النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ كتاب الجزية قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ)). [الحديث ٣١٥٨ - طرفاه في: ٤٠١٥، ٦٤٢٥]. ٣١٥٩ - حدّثنا الفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ الرَّقِّيُّ: حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيمانَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ وَزِيَادُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ النَّاسَ في أَفنَاءِ الأَمْصَارِ يُقَاتِلُونَ المُشْرِكِينَ، فَأَسْلَمَ الهُرْمُزَانُ، فَقَالَ: إِنِّي مُسْتَشِيرُكَ في مَغَازِيَّ هذهِ، قالَ: نَعَمْ، مَثَلُهَا وَمَثَلُ مَنْ فِيهَا مِنَ النَّاسِ مِنْ عَدُوِّ المُسْلِمِينَ مَثَلُ طَائِرٍ لَهُ رَأْسٌ وَلَهُ جَنَاحَانِ وَلَهُ رِجْلَانٍ، فَإِنْ كُسِرَ أَحَدُ الَجَنَاحَينِ نَهَضَتِ الرِّجْلَانِ بِجَنَاحَ وَالرَّأْسِ، فَإِنْ كُسِرَ الجَنَاحُ الآخَرُ نَهَضَتِ الرِّجْلَانِ وَالرَّأْسُ، وَإِنْ شُدِخَ الرَأْسُ، ذَّهَبَت الرِّجْلانِ والجَنَاحَانِ والرأُسُ، فَالرَّأْسُ كِسْرَى، وَالجَنَاحُ قَيصَرُ، وَالجَنَاحُ الآخَرُ فَارِسُ، فَمُرِ المُسْلِمِينَ فَلَيَنْفِرُوا إِلَى كِسْرَى. وَقَالَ بَكْرٌ وَزِيَادٌ جَمِيعًا: عَنْ جُبَيرِ بْنِ حَيَّةَ، قَالَ: فَنَدَبَنَا عُمَرُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْنَا النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرٍِّ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَرْضِ الَعَدُوِّ، وَخَرَجَ عَلَيْنَا عامِلُ كِسْرَى في أَرْبَعِينَ أَلفًا، فَقَامَ تُرْجُمَانٌ فَقَالَ: لِيُكَلِّمْنِي رَجَّلٌ مِنْكُمْ، فَقَالَ المُغِيرَةُ: سَل عَمَّا شِئْتَ، قالَ: ما أَنْتُمْ؟ قالَ: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ العَرَبِ، كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ، وَبَلَاءٍ شَدِيدٍ، نَمَصُّ الجِلدَ وَالنَّوَى مِنَ الجُوعِ، وَنَلبَسُ الوَبَرَ وَالشَّعَرَ، وَنَعْبُدُ الشَّجَرَ وَالحَجَرَ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذلِكَ إِذْ بَعَثَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرَضِينَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَجَلَّتْ عَظَمَتُهُ - إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، فَأَمَرَنا نَبِيُّنَا، رَسُولُ رَبَّنَا نَ: أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، وَأَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا نَّهَ عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنا: أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الجنَّةِ فِي نَعِيمِ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَظُ، وَمَنْ بَقِيَ مِنَّ مَلَكَ رِقَابَكُمْ. [الحديث ٣١٥٩ - طرفه في: ٧٥٣٠]. ٣١٦٠ - فَقَالَ النُّعْمَانُ: رُبَّمَا أَشْهَدَكَ اللَّهُ مِثْلَهَا مَعَ النَّبِيِّ وََّ فَلَمْ يُنَدِّمْكَ وَلَمْ يُخْزِكَ، وَلكِنِّي شَهِدْتُ القِتَالَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَ﴿َ، كَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلُ في أَوَّلِ الَّهَارِ، انْتَظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الأَرْوَاحُ، وَتَحْضُرَ الصَّلَواتُ. أي معاهدة المسلمين من أهل الذِّمة، وإنما آثر لَفْظ الموادعة على المعاهدة، لأن الموادعة تُشْعِر بمادتها بعدم كونها مطلوبةً، لأن مادَّتها تدل على معنى التَّرْك، فمعناه تَرْكُ التعرُّض لهم، بخلاف المعاهدة، فإِنَّه يدلُّ على كونِه مطلوبًا، وحقًا لازمًا على المسلمين. قوله: (﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حََّمَ اَللَّهُ﴾﴾ [التوبة: ٩] أي هم لا يَتبعون شريعتكُم. قوله: (والمَسْكَنَةِ) مَصْدَرَ المِسْكين، أَسْكَن فلان أَخْوج منه، يريدُ أَنَّ قوله: أسكن فلان من المسكنة، لا من السكون، وإن كان أصلُ المادة واحدًا، وتحقيقُ معنى الإِلحاق لا يوجدُ أَبْسَط مما ذكر المَازَنْدَرَاني. ٢٨٢ كتاب الجزية قوله: (وما جاء في أَخْذَ الجِزيةِ من اليهودِ والنَّصارى والمَجوس والعَجَم)، واعلم (١) أَنَّ الجِزْيةَ تُؤخذ عندنا من سائر العجم، وليس في بالِغِي العربِ، ومقاتليهم إلا السيف، أو الإِسلام، فإِنَّ الرسول نزل فيهم، وبلسانِهِم فكُفْرُهم أشدّ من أنَّ تُقبل منهم الجِزيةُ، وأما عند الشافعي فلا تُؤخذ إلا مِن أَهْل الكتاب، فإِنَّ كُفْرهم أَخفُّ من الآخرين، بقي المَجوسُ(٢)، (١) قال الشيخ الألوسي: إنَّ الجزيةَ تُؤخذ عند أبي حنيفةَ من أهل الكتاب مُطْلقًا، ومِن مُشْركي العجم والمجوس، لا مِن مشركي العرب، لأن كُفْرَهم قد تغلظ لما أنَّ النبيَّ ◌َّ نشأ بين أَظْهُرهم، وأُرْسِل إليهم، وهو عليه الصلاة والسلام من أنفسهم، ونزل القرآنُ بِلُغتهم، وذلك من أَقْوى البواعث على إيمانهم، فلا يُقْبل منهم إلَّ السَّيْفُ، أو الإِسلام، زيادةً في العقوبة عليهم، مع اتباع الوارد في ذلك، فلا يرِد أن أهل الكتابِ قد تغلّظ كُفْرهم أيضًا. لأنهم عَرَفوا النبيَّ ◌َّ معرفةً تامة. ومع ذلك أنكروه وغَيَّروا اسمه ونَعْته من الكتاب، ((رُوح المعاني)). (٢) يقول العبد الضعيف: إني كنتُ متردّدًا في أَخْذ الجزية من غير أهل الكتاب، وكنت أرى أن ظاهرَ القرآن يشهد للخصوم، ولم يتفق لي في هذا الباب كثيرُ مراجعةٍ إلى الشيخ، حتى بلغ أوانُ تسويد هذه الأوراق، فرأيتُ أشياءَ في نهزةٍ المستوفز تنفعك إن شاء الله تعالى. فاعلم أنه اختلف فيمن تُؤخذ منهم الجزيةُ من الكفار بعد اتفاقهم على جواز أَخْذها من أهل الكتابين. فقال أصحابنا: لا يُقبل من مشركي العرب إلا الإِسلامُ، أو السيفُ، أما أهل الكتاب منهم فَتُقبل الجزيةُ منهم، وكذا تُقْبل من سائر كُفَّار العجم. وذكر ابنُ القاسم عن مالك. أنها تُقْبل من الجميع إلاَّ من مُشركي العرب. هكذا ذكره الجَصَّاص في ((الأحكام)). ثُم إنه لا خلافَ بينهم في أخذ الجِزْية من المجوس. غير أن الشافعي، ومَنْ نحا نحوه اختار أن الجزيةً إنما أُخِذت منهم، لكونهم أَهلَ كتاب. ونقول: بل لكونهم داخلين في العجم، فاحتجَّ الشافعيُّ وأصحابُه بما رُوي عن علي أنهم كانوا أهلَ كتاب. وأجاب عنه الجصَّاص أنه على تقدير صحته، معناه أن أسلافهم كانوا أهل كتاب. لإِخباره بأن ذلك نزع من صدورهم ... الخ. قلت: وفيه إشارةٌ إلى جوابين: الأول: الكلامُ في إسناده؛ والثاني: على تقدير تسليمه. أما الأول فقد فضَّله العلامة المارديني، فقال: إنه يدورُ على أبي سعد البَقَّال، وفيه ضَعْف، ثم نقل عن ((التمهيد)) أَنَّ أَكْثَر أهلِ العلم يأُبُون ذلك، ولا يُصحِّحُون هذا الأثرَ، وأما الجوابُ الثاني فقد فَصَّله الطحاوي في ((مُشْكله))، قال: وكان هذا عندنا - والله تعالى أعلم، مما قد يحتمل أن يكون - كانوا أهل كتاب لو بقي لهم لأَكِلَتْ ذبائحهم، وتحلُّ نساؤهم، ولكانوا في ذلك كاليهود والنَّصارى، الذين نؤمن بكتابهم، وهما التوراة، والإِنجيل. ولكنَّ الله تعالی نَسَخَه، فأخرجه من کتبه، ورفع حُكْمه عن أهل الإِيمان به، كما نّسَخَ غيرَ شيء مما قد كان أنزله على نبيّنا عليه أفضلُ الصلاة والسلام قرآنًا، فأعاده غيرَ قرآن، ومِن ذلك ما قد كان يقرأ: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما ألبتة بما قضيا من اللذة)) ولما كان كذلك احتمل أن يكون ما قد رُوي عن عليٍّ في المجوس أنهم كان لهم کتاب، أي کما روي عنه، فنسخ، فخرج مِن كُتب الله عز وجل، فلم يكن منها، وذكر له مِثالاً آخرَ، مع بيانٍ بدء المجوسية، كيف كان. فراجعه من: ص ٤١١، وص ٤١٢، من المجلد الثاني. وقال أبو عبيد في ((كتاب الأموال)): فقد صَحَّت الأخبارُ عن رسول اللهِ وَّر والأئمة بعده أنهم قَبِلوها منهم - أي المجوس - ثُم تكلّم الناسُ بَعْدُ في أمرهم: فقال بعضُهم: إنما قُبِلت منهم لأنهم كانوا أهلَ کِتاب، ويحدثون بذلك عن عليٍّ، ولا أحسب هذا محفوظًا عنه، ولو كان له أَصلٌ لما حَرَّم رسولُ الله ◌َّهَ ذبائحهم، ومناكحتهم، وهو كان أَوْلى بِعِلْم ذلك. ولاتَّفَقَ المسلمونَ بعده على كراهتها. وقد قال بعضُهم: قبلها النبيُّ نَّ منهم حين نزلت عليه: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ويحدثونه عن مجاهد، وقد رُوي عن عمرَ بن الخطاب، أنه تأوَّل هذه الآية في بعض النصارى والروم، قال أبو عُبيد: فَأَرَى عمرَ أنه تأوَّل هذه الآيةَ في أهل الكتاب، وهو أَشْبَهُ بالتأويل، والله أعلم. = ٢٨٣ كتاب الجزية غير أنا لم نَجِد في أَمْر المجوس شيئًا يَبْلُغْه عِلْمُنا، إلا اتَّبَاعًا لِسُنَّة رسولِ الله ◌ِّهِ والانتهاء إلى أمره، فالجزيةُ، = مأخوذةٌ، من أهل الكتاب بالتنزيل، ومِن المجوس بالسُّنة، ألا ترى أن عمرَ لما حَدَّثه عبدُ الرحمن بن عوف عن النبيِّ ◌َّ أنه أخذها منهم، انتهى إلى ذلك. وقَبِلها منهم، وقد كان هو قَبْل ذلك يقولُ: ما أدري ما أصنع بالمجوس، وليسوا بأهل كتاب. اهـ. وبالجملة ثبت مما ذكرنا أن ما ذكره الطحاوي: ثُم الجصَّاص في أمْر هؤلاء، وما في أثر عليٍّ من الفساد معنىَ صحيحٌ، قد وافق فيه أبو عُبيد أيضًا، وهو أَقدم منهما، وكذا ظهر أنهم لو كانوا أهلَ كتاب لكان حُكْمُهم في إباحةٍ التزويج،أكْل الذبيحةِ مِثْلهم، مع أنه أخرج الجَصَّاص عن الحسن بن محمد أن النبيَّ ◌َّقال في مجوس البحرين: إذَّ مَنْ أبى منهم الإِسلام ضُرِبَتْ عليه الجزيةَ، ولا تُؤكل لهم ذبيحةٌ، ولا تُنكح لهم امرأةٌ. اهـ. قلت: وقد أخرجه الطحاوي أيضًا في ((مُشْكِله))، ولنا في ذلك حُجَّةٌ أخرى، ذَكْرَها الجصَّاص، فقال ما حاصِله: إنَّ قوله تعالى ﴿أَنْ تَقُولُوَأْ إِنَّمَاً أُنْزِلَ الْكِتَبُ عَ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦] يدلُّ على أنَّ لأهل الكتاب طائفتين، فلو كان المجوسُ، أو غيرُهم من أهل الشّرْك من أهل الكتاب لكانوا ثلاثَ طوائف، وقد اقتضت الآيةُ أنَّ أهل الكتاب طائفتان، ولما رُوي عن النبيِّ وَّل أنه قال: سُنُّوا بهم سُنَّةً أَهْلِ الكتاب))، وفي ذلك دلالةٌ على أنهم ليسوا بأهل كتاب. وقد روى المارديني عن عبد الرزاق بإِسناده عن ابن جُريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: المجوسُ أهل كتاب؟ قال: لا، وقال أيضًا: أخبرنا مَعْمر، قال: سَمِعْت الزُّهري سُئِل أَتؤخذُ الجِزْيةُ مِمَّن ليسوا من أهل الكتاب؟ قال: نعم، أَخَذها رسولُ الله ◌ٍِّ من أهل البحرين، وعمرُ من أهل السواد، وعثمان مِن البربر قلت: وقد أخرج الطحاويُّ تلك الآثارَ كلَّها في ((مُشْكِله)) وأبو عبيد في «كتاب الأموال)). ولنا حجةٌ أُخرى: ما أخرجه الطحاوي في ((مُشْكِل الآثار)) عن ابن عباس في قِصَّة عيادةِ النبيِّ مَّ أبا طالب، قال: ((يا عمَّاه أريدُكم إلى كلمةٍ تدين لهم العربُ، وتؤدّي إليهم العجمُ الجِزية)». اهـ. قال الإِمام الطحاوي: ففيه ما قد دلَّ على دخولِ المجوس فيمن تُؤخذُ منهم الجزيةُ، لأنّهم من العجم. اهـ. قلت: ولعلَّ اللفَظ: «أريدُ منهم كلمةً»، كما عند الترمذي، وما في نُسْخة ((المُشْكِل)) سَهْوٌ من الكاتِب. ثم إنَّ الإِمام الطحاوي قد أبدع في التمسك به على مَرَامه، كيف لا! وهو إمامٌ. وحاصله أن الجزيةَ مأخوذةٌ من المجوس بلا خلاف، وإنما الخلافُ في مناط ذلك، فقالوا: إنه لكونِهم أهلَ كتاب، فلا يتخطّاهم. وقلنا: بل لكونهم من العجم، فيتعدَّى الحُكْم إلى سائر العجم. وهذا الحديثُ صريحٌ فيما قلنا، فإِنها لو كانت تُؤخذ منهم لكونهم أهلَ كتاب، لكان حقُّ الكلام أن يقال: وتؤدِّي إليهم أهلُ كتاب الجزيةَ، ليكون مُشْعِرًا بالمناط، فلما قال: ((العجم)) مكان ((أهل كتاب))، عَلِمنا أن المَنَاطَ كونُهم من العجم، فالجزيةُ تُؤخذ منهم لكونها سُنَّةَ العجم، لا لكونِهم أهلَ كتاب، كما قالوا، حينئذٍ تعمُّ لسائِر العجم، وَيَثْبت المطلوبُ، وتعقّب عليه أن في إسناده يَخيى بن عُمارة، وهو لا يروي عن سعيد بن جُبير، مع أن الحديثَ المذكورَ عن سعيد بن جُبير، فأجاب عنه الطحاوي أنَّ فيه تَصْحِيفًا، وإنما هو يحيى بن عَبَّاد، وهو رجلٌ جليلُ الشأن من التابعين قلت: وهكذا أخرجه الترمذيُّ في ((التفسير)): في سورة ص))، وهذه الصورةُ إسناده: حدثنا محمود بن غيلان، وعبدُ بن حُميد - المعنى واحد ـ قالا: حدثنا أبو أحمد: حدثنا سفيان عن الأعمش عن يحيى قال عبد - أي ابن حميد -: هو ابن عبّاد، عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس، الحديث بطوله. قال الترمذيُّ: هذا حديثُ حسن صحيح، ومِن ههنا ظهر أن عَبْد بن حُميد إنَّما فَسَّره، بابن عباد، لئلا يظن أنه ابن عُمارة، ولذا حسَّنه الترمذي، وصحَّحه. ولنا حجةٌ أُخرى: ما أخرجه الجصَّاص عن مَعْمَر عن الزُّهري: أنَّ النبيَّ ◌َِّ صالحِ أَهْلَ الأَوْثان على الجِزْية، إلَّ مَنْ كان منهم مِن العرب. اهـ. قال العلامة المارديني: والقائلون بهذا المذهبِ يحتجُون بالمُرْسل، قال أبو عمر: = فاستثنى العربَ، وإنْ كانوا عَبَدَة أَوْثان من بين سائر عبدة الأوثان، وبه يقول ابن وَهْب. اهـ ((الجَوْهر النقي)). ٢٨٤ كتاب الجزية فكان عمرُ تردّد في ضَرْبٍ (١) الجِزْيةِ عليهم في أَوَّل أَمْرِهِ، ثُمَّ لما حدَثه عبدُ الرحمن بن عَوْف أنهم كانوا فرقة مِن أهل الكتاب. صَلُّوا كتابَ نبيِّهم قَبِل منهم الجزيةَ، إلَّا أنه لم يأذن لهم في ولنا حُجّةٌ أُخرى: ما رُوي عن النبيِّ ◌ََّ في حديث طويل: ((وإذا لَقِيت عَدُوك من المشركين، فادعُهم إلى ثلاثِ خِلال، وفيه: فإِن هم أَبَوْا، فاذعُهم إلى إعطاءِ الجزية. اهـ. قال النوويُّ في ((شَرْح مسلم)): هذا مما يستدلُّ به مالك، والأَوزاعي، وموافِقُوهما في جواز أَخْذَ الجِزْية من كلٌ كافر، عربيًا كان أو أعجميًا، كتابيًا، أو مجوسيًا، أو غيرَهما. ثُم أَيَّدَه الطحاويُّ بِنظر فِقْهيٍّ على عادتِهِ في سائر الأبواب، فقال: إنَّ أهل الكتابين لما كنّا نُؤمن بكتابهم، وكانت الجزيةُ مأخوذةً منهم، لإِقرارنا إياهم معنا في دار الإِسلام آمِنِين، وهم إلينا أَقْرَبُ من المجوسِ الذين لا كِتاب لهم، فالمجوس الذين هم كذلك مع إقرارنا إياهم في دارنا آمنين، أَخْذُ الجزيةِ منهم أَوْلى، اهـ. قلت: وقد كان يختلج في صدري شيءٌ ما كنت اجترىء أن أَذْكُره، ثُم رأيته في كلام الخَطّابي، وها أنا أذكره لك، وإني لجريٌ: قال الخَطَّابي في ((معالم السنن): وفي امتناع عمرَ من أَخْذ الجزية من المجوس حتى شَهِد عبد الرحمن بن عوف أنَّ رسول الله وَ﴿ أَخَذها من مجوسي هَجَرَ، دليلٌ على أَنَّ رَأيَّ الصحابةِ أنه لا تُقْبل الجِزْيةُ من كُلِّ مُشرك، كما ذهب إليه الأوزاعي، وإنما تُقبل من أهل الكتاب. اهـ. قلت: وهو نَظَرٌ قويّ عندي، أما الجوابُ فلا عُسْر فيه على العلماء، وإنما أريدُ أمرًا يَسْكن به الفؤادُ، فارجع البصرَ كَرَّتين، فيما ذكرناه، تَجِد منه مَخْرجًا، أما القرآنُ فأمْرُه أصعب، يحتاج إلى علومٍ، واستحضار، وتيقظ، وتدرُّب، وتفكّر، ثُم إصابةُ رأي، وتوفيقٌ من الله عزّ وجل، وأنا لستُ لها. تنبيه: واعلم أنَّه قد وقع سَهْوٌ في نسخة ((مُشْكِل الآثار)) يتعسَّر دَرْكُه، وهو أن فيه: كَتَبَ عُمر بن عبد العزيز إلى علي ابن ... أما بعدُ: فسل الحسنَ ما منع قَبْلَنا من الائمة أن يَحُولوا بين المجوس، وبين ما يجمعون من النساء اللاتي لا يجمعهنَّ أحدٌ غيرهم؟ فسأله، فأخبره أن رسول الله ◌ََّ قَبِل من مجوس البحرين الجزيةَ، وأقرَّهم على مجوسيتهم. اهـ: وراجع معه كتاب ((الأموال)) فإِنَّ فيه إشكالاً يندفع من رواية ((المُشْكِل)) هذه: وقد نقلنا عبارته، فيما مرَّ؛ والصوابُ فيه عدي بن أرطاة، مكان علي بن .... كما يظهرُ من ((أحكام القرآن)) للجصَّاص. وبالجملة ظهر لك مما ذكرنا أن الاختلافَ فيه من باب اختلاف أئمة الحنفيةِ في جواز المناكحةِ مع الصابئين، فمنْ ثبت عنده كونُهم أهلَ كتاب أجازها، وَمنْ لم يثبت عنده نهى عنها. ثم هُهنا كلامٌ للشيخ في سبب هذا الخلاف لطيفٌ جدًا، قال: إنَّما دار الخلافُ في أَخْذ الجزيةِ من العجم، لأنَّ الإِسلام في زمن النبيِّ ◌َّ لم يكن خَرَج من جزيرة العرب إلى نواحيها، فلما ظهر في الأطراف دعت الحاجةُ إلى تَفَخْص الحُكْم في هؤلاء، وكان النبي ◌َِّ قد أَخَذها من المجوس، فمنهم مَن زعم أنهم أهلُ كتاب، فزعموا أن أَخذ الجزية منهم كان على سُنَّة أهل الكتاب، ومنهم مَنْ أنكره، فَعمَّم الحُكْم. هذا ما تيسّر لي في هذه الفُرصة القليلة، ولعلَّ الله يُحدث بعد ذلك أمرًا، فإِن استملحت منه شيئًا، فأجزني بدعوةٍ صالحة، ولا تضَنَّ علي بكلمة، حَيَّاك الله، وعافاك، والسلام عليك. (١) يقول العبد الضعيف: وفي تقرير آخرَ عندي، وأما تردّد الفاروق في أَخْذ الجزية من المجوس، فلم يكن لأجل تردُّده في كونهم أهل كتاب، بل لما سمع عنهم أنهم يعتقدون بجوازٍ نِكاح المحارم، ويفعلونه أيضًا، وكان دينُ الإِسلام لا يتحمَّل هذه الفاحشةَ، ولذا أمر بإخراج كلِّ مَنْ كان يَفْعَله من أيِّ دينٍ كان، فلما عَلِمَ معتقداتِهِم السوآَى، وظَنَّ أنهم غيرُ تاركيها لم يَأْخُذ منهم الجزيةَ أيضًا، لأنه يُؤخذ مِمَّن أذن لهم بالإِقامة في دار الإِسلام، ولم يكن أَذِن لهم، ثم لما عَلِم أنهم التزموا أنْ لا يفعلوه، ويدينون لأحكام الإِسلام في هذا الباب، أَذِن لهم بالإِقامة، وحينئذٍ ضرب عليهم الجزيةً . ٢٨٥ كتاب الجزية نكاح المحارم. وراجع الطحاوي، ولا يُذْرَى ماذا أراد المصنّفْ من زيادة العجم؟ إنْ أراد منهم الوثنيينَ ففيه دليلٌ على موافَقَةِ مذهب الإِمام، حيثُ تُؤخذ الجزيةُ عندنا من أهل الكتاب وغيرِهم من الكفار أيضًا، بخلاف الشافعي؛ وإنْ كان المرادُ منه أهل الكتاب منهم، فلا دليلَ فيهِ على ما قلنا، والمتبادر هو الأول، لأنه ذَكَرهم بعد اليهودِ والنَّصارى، وهم أهلُ كتاب. ثُم إنَّ عيسى عليه الصلاة والسلام إذا نَزل مِن السماء يَضَع الجزيةَ، ويَرْفع هذا الشقَّ رأسًا . ثُم اعلم أن الجزية إذا ضُربت بالموادَعة، فعلى ما وقعت عليه، وإنْ كان من جانب الأمير بدون الموادعة. فعلى التفصيل الذي ذُكر في الفقه. ٣١٥٦ - قوله: (فأتانا كتابُ(١) عمرَ بن الخطاب قَبْل موتِه: فَرَّقوا بين كُلِّ ذيٍ مَحْرَم من المجوس) فكأَنَّه شَدَّد في أَمْرِ النِّكاح بين المحارم، ولم يتحمَّله ممن عقدَ معهم عَقْدَ الذُّمة أيضًا، حتى أنه خَيَّرهم بين أن يفارِقوا محارِمَهم، فيقرُّوا في دارِنا، أو يتحوَّلُوا إلى أيِّ جهة أرادوا، وذلك لشناعتهِ، وظهور بطلانه، لأنه ليس دينُ سماويُّ إلَّا وقد حرَّمه، وليسِ الغَرَضُ منه نَقْضَ عقدِ الذِّمَّة رأسًا، وإنما لم يَتْرُكُهم وما يدينونَ في هذا الجزء فقط، وإلَّا فَقد أَمَرنا بِتَرْك التعرُّضِ لهم في دينهم بعد عقد الذمة، وكان ينصب لهم حاكم من دينهم يقضي أمورهم، نعم كان - وزير خارجية - من أهل الإِسلام، وإنْ ترافعوا(٢) إلينا نَحْكُم بينهم، كما في الإِسلام. وفي تخريج «الهداية))(٣) عِن محمد بن أبي بكر يَسْأل عليًا عن رجل مُسْلم زنى بذميَّةٍ، فكتب إليه: أن ارجُم المُسْلم، وسَلَّم الذميةَ إلى أهلِ الذمة ليقضُوا عليها ما عندهم مِن شَرْعِهم. ٣١٥٩ - قوله: (بَعَثَ عُمَرُ النَّاسَ في أَقْنَاء الأَمصار)، واعلم أنَّ فارس كانت تطلق في القديم على القرى الجنوبة، كإيران، وشيراز، وغيرها، وخلافها كانت تسمى بخراسان، ولسان (١) هكذا في ((البُخاري)) لكن قال أبو عُبيد: ولا أراه كتبَ إلى جَزْء بن معاويةً بما كتب من نهيهم عن الزَّمْرَمة، والتفريق بينهم، وبين حرائمهم إلّا قبل أن يحدِّثه عبدُ الرحمن بن عَوْف بالحديث، فلما وجد الأَثَر عن رسول الله ◌َّ اتَّبعه، ولم يكتب في أَمْر بتفريق، ولا نهى عن زَمْزَمة، ثُم حدث عن عمرَ بن عبد العزيز أنه كتب إلى الحسن يَسْأله، ما بالُ من مضى عن أئمتنا قَبْلنا أَقَرُّوا المجوسَ على نكاح الأمهاتِ، والبناتِ، اهـ مختصرًا، ((كتاب الأموال))، ولكن راجع له ((مُشكل الآثار)) وقد نقلنا عبارَته في كلامنا في الجِزْية على المجوس، ويظهَر منه الجوابُ إن شاء الله تعالى. أخرج الخَطَّابي عن عمرَ حديثَ نَهْيه عن الزمْزمة، والتفريق بين المحارِم في المجوس، ثم قال: ولم يَحْمِلهم عمرُ (٢) على هذه الأحكام فيما بينهم، وبين أنفسهم إذا خَلَوا، وإنما منعهم من إِظهارٍ ذلك للمسلمين، وأهل الكتاب لا يكشفون عن أمورِهم التي يتدينون بها، ويستعملونها فيما بينهم، إلا أن يترافعوا إلينا في الأحكام، فإذا فعلوا ذلك، فإِنَّ على حاكِم المسلمين أن يَحْكم فيهم بحُكم الله المنزل، وإن كان ذلك في الأنكحة، فَرَّقَ بينهم وبين ذواتِ المحارم، كما يفعلُ ذلك في المسلمين. اهـ. قلت: وليراجع معه كتاب ((الأموال)) ص. وقد نقلنا عبارته عن قريب، وكذا («مُشْكِل الآثار)) وقد ذكرناه آنفًا في حاشيتنا في الجزية من المجوس. (٣) قلت: وليمعَن النَّظر فيه أنه هل يفيدُنا في كونِ الإِسلام شَرْطًا في الإِحصان، خلافًا للشافعيِّ، وحجَّتُه أنه رَجَم اليهودي واليهودية، وقد أجاب عنه الشيخُ بأحسنِ وَجْه فتذكره، وسيجيء في ((كتاب التفسير)) أيضًا. ٢٨٦ كتاب الجزية كلهم كانت هي الفارسية، أما اليوم فكلُّ مَنْ كانت لسانُه فارسيةً يقال له: فارسي، ولا كذلك في الاصطلاح القدیم. قوله: (فَأَسْلَم الهُرْمُزِانُ) مَلِكَ تُسْتر، معرَّب "شوستر" ، أَسَرُوه فجاؤوا به إلى المدينةِ، ووظفوا له، قيل: إنه كان أَسْلم بلسانه، ولم يكن دَخَل الإِيمانُ بقلبه، ومِن دسائسه استُشهد عمرُ. ٣١٦٠ - قوله: (فقال النُّعْمانُ: ربما أَشْهَدَك الله مِثْلها) ترك النعمانُ القِصَّة الأُولى، ودخل في الأخرى، وسأل المغيرة عما في الحديث. قوله: (وَتَحْضُرَ الصلواتُ) ومحظُه أنَّ الصَّلوات مدخلا في النُّصْرة. ٢ - باب إِذَا وَادَعَ الإِمامُ مَلِكَ القَرْيَةِ، هَل يَكُونُ ذلِكَ لِبَقِيَّتِهِمْ ٣١٦١ - حدّثنا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيِى، عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيدِ السَّاعِدِيِّ قالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ وَ لاَ تَبُوكُ، وَأَهْدَى مَلِكُ أَيلَةٌ لِلَّبِّ وَِّ بَغْلَةً بَيضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ. [طرفاه في: ١٤٨١، ١٨٦٢]. يعني إذا كان الصُّلْح مع الكفار، فلا يكون مع كلِّ واحدٍ منهم، بل يكفي مع مَلِك القريةِ، فيكفي عن جميعهم لأنَّ موادعة الملك موادعةٌ لرعيتِهِ . ٣١٦١ - قوله: (پبحرهم) "وه بستی جودر یاکی گناری هو" . ٣ - باب الوُصَاةِ بِأَهْلِ ذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّل وَالذِّمَّةُ: العَهْدُ، وَالإِلُّ: القَرَابَةُ. ٣١٦٢ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِياسِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ جُوَيرِيَةَ بْنَ قُدَامَةَ التَّمِيمِيَّ قالَ: سَمِعْتٌ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قُلْنَا: أَوْصِنَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قالَ: أُوصِيكُمْ بِذِمَّةِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ ذِمَّةُ نَبِيِّكُمْ، وَرِزقُ عِيَالِكُمْ. [طرفه في: ١٣٩٢]. ٣١٦٢ - قوله: (أَوْصِنا يا أميرَ المؤمنين) قالوا له حينَ خَرَج. ٤ - باب ما أَقْطَعَ النَّبِيُّ وَِّ مِنَ البَحْرَينِ، وَما وَعَدَ مِنْ مَالِ البَحْرَينِ وَالجِزْيَةِ، وَلِمَنْ يُقْسَمُ الفَيُ وَالجِزْيَةُ ٣١٦٣ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا زُهَيرٌ، عَنْ يَحْيِى بْنِ سَعِيدٍ قالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: دَعَا النَّبِيُّ ◌َِّ الأَنْصَارَ لِيَكْتُبَ لَهُمْ بِالبَحْرِيْنِ، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تَكْتُبَ لإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيشٍ بِمِثْلِهَا، فَقَالَ: ((ذَاكَ لَهُمْ ما شَاءَ اللَّهُ عَلَى ذلِكَ)). يَقُولُونَ لَهُ، ٢٨٧ كتاب الجزية قالَ: ((فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلقَوْنِي على الخوض)). [طرفه في: ٢٣٧٦]. ٣١٦٤ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبْراهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَني رَوْحُ بنُ القَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ قَالَ لِي: ((لَوْ قَدْ جاءَنَا مالُ البَحْرَينِ، قَدْ أَعْطَيتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا)). فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهَ وَجاءَ مالُ البَحْرَينِ، قَالَ أَبُو بَكرٍ: مَنْ كانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾ عِدَةٌ فَلَيَأْتِي، فَأَتَيْتُهُ فَقُلتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَ ◌ّهِ قَدْ كَانَ قَالَ لِي: (لَوْ قَدْ جاءَنَا مالُ الْبَحْرَينِ لأَعْطَيتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا)). فَقَالَ لِي: احْتُهْ، فَحَثَوْتُ حَثْيَةً، فَقَالَ لِي: عُدَّهَا، فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ، فَأَعْطَانِي أَلِفًا وَخَمْسَمِائَةٍ. [طرفه في: ٢٢٩٦]. ٣١٦٥ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيبٍ، عَنْ أَنَسِ: أُتِيَ النَّبِيُّ ◌َّةِ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَينِ، فَقَالَ: ((انْتُرُوهُ في المَسْجِدِ))، فَكَانَ أَكْثَرَّ مالٍ أُتِيَ بِّهِ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ، إِذْ جاءَهُ العَبَّاسُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي، إِنِّي فَادَيتُ نَفسِي وَفَادَيتُ عَقِيلًا، فَقَالَ: ((خُذْ)). فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّه، فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ: أُمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ. قالَ: ((لَا))، قالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قالَ: ((لَا))، فَنَثَرَ مِنْهُ ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَرْفَعْهُ، فَقَالَ: أُمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عَلَيَّ، قالَ: (لَا)). قالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قالَ: (لَا)) فَنَثَرَ ثُمَّ احْتَمَلَهُ عَلَى كَاهِلِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَّ، فَمَا زَالَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا، عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ، فَما قامَ رَسُولُ اللَّهِ وَب ◌ِّهَ وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ. [طرفه في: ٤٢١]. - قوله: (حتى تَلْقَوْني على الحَوْض) فيه دليلٌ على كونِ الحَوْض على نهاية السفر، فدلَّ على كونِه بعد الصراط؛ واعلم أنا قد تكلمنا مرةً على حديث أنس، وقد ذكرنا ما قال فيه العلماء، وسنح لنا الآن أن نَذْكُر فيه ما هو الرأي عندنا، فنقولُ: إنَّ الحديثَ كما عند الترمذي أنه سأل النبيَّ ◌َّ أين أَظْلُبك يا رسول الله يوم القيامة؟ فقال له: اطلبني على الصِّراط، وإلَّ فعند الميزانٍ، وإلّا فعند الحَوْضِ - بالمعنى - ومرَّ عليه الشاه عبد العزيز، واستشكل عدمَ الترتيب بين هذه المواضع، فوَجَّهه بأنَّ المرادَ أني لا أزال أتردَّد بين هذه المواضع، فتارةً أَلْقاك لهُهنا، وأخرى هناك، فكأنه وَ ﴿ لا يكون له استقرارٌ في موضع من المَخْشر، مادام تحاسب أُمته، فيراقِبُ أُمته في مواضع الأَهوال كلها . والذي تَبَين لي - ولا يبعد أن يكون صوابًا - أنه أَمَرَه أَوَّلًا بِطَلبه عند الصِّراط، لأن المَحْشر فضاءٌ، واسعٍ، يتعسَّرُ فيه الطلبُ واللقاء، فدلَّهُ على مَوْضع يَجْتمِع فيه الناسُ، فإِنَّه ليس من أهل المَحْشر، إلَّا ويكونُ له مرورٌ على الصِّراط، فَيَسْهُل الالتقاءُ هناك، ولأنه لا مجتمع بعد عُبور المَحْشَر إلَّا هو، فإِنْ لم تجدني هناك فاطلبني في هذا الجانب من الصراط، أو وراءَهُ، ولا أكونُ في هذا الجانب إلَّا عند الميزانٍ، وإنْ جاوزت الصراط، فلا تجدني إلَّا عند الحَوْض، فالحوضُ بعد الصِّراط عندي "عرفا أبهى يهى كهتى هين كه مجهى بل برد يكه لينا أور اکروهان نه ملاتويا آرهونکا یابار" . ٢٨٨ كتاب الجزية ٥ - باب إِثْمٍ مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا بِغَيرِ جُرْمٍ ٣١٦٦ - حدّثنا قَيسُ بْنُ حَفصٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَمْرِو: حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ نَ لَ قَالَ: ((مَنْ قَتَلَ مُّعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةٍ أَرْبَعِينَ عامًا)). [الحديث ٣١٦٦ - طرفه في: ٦٩١٤]. ٣١٦٦ - قوله: (مَنْ قتَل مُعَاهِدًا لم يَرَحِ رائِحةَ الجَنَّةِ) ومُخُّ الحديثِ: إِنَّك أيها المخاطَب قد عَلِمت ما في قَتْل المسلم من الإِثم، فإِن شَناعتَه بلغت مَبْلَغ الكُفْر، حيث أوجب التخليدَ، أما قَتْل مُعاهدٍ، فأيضًا ليس بهَين، فإِنَّ قاتِله أيضًا لا يَجِدَ رائحةَ الجنة. ٦ - باب إِخْرَاجِ اليَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَب وَقَالَ عُمَرُ، عَنِ النَّبِيِّ بَ: (أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ بِهِ». ٣١٦٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَينَمَا نَحْنُ فِي المَسْجِدِ، خَرَجَ النَّبِيُّ ◌ََّ فَقَالَ: (انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ))، فَخَرَجْنَا حَتَّى جئْنَا بَيْتَ المِدْرَاسِ، فَقَالَ: ((أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ، فَمَنْ يَجِدْ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلَيَبِعْهُ، وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ)). [الحديث ٣١٦٧ - طرفاه في: ٦٩٤٤، ٧٣٤٨]. ٣١٦٨ - حدّثنا مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُلَيمَانَ بنِ أَبِي مُسْلِمِ الأَحْوَلِ: سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرِ: سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَّا يَوْمُ الخَمِيس، ثُمَّ بَكى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الحَصى،َ قُلتُ: يَا أَبَا عَبَّاسِ، مَا يَوْمُ الخَمِيسَ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ وَّرَ وَجَعُهُ، فَقَالَ: ((اثْتُونِي بِكَتِفٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَّابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا)). فَتَنَازَعُوا، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيّ تَنَازُعٌ، فَقَالُوا: مَا لَهُ أَهَجَرَ اسْتَفْهِمُوه؟ فَقَالَ: ((ذَرُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ)). فَأَمَرَهُمْ بِثَلَاثٍ، قَالَ: «أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفَدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ)). وَالثَّالِئَةُ خَيْرٌ، إِمَّا أَنْ سَكَتَ عَنْهَا، وَإِمَّا أَنْ قَالَهَا فَنَسِيتُهَا . قَالَ سُفْيَانُ: هذا مِنْ قَوْلِ سُلَيمَانَ. [طرفه في: ١١٤]. ٧ - باب إِذَا غَدَرَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ، هَل يُعْفَى عَنْهُمْ؟ ٣١٦٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيِثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ وََّ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((اجْمَعُوا إِلَيَّ مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ يَهُود)». فَجُمِعُوا لَهُ، فَقَالَ: ((إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيءٍ فَهَل أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ؟)) فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((مَنْ أَبُوكُمْ؟)) قَالُوا: ٢٨٩ كتاب الجزية فُلَانٌ، فَقَالَ: ((كَذَبْتُمْ، بَلِ أَبُوكُمْ فُلَانٌ)). قَالُوا: صَدَقْتَ، قَالَ: ((فَهَل أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيءٍ إِنْ سَأَلتُ عَنْهُ؟)) فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِم، وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا، فَقَالَ لَهُمْ: ((مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟)) قَالُوا: نَكُوَّنُ فِيهَا يَسِيرًا، ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((اخْسَأُوا فِيهَا، وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا)). ثُمَّ قَالَ: ((هَل أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيءٍ إِنْ سَأَلِتُكُمْ عَنْهُ؟))، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِم، قَالَ: ((هَل جَعَلتُمْ فِي هذِهِ الشَّاةِ سُمَّا؟)). قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: (مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذلِكَ؟)) قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ. [الحديث ٣١٦٩ - طرفاه في: ٤٢٤٩، ٥٧٧٧]. ٣١٦٩ - قوله: (قالوا) أي اليهود. قوله: (نَكُونُ فيها) أي النَّار. قوله: (يسيرًا، ثم تَخْلُفُونا فيها) نعم، ولقولهم مَنْشِأ نَبَّه عليه الشاه عبد العزيز، وهو أَنَّه لم يزل يُذْكر في الأديان السماوية أنَّ المؤمن العاصي يُعذّب يسيرًا، ثُم يَنْجوُ، فهؤلاء الملاعنةُ يَزْعمون أنفسُهم مؤمنين فاسقين، والمسلمين كفَّارًا، فقالوا ما قالوا (١). ٨ - باب دُعَاءِ الإِمَامِ عَلَى مَنْ نَكَثَ عَهْدًا ٣١٧٠ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ القُنُوتِ، قَالَ: قَبْلَ الرُّكُوعِ، فَقُلتُ: إِنَّ فُلَانًا يَزْعُمُ أَنَّكَ قُلتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ؟ فَقَالَ: كَذَبَ، ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنِ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيم، قَالَ: بَعَثَ أَرْبَعِيَنَ - أَوْ سَبْعِينَ، يَشُكُّ فِيهِ - مِنَ القُرَّاءِ، إِلَى أُنَاسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَعَرَضَ لَهُمْ هُؤُلَاءٍ فَقَتَلُوهُمْ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ نََّ عَهِدٌ، فَمَا رَأَيْتُهُ وَجَدَ عَلَى أَحَدٍ مَا وَجَدَ عَلَيهِمْ. [طرفه في: ١٠٠١]. ٩ - باب أَمَانِ النِّسَاءِ وَحِوَارِهِنَّ ٣١٧١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ: أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِىءِ ابْنَةٍ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِىءِ ابْنَةَ أَبِيَ طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ نَّهَ عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، فَسَلَّمَّتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ((مُنْ هذهِ؟)) فَقُلتُ: أَنَا أُمُّ هَّانِىءٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: ((مَرْحَبًا بِأُمِّ (١) قلت: وفي ((المشكاة)) - في باب الحساب، والقصاص، والميزان - بروايةٍ مُسْلم عن أبي موسى: قال: قال رسول الله رَّ: ((إذا كان يوم القيامة دفَعَ اللهُ إلى كلِّ مُسْلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقول: هذا فِكَاكُكَ من النار)). أهـ؛ فظهر منه أَنَّ الأَمْر على عكس ما زعموه. ٢٩٠ كتاب الجزية هَانِىءٍ))، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، مُلتَحِفًا فِي ثَوْبِ وَاحِدٍ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي، عَلِيٍّ، أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلَانُ ابْنُ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِىءٍ)). قَالَتْ أُمُّ هَانِىءٍ: وَذلِكَ ضُحَّى. [الحديث: ٣١٧١ - طرفاه في: ٣٥٧، ٦١٥٨]. وأمانُ الحرِّ، أو الحُرَّة معتبرٌ عندنا، ولو بلا إذْن الإِمام؛ نعم للإِمام أن يَنْبِذه على سواء إنْ رآه خلافَ مصلحته، ويعزِّره، وحاصله أَنَّ المعاملةَ إذا وقعت مع الكفارِ فوضِيعُنا وعزيزُنا فيها سواء، فلا فَرْق بين الوضِيع والشريف، ولا تُرَاعى في مقابلتهم إلّا جهة الإِسلام، يعني " غير قوم كى مقابله مين برى جهوتى كا فرق نه ركها كيا بلکه مسلمًا هونی کی رعایت کی " فينفذ تأمینُ كلِّ مَنْ كان من أهلِ الولاية والإِسلام، عزيزًا أو وَضِيعًا، حرًّا، أو حُرَّةٌ. ١٠ - بابٌ ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَحِوَارُهُمْ وَاحِدَةٌ يَسْعِى بِهَا أَدْنَاهُمْ ٣١٧٢ - حدّثني مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا وَكِيعُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٍّ فَقَالَ: مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلََّ كِتَابُ اللَّهِ وَمَا فِي هذِهِ الصَّحِيفَةِ، فَقَالَ: فِيهَا الجِرَاحاتُ وَأَسْنَانُ الإِبِلِ، وَالِمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى فِيها مُحْدِثًا، فَعَلَيهِ لَّعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ تَوَلّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذلِكَ، وَذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيهِ مِثْلُ ذلِكَ. [طرفه في: ١١١]. وهذه الوحدة(١) كما أنَّ صلاةَ الجماعةِ واحِدةٌ عندنا وإن اشتملت على ألف صلاةٍ، فكذلك ذِمَّةُ المسلمين أيضًا، سواء كان المعاهدون واحدًا أو ألفًا . ٣١٧٢ - قوله: (فَمَنْ أَخْفَر) "عهد شكن بنايا" . ١١ - باب إِذَا قَالُوا: صَبَأْنا وَلَمْ يُحْسِنُوا أَسْلَمْنَا وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ)). وَقَالَ عُمَرُ: إِذَا قَالَ: مَتْرَسْ فَقَدْ آمَنَهُ، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الأَلْسِنَّةَ كُلَّهَا. وَقَالَ: تَكَلَّمْ؛ لَا بَأْسَ. قوله : - (وقال: تَكَلَّم لا بأس) وهذا حين جيء بهرْمُزان أسيرًا، فلماذا رآه عمرُ تَقْشَعِرٌ جلودُه، وترعد فرائصُه، قال له: تكلم لا بأس، ثُم نسي عمرُ من مقالته ذلك، وقال بعد ذلك: (١) واعلم أنَّ الجماعةَ اعتُبِرت كالشّخص الواحد حُكْمًا في عِدَّة مواضع: منها في (باب الأمن))، ومنها في (باب السُّترة في الصلاة» فإِنَّ سُترةَ الإِمام سترةٌ للقوم، ومنها في ((باب السَّلام)) كما في نصِّ الحديث، ومنها في ((حق القراءة)). وقد نَبَّه عليها الشيخُ في مواضِعها، وهذا نظرٌ دقيقٌ، يعينك في فَهم مسألة الفاتحة خَلْف الإِمام. ٢٩١ كتاب الجزية إني سأَقْتُلك، فقال له الهُرْمُزَان: إنك لست تستطيعُه، قال: فكيف ذلك؟ قال: أما قلتَ الآن: "مترس" فهو أَمِن، فسأل عمرُ أَنسًا عن ذلك، فَأَقَرَّ به، فعفا عنه. ١٢ - باب المُؤَادَعَةِ وَالمُصَالَحَةِ مَعَ المُشْرِكِينَ(١) بِالمَالِ وَغَيرِهِ، وَإِثْمِ مَنْ لَمْ يَفِ بِالعَهْدِ وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ جَنَحُواْ لِلِسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَمَا﴾ [الأنفال: ٦١] الآيَةَ. ٣١٧٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ هُوَ ابْنُ المُفَضَّلِ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ بُشَيرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهَلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيدٍ إِلَى خَيْبَرَ، وَهيَ يَوْمَئِذٍ صُلِحٌ، فَتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَهُوَ يَتَشَخَّطُ في دَمِ قَتِيلًا، فَدَفَنَهُ ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ سَهْلِ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسَّعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ نََّ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ: ((كَبِّرْ كَبِّرْ))، وَهُوَ أَحْدَثُ القَوْم، فَسَكَتَ فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ: ((تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ، أَوْ صَاحِبَكُمْ؟))، قَالُوا: وَكَيفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ؟ قَالَ: ((فَتُبْرِتُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ؟)). فَقَالُوا: كَيفَ نَأْخُذُ أَيمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ وَّ مِنْ عِنْدِهِ . يعني أما المصالحةُ بأَخْذ الأموالِ عنهم فهي طريقةٌ مسلوكةٌ، فإِنَّ اضطرَّ المسلمونَ إلى بَذْل المال إليهم مِن عندهم، فلا بأسَ به أيضًا ويكونُ جائزًا . ٣١٧٣ - قوله: (انطلقَ عبدُ الله بن سَهْل) ... الخ، وفي الحديث قِصَّة القَسامة، وهي تجري فيما [إذا] وُجِدَ القاتل في محلٌّ الدِّية، ولم يُعلم قاتِلُه، وراجع تفصيلها في الفقه. واليمينُ لا يتوجه في القسامة عند إمامنا على المُدّعي بلِ يَخْلِف خمسونَ رَجُلًا من المدَّعى عليهم بالله ما قتلناه، ولا علمنا قَاتِلَه، ثُم تَجِبَ عليهم الدِّيةُ لأولياء المقتول، وفائدةُ الحَلِفِ دَرْءُ القِصاص عنهم، وتبيَّن القاتِل إنْ علموه، وقال الشافعيُّ: بل يتوجَّهُ اليمينُ أَوَّلًا على المُدَّعِين فإِنْ فعلوه، (١) قال القاضي أبو الوليد في ((بداية المجتهد))- في الفصل السادس في جواز المهادنة - فَأَمَّا هل تجوزُ المهادنة؟ فإِنَّ قومًا أجازوها ابتداءً، من غيرِ سبب إذا رأى ذلك الإِمامُ مصلحةً للمسلمين. وقَوْمًا لم يجيزوها إلا لمكان الضرورة الداعية لأَهْل الإِسلام من فتنةٍ، أو غير ذلك، إما بشيءٍ يأخذونه، منهم لا على حُكُم الجزيةِ إذ كانت الجزيةُ إنما شَرْطُها أن تُؤخذ منهم، وهم بحيثُ تنفذ عليهم أحكام المسلمين، وأما بلا شيء يأخذونه منهم، وكان الأوزاعي يُجيز أن يُصالِحِ الإِمامُ الكفارَ على شيء يَذْفعه المسلمون إلى الكُفَّار إذا دعت إلى ذلك ضرورة فتنة، أو غيرُ ذلك من الضرورات، وقال الشافعيُّ: لا يعطي المسلمون الكفّار شيئًا إلا أن يَصْطَلِموا، لكثرة العدد وقلتهم، أو لمحنةٍ نزلت بهم، وممن قال بإِجازة الصُّلح إذا رأى الإِمام ذلك مصلحةً، مالك، والشافعيُّ، وأبو حنيفة، إلّا أنَّ الشافعي لا يجوزُ عنده الصُّلْحِ، لأكثرَ من المدة التي صالح عليها رسولُ الله ◌ِّر الكُفَّار، عامَ الحديبية، اهـ: قلت: وأخبرنا محقِّقُ العصر الشيخ ((شِبِيِّر أحمد)) دام ظله، أنَّ أحكامَ المصالحةِ لا تُوجد أَبْسط ممَّا ذَكَرَه محمد في شَرْح ((السير الكبير)) فليراجع. ٢٩٢ كتاب الجزية وجبت الدِّيَّةُ على المدَّعى عليهم، وإلَّا يتوجَّهُ اليمينُ على المُدَّعَى عليهم، فإِنْ حَلفوا تَسْقُط عنهم الدِّية. ثُم إنه لا قِصاص عندنا، وعند الشافعيِّ في صورة. وقال مالك بنُ أنس: إنَّ اليمين يتوجَّه أولًا على أولياء القتيل، ليحلِفُوا على أَنَّ فلانًا قاتِلُه، ويُشْترط أن يبيِّنُوا سبب العداوةِ بين القتيل والقاتِل، فإِذا حلف خمسونَ منهم على أنَّ فلانًا قَتَله، وَبينوا العداوةَ أيضًا يُقْتَصُّ منه، وإلَّا فيتوجَّه اليمينُ على المُدَّعَى عليهم، كمذهب الشافعي. والحاصل أن اليمينَ يتوجَّه أَوَّلًا على المُدَّعِي عند مالك، والشافعيِّ، غير أن مالكًا أوجب القِصَاص في صورةٍ، بخلاف الشافعيِّ، فإنه لا قِصاص عنده في صورةٍ، أما الإِمام الأعظم، فقد مشى فيها على الضابطةِ العامَّة، أن البينةَ على المُدَّعِي، واليمينَ على مَنْ أنكر، فلم يقل ببدايةٍ اليمينِ على المُدَّعين، ولكن يتوجَّه الحَلِف على المُدَّعَى عليهم، ولا قِصاص عنده أيضًا في صورةٍ، كما هو عند الشافعي، وهو مذهِبُ عُمَر، واختاره البخاريُّ أيضًا، كما سيجيء في موضعه، وراجع ((الجَوْهر النقي(١))) فإِنَّ تكلّم عليه كلامًا جيدًا . قوله: (فذهب عبدُ الرحمن يتكلّم، فقال: كَبِّرْ كَبِّر) وإنما أرادَ النبيُّ وَِّ أن يَسْمع القِصَّةَ، أولًا من مُحَيِّصة، وحُوَيِّصَة، وإن كان حَقُّ الدَّغوى لعبد الرحمن أخي القتيل، ثُم إذا يَبْلغ أوان الدَّعْوى يتقدَّم أخوه، ويدَّعي، كما هو الطريق المعروف، وإنما أَخَّره في سماع القصة، لكونِه أحدثَ القوم، يمكن أن لا يأتي بها على وَجْهها . قوله: (فقال: أتحلِفُون وتستحِقُّون دم قاتلكم) ... الخ " كياتم جوهو قتيل کی اوليا" ... الخ، فيه حجَّةٌ للشافعيِّ، فإِنِه وَجَّه اليمين أَوَّلًا على المُدَّعيين، وعندي هو استفهامٌ فقط لا أنه صَرْف اليمين إليهم على شاكِلةِ القضاء، والمسألة، وإنَّما أراد به أن يقروا مِن عند أَنْفُسهم أنهم كيف يَحْلِفون، وهم لم يشهدوه، فإِنْ أنكروا عنه يقضي بيمين المُدَّعى عليهم، فإِذْن هو طريقُ كلام، وخطاب، ولذا قالوا: كيف نَحْلِف، ولم نَشْهد؟! فدلَّ على أنه كان على طَوْر المجاراة مع الخَصَّم لا غير، ولذا قال: فتبرِئُكُم اليهودُ بخمسينَ يمينًا؟ فقالوا: كيف نأخذُ أَيْمانَ قوم كُفَّار؟ ... الخ، ولكنهم إذا لم تكن عندهم بينةٌ، وأَبَوا عن اليمين أيضًا لَزِمهم أن يرضوا بأَيْمان المدَّعَى عليهم لا محالة، وإنْ كانوا قومًا كاذبين، فإِنَّ الإِمام ليس عليهِ الاطلاعُ على الوقائع، وإنما يقضي على الضابطة، فإِذا أنكروا عن البينة واليمين، لم تبق صورة إلَّ القضاء بأيمانهم، وهذا الذي كان يريدُه النبيُّ وَّهِ بتوجِيه اليمين إليهم، لينْكُلُوا عنه، فينصرف اليمينُ إليهم، ولا يبقى احتمالٌ غيرُه، وفي الروايات أنَّ النبيَّ ◌َّهِ كتب إلى يهود خيبرَ أن يَحْلِفوا، فكتبوا إليه: إنَّك لو أمرتنا به نَفْعله، ولكنا لم نَعْلَم قاتِله، فودَاه النبيُّ وَّ من بيت المال، ولم يهدر دَمَه، وإنما فعل ذلك لأنه كان يومئذٍ بينه وبينهم صُلْحٌ، كما في بعض طرقه في ((الصحيحين))، وتجِب الديةُ في بعض الصُّور على بيتِ المال عندنا أيضًا، وفيه دليلٌ للحنفيةِ على أن دمَ القتيلِ لا يُهْدَر بحال، بخلافِه عند الشافعيِّ، فإنه لو حلف خمسونَ من المدَّعَى عليهم لا تجب عنده ديةٌ، ولا قِصَاص . (١) وسنذكر عبارته في بابه إن شاء الله تعالى. ٢٩٣ كتاب الجزية ١٣ - باب فَضْلِ الوَفَاءِ بِالعَهْدِ ٣١٧٤ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِبَّاسِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سُفيَانَ بَنَ حَرْبَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ مِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيشٍ، كَانُوا تِجَّارًا بِالشَّأُمِ، فِي المُذَّةِ الَّتِي ماذٌّ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ وَ أَبَا سُفِيَانَ فِي كُفَّارِ قُرَيشٍ. [طرفه في : ٧]. ١٤ - باب هل يُعْفَى عَنِ الذِّمِّيِّ إِذَا سَحَرَ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: سُئِلَ: أَعَلَى مَنْ سَحَرَ مِنْ أَهْلِ العَهْدِ قَتْلٌ؟ قَالَ: بَلَغُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَِّ قَدْ صُنِعَ لَهُ ذلِكَ فَلَمْ يَقْتُل مَنْ صَنَعَهُ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ. ٣١٧٥ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيى: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ. [الحديث ٣١٧٥ - أطرافه في: ٢٣٢٦٨، ٥٧٦٣، ٥٧٦٥، ٥٧٦٦، ٦٠٦٣، ٦٣٩١]. ٣١٧٥ - قوله: (حتى كان يُخَيَّل إليه أَنَّه صنع شيئًا، ولم يَصْنَعْه) وقد سبق إلى بعضٍ الأوهام أن السِّحر مما لا ينبغي أن يمشي على الأنبياء عليهم السلام، فإِنه يوجِب رَفْع الأمان عن الشرع. قلت: وإنما يلزم ذلك لو سَلَّمناه في أمور الشريعة، أما لو مشى عليه من غيرِ هذا الباب فلا غائلة فيه. وإنَّما سِحر النبيِّ نَّهَ في أَمْر النِّساء، فكان يُخيَّلُ إليه أنه قادِرٌ على النِّساء، ولا يكون قادرًا، وهذا النوعُ من السِّحرْ معروفٌ عند الناس، ويقال له في لسان الهند: "فلان مرد كوبانده ديا". ثم إنَّ السحر له تأثيرٌ في التقليب من الصِّحة إلى المرض، وبالعكس، أما في قلب الماهية فلا، وما يتراءى فيه من قَلْب الماهية لا يكونُ فيه إلَّ التَّخْييلُ الصرف، قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِخْرِهِمْ أَّا تَنْعَى﴾ [طه: ٦٦] فلم تَنْقلب الحبالُ إلى حيَّات، ولكن خُيِّل إليه أنها انقلبت. وهذا ما نُسِب إلى أبي حنيفة أنَّ في السِّحْر تخييلًا، فقط، ولا يريدُ به نفي التأثير مُطْلقًا. فإِنَّه معلومٌ مَشْهودٌ، بل يريد به نَفِي التأثير في حَقِّ قَلْب الماهياتِ. ولا رَيْب أن ليس له فيه تأثيرٌ غير التخييل، ومِن هُهنا ظهَرَ الفَرْق بين المعجزةِ والسِّخْر، فإِنَّ المعجزةَ خاليةٌ عن التخييل، فهي على الحقيقةِ البحتةِ، ونَفْس الأَمْر الصرف، ولذا قال تعالى: ﴿فَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ﴾ [طه: ٦٩] أي جعلت تَفْعل فعل الأُفْعُوان، من بلْع الحيات، وأَكْلِها، ولو كان تخييلًا فقط، لم تفعل ذلك فَنَّه على تحقيقها، وحَقَّق تخييل(١) السِّحر، فافهم. قوله: (عقاص غنم) داء الطاعون في الغنم. (١) قلت: وقد تكلّم عليه الجصَّاص في ((أحكام القرآن)) - في سورة البقرة - مبسوطًا، وراجع له ((المقدمةُ لابن خلدون)) أيضًا، وإنما وضعنا الحاشيةَ دون الشرح، ليجِب علينا نَقْل كلمات القوم، غير أنا نكتفي، بالإِيماء إلى بعض المباحث، مع التنبيه على مظانِّ الْبَحْث في بعض المواضع، فَمَنْ أراد البسط، فليراجع المبسوطات. ٢٩٤ كتاب الجزية ١٥ - باب مَا يُخْذَرُ مِنَ الغَدْرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن يُرِيدُوْ أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٢] الآيَةَ. ٣١٧٦ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ العَلَاءِ بْنِ زَبْرِ قالَ: سَمِعْتُ بُسْرَ بْنَ عُبَيدِ اللّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِذْرِيسَ قَّالَ: سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: أَتَّيتُ النَّبِيَّ وََّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمِ، فَقَالَ: ((اعْدُدْ سِتَّا بَينَ يَدَي السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ المَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَىَ بَيْتٌ مِّنَ العَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ، فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْدَ ثَمَانِينَ غَايَّةً، تَحْتَ كُلّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا)). [طرفه في: ١١١]. ١٦ - بابٌ كَيفَ يُنْبَذُ إِلَى أَهْلِ العَهْدِ وقَوْلُ الله عَزَّ وَجلَّ: ﴿وَإِمَّا تَخَافَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةٌ فَانِبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] الآيَةَ. ٣١٧٧ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنَا حُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَنَ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنَّى: لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِك، وَلَا يَطُوفُ بِالبَيتِ عُرِيَانٌ، وَيَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ يَوْمُ النَّخْرِ. وَإِنَّمَا قِيلَ الأَكْبَرُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ: الحَجُّ الأَصْغَرُ، فَنَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذلِكَ الْعَامِ، فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ النَّبِيُّ ◌َِّ مُشْرٌِ. [طرفه في: ٣٦٩]. - قوله: (﴿قَانِذْ إِلَیھمْ﴾) [الأنفال: ٥٨] «صاف بات نکھری هوئی کھدو». قوله: (على سَواء) [الأنفال: ٥٨] ((جتنا تمهين معلوم هي أوتنا أونهين معلوم هوجاوى)). ١٧ - باب إِثْمٍ مَنْ عَاهَدَ ثُمَّ غَدَرَ (٥٦ وَقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ عَهَدَثَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ [الأنفال: ٥٦]. ٣١٧٨ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا حَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍوٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَاَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ◌َِّنَ «أَرْبَعُ خِلَالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنافِقًا خَالِصًا: مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ. وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا)). [طرفه في: ٣٤]. ٣١٧٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَن إِبْرَاهِيمَ التَّيمِيِّ، ٢٩٥ كتاب الجزية عَنْ أَبِيهِ، عنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَا كَتَبْنَا عَنِ النَّبِيِّ وَّهُ إِلَّ القُرْآنَ وَمَا فِي هذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ النَّبِيُّ بِّهَ: ((المَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَّا، فَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ، وَذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعى بِهَا أَذْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَهُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ. وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيرِ إِذْن مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَهُ اللَّه وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ)). ٣١٨٠ - قَالَ أَبُو مُوسى: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ: حَدَّثَنَا إِسْحاقُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَيفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا؟ فَقِيلَ لَهُ: وَكَيفَ تَرَى ذلِكَ كَائِنًا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِيِ نَفسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، عَنْ قَوْلِ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ، قَالُوا: عَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: تُنْتَهَكُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَدِمَّةُ رَسُولِهِ وَّةَ، فَيَشُدُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قُلُوبَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيدِيهِمْ. ٣١٧٩ - قوله: (مَنْ أَحْدَث حَدَثًا) ... الخ، أي مَن زاد عليهم مِن السلايطن في الجبايات، وأخذ منهم مالًا ظُلْمًا، وهذا مصداقه الأولى، ثُم صار عامًّا لِكُلِّ مبتدع في المدينة. قوله: (إذا لم تَجْتَبُوا دِينارًا ولا يِرْهمًا) أي لم تأخذوه على وَجْه الجِباية، والخَراج، يعني "جزیہ وصول نھوكا" . ٣١٨٠ - قوله: (فيَشُدُّ اللهُ قلوبَ أهلِ الذِّمة)" خدا أونكى دلون كوسخت كرديكا أوروه صاف جواب دیدینکی" . ١٨ - بابٌ ٣١٨١ - حدّثنا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ: شَهِدْتَ صِفِّينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَسَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيفٍ يَقُولُ: اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ النَّبِيِّ نَّهَ لَرَدَدْتُهُ، وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِنَا لِأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلَّا أَسْهَلنَ بِنَا إِلَى أَمْرِ نَعْرِفُهُ غَيرِ أَمْرِنا هذا. [الحديث ٣١٨١ - أطرافه في: ٣١٨٢، ٤١٨٩، ٤٨٤٤، ٧٣٠٨]. ٣١٨٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ آدَمَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ: حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ قَالَ: كُنَّا بِصِفِّينَ، فَقَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيفٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ، فَإِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ رَّهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ غُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟ فَقَالَ: (بَلَى)). فَقَالَ: أَلَيسَ قَتْلَانا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: (بَلَى)). قَالَ: فَعَلَّى مَا نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنَا، أَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ ٢٩٦ كتاب الجزية فَقَالَ: ((ابْنَ الخَطَّابِ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا)). فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِلنَّبِيِّ بَيَِّ، فَقَالَ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا، فَنَزَلَتْ سُورَةً الفَتْحِ، فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ نَّهَ عَلَى عُمَرَ إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ فَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). [طرفه في: ٣١٨١]. ٣١٨٣ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةٍ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهَيَ مُشْرِكَةٌ، فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ وَمُدَّتِهِمْ مَعَ أَبِيهَا، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولٌ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ صِلِيهَا)). [طرفه في: ٢٦٢٠]. ١٩ - باب المُصَالَحَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ وَقْتٍ مَعْلُومٍ ٣١٨٤ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيم: حَدَّثَنَا شُرَيحُ بْنُ مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِيٍّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ، أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، يَسْتَأْذِنُهُمْ لِيَدْخُلَ مَكَّةَ، فَاشْتَرَطُوا عَلَيهِ أَنْ لَا يُقِيمَ بِهَا إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَلَا يَدْخُلَهَاَ إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ، وَلَا يَدْعُوَ مِنْهُمْ أَحَدًا، قَالَ: فَأَخَذَ يَكْتُبُ الشَّرْطَ بَينَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَكَتَبَ: هَذا مَا قاضى عَلَيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ نَمْنَعْكَ وَلَبَا يَعْنَاكَ، ولكِنْ اكْتُبْ: هذا مَا قاضى عَلَيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: ((أَنَا وَاللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَا وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ). قَالَ: وَكَانَ لَا يَكْتُبُ، قَالَ: فَقَالَ لِعَليّ: ((امْحُ رَسُولَ اللَّهِ)). فَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ لَا أَمْحَاهُ أَبَدًا، قَالَ: (فَأَرِنِيهِ)) قَالَ: فَأَرَاهُ إِيَّاهُ فَمَحَاهُ النَّبِيُّ ◌َهَ بِيَدِهِ. فَلَمَّا دَخَلَ وَمَضى الأَيَّامُ، أَتَوْا عَلِيًّا فَقَالُوا: مُرْ صَاحِبَكَ فَلَيَرْتَحِل، فَذَكَرَ ذلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ إِلَه فَقَالَ: ((نَعَمْ)). ثُمَّ ارْتَحَلَ. [طرفه في: ١٧٨١]. ٢٠ - باب المُؤَادَعَةِ مِنْ غَيرٍ وَقْتٍ وَقَوْلِ النَّبِيِّ وَِّ: ((أُقِرُّكُمْ عَلى مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ بِهِ». ليس هذا من الموادَعة، في شيء، وإنما كان تَرَكهم ليزرَعوا في أرضها، ويردُوا منه إلى بيت المال ما وجب عليهم فيه . ٢١ - باب طَرْحِ جِيَفِ المُشْرِكِينَ فِي البِثْرِ، وَلاَ يُؤْخَذُ لَهُمْ ثَمَنٌ ٣١٨٥ - حدّثنا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمانَ قالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهِ قالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿وَ سَاجِدٌ، وَحَوْلَهُ ناسٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، إِذْ جاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيطٍ بِسَلَى جَزُورٍ، فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ ٢٩٧ كتاب الجزية النَّبِّ ◌ََّ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى جاءَتْ فاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ، فَأَخَذَتْ مِنْ ظَهْرِهِ، وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ : ((اللَّهُمَّ عَلَيكَ المَلَأَ مِنْ قُرَيشِ، اللَّهُمَّ عَلَيكَ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيَعَةً، وَشَيبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيطٍ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، أَوْ: أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ)). فَلَقَدْ رَأَيتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُلِقوا في بِثْرٍ، غَيرَ أُمَيَّةً أَوْ أُبَيِّ، فَإِنَّهُ كانَ رَجُلًا ضَخْمًا، فَلَمَّا جَرُّوهُ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ، قَبْلَ أَنْ يُلقَى في البِتْرِ. [طرفه في: ٢٤٠]. ٢٢ - باب إِثْمِ الغَادِرِ لِلَبَرِّ وَالفَاحِرِ ٣١٨٦، ٣١٨٧ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيمَانَ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. وَعَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَّ قَالَ: ((لِكُلِّ غادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ - قالَ أَحَدُهُما: يُنْصَبُ، وَقَالَ الآخَرُ: يُرَى يَوْمَ القِيَامَةِ - يُعْرَف بِهِ)). ٣١٨٨ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َيِّ يَقُول: (لِكُلِّ غادِرِ لِوَاءٌ يُنْصَبُ لِغَدَّرَتِهِ)). [الحديث ٣١٨٨ - أطرافه في: ٦١٧٧، ٦١٧٨، ٦٩٦٦، ٧١١١]. ٣١٨٩ - حذّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: ((لَا هِجْرَةً، وَلكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا)). وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَّةَ: ((إِنَّ هذا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمُوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَىَّ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَّامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفِّرُ صَيِدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَىِ خَلَاهُ)). فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّ الإِذخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَينِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ، قَالَ: ((إِلَّا الإذخِرَ)). [طرفه في: ١٣٤٩]. بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ ٥٩ - كِتَابُ بَدْءِ الخُلقِ ١ - باب ما جاءَ في قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] قالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيمَ وَالحَسَنُ: كُلٌّ عَلَيْهِ هَيِّنٌ. هَيْنٌ وَهَيِّنٌ مِثْلُ لَيْنِ وَلَيِّن، وَمَيْتٍ وَمَيِّتٍ، وَضَيْق وَضَيِّق. ﴿أَفَعِنَا﴾ [ق: ١٥]: أَفَأَعْيَا عَلَينَا حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلقَكُمْ. ﴿أُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٥]: النَّصَبُ. ﴿أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]: طَوْراً كَذَا، وَطَوْراً كَذَا، عَدَا طَوْرَهُ: أَي قَدْرَهُ. ٣١٩٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: أَخْبَرَنا سُفيَانُ، عَنْ جامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: جاءَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَمِيم إِلَى النَّبِيِّ ◌َّ فَقَالَ: ((يَا بَنِي تَمِيم أَبْشِرُوا)). قالُوا: بَشَرْتَنَا فَأَعْطِنَا، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَجَاءَهُ أَهْلُ اليَمَنِ، فَقَالَ: ((يَا أَهْلَ الْيَمَنِّ، اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلَهَا بَنُو تَمِيم)). قالُوا: قَبِلِنَا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ◌ِكَةُ يُحَدِّثُ بَدْءَ الخَلقِ وَالعَرْشِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عِمْرَانٌ رَاحِلَتُكَ تَفَلَّتَتْ، لَيَتَنِي لَمَّ أَقُمْ. [الحديث ٣١٩٠ - أطرافه في: ٣١٩١، ٤٣٦٥، ٤٣٨٦، ٧٤١٨]. ٣١٩١ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ بْنِ غِيَاثٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا جامِعُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ: أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِّ ◌َّهِ وَعَقَّلتُ نَّاقَتِي بِالْبَابِ، فَأَتَاهُ نَاسٌ مِنَ بَنِي تَمِيم، فَقَالَ: ((اقْبَلُوا البُشْرَى يَا بَنِي تَمِيم)). قالُوا: قَدْ بَشَّرْتَنَّا فَأَعْطَنَا، مَرَّتَينٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أهْلِ اليَمَنِ، فَقَالَ: ((اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ اليَمَنِ، إِذْ لَمْ يَقْبَلَهَا بَنُو تَمِيم)). قالُوا: قَبِلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ،َ قالُوا: جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ هذا الأَمْرِ، قَالَ: ((كانَ اللَّهُ وَلَمَّ يَكُنْ شَيءٌ غَيرُهُ، وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيءٍ، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ)). فَنَادَى مُنَادٍ: ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يَا ابْنَ الحُصَينِ، فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا هِيَ يَقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ، فَوَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا. [طرفه في: ٣١٩٠] . ٣١٩٢ - وَرَوَى عِيسى، عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ قَيسٍ بْنِ مُسْلِم، عَنْ طَارِقٍ بْنِ شِهَابٍ قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قامَ فِينَا النَّبِيُّنََّ مَقَاماً، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذلِكَ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ. ٢٩٨ ٢٩٩ كتاب بدء الخلق ٣١٩٣ - حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيِبَةَ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ سُفيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ أُرَاهُ: ((يَقُولُ اللَّهُ: شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ، وَمَا يَنْبَغِي لَّهُ أَنْ يَشْتِمَنِي، ويُكَذِّبُنِي وَما يَنْبَغِي لَهُ. أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ: إِنَّ لِي وَلَداً، وَأَمَّا تَكْذِيبُه فَقَوْلُهُ: لَيسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي)). [الحديث ٣١٩٣ - طرفاه في: ٤٩٧٤، ٤٩٧٥]. وقد مرَّ نظائرُه من قوله: (بَدْء الوحي))، و((بَدْء الحَيْضِ))، فهذا ((بَدْء الخَلْقِ)). ويَذْكُرُ في ضِمْنِهِ الأحوالَ، إلى الحشر. وهذا الكتابُ في كُتُبِ الأحاديث أقربُ إلى سِفْر التكوين من التوراة. قوله: (﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ﴾) [الروم: ٧] أَتَّى بِصيغة التفضيل رعايةً لحال المُخَاطَبِينَ، ومُجَارَاةً لهم، فإن الإِعادةَ عندهُم أسهلُ من الإِبداع، وإلاَّ فالكلُّ سواء بالنسبة إلى قدرته، فإن الله تعالى لا مُكْرِه له. ٣١٩١ - قوله: (كان اللَّهُ، ولَمْ يَكُنْ شيءٌ غَيْرُهُ) ومن لفظه: ((ولم يكن شيءٌ قَبْلُهُ))، ولا أَذْكُرُ فيه لفظ: ((معه)). والأَوْلَى اللفظُ الأوَّلُ، فإنه يَدُلُّ على أن سائرَ العالم بنَقِيرِه وقِظْمِيرِه حَادثٌ، بخلاف قوله: ((ولم يكن شيءٌ قبله))، فإنه وإن كان صحيحاً في نفسه، لكنه لاَ تُسْتَفَادُ منه المسألةُ المذكورةُ. ثم إن هذه عقيدةُ الأديان السماوية كلِّها، وما من دينٍ حقٍّ إلاَّ ويَعْتَقِدُ بحدوث الأكوان، إلاَّ الله، واختار الشاه وليُّ الله في بعض رسائله قِدَمَ العالم، وتمسَّك بما عند الترمذيِّ أنه نََّ سُئِلَ: ((أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَن يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قال: كان في عَمَاءٍ، ما فَوْقَهُ هَوَاءٌ، وما تَحْتَهُ هَوَاءٌ(١). (١) قلتُ: وكان الشيخُ شَرَحَهُ في موعظةٍ، حين أقامته بدار العلوم بديوبند. وها أنا أُلْقي عليك نبذةً منه على ما أَحْفَظُهُ. قال: إن العَمَاءَ شيءٌ يُشْبِهُ الضَّبَابَة، تقوم مقام / جرشاهى/ للملك، وربما يوجد ذكرها عند ذكر العِلْوِيَّات، فقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِ ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَاءِ وَالْمَلَبِكَةُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وكذا في قصة صحابي تلا في الليل سورة الكهف، فَرَأى سحابةً، أو ضَبَابةً. فَهَذا شيءٌ يناسب بحضرة الربوبية، وهو أيضاً مخلوقٌ لله تعالى، إلاَّ أن السؤالَ كان عن هذا العالم المشهود، أي: أين كان ربنا قبل أن يَخْلُقَ هذا العالم؟ لا مُظْلق الخَلْقِ، فإن العَمَاءَ لا يَعْلَمُهُ كثيرٌ من العلماء، فما للسائل أن يَسْأَلَهُ عن كونه قبل العَمَاءِ. فإن السؤال لا يكون إلاَّ عَمَّا في محيط عِلْمِنَا، لا ما عَلِمْنَاهُ بعد إخبار الشرع. ولذا أَجَابَهُ بأنه قبل ذلك العالم، كان في عَمَاءٍ. ولعلَّه مادةٌ للأكوان كلُّها، وإليه أَشَار في قصيدته في حدوث العالم: تَعَالى الذي كَانَ وَلَمْ یَكُ ما سِوَى وأيضاً في الفارسية: وأوَّلُ ما جلى الْعَمَّاء بمصطفى / بدريائى عماء موج إراده حباب انكيخت حادث نام كردند/ وإنما دلَّه على العَمَاءِ، لأنه سُئِلَ أن الرَّبَّ أين كان؟ فقال: إنه كان قبل الخلق في العَمَاءِ، على ما يَلِيقُ بشأنه . = ٣٠٠ كتاب بدء الخلق قوله: (وَكَانَ عَرْشُهُ على المَاءِ (١)) وقد مرَّ: أن هذا الماءَ إمَّا هو ما أَخْبَرَ به ابنُ مسعود: أنه على مسافة خمس مائة سنةٍ فوق السموات، أو هذا الماءُ المعروفُ عندنا . فالمرادُ منه كون العرشِ في طرفٍ، وفي طرفٍ آخرَ منه الماءُ، لا كونه مستقرّاً على الماء. قوله: (في الذِّكْرٍ): أي اللوح المحفوظ. قوله: (فإذا هيَ تَقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ)، معناه أنها بَعُدَتْ بُعْداً لا يَظْهَرُ دونه السَّرَابُ، مع أنه يَلْمَعُ من الْبُعْدِ، فإذا لم يَظْهَرْ السَّرَابُ أيضاً، دَلَّ على قطعها بُعْداً بعيداً، والغرضُ بيانُ بُعْدِهَا فقط. ٣١٩٤ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ القُرَشِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَسِه: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلقَ كَتَبَ فَي كِتَابِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي)). [الحديث ٣١٩٤ - أطرافه في: ٧٤٠٤، ٧٤١٢، ٧٤٥٣، ٧٥٥٣، ٧٥٥٤]. ٣١٩٤ - قوله: (فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ، إن رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي) وفي لفظٍ: (سَبَقَتْ غَضَبِي))، وتمسَّك به الشيخُ الأكبرُ (٢) على أن عذاب الجحيم لا يَدُومُ لأحدٍ، لأن فلو سأله سائلٌ أنه أين كان قبل العَمَاءِ؟ لأجابه أنه كان، ولم يَكُنْ شيءٌ غيره، كما في حديث البخاريِّ. إلاَّ أن = تَصَوَّرَ الذات بدون المكان عَسِيرٌ عند الأذهان، فأجابه حسب سؤاله على قدر قَهْمِهِ، وعِلْمِهِ. قال الشيخُ الأكبرُ: إن السؤالَ أين كان بعد وجود الخَلْقِ، ولو في الجملة. فإن سؤالَ الأَيْنِيَّة، لا يَتَأَتَّى إلاَّ بعد وجوده. فإذا وُجِد شيءٌ دون شيءٍ توجَّه السؤالُ، أنه أين كان؟ في عَمَاءٍ أو غَيْرِه، على العرش أو فوقه، أو تحته. فالسؤالُ بالأين لا يُعْقَلُ إلَّ بعد وجود شيءٍ سواه. واختلف العلماءُ في ((ما)»: أنها نافيةٌ، أو موصولةٌ، وإلى كلِّ ذَهَبَ ذاهبٌ. وكنتُ معه في سفر إذْ سَألَ الشيخَ بعضٌ من المتنورين عن مادة العالم، فَأَعَاد عليه القولَ، فقال: هاتٍ ما عندك؟! كأنه زَجَرَهُ على سؤاله، حيث رآه مُتَعَنْتاً، فجعل الرجل يتكلّم، كجعجعة ولا طحين، ثم قال له: وإذ قد عَجَزْتَ عن بيان ما ثَبَتَ في الفلسفة الجديدة، فاسمع منّي أولاً ما هو المحقّقُ عندهم، ثُمَّ أُخْبِرُكَ بما ثبت عند الشرع: إن مادةَ العالم عندكم مادةٌ مبثوثةٌ في الجو تُسَمَّى / بايتهر/، وقد كان قدماؤهم يَزْعُمُون أنه بسيطً لا جزءَ له، وإن ثَبَتَ اليوم عندهم خلافه، وحقّقوا شيئاً آخرَ ألطف منه. وأمَّا في لسان الشرع: فهي العَماءُ، وقرَّره في نحو نصف ساعة، وأتى بنقول العلماء من العهد الجديد والقديم، ونفّح كلماتهم في هذا الباب. وفي ضمن ذلك مرَّ على وجود السموات، وحقّقها، حتى أن بُهِتَ الرجل، ودُهِشَ. وحينئذٍ عَلِمَ أن الفضلَ بيد الله تعالى، يُؤْتِيهِ من يشاء. (١) قلتُ: من أَرَادَ الاطلاعَ على جوانبه وأطرافِه، فليراجع له ((روح المعاني))، فإنه تكلّم فيه الشيخ الأَلُوسي رحمه الله تعالى، وفي ضمنه تعرَّض إلى العَمَاءِ شيئاً . (٢) قلتُ: وقد تمسَّك الشيخُ الأكبرُ بالاستثناء من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شََّ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] أيضاً، ولا ريبَ أنه قويٌّ جداً، وسنذكر وجه التفصِّي عنه إن شاء الله تعالى. فانظر غايةَ اعتدال الشيخ - قُدِّسَ سرُّه -، واستحكامُه في العلوم، وأنَّ قَدَمَهُ لم تَكُنْ تَزِلُّ عن مسلك الجمهور في موضعٍ زَلَّتْ فيه أقدامُ الفحول، كالشيخ الأكبر، والحافظ ابن تَيْمِيَة. والعجبُ أنه كان من معتقديهم، ثم لم يكن يَرْكَنُ إلى تفرُّداتهم أصلاً. وهذا الاعتدالُ، والنَّصَفَةُ في حقِّ الكِبَارِ، ممَّا يَكَادُ يتعذّر اليوم.