النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
كتاب المغازي
وتشبّثْنَا بذيل الشرع، فأفلحنا، ووجدنا منه في لمحاتٍ ما لم يَجِدُوه بعد صرف الأعمار.
وعندي هم أعجزُ من جاهلٍ أوتي سلامة الفطرة، ورُزِقَ توفيقاً من ربِّه.
حكايةٌ: سَمِعْتُ ببلدتي كشمير، وأنا إذ ذاك ابنُ أربع سنين: أن رجلين تكلَّما في
أن العذابَ هو يكون للجسد، أو الروح؟ فاستقرَّ رأيهما على أن العذابَ لهما. ثم ضَرَبًا
له مثلاً، فقالا: إن مثلَ الجسد مع الروح كمثل أعمى، وأعرج، ذَهَبَا إلى حديقةٍ لِيَجْنُوا
من ثمارها، فَعَجَزَ الأعمى أن يَرَاهَا، وعَجَزَ الأعرجُ أن يَجْنِيَهَا، فتشاورا في أمرهما،
فَرَكِبَ الأعرجُ على الأعمى، فجعل الأعمى يَذْهَبُ به إلى الأشجار، والأَعْرَجُ يرى
الثمارَ، ويَجْنِيها. فهذا هو حالُ البدن مع الروح، فإن البدنَ بدون الروح جمادٌ لا حِرَاكَ
له، والرُّوحُ بدون البدن معطّلةٌ عن الأفعال، فاحتاج أحدُهما إلى الآخر، فلمَّا اشتركا في
الكَسْبِ اشتركا في الأجر، أو الوِزْرِ أيضاً. وبعد مرور خمس وثلاثين سنة، رأيتُ في
((القرطبي))، عن ابن عبّاس عينَ ما قالاه من فطرتهما، فانظر هل يُمْكِنُ مثله من نحو
أرسطو؟ کلا، ثم كلا .
٤٣٣٠ - قوله: (سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثْرَةً) يعني: أمَّا أنا فما، آثَرْتُ نفسي عليكم،
وسَتَلْقَوْنَ بعدي أُثْرَةً، فاصبروا .
قوله: (فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْني عَلَى الحَوْضِ). واعلم أن الحوضَ عند ابن القيِّم:
في المحشر. واختار الحافظ: أنه بعد الصِّرَاط. وتردّد فيه السيوطي في ((البدور
السافرة). والأَرْجَحُ عندي ما اختاره الحافظ. والظاهر عندي: أنه في فِنَاء الجنة بعد
الحساب، لأن المواعدةَ باللقاء على الحوض تَدُلُّ على أنه بعد اختتام السفر، فإن الذين
يتخلَّفون من رفقاء السفر، لا يَتَلاَقَوْنَ إلاَّ بعد اختتامه.
٤٣٣٦ - قوله: (ما أُرِيدَ بِهَذِهِ القِسْمَةِ وَجْهُ اللَّهِ). وهذه كلمةُ كفر، ولما كان قائلُها
منافقاً، وكان من سُنَّتِهِم أن لا يُقْتَلُوا، أَغْمَضَ عنه، ولم يَقْتُلُهُ. وقد مرَّ فيه بعضُ الكلام:
أنه من باب الجمع بين التكوين والتشريع، فإنه كان أَخْبَرَ بأن سَيَخْرُجُ من ضئضىء هذا
قومٌ يَقْرَؤون القرآن ... إلخ، كما في ((البخاري)) مفصّلاً، فلم يُنَاسِبْ أن يَقْتُلَهُ بنفسه.
وهذا بخلاف ما مرَّ عن بعض الصحابة من الأنصار عن قريبٍ: ((يَغْفر اللَّهُ لرسوله ◌َِّ،
يُعْطِي قريشاً، ويَتْرُكُنَا، وسيوفُنَا تَقْطُرُ من دمائهم))، فإنه إساءةٌ في التعبير فقط، مع صحةٍ
في العقيدة. غير أنه حَمَلَتْهُم على ذلك غيرةٌ بالنبيِّ ◌ََّ، لمَّا فَهِمُوا من إعطائه قريشاً أنه
يُؤْثِرُهم عليهم، والرقابة قد تَحْمِلُ المرءُ على مثل هذه التعبيرات. وهذا وإن كان غلطٌ
منهم في حضرة النبوة، ولكنها لا رَيْبَ مما قد يُرَكِّبُها الإِنسانُ من حيث لا يريدها، ولا
يدريها. وراجع للفصل بين هذه المسائل رسالتي ((إكفار الملحدين))، ففيها البسطُ بما لا
مزیدَ علیه .

١٢٢
كتاب المغازي
فإن قلتَ: إذا كان بين الصحابة المنافقون، والمُخْلِصُون، ولم تتميّز إحدى
الطائفتين من الأخرى، فكيف أمرُ الدين، الذي بَلَغَ إلينا؟ قلتُ: قد كان النبيُّ وََّ
يَعْلَمُهُمْ، وكذا بعضُ الصحابة رضي الله تعالى عنهم. إلاَّ أن المصلحةَ لم تَكُنْ بإِفِشاء
سرِّهم، فَتُرِكُوا على إبطانهم، وحسابُهم على الله .
٤٣٣٧ - قوله: (أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ وغَطَفَانُ وغَيْرُهُمْ بِنعَمِهِمْ)، وهذا على عادتهم، فإنَّ
العربَ كانوا يَذْهَبُون في الحروب بنَعَمِهِمْ أيضاً، لِيَشْرَبُوا من أَلبانها .
٥٩ - بابُ السَّرِيَّةِ الَّتِي قِبَلَ نَجْدٍ
٤٣٣٨ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ بَّهِ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ فَكُنْتُ فِيهَا، فَبَلَغَّتْ سِهَامُنَاَ اثْنَي
عَشَرَ بَعِيراً، وَنُقِّلنَا بَعِيراً بَعِيراً، فَرَجَعْنَا بِثَلاَثَةَ عَشَرَ بَعِيراً. [طرفه في: ٣١٣٤].
٤٣٣٨ - قوله: (ونُفِّلْنَا بَعِيراً بَعِيراً). واخْتُلِفَ في النَّفْلِ أنه من الخُمُسِ، أو
الغنيمة. ويَجُوزُ التنفيل عندنا من الغنيمة أيضاً قبل أن تُخْرَزَ إلى دَار الإِسلام، ولا يَجُوزُ
بعده إلاَّ من الخُمُسِ. ومن قَصَرَهُ على الخُمُسِ، فقدٍ رَكِبَ على جبلٍ وَعْرٍ. ثم إن الحافظُ
قد تصدَّى إلى بيانَ العدد المجموع، فَذَكَرَهُ،َ ولعلَّه أَخْرَجَهُ من طريق الحساب، وإلاَّ فلا
روايةَ فيه صراحةً فيما أعلم. والله تعالى أعلم.
٦٠ - بابُ بَعْثِ النَّبِيِّ
صَلَى اللّه
وسلم
خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ
٤٣٣٩ - حدّثني مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح. وَحَدَّثَني نُعَيمٌ:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ قالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ◌َ
خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَّمْنَا،
فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنًّا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنَّهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا
أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كانَ يَوْمٌ أَمَرِ خالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، فَقُلتُ: وَاللَّهِ لاَ أَقْتُلُ
أَسِيرِي، وَلاَ يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِّمْنَا عَلَى النَّبِيِّ وََّ فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ يَدَهُ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيكَ مِمَّا صَنَعَ خالِدٌ)). مَرَّتَينٍ. [الحديث ٤٣٣٩ - طرفه
في : ٧١٨٩].
٤٣٣٩ - قوله: (صَبَأْنَا)، أي خَرَجْنَا عن ديننا، وقد مرَّ في أوائل الكتاب: أن
الصَّابئين من هُمْ؟ وقد غَلِطَ فيه الحافظُ ابن تَيْمِيَة، فَسَهَا في شرح الآية أيضاً، كما مرَّ.
وأصاب فيه الجصَّاص في ((أحكام القرآن)).

١٢٣
كتاب المغازي
قوله: (اللَّهُمَّ إِنِّي أبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ، مرتين)، وذلك لِيُعْذِرَ من نفسه،
ويُنْقِذَهَا من عذاب الله إن هَجَمَ عذابه على فعله هذا، والعياذ بالله من قتل المؤمن.
وهذا هو فعلُ الخائفِ المشفق المبتهل، وأمَّا المغترُّ، فإنه يَطْمَئِنُّ، ويتمنَّى على الله.
ثم إن النبيَّ رَّ بَعَثَ إليهم عليّاً، وأعطاهم نصف الدية لكلِّ مَنْ قُتِلَ منهم. وهذا عندي
محمولٌ على نحو مصالحةٍ، فإنَّهم وإن لم يُطَالِبُوهِ وََّ بشيءٍ، لكنه لم يَرْضَ أن يَهْدِرَ
٠٠٠٠
دَمَهُمْ.
حكايةٌ(١): نُقِلَ أنه كان فيمن قُتِلُوا رجلٌ تائهٌ، وكان يَنْشِدُ في تلك الليلة أنه مقتولٌ
في صَبِيحَتِها، فلمَّا أَصْبَحَ قُتِلَ، فقال له النبيُّ وَّهِ: ((هلَّ رَحِمْتُمُوه، ولعلَّ حبَّه لم يَكُنْ
في معصيةٍ».
٦١ - بابٌ سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ
وَعَلَقَمَةَ بْنِ مُجَزَّزِ المُدْلِجِيِّ
وَيُقَالُ: إِنَّهَا سَرِيَّةُ الأَنْصَارِ.
٤٣٤٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ
عُبَيدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ وَ سَرِيَّةً
فَاسْتَعْمَلَ رَجلاً مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَلَيسَ أَمَرَكُمُ النَّبِيُّ ◌َه
أَنْ تُطِيعُونِي؟ قالوا: بَلَى، قالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَباً، فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَاراً،
فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَهَمُّوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضاً، وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى
النَّبِيِّ بَّهَ مِنَ النَّارِ، فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ وَِّ، فَقَالَ:
((لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، الطَّاعَةُ في المَعْروفِ)). [الحديث ٤٣٤٠ - طرفاه
في : ٧١٤٥، ٧٢٥٧].
٤٣٤٠ - قوله: (لو دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إلى يَوْمِ القِيَامَةِ) ... إلخ، لكون فعلهم
قطعيّ البطلان. وقد عَلِمْتَ أن المحلَّ إذا كان مما يَضَّلُحُ للاجتهاد، لا يُعَنِّفُ عليه
(١) أَخْرَجَ الحافظُ في رواية النَّسائيِّ، والبيهقيِّ بِإِسنادٍ صحيحٍ من حديث ابن عبّاس نحو هذه القصة، وقال فيها:
((فقال: إنِّي لَسْتُ منهم، إنّي عَشِقْتُ امرأةٍ منهم، فَدَعُوني أنظر إليها نظرةً)). وقال فيه: ((فَيَضْرِبُوا عُنُقَهُ، فجاءت
المرأةُ، فوقعت عليه فَشَهَقَتْ شهقةً أو شهقتين، ثم ماتت. فذكروا ذلك للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: أما كان
فيكم رجلٌ رحيمٌ)). اهـ ((فتح الباري)) .
قلتُ: وفي العينيِّ، في كتاب الجهاد، عن ابن عبّاس: ((من عَشِقَ، وعَفَّ، وكَتَمَ، ومَاتَ، مات شهيداً)). اهـ.
وحينئذٍ لا إشكالَ في الترجُم له. ولكنه لا بُدَّ من القيد الذي ذَكَرَهُ الشيخُ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم
بالصواب.

١٢٤
كتاب المغازي
الشارع. وأمَّا إذا كان الأمرُ ظاهراً، ثم يَتَسَاهَلُ فيه أحدٌ يَزْجُرُ عليه، ويَغْضَبُ، كما رَأَيْتُ
هُهنا. ثم إنه نظيرُ ما ذَكَرْتُ في قاتل النفس: أنه يُعَذِّبُ بتلك الآلة إلى يوم(١) القيامة.
والتخليدُ الواردُ في حقٌّه هو التخليدُ إلى يوم الحشر، يعني: لا يزال يَفْعَلُهُ حتَّى يُبْعَثَ
من مضجعه هذا. ومرَّ عليه الترمذيُّ، وعلَّل الحديثَ الصحيحَ، لكون التخليد ليس مذهباً
لأهل السُّنَّةِ والجماعة، وفي الحديث تصريحٌ بما قلتُ، فإنهم لو دَخَلُوهَا لكانوا من قاتلي
أنفسهم. وفي الحديث: ((أنهم لم يَخْرُجُوا منها إلى يوم القيامة))، فهذا هو التخليدُ.
وبعبارةٍ أخرى: التخليدُ كان راجعاً إلى فعله، فَصَرَفُوه إلى نفسه، ولَطُفَ هذا
التعبير، لأنه إذا لم يَزَلْ معذَّباً في البَرْزَخ حتَّى قامت الآخرة، وانقطع البَرْزَخُ لَطُفَ
التخليد فيه، فإنه كان باعتبار قيام البَرْزَخِ. وإذا انْهَدَمَ نفس البَرْزَخ، وآل الأمرُ إلى
الآخرة انقطع عذابُه أيضاً. نعم لو انقطع العذابُ مع قيام البَرْزَخ لناقضَ ما قُلْنَا، وليس
كذلك. فافهم، فإن أمثال الترمذيِّ لم يُذْرِكُوا مراده، حتَّى اضْطَرُّوا إلى تعليله. وسيمُ
عليك نظائره(٢) وشواهده.
٦٢ - بابٌ بَعْتُ أَبِي مُوسى
وَمُعَاذٍ إِلَى اليَمَنِ قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ
٤٣٤١، ٤٣٤٢ - حدّثنا مُوسى: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةً
قالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ أَبَا مُوسى وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى اليَمَنِ، قالَ: وَبَعَثَ كُلَّ وَاحِدٍ
مِنْهُمَا عَلَى مِخْلاَفٍ، قَالَ: وَاليَمَنُ مِخْلاَفَانٍ، ثُمَّقَالَ: ((يَسِّرًا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ
تُنَفِّرًا)). فَانْطَلَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى عَمَلِهِ، قال: وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا سَارَ في أَرْضِهِ
كانَ قَرِيباً مِنْ صَاحِبِهِ أَحْدَثَ بِهِ عَهْداً فَسَلَّمَ عَلَيهِ، فَسَارَ مُعَاذْ فِي أَرْضِهِ قَرِيباً مِنْ صَاحِبِهِ
أَبِي مُوسى، فَجَاءَ يَسِيرُ عَلَى بَغْلَتِهِ حَتَّى انْتَهِى إِلَيهِ، وَإِذَا هُوَ جالِسٌ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيهِ
(١) قلتُ: وهاكَ نظيراً آخر من ((مسند أحمد))، عن يَعْلَى بن مُرَّة، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول:
أيما رجلٍ ظَلَمَ شبراً من الأرض، كلَّفه اللَّهُ عزَّ وجلَّ أن يَحْفِرَهُ حتى يَبْلُغَ سبع أرضين، ثم يُطَوِّقه إلى يوم القيامة،
حتى يُقْضَى بين الناس)). اهـ. كذا في ((المشكاة)). فليس التخليدَ في قاتل النفس إلاَّ للتهويل، والمرادُ ما
عَلِمْتَ.
(٢) قلتُ: وأقربُ نظيرٍ له الذي وَجَدْتُ ما رواه الترمذيُّ في القدر في حديثٍ طويلٍ: أن أوَّلَ ما خلق اللَّهُ القلمَ،
فقال: اكْتُبْ، فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر، ما كان، وما هو كائنٌ إلى الأبد)). اهـ. فَوَرَدَ عليه أن ما
يكون إلى الأبد غير متناهٍ، يستحيل كتابته في الزمان المتناهي. فأجابوا عنه: أن المرادَ من الأبد، هو يوم القيامةِ
لما في ((الدر المنثور))، عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعاً، وفيه قال: ((ما كان، وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة)). اهـ. وقد
رواه أبو داود أيضاً، وإذا وَرَدَ أحدُ اللفظين مكانَ الآخر، دَلَّ نفسُ الحديث أن الأبدَ قد يُعْتَبَرُ إلى يوم القيامة
أيضاً. وحينئذٍ ظَهَرَ معه الأبد في حديث تعذيب قاتل النفس أيضاً .

١٢٥
كتاب المغازي
النَّاسُ وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ قَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ أَيَّمَ
هَذَا؟ قَالَ: هَذَا رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلاَمِهِ، قالَ: لاَ أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ، قالَ: إِنَّمَا جِيءَ بِهِ لِّذلِكَ
فَانْزِل، قالَ: ما أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، كَيفَ تَقْرَأُ
القُرْآنَ؟ قالَ: أَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقاً، قالَ: فَكَيفَ تَقْرَأُ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ قالَ: أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَأَقُومُ
وَقَدْ قَضَيتُ جُزْئِي مِنَ النَّوْمِ، فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي، فَأَخْتَسِبُ نَوْمَتِي كما أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي.
[الحديث: ٤٣٤٢ - طرفه في: ٤٣٤٥].
٤٣٤٣ - حدّثني إِسْحَاقُ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الشّيبَانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أُنَّ النَّبِيَّ ◌َِ بَعَثَهُ إِلَى الْيَّمَنِ، فَسَأَلَهُ عَنْ
أَشْرِيَةٍ تُصْنَعُ بِهَا، فَقَالَ: ((وَمَا هِيَ؟)) قالَ: البِتْعُ وَالمِزْرُ، فَقُلتُ لأَّبِي بُرْدَةَ: ما البِتْعُ؟ قالَ:
نَبِيذُ العَسَلِ، وَالِمِزْرُ نَبِيذُ الشَّعِيرِ، فَقَالَ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ).
رَوَاهُ جَرِيرٌ وَعَبْدُ الوَاحِدٍ، عَنِ الشَّيَانِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ. [طرفه في: ٢٢٦١].
٤٣٤٤، ٤٣٤٥ - حدّثنا مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عنْ أَبِيه
قالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ◌ََّ جَدَّهُ أَبَا مُوسى وَمُعَاذَاً إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: (يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا
وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا)). فَقَالَ أَبُو مُوسى: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ أَرْضَنَا بِهَا شَرَابٌ مِنَ الشَّعِيرِ
المِزْرُ، وَشَرَابٌ مِنَ العَسَلِ البِتْعُ، فَقَالَ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)). فَانْطَلَفَا، فَقَالَ مُعَاذْ لأَبِيَ
مُوسى: كَيفَ تَقْرَأُ القُرْآنَ؟ قَالَ: قائماً وَقَاعِداً وَعَلَى رَاحِلَتِي، وَأَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقاً، قالَ: أَمَّا أَنَّا
فَأَنَامُ وَأَقُومُ، فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كما أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي. وَضَرَبَ فُسْطَاطاً، فَجَعَلاَ يَتَزَاوَرَانِ،
فَزَارَ مُعَاذٌ أَبَا مُوسى، فَإِذَا رَجُلٌ مُوثَقٌّ، فَقَالَ: ما هذا؟ فَقَالَ أَبُو مُوسى: يَهودِيٌّ أَسْلَمَ ثُمَّ
ارْتَدَّ، فَقَالَ مُعَاذٍ: لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ.
تَابَعَهُ العَقَدِيُّ وَوَهْبٌ عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ وَكِيعٌ وَالنَّضْرُ وَأَبُو دَاوُدَ: عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ
سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِـ رَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنِ الشَّيَانِيِّ، عَنْ
أَبِي بُرْدَةَ. [طرفه في: ٤٣٤٢].
٤٣٤٦ - حدّثني عَبَّاسُ بْنُ الوَلِيدِ هو النرسيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ
عائِذٍ: حَدَّثَنَا قَيسُ بْنُ مُسْلِم قالَ: سَمِعْتُ طَارِقَ بْنَ شِهَابِ يَقُولُ: حَدَّثَنَي أَبُو مُوسىَ
الأَشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ إِلَى أَرْضِ قَوْمِي، فَجِئْتُ وَرَسُولُ
اللَّهِ مَّهِ مُنِيخٌ بِالأَبْطَحِ، فَقَالَ: ((أَحَجَجْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ فَيسٍ؟)) قُلتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ،
قالَ: (كَيفَ قُلْتَ؟)) قَالَ: قُلتُ: لَبَّيكَ إِهْلاَلاً كَإِهْلاَلِكَ، قَالَ: ((فَهَل سُقْتَ مَعَكَ هَدْياً؟))
قُلتُ: لَمْ أَسُقْ، قالَ: ((فَطُف بِالبَيتِ، وَاسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ حِلَّ)). فَفَعَلتُ حَتَّى
مَشَطَتْ لِي امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ بَنِي قَيْسٍ، وَمَكَثْنَا بِذلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ. [طرفه في: ١٥٥٩].

١٢٦
كتاب المغازي
٤٣٤٧ - حدَّثني حِبَّانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحاقَ، عَنْ يَحْيِى بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ صَيفِيّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: قالَ
رَسُولُ اللَّهِ ل ◌َيهِ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَّهُ إِلَى الْيَمَنِ: (إِنَّكَ سَتَّأْتِي قَوْماً مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ،
فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَىَ أَنْ يُّشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمْداً رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ
أَطَاعُوا لَكَ بِذلِكَ، فَأَخْبِرُهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيلَةٍ،
فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمْ صَدَقَةٌ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ،
فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةً
المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللّهِ حِجَابٌ)) .
قالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ: طَوَّعَتْ طَاعَتْ وَأَطَاعَتْ لُغَةٌ، ◌ِعْتُ وَطُعْتُ وَأَطعْتُ. [طرفه في:
١٣٩٥].
٤٣٤٨ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنٍ مَيمُونٍ: أَنَّ مُعَاذَاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قَدِمَ اَلْيَمَنَ، صَلّى بِهِم
الصُّبْحَ، فَقَرَأُ: ﴿وَأَّخَذَ أَلَهُ إِنْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: لَقَدْ قَرَّتْ
عَيْنُ أَمِّ إِبْرَاهِيمَ.
زَادَ مُعَاذْ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرٍو: أَنَّ النَّبِيِّ بَّهَ بَعَثَ مُعَاذَاً
إِلَى الْيَمَنِ، فَقَرَأَ مُعَاذٌ في صَلاَةِ الصُّبْحِ سُورَةَ النِّسَاءِ، فَلَّمَّا قالَ: ﴿وَأَتَّخَذَ اُللَّهُ إِبْرَاهِيمَ
خَلِيلًا﴾ قالَ رَجُلٌ خَلفَهُ: قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ .
٤٣٤١، ٤٣٤٢ - قوله: (وبَعَثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا على مِخْلاَفٍ)(١)، وهو اسمٌ
لتحديد بقاع عند أهل اليمن، فتسمَّى مَخَالِيف اليمن. وراجع لتفصيله ((معجم البلدان))
لياقوت. ومن أهم فوائد ((معجمه)): أنه جمع فيه الجمعات التي كانت أُقِيمَتْ في اليمن،
فلم يكتبها إلاَّ في عدَّة مواضع منها. وهذا يُفِيدُ الحنفيةُ في مسألة إقامة الجمعات في
الأمصار دون القرى.
قوله: (أَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقاً) وهو مشتقٌّ من الفواق، يعني به أنه وزَّع قراءته على حصص
الليل، فيقرأه حِصَّةً حِصَّةً، وجزءً جزءً.
قوله: (وَقَدْ قَضَيْتُ جُزْئِي مِنَ النَّوْمِ) يعني أقرأُ كلُّ ما أُرِيدُهُ مرَّةً واحدةً، ثم أنام،
ولا أَقْرَأُ مثلك جزءً جزءً.
(١) قال الحافظُ: المخْلاَفُ - بكسر الميم، وسكون المعجمة، وآخره فاء - هو بلغة أهل اليمن، وهو: الكُورة،
والإِقليم، والرُّسْتَاق ... إلخ.

١٢٧
كتاب المغازي
٤٣٤٣ - قوله: (والمِزْرُ نَبِيذُ الشَّعِيرِ). ومع كون هذه الأشربة من الحبوب، لمَّا
سُئِلَ عنه أبو بُرْدة؛ قال: كلُّ مسكرٍ حرامٌ، فانسحب عمومُه على الأشربة كلِّها بدون
تخصيص. وهذا الذي يَرِيبُني في المسألة.
قوله: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ). وهذا هو مذهبُ الجمهور: أن كلَّ مسكرٍ مائع حرامٌ،
قليلُه وكثيرُه سواء، خمراً كان أو غيره. إلاَّ أن أبا حنيفة، وأبا يوسف ذهبا إلى حرمة
الخمر مطلقاً، وفضَّلُوا في أشربة الحبوب. ولم أَجِدْ في هذه المسألة جواباً شافياً،
وراجع ((عقد الفريد)) و((كشف الأسرار))، فقد ذكرا قيوداً في المسألة تُفِيدُنا في الباب.
وراجع ((البحر المحيط))، وكتاب ((الناسخ والمنسوخ)) لأبي بكر النخَّاس، تلميذ
الطحاويِّ، وهو عند أصحاب الطبقات مثل ابن جرير الطبريٍّ في المرتبة.
٤٣٤٨ - قوله: (لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ)، يعني: قاله رجلٌ في الصلاة لمَّا سَمِعَ
مُعَاذَاً يَقْرَأ في الصلاة: ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، ولم يَكُنْ يَعْلَمُ أن الكلامَ
يُفْسِدُ الصلاةَ. فراجع صحيح مسلم مع زيادةٍ فيه.
٦٣ - بابٌ بَعْتُ علِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَخَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
إِلَى اليَمَنِ قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ
٤٣٤٩ - حدَّثني أَحْمَدُ بْنُ عُثْمانَ: حَدَّثَنَا شُرَيحُ بْنُ مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ
يُوِسُفَ بْنِ إِسْحاقَ بْنِ أَبِي إِسْحاقَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَسِهَ مَعَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ إِلَى الْيَمَنِ، قالَ: ثُمَّ بَعَثَ عَلِيّاً بَعْدَ ذلِكٌ
مَكانَهُ، فَقَالَ: ((مُرْ أَصْحَابَ خالِدٍ، مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يُعَقِّبَ مَعَكَ فَليُعَقِّبْ، وَمَنْ شَاءَ
فَلَيُقْبِل)». فَكُنْتُ فِيمَنْ عَقَّبَ مَعَهُ، قَالَ: فَغَنِمْتُ أَوَاقٍ ذَوَاتِ عَدَدٍ.
٤٣٥٠ - حدّثنيٍ مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سُوَيِدِ بْنِ
مَنْجُوفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ◌َ عَلِيّاً إِلَى
خالِدٍ، لِيَقْبِضَ الخُمُسَ، وَكُنْتُ أُبْغِضُ عَلِيّاً، وَقَدِ اغْتَسَلَ، فَقُلتُ لِخَالِدٍ: أَلاَ تَرَى إِلَى
هذا؟ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِنَّهَ ذَكَرْتُ ذلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((يَا بُرَيدَةُ أَتُبْغِضُ عَلِيّاً؟)). قُلتُ:
نَعَمْ، قالَ: ((لاَ تُبْغِضْهُ، فَإِنَّ لَهُ في الخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ)).
٤٣٥١ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ
الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي نُعْم قالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخذْرِيَّ يَقُولُ: بَعَثَ عَلِيُّ بَنُ أَبِي طَالِبٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّةِ مِنَ الْيَمَنِ بِذُهَيبَةٍ في أَدِيم مَقْرُوظِ، لَمْ تُحَصَّل مِنْ
تُرَابِهَا، قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ،ٌ وَأَقْرَعَ بْنِ حابِسٍ، وَزَيدِ

١٢٨
كتاب المغازي
الخَيلِ، وَالرَّابِعُ: إِمَّا عَلقَمَةُ، وَإِمَّا عامِرُ بْنُ الطفَيلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ
أَحَقَّ بِهِذا مِنْ هَؤُلاءِ، قالَ: فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ ◌َِّ فَقَّالَ: ((أَلاَ تَأْمَنُونَنِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ في
السَّمَاءِ، يَأْتِنِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحَاً وَمَسَاءً؟)) قالَ: فَقَامَ رَجُلٌ غائرُ العَينَينِ، مُشْرِفُ
الوَجْنَتَينِ، نَاشِزُ الجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ الإِزَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ، قالَ: ((وَيَلَكَ، أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضَ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهُ؟)) قالَ: ثُمَّ وَلَّى
الرَّجُلُ. قالَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ أَضَرِبُ عُنُقَهُ؟ قالَ: لاَ، ((لَعَلَّهُ أَنْ
يَكُونَ يُصَلِّي)). فَقَالَ خالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلِّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ ما لَيسَ في قَلِهِ، قَالَ رَسُولُ
اللّهِ وَّهِ: ((إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ قُلوبَ النَّاسِ وَلاَ أَشُقَّ بُطُونَهُمْ)). قالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيهِ
وَهُوَ مُقَفّ، فَقَالَ: إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِتْضِىءٍ هذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَظْباً، لاَ يُجَاوِزُ
حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةَ - وَأَظُنُّهُ قَالَ - لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ
لِأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ)). [طرفه في: ٣٣٤٤].
٤٣٥٢ - حدّثنا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ: قالَ عَطَاءٌ: قالَ جابِرٌ: أَمَرَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ عَلِيّاً أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ.
زَادَ مُحمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيج: قالَ عَطَاءٌ: قالَ جابِرٌ: فَقَدِمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي
طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِسِعَايَتِهِ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((بِمَ أَهْلَلتَ يَا عَلِيُّ؟)) قالَ: بِمَّا أَهَلَّ بِهِ
النَّبِيُّ وَّةِ، قَالَ: ((فَأَهْدِ، وَامْكُثْ حَرَاماً كَمَّا أَنْتَ)). قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٍّ هَذْياً. [طرفه في:
١٥٥٧].
٤٣٥٣، ٤٣٥٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، عَنْ حُمَيدِ الطَِّيلِ:
حَدَّثَنَا بَكْرٌ البَصرِيُّ: أَنَّهُ ذَكَرَ لإِبْنِ عُمَرَ: أَنَّ أَنَسَأَ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ
وَحَجَّةٍ، فَقَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ◌َّرَ بِالحَجّ، وَأَهْلَلنَا بِهِ مَعَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةً قَالَ: ((مَنْ لَمْ يَكُنْ
مَعَهُ هَذْيٌ فَلَيَجْعَلَهَا عُمْرَةً). وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ بَرِ هَدْيٌّ، فَقَدِمَ عَلَيْنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ
اليَمَنِ حَاجّاً، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ له: ((بِمَ أَهْلَلَتَ فَإِنَّ مَعَنَا أَهْلَكَ؟)). قالَ: أَهْلَلتُ بِمَا أَهِّلَّ بِهِ
الَّبِيُّ ◌َِّ، قالَ: ((فَأَمْسِكْ، فَإِنَّ مَعَنَا هَدْياً)).
٤٣٤٩ - قوله: (مَنْ شَاءَ منهم أَنْ يُعَقِّبَ مَعَكَ، فَلْيُعَقِّبْ، ومَنْ شَاءَ فَلْيُقْبِلْ) ...
إلخ. والتعقيبُ: هو معاقبةُ الجيوش فيما بينهم، أي من شاء منهم أن يُقِيمَ هناك فَلْيَفْعَلْ،
ومن شاء أن يَرْجِعَ معك، فَلْيَرْجِعْ. "تعقيب فوجون كى آبس مين مبادله كى نوبتين يعني
جو وهان رهنا جاهين وهين رهين اورجووابس آنا جاهين وابس آجائين" .
٤٣٥٠ - قوله: (وَكُنْتُ أُبْغِضُ عَلِيّاً) يعني به عدم المؤانسة منه، أي: "كوئى
مانوسی نه تهی " .

١٢٩
كتاب المغازي
قوله: (وَقَدِ اغْتَسَلَ)، وزَعَمَ أنه اغْتَسَلَ من الجنابة، لأنه وطىء جاريةً قبل
الخمس(١).
٤٣٥١ - قوله: (في أَدِيمِ مَقْرُوِظِ) أي مدبوغ بالقَرَظِ.
قوله: (لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَّابِهَا)، يعني أن تلك الذُّهَيْبَة لم تُخَلَّصْ من تراب المعدن.
قوله: (إِنَّهُ يَخْرُجُ من ضِئْضِىء هَذَا)، وهذا هو العملُ بالتكوين، يعني لمَّا قدَّر بقاءه
لم يقتله، كما فعل في ابن صيَّاد، وقال لعمر: ((إن يكن هو، فلست صاحبه)). أو كما
قال: ((يَمْرُقُون من الدين)): "مرق جت سى نكل كيا" والمروقُ: خروجُ شيءٍ من موضعٍ
لا يكون موضعاً لخروجه، فَيَخْرُجُ منه بنحو مدافعةٍ من خلفه، كالاندلاق.
قوله: (لا يُجاوِزُ حَتَاجِرَهُمْ) قيل: معناه لا يُجَاوِزُ حناجرَهم حتَّى يَدْخُلَ قلوبَهم،
وقيل: لا يُجَاوِزُ حناجرَهُم فَيَصْعَدُ إلى السماء، وهذا هو الأَوْلَى.
٦٤ - بابٌ غَزْوَةُ ذِي الخَلَصَةِ
٤٣٥٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا خالِدٌ: حَدَّثَنَا بَيَانٌ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرِ قالَ: كانَ
بَيْتٌ في الجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ لَهُ ذُو الخَلَصَةِ، وَالكعْبَةُ اليَمانِيَةُ، وَالكِّعْبَةُ الشَّأْمِيَّةُ، فَقَالَ لِي
النَّبِيُّ ◌ََّ: ((أَلاَ تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟» فَنَفَرْتُ في مِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَاكِباً فَكَسَرْنَاهُ،
وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ وَّهِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَدَعا لَنَا وَلَأَحْمَسَ. [طرفه في: ٣٠٢٠].
٤٣٥٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيِى: حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ: حَدَّثَنَا قَيْسٌ قالَ:
قَالَ لِي جَرِيرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ لِي النَّبِيُّ وََّ: ((أَلاَ تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟)) - وَكانَ
بَيْتاً في خَثَّعَمَ، يُسَمَّى الكَعْبَةَ اليَمانِيَةَ - فَانْطَلَقْتُ في خَمْسِينَ وَمِائَةٍ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ،
وَكَانُواْ أَصْحَابَ خَيلٍ، وَكِنْتِ لا أَثْبُتُ عَلَى الخَيلِ، فَضَرَبَ في صَدْرِي حَتَّى رَأَيتُ أَثَرَ
أَصَابِعِهِ في صَدْرِي وٌّقالَ: ((اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلهُ هَادِياً مَهْدِيّا)). فَانْطَلَقَ إِلَيهَا فَكَسَرَهَا
وَحَرَّقَهَا، ثُمَّ بَعَثِ إِلَى رَسُولِ اللّهِ نَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ جَرِيرٍ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، ما جِئْتُكَ
حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ، قالَ: فَبَارَكَ في خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ.
[طرفه في: ٣٠٢٠].
٤٣٥٧ - حدّثنا يُوسُفُ بْنُ مُوسى: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خالِدٍ،
عَنْ قَيسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: ((أَلاَ تُرِيحُنِي مِنْ ذِيَ الخَلَصَةِ؟))
فَقُلتُ: بَّلَى، فَانَطَلقَّتُ في خَمْسِينَ وَمِائَةٍ فارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ، وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيلِ، وَكُنْتُ
(١) قلتُ: وفي المقام إشكالاتٌ، وقد أَجَابَ عن جملتها الحافظُ في ((الفتح))، ونَقَلَ المُحَشِّي منه ما يكفي،
فراجعه .

١٣٠
كتاب المغازي
لاَ أَثْبُتُ عَلَى الخَيلِ، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ وَِّ، فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ
يَدِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ ثَبِّتُهُ، وَاجْعَلُهُ هَادِياً مَهْدِيّا)). قالَ فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسِ بَعْدُ.
قالَ: وَكَانَ ذُو الخَلَصَةِ بَيْتاً بِالْيَمَنِ لِخَثْعَمَ وَبَجِيلَةَ، فِيهِ نُصُبٌ تُعْبَدُ، يُقَالُ لَهُ الكَعْبَةُ، قَالَ:
فَأَتَاهَا فَحرَّقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا. [طرفه في: ٣٠٢٠].
قالَ: وَلَمَّا قَدِمَ جَرِيرٌ اليَمَنَ، كانَ بِهَا رَجُلٌ يَسْتَقْسِمُ بِالأَزْلاَمِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ
اللّهِ وَ﴿ هَاهُنَا، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيكَ ضَرَبَ عُنُقَكَ، قالَ: فَبَينَما هُو يَضْرِبُ بِهَا إِذْ وَقَفَ عَلَيهِ
جَرِيرٌ، فَقَالَ: لَتَكْسِرَنَّهَا وَلَتَشْهَدَنَّ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَوْ لأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ. قالَ: فَكَسَرَهَا
وَشَهِدَ، ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ رَجُلاً مِنْ أَحْمَسَ يُكْنِى أَبَا أَرْطَاةَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ يُبَشِّرُهُ بِذلِكَ، فَلَمَّا
أَتَى النَّبِيَّ وََّ قالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، ما جِئْتُ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ
أَجْرَبُ، قالَ: فَبَرَّكَ النَّبِيُّ ◌ََّ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ.
واعلم أن النصارى لمَّا تسلَّطُوا على اليمن رأوا أن العربَ يَطُوفُونَ بالكعبة شرَّفها
اللهُ تعالى، ويَحُجُّونَها. فبنوا بيتاً مضاهاةً لها، وسَمَّوْهَا كعبةً يمانيةً، تمييزاً عن الكعبة
شرَّفها الله تعالى، فإنها يُقَالُ لها الشامية. وقد جَمَعَ الراوي في ذي الخَلَصَةِ بين
الوصفين. فقيل: إن الصوابَ اليمانيةُ فقط، ووصفُها بالشامية غَلَطٌ. ووجهُ الحافظ(١):
الجمع أيضاً .
قلتُ: قوله: ((ذو الخَلَصَةِ)) والكعبةُ اليمانيةُ معطوفٌ ومعطوفٌ عليه، وتمَّت العبارةُ
إلى لههنا. ثم قوله: ((والكعبةُ الشاميَّةُ)) ليس معطوفاً على ما قبله، بل مبتدأٌ وخبرٌ، أي
والكعبةُ يُقَالُ لها: الشاميةُ. وإن جَعَلْتَهُ معطوفاً، فالمعنى: إن ذا الخَلَصَةِ كانت تُدْعَى
باليمانية، وكذا بالشامية تمييزاً لها عن الكعبة المكرّمة التي بمكّة، فإنها كانت تُدْعَى
الكعبة مطلقاً .
وفي السِّيِّر: أن أَبْرَهَةَ لمَّا خَرَجَ إلى مَّةَ، وأقام بالمُزْدَلِفَةِ، قال الناسُ لعبد
المطّلب: لو كلَّمته فينا. فجاء إليه، فلمَّا رآه، وقَّره أَبْرَهَةُ، وسأله عمَّا جاء به إليه،
فقال: إن أَذِنْتَ لنا خرجنا بنَعَمِنَا، وغَنَمِنَا، فلمَّا سَمِعَ منه تلك الكلمة، وعَلِمَ أنه ليس له
همٌ إلاَّ في إنقاذ غنمهِ ونَعَمِهِ، قال: إنك أحمقٌ، تكلُّمني في غنم، فقال له عبد المطّلب:
نعم، فإنه ليس لي إلاَّ الغنم. وأمَّا البيتُ، فإنه يَحْفَظُهُ ربُّه بنفسه، وما لي أن أتكلّم فيه.
(١) قال الحافظُ: والذي يَظْهَرُ لي أن الذي في الرواية صوابٌ، وأنها كان يُقَالُ لها: اليمانيةُ باعتبار كونها باليمن،
والشاميةُ باعتبار أنهم جعلوا بابها مقابل الشام. أهـ. ثم قال الحافظُ: وقال غيره: قوله: ((والكعبةُ الشاميةُ)): مبتدأ
محذوفُ الخبر، تقديره هي التي بمكة. وقيل: الكعبةُ مبتدأٌ، والشاميةُ خبرُه. والجملةُ حالٌ. والمعنى: والكعبةُ
هي الشاميةُ لا غير. اهـ.

١٣١
كتاب المغازي
٤٣٥٦ - قوله: (كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ) "خارشتى اونت كوتار كول لكاتى هين -
ايساكالا كر كى جهورديا " أي أسودَ مرباداً، كالجمل الأَجْرَبِ، يُطْلَى بالقار.
٦٥ - بابٌ غَزْوَةُ ذَاتِ السَّلاَسِلِ
وَهِيَ غَزْوَةُ لَخْمٍ وَجُذَامَ، قَالَهُ إِسْماعِيلُ بْنُ أَبِي خالِدٍ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عُرْوَةَ: هِيَ بِلاَدُ بَلِيّ، وَعُذْرَةَ، وَبَنِي القَينِ.
٤٣٥٨ - حدّثنا إِسْحاقُ: أَخْبَرَنَا خالِدُ بْنُ عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ خَالِدِ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي
عُثْمانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَ لَهَ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَى جَيشٍ ذَاتِ السَّلاَسِلِ، قالَ: فَأَتَيْتُهُ
فَقُلتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: ((عائِشَةُ)). قُلتُ: مِنَ الَرِّجَالِ؟ قالَ: ((أَبُوهَا)). قُلتُ:
ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ((عُمَرُ)). فَعَدَّ رِجالاً، فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَني في آخِرِهِمْ. [طرفه في:
٣٦٦٢].
وهي اسمُ ماءٍ نحو الشام.
٤٣٥٨ - قوله: (فَقُلْتُ: أيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ). لمَّا بعثه النبيُّ وَّ أميراً على ذات
السَّلَاَسِل، زَعَمَ أن له وجاهةً عند النّبِيِّ بََّ، فسأله عن ذلك، طمعاً في أنه يفضِّلُهُ
عليهم. فَعَدَّ رجالاً، ثم سَكَتَ مخافةَ أنْ يَجْعَلَهُ في آخرهم. وهذا شأنُ الأنبياء عليهم
السَّلام، لا يتكلَّمُون إلاَّ بحقِّ في المَنْشَطِ، والمَكْرَهِ.
٦٦ - بابٌ ذَهَابُ جَرِيرٍ إِلَى اليَمَنِ
٤٣٥٩ - حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَة العَبْسِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِذْرِيسَ، عَنْ إِسْماعِيلَ بْنِ
أَبِي خالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قالَ: كُنْتُ بِالْبَحْرِ، فَلَقِيتُ رَجُلَينٍ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ: ذَا
كِلاَعْ وَذَا عَمْرٍو، فَجِّعَلتُ أُحَدِّثُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وََّ، فَقَالَ لَهُ ذُو عَمْرٍو: لَئِنَّ كَانَ الَّذِي
تَذْكُرٌ مِنْ أَمْرٍ صَاحِبِكَ، لَقَدْ مَرَّ عَلَّى أَجَلِهِ مِنْذُ ثَلاَثٍ. وَأَقْبَلاَ مَعِي حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَعْضٍ
الطَّرِيق، رُفِعَ لَنَا رَكْبٌ مِنْ قِبَلِ المَدِينَةِ فَسَأَلِنَاهُمْ، فَقَالُوا: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه
وَاسْتَخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، وَالنَّاسُ صَالِحُونَ، فَقَالاَ: أَخْبِرْ صَاحِبَكَ أَنَّا قَدْ جِئْنَا وَلَعَلَّنَا سَنَعُودُ إِنْ
شَاءَ اللَّهُ، وَرَجَعَا إِلَى اليَمَنِ، فَأَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرٍ بِحَدِيثِهِمْ، قالَ: أَفَلاَ جِئْتَ بِهِمْ؟ فَلَمَّا كَانَ
بَعْدُ قَالَ لِي ذُوِ عَمْرٍو: يَاَ جَرِيرُ إِنَّ بِكَ عَلَيَّ كَرَامَةً، وَإِنِّي مُخْبِرُكَ خَبَراً: إِنَّكُمْ، مَعْشَرَ
العَرَبِ، لَنْ تَزَالُوا بِخَيرٍ مَا كُنْتُمْ إِذَا هَلَكَ أَمِيرٌ تَأَمَّرْتُمْ فِي آخَرَ، فَإِذَا كانَتْ بِالسَّيفِ، كانُوا
مُلُوكاً، يَغْضَبُونَ غَضَبََ المُلُوكِ، وَيَرْضَوْنَ رِضَا المُلُوكِ.
٤٣٥٩ - قوله: (لَئِنْ كَانَ الذي تَذْكُرُ مِنْ أَمْرِ صَاحِبِكَ، لَقَدْ مَرَّ عَلَى أَجَلِهِ منذُ

١٣٢
كتاب المغازي
ثَلاَثٍ). كان ذُو عَمْرِو كاهناً (١)، فقال من كهانته ما قال، ومع هذا سَأُسَافِرُ إليهِ طَمَعاً في
بقائه وحياته. وهذا يَدُلُّ على أن الكاهنَ لا يكون له اعتماد على خبره، وإلاَّ لَمَا سافر
إليه. وأمَّا قوله: ((من أتى كاهنا)) ... إلخ، فهو عندي إذا أتاه يظنُّه صادقاً، وإلاَّ فلا(٢).
٦٧ - بابٌ غَزْوَةُ سِيفِ البَحْرِ، وَهُمْ يَتَلَقَّوْنَ عِيراً لِقُرَيْشِ،
وَأَمِيرُهُمْ أَبُو عُبَيدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ رضيَ الله عَنْهُ
٤٣٦٠ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَني مالِكٌ، عَنْ وَهْبٍ بْنِ كَيسَانَ، عَنْ جابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ بَهَ بَعْثاً قِبَلَ السَّاحِلِ، وَأَمَّرَ عَلَيهِمْ أَبَا
عُبَيدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ، وَهُمْ ثَلاَثُمِائَةٍ، فَخَرَجْنَا وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِقِ فَنِيَ الزَّادُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيدَةَ
بِأَزْوَادِ الجَيشِ فَجَمِعَ، فَكَانَ مِزْوَدَي تَمْرٍ، فَكانَ يَقُوتُنَا كُلَّ يَوْم قَلِيلٌ قَلِيلٌ حَتَّى فَنِيَ، فَلَمْ
يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّ تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، فَقُلتُ: ما تُغْنِي عَنْكُمْ تَمْرَةٌ؟ فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ
فَنِيَتْ، ثُمَّ انْتَهَينَا إِلَى الْبَحْرِ، فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الَّرِبِ، فَأَكَلَ مِنْهَا القَوْمُ ثَمَانَ عَشْرَةَ لَيلَةً،
ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَينٍ مِنْ أَضْلاَعِهِ فَنُصِبَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرِحِلَتْ ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ
تُصِبْهُمَا. [طرفه في: ٢٤٨٣].
٤٣٦١ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قالَ: الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ
دِينَارٍ قالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ ثَلاَ ثَمِائَةِ رَاكِبِ، أَمِيرُنَا أَبُوَ
عُبَيدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ، نَرْصُدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، فَأَقَمْنَا بِالسَّاحِلِ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَصَابَنَّا جُوعٌ شَدِيدٌ
حَتَّى أَكَلِنَا الخَبَّطَ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْجَيشُ جَيشَ الخَبَطَ، فَأَلقَى لَنَّا البَحْرُ دَابَّةً يُقَالُ لَهَا
العَنْبَرُ، فَأَكَلِنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، وَادَّهَنَّا مِنْ وَدَكِهِ، حَتَّى ثَابَتْ إِلَيْنَا أَجْسَامُنا، فَأَخَذَ أَبُو
عُبَيْدَةَ ضِلَعاً مِنْ أَضْلاَعِهِ فَنَصَبَهُ، فَعَمَدَ إِلَى أَظْوَلِ رَجُلٍ مَعَهُ - قَالَ سُفيَانُ مَرَّةً: ضِلَعاً مِنْ
أَضْلاَعِهِ فَنَصَبَهُ، وَأَخَذَ رَجُلاً وَبَعِيراً - فَمَرَّ تَحْتَهُ.
قالَ جابِرٌ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ نَحَرَ ثَلاَثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَحَرَ ثَلاَثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَحَرَ
ثَلاَثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا عُبَيدَةَ نَهَاهُ.
وَكَانَ عَمْرٌو يَقُولُ: أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ: أَنَّ قَيسَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ لأَبِيهِ: كُنْتُ فِي
(١) قلتُ: وقد شَاعَ في كثيرٍ من أعلام أهل اليمن كلمة ((ذو)) في أوائلها، كما في ذي يَزَن، وذي جَدَن، وذي كَلاَع،
وغيرهم. واشْتَهَرَ هؤلاء بأذْوَاءِ اليمن.
(٢) قلتُ: أخرج أحمد، وأبو داود، كما في ((المشكاة))، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((مَنْ أتى كاهناً، فَصَدَّقه بما
يقول .... فقد بَرىء ممَّا أُنْزِلَ على محمدٍ)). وقد وَرَدَ النهيُ عند مسلم مطلقاً، وكأنه محمولٌ على حديث أبي
داود، وأحمد .

١٣٣
كتاب المغازي
الجَيشِ فَجَاعُوا، قَالَ: انْحَرْ، قَالَ: نَحَرْتُ، قَالَ: ثُمَّ جاعُوا، قالَ: انْحَرْ، قالَ:
نَحَرْتُ، قالَ: ثُمَّ جاعُوا، قالَ: انْحَرْ، قالَ: نَحَرْتُ، ثُمَّ جاعُوا، قالَ: انْحَرْ، قالَ:
نُهيتُ. [طرفه في: ٢٤٨٣].
٤٣٦٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنِ ابْنٍ جُرَيج قالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو: أَنَّهُ سَمِعَ
جابِراً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: غَزَوْنَا جَيشَ الخَبَطِ، وَأُمْرَ أَبُو عُبَيدَةَ، فَجُعْنَا جُوعاً شديداً،
فَأَلْقَى البَخْرُ حُوتاً مَيِّتاً، لَمْ نَرَ مِثْلَهُ، يُقَالُ لَهُ العَنْبَرُ، فَأَكَلِنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَخَذَ أَبُو
عُبَيْدَةً عَظْماً مِنْ عِظَامِهِ فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ.
فَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جابِراً يَقُول: قالَ أَبُو عُبَيدَةَ: كُلُوا، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِيَنَةَ
ذَكَرْنَا ذِلِكَ لِلِنَّبِيِّ ◌َفَقَالَ: ((كُلُوا رِزْقاً أَخْرَجَهُ اللَّهُ، أَطْعِمُونَا إِنْ كانَ مَعَكُمْ)). فَأَتَاهُ
بَعْضُهُمْ فَأَكَلَهُ. [طرفه في: ٢٤٨٣].
وهذه أيضاً سَرِيَّةٌ بعثها النبيُّ نَّهَ إلى ناحيةٍ من البحر، وأمَّر عليها أبا عُبَيْدة، وكان
زاد فيها جِرَاباً من حَشَفٍ فقط .
٤٣٦٠ - قوله: (فإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الطّرِبِ) ... إلخ. وفي الروايات الآتية اسمها:
عَنْبَرُ(١) - بدله - ولفظ: ((الحوت)) يُفِيدُ الحنفيةُ في مسألة حيوانات البحر. والظَّرِبُ: جبلٌ
صغيرٌ.
٤٣٦١ - قوله: (الخَبَط): "كيكركى بتى" : أوراقُ السَّمُرَةِ.
قوله: (أَنْحَرْ): "أى نحر كيا هوتا. "فالأمرُ ههنا ليس بمعناه المعروف، بمعنى
إحداث الفعل في الحالة الراهنة، بل هو على حدٍّ قوله: اقرأ، في قصة قراءة أُسَيْد بن
حُضَيْر سورة الكهف، "يعني أوبرها هوتا ."
٦٨ - بابٌ حَجُ أَبِي بَكْرٍ بِالنَّاسِ فِي سَنَةٍ تِسْعِ
٤٣٦٣ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعَثَهُ، في الحَجَّةِ الَّتِي
(١) يُقَالُ: إن العَنْبَرَ المشمومَ رجيعُ هذه الدابة. وقال ابنُ سيناء: بل المشمومُ يَخْرُجُ من البحر، وإنما يُؤْخَذُ من
أجواف السمك الذي يبتلعه. ونقل الماوردي عن الشافعيِّ، قال: سَمِعْتُ من يقول: رأيت العَنْبَرَ نابتاً في البحر،
ملتوياً مثل عنق الشاة. وفي البحر دابةٌ، تَأْكُلُهُ، وهو سمٌّ لها، فَيَقْتُلُها فَيَقْذِفُهَا، فَيَخْرُجُ العنبرُ من بطنها. وقال
الأزهريُّ: العَنْبَرُ سمكةٌ تكون بالبحر الأعظم، يَبْلُغُ طولها خمسين ذراعاً، يُقَالُ لها: بالة، وليست بعربية. قال
الفرزدقُ:
فَبِتْنَا كأنَّ العَثْبَرَ الورد بيننا
أي قد تشفّق. اهـ ((فتح الباري)).
وبالةُ بحرٍ فاؤها قد تخرَّما

١٣٤
كتاب المغازي
أَمَّرَهُ النَّبِيُّ ◌َِّ قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ في النَّاسِ: لاَ يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ
مُشْرِكْ، وَلاَ يَطُوفُ بِالبَيتِ عُرْيَاَنٌ. [طرفه في: ٣٦٩].
٤٣٦٤ - حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كامِلَةً بَرَاءَةٌ، وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ خَاتِمَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ:
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيَكُمْ فِ اُلْكَلَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]. [الحديث ٤٣٦٤ - أطرافه في: ٤٦٠٥،
٤٦٥٤، ٦٧٤٤].
٦٩ - بابٌ وَفدُ بَنِي تَمِيمٍ
٤٣٦٥ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي صَخْرَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ
المَازِنِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيَّنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: أَتَى نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَمِيم النَّبِيَّ ◌ََِّ،
فَقَالَ: ((اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيم)). قالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَشَرْتَنَا فَأَعْطِنَاَ، فَرُئِيَ ذلِكَ
في وَجْهِهِ، فَجَاءَ نَفَرٌ مِنَ اليَمَنِ، فَقَالَ: ((اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلَهَا بَنُو تَمِيمٍ)). قالُوا: قَدْ
قَبِلنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. [طرفه في: ٣١٩٠].
٧٠ - بابٌ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: غَزْوَةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ حُذَيفَةَ بْنِ بَدْرٍ بَنِي العَنْبَرِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ.
بَعَثَهُ النَّبِيُّ وَّهِ إِلَيْهِمْ، فَأَغَارَ، وَأَصَابَ مِنْهُمْ نَاساً، وَسَبَى مِنْهُمْ نِسَاءً .
٤٣٦٦ - حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي
زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لاَ أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيم بَعْدَ ثَلاَثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ يَقُولُهَا فِيهِمْ: ((هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ). وَكَانَتْ فِيهِمْ سَبِيَّةٌ عِنْدَ
عائِشَةَ، فَقَالَ: ((أَعْتِقِيهَا، فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ)). وَجاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ، فَقَالَ: ((هذهِ
صَدَقَاتُ قَوْمِ، أَوْ: قَوْمِي)). [طرفه في: ٢٥٤٣].
٤٣٦٧ - حدّثني إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسِى: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيجِ
أَخْبَرَهُمْ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَّيِكَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيرِ أَخْبَرَهُمْ: أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٌ
عَلَى النَّبِيِّ بَّةِ،َ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِّرِ القَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ، فقالَ عُمَرُ: بَل أَمِّرِّ
الأَقْرَعَ بْنَ حابِسٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَّ خِلاَفِي، قَالَ عُمَرُ: ما أَرَدْتُ خِلاَفَكَ،
فَتَمَارَيَا حَتَّى أَرْتُفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَّا، فَنَزَلَ فيِ ذلِكَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ
وَرَسُولِ﴾ [الحجرات: ١]، حَتَّى انْقَضَتْ. [الحديث ٤٣٦٧ - أطرافه في: ٤٨٤٥، ٤٨٤٧، ٧٣٠٢].
وقد كَثُرَتْ الوفودُ إلى النبيِّ وََّفي التاسعة. ولذا يُقَالُ لها: عامُ الوفود. ويَذْكُرُ
المصنّفُ أيضاً بعضَها .

١٣٥
كتاب المغازي
٤٣٦٦ - قوله: (لا أَزَالُ أُحِبُّ بني تَمِيمٍ)، وإنما كان بنو تَمِيم من قوم النبيِّ لَّ،
لأن النبيَّ ◌ََّ كان من مُضَرَ، وهؤلاء أيضاً مُضِّرِيُّون.
٤٣٦٧ - قوله: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي اللَّهِ وَرَسُولِهِ). وهل هذا الفعل لازمٌ، أو
متعدِّي؟ فراجع له ((روح المعاني)).
٧١ - بابُ وَفِدِ عَبْدِ القَيسِ
٤٣٦٨ - حدّثني إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا أَبُو عامِرِ العَقَدِيُّ: حَدَّثَنَا قُرَّةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ،
قُلتُ لإِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ لِي فيها جِرَّةً يُنْتَبَذُ لِي فِيهَا نَبِيذٌ، فَأَشْرَبُهُ حُلواً في
جَرِّ، إِنْ أَكْثَرْتُ مِنْهُ فَجَالَسْتُ القَوْمَ فَأَطَلتُ الجُلُوسَ خَشِيتُ أَنْ أَفْتَضِحَ، فَقَالَ: قَدِمَ وَفِدُ
عَبْدِ القَيسِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ وََّ، فَقَالَ: ((مَرْحَباً بِالقَوْمِ، غَيرَ خَزَايَا وَلاَ النَّدَامِى)). فَقَالُوا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَينَكَ المُشْرِكِينَ مِنْ مُضَرَ، وَإِنََّ لاَ نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّ فِي أَشْهُرِ الحُرُم،
حَدِّثْنَا بِجُمَلٍ مِنَ الأَمْرِ: إِنْ عَمِلنَا بِهِ دَخَلنَا الجَنَّةَ، وَنَدْعُو بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا. قالَ: ((آمُرُكُمْ
بِأَرْبَعِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعَ: الإِيمَانِ بِاللَّهِ، هَل تَدْرُونَ ما الإِيمَانُّ بِاللَّهِ؟ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلَّ
اللَّهُ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَّإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغَانِمِ الخُمُسَ؛
وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَع: ما انْتُبِذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالحَنْتَمِ وَالمُزَقَّتِ)). [طرفه في: ٥٣].
٤٣٦٩ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قالَ:
سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدِمَ وَفدُ عَبْدِ الْقَيسِ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ، فَقَالُوا: يَاَ رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا
هذا الحَيَّ مِنْ رَبِيْعَةَ، وَقَدْ حالَتْ بَيْنَنَا وَبَينَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، فَلَسْنَا نَخْلُصٍُ إِلَيكَ إِلاَّ فِي شَهْرٍ
حَرَامٍ، فَمُرْنَا بِأَشْيَاءَ نَأْخُذُ بِهَا وَنَدْعُو إِلَيهَا مَنْ وَرَاءَنَا، قالَ: ((آمُرُكُمْ بِأَرْبَعِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ
أَرْبَعَ، الإِيمَانِ بِاللَّهِ: شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلَّهَ إِلاَّ اللَّهُ - وَعَقَدَ وَاحِدَةً - وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ
الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا لِلَّهِ خُمُسَ ما غَنِمْتُمْ. وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالَخَنْتَمِ وَالمُزَفَّتِ)).
[طرفه في: ٥٣].
٤٣٧٠ - حدّثنا يَحْيى بْنُ سُلَيمانَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو. وَقَالَ بَكْرُ بْنُ
مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ بُكَيرٍ: أَنَّ كُرِيباً مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسِ حَدَّثَهُ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ
وَعَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ أَزْهَرَ وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَرْسَلُوا إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالوا: اقْرَأَّ
عَلَيْهَا السَّلاَمَ مِنَّا جَمِيعاً، وَسَلَهَا عَنِ الرَّكْعَتَينِ بَعْدَ العَصْرِ، وَإِنَّا أُخْبِرْنَا أَنَّكِ تُصَلِّيهَا، وَقَدْ
بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ وَّ نَهَى عَنْهَا .
قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكُنْتُ أَضْرِبُ مَعَ عُمَرَ النَّاسَ عَنْهُمَا .
قالَ كُرَيْبٌ: فَدَخَلتُ عَلَيْهَا وَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي، فَقَالَتْ: سَل ◌ُمَّ سَلَمَةَ، فَأَخْبَرْتُهُمْ،
صَلى الله
استاكد
فَرَدُونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ

١٣٦
كتاب المغازي
يَنْهِى عِنْهُمَا، وَإِنَّهُ صَلَّى العَصْرَ، ثمَّ دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنَ الأَنْصَارِ،
فَصَلاَّهُمَا، فَأَرْسَلتُ إِلَيهِ الخَادِمَ، فَقُلتُ: قُومِي إِلَى جَنْبِهِ، فَقُولِي: تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، أَلَمْ أَسْمَعْكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَينِ الرَّكْعَتَينِ؟ فَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا، فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ
فَاسْتَأْخِرِيٍ، فَفَعَلَّتِ الجَارِيَّةُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قالَ: ((يَا بِنْتَ أَبِي
أُمَيَّةَ، سَأَلتِ عَنِ الرَّكْعَتَينِ بَعْدَ العَصْرِ؟ إِنَّهُ أَتَانِي أُنَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيسِ بِالإِسْلاَمِ مِنْ
قَوْمِهِمْ، فَشَغَلُونِيَ عَنِ الرَّكْعَتَينِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظهْرِ، فَهُمَا هَاتَانٍ)). [طرفه في: ١٢٣٣].
٤٣٧١ - حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ الجُعْفِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو عامِرٍ عَبْدُ المَلِكِ: حَدَّثَنَا
إِبْرَاهِيمُ، هُوَ ابْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: أَوَّلُ
جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ، بَعْدَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ في مَسْجِدٍ رَسُولِ اللَّهِ بَِّ، فِي مَسْجِدِ عَبْدِ القَيسِ
بِجُوَاثَى. يَعْنِي قَرْيَةً مِنَ الْبَحْرَينِ. [طرفه في: ٨٩٢].
٧٢ - بابُ وَفِدِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَحَدِيثِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ
٤٣٧٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّثُ قالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ :
أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ وَ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ
بَنِي حَنِيفَةً يُقَالُ لَهُ ثَمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيهِ
النَّبِيُّ ◌َ فَقَالَ: ((ما عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟)) فَقَالَ: عِنْدِي خَيرٌ، يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلِي، تَقْتُل ذَا
دَم، وَإِنْ تُنْعِمْ، تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالُ، فَسَل مِنْهُ ما شِئْتَ، حَتَّى كانَ
الَّغَدُ، ثُمَّ قالَ لَهُ: ((ما عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟)) فقالَ: ما قُلتُ لَكَ؛ إِنْ تُنْعِمْ، تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ،
فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الغَدِ، فَقَالَ: ((ما عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟)) قَالَ: عِنْدِي ما قُلتُ لَكَ، فَقَالَ:
(أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ)). فَانْطَلَقَ إِلَى نَجْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ:
أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدٌ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ ما كانَ عَلَى
الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ ما كانَ
مِنْ دِيْنٍ أَبْغَضُ إِلَيٍّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ. وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ
إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ البِلاَدِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيلَكَ أَخَذَتْنِي، وَأَنَا أُرِيدُ العُمْرَةَ،
فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهُ بَّهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةً قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ؟
قالَ: لاَ، وَلكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ، وَلاَ وَاللَّهِ، لاَ يَأْتِيكُمْ مِنَ اليَمامَةِ حَبَّةُ
حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ وَِّ. [طرفه في: ٤٦٢].
٤٣٧٣ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَينٍ: حَدَّثَنَا
نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: قَدِمَ مُسَيلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ اللّهِ وَهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ، وَقَدِمَهَا في بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ

١٣٧
كتاب المغازي
قَوْمِهِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ وَّهَ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيسٍ بْنِ شَمَّاسٍ، وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ وَُّ
قِطْعَةُ جَرِيدٍ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ في أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: (لُوْ سَأَلْنِي هذهِ القِطْعَةَ ما
أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَّيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ، وَإِنِّي لأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ
فِيهِ ما رَأَيتُ، وَهذا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي)). ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَسَأَلِتُ عَنْ
قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ وَه: ((إِنَّكَ أُرَىِ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ ما رَأَيْتُ)). فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرِّيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وَِّ قالَ: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيتُ في يَدَيَّ سِوَارَينٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأُوحِيَ
إِلَيَّ في المَنَامِ: أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَّا فَطَارَا، فَأَوَّلَتُهُمَا كَذَّابِّينِ يَخْرُجَانٍ بَعْدِي؛ أَحَدُهُمَا
العَنْسِيُّ، وَالآخَرُ مُسَيلِمَةُ)). [طرفه في: ٣٦٢١].
٤٣٧٤، ٤٣٧٥ - حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ
هَمَّامٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ
بِخَزَّائِنِ الأَرْضِ، فَوُضِعَ في كَفِّي سِوَارَانٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا عَلَيَّ، فَأُوحِيَ إلَيَّ أَنِ
انْفُخْهُمَا، فَنَفَخَّتُهُمَا فَذَهَبَا، فَأَوَّلِتُّهُمَا الكَذَّابَينِ، اللَّذَينِ أَنَا بَينَهُمَا: صَاحِبَ صَنْعَاءَ،
وَصَاحِبَ اليَمامَةِ)). [طرفه في: ٣٦٢١].
٤٣٧٦ - حدّثنا الصَّلتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: سَمِعْتُ مَهْدِيَّ بْنَ مَيمُونٍ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا
رَجاءِ العُطَارِدِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَراً هُوَ أَخْيَرُ أَلقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا
الآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَراً، جَمَعْنَا جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ ثُمَّ طُفْنَا
بِهِ، فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلنَا: مُنَصِّلُ الأَسِنَّةِ، فَلاَّ نَدَعُ رُمْحاً فِيهِ حَدِيدَةٌ، وَلاَ سَهْماً فِيهِ
حَدِيدَةٌ، إِلاَّ نَزَعْنَاهُ وَأَلْقَيْنَاهُ شَهْرَ رَجَبٍ .
٤٣٧٧ - وَسَمِعْتُ أَبَا رَجاءٍ يَقُولُ: كُنْتُ يَوْمَ بُعِثَ النَّبِيُّ ◌َ لَ غُلاَماً، أَرْعى الإِبِلَ
عَلَى أَهْلِي، فَلَمَّا سمِعْنَا بِخُرُوجِهِ فَرَرْنَا إِلَى النَّارِ، إِلَى مُسَيِلِمَةَ الْكَذَّابِ.
وهي قبيلةُ مُسَيْلَمَةً.
٤٣٧٢ - قوله: (أسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ) وقد اسْتَشْكَلَ القاصرون لفظ:
((مع)، لعدم استقامته ههنا، لأن إسلامَه لم يَكُنْ مع النبيِّ وَّ أصلاً، فتكلَّفوا فيه، كما
تكلّفوا في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، حيث زَعَمُوا أنه يُوجِبُ أن
تُوجَدَ قابلية السعي فيهما معاً. فقالوا: إن ﴿مَعَهُ﴾ متعلِّقٌ بالمصدر، لا بالفعل. فَوَرَدَ
عليهم إعمال المصدر المعرَّف باللام فيما قبله، وهو مُخْتَلَفٌ فيه.
قلتُ: وهذا كلُّه في غير موضعه. والحقُّ إن لفظَ: ((مع)) لا يقتضي إلاَّ الشركة في
الجملة. ومَنْ قال لك: إن المصاحبةَ فيه لا بُدَّ أن تكونَ مستمرةً، فَيَصْدُقُ لفظ ((مع)) إذا
اجتمع إسلامه مع إسلام النبيِّ ◌َّ في وقتٍ ما، ولا يُوجِبُ المصاحبة المستمرة أصلاً.

١٣٨
كتاب المغازي
٤٣٧٣ - قوله: (قَدِمَ مُسَيْلَمَةُ الكَذَّابُ) ... إلخ. وقد بَحَثَ في ((الفتح)) أنه هل رأى
النبيَّ ◌َّ أو لا؟ والرواياتُ فيه مضطربةٌ. ويُتَبَادَرُ من لفظ البخاريِّ: «فأقبلَ إليه رسولُ الله
ز)) ... إلخ، أنه رآه.
قلتُ: وفي (١) ((الفتح)) نقولُ تَدُلُّ على أنه بَقِي جالساً في خيمته، ولم يَخْرُجْ إلى
النبيِّ نَّة، وتكلّم بواسطة رسوله. فالظنُّ بالشقي مثله أن يكونَ اللَّهُ سبحانه حرَّمه عن
النظر إلى وجه حبيبه هل﴾. فلا أُسَلِّمُ الرؤيةَ في حقٌّه ما لم أَجِدْ صرائحَ الألفاظ، فإن
الأليقَ بشأنه هو الحرمانُ والخسرانُ.
٤٣٧٦ - قوله: (سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءِ العُطَارِدِيَّ) ... إلخ، وهو تابعيٍّ كبيرٌ، يحكي عن
قصةٍ في الجاهلية .
قوله: (مُنَصِّلُ الأَسِنَّةِ) يعني: "يه مهينه الك كرنى والا هى نيزونكو " أي إن رَجَبَ
يَنْزِعُ عنهم الرماح، لأنَّهم كانوا لا يغزون فيه، كفعل الروافض في المحرَّم، حيث يَحِدُونَ
فيه، فَيَنْزِعُون الحلي عن نسائهم، ويَلْبَسُون ثياباً سوداً.
فائدةٌ: واعلم أن الفعلَ اللازمَ يَجُوزُ إخراجهِ مجهولاً في ثلاثة مواضع: صِيمَ
رمضان، وسِيرَ بزيدٍ، وسِيرَ سيراً. ولكن الفعلَ لا يُؤَنَّثُ في الصور كلِّها. والضابطةُ: أن
إسنادَه إن كان إلى ظرفٍ غير مُنْصَرِفٍ، أو إلى الجار والمجرور، أو إلى مصدره، جاز
إخراجه مجهولاً. وقد جوَّزَهُ بعضُهم في المُنْصَرِفِ، وغير المُنْصَرِفِ تمسُّكاً من قوله:
وقد حِيلَ بين العير والنَّزَوَان، وبين: من الظروف المُنْصَرِفَةِ.
٧٣ - بابٌ قِصَّةُ الأَسْوَدِ العَنْسِيِّ
٤٣٧٨ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ الجَرْمِيُّ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيم: حَدَّثَنَا أَبِيِ،
عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عُبَيْدَةَ بْنِ نَشِيطٍ، وَكانَ في مَوْضِعٍ آخَرَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَّ عُبَيدَ اللَّهِ
(١) قلتُ: أخرج الحافظُ، عن أبي إسحاق: أنه قَدِمَ مع وفد قومه، وأنهم تَرَكُوهُ في رحالهم يَحْفَظُهَا لهم ... إلخ.
وجمع الحافظُ بينه وبين ما في ((الصحيح)): أنه يَحْتَمِلُ أن يكونَ مُسَيْلَمَةُ قَدِمَ مرَّتين: الأولى: كان تابعاً - كما
تَدُلُّ عليه رواية ابن إسحاق - والثانيةُ: كان متبوعاً، وفيها خَاطَبَهُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسَّلم - كما هو عند
البخاريِّ - أو يُقَالُ: إن القصةَ واحدةٌ، وكانت إقامتُه في رحالهم باختياره، أنفةً منه، واستكباراً أن يَحْضُرَ مجلسَ
النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم. اهـ ملخّصاً من ((الفتح).
قلتُ: وإنَّما حَمَلَ الشيخُ على الجنوح إلى ما في رواية ابن إسحاق، مع أن الحافظَ ضعَّفها، غايتُه إجلالُ النبيِّ
صلَّى الله عليه وسلَّم. فإن غيرةَ الحبِّ لم ترخِّص له أن يُسَلِّمَ في حقّه رؤيةً كافرٍ لمحياه الكريم، ولله درُّ القائل:
كوش رانيز حديثي تو شنیدن ندهم/
/ غيرت ازجشم برم رؤى توديدن ندهم
فكيف إذا كان أكفرَ كافرٍ .

١٣٩
كتاب المغازي
بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ قالَ: بَلَغَنَا أَنَّ مُسَيلِمَةَ الكَذَّابَ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَنَزَلَ فيِ دَارٍ بِنْتِ
الحَارِثِ، وَكَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ الحَارِثِ بْنِ كُرَيزٍ، وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، فَأَتَاهُ رَسُولُ
اللّهِ ﴿ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ بْنِ شَمَّاسٍ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: خَطِيبُ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ، وَفِي
يَدِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ قَضِيبٌ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَكَلَّمَهُ، فَقَالَ لَهُ مُسَيِمَةُ: إِنْ شِئْتَ خَلَّيْتَ بَينَنَّا
وَبَيْنَ الأَمْرِ، ثُمَّ جَعَلتَهُ لَنَا بَعْدَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لَوْ سَأَلْتَنِي هذا الْقَضِيبَ ما أَعْطَيْتُكَهُ،
وَإِنِّي لارَاكَ الذِي أُرِيتُ فِيهِ ما أُرِيتُ، وَهذَا ثَابِتُ بْنُ قَيسٍ، وَسَيُجِيبُكَ عَنِّي)). فَانْصَرَفَ
النَّبِيُّ ◌َِّ. [طرفه في: ٣٦٢٠].
٤٣٧٩ - قالَ عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: سَأَلتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، عَنْ رُؤْيَا رَسُولٍ
اللَّهِ وَ الَّتِي ذَكَرَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَ قَالَ: (بَينَا أَنَا نَائِمٌ، أُرِيتُ
أَنَّهُ وُضِعَ في يَدَيَّ سِوَارَانٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَفُظِعْتُهُمَا وَكَرِهْتُهُمَا، فَأُذِنَ لِي فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا،
فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَينِ يَخْرُ جَانٍ)». فَقَالَ غُبَيدُ اللَّهِ: أَحَدُهُمَا العَنْسِيُّ الذِي قَتَلَهُ فَيَرُوزُ بِاليَمَنِ،
وَالآخَرُ مُسَيِلِمَةُ الكَذَّابُ. اشْرِفه في: ٣٦٢١].
وقتله الفَيْرُوز الدَّيْلَميّ الصحابيّ. وقتل مُسَيْلَمَةَ قاتلُ حمزة. وإنَّما لم يَقْتُلْهُ النبيُّ
وَيّ لئلا يُقَالَ: إنه يَقْتُلُ كلَّ من يدَّعي النبوةَ، فترك أمره إلى الله، حتَّى قُتِلَ في زمن أبي
بكر. وفيه منقبةٌ لأبي بكرٍ، لأن النبيَّ ◌َّ تولَّى نَفْخَ السِّوَارَيْنِ بنفسه حتَّى طارا، ثم ظَهَرَ
تأويله على يد أبي بكرٍ. ذكره في ((الفتح)).
٧٤ - بابُ قِصَّةِ أَهْلِ نَجْرَانَ
٤٣٨٠ - حدّثني عَبَّاسُ بْنُ الحُسَينِ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ آدَمَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي
إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيفَةَ قَالَ: جاءَ العَاقِبُ وَالسَّيِّدُ، صَاحِبَا نَجْرَانَ، إِلَّى
رَسُولِ اللَّهِ وَّه يُرِيدَانَ أَنْ يُلاَعِنَاهُ، قَالَ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لاَ تَفْعَل، فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ
نَبِيّاً فَلاَعَنَّا لاَ نُفَلِحُ نَحْنُ وَلاَ عَقِبُّنَا مِنْ بَعْدِنَا، قالاَ: إِنَّا نُعْطِيكَ ما سَأَلْتَنَا، وَابْعَثْ مَعَنَا
رَجُلاً أَمِيناً، وَلاَ تَبْعَثْ مَعَنَا إِلاَّ أَمِيناً، فَقَالَ: (لأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلاً أَمِيناً حَقَّ أَمِينٍ)).
فَاسْتَشْرَفَ لَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ، فَقَالَ: ((قُمْ يَا أَبَا عُبَيدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ)). فَلَمَّا قَامَ،
قالَ رَسُولُ اللّهِ وَه: «هذا أَمِينُ هذِهِ الأُمَّةِ)). [طرفه في: ٣٧٤٥].
٤٣٨١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قالَ: سَمِعْتُ
أَبَا إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: جاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى
النَّبِيِّ ◌ََّ، فَقَالُوا: ابْعَثَ لَنَا رَجُلاً أَمِيناً، فَقَالَ: ((لأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلاً أَمِيناً حَقَّ أَمِينٍ)).
فَاسْتَشْرَفَ لَهُ النَّاسُ، فَبَعَثَ أَبَا عُبَيدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ. [طرفه في: ٣٧٤٥].
٤٣٨٢ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ

١٤٠
كتاب المغازي
النَّبِيِّ ◌ََّ قالَ: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هذهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيدَةَ بْنُ الجَرَّاح)). [طرفه في:
٣٧٤٤] .
وكان أهل نَجْرَان جاؤوا إلى النبيِّ وَّةٍ ليناظروه في أمر عيسى عليه الصلاة
والسَّلام. فلمَّا لم يَقْبَلُوا الحقَّ دعاهم إلى المُبَاهَلَةِ. والبُهْلَةُ: اللعنةُ. والمُبَاهَلَةُ عندي
كانت على جميع ما يتعلَّقُ بشأن عيسى عليه الصلاة والسلام، من براءة أمِّه، وحياتِهِ عليه
الصَّلاة والسَّلام وغيرها. وقد نَقَلْتُ عبارةَ محمد بن إسحاق برمتها في رسالتي ((عقيدة
الإِسلام))، فهذا دليلٌ على أن النبيَّ ◌َّ قد بَاهَلَهُمْ على حياته أيضاً.
ثُمَّ إن رؤساءهم أيضاً كانوا معهم، وكان اسمُ أحدهم العاقبَ، والآخر السَّيِّد،
والذي فَهِمْتُ أنه على عُرْفٍ(١) العرب، فإنَّهم كانوا يسمَّوْنَ من يكون إمام الجيش
حاشراً، والذي يكون عَقِيبِه عَاقِباً. وعلى هذا فلعلَّ السيدَ كان لقباً لمن كان إمامهم،
والعاقِبَ للذي كان في عَقِبِهِمْ. وبهذا فَلْيُشْرَحْ اسم النبيِّ وَّ: العاقب. والشارحون
غَفَلُوا عن هذه المجاورة، فلم يتوجَّهُوا إليها. وحينئذٍ تسميتُه عاقباً، بمعنى كونه على
عَقِبِ الأنبياء، كما يسمَّى الآخر من الجيش عَاقِباً، لكونه في عَقِبِهِمْ.
واعلم (٢) أن المُبَاهَلَةَ تَجُوزُ في المضايق الآن أيضاً، وقد دوَّن الدَّوَّانيُّ الشافعيُّ
شرائطَهَا في رسالةٍ مستقلَّةٍ. وقد كان من دَيْدَن لعين القاديان صاحب الهذر والهذيان،
الدعوةُ إلى المباهلة. وقد كان الناسُ لا يَتَبَادَرُون إليها لغناء ربِّ العالمين، فإن النبيَّ وَّل
قد كان ربُّه وَعَدَهُ بالنصر. وأمَّا نحن في هذه الحالة، والله غنيٌّ عن العالمين، وأنَّى نَعْلَمُ
أنه لا يَنْصُرُ ذلك الشقيُّ استدراجاً. فدعى أذنابه - علماء ديوبند إليها - فتأخّروا عنها
لهذا. ودَعَوْهُ إلى المناظرة لِيَهْلِكَ من هَلَكَ عن بيِّنةٍ، ويحيى من حي عن بيِّنةٍ. ولكن
المخذولون المحرومون عن العلم، كانوا يَخَافُون أن يَخْرُجُوا إلينا في تلك المعركة.
فلمَّا رأيناهم أنهم لا يَخْرُجُون إلاَّ إلى المُبَاهَلَةِ، قَبِلْنَاها منهم أيضاً، وأرَدْنَا أن لا نَتْرُكَ
لهم عذراً. ولكنَّهم لمَّا رأوا أنا قد تأهَّبنا لها إذا هم يَنْكُثُون. فلمَّا رَجَعَ شيخُنا منِ مالتا -
وكان بها أسيراً منذ سنين - وسَمِعَ القصةَ غَضِبَ علينا، وقال: ما دلَّكم على أن اللَّه تعالى
(١) هكذا وجدته في مذكرتي، وعسى أن يكونَ فيه نقصاً. وبعدُ، ما ذَكَرَهُ الشيخُ واضحٌ في معناه.
(٢) قال الحافظُ: وفيه مشروعيةُ مُبَاهَلةِ المُخَالِفِ إذا أصرَّ بعد ظهور الحُجَّةِ. وقد دعا ابنُ عبَّاسٍ إلى ذلك، ثم
الأوزاعيُّ. ووقع ذلك لجماعةٍ من العلماء. وممَّا عُرِفَ بالتجربة: أنَّ من بَاهَلَ، وكان مُبْطِلاً، لا تمضي عليه سنةً
من يوم المُبَاهَلَةِ. وقد وَقَعَ لي ذلك مع شخصٍ كان يتعضَّب لبعض الملاحدة، فلم يَقُمْ بعدها غيرَ شهرين. اهـ.
قلتُ: وقد ذَكَرَ الحافظُ فيه فائدةً أخرى مهمةً تُفِيدُكَ في مبحث الإيمان، قال: وفي قصة أهل نَجْرَان أن إقرارَ
الكافر بالنبوة لا يُدْخِلُهُ في الإِسلام حتَّى يَلْتَزِمَ أحكامَ الإِسلام. وهذا عينُ ما حقَّقه الشيخُ فيما مرَّ من مباحث
الإِيمان .