النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ كتاب المغازي ربِّكم، فأردتُ أن تُسْرِعُوا إليه لِيَتُمَّ الانتقام قبل أن يَنْتَقِمَ منه ربُّ الأنام، فلو قُمْتُم حين كنتُ أمرتكم به، وما تأثّرتم فيه، لتخلّص الغلام عن انتقامه تعالى، ولكنَّكم أبطأتم حتى أخذه ذو البطش الشديد، فلم يُفْلِتْهُ. فيمثله أقول: إن النبيَّ وٍَّ لو لم يَنْتَقِمْ لنفسه بنفسه ربما أَمْكَنَ أن يَحِلَّ عليهم غضبٌ من ربهم، أنهم كيف فَعَلُوا بنبيه أمراً كانوا نُهُوا عنه . ٤٤٥٩ - قوله: (أَوْصَى إلى عَلِيٍّ) نعم قد أَوْصَى إليه النبيُّ ◌َّ في بعض أمره، كفٌ درعه التي كانت مرهونةً عند يهوديٍّ في نفقة عياله. وإن كان الروافض يُرِيدُونَ أمراً وراءه، فهو لغوٌ وبهتانٌ. ٤٤٦٠ - قوله: (أَوْصَى بِكِتَاب اللَّهِ) قيل: الباء فيه للاستعانة، فَيَرْجِعُ إلى معنى قوله: ((تركت فيكم الثقلين كتاب الله)) ... إلخ. وإن كانت للصلة، فهو مفعولٌ. ٨٦ - باب آخِرِ ما تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ وَلـ ٤٤٦٣ - حدّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ: قالَ يُونُسُ: قالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ في رِجالٍ مِنْ أَهْلِ العِلمِ: أَنَّ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ النَّبِيُّ وَ يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ: ((إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ حَتَّى يَرَىَ مَقْعَدَّهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرَ)). فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ، وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي، غُشِيَ عَلَيهِ، ثُمَّ أَفاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى سَقْفِ البَيتِ، ثُمَّ قالَ: ((اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى)). فَقُلتُ: إِذاً لاَ يَخْتَارُنَا، وَعَرَفِتُ أَنَّهُ الحَدِيثُ الَّذِي كانَ يُحَدِّثُنَا بِه وَهُوَ صَحِيحٌ، قالَتْ: فَكَانَتْ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّم بِهَا: ((اللَّهُمَ الرَّفِيقَ الأَعْلَى)). [طرفه في: ٤٤٣٥]. ٤٤٦٣ - قوله: (ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى). وعند أحمد في ((مسنده)، والبيهقيٍّ: ((أن آخر كلامه كان: فيما مَلُكَتْ أيمانكم))، وإسنادُه ليس بذاك. فالصوابُ ما في البخاريِّ. ويُمْكِنُ الجمع بينهما، بأن ما عند البيهقيِّ آخر باعتبار ما أمر الناس به، وأمَّا ما عند البخاريِّ، فآخر كلامه مطلقاً (١). ٨٧ - باب وَفَاةِ النَّبِيِّ وَلُِّ ٤٤٦٤، ٤٤٦٥ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ (١) قلت: وللناس بحث في أن الأفضل أن يكون آخر الكلام ذلك، أو كلمة الإخلاص، ولا ريب أن الأحرى بشأنه ما ثبت عنه عند وفاته، ويبقى الكلام في حق الأمة، فلينظر فيه العلماء، ولعله يكون من الألوف سعيد واحد من يشبه آخر أمره بآخر أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فيرفع يديه، كما رفع، اللهم اجعلني منهم بحرمة حبيبك المصطفى. ورسولك المجتبی صلى الله عليه وسلم. ١٨٢ كتاب المغازي عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ لَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سَنِينَ يُنْزَلُ عَلَيهِ القُرْآنُ، وَبِالمَدِينَةِ عَشْراً. [طرفه في: ٣٨٥١]. ٤٤٦٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ شَيْهِ تُوَفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ وَسِتَينَ . قالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ مِثْلَهُ. [طرفه في: ٣٥٣٦]. ٤٤٦٤، ٤٤٦٥ - قوله: (لَبِثَ بِمَأَّةَ عَشْرَ سَنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وبِالمَدِينَةِ عَشْراً). ولعلَّ هذا مخرَّجُ على قول من اختار زمن الفَتْرَةِ ثلاث سنين، فإنه نُبِّىء على رأس أربعين، وتُوُفِّي وهو ابن ثلاث وستين، فلو نقَّصت من مجموع عمره ثلاث سنين زمن الفَتْرَةِ، حصل عشر، وعشر لإِقامته بمكة والمدينة. وإنَّما أخرجنا منه زمن الفَتْرَةِ، لأن فيه قيداً، وهو ينزل عليه القرآن. ثم إن مجموعَ عمره ستون بهذا الحساب، وهو نصف عمر المسيح عليه الصلاة والسلام، وقد مضى منه ثمانون، وبَقِي أربعون، ويَمْكُثُ في سبع منها مع المهدي عليه السلام. وأمَّا مُكْتُه في السماء، فإنما لم يُحْسَبْ من عمره، لكونه موطناً غائباً عنَّا، والمستقر وهو وجه الأرض. ثم إن الظاهرَ أن عمر عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام مائة وعشرون بالحساب الشمسيِّ، وعمره وَ له ثلاث وستين بالحساب القمريِّ، وأنه يُسَاوِي ستين بالحساب الشمسيِّ، وإذن لا يَحْتَاجُ في بيان التنصيف إلى اعتبار المذكور أيضاً، أي حذف مدَّة الفَتْرَةِ. ٨٨ - بابٌ ٤٤٦٧ - حدّثنا قَبِيصَةُ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ◌َهْ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيّ بِثَلاَثِينَ. يعني صاعاً من شعيرَ. [طرفه في: ٢٠٦٨]. ٨٩ - باب بَعْثِ النَّبِيِّ ◌َّ أُسَامَةَ بْنَ زَيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا في مَرَضِهِ الَّذِي تُؤُفِّيَ فِيهِ ٤٤٦٨ - حدّثنا أَبُو عاصِم الضَّحَاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنِ الفُضَيلِ بْنِ سُلَيمانَ: حَدَّثَنَا مُوسى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَّنْ أَبِيهِ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ أُسَامَةَ، فَقَالُوا فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ قُلْتُمْ فِي أُسَامَةَ، وَإِنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ)). [طرفه في: ٣٧٣٠]. ٤٤٦٩ - حدّثنا إِسْماعِيلُ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ بَعَثَ بَعْثاً، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيدٍ، فَطَعَنَّ ١٨٣ كتاب المغازي النَّاسُ فِي إِمَارَتِهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فَقَالَ: ((إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِىِ إِمَارَةٍ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايُ اللَّهِ إِنْ كانَ لَخَلِيقاً لِلإِمَارَةِ، وَإِنْ كانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَّ، وَإِنَّ هذا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ)). [طرفه في: ٣٧٣٠]. ٩٠ - بابٌ ٤٤٧٠ - حدّثنا أَصْبَغُ قالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ قالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنِ ابْنٍ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيرِ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّهُ قالَ لَهُ: مَتَى هَاجَرْتَ؟ قالَ: خَرَجْنَا مِنَ اليَمَنِ مُهَاجِرِينَ، فَقَدِمْنَا الجُحْفَةً، فَأَقْبَلَ رَاكِبٌ فَقُلتُ لَهُ: الخَبَرَ! فَقَالَ: دَفَنَّا النَّبِيَّ ◌َِّ مِنْذُ خَمْسٍ، قُلتُ: هَل سَمِعْتَ فِي لَيلَةِ القَدْرِ شَيْئاً؟ قالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنِي بِلاَلٌ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ◌َّ: أَنَّهُ فَي السَّبْعِ، في العَشْرِ الأَوَاخِرِ . ٤٤٧٠ - قوله: (عن أبي الخَيْرِ، عن الصُّنَابِحِيِّ)، والصُّنَابِحِيُّ هذا تابعيٌّ كبيرٌ. ٩١ - باب كَمْ غَزَا النَّبِيُّ حيز الله وسلم ٤٤٧١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجاءٍ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ قالَ: سَأَلْتُ زَيدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهَ عَنْهُ: كَمْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَ لَ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ، قُلتُ: كَمْ غَزَا النَّبِيُّنَِّ؟ قالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ. [طرفه في: ٣٩٤٩]. ٤٤٧٢ - حدّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسحاقَ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ بَّ خَمْسَ عَشْرَةَ. ٤٤٧٣ - حدّثْنِي أَحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ هِلاَلٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيمانَ، عَنْ كَهْمَسٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: غَزَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً. ٤٤٧٣ - قوله: (حدَّثَنَا أحمدُ بن محمَّدٍ بن حَنْبَلٍ) ... إلخ، واعلم أن البخاريَّ روى عن ابن مَعِين في موضع من كتابه، وعن أحمد في موضعين، وقد رُوِيَ عن مالك أيضاً، قالوا: إن البخاريَّ ليسَ له كثير سماع عن أحمد، وذلك لأنه لمَّا كان ببغداد كان البخاريُّ صغيرَ السِّنِّ، ولمَّا جاءه مرَّةً أخرى وَجَدَه ترك التدريس، فلم يتّفق له سماعٌ كثيرٌ. وأمَّا أبو داود، وهو أكبرُ سِنّاً من مسلم، ولازمه دَهْراً، بل إليه تَنْتَهِي روايةُ الفِقْه الحنبليِّ، وأمَّا الإِمامُ أبو حنيفة، فلا يُوجَدُ في كتابه روايةٌ عنه، نعم أَجِدُ فيه رواياتٍ عديدةً عن تلامذة تلامذته، وكذا غيرهم من الحنفية. ثم إن البخاريّ إن لم يَأْخُذْ عنه في صحيحه، فقد أَخَذَ عن نُعَيْم بن حمَّاد. قيل: إنه من رواة تعليقات البخاريِّ. وتتبَّعْتُ له، فوجدته راوياً لمرفوعه أيضاً في موضعين، ١٨٤ كتاب المغازي ومضى التنبيه عليه. ونُعَيْم بن حمَّاد هذا كان يُزَوِّرُ في السُّنَّةِ. وفي مثالب أبي حنيفة، كما في تذكرته: ومع هذا أخذ عنه البخاريُّ كثيراً في ((خلق أفعال العباد)). وحينئذٍ وَجَبَ علينا أن نؤوِّل للبخارِيِّ، ونقول: معنى التزوير في السُّنَّةِ أي لتأييده. وكذا في حقِّ أبي حنيفة إنه كان يَسْتَلِذَّ بها، لا أنه كان يزوِّرُها بنفسه. وإلاَّ فظاهرُه شديدٌ، فإن لم يَأْخُذْ عنه، فماذا كان؟ فإنه إن كان جَرْحاً، كان فيمن أخذ عمَّن هو دون الإِمام، بل لا يُوَازِیه، وترك الروايةً عنه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ ٦٥ - كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ الْحَيَةِ﴾: اسْمَانٍ مِنَ الرَّحْمَةِ، الرَّحِيمُ وَالرَّاحِمُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، كَالعَلِيمِ وَالْعَالِمِ. واعلم أنَّ أَوَّل مَنْ خدم القرآن أئمةُ النَّحْو. فللفرَّاء تفسير ((في معاني القرآن))، وكذا للزَّجَّاج. وذكر الذّهبي أنَّ الفرَّاء كان حافِظَ الحديث أيضاً. وقد أَخَذَ ابنُ جرير الطبري في تَفْسيره عن أئمة النَّحْو كثيراً، ولذا جاء تفسيرُه عدِيمَ النَّظير، ولو كان البخاريُّ أيضاً سار سَيْرَه لكان أحسنَ، لكنه كان عنده «مجازُ القرآن)) لأبي عُبَيدة مَعْمَر بن المُثنَّى، فأخذ منه تفسيرَ المُفْردات، وذلك أيضاً بدون ترتيب وتهذيب، فصار كتابُه أيضاً على وَازِن كتاب أبي عبيدةً في سُوء الترتيب، والرِّكَّة، والإِتيان بالأقوال المرجوحة، والانتقال من مادةٍ إلى مادة، ومن سورةٍ إلى سورة، فصَعُب على الطالبين فَهْمُه. ومَنْ لا يدري حقيقةَ الحال يَظُنَّ أن المصنّف أتى بها إشارةً إلى اختياره تلك الأقوالَ المرجوحةَ، مع أنه رَتَّب كتابَ التفسير كلَّه من كلام أبي عُبيدة، ولم يعرِّج إلى النَّقْد أَصلاً. وهذا الذي عرا شقي القاديان، حيث زَعم أنَّ البخاري أشار في تَفْسِيره إلى أنَّ التَّوَقِّي بمعنى الموت، لأنه فَسَّر قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] بِممِيتك؛ وهذا الآخَرُ لم يوفَّق، ليفهم أنَّ الحال ليس كما زَعمه، ولكنه كان في ((مجاز القرآن))، فنقله بعينه كسائر التفسير، فإِنْ كان ذلك مختاراً، كان لأبي عُبيدة لا للمصنّف. وتفسيرُ الحاكم في ((مستدَركِه)) أحسنُ منه عندي. ثُم إنَّ هذا غيرُ أبي عُبيد صاحب كتاب ((الأموال))، فإِنَّه متقدِّم على مَعْمَر بنِ المُثنَّى، وهو أبو عُبيد قاسم بن سَلاَّم من تلامذةٍ محمد بن الحسن، أَوَّل مَنْ صَنَّف في غريب الحديث. ثم إنَّ المجاز في مصطلح القدماء ليس هو المجازَ المعروف عندنا، بل هو عبارةٌ عن موارد استعمالاتِ اللفظ، ومن هُهنا سَمَّى أبو عبيدة تفسيره ((بمجاز القرآن)). وهذا الذي يريدُه الزَّمخشرِي من قوله: ومِن المجاز كذا، كما في (الأَساس))، ومن المجاز تُوفي زَيْدُ، أي مات، لا يريدُ به المجاز المعروف، بل کَوْن الموت من موارد استعمالاته. وقد حَقَّقْنا من قَبْل أن التوفِّي كنايةٌ في الموت، وليس بمجاز. وهكذا التأويلُ عند السَّلَف بيان المصداق، قال تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَىَ﴾ [يوسُف: ١٠٠] أي مِصْدَاقُها، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلٌ﴾ [يونس: ٣٩] أي مصداقه، وهو عند المتأخرين بمعنى صَرْف الكلام عن الظاهر. ١٨٥ ١٨٦ كتاب تفسير القرآن حكاية: تدلُّك على شِدَّة عنايةِ أئمةِ النَّحْو، وَوَلُوعِهم بالتفسير. اجتمع الزَّجَّاج مع المُبرّد مرةً، وكان الزجَّاج صنَّف تفسيراً، فسأله المبرِّد عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ فَلَا تَكُنْ فِى مِرْيَةٍ مِّنْ لِقَابِهٍ،﴾ [السجدة: ٢٣] ما الرَّبْطُ بين الجُمْلتين؟ وهو وإنْ لم يكن ضَرُوريّاً في القرآن، لكنه ضَرُوريّ في مِثْلِ هذا المَوْضع، لأنه يَعُود كالجَمْع بين الضبِّ والنون. فهذا يدلُّ على أنهم كانوا يَهْتَمُون بِمُشْكلات القرآنِ، وكانوا يعرِفُونها، ولذا سأل المبرِّد عن أَشْكل آيةٍ في هذا الباب، ثُم لا أدري ماذا أجاب عنه الزَّجَّاج، غير أني كتبت فيه شيئاً من عند نفسي. ومِن أهم ما نريدُ أن نُلقي عليك معنى التفسير بالرأي، وقد بحثوا فيه بين مُظْنب ومُوجِز، مُكْثر ومُقلّ، غير أنه لا يرجع إلى كثيرٍ طائل، فلم نر في نَقْله فائدةً، فدونك عِدَّة جُمَل: أنَّ التفسيرَ إذا لم يوجِب تغييراً لمسألة، أو تبديلاً في عقيدة السَّلَف، فليس تفسيراً بالرأي، فإِذا أوجب تغييراً لمسألةٍ متواتِرةٍ، أو تبديلاً لعقيدةٍ مُجْمَع عليها، فذلك هو التفسيرُ بالرأي، وهذا الذي يستوجِب صاحبه النَّار، ولا تتحصَّل علَّى ما قلنا، إلاَّ بعد الاطلاع على عاداتِ أصحابِ التفاسير. وحينئذٍ لا قَلَق فيما فَسَّره المفسِّرون من أذهانهم الثاقبة، وأفكارِهم الصحيحة. ومَنْ يطالع كُتُب التفسير يجدها مشحونةً بالتفسير بالرأي، ومَنْ حَجَر على العلماءِ أن يُبْرِزُوا معاني الكتاب بعد الإِمعان في السياق، والسباق، والنظر إلى حقائق الألفاظ، ومراعاة عقائد السَّلَف، بل ذلك حَظّهم من الكتاب، فإِنَّهم هم الذين ينظرون في عجائبه، ويَكْشِفون الأستارَ عن وجوه دَقائقه، ويرفعون الحُجُبَ عن خبيئات حقائقه، فهذا النوعُ من التفسير بالرأي حَظّ أُولي العِلْمِ، ونصيبُ العلماء المستنبطين، أما مَنْ تكلّم فيه بدون صِحَّة الأدوات، لا عِنْده عِلْم من كلام السَّلَف والخَلَف، ولا له ذَوْقٌ بالعربية، وكان من أجلاف النَّاس، لم يَحْمِلْه على تفسيرِ كتابِ الله غيرُ الوقاحة، وقِلَّة العلم، فعليه الأَسف كلّ الأَسف، وذاك الذي يستحقُّ النَّار. ثُم اعلم أنَّ تفسيرَ المُصنِّف ليس على شاكلةِ تفسیر المتأخّرین فی کَشْف المُغْلقات، وتقرير المسائل، بل قَصَد فيه إخراجَ حديثٍ مناسِبٍ متعلّقٍ به، ولو بِوَجْه، والتفسير عِنْد مُسْلم أقلُّ قليل، وأَكْثَرُ منه عند الترمذي، وليس عند غيرهم من الصحاح الستِّ، ولذا خُصَّت باسم الجامع، وإنما كَثُرت أحاديثُ التفسير عند الترمذي، لِخِفّة شَرْطه. أما البخارِيُّ فإِنَّ له مقاصِدَ أخرى أيضاً، مع عدم مبالاته بالتَّكْرار، فجاء تفسيرُه أبسطَ من هؤلاء كلّهم. قوله: (﴿الََّنِ الرَّحَظِ﴾)، قيل: الأَوَّل أَبْلَغ من الثاني. وقيل: إن الأَوَّل عَلَمٌ بالغَلَبة؛ والثاني صفةٌ. قلتُ: إنَّ ((الرحمن مهما وَجَدْناه في القرآن لم نجد معه مُتَعلَّق يتعلَّقُ به، بخلاف ((الرحيم)) قال تعالى: ﴿الرَّحْنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى (١)﴾ [طه: ٥] فلم يذكر ١٨٧ كتاب تفسير القرآن له مفعولاً به، وقال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] فذكره. ولقائل أن يقول: إنَّ (الرحمن)) صِفَةُ مُشَبَّهة، و((الرحيم)) مبالغةٌ للفاعل، لا صفة مُشَبَّهة. ونَقَل البخاريُّ أنَّ الرحيم والراحم واحِدُ، وهو في الأَصْل عن أبي عبيدة. وفي النقول الإِسلامية أنَّ المعروف عند بني إسماعيل كان اسمَ ((الله))، وعند بني إسرائيل ((الرَّحْمُن)»، ولذا لَمَّا نزلت التسميةُ استنكرها العربُ، وقالوا: إنَّه يريدُ الخَلْط بين الدِّينَيْن، فنزلت ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ (١) أَيََّ مَّا تَدْعُواْ فَهُ اُلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ... إلخ [الإسراء: ١١٠]. ومِن هُهنا ظهر سِرُّ الجَمْعِ بِين الاسمين في التسمية (٢). قلتُ: وأما اليوم فلم أجد في التوراة من أسمائه تعالى إلاَّ((يهوه))، ((والوهيم))، ((وأيل))، ولم أَجِد الرَّحْمُن(٣) فيه، فلا أَدْرِي ماذا أرادَه العلماءُ. ثُم أيُّ اعتمادٍ على نُسَخ التوراة مع التحريف الفاشي، فإِن كلاًّ يُحرَّفُ فيها، ولا یحاشی. ١ - باب مَا جَاءَ فِي فَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُمِّيَتْ أُمَّ الكِتَابِ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي المَصَاحِفِ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلاَةِ. وَالدِّينُ: الجَزَاءُ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ، كَمَا تَدِينُ تُدَانُ. (١) راجع مزايا الآية من (رُوح المعاني)). (٢) قلتُ: ولما كانَ النبيُّ وَ آخِرَ الأنبياء، وأراد اللَّهُ سبحانه توحيدَ الأديان في زمانه، جمع بين اسمَيْه في التسمية، وجَمَع بين القِبْلَتَيْن في الصلاة، حيث وَجَّه النبيُّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم في بيتِ المَقْدس إلى زمن، وهو من بني إسماعيل. ويوجّه المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام إلى الكعبةِ، وهو من بني إسرائيل، ليعلم أنَّ الدينَ كلَّه لله ﴿وأينما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وكان النبيُّ ◌َه يعمل بشريعةِ التوراة فيما لم ينزل فيه شَرْعٌ، فكان في الجمع إعلاناً بِأَنَّ شَرْعه قد جمع الشرائِعَ كلَّها، ودينَه حاز الأديانَ أجمعها. ثم إني رأيتُ بينهما فَرْقاً لطيفاً في رسالةٍ لا أَذْكُر اسمها، ولعلَّها عقيدةُ السَّفَارِيني عن ابن القيم، أنَّ الكمال في الصِّفات قد يُعْتبر باعتبار نَفْسِها، وقد يُعتبر باعتبار تعلُّقِها بالغير، فتقول: فلانٌ عالِم كبيرٌ، ولو كان عِلْمه لا ينفع الناسَ شيئاً، فهذا مَدْحٌ له باعتبار نَفْسه، فإِذا عَلَّم الناسَ، ونَفَعَ غيرَه أيضاً فحينئذٍ تَمْدَحُه لا لكونِهِ عالماً فقط، أي صاحب صِفَة ومَلَكةِ، بل لأنه يُنتفع مِن عِلْمه، وتعلّق تلك الصفةِ بالآخَرِين أيضاً، والاعتباران لا يتلازمان. إذا عَلِمت هذا، فاعلم أنَّ الرحمن يدلُّ على كمال رَخمته في ذاته تعالى، والرحيم على تَعَلُّقها بالنَّاسِ أيضاً، والمعنى أن الله سبحانه هو الرَّحْمُن باعتبارٍ ذاته، والرحيم باعتبار أنه يَرْحَم العبادَ أيضاً، والجَمْع بين الوَصْفين هو الكمال الحقيقي. وهذا الفَرْق لطيفٌ عندي في غايته، والله تعالى أعلمُ بالصَّواب. (٣) قلتُ: وفي ((المشكاة) - في الفَصْلِ الأَوَّل من باب الحَشْر - عن أبي سعيد الخُذْري، وفيه: فأتى رَجُلٌ من اليهود، فقال: بارك الرحمُنُ عليك يا أبا القاسم ... إلخ، ففيه دليلٌ على اشتهارِ هذا الاسم عندهم، غير أنَّ الشيخ أراد كَوْنَه في التوراة أيضاً. ثُم رأيتُ في ((رُوح المعاني)) عن الضَّحاك أنه قال: قال أهلُ الكتاب للرسول ◌َله: إنَّك لتقلّ ذِكْر الرحمن، وقد أَكْثَرَ اللَّهُ تعالى في التوراة هذا الاسمَ. اهـ. إلاَّ أنَّ نَظَر الشيخ قائمٌ بعد، فإِنَّه لا يوجد اليوم في التوراة. ثُم ذَكَر الشيخُ الألوسي في إكثارِ هذا الاسمِ وَجهاً حسناً، قال: وكأنَّ حِكْمةً ذلك أنَّ موسى عليه الصلاة والسلام كان غضوباً، كما دلّت عليه الآثارُ، فأكثر لهَ مِنْ ذِكْر الرحمن لِيعامِلَ أَمته بمزيدِ الرحمة. اهـ. ١٨٨ كتاب تفسير القرآن وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِالدِّينِ﴾ [الماعون: ١، الانفطار: ٩] بِالحِسَابِ. ﴿مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] مُحَاسَبِينَ. ٤٤٧٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ شُعْبَةَ قالَ: حَدَّثَنِي خُبَيبُ بْنُ عَبْدٍ الرَّحْمنِ، عَنْ حَفصٍ بْنِ عَاصِم، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بْنِ المُعَلَّى قِالَ: كُنْتُ أُصَلِّي في المَسْجِدِ، فَدَعانِي رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: ((أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤])). ثمَّ قالَ لِي: (لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةٌ هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ في القُرْآنِ، قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ)). ثمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، قُلِتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُل: ((لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةٌ هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ في اَلْقُرْآنِ))؟! قالَ: ((﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾: هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي، وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ)). [الحديث ٤٤٧٤ - أطرافه في: ٤٦٤٧، ٤٧٠٣، ٥٠٠٦]. قوله: (وسُمِّيت أُمَّ الكتاب، لأَنَّه يُبْدأ بكتابتها في المصاحف) إلخ. قلتُ(١): ولم يَنْكَشِف مما نقله المصنِّفُ شيءٌ. والصوابُ عندي أن الأُم فِي الأَصْل يقال للدجاجة التي تُقَرْقِر، لتكفت إليها أَفْراخُها، وكذا يقال: الأم، للرايةِ، لأنَّ الجيش يعودُ إليها عند الكَرِّ والفَرِّ . إذا عَلِمت هذا، فاعلم أنَّ الفاتحةَ سُمِّت بأُمِّ الكتاب، لأنها تبقى في محلها، وكأنَّ سائرَ السُّور تجيء، وتنضم معها على سبيل البدلية، فهي متعيِّنة للقراءةِ، وسائرُها مخيَّرة، فكأنَّها كالوَتد للقراءةِ في الركعة، وبعبارةٍ أُخْرى أنه إذا أُريد حَوْزُ الأشياء في مكان تَخَيَّر له المكانَ أَوَّلاً، ليجمع فيه، فالفاتحة لهذا التعيين، ثم تحومُ سائرُ السُّورِ حَوْلَها. وسيجيءُ له مزيدُ التوضيح في ((فضائل القرآن)). فائدة : واعلم أنَّ الأحاديثَ قد تَرِد كاشفةً عن أنظار ذهنيةٍ، ولا يُدْرى إلى أين جَرْيُها، وكَفُّها، وطردُها، وعَكْسُها، فيظهَر بعضُها في العمل أيضاً، ويبقى بعضُها في النَّظَر فقط. ففي مِثْل هذه الأحاديثِ يَجِب النّظر إلى العَمل أيضاً، ولا ينبغي القَصْر على اللفظ فقط، لينكشف أنه هل اعتُبر هذا النَّظَرُ في حَقِّ العمل أيضاً، أو بقي في النَّظَر فقط، كالإِيتار (١) قال الحافظ: هو كلامُ أبي عبيدة في أول ((مجاز القرآن))، لكن لفظه: ولسُورِ القرآنِ أسماء: منها أن ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تسمى أُم الكتاب، لأنه يبدأ بها في أَوَّل القرآن، وتعاد قراءتُها، فيقرأ بها في كلِّ ركعة قبل السورة؛ ويقال لها: فاتحة الكتاب، لأنه يُفتتح بها في المصاحِف، فتكتب قبل الجميع اهـ. وبهذا تبيَّنَ المرادُ مما اختصره المصنّف، اهـ. قلتُ: ومِن هنا ظَهَر معنى قَوْل الشيخ - مما نَقَله المصنِّف - وقد بسط الحافِظ في وَجْه التسمية معاني أُخَر، فليراجع. ١٨٩ كتاب تفسير القرآن في صلاة اللَّيل، فإِنَّه نظر، لكنه لا يُدرى إلى أين جَرْيُها، وكَفُّها. فقد أجراه بعضُهم حتى قال بِنَقْضِ الوِتْر، ومن هذا الباب قوله: ((إنَّما جُعِل الإِمامُ ليؤتمَّ به))، فالائتمام نَظرٌ ذِهْني، لاَ يُدْرى طَرْدُها وعكسها، فاعتبره الحنفية في باب القراءة أيضاً، وجعلوه دليلاً على تَرْك الفاتحة خَلْفَ الإِمام أيضاً، وأَخَذه الشافعيةُ أَوْسع منه، ولم ينفصل الأَمْرُ بعد، ولا ينفصل. وراجع رسالتي (كَشْف السّتر)). ومُحصَّل الكلام أن الأنظارَ الذهنيةَ إذا خفي طَرْدُها، وعَكْسُها، فالعبرةُ عندي بالعمل في الخارج، كيف ثبت. فنقولُ في مسألة النقض إنَّه إنْ ثبت نَقْضُ الوِتْر عن السَّلَف نقول: إنَّ الإِيتارَ قد اعتُبر فى حقِّ العمل أيضاً، وفي المسألة الثانية: إنَّ الفاتحة إن ثَبَتَ تَرْكُها خَلْفَ الإِمام نقول: إنَّه ظَهَر أَثَرُه في تَرْك القراءةِ أيضاً، وإنْ لم يثبت، كما في المسألة الأولى لا نقولُ به، ولا تُوجِب العمل من لفظ الإِيتار فقط، فإِنَّه نَظر، وشأنُه أنه لا يظهر في العمل دائماً، فقد يبقى في النَّظر فقط، وحينئذٍ جَرُّها إلى العمل يكونُ غَلَطاً، فاعلمه، فإِنَّه ينفعُك في كثيرٍ من المواضع، وأدعو الله تعالى أن يطعمَك منه ذواقاً. ٤٤٧٤ - قوله: (ألم يَقُلِ اللَّهُ: ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ﴾﴾ [الأنفال: ٢٤] ... إلخ، استنبط منه الشافعيةُ أنَّ مَجاوبةً(١) الرسولِ غيرُ مُفْسِدةٌ للصلاةِ، ثُم استأنسوا به في مسألةِ ذي اليَدَيْن. قلتُ: وهذا الاستنباطُ يُبْنى على صورةٍ ترتيب الرِّواية، بأن يكونَ اعتذارُه بكونِه في الصلاة مقدَّماً، وتلاوته وَّ الآيةَ مُؤخّراً، ولو فرضنا اعتذارَه مؤخّراً عن تلاوته هكذا، فدعاني رسولُ اللهِ وََّ، فلم أجبه، فقال: ألم يقلِ اللَّهُ ... إلخ، قلتُ: ((يا رسولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَصلِّي))(٢)، سقط الاستدلال. (١) قلتُ: أما المسألةُ في إجابةِ المُصلِّي الرسولَ، فلم يبحث عنها الشيخُ، لأنه لا طائلَ تَخْته، بعدما خُتِم على الُّبوة، فإِنَّها على أيِّ جهةٍ، وعلى أيِّ صورةٍ كانت قد انتهت بانتهاءِ النُّبوةِ. غيرَ أنَّ الطحاويَّ تَعَرَّض إليها شيئاً، فأَنا ألخصها لك: قال الطحاوي بعد إخراج الروايةِ المذكورة: ففيما روينا عن رسولِ اللهِرَّ﴾ إيجابَه على مَنْ دعاه وهو يصلِّي وإجابتَهُ، وتَرْك صلاته، وذلك أولى به من تَمادِيه في صلاته. فقال قائل: أفيدخُلُ في ذلك إجابةُ الرَّجُل أُمه إذا دعته وهو يصلي؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعَوْنه: أنَّ ذلك غيرُ مُسْتَنْكَر أن يكون كذلك، لأنه قد يستطيع تَرْك صلاتِه، وإجابته لأُمه، لما عليه أن يُجِيبها فيه، والعود إلى صلاتِه، ولأنَّ صلاته إذا فاتت قضاها، وبَرُّه بأُمِّه إذا فات لم يستطع قَضَاءه. وقد دلَّ على ذلك ما رُوي عن رسولِ الله وَّر في حديث خروج الراهب. اهـ. قلتُ: فدلَّ كلامُ الطحاوي أن مجاوبةَ الرسولِ واجِبٌ، ولكنها تقطع الصلاةَ، لا كما زعمه الشافعيةُ، فلينظر. وحينئذٍ لا حُجَّة لهم فيه في مسألة جواز الكلام في الصلاة. (٢) قلتُ: هكذا نقله الحافظ عن ابن التين، نَقْلاً عن الدَّاودي، أنَّ في حديث الباب تقديماً وتأخيراً، قال: فكأنه تأوَّل أن مَنْ هو في الصلاة خارج عن هذا الخطاب. اهـ ثُم ردَّه الحافظ. قلتُ: فيما أتذَكَّر عن الشيخ: إنَّ في بعض ألفاظِهِ: يا رسولَ اللَّهِ، إني كنتُ أَصلِّي، ولا أعودُ إليه. أو كما قال. فيثبت ما رامه الشافعيةُ، ولكن لا تَفوت منه الفائدةُ التي نَبَّه عليها، فإِنَّه لا ريبَ في كَوْن التمسُّكِ بالترتيب ضعيفاً . ١٩٠ كتاب تفسير القرآن قوله: (﴿لِمَا يُحِيكُمْ﴾﴾ [الأنفال: ٢٤] فتعليمُه يُورِثُ الحياةَ. قوله: (أَغْظَمُ السور) وفي نسخةٍ: ((أعظم سورة)). واختلفوا في الفَرْق بين أَفْضَل رجل، وأَفْضل الرِّجالُ، فقال جماعةٌ: إنهما سواءٌ، أقول: لا، بل في قوله: أَفْضَلُ رَجُلٍ من الاستقصاء ما ليس في أفضل الرِّجال، فإِنَّ الفَضْل في الأَوَّل على كلِّ رَجُلٍ رَجُل، فهو أَشْمل من الثاني، فإِنَّ الفَضْل فيه على المجموع، وراجع له شَرْح الرَّضِي على ((الكافية)) . ثُم إنَّ في إطلاقٍ أَعْظَم السُّوَر على الفاتحة سِرّاً، وهو أنَّ النبيَّ ◌ََّ أرادَ به نَحْوَ تلافٍ لما ينشأ من سياق القرآن، فَإِنَّه قال: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْتَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِىِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] عطف القرآن العظيم على الفاتحةِ، فدلَّ على التغايُر، وخرجت الفاتحةُ عن كَوْنها قُرآناً عظيماً، فَأَزَاحه أنَّ الفاتحةَ أَعْظَمُ السُّورِ، لا أنها خَرَجتِ بهذا الإِطلاقِ عَنْ كَوْنِها قُرآناً، كما يُوهِمُه التقابُلُ، وضلَّ مَنْ أرادٍ أَنْ يُنْكِر كَوْنَ الفاتحةَ قُرْآنًاً، لئلا يَرِد عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وكان الحديث سيق على رغم هؤلاءِ، ثم إنَّ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْتَكَ﴾ ... إلخ، إشارةٌ إلى الفاتحةِ وضَمِّ السورةِ، فإِنَّه ذَكَر أوَّلاَ السَّبْع المثاني، وهي للفاتحة، ثُم القرآنَ العظيم، وهو سائر السُّوَر، فتنضم معها على سبيل التبادل. وترجمة الآية عندي "هم نى دين تجهكو سات آيتين جو ورد كردنی هین اور وظيفه بناینکی لائق ھین أور ديا قرآن عظيم" (١). قوله: (﴿ءَنَّيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] الذي أَوتِيتُه)، اختلفوا في شَرْح قوله: ﴿وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ ... إلخ، أي في الحديث، أما الكلام فيه في الآية، فكما هو في محله، فقيل: إنه مبتدأ وخبر. والمعنى أن ما أُوتيته هو القرآنُ العظيم. فالجملةُ الأُولى مناسِبٌ للباب. والثانية استطراديةٌ. وقيل: إنَّ السَّبْعَ المثاني هو القرآنُ العظيم، ففيه إطلاقُ القرآنيةِ على الفاتحة، وليس بِمُرَادٍ عندي. (١) قلتُ: وسَمِعْتُه مرةً، قال: إنَّ في المثاني إشْعاراً بتَكْرارها في كلِّ صلاة، فلا تكونُ أَقلُّ الصلاةِ إلاَّ ركعتين، لأن تَكْرارها في ركعةٍ غيرِ معهود، وكذا عُلِم من سياقها تعيينُ الفاتحة، وكذا ضَمّ السورة معها، وهذه المسائلُ كلُّها أقربُ إِلى مذهب الحنفية. يقول العبد الضعيف: قبل الخطّابي في قوله: ((هي السَّبْع المثاني والقرآن العظيم الذي أُوتيته)»، دلالةٌ على أن الفاتحةَ هي القرآنُ العظيم، وأنَّ الواو ليست بالعاطفة التي تَفْصِل بين الشيئين، وإنما هي التي تجيء بمعنى التفصيل، كقوله: ﴿فَكِهَةٌ وَفَخْلٍ وَرَُّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله: ﴿وَمَتُبِكُنْهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [البقرة: ٩٨] انتهى، وفيه بَحْثٌ لاحتمال أن يكونَ قولُه: ﴿وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ محدوفُ الخبرِ، والتقدير ما بعد الفاتحة مثلاً، فيكون وَضْف الفاتحة انتهى بقوله: هي السَّبْع المثاني، ثُم عطف قوله: ﴿ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ أي ما زاد على الفاتحةِ، وذَكَر ذلك رِعايةً لِنَظُم الآيةِ، ويكونُ التقديرُ: ﴿وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ هو الذي أُوتيته، زيادةً على الفاتحة، كذا في ((الفتح)). ١٩١ كتاب تفسير القرآن ٢ - باب ﴿ِغَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِّينَ﴾ ٤٤٧٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ سُمَيّ، عَنْ أَبِيٍ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيِرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَقالَ: ((إِذَا قالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ، فَمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَتْبِهِ)). [طرفه في : ٧٨٢]. والأوَل هم اليهودُ، وإنَّما غَضِب عليهم لإِنكارِهم رسالةَ النبيِّ بِّهِ، وهي بديهيةٌ؛ والثاني هم النَّصارى، لِخَبْطِهم في التحقيقات العِلْمية، كمسألةِ التوحيد في التثليث، ولذا قال الحافظ ابنُ تيمية: إنَّ العالِمَ المبتدِعَ على قَدَم النَّصارى، والجَاهِلَ المبتدعَ على قَدَم اليهود(١). بِسْمِ اللّهِ الرََّنِ الرَّحِيمَةِ سورة البقرة ١ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [٣١] ٤٤٧٦ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِِّّ. ح. وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: ((يَجْتَمِعُ المُؤْمِنُوَّنَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَغْنَا إِلَى رَبِّنَا، فَيَأْتُونَ أَدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلاَئِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكانِنَا هذا. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحِي، اثْتُوا نُوحاً، فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ. فَيَأْتُونَهُ: فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ سُؤَالَهُ رَبَّهُ ما لَيسَ لَهُ بِهِ عِلمٌ فَيَسْتَحِيٍ، فَيَقُولُ: اثْتُوا خَلِيلَ الرَّحْمُنِ. فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، اثْتُوا مُوسى، عَبْداً كَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ. فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيرِ نَفْسٍ، فَيَسْتَحِي مِنْ رَبِّهِ فَيَقُولُ: اثْتُوا عِيسى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ، وَكَلِمَةَ اللَّهِ وَرُوحَهُ. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، اثْتُوا - (١) قلتُ: ومِن ههنا عَلِمت السرَّ في تَشابه أَوَاخِر هذه الأُمة باليهود، فإِنَّ العِلْمَ يقلُّ في آخِر الزمان، فتركب الأُمةِ. متنَ عمياء، وتَخْبِطِ خَبْطَ عشواء، فتقرب حالها مِن جهلة اليهود، إلا أَنَّها لا تكونُ مغضوبةً عليها، وتُدْرِكُها رحمةُ رَبِّها قبل ذلك، لكونها آخِرَ الأُمم وخيرَها . ١٩٢ كتاب تفسير القرآن مُحَمِداً فَهِ عَبْدَاً غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما تَقَدَّمَّ مِنْ ذَنْبِهِ وَما تَأخَّرَ، فَيَأْتُونِي، فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنَ لِي، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِداً، فَيَدَعُنِي ما شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأُسَكَ، وَسَل تُعْطَهْ، وَقُل يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدَّاً فَأَدْخِلُّهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي، مِثْلَهُ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدَّاً، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ: ما بَقِيَ في النَّارِ إِلَّ مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ، وَوَجَبَ عَلَيهِ الخُلُودُ)). قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ((إِلاَّ مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ))، يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خَلِينَ فِيهَّ﴾ [١٦٢]. [طرفه في: ٤٤]. واعلم أنَّ العبوديةَ هي مناطُ الخلافة عندي، وإن اختار المفسرون، أنه العِلْم، وذلك لأنَّ الخَلْقِ إذْ ذاك كان على ثلاثة أنواع: إبليس، فإِنَّه ناظر رَبَّه ولم يكن له ذلك، فصار مَظْروداً ملعوناً؛ وملائكة اللَّهِ، فإنهم أيضاً لم يتخلَّصوا عن إساءةٍ أدبٍ، فلما تابوا عفا عنهم؛ والثالث آدَم، وهذا هو الذي لما عاتبه رَبُّه لم يتكلم بحرف، ولم يواجهه إلاَّ بالبكاء، مع أن موسى عليه الصلاة والسلام لما حاجَّه في عين تلك المعصيةِ حَجّ عليه، وذلك دليلٌ على كمال عبوديته، غير أنها أَمْرٌ خَفِيٌّ، ومعنّی مستورٌ، لا يَظْهَر بها الحُجَّة على الخَصْم، وكان العِلْم أظهرَ الأشياء، لإِثبات فَضْل أَحدٍ على أحد، فاقتضت الحِكْمةُ الإِلهِيةُ أن يَخُصَّه بهذا الفَضْل أيضاً، ليرى مكانَه، ويحرِزَ مَنْزِلَته، وقد فصَّلناه في غير هذا الموضع. ثُم إنَّ من سرِّ عَقْد الخلافة ظهورَ المُطيع من غيرِه، لأنه ليس من المخلوق أَحَدٌ مَنْ يُنْكِر طاعةَ خالِقه، وإنَّما يَشُقُّ على المخلوقِ طاعةُ المخلوقِ، لكونه من جنسه، ولذا كَبُر على إبليسِ السجودُ لآدَم عليه السلام، فاللَّهُ سبحانه أرادَ أن يُميِّزَ المُطيعَ مِن غيره، وأَمَر الملائكةَ أن يَسْجُدوا له، فسجدوا كلُّهم، وأَبى إبليسٌ لذلك المَعْنى، ولا يزال ذاك التمييزُ يجري إلى يوم القيامة، ولنا فيه كلامٌ طويلٌ، طَوَيْنا ذِكْرِه. قوله: (﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلّهَا﴾ [البقرة: ٣١]) والمرادُ منها أسماءُ الأشياء التي لا بدَّ من عِلْمِها، والعمومُ فيه كالعموم في قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، ألا ترى أن اليهودَ لما سألوا عن الرُّوحِ، وأَجِيبوا بقوله: ﴿قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ وَمَآ أُوِيْتُم مِّنَ اٌلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] قالوا: كيف! وعندنا التوراةُ فيها تفصيلٌ لكلِّ شيءٍ، فقيل لهم كما في ((سيرة ابن هشام)): هي في عِلْم الله قليل، فانكشفت منه حقيقةُ الكُلِّ، وحال استغراقه؛ وبالجملة لما كان آدمُ عليه الصلاة والسلام أبا البشر، ومِنْ صُلْبه خرج العالَم، لزِمِ أن يَعْلم أَولاً من أسماء الأشياء ليجرِّبَها فيما بعده، وتتعلم منه ذريَّتُه، وتستعملها فيما بينها، ولا تتعطّل عن حوائجها، فاتضح منه سرُّ تعليم الأسماء كُلِّها إيَّاها . ١٩٣ كتاب تفسير القرآن ٤٤٧٦ - قوله: (فإِنَّ أَوَّلُ رَسُول) ... إلخ. وقد مَرَّ وَجْهُ كونِهِ أَوَّلَ في الأَوَّل(١). قوله: (فَيَدَعُني ما شاء) ... إلخ. وفي ((مسند)) أحمد أنه يَقَعُ في السجدة أُسبوعاً. ٢ - بابٌ قالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾ [١٤]: أَصْحَابِهِمْ مِنَ المُنَافِقِينَ والمُشْرِكِينَ. ﴿يُحِيطٌ بِلْكَفِرِينَ﴾ [١٩] اللَّهُ جَامِعُهُمْ. صِبْغَةٌ: دِينٌ. ﴿عَلَى الْخَشِينَ﴾ [٤٥] عَلَى المُؤْمِنِينَ حَقّاً. قالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ [٦٣] يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ. وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ: ﴿فَضُ﴾ شَكٌّ. ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ [٦٦] عِبْرَةٌ لِمَنْ بَقِيَ. ﴿لَّا شِيَةَ﴾ [٧١] لاَ بَیَاضَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ [٤٩] يُولُونَكُمْ. الوَلاَيَةُ - مَفتُوحَةً - مَصْدَرُ الوَلاَءِ، وَهِيَ الرُّبُوبِيَّة، وإِذَا كُسِرَتِ الوَاوُ فَهِيَ الإِمَارَةُ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ . وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَبَآءُو﴾ [٩٠] فانْقَلَبُوا. وقال غَيرُهُ: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [٨٩] يَسْتَنْصِرُونَ. ﴿شَرَوْا﴾ [١٠٢] بَاعُوا. ﴿رَعِنَا﴾ [١٠٤] مِنَ الرُّعُونَة، إِذَا أرَادُوا أنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَاناً قالُوا : رَاعِناً. ﴿لَّا تَخْرِى﴾ [٤٨ - ١٢٣] لاَ تُغْنِي. ﴿خُطُوَاتِ﴾ [١٦٨] مِنَ الخَطْوِ، وَالمَعْنى: آثارَهُ. ومن عاداتِ المُصنِّف أنه يُسمِّي أَحَداً، ثُم يقول: وقال غيرُه: كما فَعَل لهُهنا، فَسمَّى أَوَّلاً مجاهداً، ثُم قال بعد عِدَّةُ أَسْطُر: وقال غيرُه: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ ... إلخ [البقرة: ٤٩]، لا يريد بذلك نَقْل الخلاف في عَيْن تلك المسألةِ، كما يتبادر من التقابُل، ولكنه من عاداتِهِ أنه يقول: وغيرُه، ويكون ذلك في مسألةٍ أُخْرى غيرِ التي قَبْلَها، فَتنَّه لها. قوله: (﴿رَعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]) وكان اليهودُ إذا نَسَبُوا أَحداً إلى الحماقةِ، قالوا له: ((راعِنا)). قوله: (﴿خُطُوَتِ﴾ [البقرة: ١٦٨]) من الخَطْو، والمعنى: آثارَه، واعلم أن الأَحْسنَ في تفسير البخاري في كلماتِ القرآنِ هو الإِعرابُ الحكائي. ٣ - بابٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [٢٢] ٤٤٧٧ - حدّثني عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ وََّ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ: ((أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدّاً وَهُوَ خَلَقَكَ)). قُلتُ: إِنَّ ذلِكَ لَّعَظِيمٌ، قُلتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قالَ: ((وَأَنْ تَقْتُلَ (١) قلتُ: وفي أكثر طُرُق الحديث أنَّ عيسى عليه الصلاة والسلام لم يَذْكُر لنفسه ذَنْباً. وعند الترمذي في التفسير أنه قال: إني عُبِدت من دون الله، ائتوا محمداً صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم ... إلخ. ١٩٤ كتاب تفسير القرآن وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَظْعَمَ مَعَكَ)). قُلتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قالَ: ((أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ)). [الحديث ٤٤٧٧ - أطرافه في: ٤٧٦١، ٦٠٠١، ٦٨١١، ٦٨٦١، ٧٥٢٠، ٧٥٣٢]. ٤٤٧٧ - قوله: (أَنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِك) ... إلخ، والمفاعلةُ للإشعار بِطُول معاملتِهِ مع زوجةٍ جارِهِ، حتى أَفْضَى الأَمْرُ إلى الزِّنا، يعني: "ابنى همسايه كى بيوى كيساتهه معامله لكائى ركها يهان تك كه نوبت زنا كى بهو نجى " مع أنَّ المَرْجُو من الباري هو الخيرُ، ولكنه خَلَف فيه خِلافَةَ سَوْء. ٤ - بابٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىُّ كُلُواْ مِن [٥٧] ٥٧ طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمّ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: المَنُّ صَمْغَةٌ، وَالسَّلوىَ الطَيرُ. ٤٤٧٨ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيثٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عُنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: «الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلعَينِ)) [الحديث ٤٤٧٨ - طرفاه في: ٤٦٣٩، ٥٧٠٨]. قوله: (المنَّ) نوعٌ من الصمغ "کونی کوندهی. " ٤٤٧٨ - قوله: (كَمَأة) "كهنبى"، والأسود منها سُمّ، والأبيض شِفاءٌ للعَيْن. ٥ - بابٌ ﴿وَإِذْ قُلْنَا أَدْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرِّيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجْدًا وَقُولُواْ حِظَةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْيِسِينَ ﴾﴾﴾ [٥٨] رَغَداً: وَاسِعٌ، كَثِيرٌ. ٤٤٧٩ - حدّثني مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمِنِ بْنُ مَهْدِيّ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِلِّ قَالَ: ((قِيلَ لَبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَدْخُلُواْ الْبَابَ سُبَدًا وَقُولُواْ حِظَةٌ﴾ [٥٨]. فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، فَبَدَّلوا، وَقالُوا: حِظَّةٌ، حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ)). [طرفه في: ٣٤٠٣]. قوله: (﴿حِظَةٌ﴾) "كناه اتارى. " وقال عِكْرمة: جَبْرَ، وَمِيكَ، وسَرَفِ: عَبْدُ؛ وإِيل: اللَّهُ. قلتُ: ورأيت عالِماً للتوراةٍ شَرَح هذه الأسماءَ بغيره، فقال: ((جبرئيل)) "زوروالا"، ((ميكائيل)) "بانى برموكل"، ((إسرافيل)) "صوروالا"، ((زرائيل)) "موت والا" (١). وفي (١) قلتُ: وفي آخِر مذكرة عندي: أنَّ ((الجَبْر)) بمعنى القوةِ، و((الميكا)) بمعنى الحميم، و((الإِسراف)) بمعنى مصطفى، و((العزرا)) بمعنى العُزَير. [زيادة كبد حوت] / جكر كوشه/، وقد تكلّم عليه الحافظُ، ونَقَل فيه أقوالاً، فليراجع. ١٩٥ كتاب تفسير القرآن الحديث أَنَّه: يلعبُ الحوثُ، والثَّورُ بين يدي أهلِ الجنة، فيقتل الثَّوْرُ الحوتَ بِقَرْنه، ويموتُ، ويكون ذلك نزلهم في اليوم الأول، وهكذا يقع في اليوم الثاني، فتقتل الحوثُ الثَّوْرَ، بِذَنَبِهِ، ويكون ذلك نُزْلهم (١). ٦ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾ [٩٧] وَقَالَ عِكْرِمَةُ: جَبْرَ وَمِيكَ وَسَرَافِ: عَبْدٌ. إِيل: اللَّهُ. ٤٤٨٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرِ: سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حُمَيدٌ، عَنْ أَنَسٍ قالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَم بِقُدُوم رَسُولِ اللّهِ وَل﴿ وَهُوَ فِي أَرْضٍَ يَخْتَرِفُ، فَأَتَى النَّبيَّ ◌َ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلاَثٍ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ نَبِيٍّ: فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَمَا أَوَّلُ طَعَام أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَا يَنْزِعُ الوَلَدَ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قالَ: ((أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفاً». قالَ: جِبْرِيلُ؟ قالَ: (نَعَمْ)). قالَ: ذَاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَقَرَأَ هذهِ الآيَةَ: ((﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَّهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [٩٧]. أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إِلَى المَغْرِب، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَام أَهْلِ الجَنَّةِ، فِزِيَادَةُ كَبِدِ حُونٍ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مِاءَ المَرْأَةِ نَزَعَ الوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ المَّرْأَةِ نَزَعَتْ)). قالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلاَمِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ يَبْهَتُونِي، فَجَاءَتِ اليَهُودُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيَكُمْ؟)). قَالُوا: خَيرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا. قَالَ: ((أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَم؟)). فَقَالُوا: أَعاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذلِكَ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحمَّداً رَسُولُ اللهِ. فَقَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا، وَانْتَقَصُوهُ، قالَ: فَهذا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. [طرفه في: ٣٣٢٩]. ٧ - باب قَوْلِهِ: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنِهَا﴾ [١٠٦] ٤٤٨١ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَليّ: حَدَّثَنَا يَحْيى: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَقْرَؤُنَا أُبَيٌّ، وَأَقْضَانَا عَلِيٍّ، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنَ قَوَلِ أُبِيٍّ، وَذَاكَ أَنَّ أُبَيّاً يَقُولُ: لاَ أَدَعُ شَيئاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، وَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَسَحْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنِهَا﴾ [١٠٦]. [الحديث ٤٤٨١ - طرفه في: ٥٠٠٥]. ٤٤٨١ - قوله: (﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾) ... إلخ، وقد مَرَّ أنَّ الآياتِ المنسوخةَ أَنْزَلُ (١) قلتُ: وقد مَرَّ مِن قَبْل أن الحوتَ أَصْلُ حيواناتِ البحر، والثَّوْرَ أَضْلُ حيواناتِ البَرِّ، فإِذا أراد اللَّهُ سبحانه أن يَعْدِمِ العالمِ يَعْدِمُ أَصْلَه، فَيُجْعلانِ نزلا لأُهْلِ الجنة، والله تعالى أعلمُ بالصواب. ١٩٦ كتاب تفسير القرآن رُتْبة في الإِعجاز مِن الآياتِ المُحْكَماتِ (١). ثُم إنَّ ما يَزْعُمه الناسُ مَنْسُوخاً ليس بمنسوخ عندي، لبقاء حُكْمه في الجنس، ويكون ذلك تذكاراً لِوُرُود الحُكْم في ذلك الجنس، وإنّ رُفِع الآن عنِ بَعْضٍ أنواعِه، وعليه قراءةُ الجرِّ عندي في آية المائدة: ﴿وامسَحُوا برؤوسِكم وأَرْجُلكَم﴾ فإِنَّ المَسْحَ على الأَرْجل ثابتٌ في حال التَّخَفُّف، ولولا هذه القراءةُ لانعدمت مسألةُ المَسْحِ على الخُفِّ عنِ القرآن رأساً، ففي تلك القراءةِ إيماء إلى أنَّ الأَرْجُل قد يكون لها حَظّ مِن المسح أيضاً. فبقاءُ هذا الحُكْم في الجنس هو مفادُ تلك القراءةِ، وقد قَرَّرْناه في كتاب الوضوء. ٨ - بابٌ ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَنَهُ﴾ [١١٦] ٤٤٨٢ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَينٍ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قالَ: ((قَالَ اللَّهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَّنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّ شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَداً)). ٤٤٨٢ - قوله: (وَافَقْتُ اللَّهَ في ثلاثٍ) وقد عدَّ العلماءُ موافقاتِهِ إلى عِشْرِينَ. ٩ - باب ﴿وَأَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَّى﴾ [١٢٥] ﴿مَثَابَةً﴾ [١٢٥] يَتُوبُونَ: يَرْجِعُونَ. ٤٤٨٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسِ قالَ: قالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ اللَّهَ في ثَلاَثٍ، أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلاَثٍ، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامٍ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى، وَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيكَ البَرُّ وَالفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ المُؤَمِنِينَ بِالحِجَابِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجَابِ، قالَ: وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ ◌ََّ بَعْضَ نِسَائِهِ، فَدَخَلتُ عَلَيهِنَّ، قُلتُ: إِنِ انْتَهَيتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ وَ خَيراً مِنْكُنَّ، حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسَائِهِ، قالَتْ: يَا عُمَرُ، أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ وَيهِ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ، حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ، أَزْوَجَا خَيْرًا مِّنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ [التحريم: ٥] الآيَةَ. (١) قلتُ: وقد ذهب الأشعريُّ، والباقِلانيُّ، وابنُ حِبَّان إلى المَنْع عن تفضيل بعض القرآن على بعض، لأن المَفْضُول ناقِص عن درجة الأَفْضَل، وأسماءُ اللَّهِ تعالى وصِفاتُه لا نَقْص فيها، والجمهور إلى التفضيل، وهو الذي اختاره الغَزَّالي، وحَقَّقه في ((جواهر القرآن)) وقال: إنك إنْ لم تكنْ تستطيع تُدْرِكه مِن نور بصيرتِك، فَقَلِّد فيه صاحِبَ الرسالة، فإِنَّه قال: ﴿يَس ﴾﴾ قَلْبُ القرآن، وفاتحةُ الكتاب أَفْضَلُ السُّوَر. ومنهم مَنْ قال: إنَّ هذا التفضيلَ راجِعٌ إلى مضاعفةِ الثَّوابِ والأَجْر، لا إلى نَفْس النَّظْم. قلتُ: وقد عَلِمت ما حقَّقه الشيخُ، أن الآياتِ التي نُسِخت تلاوتُها دون الآياتِ المُحكّمات في باب البلاغة. وراجع البحث في مَوْضَعه. ١٩٧ كتاب تفسير القرآن وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيى بْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنِي حُمَيدٌ: سَمِعْتُ أَنَساً، عَنْ عُمَرَ. [طرفه في: ٤٠٢]. ١٠ - بابٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِنْزَهِمُ الْقَوَاعِدَ [١٢٧ ] مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّأَ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (9َا﴾ القَوَاعِدُ: أَسَاسُهُ، وَاحِدَتُهَا قَاعِدَةٌ، ﴿وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠] وَاحِدُهَا قَاعِدٌ. ٤٤٨٤ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِيِ بَكْرٍ: أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجِ النَّبِيِّ بَِّ: أَنَّ رَسُوَلَ اللَّهِ بَيْهِقَالَ: ((أَلَمْ تَرَي أَنْ قَوْمَكِ بَنَوُا الكَعْبَةَ وَاقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟)). فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قالَ: ((لَوْلاً حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالكُفرِ)) . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هذا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ه ما أُرَى رَسُولَ اللَّهِ وَلَ تَرَكَ اسْتِلاَمَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَينِ يَلِيَانِ الحِجْرَ إِلَّ أَنَّ البَيتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. [طرفه في: ١٢٦]. ١١ - باب ﴿قُولُواْ ءَامَنَا بِالَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [١٣٦] ٤٤٨٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ: أَخْبِرَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَأُوَنَ التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ. ((لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: ﴿مَامَنَا بِلَّهِ وَمَّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾)). [الحديث ٤٤٨٥ - طرفاه في: ٧٢٦٢، ٧٥٤٢]. قوله: (﴿اَلْقَوَاعِدَ﴾ [البقرة: ١٢٧]) "نيوين. " وإنَّما ذُكِر إسماعيل عليه الصلاة والسلام بالعَطْف، لأنه كان يَرْفَع الأحجارَ، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام يَبْنِيه، فَفَصل بينهما لهذا الفَرْق. قوله: (﴿رَبَّنا تَقَبَّل مِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٧]) ... إلخ، وقد قَدَّر المفسرون لههنا، يقولان: ربنا ... إلخ، قلتُ: وهذا إعدامٌ لِغرض القرآنِ. فاعلم أنَّ طريقَ المُؤرِّخ الحكايةُ عن الغائبات، على طَوْر نَقْل الغائب عن الغائب، وطريق القرآن أنه قد يأتي لإِحضار ما في الخارج عند المتكلم، وتصويره في ذِهْنه، كأنه واقعٌ الآن، وقد فَصَّلناه مِن قَبْل. ومَنْ يَخْلِظْ بين الطريقين يَعْجِز عن إدراكِ بَعْض معاني الأَشعار أيضاً، کقوله : ١٩٨ كتاب تفسير القرآن وه كافر قبر مين مؤمن مر اشانه هلاتا هى)» «خیال خواب راحت هی علاج اس بد کمانی کا فقوله: ((علاج اس بد كمانى كا)) ليس خبراً عن قوله: ((خيال خواب راحت هى)) بل هو جملةٌ مستقِلَّةٌ، يظهر معناها عند التغيير في اللهجة. وحاصلُ البيتِ أن حبيبي يَتَّهِمُني بعد الموتِ أيضاً، فيظنُّ أَنِّي في المنام، فما أَصْنَعُ بسوءِ ظنّه ذلك، حتى أَنَّه يُحَرِّكَ كاهلي لأستيقظَ مِن نومي، وما بي مِن نومٍ، ولكني قَد مِتُّ. سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّئُهُمْ عَنْ قِبْلَئِهِمُ الَِّ كَانُواْ عَلَيْهَأَ قُل لِلَّهِ ١٢ - باب ﴾ [١٤٢] الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ٤٤٨٦ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: سَمِعَ زُهَيراً، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ِ صَلَّى إِلَىَّ بَيتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْراً، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْراً، وَكانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيتِ، وَإِنَّهُ صَلَّى، أَوْ صَلَّهَا، صَلاَةَ العَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ المَسْجِدِ وَهُمْ رَاكِعُونَ، قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيِتُ مَعَ النَّبِيِّ بََّ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَّا هُمْ قِبَلَ البَيتِ، وَكَانَ الَّذِيِ ماتَ عَلَى القِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحوَّلَ قِبَل البَيتِ رِجالٌ قُتِلُوا، لَمْ نَذْرِ ما نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اَللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمَّ إِنَ اللَّهَ بِلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [١٤٣]. [طرفه في: ٤٠]. وراجع تفسيره في ((فَتْح العزيز)). ١٣ - باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لِّنَحَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [١٤٣] ٤٤٨٧ - حدّثنا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ وَأَبُو أُسَامَةَ، وَاللَّفْظُ لِجَرِيرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِح (ح). وَقالَ أَبُو أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: ((يُدْعِى نُوحٌ بَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ:"لَبَّيِكَ وَسَعْدَيكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: هَل بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لأُمَّتِهِ: هَل بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: ما أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَيَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [١٤٣]. فَذلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾)) [١٤٣]. وَالوَسَطُ: العَدْلُ. [طرفه في: ٣٣٣٩]. أي لما كُنتم أنموذجةَ الاعتدال، فبكم يليقُ أن تكونوا مِيزاناً لانحرافِ الأُمم الآخَرِين، والوسط العدل. ومعنى التَّشْبيه: إنَّا كما جَعَلْناكم وَسَطاً في أَمْرِ القِبْلة، كذلك في الأُمور كلِّها . ١٩٩ كتاب تفسير القرآن ١٤ - باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَِّي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَبِعُ الرَّسُولَ مِمَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيَّةٍ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيَرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [١٤٣] ٤٤٨٨ - حدّثنا مُسَدَّدُ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: بَيْنَا النَّاسُ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ في مَسْجِدٍ قُبَاءٍ، إِذْ جاءَ جاءٍ فَقَالَ: أَنْزَلَّ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ بََّ قُرْآنَاً أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، فَتَوَجَّهُوا إِلَى الكَعْبَةِ. [طرفه في: ٤٠٣]. والأَرْجَحِ عندي أن المُرادَ منها بيتُ المَقْدِس. قوله: (﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ [البقرة: ١٤٣]). واعلم أن عِلْم الباري تعالى لما كان مُطابِقاً للواقع، فإِنْ كان معلومُه من الأشياءِ الخارجية أوجب عِلْمُه أن يتحقَّق ذلك الشيءُ في الخارج، كما قد عَلِمه، وإلا يَلْزم تَخَلُّفه عن الواقع، وهو مُحال، وليس في عِلْم الممكن هذا التأثيرُ: بأن يوجِب تعلّقُه به، وجودَه في الخارج، وحينئذٍ معنى قوله: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ أي ليتحقق معلومُه في الخارج، وقد مرَّ الكلام فيه مِن قَبْل. ١٥ - باب ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ فَنُوَلْيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [١٤٤] ٤٤٨٩ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ صَلى القِبْلَتَينِ غَيرِي. ١٦ - باب ﴿وَلَِّنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الَلِمِينَ﴾ [١٤٥] ٤٤٩٠ « حدّثنا خالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ: حَدَّثَنَا سُلَيمانُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: بَينَما النَّاسُ في الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ، جاءَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَأُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، أَلاَ فَاسْتَقْبِلوهَا، وَكَانَ وَجْهُ النَّاسِ إِلَى الشَّأَمِ، فَاسْتَدَارُوا بِوُجُوهِهِمْ إِلَى الْكَعْبَةِ. [طرفه في: ٤٠٣]. ١٧ - باب ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمَّ وَإِنَّ فَرِقًا مِنْهُمْ لَيَخْثُمُونَ الْحَقَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [١٤٦ - ١٤٧] ٤٤٩١ - حدّثْنَا يَحْيِى بْنُ قَزَعَة: حَدَّثَنَا مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ، إِذْ جاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَدْ أَنْزِلَّ عَلَيهِ ٢٠٠ كتاب تفسير القرآن اللَّلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأُم، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الکَعْبَةِ. [طرفه في: ٤٠٣]. ١٨ - باب ﴿وَلِكُلِّ وِجْهَةُ هُوَ مُوَلِّهَا فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ [١٤٨ ] ١٤٨) أَيَّنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ٤٤٩٢ - حدّثنا مُحمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ سُفيَانَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحاقَ قالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ نَحْوَ بَيتِ المَقْدِسِ سِنَّةَ عَشَرَ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْراً، ثُمَّ صَرَفَهُ نَحْوَ القِبْلَةِ. [طرفه في: ٤٠]. وهذا نَظَرٌ فقط، كما عَلِمت آنِفاً، إنَّ مِن الأنظار مَنْ يبقى في النظر فقط، ولا يتحقَّق في العمل، فهذا أيضاً نَظَرٌ لم يتحقَّق في العمل، إذ لا بدَّ في الصلاة من التوجُّه إلى جهة، وإنْ صحَّ اعتقاداً أنَّ الله تعالى في كلِّ جهة، فإنَّ الله متعالٍ عن الجهات، نعم قد ظهر في بعض المواضع في حق العمل أيضاً، وهو في حال التحرِّي، وفي صلاةِ الخَوْف عند شِدَّة الخَوْف، وراجع ((فتح العزيز)) مِنْ قوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمَّ﴾ [البقرة: ١٤٦]. ١٩ - باب ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ اٌلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ شَطْرُهُ: تِلِقَاؤُهُ. [١٤٩] ١٤٩ ٤٤٩٣ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: بَيْنَا النَّاسُ فَي الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ، إِذْ جاءَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ: أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، فَأُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا،َ فَاسْتَدَارُوا كَهَيئَتِهِمْ، فَتَوَجَّهُوا إِلَى الْكَعْبَةِ، وَكانَ وَجْهُ النَّاسِ إِلَى الشَّأْمِ. [طرفه في: ٤٠٣]. وفي تكرار الآية كلام مشهور، وتعرض إليه البيضاوي، وكتب عليه العلامة عبد الحكيم السيالكوتي شيئاً . ٢٠ - باب ﴿وَمِنْ حَيْثُ حَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ﴾ [١٥٠] ٤٤٩٤ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: عَنْ مالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ في صَلاَةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ، إِذْ جاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَّسُولَ اللَّهِ ◌َلِ قَذَّ أُنْزِلَ عَلَيهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأُمَ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْقِبْلَةِ. [طرفه في: ٤٠٣].