونُ الهِبةُ لأَحدٍ بعد النبيّ ◌َلِّ ،
يعني الموهوبة، لقوله: ﴿خَالِصَةُ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِينٌ﴾ [الأحزاب: ٥٠] أما إنه قد روى عن المغيرةَ، ومحمد
بن دينار مِثْل مَذْهب الشافعي. وتحقيقُ القول فيه: إنه إذا قال له: وَهَبْتك، إن أراد نكحتك، وقابله الآخر، كذلك
جاز. وإنْ قصد الآخَرُ صَداقاً، فكأنه شَرَط حَطّ الصَّداق، وذلك بمنزلته لو صرح، فقال: بلا صَداق، وفيه قولان:
أحدهما: يَفْسخ بكلُ حال؛ الثاني: أنه يفسخ قَبْل الدُّخول خاصَّة. وقال عامّةُ العلماء: الشّرْط لا يَضُرُّ بالعَقْد،
والنكاح صحيح. وقد بَيّناه في مسائل الخلاف.
الثالث: أنَّ فيه خِطْبة المرأةِ لنفسها، إذا كان المخطوبُ مِمَّن يَرْغب في صلاحه، وقد قالت بِنْتُ أنس لأنس، حين
سمعته يُحدّث بهذا الحديث: ((واسوأتاه)). قال: هي خيرٌ منك، رَغِبت في النبيِّ وَلَّهِ، فَعَرَضت نَفْسُها عليه.
الرابع: حديث يَعْقُوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم هذا، أنها قالت: جئت لأهب نفسي لك، فصعد النظر فيها
وصَوّبه. ويحتمل أنها كَلَّمته قَبْل الحجاب مُتلففةً، وأن ذلك كان جائزاً، فإنه يدخلُ في باب نظر الرجل إلى المرأة
التي يريد أن يتزوجها. فإِنك إنْ لم ترد نِكاح المرأةِ، لم يَجُز لك النّظر إليها بارزةَ الوَجْه، ولا متلففة، فترى منها
القامة، والهبة خاصّة.
الخامس: ((التمس ولو خاتماً من حديد)»، الخاتم من الحديد الذي يتزين به، قيمتُه أكبرُ من وزنه، وقد قَرَّرْنا في
تلخيص الملخص فوائد أربعة في تقرير مالك له، وقلنا: إنَّ الأعيان المالية، والمنافع المبتذلةَ يجوزُ استيفاؤها بغير
عِوض، فجاز أن يُستباح بكلّ عِوض، والبُضْع لا يُباح إلا بِعِوض بياناً لخطره، فيقدّر بياناً لخطره. وذكرنا مَأخَذاً
ثانياً، وهو أنّ الصَّداق حَقُّ الله، فوجب تقديرُه. وهذه الأصولُ لا تَرد بألفاظٍ من الأحاديث محتملة، يعارضها مِثْلُها
من القرآن، كما بيناه، والله أعلم.
السادس: قوله: ((إن أعطيتها إزارَك، جلست لا إزار لك))، دليلٌ على مِلْك المرأة الصَّداق بنفس العقد، ولا خلاف
فيه لاتفاق الأُمة على جواز التصرّف فيه، وترتب على هذا فروعٌ من مسائل الفقه، سيأتي بيانها.
السابع: أنَّ ما لا يمكن تسليمُه لا يكونُ صَداقاً، لأنه لو سَلَّمه لم کشِف.
الثامن: إنَّ فيه وجوبَ تعجيل المَهْر، أو شيء منه، لأنه لو لم يوجب ذلك، لازمه إياه، وأرجاه عليه.
التاسع: ذِكْره لخاتم الحديد كان قَبْل النهي عنه، وقوله: ((إنّه حِلْيةُ أَهْل النّار)»، فنسخ النهي جوازه له، والأحاديث
في ذلك صحاح وإن لم تكن في الصحيح، ويعضده إجماعُ الأُمة على تركه عملاً.
العاشر: إنَّ هذا يحتمل أن يكون زمانَ جواز الاستمتاع بالنساء، كما قال جابر: كُنا نستمتع على عهد رسول الله ◌َّ
بالقبضة من الطعام، ثُم نَسخ اللَّهُ المتعة، وصَداقها.
الحادي عشر: أنَّ مِن العلماء من قال: إنما جوازُها بِفَضْل حِفْظ القرآن، أو سُورٍ منه، كما رُوي عن أُم سُلَيم: أنه
خَطَبها أبو طلحة، فقالت: والله يا أبا طلحةً ما مِثْلك يُردّ، ولكنك رجلٌ كافر، وأنا امرأةٌ مُسْلمة، ولا يَحِل لي أن
أتزوَّجك فإِن تُسْلم فذلك مَهْري، ولا أسألك غيرَه، فأسلم، فكان ذلك مَهْرَها. قال ثابت: فما سَمِعنا بامرأةٍ قَطْ
كانت أكرمَ مهراً من أُمّ سُلَیم، فدخل بها، فولدت له.
الثاني عشر: ومن العلماء مَنْ قال: إنما زَوّجها على أن يُعلّمها سوراً من القرآن. وفي حديث أبي داود: ((فقم
فعلِمها عشرين آيةً))، فكأنَّها كانت إجازةً، وكرهه مالك، ولم يجزه أبو حنيفة، ومنعه ابنُ القاسم، وقال: يفسخ قبل
البناء، ويثبت بعده. ودار كلامُ أصبغ على أنه إنْ نزل مَضَى. قاله مالك، وأَشْهب، وابن المواز. ولو كان جُعْلاً، =

٥٣٥
كتاب النَّاحِ
فائدة
واعلم أنَّ الحافِظَ بُرهان الدِّين الحلبي الحنفي يقالُ له: ابنُ السِّبْط العجمي أيضاً،
وهو متأخّرٌ عن الزَّيْلعي بقليل. وهذا الذي كان الحافِظ ابنُ حجر فَوَّض إليه جميعَ كُتُبه
ليستفيدَ منها ما شاء، إلا أنَّ مصنَّفاتِه ضاعت في زمن تيمر، وكان الظالم أَحْرَقها بين
عَيْنِيه، ليزيدَه حُزْناً وحَسْرةً، فإِنَّا لله وإنّا إليه راجعون.
٥١ - بابُ التَّزْوِيجِ عَلَى القُرْآنِ وَبِغَيرِ صَدَاقٍ
٥١٤٩ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْد اللّهِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: سَمِعْتُ أَبَا حازِمِ يَقُولُ: سَمِعْتُ
فقال يحيى عن ابن القاسم: لا يجوز، ولا نراه على أنه إن نزل مضى، ولا حَدّ منه. وقال الشافعي: جاز ذلك في
=
تقسيم القرآن. والصحيح جوازُه بالتعليم، لأنَّ قول النبي ◌ِّر: ((فما معك))، يريد العوض. وفي رواية أبي داود:
معي سورةُ البقرة، والتي تليها. وقد روى يحيى بن مضر عن مالك بن أنس في الذي أمره النبيُّ ◌ُّ أنْ يَنْكح بما
معه من القرآن، أن ذلك في أجرته على تعليمها، وبذلك جاز أخذ الأجرة على تعليمه، وهذا المعنى الثالث عشر،
وبالوجهين قال الشافعي، وإسحاق. وإذا جاز أنْ يُؤخذ عنه العوض جاز أن يكون عِوضاً، وقد أجازه مالِك من هذه
الجهة، فلزمه منسوخٌ بقوله: ((لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عَذل»، وهذه سَقْطة، أين شروط النّسخ؟ كلُّها معدومةٌ:
هذا الحديث صحيح، والذي ذكره باطل. ولا نعلمُ - لو كان صحيحاً - المتقدِّم من المتأخر، ولا تعارض بينهما،
فكيف يُطلق لسانَه فيما لم يُحكم بيانه، ولا أَوضح برهانه.
والسادس عشر: ما رُوي عن النبيِّ يَّ أنه نظر في صِفته، فلما رآه مُسْلماً قد جمع من القرأن جُمْلةً، زَوَّجه منها
فعرَّس، وأرجأ الصَّداق إلى المَيْسرة، وهذا حَسَنٌّ، إلا أن الظاهر يخالِفُه.
السابع عشر: معنّى، ذكرَ أبو عيسى حديث في عِثْق النبي ◌َِّ صَفِيّة، وجعل عِثْقها صَدّاقها، قال به أحمد بن
حنبل. قلنا له: قيل الراوي: ما أمهرها؟ قال: أمهرها نَفْسَها. أخبرنا ابن الطيوري: أخبرنا الدار قطني: أخبرنا يحيى
بنُ إسماعيل، ومحمد بن مخلد: حدثنا علي بن أحمد السَّواق: حدثنا بشر بن موسى عمن يَغْتق جاريته، ثم
يتزوجها، فقال: ألم يعتق رسولُ اللهِ وَّ صفيةَ بنت حيي بن أخطب، وجُوَيريةً بنتَ الحارث بن أبي ضِرار، وجعل
عِتْقها مهرَها، وتزوجها، وأنّ النبي ◌َّهر قد خُصّ في النكاح والنساء باتفاق مِنّا ومنك بمعانٍ لا تجوز لغيره، فلا
يَحِل لأحد أن يأجز في النكاح للنبيِّ، فهو له جائز، وأما في غير ذلك فهو أُسوة.
الثامن عشر: كانوا يقولون في الحديث الصحيح: ((إنّ مَنْ تزوّج معتقةً، كمن رکِب دابته))، وهذا صحيح من وَجْه،
ويلزم لو قلنا يركبها بغير صَداق، وأما إذا قلنا بوجوب الصَّداق، فقد خرج عن هذا التمثيل، وصار المعتِقْ كأَحَد
المسلمين. وإنما يلزم ذلك لأي أحَدٍ لزوماً لا محيص عنه، فإِن أراد أن يخرج عن ذلك بِفِعْلِ النبيِّ بِّه،
فالنبيُّ ◌َّرَ، مخصوصٌ، وحديث أبي موسى يقتضي أن زواجَ الأمة المعتقة فيه فَضْل كبير، والذي يُرتَّب عليه أَجْره
مرتين في هذه المسألة .
التاسع عشر: في وجوب التّضعِيف، وذلك كأنَّ مَنْ أَدَى من العباد حَقّ الله تعالى آتاه الله أَجْرِه المعلومَ بأَضْعافه،
فإِذا جاء به العبدُ، ولم يُقصِّر في شيء من حَقِّ مولاه، أعطاه اللَّهُ على وفائه بحقٌ مولاه، مِثْل ما يعطيه على وفائه
بحقِّ رَبِّه بأضعافه، كل ذلك في الماليين، فافهمه.
الموفى عشرين: هذا كلُّه يدلُّ على تأكيدِ الصَّداق، وقَصْده، وجَعْله أصلاً في العقد، ولو لم يكن له خَطَر ما كان
عليه هذا الأَمْرُ كُلّه مبنياً. اهـ.

٥٣٦
كتاب النَّاحِ
سَهْلَ بْنَ سَعْدِ السَّاعِدِيَّ يَقُولُ: إِنِّي لَفِي القَوْمِ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ وَ، إِذْ قَامَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفسَهَا لَكَ، فَرَ فِيهَا رَأْيَكَ، فَلَمْ يُحِبْهَا شَيئاً، ثُمَّ قامَتْ
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفسَهَا لَك، فَرَ فِيهَا رَأْيَكَ، فَلَمْ يُجِبْهَا شَيئاً، ثُمَّ
قَامَتِ الثَّالِثَةَ فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبتْ نَفسَهَا لَكَ، فَرَ فِيهَا رَأْيَكَ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللّهِ أَنْكِحْنِيهَا، قالَ: ((هَل عِنْدَكَ مِنْ شَيءٍ؟)) قالَ: لاَ، قالَ: (اذْهَبْ فَاطْلبْ وَلَوْ خاتَماً مِنْ
حَدِيدٍ)). فَذَهَبَ وَطَلَبَ، ثُمَّ جاءَ فَقَالَ: ما وَجَدْتُ شَيئاً، وَلاَ خاتَماً مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ:
((هَل مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيءٌ؟)) قالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، قَالَ: ((اذْهَبْ فَقَدْ
أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)). [طرفه في: ٢٣١٠].
٥٢ - بابُ المَهْرِ بِالعُرُوضِ وَخَاتَم مِنْ حَدِيدٍ
٥١٥٠ - حدّثنا يحيى: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفيَانَ، عَنْ أَبِي حازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ
سَعْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ لِرَجْلٍ : (تَزَوَّجْ وَلَوْ بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ)). [طرفه في: ٢٣١٠].
٥٣ - بابُ الشُّرُوطِ في النكاح
وَقَالَ عُمَرُ: مَقَاطِعُ الحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ. وَقَالَ المِسْورُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َِِّّ ذَكَرَ
صِهْراً لَهُ، فَأَثْنِى عَلَيَهِ في مُصَاهَرَتِهِ فَأَحْسَنَ، قالَ: ((حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى
لي)».
ـي
٥١٥١ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ: حَدَّثَنَا لَيثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي
حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيرِ، عَنْ عُقْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: «أَحَقُّ ما أَوْفَيْتُمْ مِنَ الشُّرُوَطِ أَنْ
تُوفُوا بِهِ ما اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ)). [طرفه في: ٢٧٢١].
٥٤ - بابُ الشُّرُوطِ الَّتِي لاَ تَحِلُّ في النّكاح(١)
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لاَ تَشْتَرِطِ المَرْأَةُ طَلاَقَ أُخْتِهَا .
(١) وقد تكلّم ابنُ العربي في معناه في (شرح الترمذي)) فراجعه. قال الإِمام أبو بكر بن العربي رحمه الله: الشروط
في النكاح على قسمين: أحدهما: أن يكون مِن حقوق الزوجين الخالصة، أو أن يكون من حقوقِ الله سبحانه؛
فإِن كان من حقوقِ الزَّوجين جاز إسقاطُه، ولم يؤثِّر في النِّكاح، وهل يلزم ذلك أم لا؟ لاختلاف الناس في
ذلك: فقال مالك: يجزئه الوفاء به؛ وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق يلزمُ الوفاء به، وقال عليّ بن أبي طالب:
شَرْطُ اللَّهِ قبل شَرْطِهما، وبه قال سُفيان. وهذا لا يلزم، لأنَّ الله تعالى لم يَشْترط ذلك لنفسه سبحانه، وإنما جعله
حَقّاً للزوج، فيسقط بإِذنه في بعض الأحيان، فجاز أن يسقط بإِذنه في عموم الأزمان.
قال ابنُ العربي: تحقيقُه: إِنَّ الله نهى عن بَيْع وشَرْط، وسيأتي تحقيقُه إن شاء الله؛ وقال النبيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ أحقَّ
الشُّروط أن يُوفى به ما استحللتم به الفُروج))، وقال: ((المسلمونَ عند شُرُوطهم))، معناه أنَّ هناك يظهر الإِسلام =

٥٣٧
كتاب النُّكَاحِ
٥١٥٢ - حدّثنا عُبِيدُ اللّهِ بْنُ مُوسى، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قالَ: ((لاَ يَحِلُّ
لامْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلاَقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغُ صَحْفَتَهَا، فَإِنَّمَا لَهَا ما قُدِّرَ لَهَا)). [طرفه في: ٢١٤٠].
واعلم أنَّ الشَّرْع قد بالغ في إيفاء ما وعد به في النِّكاح، لكونه من باب المروءةِ
وسلامةِ فِظْرة الإِنسان. والشيء إذا كان من معالي الأخلاق يُحرِّض عليه الشَّرْع، لأن
الإِسلام جاء مُتَمِّماً لمكارِم الأخلاق. وفي الفِقْه أن النكاح لا يَبْطُل بالشرط الفاسد، بل
يَصِحِ النِّكاح، ويَبْطُل الشَّرْطُ الفاسد. ثُم إنَّ الفقهاء فرقوا بين التقييد والتعليق، وراجع
الفرق بين قوله: إنْ كُنتَ عالماً فقد زَوَّجتك، وبين قوله: زوَّجْتك على أنك عالِمٌ. وقد
تَعَرَّض إليه صاحِبُ ((الهداية)) أيضاً، والعجب أنه التبس على صاحب ((تنوير الأبصار)) مع
أن الفَرْق المذكورَ دائرٌ في سائر الفِقْه .
٥٥ - بابُ الصُّفْرَةِ لِلمُتَزَوْجِ(١)
وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ.
٥١٥٣ - حدّثنا عَبْدُ اللّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ حُمَيدِ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
والعمل بمقتضى الدِّين، وأغرب ما في الباب أن نعين أن تشترط المرأةُ أن لا يتزوّج عليها، وأن ذلك لجائز، فإِنها
=
إذا تأذّت بذلك، فلا أن تدخل في إيذائه، وقد قال النبيُّ ◌َّه: ((إنَّ بني المغيرة استأذنوني في أن يُنْكحوا ابنةَ أبي
جهل عليَّ بن أبي طالب، وأني لا آذَن، ثُم لا آذن. وما لي تحريمُ ما أحلّ الله، وأنَّ فاطمةَ بضعةٌ مني، يريبني ما
أرابها، ويؤذيني ما آذاها، والله لا تَجْتمع بنتُ رسول الله، وبنتُ عدوّ الله، إلا أن يريد ابنُ أبي طالب أن يطلّق،
ويتزوجها)». وفي هذا الحديث بدائع، وسترونها في موضعها إن شاء الله: منها في الباب قوله: ((وما لي تحريمُ ما
أحلَّ اللَّهُ))، ولكنه لما كان أَمْراً يؤذي رسولَ الله ◌ِ ◌ّه لم يَجُز بحال، وليس فيه تحريمُ ما أحلَّ اللَّهُ مِن جمع
زَوْجين، ولكن إنما كان فيه عرض إذاية رسول الله بَّر مَنَعه، وللمسلمة أن تمنع من إذاية غيرها. قال النبيُّ ◌َّ:
((لا تسأل المرأةُ طلاقَ أختها، لتكفىء في صَحفتها، فإِن لها ما قُدِّر لها منها، أن تقول: لا أتزوجك، إلا أن تطلق
فُلانة))، وهذا مُحرّم طلبُه عليها، وجائز فِعْله للزوج، وتفصيل الشروط في نفسها، وتصريف إدخالها على العقد
مَذْكور في مسائل الفِقْه، والضابط في هذه العارضة ما أشرنا إليه من قبل.
(١) وفي شَرْح الترمذي: قال ابنُ العربي: وفي الحديث: أَنّه رأى عليه أَثَر صُفْرة، وذلك لا يكون إلاّ بعد الدخول.
حتى لقد رُوي عن يَعْلى بنِ مُرّة، قال: مَررتُ على رسولِ اللهِ وَّه، وأنا متخلّق بالزَّعفران. فقال لي: ((يا يَعْلى،
هل لك امرأةٌ؟ قلت: لا. قال: اذهب فاغْسله))؛ روي أنها كانت صُفْرَةَ زعفران. وقد جَوّز علماؤنا صباغَ صُفْرة
الزَّعفران للرجال والنساء، لحديث ابن عُمر في ((الموطأ)) وغيره: وقال ابن شَعْبان: يجوزُ التخلّق بالزعفران في
الشارب دون الجسد، ومنعه أبو حنيفة، والشافعي على الإِطلاق. وقد كان عمرُ يصبغ ثيابَه ولحيته بالصُّفرة،
وكذلك ابنه عبد الله، وكان ابنُه عبد الله يصبغ بالزعفران نَصّاً. وثبت أنّ ابنَ عُمرَ كان يصفر لحيته بالخلوق، وأن
رسولَ اللهِ وَّ كان يُصفّر بها لحيته. وفي لفظ آخر: بالوَرْس؛ والزَّعفران، وإنْ كانت صُفْرة لا تنفض عن الجسد
كالصَّفراء، فلا خلاف في جوازها. وسيأتي تحقيقُ القَوْل فيها إن شاء الله.

٥٣٨
كتاب النكاحِ
مالِكٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ عَوْفٍ، جاءَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ بَّه وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ،
فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللّهِ وََّ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، قالَ: ((كَمْ سُقْتَ إِلَيهَا؟)). قالَ
زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِِّ: ((أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ)). [طرفه في: ٢٠٤٩].
فإن كانت الصُّفْرَة صُفْرة الزَّعْفران، فهي حرامٌ على الرِّجال، فإِن انتقلت إليه من
ثواب امرأته، فهي عَفْوٌ.
٥٦ ۔۔ بابٌ
٥١٥٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسِ قالَ: أَوْلَمَ النَّبِيُّ لَه
بِزَيْنَبَ فَأَوْسَعَ المُسْلِمِينَ خَيراً، فَخَرَجَ كَمَا يَصْنَعُ إِذَا تَزَوَّجَ، فَأَتَىَّ حُجَرَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ
يَدْعُو وَيَدْعُونَ لَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَرَأَى رَجُلَينٍ فَرَجَعَ، لاَ أَدْرِي: آخْبَرْتُهُ أَوْ أُخْبِرَ بِخُرُوجِهِمَا .
[طرفه في: ٤٧٩١].
٥٧ - بابٌ كَيفَ يُدْعی لِلمُتَزَوِّجِ
٥١٥٥ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، هُوَ ابْنُ زَيدٍ، عَنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنْسٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهَ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، قالَ: ((مَا
هُذَا؟)). قالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةٌ عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قالَ: ((بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ
وَلَوْ بِشَاةٍ)). [طرفه في: ٢٠٤٩].
٥٨ - بابُ الدُّعَاءِ لِلِنِّسَاءِ اللَِّي يَهْدِينَ العَرُوسَ وَلِلعَرُوسِ
٥١٥٦ - حدّثنا فَرْوَةُ بْنُ أَبي المغْراءِ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ وَّةَ، فَأَتَتْنِي أُمِّي فَأَدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ منَ
اْلأَنْصَارِ في البَيتِ، فَقُلنَ: عَلَى الخيرِ وَالْبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيرِ طَائِرٍ. [طرفه في: ٣٨٩٤].
والعِرْس - بالكسر - أَوْلى من العُرْس، لأنه بالضمِّ لهديةِ الطعام. واعلم أن في
الترجمة إشكالاً، فإِن المتبادِر من الترجمة كونُهن مدعواتٍ لهن، لا كونهنِ داعياتٍ، مع
أن المراد منه كَوْنُهن داعياتٍ، وهذا هو في الحديث. فقال الحافظ (١): إنَّ المراد، مِن
(١) وفي ((فتح الباري)): وظاهر هذا الحديث مخالِفٌ للترجمةِ، فإِن فيه دعاءَ النِّسوة لمن أهدى العَروس لا الدعاء لهنَّ.
وقد استشكل ابنُ التِّين، فقال: لم يذكر في الباب الدعاء للنسوة، ولَعلّه أراد كيف صِفَةُ دعائهن للعَرُوس، لكن اللفظ
لا يساعد على ذلك. وقال الكِرْماني: الأم هي الهادية للعَرُوس المجهِّزة، فهنَّ دعون لها ولمن معها، وللعروس،
حيث قُلْن: على الخير جئتُن، أو قَدِمتُنّ على الخير. قال: ويحتمل أن تكون اللامُ في النسوة للاختصاص، أي الدعاء
المختصّ بالنِّسوة اللاتي يهدين، ولكن يلزم منه المخالفةُ بين اللام التي للعروس، لأنها بمعنى المدعو لها، والتي في
النسوة، لأنها الداعيةُ، وفي جواز مِثْله خلاف. انتهى. والجوابُ الأوّل أحسنُ ما تُوجّه به الترجمة.
=

٥٣٩
کتاب النَّاحِ
النساء هي أُمّ رومان. قلتُ: فَلزمه أن يريد من الجمع إياها فقط، وفيه ما فيه.
قلتُ: إنَّ اللام بعد المصدر قد تدخل على الفاعل أيضاً، كما صرح به الأشموني
في باب فعلى التعجب، فحينئذ النِّساء كلّها مهديات وداعيات، فلا يلزم إطلاقُ الجمع
على الواحد، وإليه تلوحُ الترجمة الآتية. وحينئذٍ لا حاجةً إلى التأويل الذي ذكره
الحافِظُ.
٥١٥٦ - قوله: (وعلی خیرِ طائرٍ) "اجھی نصیبی بر."
٥٩ - بابُ مَنْ أَحَبَّ البِنَاءَ قَبْلَ الغَزْوِ
٥١٥٧ - حدّثنا محَمَّدُ بْنُ العَلاَءِ: حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ
هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قالَ: ((غَزَا نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ
لِقَوْمِهِ: لاَ يَتْبَغْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا، وَلَمْ يَبْنِ بِهَا)). [طرفه في :
٣١٢٤].
٦٠ - بابُ مَنْ بَنَى بِامْرَأَةٍ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ
٥١٥٨ - حدّثنا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ:
تَزَوَّجَ النَّبِيُّ وَّرْ عَائِشَةَ وَهِيَ ابْنَةُ سِتٍّ، وَبَنَى بِهَا وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعٍ، وَمَّكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعاً. [طرفه
في: ٣٨٩٤].
٦١ - بابُ البِنَاءِ فِي السَّفَرِ
٥١٥٩ - حدّثنا مُحمَّدُ بْنُ سَلاَمِ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسٍ
قالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ وَّهِ بَينَ خَيْبَرَ وَالمَدِّينَةِ ثَلاَثاً، يُبْنَى عَلَيهِ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، فَدَعَوْثٌ
المُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزِ وَلاَ لَحْمِ، أَمَرَ بِأْلأَنْطَاعِ فَأُلِقِيَ فِيهَا مِن التَّمْرِ
وَاْلأَّقِطِ وَالسَّمْنِ، فَكَانَتْ وَلِيمَتَهُ، فَقَالَ المُسْلِّمُونَ: إِخْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ
يَمِينُهُ؟ فَقَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ،
فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَظَّأَ لَهَا خَلفَهُ، وَمَدَّ الحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ. [طرفه في: ٣٧١].
وحاصِلُه أنَّ مرادَ البخاري بالنسوة مَن يهدي العروس، سواء كُنّ قليلاً أو كثيراً، وإنَّ مَنْ حضر ذلك يدعو لمن
=
أَحْضَر العروس، ولم يرد الدعاءُ للنّسوة الحاضرات في البيت، قَبْل أن تأتي العروسُ. ويُحتمل أن تكون اللامُ
بمعنى الباء، على خَذْف، أي المختصّ بالنسوة؛ ويحتمل أن الألف واللام بدلٌ من المضاف إليه، والتقدير دعاءُ
النّسوة الداعياتِ للنسوةِ المهديات. ويُحتمل أن تكون بمعنى ((مِن)، أي الدعاء الصادر من النّسوة. وعند أبي الشيخ
في كتاب النكاح من طريق يزيد بن حفصة، عن أبيه، عن جدّه: أنَّ النبي ◌َِّ مَرّ بجوارٍ، بناحيةِ بني جدره، وهُنَّ
يَقُلن: فحيونا نحييكم. فقال: ((قلن: حيانا اللَّهُ، وحياكم))، فهذا فيه دعاءٌ للنسوةِ اللاتي يهدين العروس.

٥٤٠
کتاب النّاحِ
٦٢ - بابُ البِنَاءِ بِالنَّهَارِ بِغَيرِ مَرْكَبٍ وَلاَ نِیرَانٍ
٥١٦٠ - حدّثني فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ◌َيرِ، فَأَتَتْنِي أُمِّي فَأَذْخَلَتْنِيَ الدَّارَ، فَلَمْ
يَرُغْنِي إِلَّ رَسُولُ اللّهِ وَِّ ضُحَّى. [طرفه في: ٣٨٩٤].
أي كما كان أهلُ الجاهلية يفعلونه. قلتُ: اللهو في النكاح وإن كان لغواً لكنه
يُغمض عنه، بخلاف الرُّسوم في الموت، والفرق قد مرّ.
فائدة :
البدعة ما اخترعها صاحِبُها بِحُسْن نية، فالتبست بالشرع. وراجع لها ((إيضاح الحقّ
الصريح)) للشاه إسماعيل، و((كتاب الاعتصام)) للشاطبي. بقي ما حُكْم تلك البدعة؟ فنظر
الحنفية فيها على التفكيك، فقالوا: إنه يُثاب على صباحةِ نِيّته، ويعاقب على قباحةٍ
الابتداع، كالصلاة في الأوقات المكروهة، وكالصوم في يوم النَّحر في قول، وفي قول
آخر: إنه لا ثوابَ له فيه أصلاً، وهو المختار عندي. وإذن ما يقرؤون الكلماتِ
الطيباتِ، والقرآن في رسوم البدعات، يكون فيها أَجْرٌ بِقَدْر نياتِهم الحسنةِ، مع لزوم
القباحة.
٦٣ - بابُ الأَنْمَاطِ وَنَحْوِهَا لِلِنِّسَاءِ
٥١٦١ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، عَنْ
جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَما قالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وََّ: ((هَلِ اتَّخَذْتُمْ أَنْمَاطاً؟))
قُلتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، وَأَنَّى لَنَا أَنْمَاطٌ؟ قالَ: ((إِنَّهَا سَتَكُونُ)). [طرفه في: ٣٦٣١].
٥١٦١ - قوله: (قال: إنها ستكُون) ... إلخ؛ قلتُ: وقد تعارض فيه اجتهادُ جابر،
واجتهادُ زوجته، فزعمت أن النبيّ ◌َّ لما كان أخبرنا بالأنماط، فلا بد لنا منها، فلا
نُميطُها، وذهب اجتهادُ جابر إلى أن إخباره بأَمْر لا يوجِب كونه مطلوباً أيضاً.
قوله: (الأنماط) "جها لردار رومال" .
٦٤ - بابُ النِّسْوَةِ اللَّتِي يُهْدِينَ المَرْأَةَ إِلَى زَوْجِهَا
٥١٦٢ - حدّثنا الفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ: حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ سَابِقٍ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِلُ، عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا زَقَّتِ امْرَأَةً إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ نَبِيُّ
اللّهِ وََّ: (يَا عَائِشَةُ، مَا كانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ؟ فَإِنَّ الأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهُوُ)).
وفيه إيماء إلى أنَّ المصنِّف أراد فيما مر قوله: الدعاء للنساء معنى الجمع. ولذا