النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ كتاب تفسير القرآن قوله: (﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ)) "أورد وسرى جوابهى نهين ملحق هوئی ارو آكى هونى والى هين " لأن ((لما)) للتوقع عندهم. وحاصِلُ الحديث أنَّ الدِّين لا يَنْحصر في العرب، بل يكون في العجم أيضاً. ٤٨٩٨ - قوله: (لَنَالَهُ رِجِالٌ - أو رجل - من هؤلاء) والظاهِرِ أنَّ المرادَ منه هم العلماءُ الكِبار الذين أقامهم اللَّهُ تعالى لِنُصرةِ دِينه من العجم. وقال السيوطي: إنَّ فيه مَنْقبةً عظيمةً للإِمام أبي حنيفة. قلتُ: ولكنَّ لفظ الجمع يأباه، ومَحمل هذه الأحاديث هم حَمَلةُ الشريعة في العجم، ولا ريب أن هؤلاء كَثُروا في العجم، حتى إن أصحاب (الصِّحاح)) كلهم من العجم. بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرّحَـ سُورَةُ المُنَافِقِين ١ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ إِلَى: ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ [١] ٤٩٠٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجاءٍ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ: عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَرْقَمَ قالَ: كُنْتُ في غَزَاةٍ، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيّ يَقُولُ: لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ، وَلَوْ رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِهِ لَيُخْرِ جَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِعَمِّي أَوْ لِعُمَرَ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ◌َِّ، فَدَعَانِي فَحَدَّثْتُهُ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيّ وَأَصْحَابِهِ، فَحَلَفُوا مَا قَالُوا، فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ وَصَدَّقَهُ، فَأَصَابَنِي هَمّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطْ، فَجَلَسْتُ في البَيتِ، فَقَالَ لِي عَمِّي: ما أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَه وَمَقَتَكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾. فَبَعَثَ إِلَيَّ النَّبِيُّ وَّرَ فَقَرَأَ فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ يَا زَيْدُ)). [الحديث ٤٩٠٠ - أطرافه في: ٤٩٠١، ٤٩٠٢، ٤٩٠٣، ٤٩٠٤]. ٢ - باب ﴿أَتَّخَذُوَاْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةُ﴾ [٢] يَجْتُّونَ بِهَا ٤٩٠١ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنْتُ مَعَ عَمِّ، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيّ ابْنِ سَلُولَ يَقُولُ: لَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا. وَقَالَ أَيضاً: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِعَمِّي، فَذَكَرَ عَمِّي لِرَسُولِ اللهِّنَه فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِّ ◌َهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيّ وَأَصْحَابِهِ، فَحَلَفُوا ما قالُوا، فَصَدَّقَهُمْ رَسُولُ اللّهِ وَسِهِ وَكَذَّبَنِي، فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ، فَجَلَسْتُ في بَيْتِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِذَا جَآَكَ اُلْمُنَفِقُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ٤٢٢ كتاب تفسير القرآن لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا اُلْأَذَلَّ﴾ [١ - ٨]. فَأَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ نَّ فَقَرَأَهَا عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ)). [طرفه في: ٤٩٠٠]. [٣] ٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُوْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ٤٩٠٢ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَم قالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبِ القُرَظِيَّ قالَ: سَمِعْتُ زَيدَ بْنَ أَرْقُمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّأَ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيّ: لاَ تُنْفِّقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، وَقالَ أَيضاً: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ، أَخْبَرْتُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َ فَلاَ مَنِي الأَنْصَارُ، وَحَلَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيّ ما قالَ ذلِكَ، فَرَجَعْتُ إِلَى المَنْزِلِ فَنِمْتُ، فَدَعانِي رَسُولُ اللَّهِ وَيَ فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ)). وَنَزَلَ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ﴾ [٧] الآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ: عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيلَى، عَنْ زَيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ. [طرفه في: ٤٩٠٠]. ٤ - باب ﴿﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمَّ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلُّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُ الْعَدُؤُ فَأَحْذَرْهُمْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾﴾﴾ [٤] ٤٩٠٣ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ خالِدٍ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحاقَ قالَ: سَمِعْتُ زَيدَ بْنَ أَرْقَمَ قالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ بَّرَ فِي سَفَرٍ أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيّ لأَصْحَابِهِ: لاَ تُنْفِقُوا عَلَّى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ. وَقالَ: لَئِنْ رَجِعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِ جَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ وََّ فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيّ فَسَأَلَهُ، فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ مَا فَعَلَ، قَالُوا: كَذَبَ زَيَّدٌ رَسُولَ اللَّهِ بَ لهِ، فَوَقَعَ في نَفسِي مِمَّا قالُوا شِدَّةٌ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَصْدِيقِي في: ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾ . فَدَعَاهُمُ النَّبِيُّ بََّ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ فَلَوَّوا رُؤُوسَهُمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾ قالَ: كانُوا رِجالاً أَجْمَلَ شَيءٍ. [طرفه في: ٤٩٠٠]. ٥ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (@)﴾ [٥] حَرَّكُوا، اسْتَهْزَؤُوا بِالنَّبِيِّ وَّةِ، وُيَقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ مِنْ: لَوَيْتُ. ٤٩٠٤ - حدّثنا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى: عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَرْقَمَ قالَ: كُنْتُ مَعَ عَمِّي، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيّ ابْنِ سَلُولَ يَقُولُ: لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا، وَلَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِعَمِّي، فَذَكَرَهُ عَمِّي لِلنَّبِيِّ نَّهِ وَصَدَّقَهُمْ، فَدَعاني فَحَدَّثْتُهُ فَأَرْسَلَ إِلى عَبْدَ اللَّهِ بْنِ أُبيِّ وَأَصْحَابِهِ فَحَلَفُوا ما قَالُوا وَكَذَّبَنِي النَّبِيُّ رَّةِ فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قٌَ، فَجَلَسْتُّ في ٤٢٣ كتاب تفسير القرآن بَيْتِي، وَقَالَ عَمِّي: مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَمَقَتَكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [١]. وَأَرْسَلَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ◌َ فَقَرَأَهَا وَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ)). [طرفه في: ٤٩٠٠]. ٦ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَشْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ إِنَّ [٦] ٦ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ ٤٩٠٥ - حدّثنا عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ - قالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: في جَيشٍ - فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَّالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلمُهاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَاكَ رَسُولُ اللهِ وَيهِفَقَالَ: (مَا بَالُ دَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ)) قالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: ((دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ)). فَسَمِعَ بِذلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيّ فَقَالَ: فَعَلُوهَا، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ◌َّةِ، فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هذا المُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((دَعْهُ، لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ)). وَكانَتِ الأَنْصَارُ أَكْثَرَ مِنَ المُهَاجِرِينَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ ثُمَّ إِنَّ المُهَاجِرِينَ كَثُرُوا بَعْدُ. قالَ سُفيَانُ: فَحَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرِو: قالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جابِراً: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَلِِّ. [طرفه في : ٣٥١٨] . ٧ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنْفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُواْ﴾ وَيَتَفَرَّقُوا ﴿وَلِلَّهِ خَزَّابِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [٧] ج ٤٩٠٦ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الفَضْلِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ يَقُولُ: حَزِنْتُ عَلَى مَنْ أُصِيبَ بِالحَرَّةِ، فَكَتَبَ إِلَيَّ زَيْدُ بْنُ أَرْقُّمَ، وَبَلَغَهُ شِدَّةُ حُزْنِي، يَذْكُرُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ، وَلأَبْنَاءِ الأَنْصَارِ)). وَشَكَّ ابْنُ الفَضْلِ في: (أَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ)). فَسَأَلَ أَنَساً بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((هذا الَّذِي أَوْفَى اللَّهُ لَهُ بِأُذُنِهِ)). ٨ - باب ﴿يَقُولُونَ لَيْنِ رَجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [٨] ٤٩٠٧ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قالَ: ٤٢٤ كتاب تفسير القرآن سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: كُنَّا في غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلمُهَاجِرِينَ، فَسَمَّعَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ وَِّ، قالَ: ((ما هذا؟))، فَقَالُوا: كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلِمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ)). قالَ جابِرٌ: وَكَانَتِ الأَنْصَارُ حِيْنَ قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َّ أَكْثَرَ، ثُمَّ كَثُرَ المُهَاجِرُونَ بَعْدُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِيّ: أَوَ قَدْ فَعَلُوا، وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هذا المُنَافِقِ، قالَ النَّبِيُّ وَهِ: ((دَعْهُ، لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ)). [طرفه في: ٣٥١٨]. قوله: (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) قال صاحب ((التلخيص)): معناه لكاذبون في الشهادة، أو التسمية، أو المشهود به في زَعْمهم. قلتُ: هذا باطِلٌ يرده الحديث، وهكذا المرءُ إذا أتى في غير فَنِّه يأتي بالعجائب. فالصوابُ في الجواب ما يُستفاد مما أخرجه المصنّف عن زيد بن أرقم، قال: كُنْت في غزاة، فسمعت عبدَ الله بنَ أُبَي يقول: لا تُنْفِقوا على مَنْ عند رسول الله حتى يَنْفَضُّوا من حوله، ولو رجعنا مِن عنده لَيُخْرِجَنّ الأعزّ منها الأَذَلَّ، فذكرت ذلك لعمِّي، أو لِعُمَرَ، فذكره للنبيِّ وَّهِ فدعانيٍ، فحدثته، فأرسل رسولُ اللهِ وَ ﴿ إلى عبدِ الله بن أَبَي، وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذّبني رسولُ الله اَّةٍ، وصَدَّقه ... إلخ. وفي تلك القصة نزلت الآيةُ، وأُخْبر النبيُّ ◌َّ﴿ إنّهم لكاذبون، أي فيما حلفوا لك أنهم ما قالوا، فاللَّهُ سبحانه كَذَّبهم في حَلِفِهم، لا فيما ذكره صاحِبُ ((التَّلخيص)). قوله: (﴿لَوَّوا رؤوسهم﴾) فالتلويةُ عَن النبيِّ بََّ كُفْر، بخلافِ غيره، فدلَّ على أن فِعْلاً واحداً يمكن أن يكونَ كفراً، وغير كُفْر بالنسبةِ إلى الشخصين. ٤٩٠٦ - قوله: (فَكَتَب إِلى زيدٍ بنِ أَرْقَم) ... إلخ. أي يُعزِّيني، ثُم قال أَنس ما حاصله: إنَّ زيداً ممن صَدَّقه اللَّهُ تعالى فيما قال لابنِ أَبَي فائدة : وعن سعيد بن المسيّب عند الدارمي في ((مسنده)): أنَّ يزيدَ لما أحل حرم الله المدينة، وجعل يسفك فيها دماء المسلمين، ألقيت نفسي في المسجد النبوي، كأني مجنون، وما بي من جنون، ولكن أردت منه الاتقاء عن شر يزيد، فكنت أسمع يومئذٍ صوت الأذان من الروضة المطهرة، وعد ذلك من مناقب سعيد؛ قلتُ: وقد مرّ معنا ما في القبور من الأحوال، فتذكره. ٤٢٥ كتاب تفسير القرآن ٤٩٠٧ - قوله: (دَعْه، لا يتحدَّثُ النّاسُ أنَّ محمداً يَقْتَلُ أصحابَه) هذا هو السرُّ في عدم قَتْل النبيِّ وَّرَ المنافقين، مع علمه بأعيانِهم، كما نَبّهناك فيما مرّ. وليس الأمر أنَّ المنافقين كانوا مختلِطين بين أصحابه ◌ِ الر بحيث يرتفع التمييزُ أَضْلاً، ولكنه كان يُسامِحُهُم لِمِثْل هذه المصلحة، فاندفع ما أورد عليه، فافهم. بِسْمِ اللَّهِ الرََّيِ أ سُورَةُ التَّغَابُنِ وَقَالَ عَلْقَمَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَهِ يَهْدِ قَلْبَهُمْ﴾ [١١] هُوَ الَّذِي إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ رَضِيَ بِها وَعَرَفَ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ. وقَالَ مُجَاهِدٌ: التَّغَابُنُ غَبْنُ أَهْلِ الجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ . بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيمَةِ سُورَةُ الطَّلَاقِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَبَالَ أَنَِّهَا﴾ [٩] جَزَاءَ أَمْرِهَا. ﴿إِنْ أَرْتَبْتُمْ﴾ [٤]: إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا أَتحيضُ أَمْ لا تَحِيضُ. فَاللَّائِي قَعَدْنَ عَنِ الْمَحيضٍ وَاللَّائي لَمْ يَحِضْنَ بَعْدُ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرِ . ١ - باب ٤٩٠٨ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيِثُ قالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللّهِ نَّهِ فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: ((لِيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكُهَا حَتَّى تَظْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ فَتَظْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلَيُطَلِّقْهَا طَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلكَ العِدَّةُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ)). [الحديث: ٤٩٠٨ - أطرافه في: ٥٢٥١، ٥٢٥٢، ٥٢٥٣، ٥٢٥٨، (٥٢٦٤، ٥٣٣٢، ٥٣٣٣، ٧١٦٠]. ٢ - باب ﴿وَأُؤْلَثُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَنَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَنْرِهِ، يُسْرًا﴾ [٤] وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ: وَاحِدُهَا: ذَاتُ حَمْلٍ . ٤٩٠٩ - حدّثنا سَعْدُ بْنُ حَفصٍ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيِى قالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةً قالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ جالِسٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَفتِنِي في امْرَأَةٍ وَلَدَتْ ٤٢٦ كتاب تفسير القرآن بَعْدَ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيلَةً؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: آخِرُ الأَجَلَينِ، قُلتُ أَنَا: ﴿وَأُوْلَتُ اْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مِّعَ ابْنِ أَخِي، يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ، فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلاَمَهُ كُرَيْباً إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ: قُتِلَّ زَوْجُ سُبَيعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ وَهِيَ حُبْلَى، فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَخُطِبَتْ، فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ وََّ، وَكَانَ أَبُو السَّنَابِلِ فِيمَنْ خَطَبَهَا. [الحديث ٤٩٠٩ - طرفه في: ٥٣١٨]. ٤٩١٠ - وَقالَ سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ قالَ: كُنْتُ في حَلقَةٍ فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي لَيَلَى، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يعَظِّمُونَهُ، فَذَكَرَ آخِرَ الأَجَلَيْنِ، فَحدَّثْتُ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قالَ فَضَمَّزَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ، قالَ مُحَمَّدٌ: فَفَطِنْتُ لَهُ، فَقُلتُ: إِنِّي إِذاً لَجَرِيءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ وَهُوَ في نَاحِيَةِ الكُوفَةِ، فَاسْتَحْيَا وَقالَ: لَكِنَّ عَمَّهُ لَّمْ يَقُلِ ذَاكَ. فَلَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عامِرٍ فَسَأَلتُهُ، فَذَهَبَ يُحَدِّثُنِي حَدِيثَ سُبَيعَةَ، فَقُلتُ: هَل سَمِعْتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِيهَا شَيئاً؟ فَقَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ، وَلاَ تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَةَ؟ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ القُصْرَى بَعْدَ الُولَى: ﴿وَأُوْلَتُ اَلْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. [طرفه في: ٤٥٣٢]. قوله: (ليراجعها، ثُم يمسكها) وهذا صريحٌ في أن تطليقَ(١) ابنِ عمر امرأتَه في الحيض اعتُبر طلاقاً، مع كونه بدعةً، فكيف يقول ابنُ تيميةَ ما يقول؟! وقد مَرّ، ثُم الرجوع عنه واجِبٌ، كما في ((الهداية))، وهو ظاهر الحديث، وقيل: مستحبُّ، والأَوّل أرجح. ٤٩٠٨ - قوله: (حتى تَظْهُرَ، ثُم تحيض) ... إلخ. وللرواة فيه اختلافُ، وهو الوجهان للحنفية، فقيل: إنّه يُطلِّقها في الظهر الذي بعد الحَيْضة الأُولى، كما عند أبي داود، وقيل: بل ينبغي له أن يُمْهِلَها حتى تمضِي حيضتان، ثُم يُطَلِّقها في الظُهر الذي (١) قال ابن رشد: أما المسألة الأولى: فإِنَّ الجمهور إنما صاروا إلى أن الطلاق إن وقع في الحيض اعتد به وكان طلاقاً، لقوله ◌َّ في حديث ابن عمر: مُره فليراجِعْها. قالوا: والرَّجعة لا تكون إلاّ بعد طلاق. ورَوى الشافعيُّ عن مسلم بن خالد عن ابن جُرَيج أنهم أرسلوا إلى نافع يسألونه: هل حسبت تطليقة ابن عمرَ على عهد رسول الله ◌َّ﴾؟ قال: نعم. ورُوي أنه الذي كان يُفْتي به ابنُ عمرَ، وأما مَنْ لم ير هذا الطلاقَ واقِعاً، فإِنه اعتمد عمومَ قوله ◌َّرَ: ((كلّ - فعل أو - عمل ليس عليه أمرنا، فهو رةٍ)). وقالوا: أَمْرُ رسولِ الله ◌َّهُ بِرَدّه يُشْعر بعدم نفوذه، ووقوعه؛ وبالجملةِ فسببُ الاختلاف، هل الشروط التي اشترطها الشَّرْع في الطلاق السُّنّي هي شروطَ صحةٍ وإجزاء، أم شروط كمال وتمام؟ فَمَن قال: شروط إجزاء، قال: لا يقع الطلاق الذي عُدِم هذه الصفة، ومَنْ قال: شروط كمال وتمام، قال: يقع. ويُنْدب إلى أنْ يقعَ كامِلاً، ولذلك مَنْ قال بوقوع الطلاق وجبره على الرجعة، فقد تناقض، فتدبر ذلك. اهـ: ((بداية المجتهد)). ٤٢٧ كتاب تفسير القرآن بعدهما. وتَعرَّض صاحب ((الهداية)) إلى حِكْمة التراخي، وراجع ((بداية المجتهد)) لابن رشد (١) . قوله: (فتلك العِدَّةُ، كما أَمَرِه اللَّهُ) ... إلخ. إشارةٌ إلى قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ واستدل(٢) منه الشافعية على كونٍ القروء بمعنى الإطهار، فإِن التطليقَ في الظهر بالإِجماع، وقد جعله القرآنُ عِدّةً لهن، فدلّ على أنَّ العِدّة بالإطهار. وأجاب عنه الزَّمْخَشريُّ: أنَّ اللام فيه للاستقبال، فيكون التَّطْلِيقُ في الظُّهرِ، وعِدّتها بَعْدَه في الحَيْض، وتؤيدُه قراءة: ((قبل عدتهن)). والجواب عندي(٣): أنَّ العِدّة عِدَّتان: عِدّة الرجال، وهي للتطليق؛ وعدَّة النِّساء، وهي للتربُّص، كما في ((المبسوط)). والمذكور في الآية عِدّة الرِّجال - كما أشار إليه الطحاوي - دون عِدَّة النساء، وهي في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فالرِّجال أُمِرُوا أن ينظروا متى يُطلِّقُوها، وهو الإظهار، والنِّساء أُمرن: أن يتربَّصْن بأنفسهن ثلاثةَ حِيض، واللام فيه للظرفية، ولذا خاطب في ((سورة الطَّلاق)) الرجال، وقال: ﴿يَأَيُّهَا النَُّّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾، وفي ((سورة النساء)) النِّساء، فقال: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ... إلخ. وبالجملة قَسَم العِدَّة بين الرِّجال والنِّساء في السورتين، وبيّن لهما ما كان عليهما مِن إحصاء عِدّتهما . ٤٩٠٩ - قوله: (فقال ابنُ عباس: آخِرُ الأَجَلَيْن) ... إلخ. والسَّلَف مُخْتلفون بين آيَةِ عِدّة الحاملة، وآية عِدّة المُتوقَّى عنها زَوْجُها: فمنهم مَنْ ذهب إلى أنَّ بينهما عُموماً وخصوصاً مِن وَجْه؛ والجمهور إلى أنَّ وَضْعِ الحَمْل هو العِدَّة، سواء كان قريباً أم بعيداً، وهو مذهبُ ابن مسعود. (١) قال ابنُ رُشْد: وأما المسألة الثالثة: وهي متى يوقع الطلاق بعد الإِجبار؟ فإِنَّ من اشترط في ذلك أَنْ يُمْسِكها حتى تطهر، ثُم تحيض، ثُم تطهر، فإِنما صار لذلك، لأنه المنصوص عليه في حديث ابن عمرَ المتقدّم. قالوا: والمعنى في ذلك لِتصحَّ الرَّجعة بالوطء في الظُّهر الذي بعد الحيض، لأنه لو طَلَّقها في الظهر الذي بعد الحَيْضة لم يكن عليها من الطلاق الآخر عِدّة، لأنه كان يكون كالمُطَلِّق قبل الدخول؛ وبالجملة فقالوا: إنَّ مِن شَرْط الرَّجْعة وجودَ زمانٍ يَصِحُ فيه الوطءُ، وعلى هذا التعليلِ يكون من شروط طلاقِ السُّنة أن يطلِّقها في ظهر لم يطلِّق في الحيضة التي قبله، وهو أَحَدُ الشروطِ المُشْتَرطة عند مالك في طلاق السُّنة، فيما ذكره عبد الوهاب؛ وأما الذين لم يشترطوا ذلك، فإِنهم صاروا إلى ما رَوى يونس بن جبير، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، ومَنْ تابعهم عن ابن عمر في هذا الحديث، أنه قال: يراجعها، فإِذا طَهُرت طلقها إنْ شاء، وقالوا: المعنى في ذلك أنه أُمر بالرجوع عقوبةً له، لأنه طَلّق في زمانٍ كُرِه له فيه الطلاق، فإذا ذهب ذلك الزمان، وقع منه الطلاقُ على وَجْه غير مكروهٍ. فسببُ اختلافهم تعارُضُ الآثارِ في هذه المسألة، وتعارض مفهوم العِلّة. اهـ ((بداية المجتهد)). (٢) وقد قَرّره ابنُ رشد في ((بداية المجتهد). (٣) وسيأتي تحقيقه في كتاب الطلاق أبسط منه إن شاء الله تعالى. ٤٢٨ كتاب تفسير القرآن قوله: (أنا مع ابنٍ أَخي) وهذه محاورةٌ. ٤٩١٠ - قوله: (فَذَكَر آخِر) أي جَرَت تلك المسألةُ. قوله: (فَضَمَّزَ لي) وهو إخراجُ الصوتِ، بضم الشَّفَتين، كشِبه الضُّراط. قلتُ: فظهر منه أنَّ الجُزْء الوَاحِد، قد يَدْخُل تحت أَصْلَين، فتختلف فيه الأنظار، أنه بأَيِّ الأَصْلين أقرب؟ وهذه هي مقاسمةُ الأُصول، وهي من وظيفةِ المجتهد. قوله: (فَلَقِيتُ أبا عَطِيَّةً مالك بنَ عامرٍ) وعند ابن أبي شَيْبة في ((مُصَنَّفه)): أنَّ أصحاب ابن مسعود لم يكونوا يَرَوْن الفاتحةَ خَلْف الإِمام. وفي إسناده مالك بنُ عمارة، وهو رَجُلٌ مَجهولٌ لا يُعْرف. قلتُ: نُسخةُ المصنّف سقيمةٌ جداً، يمكن أن يكون هو مالك بن عامر، فتحرّف إلى عمارة. بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَـ سُورَةُ التحريم ١ - باب ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَ اللَّهُ لَكَّ ◌َبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ()﴾ [١] ٤٩١١ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيِى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ في الحَرَامِ: يُكَفِّرُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. [الحديث ٤٩١١ - طرفه في: ٥٢٦٦]. ٤٩١٢ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُبَيْدٍ بْنِ عُمَيرٍ، عَنُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ وَهِ يَشْرَبُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةٍ جَحْشُ، وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا، فَوَاطَأْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ عَنْ: أَيَّتِنَا دَخَلَ عَلَيهَا فَلَقُل لَهُ: أَكَلتَ مَغَافِيرَ، إِنِّي أَجِد مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، قَالَ: ((لاَ، وَلكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلاً عِنْدَ زَينَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ، فَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفتُ لاَ تُخْبِرِي بِذلِكَ أَحَداً)). [الحديث ٤٩١٢ - أطرافه في: ٥٢١٦، ٥٢٦٧، ٥٢٦٨، ٥٤٣١، ٥٥٩٩، ٥٦١٤، ٥٦٨٢، ٦٦٩١، ٦٩٧٢]. ١ ٢ - باب ﴿تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمُ قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِّكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَئِكُمْ وَهُوَ اَلْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ٤٩١٣ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ عُبَيِدِ بْنِ حُنَينٍ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُحَدِّثُ أَنَّهُ قالَ: مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ، فَمَّا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيبَةً لَهُ، حَتَّى خَرَجَ حاجّاً فَخَرَجْتُ ٤٢٩ كتاب تفسير القرآن مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، عَدَلَ إِلَى الأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ، قَالَ: فَوَقَفتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيِّ ◌ََّ مِنْ أَزْوَاجِهِ؟ فَقَالَ: تِلكَ حَفصَةُ وعائِشَةُ، قالَ: فَقُلتُ: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لِأُرِيدُ أَنَّ أَسْأَلَكَ عَنْ هذا مُنْذُ سَنَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيبَةً لَكَ، قَالَ: فَلاَ تَفْعَل، مِا ظَنَنْتَّ أَنَّ عَنْدِي مِنْ عِلم فَاسْأَلِنِي، فَإِنْ كَانَ لِي عِلمٌ خَبَّرْتُكَ بِهِ، قالَ: ثُمَّ قالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا فِي الجَاهِلِيَّةِ ماَ نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْراً، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ ما أَنْزَلَ وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ، قَالَ: فَبَينَا أَنَا فِي أَمْرٍ أَتَأَمَّرُهُ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتِي : لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا لَكِ وَلِمَا هَا هُنَا، فِيمَا تَكُلُّفُكِ في أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟ فَقَالَتْ لِي: عَجَباً لَكَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، ما تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ، وَإِنَّ ابْنَتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللَّهِ وَّلـ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ، فَقَامَ عُمَرُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ مَكَانَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَقَالَ لَهَا : يَا بُنِيَّةُ إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ وََّحَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ؟ فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَاللَّهِ إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ، فَقُلتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللَّهِ، وَغَضَبَ رَسُولِهِ وَّهَ يَا بُنَيَّةُ لاَ تَغُرَّنَّكِ هذهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا حُبُّ رَسُولِ اللَّهِ نَّهُ إِيَّاهَا، يُرِيدُ عَائِشَةَ، قالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى دَخَلتُ عَلَى أُمّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا فَكَلَّمْتُهَا، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: عَجَبَاً لَكَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، دَخَلتَ في كُلِّ شَيءٍ، حَتَّى تَبْتَغِي أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ وَأَزْوَاجِهِ، فَأَخَذَتْنِي وَاللَّهِ أَخْذاً كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ ماكُنْتُ أَجِدُ، فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا. وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِذَا غِبْتُ أَتَّانِي بِالخَبَرِ، وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالخَبرِ، وَنَحْنُ نَتَخَوَّفُ مَلِكاً مِنْ مُلُوكٍ غَسَّانَ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَینَا، فَقَدِ امْتَلأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ، فَإِذَا صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ ◌َدُقُّ الْبَابَ، فَقَالَ: افْتَحْ افَتَحْ، فَقُلتُ: جاءَ الغَسَّانِيُّ؟ فَقَالَ: بَل أَشَدُّ مِنْ ذلِكَ، اعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ أَزْوَاجَهُ، فَقُلتُ: رَغِمَ أَنْفُ حَفصَةَ وَعَائِشَةً، فَأَخَذْتُ ثَوْبِيَ فَأَخْرُجُ حَتَّى جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ وَّ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ، يَرْقَى عَلَيْهَا بِعَجَلَةٍ، وَغُلاَمٌ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ، فَقُلتُ لَهُ: قُل: هذا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَأَذِنَ لِي، قالَ عُمَرُ: فَقَصَصْتُ عَلَىَ رَسُولِ اللَّهِ وَل﴾ هذا الحَدِيثَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ ما بَينَهُ وَبَينَهُ شَيءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَم حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظاً مَصْبُوباً، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ، فَرَأَيتُ أَثَرَ الحَصِيرَ في جَنْبِهِ فَبَكَيتُ، فَقَالَ: ((ما يُبْكِيكَ؟)) فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ كِسْرَى وَقَيصَرَ فِيما هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ! فَقَالَ: ((أَما تَرْضِى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ)). [طرفه في: ٨٩]. ٣ - باب ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ، وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ. [٣] وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضِ فَلَمَّا نَبَأَهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَكَ هَذَا قَالَ نََّنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ فِيهِ عائِشَةُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َُِّ ٤٣٠ كتاب تفسير القرآن ٤٩١٤ - حدّثنا عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ قالَ: سَمِعْتُ عُبَيدَ بْنَ ◌ُنَيْنِ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ، فَقُلتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَنِ المَرْأَتَانِ اللَّتَانِ تَظَاهَرتَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَ﴿ِ؟ فَمَا أَتْمَمْتُ كَلاَمِي حَتَّى قالَ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ. [طرفه في: ٨٩]. واختلف في شأن نزولها: فعند النَّسائي أنها نزلت على تحريم ماريةً؛ وعند البخاري على تحريم العَسَلِ. ورَجَّح الحافظ ههنا النَّسائي على البخاري، وذهب جماعةٌ إلى أنَّ القصص فيه متقاربةٌ، ونزلت السورةُ بعدها. ثُم إنَّ تحريم الحلال يمينٌ عندنا، فإِنَّ الله سبحانه سَمّى تحريم الحلال يميناً، فقال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ فسماه يميناً. وأجاب عنه النوويُّ: أنَّ النبي ◌َلو كان حَلَف في القِصّة بصيغةِ اليمين أيضاً، فاليمين هو ذلك. قلتُ: هَب، ولكنا لا نَهْدِرُ ألفاظَ القرآن، فإِنه لم يعدل عن جعل التحريم يميناً، فاعتبرناه، فإِن كانت القصة في أيديهم، فمنطوقُ القرآنِ بأيدينا، وكفانا به قدوةً وإماماً؛ وبالجملة دَارَ النظر فيه بين أن يُؤخذ بعنوان القرآنِ، أم بما في الواقع، والنظران هما الرأيان. ٤٩١١ - قوله: (في الحَرَامِ: يُكْفَرُ) ذهب(١) مالك والشافعي إلى أنَّ مَنْ حَرُمت عليه زوجتُه فله أحكام، أما مَنْ حَرم عليه غيرُها فليس له حُكْم، فإِنّ الحلال لا يصيرُ حراماً بتحريم أَحَد، وعندنا هو يمين. وعن أحمد روايتان. وذهب ابنُ القيِّم إلى أن ذلك الشيء يحرم عليه تحريماً وقتياً حتى يُكَفِّر، وعندنا يَحْنَث بأكله، بدون أن يَحْرُم عليه. ٤٩١٢ - قوله: (أَكَلْتَ مَغَافِيرَ) قال الزَّمخشريّ: وهمزة الاستفهام قد تُحْذف ومعناها يُفْهم من نغمة الصوت. وهو حَسَنٌ جداً، وإنْ لم يتعرّض إليه النُّحاة. ٤٩١٣ - قوله: (حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَه غضبانَ)، لا بدّ فيه من التقسيم، فإِنَّ بعض أنحاء الغضب يكون كُفْراً، وبعضها لا . قوله: (﴿فإِنَّ الله هو مؤلاه﴾) "مدد کار. " قوله: (﴿وَجِيلَ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾)، أي أبو بكر، وعمر، ولا أدري ما الداعيةُ لهذا الإِعظام(٢). (١) وتكلم عليه ابنُ رشد في ((بداية المجتهد)) فراجِعْهُ. (٢) قلتُ: ولعله أيضاً من باب تلقي المخاطب بما لا يترقّب يعني تراجعنه أيها النساء، كأنه ليس له مَوْلى، ولأنّ الكلام يُؤثّر في النِّساء في أزواجهم، ويحملنهن على الغيرة، فلا يرجعن إلى مِثْله. = ٤٣١ كتاب تفسير القرآن قوله: (يَرْقَى عليها بِعَجَلةٍ) العجلة "لكر مين باى دال ديتى هين" شبه الأرجوحة. ٤ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [٤] صَغَوْتُ وَأَصْغَيْتُ: مِلتُ. ﴿وَلِتَصِّغَى﴾ [الأنعام: ١١٣] لِتَمِيلَ. ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِيِنِّ وَالْمَلَبِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [٤] عَوْنٌ، تَظَاهَرُونَ: تَعَاوَنُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ [٦] أَوْصُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ بِتَقْوى اللّهِ وَأَدِّبُوهُمْ. ٤٩١٥ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ قالَ: سَمعْتُ عُبَيدَ بْنَ حُنَينِ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ يَقُولُ: أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ المَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، فَمَكَثْتُ سِّنَةً فَلَمْ أَجِدْ لَهُ مَوْضِعاً، حَتَّى خَرَجْتُ مَعَهُ حاجّاً، فَلَمَّا كُنَّا بِظَهْرَانَ، ذَهَبَ عُمَرُ لِحَاجَتِهِ فَقَالَ: أَدْرِكْنِي بِالوَضُوءِ، فَأَدْرَكْتُهُ بِالإِدَاوَةِ، فَجَعَلْتُ أَسْكُبُ عَلَّيهِ، وَرَأَيتُ مَوْضِعاً، فَقُلتُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ: مَنِ المَرْأَتَانِ اللَّتَّانِ تَظَاهَرَتَا؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا أَتْمَمْتُ كَلاَمِي حَتَّى قالَ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ. [طرفه في: ٨٩]. قَوْلَّهُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ: أَزْوَجَا خَيْرًا مِّنَكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَتٍ فَيَِّتِ تَبَاتٍ عَبِدَاتٍ سَِحَتٍ ثَيِّبَتٍ وَأَبْكَاًّا (﴾﴾﴾ [٥] ٤٩١٦ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسِ قالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ وََّ في الغَيْرَةِ عَلَيهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجاً خَيراً مِنْكُنَّ، فَزَلَتْ هذهِ الآيةُ. [طرفه في: ٤٠٢]. بِسْمِ اللَّهِ الََّى الَ سُورَةُ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ التَّفَاؤُتُ: الإِخْتِلاَفُ، وَالتَّفَاؤُتُ وَالتَّفَوُّتُ وَاحِدٌ. ﴿تَمَيِّزُ﴾ [٨] تَقَطَّعُ. ﴿مَنَاكِهَا﴾. [١٥] جَوَانِهَا. ﴿تَدْعُونَ﴾ [٢٧] وَتَدّعُونَ، مِثْلُ تَذَّكَّرُونَ وَتَذْكُرُونَ. ﴿وَيَقْبِضْنَّ﴾ [١٩] يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صَفَّتٍ﴾ [١٩] بَسْطُ أَجْنِحَتِهِنَّ. ﴿ وَتُفُورٍ﴾ [٢١] الكُفُورُ. · هذا، وخوفُ المجادلين لا يُرَخّص لي بَسْطه، لا تحسب أنّي ذكرت أمراً أغمض عنه الشيخ، بل كان شيخي وَرِعاً = عالماً، لا يدخل في أمورٍ تكون من قَبيل الغيوب، وكان يراه رَجْماً بالغيب، ورَمْياً في الليل، ولا يتكلم إلا إذا كان عنده نَقْل، أو إيماءٌ من السّلف، أو النظم، أو الوجدان. أما أنا فكإِيل لا زِمام له، ولا خِطام، فأقتحم فيما ليس لي بحقّ، وذلك هو الفرق بين الجاهل والعالم. ٤٣٢ كتاب تفسير القرآن بِسْمِ اللهِ الرَّغَنِ الرَّحَمَـ سُورَةُ نِ وَالقَلَمِ وقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: يَتَخَافَتُونَ: يَنْتَجُونَ السِّرَارَ والكَلامَ الخَفيَّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿حَرْدٍ﴾ [٢٥] جِدّ في أَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَضَالُّونَ﴾ [٢٦] أَضْلَلنَا مكانَ جَنَِّنَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿كَرِيمٍ﴾ [٢٠] كالصُّبْحِ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، وَاللَّيلِ انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ، وَهُوَ أَيضاً: كُلُّ رَمْلَةٍ انْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ، وَالصَّرِيمُ أَيضاً المَصْرُومُ، مِثْلُ: قَتِيلِ وَمَقْتُولٍ . ﴾ [١٣] ١ - باب ﴿عُثُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ زَِّيمٍ ٤٩١٧ - حدّثنا مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ موسى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، قالَ: رَجُلٌ مِنْ ١٣ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ﴿عُثُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنٍِ قُرَيْشٍ، لَهُ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الْشَّاةِ. ٤٩١٨ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خالِدٍ قالَ: سَمِعْتُ حارِثَةَ بْنَ وَهْبِ الخُزَاعِيَّ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَقُولُ: ((أَلاَ أُخْبِرَكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ. أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلَّ، جَوَّاظِ، مُسْتَكْبِرٍ)). [الحديث ٤٩١٨ - طرفاه في: ٦٠٧١، ٦٦٥٧]. قوله: (كُلُّ رَمْلةٍ) ... إلخ. يعني "ريت كاتيله جو كت كياهو بری تبلى سى". ٤٩١٧ - قوله: (زَنَمَةِ الشَّاةِ)، كانوا يقطعون أُذن الشاةِ، ويتركون شيئاً منها، فَتَبقى معلَّقة، ثُم يقال: زَنيم لمن لم يكن مِن القومِ، وكان دَخَل فيهم. ٤٩١٨ - قوله: (جَوّاظ) "منه بهت" . قوله: (﴿عُثُلِّ﴾) "اكهر" . قوله: (﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾) وهو تجلِّ. واعلم أنَّ الرَّجل يرى الأمورَ القدسيةَ الغَيْبيةَ التي ليست مادية، كالرؤيا، وتسمّى تجلياً "امور قدسية غيبيه جومادى نهين هين اس كاسمان باندها جاوى مشاهده کیلئی یه تجلی هی". ٢ - باب ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [٤٢] ٤٩١٩ - حدّثنا آدَمُ: حَذَّثَنَا اللَّيِثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ يَقُولُ: ((يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَيَبْقى مَنْ كانَ ٤٣٣ كتاب تفسير القرآن يَسْجُدُ في الدُّنْيَا رِئَآءَ وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقاً وَاحِداً)). [طرفه في: ٢٢]. بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيـ نُورَةُ الحَافَّةِ ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [٢١] يُرِيدُ: فِيهَا الرِّضَا. ﴿ الْقَاضِيَةَ﴾ [٢٧] المَوْنَةَ الأُولَى الَّتِي مُتُهَا ثُمَّ أُحْيَا بَعْدَهَا. ﴿مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ﴾ [٤٧] أَحَدٌ يَكُونُ لِلجَمْعِ وَلِلوَاحِدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿الْوَتِينَ﴾ [٤٦] نِيَاطُ القَلبِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿طَغى﴾ [١١] كَثُرَ، وَيُقَالُ: ﴿يِلَافِيَةِ﴾ [٥] بِطُغْيَانِهِمْ، وَيُقَالُ: طَغَتْ عَلَى الخُزَّانِ كَمَّا طَغَى المَاءُ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ. قوله: (أَحَدٌ يكون للجَمْعِ). قلتُ: الأَحَد مُفْردِ، لكنه في سياقِ النَّفي يفيدُ الاستغراق. قوله: (﴿اَلْوَبِنَ﴾ نِياطُ القَلْب) أي هي عِرْق يتعلق القلبُ بها. واعلم أن لعين القَاديان قد تمسّك بها على صِدْقه، بأنه لو كان كاذِباً لقطع منه الوَتِين أيضاً. قلتُ: أين هذا اللعين مِن الآية. فإِنّ فيه قطع الوتين، لمن تقوّل على الله من الأنبياء الصادقين، وأما الكاذبون فهم خارجون عن الخطاب، فإِنّ العقوبة إنما تَحُل بمن كان صاحب سِرِّك، وعَيْبتك، وكَرشك، ولا تمهله أنت حتى يكذِّب عليك أَلْف كذبة، بخلاف مَنْ كان عَدواً لك، فإِنّك تستدرِجُه على حين غَفْلة، فتأخذه أَخْذَة الأسف. فالأنبياءُ عليهم السلام لو كذبوا على الله والعياذ بالله، لهلكوا معاً، وذلك لأنَّ الله تعالى إذا صَدّقهم بإِظهار المعجزات على أيديهم، فلو تَرَكهم يكذبون عليه، لكان فيه تلبيسٌ على النَّاس بين الحقّ والباطل، فالناس في أمن منهم، يعلمون أنَّ ما يقولونه يكون حَقّاً ومصدّقاً من الله، وحينئذٍ لو افترى على الله، ثُم لا ينتقم اللَّهُ منه، فما الإِثمُ عليهم لو أطاعوه في مفترياتِهم. فظهر أنَّ الخِطاب في الآية مع الرُّسل والأنبياء عليهم السلام، دون الكاذبين والدجاجلة، فإِنّ الربّ متى صَدّقهم، وإنّما اللّوم والشَّين على مَنْ صَدّقوه بدون سابقيةِ أَمْره في كتابٍ ولا سُنّة، ولا تصديقَ رَبِّهم من فوق العَرْش، فأي لَبْس، لو تركه يتقوّل على الله حتى يكونَ إجحافُه مرّةً واحدة. فهذا المعيارُ للصادقين دون · الكاذبين، على أنَّ في الآية إخباراً بإِرادة جزئية في حقّ النبيِّ وَّ، لا استدلالاً على صِدْقه بِسُنّة كُلّية في الأنبياء، يعني أنَّ هذا النبيَّ الذي تحسبونه كاذباً، لو تقوّل علينا، ٤٣٤ كتاب تفسير القرآن لفعلنا في حَقِّه ما فعلنا، فتلك أخبارٌ بإرادته تعالى فيه، وليس فيها استدلالٌ بحياته، وبقائه سالماً على صِدْقه. وكم مِن فَرْق بين الأخبار عن إرادة جزئية، وبين الاستدلال بِسُنّة كلية! ألا ترى أنَّ الضمير فيها للنبيِّ وََّ، فما خاطبه اللَّهُ به نفسه الكريمة، لا يجب أن يتحقّق في غيره(١) . (١) قلتُ: وليست شاكلتها شاكلةَ آيَاتِ الأحكام، فإِن المتبادر منها العمومُ. لأنَّ النبيَّ ينزل للتشريع لا غير، بخلاف تلك الآية، فإِنّ شاكِلَتها شاكلةَ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِِ﴾ [المائدة: ٦٧]، أفتراها عامّةً لسائر الأمم، فكما أنَّ الله تعالى أخبره بِعِضْمَته، أخبره بِقَطْع وَتِينه عند التقوّل عليه، فافهم، ولن تفهم حتى يريد الله لك الخير، ويكون بين جنبيك قلبٌ سليم، والله تعالى أعلم. ثم ما تفعل بقوله تعالى: ﴿مَنَتَدْرِعُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤] فإِنّ الله تعالى قد أخبر بإِمهال الظالمين أيضاً، فإِن كُنْت فَهِماً لَقِناً، فافهم الفَرْق بين الراسخ والذائغ والمطيع، والعاصي، فَسُنّته مع الخواصّ المؤاخذة، وسُنَّته مع الظالمين الإِمهال. ثُم إنَّ وعيدَ القَطْع ليس لاحتمال خيانةٍ هناك، والعياذ بالله، كيف! وأنبياءُ الله عليهم السلام يُطْبعون على أداءِ أمانةٍ رَبّهم، وخَشْيتهم إيّاه في سِرُّهم وجَهْرهم. فزوال الجبل عَن مَحَلْه يكون أهونَ من تَزَلْزُل الرَّسول عما طُبع عليه. وإنّما يُفْرض في حَقُّهم بَعْضُ ما لا يليقُ بشأنهم، نظراً إلى ضَعْف بنيةِ البَشَر، أي إنَّ بنيتهم بنيةُ البَشر، ضعيفة أنْ تستقِرّ على مكانها مع تلك القوادح، إلا أنّ الربّ جل مَجْدُه لما تكفّل لهم بالعِصمة فرض تلك الأمورَ فيهم، كفرض المحال، وهذا هو الفرق بين بنية المَلَك وبنية الرسل. فإِن بنية المَلَك تَأبى عن هذه الأمور بالنَّظر إلى الذات، بخلاف بنية النبيّ، فإِنها من مادة ضعيفةٍ، لكن الربّ تبارك وتعالى إذا حماها عن الاقتحام فيما لا يريد، فإِنها تساوق، بل تزيد على بنية المَلَك قوةً، فالفَرْض في حَقُّهم لا يكون على طَوْر فَرْض المناطقة: الإِنسان حماراً، بل بياناً لِضعف البنية، وأنهم برسالتهم لم ينسلخوا عن البشرية، ولكن مع كمال البشرية قد حفظهم اللَّهُ تعالى، وهو معنى قوله في سؤال عائشة: ((أمعك شيطان؟ قال: نعم، ولكنه أَسْلم)»، كما هو عند مسلم. وبالجملة ليس الوعيد في آية التقوّل لاحتمال خيانة، كيف! وهو محال بعد حفاظة الربّ تبارك وتعالى، فَفِيه توكِيدٌ لِصِدْقه، لا تهديدٌ على تَقَوّله، والعياذ بالله، ولذا قال: ﴿بَعْضَ اٌلْأَقَاوِيلِ﴾ فما يأتيه الأنبياء عليهم السلام لا يشوبُه شيءٌ من الكذب، ولكنه نحوُ استدلالٍ على حقيقةٍ من جهة التكوين، ويكون الكذبُ مَنْفياً عن جُزْئه، كما يكون عن كُلّه، ولا يكون على حَدّ قولهم: للأَكْثرِ حُكُم الكل، وجُمْلةُ الكلام أنه خطابٌ كخطابه مع عيسى عليه الصلاة والسلام في المحشر: ﴿وَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اَلَّخِذُونِ وَأَبِّىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اَللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] ليس فيه الاستفهامُ، لخفاءٍ في أَمْر عيسى عليه الصلاة والسلام، بل للتشديدِ على أمته، وتوفيراً لحظ العدل، وقد رأيتُ أنَّ الله تعالى قد يتكلم مع أصفيائه كلاماً يترشح من أطرافه شآبيب الألطاف، والجاهل إذا لم يَذُقْه من نفسه يزعمه تهديداً لهم، ولا يحسب أن المقصودَ منه يكون إفحامَ الكَفَرة وإلزامهم، ولكن لشدةِ جَهْلهم لا يُحِبّ أن يخاطبهم به في صريح القول، فيخاطب رسوله بما كان يريدُ أن يخاطبهم به، فكأنه يتكلّم معه، ويسمعهم في أثناء مخاطبته مع رسوله، ما هم له أَهْل، ولذا قد تَجِد شاكلة القرآن في مخاطبته مع الرسل بما يستحيلُ عليهم. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿لَيْنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] فإِن المقصودَ منه بيانُ حبط أعمال المخاطَبِين، ولكنه لما تَرَك عنهم الخِطَاب - ولا بدّ له من. بيان حقيقةِ الأَمر - خاطب رسوله ما كان يريد أن يخاطبهم به، وهذا أوكد وأبلغ، فإنه لما أعلن عن حُبوط عمل خواصّه، فكيف بمن لا يُدَانيهم في المنزلة، بل هم على نقاضتهم، ولهذا السر قد يشدد في قوالب الألفاظ، ليتنبه السامع أن هذا التشدد لا يناسب ظاهر حاله، فينتقل منه إلى أنه خطابٌ مع آخرين، ومَنْ لا يدري أساليبَ الكلام، لا يذوقُ ما قلنا، ولعلك ضَجِرت من طُول بقبقتي، فالسلامُ عليك. ٤٣٥ كتاب تفسير القرآن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ سَأَلَ سَائِلٌ الفَصِيلَةُ: أَصْغَرُ آبَائِهِ القُرْبِى، إِلَيهِ يَنْتَمِي مَنِ انْتَمى. ﴿لِلشَّوَى﴾ [١٦] اليَدَانِ وَالرِّجْلاَنِ وَالأَظْرَافُ، وَجِلدَةُ الرَّأْسِ يُقَالُ لَهَا شَوَاةً، وَما كانَ غَيرَ مَقْتَلٍ فَهُوَ شَوىٍ. وَالعِزُونَ: الجَمَاعَاتُ، وَوَاحِدُهَا عِزَةٌ. قوله: (والفَصِيلة: أَصْغَرُ آبائه القُرْبَى) ... إلخ. ويقال لأكبرهم: الشَّعْب. قوله: (وما كان غيرَ مَقْتلِ، فهو شَويًّ) أي ما كان من أطراف الإِنسان ما لو أصابتها ضَرْبةٌ لم يمت فهي شَوىً. ١ - باب ﴿وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [٢٣] ٤٩٢٠ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسىٍ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيج، وَقَالَ عَطَاءٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: صَارَتِ الأَوْثَانُ الَّتِي كانَتْ فِيَ قَوْمَ نُوحَ فَي العَرَبِ بَعْدُ، أَمَّا وَذّ: كانَتَّ لِكَلبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ: كانَتْ لِهُذِيلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ: فَكانَّتْ لِمُرَادٍ، ثمَّ لِبَنِي غُطَيفٍ بِالجَوْفِ عِنْدَ سَبأ، وَأَمَّا يَعُوقُ: فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ: فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ، لِآَلِ ذِي الْكَلاَعِ، أَسْمَاءُ رِجالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحِى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ: أَنِ انْصِبُواً إِلَى مَجَالِسِهِم الَّتي كانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَاباً وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلمُ عُبِدَتْ. حاصِلُه أن تلك الأوثانَ التي كانت في قومٍ نوح عليه السلام وصلت بعينها إلى العَرَب . قلتُ: ولا بُعْد فيه، لأنَّ نوحاً عليه الصلاة والسلام كان في العراقِ، وهي كانت تحت مَمْلكةِ العرب، ويقال لها: عِراق العَرَب، فلا عجب منه. ويؤيدُه أن عَمْرو بن لحي الذي هو أول مَنِ سَنَّ عبادةَ الأوثان في العرب، كان جاء بِوَثَن من العراق، وكان اسْمُه هُبَل؛ والظاهر أنَّ العرب هم الذين كانوا نَحَتُوا هذه الأصنامَ، لا أنها انتقلت من العراق إليهم، غير أنهم نحتوها للمقاصِد التي قصدها أهلُ العراق، وذلك لأَنّا نَجِد في أهل الهند أيضاً أصناماً على تلك الأسامي بعينها، وراجع لها ((ترجمة القرآن)» للمَوْلَوي، فيروز الدين الدسكوي، فإنّه قدذكر فيها أسماءها بالهندية، ثُم إنَّهم كانوا أعدوها للحوائج الخاصة؛ فالوَدّ: من المودة، وكانوا نحتوها لِجَلْب الخير بينهم؛ والسُّواع: من الساعة، وهي التي فَوّضوا إليها الموت؛ ويَغُوث: وهي ما كانت تَغِيث الناس في شدائدهم؛ ويَعُوق: وهي ما كانت تمنعُ وتعوقُ عنهم المصائبَ؛ والنَّسْر: كانت على شَكْلِ النَّسْر. ٤٣٦ كتاب تفسير القرآن وإذ قد عَلِمت أنَّ تلك الأصنام كانت عند العرب أيضاً، فلا حاجةً إلى جواب ما أُورِد أن تلك الأصنام كيف يمكن أن تكون ما كانت عند قَوْم نوح عليه الصلاة والسلام، مع مُضِي الأَعْصَار، وطُول العهود. على أنه لا بُعْد فيه، فإِنَّ نُوَحاً عليه السلام كان في بلاد المَوْصِل، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام كان في بَابِل، وليست بينهما مسافةٌ كثيرةٌ، وكذا طُول العهد لا ينافي ذلك، مع أنك قد علمت أنها أسماءٌ وصفيةٌ لا أَعلام. فما كانت عند العرب أيضاً تُسمّى بتلك الأسماء للاتحاد في المقاصِد، فلا يلزم أن تكون تلك بعينها ما عند قوم نُوح عليه الصلاة والسلام، ومما ذكرنا لك من مقاصدها ومعانيها ظهر لك أن ما ذكره الراوي في أَمْر هؤلاء بعيدٌ. بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ سُورَةُ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا﴾ ﴿أَطْوَارًا﴾ [١٤] طَوْراً كَذَا وَطَوْراً كَذَا، يُقَالُ: عَدَا طَوْرَهُ أَي قَدْرَهُ. وَالكُبَّارُ أَشَدُّ مِنَ الكُبَارِ، وَكَذلِكَ جُمَّالٌ وَجَمِيلٌ لأَنَّهَا أَشَدُّ مُبَالَغَةً، وَكُبَارُ الكَبِيرُ، وَكُبَارِاً أَيضاً بِالتَّخْفِيفِ، وَالعَرَبُ تَقُولُ: رَجُلٌ حُسَّانٌ وَجُمَّالٌ، وَحُسَانٌ، مُخَفَّفٌ، وَجُمَالٌ، مُخَفَّفٌ. ﴿دَنَارًا﴾ [٢٦] مِنْ دَوْرٍ، وَلكِنَّهُ فَيَعَالٌ مِنَ الدَّوَرَانِ، كَمَا قَرَأَ عُمَرُ: الحَيُّ القَيَّامُ، وَهيَ مِنْ قُمْتُ، وَقالَ غَيْرُهُ: ﴿رَيَّارًا﴾ أَحَداً. ﴿نَارًا﴾ [٢٨] هَلاَكاً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿مِّدْرَارًا﴾ [١١] يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضاً. ﴿وَقَارًا﴾ [١٣] عَظَمَةً. قوله: (﴿دَيَّارًا﴾) يعني أَحَداً "كونى نرهى بستى والا" . بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ سُورَةُ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَى﴾ قالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿لِبَدًا﴾ [١٩] أَعْوَاناً . ١ - باب ٤٩٢١ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَلهَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، عامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظِ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ، فَقَالُوا: ما لَّكُمْ؟ قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا ٤٣٧ كتاب تفسير القرآن الشُّهُبُ، قالَ: ما حالَ بَينَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّ ما حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا ما هذا الأَمْرُ الَّذِي حَدَثَ. فَانْطَلَقُوا، فَضَرَبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، يَنْظُرُونَ ما هذا الأَمْرُ الَّذِي حَالَ بَينَهُمْ وَبَينَ خَبَرِ السَّمَاءِ، قالَ: فَانْطَلَقَ الَّذِينَّ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ نَّهَ بِنَخْلَةَ، وَهُوَ عامِدٌ إِلَى سُوقِ عُكَاظِ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاَةَ الفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْأَنَ تَسَمَّعُوا لَهُ، فَقَالُوا: هذا الَّذِي حالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرَُّنَا عَجَبًا يَهْدِىّ إِلَى الرُّشَدِ فَامَنَا بِهِ، وَلَن نُشْرِكَ بِرَبَِّا أَحَدًا﴾ [١ - ٢]. وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ وَّهِ: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [١]. وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيِهِ قَوْلُ الجِنِّ. [طرفه في: ٧٧٣]. يقول ابنُ عباس: إنَّ الجِنَّ لم يلقوا النبيَّ ◌َّ في تلك النمرّةِ، ولا قالوا له شيئاً، وإنَّما أُوحي إلى النبيِّ وَّهُ مِن قَوْلهم. وقال ابنُ مسعود: إنَّه آذَنته شجرةٌ كانت هناك. وهو الصوابُ عندي، لأنَّ ابن عباس كان إذ ذاك صغيرَ السِّنِّ، فالعبرةُ بقولِ ابن مسعود (١). بِسْمِ اللَّهِ الَّغَنِ الرَّحَيَـ سُورَةُ المُزَّمّلِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَتَبَثَّلْ﴾ [٨] أَخْلِصْ. وَقالَ الحَسَنُ: ﴿أَنْكَالًا﴾ [١٢] قُيُوداً. ﴿مُنْفَظِرٌ بِهٍ﴾ [١٨] مُثَقَّلَةٌ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كِبًا مَّهِيلًا﴾﴾ [١٤] الرَّمْلُ السَّائِلُ. ﴿وَبِيلًا﴾ [١٦] شَدِيداً. بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرّ سُورَةُ المُدَّرِ قالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿عِيرُ﴾ [٩] شَدِيدٌ. ﴿قَسْوَرَةِ﴾ [٥١] رِكْزُ النَّاسِ وَأَصْوَاتُهُمْ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الأَسَدُ، وَكُلُّ شَدِيدٍ قَسْوَرَةٌ. ﴿مُسْتَنِفِرَةٌ﴾ [٥٠] نَافِرَةٌ مَذْعُورَةً. ١ - باب ٤٩٢٢ - حدّثنا يَحْيى: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيِىِ بْنِ أَبِي كَثِيرِ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَوَّلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، قالَ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾ [العلق: ١]. فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ [١] قُلتُ: يَقُولُونَ: ﴿أَقْرَأْ بِاسْمِ رَِّكَ الَّذِى خَلَقَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ ذلِكَ، وَقُلتُ لَهُ مِثْلَ الَّذِي قُلتَ، فَقَالَ جابرٌ: لاَ (١) قلتُ: وراجع له ((آكام المَرْجَان)) وليست النسخةُ موجودةً عندي الآن، غير أنه وَضَع لذلك فَضْلاً . ٤٣٨ كتاب تفسير القرآن أُحَدِّثُكَ إِلَّ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللّهِ وَّةِ، قالَ: ((جاوَرْتُ بِحِرَاءٍ، فَلَمَّا قَضَيتُ جِوَارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيت، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيئاً، وَنَظَرْتُ عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، وَنَظَرْتُ أَمامِي فَلَمْ أَرَ شَيئاً، وَنَظَرْتُ خَلَفِي فَلم أَرَ شَيئاً، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيتُ شَيئاً، فَأَتَيثُ خَدِيجَةً فَقُلتُ: دَثِّرُونِي، وَصُبُّوا عَلَيَّ ماءً بَارِداً، قالَ: فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ ماءً بَارِداً، قالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿﴿ قُرْ فَأَذِرُ ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِرِ (٣)﴾)) [١ - ٣]. [طرفه في: ٤]. [٢ ] ٢ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿قُرْ فَزِرْ ٤٩٢٣ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيّ وَغَيرُهُ قالاَ: حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ يَحْيِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ بَّ قالَ: ((جاوَرْتُ بِحِرَاءٍ) مِثْلَ حَدِيثِ عُثْمانَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ المُبَارَكِ. [طرفه في : ٤]. ٣ - باب ﴿وَرَبَّكَ فَكَةٍ (٦)﴾ [٣] ٤٩٢٤ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ: حَدَّثَنَا حَرْبٌ: حَدَّثَنَا يَحْيِى قالَ: سَأَلتُ أَبَا سَلَمَةَ: أَيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ أُوَّلُ؟ فَقَالَ: ﴿وَيُّهَا الْمُدَُّ ﴿2﴾﴾ فَقُلتُ: أُنْبِئْتُ أَنَّهُ: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ [العلق: ١]. فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: أَيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ أَوَّلُ؟ فَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَِّرُ ﴿﴿﴾. فَقُلتُ: أُنْبِئْتُ أَنَّهُ: ﴿أَقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. فَقَالَ: لاَ أُخْبِرُكَ إِلَّ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله قالَ رَسُولُ اللّهِّ ◌َله: ((جاوَرْتُ في حِرَاءٍ، فَلَمَّا قَضَيتُ جِوَارِي هَبَظْتُ، فَاسْتَبْطَنْتُ الوَادِيَ، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أَماميٍ وَخَلِفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَإِذَا هُوَ جالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ، فَأَتَيتُ خَدِيجَةَ فَقُلتُ: وَرَبَّكَ دَثِّرونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ ماءً بَارِداً، وَأَنْزِلَ عَلَيَّ: ﴿وَيُّهَا أَلْمُدَِّرُ جَ قُرْ ◌َذِرْ فَكَبِرِ (®َ)))). [طرفه في: ٤]. @﴾ [٤] ٤ - باب ﴿وَثَابَكَ فَطَهِّرْ ٤٩٢٥ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. وَحَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرِّنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهَّرِيِّ:َ فَأَخَبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْشُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَلَّ، وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْي، فَقَالَ في حَدِيثِهِ: ((فَبَينَا أَنَا أَمْشِي، إِذْ سَمِعْتُ صَوتاً مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا المُّلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِرَاءٍ، جالِسٌ عَلَى كُرْسِيّ بَيِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجُئِثْتُ مِنْهُ رُعْباً، فَرَجَعْتُ فَقُلتُ: زَمِّلونِي زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيُّهَا الْمُدَّثِرُ (ج)))) [١ - ٥] قَبْلَ أَنْ تُفرَضَ الصَّلاَةُ، وَهيَ الأَوْثَانُ. [طرفه في: ٤]. إِلَى: ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ٤٣٩ كتاب تفسير القرآن ۵ [٥] ٥ - باب: ﴿وَالرُّجْزَ فَأَهْجُرْ يُقَالُ: الرِّجْزُ وَالرِّجْسُ: العَذَابُ. ٤٩٢٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلِ: قالَ ابْنُ شِهَابٍ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ قالَ: أَخْبَرَنِي جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَيْهِ، يُحَدِّثُ غُنْ فَتْرَةِ الوَحْي: ((فَبَينَا أَنَا أَمْشِي، سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِرَاءٍ، قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجُئِثْتُ مِنْهُ، حَتَّى هَوَيتُ إِلَى الأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلتُ: زَمِّلونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيُّهَا الْمُدَّيِّرُ ﴾﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَهْجُزْ﴾ [١ - ٥] - قالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرِّجْزُ: الأَوْثَانُ - ثُمَّ حَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ)). [طرفه في : ٤] . واعلم أنه قد تكلَّمنا على المُزَّمِّل، وأنه لا تستقيم فيها البدليةُ بين قوله: ﴿قُرِ اَلَيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾﴾ [المُزَّمل: ٢] ... إلخ، وأنه ماذا فيه من الجواب عندنا، فراجعه. قوله: (نافرة) " کھبرائی هوئی بها کنی والی. " ٤٩٢٢ - قوله: (سألت جابِرَ بنَ عبد الله رضي الله عنهما عن ذلك) ... إلخ. واعلم أنَّ أَوَّل ما نزلت مِن السُّور هي المُدّثِّر عند جابر؛ والصوابُ أنها سورة ((اقرأ)). قلت: وقد رام الحافِظُ التطبيقَ بينهما، وليس بشيءٍ عندي، بل هو خلافُ الواقع، لأنَّ جابراً قد جَزَم بِكَوْن المُدّثر أَوَّل نزولا، وحينئذٍ فالتوجِيهُ من جانِبه توجِيةٌ بما لا يرضى به قائِلُه، وذلك لأنَّ الرواة إنما يُعبِّرُون عَمّا في ذِهْنِهم من المعنى، وربما لا يكون لهم خبرةٌ بما عند الآخَر، فلا يراعونه أصلاً، كيف! وإنَّما الواجب عليهم ما بلغ عِنْدهم، فإِذا لم يُبلِّغهم إلّ ما بلغوا لم يجِب عليهم مراعاتِهِ أَضْلاً، غير أنَّ اللاحق إذا وجد المادّةَ المتناقضةَ في الطرفين، يجب عليه أن يتحرَّى الصوابَ، ويتتبّع التوجيهاتِ، فتلك تكون مِن جهته، ولذا تراها ربما تختلف على الألفاظ، ولا تأتي عليها، وهذا النحو ليس إلاَّ لعدم مراعاتهم إياها، فمن زَعَم يؤوِّل قولَهمِ بما يُشْعر أنهم عَلِموا حال الألفاظ جُمْلةً، فقد بَعُد عن الصواب؛ فليس عند جابر إلاَّ أنَّ المُدّثر أول نزولاً، وذلك هو المحقّق عنده، ولا نبحث عن وُجوهه وأسبابه، فلتكن ما كانت. وإذن فالتطبيق بين قوله، وبين مَنْ روى أَوّلية سورة اقرأ حَمْلٌ عليه ما لا يتحمّله هو، فَمَن أراد من الشارحين أن يوجِد التطبيقَ من قِبل جابر فقد أبعد، نعم إنْ أراده لنفسه ومن قبله، فهذا أَمْرٌ لا حَجْر فيه ولا ضيق. ٤٩٢٥ - قوله: (قَبْل أن تُفْترض) أي قبل أن تفترض الخَمْسِ، وإلاَّ فالصلاتانِ عندي كانتا فَرِيضَتَين منذ بدء الإِسلام، كما حَرّرنا من قبل، وقد تكلَّمنا على ألفاظ هذه السور في أول الكتاب. ٤٤٠ كتاب تفسير القرآن قوله: (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ﴾) ... إلخ. قد عَلِمت أنه لا ارتباط له بما قبله، لأن باقي السياق في المَحْشر. والأَوْلى في مِثله عندي أن يوفر حَظّ القرآن أوّلاً، ثُم ينظر إلى الحديثِ فإِن أتى عليه فذاك، وإلاّ فلا يُقْصر عليه، وقد مَرّ الكلام مبسوطاً مِن قَبْل. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ سُورَةُ القِيَامَةِ ١ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ: ניי] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿سُدّى﴾ [٣٦] هَمَلاً. ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [٥] سَوْفَ أَتُوبُ، سَوْفَ أَعْمَلُ. ﴿لَا وَزَّرَ﴾ [١١] لاَ حِصْنَ. ٤٩٢٧ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا مُوسى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، وَكانَ ثِقَةً، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا نَزَلَ عَلَيهِ الوَحْيُ حَرَّكَ بِهِ لِسَانَهُ - وَوَصَفَ سُفْيَانُ - يُرِيدُ أَنْ يَحْفَظَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ (٦)﴾ [١٦]. [طرفه في: ٥]. لِتَعْجَلَ بِهِے ٢ - باب ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهٍُ [١٧] ١٧ ٤٩٢٨ - حدّثنا عُبَيد اللَّهِ بْنُ مُوسى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُوسى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ: أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيرٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ﴾ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ إِذَا أُنْزِلِّ عَلَيهِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لَا تُحَرِّكِ بِهِ، لِسَانَكَ﴾ يَخْشِى أَنْ يَنْفَلِتَ مِنْهُ، ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا ◌َمْعَهُ وَقُرَْانَهُ ﴿1﴾ أَنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ، ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أَنْ تَقْرَأَهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ﴾ يَقُولُ: أُنْزِلَ عَلَيهِ ﴿فَّعْ قَرَأْنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (®َ﴾ [١٨ - ١٩] أَنْ نُبَيِّنَهُ عَلَى لِسَانِكَ. [طرفه في: ٥]. [١٨ ] ٣ - باب: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَّعْ قُرْءَانَهُ ◌َ﴾ قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَرَأْنَاهُ: بَيَّنَّاهُ، فَاتَّبِعْ: اعْمَل ◌ِهِ. ٤٩٢٩ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُوسى بْنِ أَبِي عائِشَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ: ﴿َ﴾﴾. قالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلٌّ بِالوَحِي، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيهِ، ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ الَّتِ في ﴿لَآ أُقْيِّمُ بِيَوْمِ الْقِيَّمَةِ لِتَعْجَلَ بِهِ: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرَْانَهُِ ﴿٣)﴾. قالَ: عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ وقرآنُهُ، ﴿فَإِذَا [١٩] عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (®)) قَرَأْنَهُ فَبِعْ قُرْءَانَهٍُ ◌َ