النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ كتاب تفسير القرآن ٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِّنَا وَقَالَ لَأُوتَيَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [٧٧] ٤٧٣٢ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَمِعْتُ خَبَّاباً قَالَ: جِئْتُ العَاصِيَ بْنَ وَائِلِ السَّهْمِيَّ أَتَقَاضَاهُ حَقَّاً لِي عِنْدَهُ، فَقَالَ: لاَ أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ وَّهِ، فَقُلتُ: لاَ، خُتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ، قَالَ: وَإِنِّي لَمَيِّتْ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟ قُلتُ: نَعَمْ، قالَ: إِنَّ لِي هُنَاكَ مالاً وَوَلَداً فَأَقْضِيكَهُ، فَنَزَلَتْ هذهِ الآيَةُ: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِىِ كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوْنَيَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [٧٧]. رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ، وَحَفصٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ. [طرفه في: ٢٠٩١]. ٤ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ لَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٦َ﴾ [٧٨] ٤٧٣٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: أَخْبَرَنَا سُفيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ أَبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابِ قالَ: كُنْتُ قُيناً بِمَكَّةَ، فَعَمِلتُ لِلَعَاصِي بْنِ وَائِلِ السَّهْمِيِّ سَيفاً، فَجِئْتُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لاَ أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، قُلتُ: لَاَ أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ وَّةٍ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ يُحْيِيَكَ، قالَ: إِذَا أَمَاتَنِي اللَّهُ ثُمَّ بَعَثَنِي وَلِي مالٌ وَوَلَّدٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِىِ كَفَرَ بَِايَيِّنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ أَتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨)﴾ [٧٧، ٧٨] قالَ: مَوْثِقاً. [طرفه في: ٢٠٩١]. لَمْ يَقُلِ الأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفيَانَ: سَيفاً، وَلاَ مَوْثِقاً . [٧٩ ] ٥ - باب ﴿كَلَّأَّ سَنَكْنُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًا ٤٧٣٤ - حدّثنا بِشْرُ بْنُ خالِدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيمانَ: سَمِعْتُ أَبَا الضُّحى يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابِ قالَ: كُنَّتُ قَيناً فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكانَ لِي دَينٌ عَلَى العَاصِيِ بْنِ وَائِلِ، قالَ: فَأَتَاهُ يَتَقَّضَاهُ، فَقَالَ: لاَ أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ بَّ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لاَ أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ تُبْعَثَ، قالَ: فَذَرْنِي حَتَّى أَمُوتَ ثُمَّ أُبْعَثَ، فَسَوْفَ أُوتَى مالاً وَوَلَداً فَأَقْضِيكَ، فَنَزَلَتْ هذهِ الآيَةُ: ﴿أَفَرَّيْتَ الَّذِى كَفَرَ بَِايَيِنَا وَقَالَ لَأُوْتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (َ﴾﴾ [٧٧]. ﴾ [٨٠] ٦ - بابٌ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْنِينَا فَرْدًا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحِبَالُ هَذَّا﴾ [٩٠] هَدْماً. ٤٧٣٥ - حدّثنا يَحْيِى: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّبِ قالَ: كُنْتُ رَجُلاً قَيناً، وَكانَ لِي عَلَى العَاصِي بْنِ وَائِلِ دَيْنٌ، فَأَتَيتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ لِي: لاَ أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، قَالَ: قُلتُ: لَنْ أَكْفُرَ بِهِ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ، ٣٢٢ كتاب تفسير القرآن قالَ: وَإِنِّي لَمَبْعُوثٌ مِنْ بَعْدِ المَوْتِ، فَسَوْفَ أَقْضِيكَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَى مَالٍ وَوَلَدٍ، قالَ: فَستَزَلَتْ: ﴿أَفَيْتَ الَّذِىِ كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَ مَالًا وَوَلَدًا (﴿﴿ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ لَّخَذَ عِنْدَ كَلََّّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَتَمُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَّا ﴿ وَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْنِيِنَا VA الرَّحْمَنِ عَهْدًا فَرْدًّا (®َ﴾ [٧٧ - ٨٠]. [طرفه في: ٢٠٩١]. قوله: (قال ابن عباس: ﴿أَبْصِر بهم وأَسْمِع﴾: اللَّهُ يَقُولُه) ... إلخ. يشيرُ إلى تأويلٍ وُرُود فِعْل التعجُّب في القرآن، فإِنَّ الظاهِرَ أنَّ الله تعالى لا يأخُذه عَجَبٌ، فما معنى صِيغ التعجب في حَقِّه؟ فحرر فيه السُّيوطي رسالةً، وقال: إنَّ صِيغ التعجُّب قد تَنْسلِخُ عن معناها، وإنْ كانت في الأَصْل للتعجب، وحينئذ صَحّ وُقوعُها (١) في القرآنِ بدونِ إِشْكَال. قوله: (﴿عِنِيًّا﴾) وتفسيره في ((الهامش)). وقد سَمِعت أنَّ المصنّف لم يُحْسن في تلخيص مجاز القرآن، ثُم لم يتوجَّه إليه صاحِبُ النسخة أيضاً، فصار ضغئاً على إبالة، ولذا أَشْكل فَهْمُه على الطََّبَة. ٤٧٣٠ - قوله: (ويُؤْتَى بالموتِ كهيئةٍ كَبْشٍ أَمْلَحَ) ... إلخ. ويتولى ذَبْحه يَحْيى عليه السلام، ثُم ما الحِكْمةُ فيه؟ فاللَّهُ سبحانه أَعْلمُ بأسرارٍ مُبْدَعاته، وحكم غرائِه، ويمكن أن يُقال: إنَّ اسمَهُ لما كان مُشتقّاً من الحياة، ناسب له ذَبْح الموت. فإِنْ قلت: إنَّ الموتَ معنى، فكيف يُذْبح؟! قلتُ: رَحِمك اللَّهُ إذا مَرَرت بأَمْرٍ من عالم الغيب، فلا تَضْرب له مَثلاً. أما سَمِعت أن الكليَّ الطبعي عند المَعْقُوليين، موجودٌ في الخارج، بل محسوسٌ عند بَعْضِهم. وتفصيله أنَّ زيداً، وعمراً، وكذا غيرَهما من أفرادِ الإِنسان موجودون في الخارج، فأخذوا من هؤلاء الأفرادِ مفهوماً يُوصَف بكونِه صادِقاً على الكثيرين، وهو الكُليّ المَنْطِقي، ثُمٍ إنَّ هذه الأفرادَ لما كانت موجودةً في الخارج لا بد أن تكون الإِنسانيةُ أيضاً فيه، وإلاَّ لَزِم أن لا يكون زيدٌ موجوداً في الخارج، لانتفاء جزئه، فلزِم وجودُ الكليّ الطبعي في الخارج. قال ابنُ سيناء: إنَّ نِسبةَ الكلي الطبعي إلى أفرادِهِ، ليست كنِسْبةِ الأب إلى أبنائه، بل كنسبةِ الآباء إلى أبنائهم قلتُ: مرادُه أنَّ الكليَّ بتمامِه موجودٌ في كلٍّ مِن أفراده، لا أنه موجودٌ في مجموع أفرادِه بوجود واحدٍ، فكما أنَّ الكليَّ الطبعي موجودٌ عندهم في (١) قلتُ: وقد مَرّ ما فيه عند الشيخ، ومُلَخَّصُه أنَّ الله تعالى يحاور عبادَه حسب ما يتعارفون فيما بينهم، فيذكر التعجُّب فيما يتعجبون منه، ويذكر الضَّحك فيما يضحكون منه، ليعرفوا ذلك منه من غير تمثيل، ولا تشبيه، ويَكِلُوا الْكَيْف إلى الله عَزَّ وجل، فإِنَّ الحقَّ أن كلَّ ما ورد به الشَّرْعِ، فهو ثابتٌ في جَنابه تعالى، نعم لا بدّ أن يُنزَّ جَنابُه مما يجب التنزيهُ له، وآخِرُ ما استقرَّ عليه رأيُ الشيخ أنَّ كلَّ ذلك تجلياتٌ، وسيردُ عليك تفصيلُه إنْ شاء الله تعالى، بما يكفي ويشفي. ٣٢٣ كتاب تفسير القرآن الخارج، بل محسوسٌ عند بَعْضِهم، فهكذا الحالُ في تَجسُّد الموتِ يومَ الحَشْر. أما وَجْه تمثّلِهِ في صورة الكبش، فلعله لما قالوا: إنَّ للكَبْشِ مناسبةً بالموت، وللفرس من الحياة، ولذا صار الكَبْشُ فِدْيةً للموت، فَيُذْبح عنه، كما ذُبح عن إسماعيل عليه الصلاة والسلام، أو لكون أكثرَ ذبائحهم هو الكبش. ثم إنَّ في ذَبْح الموت نداءً على الخلود، وعدمَ فناء الطائفتين أبداً، لكنهم مع ذلك تَفَرَّقُوا في الجهنميين على سبعة أقوال: منها - وهو غيرُ مشهورٍ - أنهم بعد أَحْقَاب يَعْلَمُها اللَّهُ تعالَى يَنْعَدِمُون: قلتُ: لا أقول فيهم بالفَناء، ولا بالعدم، ولكن أعتقدُ فيهم بالاستثناء الذي ورد به القرآنُ، وهو قوله: ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾(١)، أما إنه ماذا مِصْدَاقُه؟ فَأَكِلُ عِلْمَه إلى الله تعالى، ولا أقول: إنَّه فِناءً أو غيره، فاعتقد بالخلودِ، كما نصَّ عليه القرآنُ، وأبوح بالاستثناء، كما باح به، ولا أُفسِّره، ولا أُفصِّله وأؤمن به على إبهامه، ما (١) يقول العبد الضعيف: وقد اضْطَربتٍ كَلماتُهم في الاستثناء، فلم أر فيه شيئاً شافياً بعد، إلاَّ ما ذكره الشاه عبدُ القادر في ((فوائده)) حيث قال: إنَّ الله تعالى ذَكَر الاستثناء، لِيُعْلم أنَّ أَمْرهم لم يخرج عن المشيئة بعد، وإنْ سبق القَوْل فيهم بالخلود، وذلك لأنه أحال أمرهم ههنا على المشيئة، وقد عَلِمناها من القرآن، أنه قد سبقت بالخلودِ في حَقُّهم، فَنَبَّه على أنَّ خلودهم فيها لا يكون لخروجٍ أَمْرهم من يد الله سبحانه، بل هم تحت المشيئة بعد، لو أراد أن يُخْرِجهم من النار لَفَعل، ولكنه قد أخبرنا أنه قَدَ شاء خلودَهم فلا يخرجهم منها أبداً: ﴿كُمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابٌ﴾ [النساء: ٥٦]. ثُم رأيته في ((روح المعاني)) وهذا نَصّه: قال الشيخ الألوسي: والأَوْجه أن يقال: إنَّ الاستثناء في المَوْضِعين مبني على الفَرْض والتقدير، فمعنى ﴿إِلَّ مَا شَآءَ﴾ إنْ شاء، أي لو فرض أنَّ اللَّه تعالى شاء إخْرَاجَهم من النار، أو الجنة في زمان، لكان مُسْتَثْنى من مُدَّة خلودِهم، لكن ذلك لا يَقَعُ لدلالةِ القواطع على عَدَمِ وقوعه. اهـ ((روح المعاني). ثم قال: ولعلَّ النكتةَ في هذا الاستثناء - على ما قيل - إرشادُ العباد إلى تفويضِ الأُمور إليه جَلَّ شَأْتُه، وإعلامهم بأنها منوطةٌ بمشيئته جلَّ وعلا، يَفْعَلْ ما يشاء، ويحكم ما يريدُ. وذكر بَعْضُ الأفاضل أنَّ فائدته دَفْعُ توهُم كَوْن الخلود أمراً واجباً عليه تعالى لا يمكن له سبحانه نَقْضُه، كما ذهب إليه المعتزلةُ، حيث أخبر به جلَّ وعلا، مؤكداً. اهـ ملخصاً. وقد كان عالمانِ - من علماء روسيا - جاءا إلى حَضْرةِ الشيخ، وسألاه عن تلك الآيةِ، ما الوَجْهُ فيها؟ فأجاب الشيخ - وأنا أسمع، كما ذكرت في الصُّلْب - وقال: لم أكن أُحِبَّ أن تسألاني عن وجهها، وإذ قد سألتماني عنها، فاسمعا: إني أعتقد بالخلودِ فيهم، على مذهب الجمهور، وأعتقد بالاستثناء كما نَطَّق به النصّ، ولا أُفسِّره، ولا أُعيِّن مِصْدَاقَه. فسبحان الله ما أَحْكَم مَدارِكَه، فلما سَمِعت من جوابِه تحيّرت من علومه، وديانته، ولم يكن أوَّل أُعجوبة رأيتُ منه، بَرّد الله تعالى مضجعه، وَرَفَعَه في أعلى عليين. فإن قلت: ماذا يكون مِصْداقُ الاستثناء، بناء على مختار الشيخ؟ قلتُ: إنْ كُنت لا بد سائلاً عنه، فاسمع، إنه كما ذكره العلامة الألوسي عن بعضهم: إنَّ الاستثناء من الضمير المتقدم، إلاَّ أنَّ الحُكْم الخلودُ في عذاب النار، وكذا يقال فيما بعد: إنَّ الحُكْمِ فيهِ الخلودُ في نعيم الجنة، وأهلُ النار ينقلبون منها إلى الزَّمْهَرِير، وغيره من العذاب أحياناً، وكذلك أهلُ الجَنَّة ينعمون بما هو أعلى منها، كالاتصال بجناب القُدْس، والفوز برضوان الله تعالى، الذي هو أكبر، وما يتفضل به عليهم، سوى ثوابِ الجَنَّة، مما لا يعرِف كُنْهه إلاَّ هو سبحانه وتعالى. وقد ردّه الطَّيبي، كما بسطه فيه . ٣٢٤ كتاب تفسير القرآن كان مراده، عند ربِّي عز وجل. وما نقلوا فيه عن عمرَ، وابنٍ مسعود، وأبي هريرة، فلعلَّ أَصْلَه في حَقِّ العصاة، وما يلوح منه من كَوْنِه في حَقِّ الكُفّار، فلعله من خَبْط الرواةِ عندي . بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَـ سورة طه [١] يَا رَجُلُ. وقَالَ مُجاهدٌ: أَلقى: قالَ ابْنُ جُبَيرِ والضَّحَّاكُ: بِالنَّبَطِيَّةِ ﴿طه ـ صنع. يُقَالُ: كُلُّ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ، أَوْ فِيهِ تَمْتَمَةٌ، أَوْ فَأُفَأَةٌ، فَهِيَ عُقْدَةٌ، ﴿أَزْرِي) [٣١] ظَهْرِي. ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ [٦١] يُهْلِكَكُمْ. ﴿المُثْلَى﴾ [٦٣] تَأْنِيثُ الأَمثَلِ، يَقُولُ: بِدِينِكُمْ، يُقَالُ: خُذِ المُثْلَى: خُذِ الأَمْثَلَ. ﴿ثُمَّ أَثْتُواْ صَفًّا﴾ [٦٤] يُقَالُ: هَل أَتَيَتَ الصَّفَّ اليَوْمَ؛ٍ يَغْنِي المُصَلَّى الَّذِي يُصَلى فِيهِ. ﴿فَأَوْجَسَ﴾ [٦٧] أَضْمَرَ خَوْفاً، فَذَهَبَتِ الوَاوُ مِنْ ﴿خِيفَةً﴾ [٦٧] لِكَسْرَةِ الخَاءِ. ﴿فِي جُذُوعٍ﴾ [٧١] أَي عَلَى جُذُوع النَّخْلِ. ﴿خَطْبُكَ﴾ [٩٥] بَالُكَ. ﴿مِسَاسٌِّ﴾ [٩٧] مَصْدَرُ ماسَهُ مِسَاساً. ﴿لَنَنِفَنَّهُ﴾ [٩٧] لَنَذْرِيَنَّهُ. ﴿قاعاً﴾ [١٠٦] يَعْلُوهُ المَاءُ، وَالصَّفْصَفُ: المسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أوزاراً﴾: أثقالاً ﴿مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [٨٧]: الحُلِيُّ الَّذِي اسْتَعَارُوا مِنْ آَل فِرْعَوْنَ، ﴿فَقَذَفْنَهَا﴾ [٨٧] فَأَلِقَيْنَاهَا. ﴿أَلْقَى﴾ [٨٧] صَنَعَ. ﴿فَسِىَ﴾ [٨٨] مُوسَى - هُمْ يَقُولُونَهُ: أَخْطَأَ - الرَّبَّ. ﴿أَلَّا يَجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [٨٩] العِجْلُ. ﴿هَمْسًا﴾ [١٠٨] حِسُّ الأَقْدَامِ. ﴿حَشَرْتَنِيّ أَعْمَى﴾ [١٢٤] عَنْ حُجَّتِي. ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [١٢٥] في الدُّنْيَا. قال ابن عباس: بِقَبَسٍ ضلّوا الطريق وكانوا شاتين فقال: إن لم أجد عليها من يهدي الطريق آتكم بنار توقدون. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿أَمْثَلُهُمْ﴾ [١٠٤] أَعْدَلُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿هَضْمًا﴾ [١١٢] لاَ يُظْلَمُ فَيُهْضَمُ مِنْ حَسَنَاتِهِ. ﴿عِوَجًا﴾ [١٠٧] وَادِياً. ﴿أَمْتًا﴾ [١٠٧] رَابِيَةً. ﴿سِيرَتَهَا﴾ [٢١] حالَتَهَا ﴿اَلْأُوْلَى﴾ [٢١]، ﴿النُّهى﴾ [٥٤] التُّقَى. ﴿ضَنكًا﴾ [١٢٤] الشَّقَاءُ. ﴿هَوَى﴾ [٨١] شَقِيَ. ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى﴾ [١٢] المُبَارَكِ، ﴿طُوَّى﴾ [١٢] اسْمُ الوَادِي. ﴿بِمَلْكِنَا﴾ [٨٧] بِأَمْرِنَا. ﴿مَكاناً سُوَى﴾ [٥٨] مَنْصَفٌ بَيْنَهُمْ. ﴿يَسًا﴾ [٧٧] يَابساً. ﴿عَلَى قَدَرٍ﴾ [٤٠] مَوْعِدٍ. ﴿وَلَا نَا﴾ [٤٢] لا تَضْعُفَا. يَفْرُطَ: عُقُوبَةً. ﴾[٤] ١ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿وَأَصْطَعْتُكَ لِنَفْسِى ٤٧٣٦ - حدّثنا الصَّلتُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيمُونٍ: حَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ بِ ◌ّه قالَ: ((التَّقَى آدَمُ وَمُوسى، فَقَالَ مُوسى لِآدَمَ: أنْتَ الَّذِي أَشْقَيتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الجَنَّةِ؟ قَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ ٣٢٥ كتاب تفسير القرآن بِرِسَالَتِهِ، وَاصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيكَ التَّوْرَاةَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَوَجَدْتَهَا كُتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟ قالَ: نَعَمْ، فَحَجَّ آدَمُ مُوسى)). ﴿أَلْيَمِ﴾ [٣٩] البَحْرِ. [طرفه في: ٣٤٠٩]. ٢ - باب ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَأَضْرِبْ لَمْ طَرِيقًا فَأَنْبَعَهُمْ فِّعَوْنُ بِجُنُودِهِ، فَغَشِيَهُمْ VV فِى الْبَحْرِ يَسًا لَّا تَخَفُ دَرَّكَا وَلَا تَخْشَى مِّنَ اَلْيَّمِ مَا غَشِيَهُمْ لَـ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ◌َِ) [٧٧ - ٧٩ ] ٤٧٣٧ - حدّثني يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ لَّهِ المَّدِينَةَ، وَاليَهُودُ تَصُومُ عاشُورَاءَ، فَسَأَلَّهُمْ فَقَالُوا: هذا اليَوْمُ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ مُوسى عَلَى فِرْعَوْنَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّثُ: ((نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسى مِنْهُمْ، فَصُومُوهُ)). [طرفه في: ٢٠٠٤]. ٣ - باب قوله: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَُّها مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [١١٧] ٤٧٣٨ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعيدٍ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ، عَنْ يَحْيِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمِنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َُّ قالَ: ((حاجَّ مُوسى آدَمَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وَأَشْقَيْتَهُمْ؟ قَالَ: قَالَ آدَمُ: يَا مُوسِى أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلاَمِهِ، أَتَلُومُّنِي عَلَى أَمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي، أَوْ قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟)) قالَ رَسُولُ اللَّهِ بََّ: ((فَحَجَّ آدَمُ مُوسى)). [طرفه في: ٣٤٠٩]. قوله: (قال ابنُ جُبَير: بِالنَّبَطِيَّة - أي بالحبشية - ﴿طه (®) يا رَجُلُ) وهذه قراءةٌ أيضاً. وقيل: معناه ضَع الرِّجْل على الرِّجْل، كما في التفسير لابن كثير. وفي مقدمة ((الدُّرّ المختار)): أنَّ الإِمام أبا حنيفة صلَّى مرةً في الحرم، واضِعاً إحدى رِجْليه على الأُخرى، نصف القرآن على هذه، ونصفاً آخَر على هذه، فقيل عليه: إنه خلافُ السُّنَّة. قلتُ: ولعلَّ القائلَ لم يطّلع على هذا المعنى، وإلاَّ لما تكلّم بِمِثْله. قوله: (﴿قاعاً﴾ يَعْلُوهُ الماءُ) أي الصافيةُ من الأرض، يَعْلُوها الماءُ. قوله: (﴿مَكاناً سِوىٍّ﴾ مُنْصَفٌ بَيْنَهم) أي يَقْطِعِ نِصْفَه هو، ويقطع نَصْفَه هذا. قوله: (﴿عَلَى قَدَرٍ﴾ مَوْعِد) أي فهو في معنى مَوْعِد. ٤٧٣٦ - قوله: ( التقى آدَمُ وَمُوسى) وإنما أتاحت القدرةُ تلك المحاورةَ بين موسى، وآدَمَ عليهما السلام، لِيعلم أن آدم عليه الصلاة والسلام كان عنده جوابٌ شافٍ عن أَكْل الشجرة، إلا أنه لم يُواجِه به رَبَّه تَعَبُّداً، فلما دار هذا السؤالُ بينه وبين ابنه موسى عليه الصلاة والسلام أفحمه، واحتجَّ عليه، ومِن هذا جُعِل خليفة الله، وهو جهةُ ٣٢٦ كتاب تفسير القرآن الفَضْلِ فيهِ عندي، يعني العبدية، وفَهِم عامَّتُهُم أنها العِلْم. قلتُ: وهي أيضاً فَرْع العبدية، فهي أَرْفَعُ المقامات، وأحَبُّها عند رَبِّك، ولكن الشيطان لما قال له رَبُّه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن نَسْجُدَ﴾ [صَ: ٧٥] وجعل يُجاري معه، فَلُعِن إلى الأَبد. ثُم ◌ِنَّه لم يكن مِن أبنائه مَنْ يَجْتَرِىءُ أنْ يسأل أباه عن أَكْل الشجرةِ غيرَ موسى عليه السلام، فإِنَّه كان في طَبْعِه شِدَّة، فَنُصِب للمناظرة لذلك، وهذا ليس إساءةً للأدب، ولكنه من اختلافِ الطبائع. فإن قلت: إنَّ آدَمَ عليه الصلاة والسلام تَمَسَّك بالتقدير، ولم يُجوِّزه العلماءُ في محل الاعتذار. وأجيب بأنَّ الممنوع إنما هو ما كان في دار التكليف، وتلك المناظرةُ وقعت بعد الخروج عنه؛ وتقريره عندي أنَّ التقديرَ لم نَعْلَمهِ إلاَّ بعد النّظر إلى الدلائل، وإِخْبار الشَّرْع. وأما في العِيان والحُسبان، فليست عندنا إلاَّ سلسلةُ الأسباب، والمُسبَّبات، فالتشبُّتُ بها هو الذي يليقُ بأساس هذا العالم، وليس من النصفة في شيءٍ، أنه إذا عَرَض له شيءٌ من أَمْرٍ دنياه، جعل هَمّه في الأسباب، وإذا جاءه أَمْرٌ مِن دِينه تشبث بالتقدير، واحتال به. وبالجملة لما لم يكنِ التقديرُ ظاهِراً لم يكن التَّمسُّكُ به جائزاً، لأنه خَرْقٌ لهذا العالم المشهود، الذي بُني أَمْرُه على سلسلة الأسباب، وفِرَاراً إلى عالم التقدير، وأَنَّى هم في هذه النشأة؟ وبعبارة أخرى: لا نُنْكِرُ كَوْنَ المؤثِّر بالذات هو التقدير، ولا نقول: إنَّ الأسبابَ هي المُؤثِّرة حقيقةً، بل نقول: إِنَّ تأثيرَها في المُسبَّبات أيضاً مُقَدَّر، لكنَّ التقديرَ لما حُجِب عنا، لم يَبْق في السطح إلاَّ الأَسبابُ وتأثيرُها وخَفِي التقديرُ وتأثيرُه، قال الأَمْر إلى مباشرةِ الأَسْباب، وبها ارتبطت المُسبَّيات، فَنَقَض تلك السلسلةَ الظاهِرَةَ. والأَخْذ بالسِّلْسلة الباطِنة، مع كونِه في عالم الأَسْباب ليس إلاَّ جَدَلٌ، ألا ترى أَنه لا لُزومَ عَقْلاً عندهم إلا في لوازم الماهية، وتلك انتزاعيةٌ، أما لوازِمُ الوجودِ، فلم يَقُم دليلٌ على عدم إمكان انْفِكاكها بعد، فآل أَمْرُها أيضاً إلى التقدير. فإِذا باشَرْت الأسبابَ في الأمور كُلِّها، لِفُقدان التلازم بينها وبين مُسبَّباتِها، فما منعك أَنْ تُباشِرَها لِعُقْباك، إذ باشرتها لأُولاك؟ !. نعم إذا خَرَجت من عالَم الأسبابِ إلى عالَم يَظْهَر فيه التقديرُ، وتتعطل الأسبابُ، فَلَك أَنْ تَتَمَسَّك به، كما فَعَل آدمُ عليه السلام. هذا تقرير ما قالوا، وأجودُ الأجوبةِ ما ذكره الحافظ ابنُ تَيْميةَ أنَّ التمسُّك بالتقدير على نحوين: الأول: للاجتِرَاء على المعاصي، ودَفْع المَعَرَّة عن نَفْسه، ولا رَيْبَ أنه قبيحٌ جِداً، كيف! وأنه اقترفَ الذَّنوبَ، ثُم لم يستحي مِن رَبِّه عز وجل، وذلك لا يجوزُ قَطْعاً، والثاني: ما يكون لتسليةِ النَّفْسِِ، والاعتذار عما صَدَر منه، فهذا مُسْتَحْسن، فَمَن أسرف على نَفْسه، وفرط منه ما فَرَطَ، فاضطرَبت نَفْسه، فجعل يُسلِّي هُمُومَه، ويسر ٣٢٧ كتاب تفسير القرآن أحزانه من تذكر التقدير، فهذا تَمسُّكُ منه، لِتَسْلية النَّفْس لا للتشجع على المعاصي، وقِلَّة المبالاة بها، ومِن هذا النَّحْو كان تَمسُّك آدَم عليه الصلاة والسلام(١) . ◌ِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرَّحَيـ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ٤٧٣٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالكَهْفُ وَمَرْيَمُ وَطَهَ وَالأَنْبِيَاءُ: هُنَّ مِنَ العِتَاقِ الأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلاَدِي. [طرفه في: ٤٧٠٨]. وَقَالَ فَتَادَةُ: ﴿هُذَدًا﴾ [٥٨] قَطَّعَهُنَّ. وَقالَ الحَسَنُ: ﴿فِ فَكٍ﴾ [٣٣] مِثْلِ فَلَكَةٍ المِغْزَلِ، ﴿ يُسَبِحُونَ﴾ [٣٣] يَدُورُونَ. قالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿نَفَشَتْ﴾ [٧٨] رَعَتْ ليلاً. ﴿يُصْحَبُونَ﴾ [٤٣] يُمْنَعونَ. ﴿أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ [٩٢] قَالَ: دِينُكُمْ دِينٌ وَاحِدٌ. وَقالَ عِكْرِمَةُ: ﴿حَصَبُ﴾ [٩٨] حَطَبُ بِالحَبَشِيَّةِ. وَقَالَ غَيرُهُ: ﴿أَحَسُواْ﴾ [١٢] تَوَقَّعُوهُ، مِنْ أَحْسَسْتُ. ﴿خَمِدِينَ﴾ [١٥] هَامِدِينَ. ﴿وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] مُسْتَأْصَلٌ، يَقَعُ عَلَى الوَاحِدِ وَالإِثْنَينِ وَالجَمِيعِ. ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [١٩] لاَ يَعْيُونَ، وَمِنْهُ: ﴿حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] وَحَسَرْتُ بَعِيرِي. ﴿عَمِقٍ﴾ [الحج: ٢٧] بَعِيدٍ. ﴿تُكِسُواْ﴾ [٦٥] رُدُّوا. ﴿صَنْعَةَ لَبُوُسِ﴾ [٨٠] الدُّرُوعُ. ﴿ وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ﴾ [٩٣] اخْتَلَفُوا . الحَسِيسُ وَالحِسُّ وَالجَرْسُ وَالهَمْسُ وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنَ الصَّوْتِ الخِفِيِّ. ﴿،َذَتَّكَ﴾ [فصلت: ٤٧] أَعْلَمْنَاكَ. ﴿َذَشُكُمْ﴾ [١٠٩] إِذَا أَعْلَمْتَهُ، فَأَنْتَ وَهوَ ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ [١٠٩]: لَمْ تَغْدِرْ. وَقالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾ [١٣] تُفهَمُونَ. ﴿ أَرْتَضَى﴾ [٢٨] رَضِيَ، ﴿اَلْتَّمَاِلُ﴾ [٥٢] الأَصْنَامُ. ﴿اَلْسِهِلِ﴾ [١٠٤] الصَّحِيفة. ١ - باب ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاً ﴾ [١٠٤] ٤٧٤٠ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، شَيْخ مِنَ النَّخَعِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبِيٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ◌َلِ فَقَالَ: (إِنَّكُمَّ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقِ نُعِيدُهٍ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَّا فَعِلِينَ﴾. ثُمَّ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسِى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، أَلاَ إِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، (١) يقول العبد الضعيف: ولكن لما كان المَحَلُّ مَحلَّ المناظرة، صارت صورتُه صورةً الاعتذار الممنوع، ومَنْ درى حقيقةَ الحال علم أنَّه أراد أن يُنْقِذ نَفْسَه منه، بلا جِدال، ويَبُثُّ شكواه إلى اللَّهِ المتعال، لئلا يخجل يوم النكال. ٣٢٨ كتاب تفسير القرآن فَأَقُولُ كما قالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿شَهِيدٌ﴾ [المائد ١١٧]. فَيُقَالُ: إِنَّ هؤُلاَءٍ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَّى أَغْقَابِهِمْ مُنْذُ فارقْتَهُمْ)). [طرفه في: ٣٣٤٩]. قوله: (فَلْگةٍ) وترجمته: "تکلی کاد مکرا ." قوله: (﴿كُلُّ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾). واعلم أنَّ ظاهِرَ القرآنِ أنَّ النجومَ تَتَحرَّك بِنَفْسِها، بدون تَوسُّط الفلك، وذلك الذي ثبت اليوم عندهم؛ وحينئذٍ أفلاكها بمعنى دوائرها، ثُم السمواتُ أجسامٌ، لا كما تُقَلْقِل به أهلُ الفلسفة الجديدة، أنها مُنْتَهى النّظر فقط. ثُمّ السَّمُوات كلّها فوق النجومِ، وإنما النجومُ سابحةٌ في الجوٍّ. قوله: (﴿مَاذَنْنُكُمْ﴾ إذا أَعْلَمْتَه، فأنت وهو ﴿عَلَى سَوَآءٍ﴾ فلم تَغْدِر) يعني: "جب تونی ابنی مخاطب کوبوری اطلاع دیدی توتونی غدرنہ کیا . " ٤٧٤٠ - قوله: (فَيُؤْخَذُ بهم ذاتَ الشّمالٍ). وقد مرَّ معنا أنَّ الحوض عندي بعد الصراط. فالنبيُّ ◌َّ يرى من وراء الصِّراط طائفةً تُظْردُ عن حَوْضه، بأن لا تُتْرك أن تُجاوِز الصِّراط، فتخلص إليه، فيقولُ: أُصَيْحابي، فيقال له ... إلخ، ولا بُعْد في النَّظَر إليهم مِن بُعْد بعيد، فإِنَّه من أُمورِ الآخِرة، وكم مِن عجائب فيها مِثْلُه، ولك أن تُجِيب عنه على مُخْتار الشاه عبد العزيز: أنَّ النبيَّ ◌ََّ لا يَزَال يختلِفُ بين هذه المواضع إلى أن تُحاسب أُمَّتُه جميعاً، فصحَّ كَوْنُه في المَخْشر، وكَوْنُه على الحَوْض معاً، وقد مَرَّ تَفْصِيله. بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ آَلـ سُورَةُ الحَجّ وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةً: ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾ [٣٤] المُظْمَئِنِّينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ في: ﴿إِذَا تَمَتَّىَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىَ أُمْنِيَّتِهِ ﴾ [٥٢] إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي حَدِيثِهِ، فَيُبْطِّلُ اللَّهُ مِاَ يُلِقِي الشَّيطَانُ وَيُخْكِمُ آيَاتِهِ، وَيُقَالُ: أُمْنِيَّتُهُ: قِرَاءَتُهُ، ﴿إِلَّآ أَمَانِىَ﴾ [البقرة: ٧٨] يَقْرَأُونَ وَلاَ يَكْتُبُونَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَشِيدٍ﴾ [٤٥] بِالقَصَّةِ. وَقالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسْطُونَ﴾ [٧٢] يَفْرُطُونَ، مِنَ السَّطْوَةِ، وَيُقَالُ: ﴿يَسُْونَ﴾ يَبْطُشُونَ. ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى الَّيْبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [٢٤] أُلهِمُوا. وَهُدُوا إلى صراط الحميد الإسلام، قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يِسَبَبٍ﴾ [١٥] بِحَبْلٍ إِلَى سَقْفِ البَيتِ. ﴿تَذْهَلُ﴾ [٢] تُشْغَلُ. ١ - باب ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى﴾ [٢] ٤٧٤١ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، ٣٢٩ كتاب تفسير القرآن عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ النَّبِيُّ بَّهُ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا آدَمُ، يَقُولُ: لَبَّيكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيكَ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْئاً إِلَى النَّارِ، قالَ يَا رَبِّ وَما بَعْثُ النَّارِ؟ قالَ: مِنْ كُلِّ أَلِفٍ - أُرَاهُ قالَ - تِسْعَمِائَّةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الحَامِلُ حَمْلَهَا، وَيَشِيبُ الوَلِيدُ ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. فَشَقَّ ذلِكَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ نَّهُ: ((مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ. ثُمَّ أَنْتُمْ فِي النَّاسِ كالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جَنْب الثَّوْرِ الأَبْيَضِ، أَوْ كالشَّعَرَةِ البَيضَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةَ)). فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قالَ: ((ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ)). فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قالَ: (شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ)) فَكَبَّرْنَا . وقالَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى﴾ [٢]. قالَ: ((مِنْ كُلِّ أَلِفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتَسْعَةً وَتِسْعِينَ. وَقَالَ جَرِيرٌ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ: ﴿سَكْرَى وَما هُمْ بِسَكْرَى﴾. [طرفه في: ٣٣٤٨]. ٢ - باب ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍّ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُّ أْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَهُ أَنْقَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ هُوَ اُلْضَّلَلُ الْبَعِيدُ﴾ [١١ -١٢] ﴿وَأَثْرَفْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] وَسَّعْنَاهُمْ. ٤٧٤٢ - حدّثني إِبْرَاهِيمُ بْنُ الحَارِثِ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ أَبِي بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهُ عَلَى حَرْفٍ ﴾ [١١] قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقَدَمُ المِّدِينَةَ، فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلاَماً، وَنُتِجَتْ خَيلُهُ، قالَ: هذا دِينٌ صَالِحٌ، وَإِنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيلُهُ، قالَ: هذا دِينُ سُوءٍ. ٣ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ أُخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾ [١٩] ٤٧٤٣ - حدّثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ: أَخْبَرَنَا أَبُو هَاشِم، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، عَنْ أَبِي ذَرّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ كانَ يُقْسِمُ فِيهَا: إِنَّ هذِهِ الآيَةَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانٍ اُخْتَصَمُواْ فِى رَبِهِمْ﴾ نَزَلَتْ في: حَمْزَةَ وَصَاحِبَيهِ، وَعُتْبَةَ وَصَاحِبَيهِ، يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ بَدْرٍ . رَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ. وَقالَ عُثْمانُ: عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي هَاشِمِ، عَنْ أَبِي مِجْلَزِ: قَوْلُهُ. [طرفه في: ٤٧٤٣]. ٤٧٤٤ - حدّثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيمانَ قالَ: سَمِعْتُ أَبِي قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسٍ بْنِ عُبَادٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَينَ يَدَيِ الرَّحْمُنِ لِلخُصُومَةِ يَوْمَ القِيَّامَةِ. قالَ قَيسٌ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿هَذَانِ ٣٣٠ كتاب تفسير القرآن خَصْمَانِ أُخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمّ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: عَلِيٍّ وَحَمْزَةُ وَعُبَيدَةُ، وَشَيبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالوَلِيدُ بْنُ عُثْبَةَ. [طرفه في: ٣٩٦٦]. قوله: (وقال ابن عباسٍ ﴿فِيِّ أُمَّنِيَّتِهِ ﴾) ... إلخ. وترجمته عندي هكذا: "كوئى نبی نھین هی که جسنی امیدنه باندهی هو ابنى امت كى متعلق كه او نكو هدايت هوکی توشیطان نی اون لو کونکی قلوب مین زیغ بیدا کرکی او نکی آرزو كو بوارنه هونی دیاهو اور اوسمین کھندت نه دالدی هو . " واعلم أنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن ◌َّسُولٍ وَلَا نَبِ إِلَّ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْفَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمُنِّيَّتِهِ ﴾ ... إلخ، أَشْكَل على المُفَسِّرِين(١)، فاختلفوا فيه على آراء، حتى إنَّ بَعْضَهم (١) يقول العبد الضعيف: وقد تكلّم عليها الشاه عبد القادر في ((فوائده)) وأجاد فيه، وكذا تكلّم عليها شيخُ الشريعة والطريقة، حَكِيم الأُمة مولانا أَشْرف عَلي، في تفسيره ((بيان القرآن)) أقرب مما ذكره الشيخ، مع فَرْقٍ يسير، وما اختاره الشيخُ مَذْكُورُ في كتاب ((الإِبريز)) ولا بأس أن نُتْحِفك بأَصْله: قال نورُها الذي يُشيرُ إليه: هو أنَّ اللَّهَ تعالى ما أرسل مِن رسولٍ، ولا بَعَث نَبِياً من الأنبياء إلى أُمّة من الأُمَمِ، إلاَّ وذلك الرسولُ يتمنَّى الإِيمانَ لأُمته، ويُحبُّه لهم، ويرغب فيه، ويَحْرِص عليه غايةَ الحِرْص، ويعالجهم عليه أشدَّ المعالجة، ومِن جُمْلتهم في ذلك نَبِيُّنَا بِّه الذي قال له الربُّ سبحانه وتعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَ ءَاثَدِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَّ أَكْثَرُ النَّاسِ لَا وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ اَلنَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] إلى غير ذلك من الآيات المتضمِّنة لهذا المعنى، ثُم الأمة تختلف، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنِ أُخْتَلَقُواْ فَمِنْهُم ◌َنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم ◌َن كَفَرّ﴾ [البقرة: ٥٣]، فأما مَن كفر فقد أَلْقى إليه الشيطانُ الوَساوِسَ القادحةَ له في الرسالة، الموجِبَة لِكُفْره، وكذا المؤمن أيضاً لا يَخْلو مِن وساوس، لأنها لازِمةٌ للإِيمان بالغَيْب في الغالب، وإنْ كانت تَخْتَلِف في النَّاس بالقِلّة والكَثْرة، وبحسب المتعلقات. إذا تقرَّر هذا، فمعنى ﴿تَمَنَّ﴾ أنه يتمنى الإِيمانَ لأُمته، ويُحِبّ لهم الخَيْرِ والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أُمنيةُ كلِّ رسول ونبيٍّ . وإلقاءُ الشيطانِ فيها يكون بما يلقيه في قلوب أُمَّة الدعوةِ من الوساوس الموجِبة لكُفْر بَعْضِهم، ويَرْحَم اللَّهُ المؤمنين، فينسخ ذلك مِن قُلُوبهم، ويَحْكِمُ فيها الآياتِ الدَّالة على الوَحْدانية والرِّسالة؛ ويُبقي ذلك عزّ وجلَّ في قلوبِ المنافقين والكافرين، لَيِفْتَيِنوا به، فخرج من هذا أنَّ الوساوس تُلقى أوّلاً في قلوب الفَرِيقين معاً، غير أنها لا تَدوم على المؤمنين، وتدوم على الكافرين. اهـ. وقال الشاه عبد القادر في ((فوائده) ما تَعريبُهُ: إنَّ النبيَّ له حُكْم من اللَّهِ تعالى، وذلك لا تَفَاوُتَ فيه، وحُكْم يكون من حديثٍ نَفْسه، ويتمناه هو مِن عنده، وذلك الذي قد يتخلّف عن الواقع، وقد يكون مُطابِقاً له: أما الأَوّل: فالخلافُ فيه مُسْتَجِيل، وذلك كما أنَّ النبيّ ◌َّه رأى رؤيا، فذهب وَهْلُه إلى أنه داخِل مَكَّة عامئذٍ، فجاء تأويلُه في العام القابل، وكما أنَّ اللَّه تعالى وَعَده بالنَّصر والغَلَبة على الكُفّار، فذهب وَهْلُه إلى أنه في هذه الحَرْب، فاللَّهُ سبحانه وتعالى يُعَلِّم نَبِيَّه أنَّ القَدْر الذي كان مِن حُكْم اللَّهِ لم يتخلَّف عن الواقع، ولا يتجاوَزُ الواقعَ عنه، والذي تمنَّه وكانت أُمنيته، فقد يكون في الخارج أيضاً - كما تمنَّاه - وقد لا يكون. اهـ. وقد كُنت مُضطّرباً في تفسير تلك الآية لما رأيتُ أنَّ كثيراً من الأَغمار يتعلَّقون بها، فما كُنتُ أَجِد لهم جواباً شافياً، فإِنَّ وَضْع الأشياء على مَحالّها لا يمكنُ إلاَّ مِمَّن يُرْزق قَلْباً سليماً، فسألت الشيخ عن وَجْهِها، فدلَّني على كتاب ((الإِبريز)) هذا، فإِذا طالعْتُه فَرّج عني هَمِّي، وزال قَلَقي، والحمد لله، ولقد راجعت ما أجاب به القومُ أيضاً، إلا أني ما استملحت غيره، فالجواب هو الجواب، فإن ذُقْته أيضاً فأجزني وصِلْني بدعوةٍ صالحة، والله تعالى أعلم بحقائقِ الأُمور. ٣٣١ كتاب تفسير القرآن نقَل قِصَّة الغرانيق تحت هذه الآية، وقد تَكَلَّمنا على تلك القِصَّة مَبْسوطاً في أبواب سجودِ القرآن، أما وَجْه الآيةِ، فَأَقُول: إنَّ تمني الأنبياءِ عليهم السلام عبارةٌ عما تتحدَّثُ به أنْفُسهم في حَقِّ إيمانٍ أُممهم، أنهم لو آمنوا كلّهم، وإلقاءَ الشيطان فيها عبارةٌ عن إغوائه إياهم، وصَدِّهِم عن سبيلِ الإِيمان، فلا يؤمنون حسب أُمْنِيِتهم، وهذه محاورةٌ بليغَةٌ، يقال: فلان أَلقى في أُمنيَّتِي، أي حال بيني وبِينها، ثم اللَّهُ يَفْعل فيهم ما هو فاعل، فيؤمِنُ مَنْ قُدِّر لهم الإِيمانُ، ولا ينجحُ فيهم اللَّعِين. وأما مَن قُدِّرت له الشقاوةُ فيتبعونه فيكفرون، وهو معنى قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ عَايَتِهِ﴾. [الحج: ٥٢]. قوله: (بِسَبَب) والسَّبَبُ هو الحَبْلُ المتدلِّي، ومنه استُعْمِل للمعنى المعروف. قوله: (تَذْهَلُ) فَيَذْهَلُ الخليلُ عن خَلِيله عِنْد نَفْخِ الصُّور، ولا يلتفِت أَحَدُ إلى أَحَدٍ . ٤٧٤١ - قوله: (فَيُنَادَى بصَوْتٍ) ثَبَت منه الصَّوْتُ. قوله: (وما بَعْثُ النّارِ؟ قال: [مِن] كُلِّ أَلْفٍ - أراه قال - تسع مائة، وتسعة وتسعين) ... إلخ. واعلم أنَّ الرواياتِ مختلِفَةٌ في بيان نِسْبة المُسْلمين، وبَعْث النار. ففي رواية، كما عند البخاري، وفي أُخرى نسبة المائة من تسعةٍ وتسعين، والتوفيقُ بينهما أن النِّسبة في تلك الروايةِ هي ما بين الكفّار والمسلمين. وأما ما عند البخاري، فهي بعد ضَمّ يأجوج ومأجوج معهم، ويَشْهد له ما عند الترمذي في التفسير: أن النبيَّ ◌َّ ذكر لهمٍ الحديثَ على نحو ما عند البخاري، ثُم قال: ((إنَّكم لمع خليقتين، ما كانتا مع شيءٍ إلاّ كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومَنْ مات من بني آدم، وبني إبليس)) اهـ. فدلَّ على أنَّ النِّسبة المذكورةَ بعد انضمام قومٍ يأجوج ومأجوج مع الكفّار. قوله: (فحينئذٍ تَضَعُ الحامِل حَمْلَها) ... إلخ. فإن قلت: وحينئذٍ تلك الأهوالُ والأحوال تكون في المَحْشر مع أنه ليست هناك حاملة، ولا مُرْضِعة؛ قلتُ: لا ريبَ أنَّ صَدْر الآية في الأهوال عند النفخ، لكن القيامةَ في عُرْفِ الشَّرْع تطلق من نَفْخ الصُّور إلى دُخول الجنةِ، فكانت صدر الآية في المبادىء، وإنَّما قُرئت في القيامة جَرْياً على هذا العُرْف، فلا يلزم وجودُها في المحشر. قوله: (إنّي لأَرجو أن تكونوا رُبُعَ أهلِ الجَنَّة. فكَبَّرنا، ثُم قال: ثُلُثَ أَهْلِ الجنَّة. فكَبَّرنا، ثُم قال: شَطْرَ أهْل الجنَّة، فكبرنا). قلتُ: وهذا نظيرُ قِصَّة المعراج في تخفيف الصلاة، فإِنه لا نَسْخ فِيها أصلاً، ولكنه إلقاءٌ للمرادِ على المخاطَب نَجْماً نَجْماً، كما فعل النبيُّ وََّ ههنا. وذلك كما ترى أَوْقَعُ عند النَّفْس، وأَظْيبُ لها من إلقائه دُفْعَةً واحدة، وقد بسطناه من قبل. ٣٣٢ كتاب تفسير القرآن ٤٧٤٢ - قوله: (فإِن وَلَدتِ امرأتُهُ غُلاماً، ونُتِجَتْ خَيْله، قال: هذا دِينٌ صالِح) أي كان مَبْلَغُ عِلْمهم، وقُصارى أمانيهم هي الدنيا فقط. ٤٧٤٣ - قوله: (نَزَلَتْ في: حَمْزَة وصاحِبَيْه، وعُتْبَةً وصاحِبَيه) يعني حَمزة وصاحبيه من جانب المسلمين، وعُتْبة وصاحبيه من جهة الكفار. قوله: (﴿آَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمّ ﴾) يعني: "خدا تمهارا هى يا همارا" أي إنَّ الله سبحانه مولاكم، أو مَوْلَّى للمُسْلِمين. بِسْمِ اللهِ الرََّى الرَّحِيمَةِ سُورَةُ المُؤْمِنِينَ قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿سَبْعَ طَرَّبِقَ﴾ [١٧] سَبْعَ سَماوَاتٍ، ﴿لَا سَبِقُونَ﴾ [٦١] سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ. ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَحَِةٌ﴾ [٦٠] خائِفِينَ. قالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ [٣٦] بَعِيدٌ بَعِيدٌ. ﴿فَسْئَلِ الْعَاْدِينَ﴾ [١١٣] المَلاَئِكَةَ. ﴿لَّكُونَ﴾ [٧٤] لَعَادِلُونَ. ﴿كَلِحُونَ﴾ [١٠٤] عابِسُونَ. ﴿مِن سُلَلَةٍ﴾ [١٢] الوَلَدُ، وَالنُّطْفَةُ السُّلاَلَةُ. وَالجِنَّةُ وَالجُنُونُ وَاحِدٌ. وَالغُثَاءُ الزَّبَدُ، وَما ارْتَفَعَ عَنِ المَاءِ، وَمَا لاَ يُنْتَفَّعُ بِهِ. ﴿يَجْتَرُونَ ﴾ [٦٤] يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ كما تَجْأَّرُ البَقَرَةُ. ﴿عَّ أَعْقَبِكُمْ﴾ [٦٦] رَجَعَ على عَقِبَيهِ ﴿ سَامِراً﴾ [٦٧] مِنَ السَّمَرِ، وَالجَمِيعُ السُّمَّارُ، وَالسَّامِرُ هَا هُنَا فِي مَوْضِعِ الجَمْعِ. ﴿تُسْحَرُونَ﴾ [٨٩] تَعْمَوْنَ، مِنَ السِّحْرِ . بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيمِ شُورَةُ النُّورِ ﴿مِنْ خِلَلِهِ﴾ [٤٣] مِنْ بَينِ أَضْعَافِ السَّحَابِ، ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ [٤٣] الضِّيَاءُ. ﴿مُذْعِنِينَ﴾ [٤٩] يُقَالُ لِلمُسْتَخْذِي مُذْعِنٌ. ﴿أَشْتَانً﴾ [٦١] وَشَتَّى وَشَتَاتٌ وَشَتٌّ وَاحِدٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿سُورَةُ أَنْزَلْتَهَا﴾ [١] بَيَّنَّاهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَ القُرْآنُ لِجَمَاعَةِ السُّوَرِ، وَسُمِّيَتِ السُّورَةُ لأَنَّهَا مَقْطُوعَةٌ مِنَ الأُخْرَى، فَلَمَّا قُرِنَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ سُمِّيَ قُرْآنَاً. وَقالَ سَعْدُ بْنُ عِيَاضِ الثُّمالِيُّ: ﴿المِشْكَاةُ﴾: الكُوَّةُ بِلِسَانِ الحَبَشَةِ. [القيامة: ١٧] تَأْلِيفَ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ. ﴿فَإِذَا وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ. قَرَأْنَهُ فََّعْ قُرْءَانَهُ. ١٨ [القيامة: ١٨]: فَإِذَا جَمَعْنَاهُ وَأَلَّفْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، أَي ما جُمِعَ فِيهِ، فَاعْمَلِ بِمَا أَمَرَكَ وَانْتَهِ عَمَّا نَهَاكَ اللَّهُ. وَيُقَالُ: لَيْسَ لِشِعْرِهِ قُرْآنٌ، أَي تَأْلِيفٌ. وَسُمِّيَ الفُرْقَانَ، لأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ. وَيُقَالُ لِلمَرْأَةِ: ما قَرَأَتْ بِسَلاً فَظُ، ٣٣٣ كتاب تفسير القرآن أَيٍ لَمْ تَجْمَعْ في بَطْنِهَا وَلَداً. وَقَالَ: ﴿وَفَضْنَهَا﴾ [١] أَنْزَلْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً، وَمَنْ قَرَأَ: ﴿وَفَرَضْتَهَا﴾ يَقُولُ: فَرَضْنَا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ. قالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَوِ الْطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ﴾ [٣١] لَمْ يَدْرُوا، لِمَا بِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: أُولِي الإِرْبةِ مَنْ لَيْسَ لَهْ إِرْبٌ، وَقَالَ مُجاهِدٌ: لا يُهِمُّهُ إِلا بَظْنُهُ وَلا يُخافُ عَلَى النِّساءِ، وَقَالَ طَاوُسٌ: هُوَ الأَحْمَقُ الَّذِي لا حاجَةَ لَّهُ فِي النِّساءِ. ١ - باب قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّمْ شُهَآءُ ٦ ﴾ [٦] إِلَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ بِلَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْصَدِقِينَ ٤٧٤٥ - حدّثنا إِسْحاقُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفِريابيُّ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قالَ: حَدَّثَني الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : أَنَّ عُوَيمِراً أَتَّى عاصِمَ بْنَ عَدِيّ، وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَجْلاَنَ، فَقَالَ: كَيفَ تَقُوِلُونَ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيفَ يَصْنَعُ؟ سَلِ لِيِ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ عَنْ ذِلِكَ، فَأَتَى عاصِمُ النَّبِيَّ ◌َِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َ﴿ المَسَائِلَ، فَسَأَلَهُ عُوَيمِرٌ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ كَرِهَ المَسَائِلَ وَعَابَهَا، قَالَ عُوَيمِرٌ: وَاللَّهِ لاَ أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ بَيْهِ عَنْ ذلِكَ، فَجَاءَ عُوَيمِرٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ القُرْآنَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ)). فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ وَّ بِالمُلاَعَنَةِ بِمَا سَمَّى اللَّهُ في كِتَابِهِ، فَلاَعَنَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ حَبَسْتُهَا فَقَدْ ظَلَمْتُهَا، فَطَلَّقَهَا، فَكَانَتْ سُنَّةً لِمَنْ كانَ بَعْدَهُما في المُتَلاَعِنَينِ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّ: ((انْظُرُوا، فَإِنْ جاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ، أَدْعَجَ العَينَينِ، عَظِيمَ الأَلِيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَينِ، فَلاَ أَحْسِبُ عُوَيمِراً إِلَّ قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا. وَإِنْ جاءَتَ بِهِ أُحَيمِرَ كَأَنَّهُ وَخَرَةٌ، فَلاَّ أَحْسِبُ غُوَيمِراً إِلَّ قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا)). فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ مِنْ تَصْدِيقِ عُوَيمٍِ، فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ. [طرفه في: ٤٢٣]. قوله: (يقال للمستخذي) أي المطيع. قوله: (المشكاة) الكوة، وهي الطاق غير النافذ. قوله: (فلما قرن بعضه ببعض، سمي قرآناً) قلت: القرآن بمعنى "نشست" ومنه يقال: ليس لشعره قرآن، يعني "نشست درست نهين" . قوله: (لجماعة السور) أي أطلق عليه القرآن بعد جمع السورة. قوله: (﴿لم يظهروا﴾ لم يدروا، لما بهم من الصغر) أي لم يدروا ما يدريه البالغ من النساء . ٣٣٤ كتاب تفسير القرآن واعلم أنَّ في اللِّعان مباحِثَ: الأول: في شأنٍ نُزُوله، ويُرْوى في ذلك قِصَّتان: قِصَّة هلال بن أُمَية، وقذْفه زَوْجَته؛ والثانية: قِصَّة عُويُمر العَجْلاني. قال الشارحون: إنهما متقارِبتان، ونزلت الآيةُ بعدهما . البحث الثاني: في ماهيةِ اللعان: فهي شهاداتٌ، مُؤكَّداتٌ بالأَيمان، وذِكْر الشهادة في النصِّ يؤيِّدُنا، وعند الشافعية هي أَيْمانٌ مؤكّدات بالشهادات. فيشترطُ عندنا في المتلاعنين أهليةُ الشهادة، ولا يُشترط عندهم، لكونه عبارةً عن الأَيْمان، ولا يُشْترط فيه أهليةُ الشهادة عند أَحَد. والثالث: في حِكْمة إقامة بابٍ جديد، مع أنه ليس إلاَّ قَذْفاً، فينبغي أن يُغْني عنه بابُ حدّ القذف. فاعلم أنَّ الحاجةَ إنما دعت إليه، لأنَّ للمرءِ غَيْرةً على زوجته ليست على غيرها، وذلك أَمْرٌ فِظْري لا يُلام عليه، فإِنْ وَجَد رَجُلاً مع أجنبيةٍ يَخْبُث بها، يُسوّغ له أَنْ يصبر، أو يأتي بأربعة شهداء، بخلاف زوجته، فإِنَّ الغيور لا يستطيعُ الصَّبرَ عليه، وطلبُ الشُّهداء أشدُّ عليه فِي مِثْل هذا الحين. فهل عليه أن يبلغه إلى القاضي، أم كيف يفعل؟ فإِنه إنْ يتكلَّم يتكلّمِ بأَمْرٍ عظيم، لا تتركونه إلاَّ بالحدِّ، وإنْ يسكت يسكت على أَمْر عظيم، والموتُ ألذَّ دونه، فإِنْ قتله فتقتلونه، فَأَخْرج له الشَّرْع سَبيلاً ومَخْرجاً، فأقام له باباً وهو اللِّعان. وحُكْمه التفريقُ بعده، وذلك لأنَّ الأَمْر إذا لم يَنْكَشف، لِيُحدَّ الزَّوْجِ حَدَّ القَذْف، أو المرأةُ حدَّ الزِّنا، ليس إلى الاجتماع والتلفيق بعد هذا الادِّعاء من سبيل، فتعيَّن التفريقُ، وشُرِعِ اللِّعان. والرابع: أن التفريقَ يكون من نَفْس اللعان. أو يحتاج إلى القاضي؟ فاعلم أنَّ اللِّعان لا يحتاجُ إلى تفريق القاضي عند الشافعيِّ، وعندنا لا بدَّ منه وكأنَّ ذلك بديهي فإِن الشَّرْعِ لِمَ دَعَى المتلاعِنَين إلى مَجْلس القضاء، لو لم يكن لقضائه مَدْخلٌ فيه! فإِن دعوتهما إلى مَجْلِسه إذن لَغْوٌ والخلافُ فيه على عَكْس ما في الإِيلاء، فإِن الفُرْقة فيه تَجِب عندنا بمجرد مُضي المُدَّة، وعند الشافعيِّ بتفريق القاضي، أي فَيُجْبِره بعده إمَّا على الرِجوع، أو على الطلاق. قلنا: إنَّ القرآن ضَرَب في الإِيلاء مدةً مِن قِبله، فإِذا مضت حَلَّت الفُرْقة بنفس الإِيلاء. فإِنَّ المدَّة تمضي وهي قاعِدةٌ في بيتها، فلا حاجة فيه إلى مَجْلس القضاء، فلم يظهر فيه لقضائه دَخلٌ، بخلاف اللعان. أما كون الإِيلاءِ تفريقاً، مع أنه لا لَفْظ فيه يُنبىء عن التفريقِ، فأجاب عنه صاحبُ ((الهداية)) أنَّ الإِيلاء كان طلاقاً في الجاهلية، فقرَّره الشَّرْع على ما كان في حقِّ التفريق. ٣٣٥ كتاب تفسير القرآن والحاصل أنَّ اللِّعان لما كان في المَحْكَمة، جاءت الفُرْقة فيها أيضاً من قبل القاضي، بخلاف الإيلاء، فإِنه يقومُ مقامَ الطلاقِ بنفسه، ويتم في بيته، فاسْتَغْنى عن تَفْریقه . قلتُ: ولما جَعَل القرآنُ اللِّعان عبارةً عن الشهادات، عُلم أن فيه مدخلاً للقضاء، فإِنَّ الشهاداتِ لا تُسمع إلاَّ بمجلسه. ومن لههنا عُلِم أنَّ التفريقَ في اللِّعان من باب القضاء، فلا يتولى به غيرُه، بخلاف الإِيلاء، فإِنه من الدِّياناتِ، فيجري حُكْمه في كلِّ زمان. قلتُ: ولو اجتمع المسلمونَ اليوم أيضاً، وفَرَّقوا بين المتلاعِنَين، كما يُفرِّق القاضي، وَسِع لهم، حيث يقومون مَقامه، كما في سائر المعاملات. والخامس(١): أَنَّه هل يجوزُ للزوج أن يَقْتل الزاني حين يراه يَزْني بامرأته، فقد مرّ معنا أنه يَحِلُّ له ديانةً. ثُم إنْ بلغ أَمْرُه إلى القاضي يَقْتله قِصاصاً إنْ عَجِز عن إقامةِ البَيِّنة على الزِّنا . والسادس: مسألةُ المَشْرِقية والمَغْربي. واعلم أنه قد ذكرنا مِن قبل أن الولدَ عندنا يتبع الفراشَ، وهو عندنا عبارةٌ عن النِّكاح دون الوقاع. فإِذا تزوَّج مغربيٍّ مشرقيةً، وأتت بالولدِ في ستةِ أَشْهر، يثبت نَسَبُه منه، وقد جعلَها الناسُ أُضحوكةً، وقالوا: كيف يَثْبت الشَّسَبُ مع امتناع الوطء في الصورة المذكورة! فاشترط له الشافعيةُ إمكانَ الوقاع أيضاً، وعَجِز ابنُ الهُمام عن جوابه . قلتُ: أما اشتراطُ إمكان الوقاع فلا عبرةَ به عندنا، كيف! وليس على القاضي أن يَطَّلع على سرائر الناس. أما النِّكاح فهو أَمْرٌ يكون على رؤوس الخلائق، يَعْلَمُه كلُّ أَحَد، بخلافِ الوطء، وفي مِثْله يُدار الحُكْم على الأسباب الظاهرة. أَمَّا استبعادُهم ثبوتُ النَّسَب، فيبنى على تَناسي باب اللِّعان، كما قيل: حَفِظْت شيئاً وغابت عنك أَشْياء. فإِنَّه يَجِب على الزَّوْجِ شَرْعاً أن يلاعِنَ امرأتَه إنْ عَلِم أنَّ ولدَها ليس منه، فإِذا أقام (١) ذكر النوويُّ في شرح ((مسلم)): قد اختلف العلماءُ فيمَنْ قتل رجلاً، وزعم أنه قد وجده زَنَى بامرأته، فقال جمهورُهم لا يُقْبل قولُه، ويلزمه القِصاص، إلا أنْ تقومَ بذلك بينةٌ، أو يعترفَ ورثةُ القتيل. والبينةُ أربعةٌ من عدولٍ الرجال يشهدون على نَفْس الزِّنا، ويكون القتيل مُحْصَناً، وأما فيما بَيْنه وبين الله تعالى، فإِنْ كان صادِقاً فلا شيء عليه، وهو الصوابُ. اهـ. ولكنَّ مذهبَ الحنفية - على ما سمعته من الشيخ - إباحةُ القتل في حينٍ الزِّنا. أما بعد ذلك فلا يَحِلّ له ذلك، وهو مَحْمل قوله ◌َّ: «فليغيِّرْه بيده فالتغييرُ باليدِ يَقْتصر على حين مباشرته بالمعصية . ٣٣٦ كتاب تفسير القرآن له الشَّرْع باباً، وأهدره هو وتَرك اللِّعان الواجبَ عليه، فما للقاضي أن ينفي ولدَها عنه، أليس مَنْ رضي بالضَّرر أَوْلى أن يقطع عنه النَّظَر، وقد ذكرناه مِن قبل(١) . ٤٧٤٥ - قوله: (فَكرِهَ رسولُ اللَّهِ وَ﴿ المسائِل) وإنما كانَ النبيُّ نَّه يَكْره إشاعةَ هذا النَّحْو من المسائل، لِيَشَاعتها وشناعتها . قوله: (فَطَلَّقَها) وظاهرُه أَنَّه طَلَّقها الآن، وفي طريق آخَر أنه كان طَلَّقها ثلاثاً، قَبْل أن يسأله بَّلهُ. وكَيْفَما كان التطليقُ ثلاثاً بلفظٍ واحدٍ بدعةٌ عندنا، وعند أحمد وإنْ وَقَعْن، وليست ببدعةٍ عند الإِمام البخاريِّ، والشافعيِّ، وحينئذٍ يَرِدُ علينا تقريرُ النبيِّ نَّ عليه، فأجاب(٢) عنه السَّرْخسي أنَّ التفريقَ في الصورة المَذْكُورةَ لما تَعَيَّن حُكْماً لِلِّعان، صار تطليقُه كالعدم، فإِنه لو لم يطلِّقها لَفَرَّق النبيُّ ◌َّهُ بينهما، فكان ذلك أمراً كائناً لا محالةَ، طَلَّقها أو لم يُطلِّقها. لا سيما عند الشافعيةِ، فإِنَّ اللِّعان عندهم بِنَفْسه موجِبٌ للتفريق، وتقريرُ النبيِّ ◌ََّ في مِثْله، لا يوجِب كَوْنه مَشْرُوعاً، فإِنا قد عَلِمنا من الخارجِ كَوْنَها بِدْعةً عند النبيِّ وَّ، وإذا كان تَطْلِيقُه هُهنا، كالعدم، لم يكن تقريرُه عليه تشريعاً، فكأنه لم يلتفت إليه، ولم يُلق له بالاً، لكونه مما لا يعبأ به. وقد تَفَرَّد الحافظُ ابنُ تيميةَ وتلميذُه ابنُ القيم وذهبا إلى أنها واحِدةٌ، بل يُتوهّم من بعض المواضع أنها لا تقع أَصْلاً، وقد عَرَض إليه ابنُ الهُمَام في ((الفتح)). أما إنَّ السُّنَّة فيه التفريقُ دون الجمع، فلنا فيه صريحُ النصِّ، قال تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي مرةً بعد مرةٍ، وهذا هو حَقُّه، وليس معناه اثنتين، كما زَعَم. ثُم أَقُولُ: إنَّ الطلاقَ البائنَ قد يكون جائزاً، وكذا الطلاق في الحَيْض، وإنْ لم يُحرِّرُوه، وقد استنبطته أنا من عبارةٍ محمد في الخُلْع، قال: إنَّ الخُلْع جائزٌ عند نُشوزِ الزوج في حال الحَيْض أيضاً. ومعلومٌ أنَّ الخُلْع ليس إلاَّ طلاقاً بائناً، فلزم جوازُ البائن عنده عند الضرورة. فاستفدت منه أنه إذا جَوَّز الخُلْع عند الضرورة، وهو طلاقٌ بائنٌ، لَزِمه أن يُجوِّز الطَّلاقَ في حال الحَيْض أيضاً لعدم الفارق، وكذا الطلاقات الثلاث أيضاً. فإِذن ظهر الجوابُ عَمّا في الحديث بِوَجْهٍ آخَر، ومِن هُهنا ظهر الجوابُ عن طلاق إسماعيل عليه السلام امرأته طلاقاً بائناً، فإنه لما علم أن أباه قد أَمَره بِفِرَاقها، وأزمع أنْ (١) قلتُ: وما لهم يعترضون علينا، مع أنَّ قوله ◌َّه: ((الولّدُ للفراش، وللعاهِرِ الحَجَر)» واردٌ في عين هذه القضية، فإِنَّ النبيَّ ◌َّهَ جعل ابنَ وليدة زَمْعة أخاً لعبد بنِ زَمْعَة، ولم يُلْحق نَسَبه إِلى عُثْبة مع كونه واطئاً. وأوضح منه ما أخرجه أبو داود عن عمرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدِّه، قال: قام رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله إنَّ فلاناً ابني، عامرت بأُمُّه في الجاهليةِ. فقال رسولُ الله ◌َّ: ((الولَدُ الفِرَاش، وللعاهر الحَجَر)». ثُم إنَّ معناه أنَّ العاهِرَ ليس له شيءٌ، لما أخرج الحافظ في ((الفتح)): وفي فَم العاهِر الحَجَر، وليس معناه الرَّجْم، وإن كان مُحْتَمِلاً . ٣٣٧ كتاب تفسير القرآن لا يرجع إليها ثانياً، بَثَّ طلاقها، والبائن في مِثْله ينبغي أن يكون جائزاً عندنا أيضاً، کالخُلع في الحیض عند محمد، وقد ذكرناه من قبل. قوله: (فكانت سُنَّةً) أي التفريق بين المتلاعِنَين، دون التَّطليق. قوله: (وَحَرَةٌ) حيوانٌ يُشْبِهِ الحِرْباء(١). قوله: (يُنْسَبُ إلى أَمِّه) وبُحِث في الفِقْه ما المراد منه، هل قامت الأُمّ مقام الأَب في حَقِّ الإِرث، أو المراد قَطع نِسْبته من الأب فقط؟. قوله: (فإِنْ جاءت به أُحَيْمِر) ... إلخ. وكانت تلك حلية الزَّاني. ٢ - باب ﴿وَالْخَلِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ [٧] ٧ ٤٧٤٦ - حدّثني سليمانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيع: حَدَّثَنَا فُلَيحُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَجلاً أَتَى رَسُولَ اللَّهِ وَل﴿ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيتَ رَجُلاً رَأَى مَعَ امْرَأَتِّهِ رَجُلاً، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيفَ يَفْعَلُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا ما ذُكِرَ في القُرْآنِ مِنَ الثَّلاَعُنِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ نَِّّرَ: ((قَدْ قُضِيَ فِيكَ وَفِي امْرَأَتِكَ)). قالَ: فَتَلاَعَنَا وَأَنَا شَاهِدٌ عِنْدَ رَسَولِ اللَّهِ وَ﴿َ، فَفَارَقَهَا، فَكَانَتْ سُنَّةً أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ المُتَلاَعِنَينِ، وَكانَتْ حامِلاً، فَأَنْكَرِ حَمْلَهَا، وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعِى إِلَيهَا، ثمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ في المِيرَاثِ: أَنْ يَرِثَهَا وَتَرِثَ مِنْهُ ما فَرَضَ اللَّهُ لَهَا. [طرفه في: ٤٢٣]. باب: ((قوله: (والخامسة أن لعنة الله عليه))) قال ابن نجيم - صاحب البحر -: إن اللعنة صغيرة، قلت" ولعله ذهب إليه، لأنه رأى أن هذا اللفظ يجري بين المسلمين في باب اللعان. فيكون صغيرة لا محالة، وليس بشيء، فإن الشرع إنما وضعه بين المتلاعنين. لكون أقبح لفظ عند الشرع، فلعلهما يكرهان ذلك، فيضطران إلى بيان ما هو الحق، تحرزاً عن تلفظهما به، ولذا (١) وقال ابنُ رُشْد أيضاً نحوه؛ وأما الموضع الثاني: فإِنَّ مالِكاً ذهب إلى أن المُطلِّقَ ثلاثاً بِلَفْظٍ واحدٍ، مُطلِّقٌ لغير سُنَّة. وذهب الشافعيُّ إلى أنه مُطلّق للسُّنّة. وسبب الاختلافِ معارضةُ إقرارِه عليه الصلاة والسلام للمطلّق بين يديه ثلاثاً في لفظةٍ واحدةٍ، لمفهوم الكتاب في حُكُم الطَّلْقة الثالثة؛ والحديث الذي احتجَّ به الشافعيُّ هو ما ثبت مِن أن العَجْلاني طَلَّق زوجته ثلاثاً بحضرةِ رسول الله نَّ بعد الفراغ من المُلاعنة، قال: فلو كان بِدْعةً لما أقرَّه رسولُ اللهَّ. وأما مالِكٌ فلما رأى أنَّ المطلِّق بِلَفْظِ الثَّلاث، رَافِعُ للرُّخصة التي جعلها الله في العدد، قال فيه: إنه ليس للسُّنّة. واعتذر أصحابُه عن الحديث، بأن المتلاعِنَين عنده، قد وقعت الفُرْقة بينهما مِن قبل التلاعن نفسه، فوقع الطلاقُ على غير مَحلِّه، فلم يَتَّصِف لا بِسُنَّة ولا بِبِدْعة. وقولُ مالك - والله أَغْلم - أظهرُ ههنا من قول الشافعي. اهـ ((بداية المجتهد)) من الباب الثاني، في معرفة الطلاق السُّنِّي من البِذْعي - ص٥٦ - ج٢: وأما بعدها فليس له إلاَّ أَنْ يرفع أمره إلى القاضي. وظاهرُ عبارة النوويّ أنه يجوز له قَتْلُه، ولو بعد الخروج عن الزِّنا بِزَمن، فَلْيُحرَّر المذاهب. وقد مر معنا عن الشيخ العَيْني في شَرْح حديث: ((مَنْ قتل دون ماله، فهو شهيدٌ))، أَنه يجوز له قَتْل السارق بعد الخروج عن دارِه أيضاً، فلينظر فيه. ٣٣٨ كتاب تفسير القرآن قال: أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ فاستعمال هذا اللفظ ليس لهوانه، وخفته، بل لعظمه عند الشرع، فهو لأجل انكشاف الحال، لا كما فهمه. ولذا عدل القرآن في المباهلة عن لفظ اللعان، وإن فسروها باللعان، لكن المباهلة في الأصل هو الدعاء. قوله: (ففارقها) وقد تخبط الراوي فيه. وما بعده يدل على أن المراد به سنة التفريق، كما قال، فكانت سنة أن يفرق بين المتلاعنين. قوله: (فأنكر حملها) ولا لعان عندنا بنفي الحمل(١)، لعدم تقرر سببه، فإن الحمل وجوده وعدمه لا يتحقق قبل الوضع، فلعله يكون انتفاخاً، أو داء آخر، فإن اضطر الزوج إلى اللعان، عليه أن يمسك عنه حتى تضع حملها، وقد تكلم ابن الهمام(٢) عن المذهب في ((الفتح)) ونقل عن أحمد أن تلك المرأة كانت وضعت حملها، والرواة فيه مضطربون، فذكر بعضهم اللعان، حال الحمل، وبعضهم بعد وضعه، وإذن في قوله: فأنكر بحملها، تسامح، وله جواب آخر، فصلته في مذكرتي . فائدة: وقد استدل منه الطحاوي على مسألة قضاء القاضي بشهادة الزور، فاعلم أولاً أنهم قالوا: إن امرأة لو ادعت على رجل أنه نكحها، وأتت عليه ببينة، ثم قضى به القاضي، حل له وطؤها، فاعترض عليه الخصوم، بأن فيه تمكيناً للأجنبي من الأجنبية، وهو زنا؛ قلت: وأين هم من تخريج الحنفية، فإنهم قالوا: إن للقاضي ولاية عامة، فيقوم قضاؤه مقام العقد، حتى شرط بعضهم حضور الشاهدين أيضاً، وما ذلك إلا لتكون شاكلته شاكلة العقد بعينها، وإلا فحضور الشاهدين لا يشترط القضاء، وهذا القول، وإن كان مرجوحاً عندهم، إلا أني ذكرته لتتقدر فيه (١) قال الطحاوي: مَذْهب أبي حنيفة أنه إذا نفى حَمْلَها لا يُلاعن، لأنه يجوز أن لا يكون حَمْلاً، ولهذا لو كانت أَمته حامِلاً فقال لِعَبْده: إن كانت أَمَتي حامِلاً، فأنت حُرّ: فمات أبو العبد قبل أن تَضَع، لا يرثه العبدُ في قولهم جميعاً، فقد لا يكون حَمْلاً، فلا يستحق العِثْق. وإنَّما نَفَى النبيُّ ◌َهَ الولَدَ، لأنه عَلِم بالوحي وُجُودَه، ولهذا قال: ((إنْ جاءت به كذا، فهذا لفلان)) ... الحديث. اهـ. هكذا ذكره المارديني، ثُم أخذ يُجيب عن الآيات التي تَرد على مَذْهبنا، ثُم نقل عن أبي بَكْر الرَّازي. قال: وإنَّما تُردُّ الجاريةُ بِعَيْب الحَمْل إذا قال النِّساء: هي حُبْلى، لأن الردَّ بالعيب ثبت مع الشُّبهةِ، كسائر الحقوق التي لا تُسْقطها الشبهةُ، والحدّ لا يجوزُ إثباتُه بالشبهةِ. اهـ. ((الجَوْهر النَّقي)). (٢) قال الشيخ ابنُ الهُمام: وهلال لم يكن قذفها بِنَفْي الحمل، بل بالزنا. قال: وجدتُ شَرِيك ابنَ سُحْماء على بطنها، يزني بها. وقوله ◌َالر: ((انظروا، فإِن جاءت به كذا، إلى آخِر ما قدمناه. فانظره، كان إما لِعِلْمه صلَّى اللَّهُ عليه وسلم بِحَمْلها من طريق الوَحْي، أو لأن اللِّعان تأخّر حتى ظهر الحَمْل: وكذا أنكر أحمدُ بنُ حنبل لِعانَ هلال بالحَمْل، قاله ابنُ الجوزي. على أن كونَ لعانِھما كان قَبْلِ الوَضْع معارَضٌ، فقد قدمنا - في ((الصحيحين)) - عن ابن عباس ما يفيدُ أنه كان بعد وَضْعها، وهو قوله: فقالِصَلّ: ((اللهم بين))، فوضعت شَبيهاً بالذي ذَكَر زوجُها أنه وجده عند أهله، فلاعن رسولُ الله ◌ََّ بينهما. فلا يستدلُّ بأحدهما بعينه، لأن التعارُض يوجِب التوقف، اهـ «فتح القدير))؛ قلتُ: لا ريبَ أنَّ الشيخَ ابنَ الهُمام بسط المسألة، وقررها أحسنَ تقرير، وجُلّ بَحْثه ما أومأ إليه الطحاوي، كما نقلنا عبارته عن ((الجَؤْهر النقي)) غير أنه لا بد من مراجعته أيضاً . ٣٣٩ كتاب تفسير القرآن ملحظ الحنفية، أنه في حكم العقد عندهم، فأين فيه التمكين على الزنا؟! ثم في المسألة قيود، ذكرها أرباب الشروح: منها كونه في العقود والفسوق، دون الأملاك المرسلة، وقررها الطحاوي، أن العقود والفسوق إنشاءات، فيثبتها القضاء، بخلاف الأملاك المرسلة، فإنها أخبار، فلا يؤثر فيها القضاء، لأنه يمكن إثبات ما هو ثابت. وأما ما قد وقع وثبت، فلا يمكن إثباته، لأنه قد تقرر في الخارج على جهة، ولا أثر للقضاء في إثباته، ولا تغييره. هذا توضيح المسألة، وأما تقرير استدلال الطحاوي (١)، فبأن الزوجان لما كتما الواقع، ولم يكشفاه في اللعان، قام الشرع بالتفريق بينهما من الولاية العامة، كذلك أقمنا القضاء مقام التزويج، فيما ادعت المرأة على رجل بالنكاح، وأتت عليه بالبينة، فكما أن تفريقه ينفذ قضاء وديانة، كذلك فلينفذ تزويجه أيضاً من غير فارق؛ قلت (٢): وهذا القياس عندي قياس مع الفارق، لأن الحكم في اللعان لم يوافق أحداً من الخصمين، فإنه لم يحكم بما اقتضاه كلام الزوج. وكذلك لم يحكم بما اقتضاه كلام الزوجة، أعني حد الزنا، أو القذف، ولكن حكم بالتفريق، وهو حكم ثالث من جانب الشرع، بخلاف مسألة التزويج، فإنه على وفق أحد الزوجين، فهذا فارق عندي. قوله: (البيئة، أو حد في ظهرك) وإنما أمره بأحد الأمرين لا محالة، لأنه لم تكن نزلت سنة اللعان بعد، فكان الحكم هو هذا. وإن كان للزوج عذر في عدم قدرته على السكوت، عند رؤية مثل هذه الشناعة، ثم إن النبي عليه إنما اضطره إلى أحد هذين، لأنه كان له سبيل دون ذلك بأن يطلقها، فيفارقها، ولا يجهر به في مجلس القاضي، ويتقي به من ميسم السوء، ولكنه لم يفعل، وأبى إلا أن يأتي به في مجلس القضاء، وهذا يدل على أنه لا يريد فراقها أيضاً، ثم يتكلم بأمر ليس له الاستمتاع بها بعده، وحينئذ فليعد نفسه لإحدى العقوبتين: إما لهذا، وإما لذاك. (١) ونَصُّ عبارته هكذا: قال الطحاوي، بعد سَرْد رواياتِ اللُّعان: فقد عَلِمنا أنَّ رسولَ اللهِ بَ لَمْ لُو عَلِم الكاذِب منهما بعينِه لم يفرِّق بينهما، ولم يُلاعِن، ولو عَلِم أنَّ المرأةَ صادَقةٌ لحدَّ زوجها بِقَذْفه إياها، ولو عَلِم أنَّ الزوج صادِقٌ لحدَّ المرأةَ بالزنا الذي كان منهما، فلما خَفِي الصادِق منهما على الحاكِم، وَجَب حُكْم آخَرَ، فَحَرُم الفَرْج على الزَّوْج في الباطن والظاهر، ولم يرد ذلك إلى حُكْم الباطن، فلما شهدا في المتلاعِنَين ثبت أن كذلك الفرق كلها(*)، والقضاء بما ليس فيه تمليكُ أموالٍ أنه على حُكُم الظاهر، لا على حُكُم الباطن، وإن حُكُم القاضي يحدث في ذلك التحريم، والتحليل في الظاهر والباطن جميعاً، إلى آخر ما قال. قلتُ: ولعلَّ في قوله: ((فلما شهدا)) ... إلخ، سقط من النُّسّاخ، فاختل المرادُ، ففكر أنت من نَفْسك أيضاً، وسنقرره في آخر الكتاب أبسط من هذا إن شاء الله تعالى . (٢) قلتُ: ولم أجد في مذكرتي غيرَ هذا الحرف، فلينظر فيه أنه هل يمكن أن يُعتبر هذا القَدْر من الفرق فارِقاً أَو لا؟ . (*) هكذا في الأصل [المصحح]. ٣٤٠ كتاب تفسير القرآن قوله: (لكان لي ولها شأن) أي لأقمت عليها الحد، وفيه دليل على أن القاضي إذا قضى بأمر صار مبرماً، ولم يصلح للنقض، ولا حجة فيه على عبرة القافة، فإن التعبير المذكور من باب المحاورات. قوله: (فانتفى من ولدها) اختلف فيه الرواة، فقال بعضهم: إن اللعان في تلك القصة كان بنفي الحمل، وقال بعضهم: بنفي الولد، والثاني لا يرد علينا، نعم إن كان بنفي الحمل فهذا يخالفنا، فما لم يتعين أحد اللفظين لم يجب علينا الجواب. فائدة: لا يقال: ورد في بعض ألفاظ تلك القصة أنها قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، وفيه تصديق للزوج، وإقرار بالزنا، فينبغي أن يجب عليها الحد، لأنا نقول: إنه ليس بصريح فيما قلت، بل يجوز أن يكون مراده أني كيف أصدقك، وكيف أقر بالزنا، فأفضح قومي، فلا تصديق فيه صراحة، والحد يندرىء بالشبهات. [٨] ٣ - باب ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهْدَاتِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِبِينَ ٤٧٤٧ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َِ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((البَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ في ظَهْرِكَ)). فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلاً يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ! فَجَعَلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَقُولُ: ((الْبَيِّنَةَ وَإِلَّ حَدٌّ في ظَهْرِكَ)). فَقَالَ هِلاَلٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ ما يُبَرِّىُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِن كَانَ مِنَ اُلْصَّدِقِينَ﴾ [٦ - ٩]. فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ◌َِّ فَأَرْسَلَ إِلَيهَا، فَجَاءَ هِلاَلٌ فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ ◌َّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كاذِبٌّ، فَهَل مِنْكُمَا تَائِبٌ؟)). ثُمَّ قامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كانَتْ عِنْدَ الخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَتَكَّأَتْ وَنَكَّصَتْ، حَتَّى ظَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قالَتْ: لاَ أَفضَحُ قَوْمِي سَائِرَ اليَوْمِ، فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: «أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ العَينَينِ، سَابِغَ الأَلْيَتَينِ، خَدَلَّجَ السَّاقَينِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ)». فَجَاءَتْ بِهِ كَذلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّرِ: ((لَوْلاً ما مَضى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، لَكَانَ لِيَ وَلَهَا شَأْنٌ)). [طرفه في: ٢٦٧١]. ٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ [٩] ٩ ٤٧٤٨ - حدّثنا مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحيى: حَدَّثَنَا عَمِّي القَاسِمُ بْنُ يَحْيِى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَجُلاً رَمى امْرَأَتَهُ، فَانْتَفِى مِنْ وَلَدِهَا، في زَمانِ رُّسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ◌َ﴿ فَتَلاَعَنَا كَمَا قالَ اللَّهُ، ثُمَّ قَضى بِالوَلَدِ لِلمَرْأَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ المُتَلاَعِنَينِ. [الحديث ٤٧٤٨ - أطرافه في: ٥٣٠٦، ٥٣١٣، ٥٣١٤، ٥٣١٥، ٦٧٤٨].