النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١
كتاب المغازي
لما عفت عن مهرها رعاية لإعتاقه إياها. فكأن العتق حل محل المهر، وهو الذي عبر عنه
الراوي بقوله: جعل عتقها صداقها. وإنما حسن هذا التعبير، لأن المهر إذا لم يتعلق به
إعطاء، ولا أخذ في الحس، وحل محله الإعتاق منه ◌َّ﴾، فكأنه كان هو المهر في
الحس، ولا بحث للراوي عن النظر الفقهي، وإنما ينقل ما شاهدته عيناه، ولم يشاهد،
إلا أن النكاح كان بدل الإعتاق في الحس. وأما ما دار في البين من الاعتبارات، فلكونها
نظراً معنوياً، لم يلتفت إليه، وإليه يشير لفظ: جعل. فإنه للانصراف عن الأصل. فكأن
العتق لم يكن مهراً، ولكنه جعل مهراً بنحو من الانصراف، كما في قوله تعالى: ﴿جعل
لكم الملائكة إناثا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ
اُلْأَرْضَ فِرَاشًا﴾، ﴿أَجَعَلَ الْآَلِمَةَ إِلَهًا وَجِدًّاً﴾ وقوله وَّ: ((إن الله لم يجعل شفاعكم فيما حرم
عليكم)) وقوله: ((ومن جعل الله همومه هماً واحداً)) ففي كلها معنى الانصراف مراعى، ثم
إنه كان أعتقها. ثم تزوجها تحصيلاً للأجرين، كما مر في ((كتاب العلم)). وفي الحديث
لفظان: الأول: أعتقها وتزوجها؛ والثاني: جعل عتقها صداقها، والأول أقرب إلى نظر
الحنفية، لأنه يدل على التزوج، بالطريق المعهود،. ومالنا أن نحمل التزوج على غير
المعروف، والمعروف هو النكاح بالمهر. وأما قوله: جعل عتقها صداقها، فظاهره مؤيد
للشافعية، وحاصل ما ذكرت أن وزانه وزان قوله :
تحية بينهم ضرب وجيع
وخيل قد دلفت لهم بخيل
مر عليه عبد القاهر. وقرر أنه ليس من باب التشبيه، ولا من الاستعارة، بل هو من
باب وضع شيء مكان شيء، وسماه بعضهم ادعاء، وليس بمرضي عندي، وقد مر
تفصيله، فالإعتاق في الحديث وضع موضع المهر - كالضرب الوجيع - موضع التحية في
القول المذكور، فاعلمه، ولا تعجل في إنكار ما لم تدركه.
ثم ما يقول(١) الشافعية فيما رواه النسائي ص ٨٦ - ج٢، عن أنس قال: تزوج أبو طلحة
واتفقوا على أن الملتقط لا يرث من اللقيط إلا ما يروى عن إسحاق بن راهويه، فحملوه على أن ميراثه يكون لبيت
=
المال، ثم يكون هذا الرجل أولى بأن يصرف إليه ذلك من جانبه، إلا أن ماله لما عاد إليها - ولو بعد هذه الاعتبارات
- عبر عنه الراوي بكونه ميراثاً لها، فإنه صار ملكاً لها آخراً، كالميراث، لم تغيره هذه الاعتبارات - فالراوي لا يراعي
التحويلات التي وقعت في البين، لأنها ربما تكون اعتبارات، ولكن يأخذ بالحاصل، وهو صنيعه في استقراض
الحيوان بالحيوان، كما مر تقريره في (البيوع)) وهذا الذي أراده من كون العتق والإسلام مهراً.
(١) وفي ((التمهيد)) قال مالك، وأبو حنيفة، وأصحابهما، والليث: لا يكون القرآن، ولا تعليمه مهراً، وهو أولى ما
قيل به في هذا الباب، لأن الفروج لا تستباح بالأموال، لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ﴾ ولذكره تعالى في
النكاح -الطول- وهو المال، والقرآن ليس بمال، ولأن تعليم القرآن من المعلم والمتعلم يختلف، ولا يكاد
يضبط، فأشبه المجهول، ومعنى أنكحتكها بما معك من القرآن، أي لكونه من أهل القرآن، على جهة =.
١٦٢
كتاب المغازي
أم سليم فكان صداق ما بينهما الإسلام، أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة، فخطبها، فقالت: إني
قد أسلمت، فإن أسلمت نكحتك، فأسلم، فكان صداق ما بينهما، اهـ. فهل يقول أحد بكون
الإسلام صداقاً .
قوله: (وفي أصحاب رسول الله (+﴿ رجل) اسمه قزبان.
قوله: (ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزا فلان الخ)، وكان شيخنا يضحك من هذا اللفظ،
ويقول: الإجزاء ههنا، كالإجزاء عند الدارقطني في قوله: ((لا تجزىء صلاة من لم يقرأ بأم
القرآن، وزعمه الشافعية أصرح حجة على أن - لا- في قوله: ((لا صلاة لمن لم يقرأ)) إلخ، لنفي
الأصل، لا لنفي الكمال، قلت: كيف يسوغ للحنفية أن يحملوا فيه الإجزاء أيضاً على نفي
الكمال؟! كما في هذا الحديث، فإن نفي الإجزاء فيه ليس إلا على نفي الكمال.
قوله: (إن الرجل ليعمل) إلخ، جاء فيه بأنواع التأكيد كلها: إن ولام التأكيد، والمضارع
للاستمرار التجددي، ففيه استغراق بليغ، وحينئذ يشكل أن كل من كان على هذه الصفة كيف
يكون من أهل النار؟! فما معنى الاستغراق؟ قلت: تقديم المسند إليه قد يكون للندرة أيضاً، كما
في قوله: إن الكذوب قد يصدق، وكذا في قوله: الشهر يكون تسعاً وعشرين، أي قد يكون،
ومن هذا الباب قوله: إن الرجل ليعمل، إلخ، وإن الله ليؤيد دينه بالرجل الفاجر، فإذن لا إشكال
في ندرته، ذكره عبد القاهر من فوائد تقديم المسند إليه، فرجعه.
قوله: (فوضع سيفه بالأرض، وذبابه بين ثدييه) وفي رواية أنه استعجل موته بسهمه .
قوله: (أربعوا على أنفسكم، أنكم لا تدعون أصم، ولا غائباً) ليس فيه النهي عن الجهر،
بل فيه كونه لغواً، لأن الذي تدعونه أقرب إليكم من حبل الوريد، فلا تلقوا أنفسكم في العناء،
ففيه إجزاء السر، لا النهي عن الجهر، وفي -البزازية والخيرية-، أن رفع الصوت بالذكر جائز،
ولعلهم رفعوا أصواتهم، لأنهم علموا من قبل أن السنة عند الصعود الرفع، وعند النزول
الخفض، ولكنهم لما بالغوا فيه نهاهم عنه .
ثم اعلم أنه أشكل عليه قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾
فإن المأمور به فيه آخر، هو المنهى عنه أولاً. فإن الجهر فقهاً هو أن تسمع من كان قريباً منك،
والمخافتة أن تسمع نفسك فقط، فما الابتغاء بين السبيلين، فإنه لا يكون إلا جهراً. فحمله بعض
على التوزيع، أي لا تجهر بصلاتك في السرية. ولا تخافت بها في الجهرية، والوجه عندي أن
التعظيم للقرآن، كما روى أنس بن مالك: زوج أم سليم أبا طلحة على إسلامه، وسكت عن المهر، لأنه معلوم أنه
=
لا بد منه، وجوز الشافعي، وأصحابه أن يكون تعليم القرآن، وسورة منه مهراً، فإن طلق قبل الدخول يرجع بنصف
أجر التعليم في رواية المزني، وقال الربيع، والبويطي: بنصف مهر مثلها لأن تعليم النصف لا يوقف على حده،
فإن وقف عليه جعل امرأة تعلمها، وأكثر أهل العلم لايجيزون ما قاله الشافعي، ودعوى التعليم على الحديث دعوى
باطل لا تصح، اهـ.
قلت: ومن ألفاظه عند النسائي، فإن تسلم فذاك مهري، لا أسألك غيره، فأسلم، فكان ذلك مهرها .
١٦٣
كتاب المغازي
الجهر في الآية هو الجهر اللغوي (بكارنا) وهو رفع الصوت دون الفقهي، فالمعنى أن لا تجهر
بصلاتك جهراً شديداً، وكذلك لا تخافت بها، بحيث لا تسمع نفسك أيضاً على ما هو المخافتة
لغة. بل اتخذ بين ذلك سبيلا، فيسمع أصحابك منك، فهذا القدر هو المأمور به في الآية، أي
الأمر بين الأمرين، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِفَةُ وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ
الْقَوْلِ﴾ ، وسيجيء تقريره في التفسير بوجه أبسط من هذا.
قوله: (لا حول ولا قوة إلا بالله) ولما كانت تلك الكلمة من الكنوز، ويليق بها الإخفاء.
والستر. لم يذكر ثوابها في الأحاديث. بخلاف التسبيح، والتحميد، والتكبير.
قوله: (فرأى طبالسة، كأنهم الساعة يهود خيبر) والطيلسان ثوب كان العرب يلقونه على
رءوسهم، وفيه دليل على أن الطيلسان كان من سيماء اليهود، فهل يكون مكروهاً؟ فحقق
السيوطي في رسالة تسمى ((بكف اللسان، عن ذم لبس الطيلسان)) استحبابه، وادعى أن الصالحين
كانوا يستعملونه، وكتب أن الشيخ ابن الهمام كان يلبسه، أما قوله : - كأنهم الساعة يهود خيبر -
. فبيان للواقع فقط، بدون إشعار منه بالكراهية، وكان الشيخ كمال الدين، أبو السيوطي أوصى
الشيخ ابن الهمام أن ينظر في أمر ابنه، ويتعاهده بعده، فكان السيوطي في حجره، وكان الشيخ
يمسح رأسه، كأنه يتأول الحديث في ذلك، فلم يلبث الشيخ أن توفي بعد برهة، فما ينقل الشيخ
السيوطي عن وقائعه، إنما هي من زمن ملازمته في تلك المدة اليسيرة.
قوله: (فأعطاه، ففتح عليه) وفي ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم الأصبهاني، أن الباب الذي
نزعه عليٍّ يوم خيبر، ورمى به، رفعه تسعة رجال بعده، وفي روايات: أربعة رجال، وفي
بعضها: اثنان، وما سوى ذلك مما اشتهرت فيه مبالغات الناس، فشطط (١) .
قوله: (حتى يكونوا مثلنا، أي مسلمين) فلا نكف عنهم القتال دونه، على حد قوله تعالى:
﴿ فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ، فَقَدِ آَهْتَدَواْ وَإِن نَوَلَوْ فَإِّا هُمْ فِ شِقَائٍِ﴾ الآية.
قوله: (أنفذ على رسلك) لما أعطى النبي ◌َّر علياً رايته يوم خيبر، بادر إلى النبي
بالسؤال عن القتال فيهم، حتى يكونوا مثله مسلمين، فهداه النبي ◌َّ إلى ما كان أحسن له منه،
وهو أن يمهلهم حتى يدعوهم إلى الإسلام، ثم علله بقوله: فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً، إلخ؛
وليس له كثير ربط مما قبله في الظاهر، لأنه لا ينافي ما قصده عليّ، والسر فيه أن رب شيء
يكون له ارتباط في الكلام من جهة السياق، والسباق، فإذا دون في الكتب رؤى غير مرتبط،
(١) قال: وذكر ابن إسحاق من حديث أبي رافع، قال: خرجنا مع علي حين بعثه رسول الله ◌َّل برايته، فضربه رجل
من اليهود، فطرح ترسه، فتناول علي باباً كان عند الحصن، فتترس به عن نفسه، حتى فتح الله عليه، فلقد رأيتني،
وأنا في سبعة، وأنا ثامنهم نجهد، على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه، وللحاكم من حديث جابر أن علياً حمل
الباب يوم خيبر، وأنه جرب بعد ذلك، فلم يحمله أربعون رجلاً، والجمع بينهما أن السبعة عالجوا قلبه،
والأربيعن عالجوا حمله، والفرق بين الأمرين ظاهر، وكان اسم الحصن الذي فتحه عليّ - القموص -، وهو من
أعظم حصونهم، اهـ، وقد علمت غير مرة أن الشيخ لم يكن يتصدى إلى وجوه التوفيق بين أوهام الرواة.
١٦٤
كتاب المغازي
لفقدان السياق، ولأن نوع الارتباط في الكلام، غير نوع الارتباط في التأليف، وبتباين النوعين
يجيء الخبط .
قوله: (يحوي لها وراءه) كان من عادتهم أنهم يشدون ثوباً على سنام البعير، ليأخذه من
يجلس خلفه .
قوله: (نهى عن متعة النساء يوم خيبر) واعلم(١) أن الرواية في إباحة المتعة على أنحاء،
يعلم من بعضها أن إباحتها كانت في تبوك (٢)، وفي بعضها أنها كانت في فتح مكة، وفي أخرى
أنها كانت يوم خيبر، والصواب أن ذكر تبوك وهم. وإنما أحلت في فتح مكة. ثم نهي عنها،
وحقق ابن القيم في ((زاد المعاد)) أن ذكر النهي عنها يوم خيبر لا يصح بحال، واشتبه عليه الحال،
حيث كان قوله يوم خيبر متعلقاً بالنهي عن لحوم الحمر فقط، فجعله متعلقاً بالنهي عن المتعة
أيضاً، كيف: وأن النساء كلهن يؤمئذ، لم يكن إلا من اليهود، والصحابة لم يكونوا يستمتعون
باليهوديات، وأما من ذكرها في حجة الوداع، فقد تكلم بكلام يشبه الأغلوطات، فإن المراد منها
متعة الحج، دون متعة النكاح، ثم إن المتعة هي نكاح بلفظ المتعة، بضرب مدة بلا شاهدين،
بخلاف النكاح المؤقت، ويحث(٣) هناك الشيخ ابن الهمام، وقال: إن المعاني الفقهية لا تدور
(١) قلت: ومما ينبغي أن يعلم أن المتعة مما وقع فيه النسخ مرتين، كالقبلة، على ما حرره النووي، حيث قال: إنه
حرمها يوم خيبر، وفي عمرة القضاء، ثم أباحها يوم الفتح للضرورة، ثم حرمها يوم الفتح أيضاً تحريماً مؤبداً،
اهـ، وبهذا تجتمع الروايات في ذلك، قال القاضي عياض: ويحتمل ما جاء من تحريم المتعة يوم خيبر، وفي
عمرة القضاء، ويوم الفتح، ويوم أوطاس أنه جدد النهي في هذه المواطن، لأن حديث تحريمها يوم خيبر
صحيح، لا مطعن فيه، بل هو ثابت من رواية الثقات والأثبات، لكن في رواية سفيان أنه نهى عن المتعة، وعن
لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، فقال بعضهم: هذا الكلام فيه انفصال، ومعناه أنه حرم المتعة، ولم يبين زمن
تحريمها، ثم قال: ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، فيكون يوم خيبر لتحريم الحمر الأهلية خاصة، ولم يبين وقت
تحريم المتعة، ليجمع بين الروايات، قال هذا القائل: هذا هو الأشبه، قال القاضي: هذا أحسن لو ساعده سائر
الروايات: عن غير سفيان، إلخ، "نووي". قال الحافظ في ((الفتح)) الظاهر أن قوله: زمن خيبر ظرف للأمرين،
وحكى البيهقي عن الحميدي أن سفيان بن عيينة كان يقول: قوله: يوم خيبر يتعلق بالحمر الأهلية، لا بالمتعة،
قال البيهقي، وما قاله محتمل، يعني في روايته هذه، وأما غيره، فصرح أن الظرف يتعلق بالمتعة، اهـ. قلت: وما
ذكره الحافظ عن سفيان هو الذي ذكره ابن القيم في ((الهدى، في فصل المتعة)) وقد بسطه من قبل في غزوة الفتح،
وهو المحرر عند الشيخ.
(٢) رواه إسحاق بن راشد عن الزهري عن عبدالله بن محمد بن علي عن أبيه عن علي، قال النووي: وهذا غلط منه،
ولم يتابعه أحد على هذا، رواه مالك في ((الموطأ)) وسفيان بن عيينة، والعمري، ويونس، وغيرهم عن الزهري،
وفيه يوم خيبر .
(٣) قلت: قال الشيخ ابن الهمام: ولا دليل لهؤلاء على تعيين كون نكاح المتعة الذي أباحه وَّر، ثم حرمه، هو ما
اجتمع فيه مادة "م-ت-ع" إلى أن قال: ولم يعرف في شيء من الآثار لفظ واحد ممن باشرها من الصحابة،
بلفظ: تمتعت بك، ونحوه، اهـ. فلينظر فيه، ثم نظرت في سجود التلاوة من "فتح القدير" لأعلم ماذا إيراده في
المسألة الثانية، فوجدته قد تعرض إلى المسألة، إلا أني لم أجد فيه إيراداً عنه، فلينظر؛ فلعله يكون في تصنيف
أخر له، أو وقع مني السهو، عند الأخذ عنه والله تعالى أعلم بالصواب.
١٦٥
كتاب المغازي
على خصوص الحروف، فإذن لا فرق بين المتعة والنكاح المؤقت، لكونهما عبارتين عن معنى
واحد، وقد قال نحوه في موضع آخر، وهي مسألة أداء السجدة بهيئة الركوع، وتمسك لها
الحنفية بما في القرآن من قصة سجدة داود عليه الصلاة السلام، بأن القرآن عبر عن سجوده
بالركوع، فدل على أن الركوع ينوب عن السجود، ونعم الاستنباط هو، لكن الشيخ لم یرض به،
واعترض عليه بأن المراد من الركوع إذا كان هو السجود، فبقي لفظ ـ الراء، والكاف، والواو،
والعين - حشواً بمعزل عن النظر، فلا يصح التفريع المذكور؛ قلت: والصواب عندي أن
الاستنباط لطيف لطيف، وبحث الشيخ ساقط، أما أولا فلأن شأن القرآن أرفع من أن لا يؤخذ
بتعبيره، وأما ثانياً، فلأنا قد رأيناهم اعتبروا بالألفاظ في باب النكاح، ولم ينظروا فيه إلى مجرد
المسمى، فحكموا بانعقاد النكاح من بعض الألفاظ دون بعض، فدل على أن بعض الأحكام
يدور على الألفاظ أيضاً، فسقط بحث الشيخ، ثم إن المتعة منسوخة إجماعاً، وما نسب إلى ابن
عباس، فليس(١) بمحقق أيضاً، قلت: وما ظهر لي في هذا الباب، وإن لم يقله أحد قبلي أن
المتعة بالمعنى المعروف لم تكن في الإسلام قط، ولكنها كانت نكاحاً بمهر قليل، لا بنية
الاستدامة، بل بإضمار الفرقة في النفس بعد حين، والظاهر أن تحديد المهر بعشرة دراهم كان
بعده. وهذا النوع من النكاح يجوز اليوم أيضاً، إلا أنه يحظر عنه ديانة، الإضمار نية الفرقة،
ويؤيده ما عند الترمذي: ص١٣٣ - ج١ عن ابن عباس بإسناد فيه كلام، كان الرجل يقدم البلدة
ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم، فتحفظ له متاعه، وتصلح له شيئه، فهذا
صريح في أنه كان نكاحاً، مع إضمار الفرقة، وأما التخصيص بثلاثة أيام، كما في بعض
الروايات، فليس لما فهموه، بل الوجه فيه أن المهاجرين لم يكونوا رخصوا في إقامتهم بمكة بعد
الحج، فوق ذلك، فجاء إجازة المتعة لثلاثة أيام لهذا، لا لأن المتعة أحلت لثلاثة أيام، فليس
الفرق إلا أن النكاح مع نية عدم الاستدامة كان مرخصاً في أول الأمر، ثم عاد الأمر إلى أصله
كما كان، ولم يرخص فيه أيضاً؛ فهذا هو المتعة عندي، أما إن المتعة بالمعنى الذي زعموه، فما
(١) قلت: روى الترمذي عنه قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام، حتى نزلت الآية ﴿إِلَّا عَلَىَّ أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَنُهُمْ﴾ قال ابن عباس: فكل فرج سواهما، فهو حرام، وفي ((المرقاة)) يقول سعيد بن جبيرحين قال له: لقد
سارت بفتياك الركبان، وقال فيها الشعراء، قال ابن عباس: وما ذاك؟ قال قالوا :
قد قلت للشيخ لما طال مجلسه :
يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس؟
تكون مثواك حتى مصدر الناس؟
وهل لك في رخصة الأطراف آنسة،
فقال: سبحان الله! ما بهذا أفتيت، وما هي إلا كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، ولا يحل إلا للمضطر، وهكذ ذكره
الخطابي في ((معالم السنن)) ص ١٩٣، ثم قال الخطابي: إنه سلك فيه مذهب القياس، وشبه بالمضطر إلى الطعام،
وهو قياس غير صحيح، لأن الضرورة في هذا الباب لا تتحقق، كهي ـ في باب الطعام - الذي به قوام الأنفس،
وبعدمه يكون التلف، وإنما هذا من باب غلبة الشهوة، ومصابرتها ممكنة، وقد تحسم مادتها بالصوم والعلاج،
فليس أحدهما في حكم الضرورة، کالآخر.
ونقل الخطابي قبيل هذا أن ابن عباس كان يتأول في إباحته للمضطر إليه بطول الغربة، وقلة اليسار، والجدة، ثم
توقف عنه، وأمسك عن الفتوى به.
١٦٦
كتاب المغازي
لا أراه أن يكون أبيح في الإسلام قط، وقال بعضهم في فسخ الحج إلى العمرة أيضاً نحوه،
فأنكروه رأساً، كما أنكرت المتعة في الإسلام، غير أني تفردت بإنكار المتعة، أما في فسخ الحج
إلى العمرة، فقد سبق فيه ناس قبلي بمثله، واختار الجمهور أنه كان، ثم نسخ.
قوله: (ورخص في الخيل) وهي حرام عند مالك، مباح عند الشافعي، وأحمد. ومكروه (١)
عند فقهائنا، إما كراهة تحريم، كما هو عند محدثينا، أو كراهة تنزيه كالضب عند مشايخنا،
وللثاني دليل عند أبي داود، وإسناده ليس بساقط عن خالد بن الوليد أن رسول الله بَّ نهى عن
أكل لحوم الخيل، وفي إسناده بقية، إلا أن روايته عن الشاميين مقبولة، وهي ههنا عن الشاميين،
على أن البخاري أيضاً حسن روايته في موضع، غير أن فيها تصريح بالتحديث، وههنا معنعنة،
قلت: والأولى عندي أن يكون لحم الخيل، والضب، والضبع كلها بين كراهة التنزيه،
والتحريم، وهذه مرتبة ذكرها صدر الإسلام أبو اليسر.
قوله: (لأنها كانت تأكل العذرة) مع أنه قد مر في متن الحديث تعليله { 8* بكونه رجماً،
وقد أخرج ابن عباس فيه احتمالاً آخر، يجيء عند البخاري بعد ثلاثة أحاديث، قال: لا أدري
أنهى عنه رسول الله وَّر من أجل أنه كان حمولة الناس، فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرم، في
يوم خيبر لحم الحمر الأهلية، اهـ. فاختلف الصحابة في تعليل النهي على ثلاثة أوجه، فذهب
بعضهم إلى أن النهي كان، لأنها كانت تأكل العذرة، وقال قائل: إنه لمخافة أن تذهب حمولة
الناس، وقيل: بل لكونها لم تخمس، مع أنه قد مر عن النبي وَّر نفسه أنها رجس.
قوله: (قسم رسول الله وَّ﴿ يوم خيبر، للفرس سهمين، وللراجل سهماً) وظاهره موافق
للجمهور، وإمامناً متفرد فيه، وأطنب الكلام الزيلعي في -تخريج الهداية-؛ قلت: والذي يتنقح
بعد المراجعة إلى الألفاظ أنه أعطى للفرس سهمين، وللفارس ثالثها، وإن كان ظاهر تقابل
(١) قال الطحاوي: ففي حديث خالد النهي عن لحوم الخيل، فأما أكثر الآثار المروية في لحوم الخيل، والصحيح منها،
فما روي في إباحة أكل لحومها، ثم نقل بالإسناد عن أبي حنيفة، قال: أكره لحوم الفرس، وجعل ذلك مقتضى
القياس، حيث أن الأنعام المأكولة ذوات خفاف وأظلاف، والحمر الأهلية والبغال ذوات حوافر، وقد نهينا عن أكل
لحومها، وكان الخيل المختلف في أكل لحومها ذوات حوافر، فكان أشبه بالحمر، والبغال، ثم نقل عن مالك أنه
قال: أحسن ما سمعت فيها أنها لا تؤكل، لأنه تعالى قال: ﴿وَالْخَيَّلَ وَلْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُهَا وَزِينَةٌ﴾ وقال تعالى في
الأنعام: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْهٌ وَمَنَفِعُ رَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ اللَّهِ فِىِّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَتٍ عَلَى مَا
رَزَقَّهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ ﴾ ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآيِسَ الْفَقِيَرَ﴾ قال مالك: فذكر الله عز وجل الخيل، والبغال،
والحمير للركوب والزينة، وذكر الأنعام للركوب والأكل منها، وقال مالك: وذلك الأمر عندنا، وأما أبو يوسف،
ومحمد فذهبا إلى إباحة أكل لحومها، قال الطحاوي: وفيما احتج به مالك نظر، لأن كونها مخلوقة للركوب
والزينة، لا ينافي كونها مخلوقة للأكل، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ ﴿ إِلَّا مَن تَحِمَ رَبُّكَّ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
فلم يكن ذلك مانعاً أن يكون خلقهم لغير ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ أَلِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وفي حديث أبي
هريرة أنه بينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، التفتت إليه البقرة، فقالت: إني لم أخلق لهذا، إنما خلقت للحرث،
اهـ. ولم يمنع ذلك كونها مخلوقة للأكل أيضاً كذلك، فليقس عليه أمر الخيل اهـ.
١٦٧
كتاب المغازي
الفرس بالراجل يقتضى أن يكون المراد منه الفارس بفرسه، وقد أجاب الناس عن بأنحاء،
والأقرب (١) عندي أن يحمل على التنفيل، وهذا الباب غير منضبط، يتخير فيه الإمام أن ينفل بما
شاء إلا إذا رجع إلى دار الإسلام، فإنه ليس له أن ينفل إلا في الخمس، لتعلق حق الغانمين في
أربعة. أخماس، ولنا ما عند أبي داود في حديث مجمع بن جارية، أن خيبر قسمت على أهل
الحديبية، فقسمها رسول الله وَلٍّ على ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة، فيهم
ثلاثمائة فارس فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً، اهـ. ولا يستقيم (٢) الحساب
المذكور إلا على مذهب أبي حنيفة، لأن سهام الفرسان على تقرير الجمهور تكون تسعة، وسهام
الرجالة اثنا عشر. فالمجموع يكون واحداً وعشرين، مع أنه كان قسمه على ثمانية عشر سهماً .
فلا يكون للفارس إلا ستة أسهم، لكل مائة سهمان: فإن قلت: وما في البخاري من التقسيم
يخالفه، قلت: وقد تكلمنا عليه مرة ونقول الآن: إن ماعند أبي داود، ففيه قصة مفصلة، فتدل
على أن الراوي قد حفظها ألبتة، فينبغي أن تراعى أيضاً، أما المحدثون فلا بحث لهم عن هذه
الأمور، وإنما همهم في النظر إلى حال الأسانيد فقط، ولا ريب أن الأسانيد أيضاً مهمة، إلا أن
قصر الأنظار عليها، وقطع النظر عن القرائن، ليس من الطريق الصواب، بل قد عاد مضرة، فإذن
نقول: إن ما يذكره الراوي في أبي داود، هو حال قسمة أراضي خيبر، ولما كان العقار أعز
الأموال، روعي في قسمتها الأصل، ولم يسامح فيها، وأما قسمة العروض والمنقولات. فكما
في البخاري: أعطي منها للفارس ثلاثة ثلاثة، لكونها مما يجري فيه التسامح، فإنها غادية
ورائحة .
قوله: (إنما بنو هاشم، وبنو المطلب شيء واحد) كان بنو هاشم، وبنو المطلب، ونوفل،
(١) قلت: وهذا الجواب اختاره الرازي في ((أحكام القرآن)) وقال: إن السهم الزائد كان على وجه النفل، كما روى
سلمة بن الأكوع، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطاه في غزوة ذي قرد سهمين: سهم الفارس، والراجل،
وهو كان راجلاً يومئذ، وكما روي أنه أعطى الزبير يومئذ أربعة أسهم، وهذه الزيادة كانت على وجه النفل
تحريضاً لهم على إيجاف الخيل، ثم إن رواية مجمع بن جارية يعارضها ما روي عن ابن عباس، قال: قسم
رسول الله ◌ِ الريوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم، إلخ، ويمكن الجمع بينهما بأن يكون قسم لبعض الفرسان سهمين،
وهو المستحق، وقسم لبعضهم ثلاثة أسهم، وكان السهم الزائد على وجه النفل، وأما ما روي عن ابن عمر
مرفوعاً: للفارس ثلاثة أسهم، فقط روي عنه خلافه أيضاً، ويمكن الجمع أن يكون أعطى سهمين، وهو
المستحق، ثم أعطاه في غنيمة أخرى، ثلاثة أسهم، وكان الزائد على وجه النفل، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه
وسلم لا يمنع المستحق، وجائز أن يتبرع بما ليس بمستحق على وجه النفل، اهـ. ملخصاً، ومختصراً؛ قلت:
واحتج العيني بروايات فيها الواقدي، مع نقل توثيقه من علماء هذا الشأن: ص ٦٠٦ - ج٦ "عمدة القاري"، وقد
تكلمنا عليه في الجهاد - في باب سهام الفرس وذكرنا فيه ملخص كلام المارديني، فراجعه، فإنه أيضاً مهم.
(٢) قال ابن الملك: وهذا مستقيم على قول من يقول: لكل فارس سهمان، لأن الرجالة على هذه الرواية تكون ألفاً،
ومائتين، ولهم اثنا عشر سهماً، لكل مائة سهم، وللفرسان ستة أسهم، لكل مائة سهمان، فالمجموع ثمانية عشر
سهماً، وأما على قول من قال: للفارس ثلاثة أسهم، فمشكل، لأن سهام الفرسان تسعة، وسهام الرجالة اثنا
عشر، فالمجموع أحد وعشرون سهماً .
١٦٨
كتاب المغازي
وعبد شمس أربعة إخوة، وكان الأولان منهم حلفاء فيما بينهم، من زمن الجاهلية إلى الإسلام،
وكذلك بنو نوفل، وعبد شمس كان أحدهما ردءاً للآخر، ولما لم يكن عثمان هاشمياً، ولا
مطلبياً، لم يقسم له النبي وَ ل﴾، وقال: إني قسمت للمطلبي، لأن المطلبي، والهاشمي موالي
بعضهم لبعض، بخلاف النوفلي، والعبدي.
قوله: (ومنهم حكيم) إلخ، أي رجل حكيم (مرددانا)، فذكر من حزمه أنه كان إذا لقي
العدو، ورّى بما في الحديث، واستنقذ نفسه منهم.
قوله: (شراك، أو شراكين من نار) واعلم أن الشيء قد يكون موصوفاً بالنارية، ثم لا يكون
صاحبه هالكاً، وذلك لخطأ في اجتهاده، أو لعارض غير ذلك، ألا ترى أن هذا الرجل قد جاء
بالشراك، أو الشراكين، فقد تاب توبة نصوحاً، فكيف يكون من أصحاب النار، فهذا في
الحقيقة وصف تحقق في جنسه، وإن تخلف عن خصوص هذا الموضع لعارض، ونظيره ما في -
مستدرك الحاكم - أن رجلاً جاء النبي ◌َّليّ فسأله مرة بعد أخرى، فأعطاه كل مرة فلما أدبر
الرجل، قال: السؤال جمرة من النار، فمن شاء فليستقل، ومن شاء فليستكثر (بالمعنى)، فلا
ريب أن شأن السؤال كان كما أخبره، أما هذا الرجل خاصة، فيمكن أن يكون عفى عنه لأمر
خاص به، ونظيره مسألة قضاء القاضي بشهادة الزور، ويجيء تقريرها في محلها، فقد ورد فيه أن
بعضكم ألحن من بعض في حجته، فمن أقطع له من أخيه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من النار،
فهذا أيضاً وصف باعتبار الجنس، ويمكن أن تتخلف عنه النارية، لأجل خصوص حكم
النبي ◌َل﴾، ولكنه يوصف بالنارية في الحالة الراهنة أيضاً، لا بمعنى تحقق هذا الوصف في
خصوص هذا المقام. بل بمعنى تحققه في الجنس، والشيء قد يتصف باعتبار حاله في الجنس
أيضاً، ومن هذا الباب قوله وَلثر، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها، وصف للفاتحة باعتبار تحققها
في جنس صلاة المصلي، لا باعتبار المقتدى خاصة، كما قررنا سابقاً فتذكره. أما مسألة قضاء
القاضي، فيجيء بيانها في آخر الكتاب.
قوله : (بياناً) (بي جائداد) وكذلك الخيار في الأراضي المفتوحة، إلى الإمام عندنا إن شاء
قسمها بين الغانمين أيضاً، كالمنقولات. وإن شاء أمسكها .
قوله: (كما قسم خيبر) وفي أراضي خيبر تدافع بين كلامي صاحب "الهداية"، فكتب في
السير أن خيبر كان قسم بين الغانمين، وفي المزارعة أنه كان فيه خراج المقاسمة، قلت:
والأرض في خراج المقاسمة تكون لمن زرعها، فدل على أن أرضه لم تكن قسمت بينهم، بل
كانت باقية على أملاك أهل خيبر، وأجاب عنه شيخ الهند أن أراضيه، وإن كانت لبيت المال،
ولكنه عومل معهم كما يعامل مع المالكين، فحدثت صورة خراج المقاسمة، وحاصله أن خراج
المقاسمة، لم يكن حقيقة بل صورة، وراجع التفصيل من ((المبسوط)).
قوله: (هذا قاتل ابن قوقل) وابن قوقل صحابي، وكان أبان قتله في الجاهلية.
قوله: (وبر) حیوان له صوف.
قوله: (قدوم الضأن) اسم جبل كان أبو هريرة يسكن عنده.
١٦٩
كتاب المغازي
قوله: (حزم) (تنك).
قوله: (فوجدت) (ملال ليا).
قوله: (ولم يؤذن بها) لأنها كانت أوصت به.
قوله: (فهجرته، ولم تكلمه) أي في ذلك الأمر، ولكن لم يذهب الشارحون إلى هذا
المعنى. ولو ذهبوا إليه لتخلصوا عن إشكال الجهال.
قوله: (ولم ننفس عليك) (هم ني ريس نهين کی).
قوله: (موعدك العشية للبيعة) قال الأشعري: إنه يكفي للبيعة الرجل، والرجلان، فإن كان
على تأخر عن بيعة أبي بكر، فقد كان ألوف من الصحابة قد بايعوه، وأما وجه تأخر علي عن
بيعته، فما في البخاري أنه أحس من أبي بكر استبداداً في أمر الخلافة، وكان له طمع أن يدخل
هو أيضاً في المشورة لقرابته من رسول الله ؤلّر، كما في البخاري: ص ٦٠٩ - طبع الهند -،
تشهد علي، فقال: إنا قد عرفنا فضلك، وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك،
ولكنك استبددت علينا، الخ. وما كان لأبي بكر أن يستبد فيه، ولذا لما سمع من مقالته فاضت
عيناه من شدة الوجد، ويعلم من تفسير "الإتقان" وجه آخر، وقد أخرج فيه السيوطي أثراً،
وصححه أن علياً كان حلف بعد وفاة رسول الله وسلم أنه لا يخرج من البيت حتى يجمع القرآن،
فكان فيه إلى ستة أشهر، وهو مدة حياة فاطمة بعد النبي ◌َّر، وهذا يدل على أن عدم خروجه إلى
البيعة كان لأمر آخر.
باب استعمال النبي لة على أهل خيبر
قوله: (بع الجمع بالدراهم) وفيه حيلة لإسقاط الربا، فهذا أصل لجواز الحيل، لا يمكن
إنكاره، كما لا يمكن القول بجواز جميعها، وقد بحث فيه الفقهاء، قلت: وذلك خارج عن
وسعنا، فإنا لا نقدر أن نعين مراتب الجواز وعدمه، مع القطع بجواز بعضها دون بعض، فهو
موكول إلى رأي المجتهدين، وراجع لفظ الخطابي من "المشكاة"، وعقد قاضي خان باباً
مستقلاً لحيل الربا، وهو من أجلة أصحاب التصحيح، والترجيح ذكره العلامة القاسم في كتاب
((التصحيح والترجيح)).
صَلى الله
وستكم
باب الشاة التي سمت للنبي
وكان بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم أيضاً مع النبي ◌ّلّر على ذلك الطعام، فتوفي
منهم رجل، ولكن النبي وَلُّ بقي حياً، واستكمل حياته التي كتبها الله له، حتى ظهر أثره في آخر
عمره، فوجد منه انقطاع أبهره، وحصلت له الشهادة (١) الباطنية.
(١) أخرج الحافظ في - باب مرض موت النبي ﴿ - عن الواقدي قصة الشاة التي سمّت. فقال في آخرها: وعاش
بعد ذلك ثلاث سنين، حتى كان وجعه الذي قبض فيه، وتوفي شهيداً، اهـ: ص٩٢ - ج٨ ((فتح الباري)) =
١٧٠
كتاب المغازي
وكان بعضُ الصحابة رضي الله تعالى عنهم أيضاً مع النبيِّ مََّ على ذلك الطعام،
فَتُوُقِّي منهم رجلٌ، ولكن النبيَّ ◌َُّ بقي حيّاً، واستكمل حياته التي كَتَبَهَا اللَّهُ له، حتَّى
ظَهَرَ أثره في آخر عمره، فوجد منه انقطاع أَبْهَرِهِ، وحَصَلَتْ له الشهادةُ الباطنيةُ، إذ لم
تكن الشهادةُ الظاهريةُ تُنَاسِبُ له، فَأَبْدَلَهُ الله تعالى تلك بتلك. وفي ((مجمع البحار(١)))
تحت لفظ التوفِّي، ذيل تلك الحادثة: أن الصحابةَ الذين أَكَلُوا معه الشاةَ المسمومةَ،
توقُّوا، فَدَلَّ على وفاة أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم الآكلين، مع أن في
الرواية وفاةُ رجلٍ منهم. قلتُ: إن التوفِّي بمعنى إكمال العمر، فليس التوقِّي في حقّهم
بمعنى أنهم ماتوا، بل بمعنى أنهم كمَّلُوا أعمارَهُم، وأُخِّرُوا إلى آجالهم، فاندفع
التعارض .
وَوَفاتِهِ
ـَى اللّه
٨٥ - باب مَرَضِ النَّبِيِّ
وَبيَّلم
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُمْ قَبْتُونَ (٣٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْصِمُونَ
[الزمر: ٣٠ - ٣١] .
٤٤٢٨ - وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كانَ
النَّبِيُّ ◌َّهَ يَقُولُ في مَرَضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ: ((يَا عَائِشَةُ، ما أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي
أَكَلِتُ بِخَيَرَ، فَهذا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذلِكَ السُّمِّ».
٤٤٢٩ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ
اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنْ أَمِّ الفَضْلِ بِنَّتِ الحَارِثِ
قالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وََّ يَقْرَأْ في المَغْرِبِ بِالمُرْسَلاَتِ عُرْفاً، ثُمَّ مَا صَلَّى لَنَا بَعْدَهَا حَتَّى
قَبَضَهُ اللَّهُ. [طرفه في: ٧٦٣].
ملخصاً؛ قلت: قد ثبت إطلاق التوفي على الشهادة أيضاً، كما في "المشكاة" في الفصل الثالث من أشراط الساعة،
=
برواية البيهقي عن جابر، قال: فقد الجراد في سنة من سني ٧ عمر التي توفي فيها، الخ. وقد علم أنه توفي وفاة
شهادة، زكذا ورد في والد جابر أن أبي توفي، مع أن والده استشهد في أحد، أخرجه البخاري في ((باب إذا وكل
رجلاً أن يعطى شيئاً».
(١) قلت وفي تكلمة مجمع البحار للشيخ محمد طاهر، في مادة -وفا- وتفي أصحابه الذين أكلوا الشاة ظاهره لا
يلائم ما روي أنه لم يصب أحداً منهم بشيء. اهـ. ص١٧٦ - ج٤؛ قلت: والذي يعلم من - الفتح - أنه توفى منهم
رجل، وهو بشر بن البراء، وكان أكل مع النبي ◌َّر، وأساغ لقمته، وأمسك بقية أصحابه، لكن عند أبي داود،
والدارمي، كما في "المشكاة - من باب المعجزات" عن جابر، فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، فقال
رسول الله ور: ارفعوا أيديكم، وفيه: وتوفى أصحابه الذي أكلوا من الشاة، اهـ. ثم إنهم اختلفوا في قتل تلك
اليهودية التي سمت، على عدة أقوال بسطها العيني: ص١٩٦ - ج٧ من "كتاب الجهاد"، وتعرض إليه الحافظ في
"الفتح " أيضاً، فراجعه.
١٧١
كتاب المغازي
٤٤٣٠ - حدّثنا مُحمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيرٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قالَ: كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُذْنِيَ ابْنَ عَبَّاسِ، فَقَالَّ لَهُ عَبْدُ
الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ: إِن لَنَا أَبْنَاء مِثْلَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ حَيثُ تَعْلَمُ، فَسَأَلَ عُمَرَّ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ
٥﴾. فَقَالَ: أَجَلُ رَسُولِ اللهِ نَّهِ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ،
فَقَالَ: ما أَعْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ ما تَعْلَمُ. [طرفه في: ٣٦٢٧].
هذهِ الأَيَةِ: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ
٤٤٣١ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ
قالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: يَوْمُ الخَمِيسِ، وَما يَوْمُ الخَمِيسِ؟ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ وَّ
وَجَعُهُ، فَقَالَ: ((اثْتُونِيَ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابَاً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً)) فَنَازَعُوا، وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدَ
نَبِيّ تَنَازُعٌ، فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ، أَهَجَرَ، اسْتَفْهِمُوهُ؟ فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيهِ، فَقَالَ: ((دَعُونِي،
فَالَّذِي أَنَّا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيهِ)). وَأَوْضَاهُمْ بِثَلاَثٍ، قالَ: ((أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ
مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفَدَ بِنَحْوِ ما كُنْتُ أُجِيزُهُمْ))، وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أَوْ
قالَ: فَنَسِيتُهَا. [طرفه في: ١١٤].
٤٤٣٢ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ:
لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ وَفِي البَيتِ رِجَالٌ، فَقَّالَ النَّبِيُّ ◌َلَ: ((هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ
كِتَاباً لاَ تَضِلُوا بَعْدَهُ)). فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَيْهِ قَدْ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ
القُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ. فَاخْتَلَفَ أَهْلُ البَيتِ وَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا
يَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ غَيرَ ذلِكَ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ
وَالإِخْتِلاَفَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ﴿: ((قُومُوا)). قالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسِ:
إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ، ما حالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذلِكَ الكِتَابِ،
لإِخْتِلاَفِهِمْ وَلَغَطِهِمْ. [طرفه في: ١١٤].
٤٤٣٣، ٤٤٣٤ - حدّثنا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ بْنٍ جَمِيلِ اللَّحْمِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ
سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَاَ قالَتْ: دَعا النَّبِيُّ مَلِ فاطمَةَ
عَلَيْهَا السَّلاَمُ في شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، فَسَارَّهَا بِشَيءٍ فَبَكَتْ، ثُمَّ دَعاهَا فَسَارَّهَا
بِشَيءٍ فَضَحِكَتْ، فَسَأَلِنَا عَنْ ذلِكَ، فَقَالَتْ: سَارَّنِي النَّبِيُّ وَِّ أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجْعِهِ
الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَبَكَيتُ، ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِهِ يَتْبَعُهُ، فَضَحِكْتُ. [طرفه
في: ٣٦٢٣، ٣٦٢٤].
٤٤٣٥ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ،
١٧٢
كتاب المغازي
عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ: لاَ يَمُوتُ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَسَمِعْتُ
النَّبِيَّ ◌َّهِ يَقُولُ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ، يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾
[النساء: ٦٩] الآيَةَ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ. [الحديث ٤٤٣٥ - أطرافه في: ٤٤٣٦، ٤٤٣٧، ٤٤٦٣، ٤٥٨٦،
٦٣٤٨، ٦٥٠٩].
٤٤٣٦ - حدّثنا مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: لَمَّا
مَرِضَ النَّبِيُّ نَّمِ المَرَضَ الذِي ماتَ فِيهِ، جَعَلَ يَقُولُ: ((في الرَّفِيقِ الأَعْلَى)). [طرفه في: ٤٤٣٥].
٤٤٣٧ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: إِنَّ
عائِشَةَ قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ وَهُوَ صَحِيحٌ يَقُولُ: ((إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٍّ فَظُ حَتَّى يَرَى
مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُحَيَّ، أَوْ يُخَيَّرَ))، فَلَمَّا اشْتَكَى وَحَضَرَهُ القَبْضُ، وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذٍ
عَائِشَةَ غُشِيَ عَلَيهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ شَخَصَ بَصَرُهُ نَحْوَ سَقْفِ البَيتِ ثُمَّ قالَ: ((اللَّهُمَّ في الرَّفِيقِ
الأَعْلَى)). فَقُلتُ: إِذاً لا يُجَاوِرُنَا، فَعَرَفتُ أَنَّهُ حَدِيثُهُ الَّذِي كان يُحَدِّثُنَا وَهُوَ صَحِيحٌ. [طرفه
في : ٤٤٣٥].
٤٤٣٨ - حدّثنا مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، عَنْ صَخْرِ بْنِ جُوَيرِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
القَاسِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِيِ بَكْرٍ عَلَىَ
النَّبِيِّ بَّهِ وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ سِوَاكِ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَأَبَدَّهُ رَسُولُ
اللَّهِ وَِّ بَصَرَهُ، فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ فَقَصَمْتُهُ، وَنَفَضْتُهُ وَطَيَّْتُهُ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ فَاسْتَنَّ
بِهِ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَِّ اسْتَنَّ اسْتِنَاناً قَطْ أَحْسَنَ مِنْهُ، فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللهِ وَ
رَفَعَ يَدَهُ أَوْ إِصْبَعَهُ ثُمَّ قالَ: ((في الرَّفِيقِ الأَعْلَى)). ثَلاَثاً، ثُمَّ قَضَى، وَكانَتْ تَقُولُ: ماتَ
وَرَأْسُهُ بَيْنَ حاقِنَتِي وَذَاقِنَّتِي. [طرفه في: ٨٩٠].
٤٤٣٩ - حدّثني حِبَّانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ قالَ:
أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهَ كَانَ إِذَا اشْتَكِى نَفَثَ
عَلَى نَفْسِهِ بِالمعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ، فَلَمَّا اشْتَكَى وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، طَفِقْتُ أَنْفِتُ
عَلَى نَفسِهِ بِالمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كَانَ يَنْفِثُ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ وَلَهَ عَنْهُ. [الحديث ٤٤٣٩ - أطرافه
في: ٥٠١٦، ٥٧٣٥، ٥٧٥١].
٤٤٤٠ - حدّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ
عُرْوَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزّبَيرِ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ◌ََّ،
وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَهُوَ مُسْنَدٌ إِلَيَّ ظَهْرَهُ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي
وَأَلحِقْنِي بِالرَّفِيقِ)). [الحديث ٤٤٤٠ - طرفه في: ٥٦٤٧].
١٧٣
كتاب المغازي
٤٤٤١ - حدّثنا الصَّلتُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِلاَلِ الوَزَّانِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ
الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َيهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: ((لَعَنَ
اللَّهُ اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)). قالَتْ عَائِشَةُ: لَوْلاَ ذلِكَ لأُبْرِزَ قَبْرُه، خَشِيَ أَنْ
يُتَّخَذَ مَسْجِداً .
٤٤٤٢ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيرٍ قالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قالَ: حَدَّثَنِي عُقَيلٌ، عَنِ ابْنِ
شِهَابِ قالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ عائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ
قالَتَْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللّهِ بِّهِ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَّعُهُ، اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ في بَيْتِي،
فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ وَهُوَ بَيْنَ الرَّجُلَينِ تَخُظُ رِجْلاَهُ فِي الأَرْضِ، بَينَ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ.
قالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ بِالَّذِي قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ:
هَل تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عائِشَةُ؟ قالَ: قُلتُ: لاَ، قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ
عَلِيٌّ .
وَكَانَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ وَ تُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَمَّا دَخَلَ بَيْتِي وَاشْتَدَّ بِهِ
وَجَعُهُ قالَ: ((هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْع قِرَبٍ، لَمْ تُحْلَل أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ)) .
فَأَجْلَسْنَاهُ في مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ بَِّ، ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ تِلكَ القِرَبِ، حَتَّى
طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا بِيَدِهِ: ((أَنْ قَدْ فَعَلَتُنَّ)). قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَصَلَّى لَهُمْ وَخَطَبَهُمْ.
[طرفه في: ١٩٨].
٤٤٤٣، ٤٤٤٤ - وَأَخْبَرَنِي عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ: أَنَّ عائِشَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالاَ: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَّةِ، طَفِقَ يَظْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ،
فَإِذَا اَغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذلِكَ: ((لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا
قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)). يُحَذِّرُ ما صَنَعُوا. [طرفاه في: ٤٣٥، ٤٣٦].
٤٤٤٥ - أَخْبَرَنِي عُبَيدُ اللَّهِ: أَنَّ عَائِشَةَ قالَتْ: لَقَدْ رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّه فِي ذلِكَ،
وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةٍ مُرَاجَعَتِهِ إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ في قَلِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلاً قَامَ
مَقَامَهُ أَبَداً، وَلاَ كُنْتُ أُرَى أَنَّهُ لَنْ يَقُومَ أَحَدٌ مَقَامَهُ إِلاَّ تَشَاءَمَ النَّاسُ بِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَعْدِلَ
ذلِكَ رَسُولُ اللَّهِ وَجْ عَنْ أَبِي بَكْرٍ .
رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو مُوسى وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ وَلَّهِ. [طرفه في:
١٩٨].
١٧٤
كتاب المغازي
٤٤٤٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الهَادِ، عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمُنِ بْنِ القَاسِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: ماتَ النَّبِيُّ وَّهِ وَإِنَّهُ لَبَيْنَ حاقِنَتِي
وَذَاقِنَنِي، فَلاَ أَكْرَهُ شِدَّةَ المَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَداً بَعْدَ النَّبِيِّ ◌َِّ. [طرفه في: ٨٩٠].
٤٤٤٧ - حدّثنِي إِسْحاقُ: أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيبٍ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي
عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكَ الأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ كَعْبُ بْنُ
مالَكِ أَحَدَ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تِيْبَ عَلَيهِمْ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبِرَهُ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي
طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ لَيهِ فِي وَجْعِهِ الَّذِي تُوَفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ
النَّاسُ: يَا أَبَا حَسَنٍ، كَيفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ بِ؟ فَقَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئاً،
فَأَخَذَ بِيَدِهِ عَبَّاسُ بٌّْ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ وَاللَّهِ بَعْدَ ثَلاَثٍ عَبْدُ العَصَا، وَإِنِّي
وَاللَّهِ لَأَرَى رَسُولَ اللَّهِ وَيْهِ سَوْفَ يُتَوَفَّى مِنْ وَجَعِهِ هذا، إِنِّي لأَغْرِفُ وُجُوهَ بَنِي عَبْدِ
المطَّلِبِ عِنْدَ المَوْتِ، اذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ فَلَسْأَلهُ فِيمَنْ هَذا الأَمْرُ، إِنْ كانَ
فِينَا عَلَمْنَا ذِلِكَ، وَإِنْ كانَ في غَيرِنَا عَلِمْنَاهُ، فَأَوْصى بِنَا. فَقَالَ عَلِيٍّ: إِنَّا وَاللَّهِ لَئِنْ
سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللَّهِ اَلَ فَمَنَعَنَاهَا لاَ يُعْطِينَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أَسْأَلُهَا رَسُولَ
اللَّهِ وَلَّهِ. [الحديث ٤٤٤٧ - طرفه في: ٦٢٦٦].
٤٤٤٨ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيرِ قالَ: حَدَّثَني اللَّيْثُ قالَ: حَدَّثَنِي عُقَيلٌ، عَن ابْنِ
شِهَابٍ قالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مالِكَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ المُسْلِمِينَ بَيْنَا هُمْ فِي صَلاَةٍ
الفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الإِثْنَينِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي لَهُمْ، لَمْ يَفجَأُهُمْ إِلَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ قَدْ
كَشَفَ سِتْرَ حُجَّرَةٍ عَائِشَةَ، فَنَظَرَ إِلَّيْهِمْ وَهُمْ في صُفُوِفِ الصَّلاَةِ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ،
فَنَكْصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ
إِلَى الصَّلاَةِ. فَقَالَ أَنَسُ: وَهَمَّ المُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا في صَلاَتِهِمْ، فَرَحاً بِرَسُولِ
اللَّهِ مَّهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ رَسُولُ اللَّهِ بَيِّ: ((أَنْ أَتِمُوا صَلاَتَكُمْ)). ثُمَّ دَخَلَ الحُجْرَةَ،
وَأَرْخِى السِّتْرَ. [طرفه في: ٦٨٠].
٤٤٤٩ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيدٍ: حَدَّثَنَا عِيسى بْنُ يُونُس، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ
قالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِّي مُلَيكَةَ: أَنَّ أَبَا عَمْرٍو، ذَكْوَانَ، مَوْلَى عَائِشَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَائِشَةَ
كانَتْ تَقُولُ: إِنَّ مِنْ نِعَم اللّهِ عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّيهِ تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي،
وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ
الرَّحْمُنِ، وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ، وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللَّهِ وَّةِ، فَرَأَيْتُهُ يَنْظِرُ إِلَيهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ
يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: ((أَنْ نَعَمْ)). فَتَنَاوَلتُهُ، فَاشْتَدَّ عَلَيهِ،
وَقُلتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: (أَنْ نَعَمْ)). فَلَيَّنْتُهُ، وَبَينَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ أَوْ عُلبَةٌ - يَشُكُ
١٧٥
كتاب المغازي
عُمَرُ - فِيهَا ماءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيهِ في المَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، يَقولُ: ((لاَ إِلهَ إِلاَّ
اللَّهُ، إِنَّ لِلمَوْتِ سَكَرَاتٍ)). ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ((في الرَّفِيقِ الأَعْلَى)). حَتَّى
قَبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ. [طرفه في: ٨٩٠].
٤٤٥٠ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَنِي سُلَيمانُ بْنُ بِلاَلٍ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ:
أَخَبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ كَانَ يَسْأَلُ في مَرَضِهِ الَّذِي
ماتَ فِيهِ، يَقُولُ: ((أَينَ أَنَا غَداً؟ أَينَ أَنَا غَداً؟)). يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ
حَيثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَاتَ في اليَوْمِ الَّذِي
كانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ فِي بَيْتِي، فَقَبَضَهُ اللَّهُ وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي وَسَحْرِي، وَخَالَطَ رِيقُهُ
رِيقِي. ثُمَّ قَالَتْ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَمَعَهُ سِوَاٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ
اللّهِ وَّهِ، فَقُلتُ لَهُ: أَعْطِنِي هذا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمُنِ، فَأَعْطَانِيهِ، فَقَضِمْتُهُ، ثُمَّ مَضَغْتُهُ،
فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ وَيِّ فَاسْتَنَّ بِهِ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِي.
٤٤٥١ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنٍ أَبِي
مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ وَّ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ
سَحْرِي وَنَحْرِي، وَكَانَتْ إِحْدَانَا تُعَوَّذُهُ بِدُعاءٍ إِذَا مَرِضَ، فَذَهَبْتُ أُعَوِّذُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى
السَّمَاءِ وَقالَ: ((في الرَّفِيقِ الأَعْلَى، في الرَّفِيقِ الأَغْلَىِ)). وَمَرَّ عَبْدُ الرَّحْمِنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ،
وَفِي يَدِهِ جَرِيدَةٌ رَظْبَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ وَّةَ، فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ بِهَا حَاجَةً، فَأَخَذْتُهَا فَمَضَغْتُ
رَأْسَهَا، وَنَفَضْتُهَا، فَدَفَعْتُهَا إِلَيهِ، فَاسْتَنَّ بِهَا كَأَحْسَنِ ما كانَ مُسْتَنّاً، ثُمَّ نَاوَلَنِيهَا، فَسَقَطَتْ
يَدُهُ، أَوْ: سَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ، فَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ في آخِرِ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ
الآَخِرَةِ. [طرفه في: ٨٩٠].
٤٤٥٢، ٤٤٥٣ - حدّثنا يَحْيى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ
قالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ مِنْ
مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ، حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّم النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ،
فَتَيَمَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ◌َلَ وَهُوَ مُغَشَّى بِثَوْبٍ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَّ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيهِ فَقَبَّلَهُ
وَبَكى، ثُمَّ قالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، وَاللَّهِ لاَ يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيكَ مَوْتَتَينٍ، أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي
كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا. [طرفاه في: ١٢٤١، ١٢٤٢].
٤٤٥٤ - قالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ
خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَالَ: اجْلِسْ يَا عُمَرُ، فَأَبِى عُمَرُ أَنْ يَجْلِسَ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيهِ
وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ، مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّداً وََّ فَإِنَّ مُحَمَّداً قَدْ
١٧٦
كتاب المغازي
ماتَ، وَمَنْ كانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٍّ لاَ يَمُوتُ. قالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ
خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وَقالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ
لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هذهِ الآيَةَ حَتَّى تَلاَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَمَا أَسْمَعُ
بَشَرَأْ مِنَ النَّاسِ إِلَّ يَتْلُوهَا .
فَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أَنَّ عُمَرَ قالَ: وَاللَّهِ ما هُوَ إِلاَّ أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ ثَلاَهَا
فَعَقِرْتُ، حَتَّى ما تُقِلَّنِي رِجْلاَّيَ، وَحَتَى أَهْوَيتُ إِلَى الأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ ثَلاَهًا، أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َِّ قَدْ ماتَ. [طرفه في: ١٢٤٢].
٤٤٥٥، ٤٤٥٦، ٤٤٥٧ - حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِيِ شَيبَةَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ
سُفَيَانَ، عَنْ مُوسىٍ بْنِ أَبِي عائِشَةَ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَة، عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ:
أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبَّلَ النَّبِيّ ◌َّهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. [الحديث: ٤٤٥٦ - طرفه في: ٥٧٠٩].
٤٤٥٨ - حدّثنا عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، وَزَادَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَاهُ في مَرَضِهِ، فَجَعَلَ
يُشِيرُ إِلَيْنَا: أَنْ لاَ تَلُدُّونِي، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفاقَ قالَ: ((أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ
تَلُدُّونِي؟)) قُلنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: ((لاَ يَبْقى أَحَدٌ في البَيتِ إِلاَّ لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ
إِلاَّ العَبَّاسَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ)).
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ. [الحديث
٤٤٥٨ - أطرافه في: ٥٧١٢، ٦٨٦٦، ٦٨٩٧].
٤٤٥٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ قالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ قالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّ أَوْصى إِلَى عَلِيّ، فَقَالَتْ: مَنْ
قَالَهُ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّةِ وَإِنِّي لَمُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي، فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَانْخَنَثَ، فَمَاتَ،
فَمَا شَعَرْتُ، فَكَيفَ أَوْصى إِلَى عَلِيّ؟ !. [طرفه في: ٢٧٤١].
٤٤٦٠ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا مالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلحَةَ قالَ: سَأَلتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَوْصى النَّبِيُّ ◌َِّ؟ فَقَالَ: لاَ، فَقُلتُ: كَيفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ
الوَصِيَّةُ، أَوْ أُمِرُوا بِهَا؟ قالَ: أَوْصى بِكِتَابِ اللَّهِ. [طرفه في: ٢٧٤٠].
٤٤٦١ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
الحَارِثِ قالَ: ما تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَيِّ دِينَاراً، وَلاَ دِرْهَماً، وَلاَ عَبْداً، وَلاَ أَمَةً، إِلاَّ
بَغْلَتَهُ البَيضَاءَ الَّتِي كَانَ يَرْكَبُهَا، وَسِلاَحَهُ، وَأَرْضاً جَعَلَهَا لإِبْنِ السَّبِيلِ صَدَقَةً. [طرفه
في: ٢٧٣٩].
١٧٧
كتاب المغازي
٤٤٦٢ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ قالَ: لَمَّا ثَقُلَ
النَّبِيُّ وََّ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةٌ عَلَيْهَا السَّلاَمُ: وَاكَرْبَ أَبَاهُ، فَقَالَ لَّهَا: ((لَيسَ عَلَى
أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ)». فَلَمَّا ماتَ قالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، أَجابَ رَبّاً دَعاهْ، يَا أَبَتَاهُ، مَنْ جَنَّةُ
الَفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ، إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ، فَلَمَّا دُفِنَ قالَتْ فاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلاَمُ: يَا
أَنَسُ، أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَن تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ التُّرَابَ؟
قوله: (وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَِّّتُ وَإِنَهُم ◌َّيْتُونَ (٣) قال اللُّغويُّون: إن المخفَّفَ
لمن مات، والمشدَّدَ لمن كان حياً وسيموت. ثم إن للواو ثلاثة معانٍ ليست عندي، وإن
لم يَكْتُبْهُ النحاة، لكنها إذا ثَبَتَتْ عندي من الخارج، فلا أُبَالي بأنهم دوَّنوها أو لا .
الأوَّلُ: العطفُ؛ والثاني: المعيّة؛ والثالثُ: ما تُفِيدُ معنى أيضاً، وهو المرادُ ههنا،
فالمعنى إنك ميِّتُ وإِنَّهم ميّتُون أيضاً. وراجع له ((عقيدة الإِسلام)).
٤٤٢٨ - قوله: (انْقِطَاعَ أَبْهَرِي) والسِّرُّ في موته بأثر السُّمِّ أن تشرَّف بالشهادة
الباطنية، كما مرّ. والأَبْهَرُ: عِرْقٌ خرجت من الكَبِدِ، وسَرَتْ إلى سائر الجسد.
فائدةٌ: وقد علَّق شقي القاديان بقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:
٦٧]، وليس بشيءٍ، فإن فيه عموماً غير مقصودٍ، وقد مرَّ فيه بعض شيءٍ .
٤٤٢٩ - قوله: (يقرأ في المغرب بالمرسلات). وصلَّى النبيُّ وَّ في مرض موته
أربع صلوات عندي مع الجماعة، كما مرَّ مفصَّلاً.
٤٤٣١ - قوله: (أَهَجَرَ). والهَجْر: الهَذَيَان، وقد شَغَبَ فيه الروافضُ الملاعنة.
قلتُ(١): ولا شيءَ لهم فيه، فإنه قاله على طريق الإِنكار، ففيه سلبُ الهَجْرِ، لا ما
يريدونه .
٤٤٣٢ - قوله: (لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ). واعلم أن التخريجَ قد يَخْتَلِفُ في
الفعل المعروف والمجهول، فخرَّجُوا تَوَفَّى اللَّهُ زيداً تارةً من أخذ الحقِّ، وأُخرى من
استيفاء العمر، بخلاف تُوُفِي زيدٌ - مجهولاً - فلم يخرِّجُوه إلاَّ على الأوَّل.
ثم ما قيل: إن ((حَضَرَ)). لازمٌ، فكيف أُخْرِجَ مجهولاً! مع أنه ليس من الصور
الثلاثة التي يَجُوزُ فيها جعل اللازم متعدِّياً. قلتُ: هذا جهلٌ، فإن تخريجَ المجهول لا
(١) هذا الجوابُ ارتضى به القرطبيُّ، كما نقله الحافظ في ((فتح الباري))، قال: إنما قاله من قاله مُنْكِراً على من
توقَّف في امتثال أمره بإِحضار الكتف والدواة. فكأنَّه قال: كيف تتوقّف، أتظنُّ أنه كغيره يقول الهَذَيَان في
مرضه؟ امتثل أمره، وأَحْضِرْ له ما طلب، فإنَّه لا يقولُ إلاَّ الحقّ. اهـ. وذكر له الحافظُ أجوبةً أخرى، وهذا
أحْسَنُهَا .
١٧٨
كتاب المغازي
يَجِبُ أن يكون على تخريج المعروف. وفي خاتمة ((المفتاح)) عند بيان الوصايا: أن
رجلاً سأل عليّاً على جنازة رجلٍ: من المتوقِّي؟ - على صيغة اسم الفاعل - فقال له
عليّ: الله تعالى، أي توفَّاه اللَّهُ تعالى. كأنَّه أصلحه، فإنه لم يُحْسِنْ في السؤال. وإنَّما
كان ينبغي له أن يقولَ: المتوفَّى - على صيغة اسم المفعول ..
ثم إن قراءةَ عليّ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]
﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ معروفاً؛ قلتُ: وهذا يقتضي أن يَصِحَّ إطلاقُ المتوفى المعروف أيضاً.
٤٤٣٣، ٤٤٣٤ - قوله: (فَضَحِكَتْ). وفي تلك(١) الرواية: ((أنه ما من نبيِّ إلاَّ
وعمره نصف عمر الذي قبله))، أو كما قال. وأخطأ الحافظُ ابن القيم في فَهْم مراده،
وكذا السيوطي. فَرَجَعَ عنه في ((مرقاة الصعود)) وليس بصوابٍ أيضاً. والصوابُ على ما
مرَّ منِّي أنه رُفِعَ وهو ابن ثمانين سنة. ومَنْ رَوَى أنه رُفِعَ وهو ابن ثلاث وثلاثين، فكأنَّه
قَصَدَ معنَى آخر، وهو أن ذلك عمر أهل الجنة، والمرادُ منه بقاؤهم، ودوامُهم على تلك
الحال، فَأَرَادَ أنه رُفِعَ وهو على سنِّ أهل الجنَّةِ. بمعنى: أنه لا يخلِّقه مرور الدهور،
ومضي الأزمنة، فَيَبْقَى على حالٍ واحدٍ، نحو بقائهم لا تَبْلَى ثيابُهم، ولا يَفْنَى شبابُهم.
وذلك لكونه في موطنٍ ليست فيه تلك التغيرات، ومن يَسْكُنْ فيها يَصِيرُ كأهل الجنة على
ثلاث وثلاثين سنة، شاباً عبقرياً. فَيَنْزِلُ عليه الصَّلاة والسَّلام كما رُفِعَ، لم يَمَسَّهُ نَصَبٌ
ولا وَصَبٌ، يَقْطُرُ رأسه ماءً، لأنه رُفِعَ وكان قد اغتسل، فَيَنْزِلُ كما أنه خَرَجَ من الحمَّام
الآن. فبقاؤُه على سمات أهل الجنة هو الذي أراده من أراده، فليفهم. ومَنْ لم يَجْعَل
اللَّهُ له نُوراً فما له من نورٍ .
٤٤٣٥ - قوله: (لا يَمُوتُ نبيٌّ حتَّى يُخَيَّرَ). نادت الأحاديثُ بتخير الأنبياءِ عليهم
السَّلام، وقد كان موسى عليه الصلاة والسلام خُيِّر أن يَضَعَ يده على متن الثور، ليكونَ
عمره بقدر ما سَتَرَتْهُ يده. فلو فَعَلَهُ ماذا كان عمره. ونادى القرآنُ بأنَّ نوحاً عليه الصلاة
والسَّلام لَبِثَ في قومه ألفاً إلاَّ خمسين عاماً. ثم هذا الشقيُّ الغنيُّ الغويُّ يَسْخَرُ بطول
حياة عيسى عليه الصلاة والسَّلام، كأنَّه لم يَكُنْ عند اللعين للتخيير، ووضع اليد معنى،
وكان هُزْءاً محضاً، ما أكفره.
قوله: (وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ) : أي سُعَال.
٤٤٣٩ - قوله: (نَفَثَ على نَفْسِهِ بالمُعَوِّذَاتِ) والثالثةُ: سورة الإِخلاص.
(١) قلتُ: وقد كنتُ ألَّفْتُ في تلك الرواية وما يتعلَّق بها رسالةً مستقلَّةً بأمر الشيخ قُدِّسَ سرُّه. وجَمَعْتُ فيها جملةً ما
سَمِعْتُ منه مما يتعلَّق بعمر عيسى عليه الصلاة والسلام. وقد طُبِعَتْ، وشاعت، غير أنها عزيزةٌ اليوم.
١٧٩
كتاب المغازي
قوله: (وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيَّ ◌َّه) وهذا من كمال عِلْمِهَا، حيث قَرَأَت المُعَوِّذَاتِ
بنفسها، لما رأته حَصِيراً عنها، ثم لم تَمْسَحْ بيدها. بل مَسَحَتْهُ بيده الكريمة ليكونَ أزيدَ
بر کةٌ (١).
٤٤٤٢ - قوله: (ثُمَّ خَرَجَ إلى النَّاسِ) ... إلخ. وفيه صراحةٌ أن النبيَّ ◌َّه خَرَجَ إلى
الصلاة في تلك الليلة، ولا علينا أن نَفُكَّ النظمَ، ونحمله على خروجه في يومٍ آخر.
٤٤٤٣، ٤٤٤٤ - قوله: (لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُوِدِ والنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ
مَسَاجِدَ) وفي حديث الصَّلْت بن محمد قبله: ((لَعَنَ اللَّهُ اليهودَ))، وليس فيه ذكر النصارى،
وقد تعلَّق به شقي القاديان. وقد مرَّ ما فيه، على أنا نقول: إن النصارى متى عَبَدُوا قبر
عيسى عليه الصلاة والسلام، فإن تقدَّم إليه يُكَذَّبُه التاريخ، ويبقى عارُه عليه إلى آخر
الأمد، ولكن أين له الحياء.
٤٤٤٦ - قوله: (فَلاَ أَكْرَهُ شِدَّةَ المَوْتِ) ... إلخ، ولا دليلَ فيه على أن النبيَّ
شُدِّدَ في موته ما لم يُشَدَّد في موت أحدٍ. وإنما هو من باب الاعتبار، وصور التعبيرات
فقط، فإنه لما رَأَتْ غِلْظَةٌ وخشونةً في مجاري نَفَسِهِ وَِّ، عَبَّرت عنه بما عَبَّرت. ونحو
هذه التعبيرات قد كَثُرَتْ عند أهل العُرْف في هذه المواقع، فلا تَكُنْ من الغافلين. وقد مرَّ
منِّي بما لا يَحْصَى أن من أَوْجَدَ الحقائقَ نظراً إلى الألفاظ فقط، وقطع النظرَ عمَّا في
الخارج، فقد تعدَّى وظلم.
٤٤٤٧ - قوله: (فَقَالَ عَلِيٍّ: إنَّا واللَّهَ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، فَمَنَعَنَاهَا، لا
يُعْطِيْنَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ، وإِنِّي واللَّهِ لا أَسْأَلُهَا). وفي ((الفتح)) (٢): أن مَعَمَّراً كان يَمْتَحِنُ
تلامذته في ذلك، ويقول: إن أيهما كان أصوبَ رأياً، عليّ، أم العباس؟ فكنا نقول:
العباس، فيأبى، ويقول: لو كان أعطاها عليّاً، فمنعه الناس لكفروا.
٤٤٤٨ - قوله: (بينا هُمْ في صَلاَةِ الفَجْرِ مِنْ يَوْم الاثْنَيْنِ، وأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي لَهُمْ) ...
إلخ. وظاهرُ هذا الحديث: أن النبيَّ وَّ﴾ لم يَخْرُجْ إلَّيهم في تلك الصلاة. ولكن أَخْرَجَ
الشافعيُّ في ((الأم)) بسند ابن أبي مُلَيْكَة مرسلاً: ((أنه عليه الصلاة والسَّلام دَخَلَ فيها مع
القوم، واقتدى بأبي بكرٍ))، وسماع ابن أبي مُلَيْكَةَ ثابتٌ من عائشة، فمرسلُه يكون في
حكم المرفوع، فَيُتْرَكُ به تَبَادُر ما في البخاريِّ.
(١) ونحوه رُوِي عند مالك. وعند مسلم: ((لأنها كانت أعظم بَركةً من يدي)). وعند الطبرانيَّ: ((وهي تَمْسَحُ صدرَه،
وتدعو بالشفاء، فقال: ولكن أسأل الله الرفيق الأعلى)). ملخّصاً من ((الفتح)).
(٢) نَقَلهُ الحافظُ عن عبد الرَّزَّاق، قال: كان مَعْمَرُ يقول لنا: ((أيهما كان أصوبَ رأياً؟ فنقول: العباس، فيأبى،
ويقول: لو كان أعطاها عليّاً، فمنعه الناس، لكفروا))، اهـ.
١٨٠
كتاب المغازي
٤٤٤٩ - قوله: (ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: في الرَّفِيقِ الأَعْلَى). واعلم أن عبادةً
الأنبياء عليهم السَّلام ليس فيها تشبيهٌ محضٍّ، كعبدة الأصنام، ولا تجريدٌ صِرْفٌ،
كالفلاسفة، فهي بين التعطيل الصِّرْف، والتشبيه البحت، فكان يُشِيرُ عند دعائه إلى
التجريد أيضاً. واعلم أنه مرَّ في هذا الحديث: ((رفع يده، أو إصْبَعَه، ثم قال: في الرفيق
الأعلى))، وفيه فائدةٌ مهمةٌ ينبغي الاعتناء بها، وهي: أن فيه إشارةً إلى أن رفعَ الإِصْبَعِ
أيضاً من صور الدعاء. ولذا عدَّه الشيخُ ابن الهُمَام صورةً من صورها، فجوَّزه في شدّة
البرد. وعند الترمذيِّ في باب ما جاء في كراهية رفع الأيدي على المنبرِ في الدعاء: ((أن
بِشْرَ بن مروان خَطَبَ، فَرَفَعَ يديه في الدعاء، فقال عُمَارَة: قَبّحَ اللَّهُ هاتين اليدين
القصيرتين، لقد رأيتُ رسولَ الله ◌َّ﴿ وما يَزِيدُ على أن يقولَ هكذا: وأَشَارَ هُشَيْمٌ
بِالسَّبَّابَةِ)). اهـ.
وحَمَلَهُ بعضُهم على أن الرفعَ كان للتفهيم على ما عَرَفُوه من عادة الخُطَبَاءِ، وذلك
لعدم علمهم بكونه صورةً من صور الدعاء أيضاً، لفقدان العمل وانقطاع التعامل.
والصوابُ عندي أنه كان للدعاء، كما بوَّب به الترمذيُّ، وكذلك عند البيهقيِّ كيف! وفي
الحديث تصريحٌ بأن الرفعَ كان للدعاء. ولْيُحْفَظُ لفظ الترمذيِّ، فإن فيه تصريحاً بذلك.
ثم إنه نُقِلَ أن النبيَّ نَِّ رفع إصْبَعَهُ حين وُلِدَ، وقال: ((الله أكبر)). ولمَّا تُوُفِي رفعها
أيضاً، وقال: ((اللهم الرفيق الأعلى))، فَنِعْمَتِ البدايةُ، ونِعْمَتِ النهايةُ. حيث ذَكَرَ في كلِّ
حالٍ ما نَاسَبَهُ، فإن المناسبَ لأوَّل حاله كان بيان الكبرياء، لأنه لذلك وُلِدَ وكان الأليقُ
بآخر شأنه الدعاءَ عند مليكه، لأنه أوان لقائه - تبارك وتعالى - فَعَمِلَ بقوله: ﴿فَإِذَا فَرَفْتَ
فَانصب
وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَبِ (ج)﴾ [الشرح: ٧، ٨].
٤٤٥٢، ٤٤٥٣ - قوله: (أَمَّا المَوْتَةَ التي كُتِبَتْ عَلَيْكَ، فَقَدْ مُتَّهَا)، مجهولاً مع
ضمير المفعول به، وهو الطريقُ في الفعل اللازم إذا جُعِلَ متعدِّياً بنحوٍ من التجوُّز.
٤٤٥٨ - قوله: (لا يَبْقَى أَحَدٌ في البَيْتِ إلاَّ لُدَّ)، وإنَّما استثنى منه العبَّاسَ، إمّا
الكون عمِّ الرجل صِنْوَ أبيهٍ، أو لكونه لم يَشْهَذْهَا، كما في الحديث أيضاً. ثم إنه لم
يَنْكَشِفْ لي سرُّ الأمر باللَّدُود، حتى رأيتُ حكايةً عن شيخ: أن غلاماً كان يَحْضُرُ
مجلسه، فَيَسْخَرُ منه، ويُسِيءُ الأدب بشأنه. وكان الشيخُ يَصْبِرٌ عليه، ويتحمَّلُ أذاه، ولا
يقول له شيئاً. فلم يَزَلْ ذلك طريقُه حتَّى جاءه مرَّةً، وَلَظَمَ الشيخَ لَظْمَةً، فقام الشيخُ
فَزِعاً، وقال لجلسائه: الطموه من ساعته، فأبطؤوا فيه، فلم يَلْبَث الغلامُ أن مات.
فقال لهم الشيخُ: إن دَمَهُ عليكم، هلّ تَسَارَعْتُم إلى ما كنتُ أمرتكم به، ولو فَعَلْتُم لَمَا
مات الغلامُ. وذلك لأنه كان يفعل بي ما قد رأيتم، ولكنه لمَّا لَطَمَني اليومَ قامت غيرة