النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
كتاب المكاتب
قِنًا، وكذا يجوزُ إذا قال لمولاه: بِعْني، ورَضِي به المَوْلى لتضمُّنِهِ التعجيزَ، فلا يَرِد الحديثُ
علينا، فَهُم حَمَلُوه على بَيْع المكاتِبَ، ونحن حملناه على مسألةِ التعجيز، وهذان نَظَرَان، ولكلِّ
واحدٍ نَظَرٌ، وهو راعيه، فلا حُجَّةَ فيه لأَحَدٍ.
قوله: (وهو عَبْدٌ ما بقي عَلَيْه دِرْهِمٌ) وهو المسألةُ عندنا. وقد ذهب جماعةٌ إلى تَجُزُّىء
العِثْق في المكاتب بِقَدْر أداء بَدل الكِتابة. فقال: إنه يعتق بِقَدْر ما أَذَّى، وله حديثٌ مرفوعٌ عند
الترمذي(١) عن ابن عباس - وحَسَّنه أيضًا - قال: قال النبيُّ وَّرَ: ((يؤدِّي المكاتَبُ بِحصَّة ما أدَّى
ديةَ حُرِّ، وما بقي دِيةُ عبد)). قال الترمذيُّ: والعملُ على هذا عند بَعْض أهل العلم من أصحاب
النبيِّ ◌َِّ؛ وأكثَرُ أهل العِلْم من أصحاب النبيِّ وَِّ، وغيرِهم أن المكاتَب عَبْدُ ما بقي عليه
دِرْهم، اهـ، ولم يعبأ به البخاريُّ، وأَسْقَطَه، ووضع المسألةً كما هي عند الجمهور؛ قلت: ولم
أَرَ أحدًا منهم أجاب عنه؛ وما ذكره الشيخُ عبدُ الحقِّ، فلا يُسْمِن ولا يُغني من جوعٍ.
٦ - بابٌّ إِذَا قَالَ المُكَاتَبُ: اشْتَرِنِي وَأَعْتِقْنِي، فَاشْتَرَاهُ لِذلِكَ
٢٥٦٥ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيمَنَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَيمَنُ، قَالَ:
دَخَلتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقُلتُ: كُنْتُ غُلَامًا لِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، وَمَاتَ وَوَرِثَنِي
بَنُوهُ، وَإِنَّهُمْ بَاعُونِي مِن ابْنِ أَبِي عَمْرٍو، فَأَعْتَقَنِي ابْنُ أَبِي عَمْرٍوَ، وَاشْتَرَطَ بَنُو عُثْبَةَ الوَلَاءَ،
فَقَالَتْ: دَخَلَتْ بَرِيرَةُ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ، فَقَالَتْ: اشْتَرِينِي وَأَعْتِقِيَنِي، قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَتْ: لَا
يَبِيعُونِي حَتَّى يَشْتَرِطُوا وَلَائِي، فَقَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي بِذلِكَ، فَسَمِعَ بِذْلِكَ النَّبِيُّ وَ أَوْ
بَلَغَهُ، فَذَكَرَ ذلك لِعَائِشَةَ، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ مَا قَالَتْ لَهَا، فَقَالَ: ((اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، وَدَعِيهِمْ
يَشْتَرِطُونَ مَا شَاؤُوا)). فَاشْتَرَتْهَا عَائِشَةُ فَأَعْتَقَتْهَا، وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا الوَلَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
((الوَلَّاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَإِنِ اشْتَرَطُوا مِائَةَ شَرْطِ)). [طرفه في: ٤٥٦].
واعلم أن الشِّراء بِشَرْط العِثْقَ مُفْسِدٌ للعقد عندنا. قلت: هذا في الحُكْم والقضاء؛ أما إذا
كان من باب المروءةِ، فلا .
٢٥٦٥ - قوله: (دَعِيهم يَشْتَرِطُوا ما شاؤوا)، وهذا الذي كنّا ننتظره، فإِنَّه صريحٌ في أن
الأَمْر في قوله: ((اشترطي))، لم يكن للاشتراط، بل للإلغاء، كما في هذه الرواية، أي اشتراطُهم
لَغْوٌ، فاشتريها أنت، ويكون الوَلاءُ لك.
(١) يقول العبد الضعيف: وقد كان الشيخ ذكر جوابه في - درس الترمذي - وقد فهمته إن شاء الله، ولكن ليس ههنا
موضع بسطه، وإنما همنا ههنا بسط ما يتعلق بموضوع البخاري، أما أبحاث الترمذي، فليراجعها من تقاريره،
وليس كل الصيد في جوف الفرى.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
٥١ - كِتَابُ الهِبَةِ
وَفَضْلِهَا وَالتَّحْرِيضِ عَلَيهَا
١ - بابٌ
٢٥٦٦ - حدّثنا عَاصِمُ بْنُ عَلِيّ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَلِ قَالَ: ((يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ
لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ)). [الحديث ٢٥٦٦ - طرفه في: ٦٠١٧].
٢٥٦٦ - قوله: (يا نساء المسلمين) .. الخ. واعلم أنَّ إضافةَ الموصوفِ إلى الصِّفة جائزةٌ
عند الكوفيين؛ وخالفهم البَصرِيُّون، وأوَّلوا في مِثْل هذه المواضع؛ وليس بشيءٍ فإِنَّ كثرة
الاستعمال دليلُ الجواز؛ فمذهب الكوفيين أرجح.
قوله: (لا تَحْقِرَنَّ) ... الخ، وحاصِلُه أنه ينبغي لها أن تنفق من كثيرِها وقَلِيلها، ولا تمتنع
عن المواساةِ بالقليلِ أيضًا .
٢٥٦٧ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيسِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: ابْنَ أُخْتِي،
إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَىِ الهِلَالِ، ثُمَّ الهِلَالِ، ثُمَّ الِهِلالِ؛ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَينٍ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي
أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ نَارٌ. فَقُلَتُ: يَا خَالَةُ، مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتَْ: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ
وَالمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلَهَ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا
يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ وَيهِ مِنْ أَلْبَانِهِمْ فَيَسْقِيْنَا. [الحديث ٢٥٦٧ - طرفاه في: ٦٤٥٨، ٦٤٥٩].
٢٥٦٧ - قوله: (ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ في شَهْرَيْن) ... الخ وصُورَتُه (١) أن يُعَدَّ الهِلالانِ من أطراف
الشَّهْر، والواحد من الوسط .
٢ - بابُ القَلِيلِ مِنَ الهِبَةِ
٢٥٦٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيمَانَ، عَنْ
(١) هكذا ذكره العيني: ص٢٥٤ - ج٦، وهذا نصه: وتكملها في شهرين باعتبار رؤية الهلال في أول الشهر الأول، ثم
برؤيته في أول الشهر الثاني، ثم برؤيته في أول الشهر الثالث. فيصدق عليه ثلاثة أهلة، ولكن المدة ستون يوماً، اهـ.
٤٢

٤٣
كتاب الهبة
أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّوَّرَ قَالَ: ((لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ
كُرَاعٍ لأَجَبْتُ، وَلَوْ أَهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ)). [الحديث ٢٥٦٨ - طرفه في: ٥١٧٨].
٢٥٦٨ - قوله: (ولَوْ دُعِيتُ إلى ذِرَاعٍ، أو كُرَاعِ لِأَجَبْتُ)، واعلم أن إجابتَه الدَّعْوَةَ سُنَّةٌ،
وفي (الهداية))؛ إنَّ إجابته دعوةَ الوليمةِ واجبةٌ، ولعلّ(١) التخصيصَ بدعوةِ الوليمة، لأن من دَأُب
الناسِ أنهم يَطْبُخُون فِي الولائم طعامًا كثيرًا، ويتكلَّفون فيه، فلو لم يُجَب إليها لأَدى إلى إضاعةِ
أموالهم؛ وبالجملة إنَّ الأَمْرَ فيها مُختلِفٌ باختلاف الأحوال، والأزمان، والأشخاص.
٣ - بابُ مَنِ اسْتَوْهَبَ مِنْ أَصْحَابِهِ شَيئًا
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((اضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا)).
٢٥٦٩ - حدّثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ أَرْسَلَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ الأَنصار، وَكَانَ لَهَا غُلَامٌ نَجَّارٌ، قَالَّ
لَهَا: ((مُرِي عَبْدَكٍ فَلَيَعْمَل لَنَا أَعْوَادَ الْمِنْبَرِ)). فَأَمَرَتْ عَبْدَهَا، فَذَهَبَ فَقَطَعَ مِنَ الطَّرْفَاءِ،
فَصَنَعَ لَهُ مِنْبَرًا، فَلَمَّا قَضَاهُ، أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ: إِنَّهُ قَدْ قَضَاهُ، قَالَ رَِّ: ((أَرْسِلِي بِهِ
إِلَيَّ)). فَجَاؤُوا بِهِ، فَاحْتَمَلَهُ النَّبِيُّ ◌َ فَوَضَعَهُ حَيْثُ تَرَوْنَ. [طرفه في: ٣٧٧].
٢٥٧٠ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي
حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا
مَعَ رِّجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌َِّهُ فِي مَنْزِلٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةً، وَرَسُولُ اللَّهِ وَلِ نَازِلٌ أَمَامَنَا،
وَالْقَوْمُ مُحْرِمُونَ وَأَنَاَ غَيرُ مُحْرِمِ، فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي،
فَلَمْ يُؤْذِنُونِي بِهِ، وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّيَّ أَبْصَرْتُهُ، وَالتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ، فَقُمْتُ إِلَى الفَرَسِ فَأَسْرَجْتُهُ،
ثُمَّ رَكِبْتُ وَنَّسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقُلتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ
لَا نُعِينُكَ عَلَيهِ بِشَيءٍ، فَغَضِبْتُ فَنَزَلِتُ فَأَخَذْتُهُمَا، ثُمَّ رَكِبْتُ فَشَدَدْتُ عَلَى الحِمَارِ فَعَقَرْتُهُ،
ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وَقَدْ مَاتَ، فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّهُ وَهُمْ حُرُمٌ، فَرُحْنَا
وَخَبَأْتُ الْعَضُدَ مَعِي، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ ◌َِّ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذلِكَ، فَقَالَ: ((مَعَكُمْ مِنْهُ
شَيءٌ؟)). فَقُلتُ: نَعَمْ، فَنَاوَلتُهُ العَضُدَ فَأَكَلَهَا حَتَّى نَفَّدَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ. فَحَدَّثَنِي بِهِ زَيدُ بْنُ
أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِي. [طرفه في: ١٨٢١].
(١) قلت: أخرج أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ◌َّ نهى عن طعام المتبارئين، وقال محيي السنة:
الصحيح أنه عن عكرمة مرسلاً، وفسره الإِمام أحمد بالمتعارضين بالضيافة، فهذا الذي أراده الشيخ من اختلاف
الأزمان، ثم قد يخطر بالبال أن التحريض على الإِجابة، لما كان نظراً إلى ضياع أموالهم، ناسب التحذير عن
أكلها تعزيزاً لهم، فلا يؤكل طعامهم، والله تعالى أعلم بالصواب. وراجع له ((المعتصر)) ص ١٨٧، فإنه قد تكلم
فيه كلاماً حسناً جداً، لم أذكره، مخافة التطويل، وسنذكر مباحث لطيفة في النكاح عن ابن العربي إن شاء الله.

٤٤
كتاب الهبة
يعني أنه جائزٌ إذا عَلِمَ طيبَ خاطِرِهم؛ والأصل فيه: أَنَّ كلَّ ما لا يُعَد سؤالُه ذُلاًّ ودناءةً في
العُرْف، فهو جائزٌ، كالسؤال من السلطان؛ ذكره الغزّالي، وكذا كُلّ مِنْ كان في يده نظم شيء،
وقسمته، أما إذا كان خلاف ذلك، فَهو مَوْرَدُ الوعيد؛ فإِنَّ النبيَّ وََّ أَمَر أُمَّته بمكارم الأخلاق
البهيَّةِ، ونهاهم عن الخِلَال الدنيَّة.
٤ - بابُ مَنِ اسْتَسْقَى
وَقَالَ سَهْلٌ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ◌َِّرَ: ((اسْقِي)).
٢٥٧١ - حدّثنا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو طُوَالَةَ،
اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: أَتَانَا رَسُولُ
اللّهِ وَيَّ فِي دَارِنَا هذهِ، فَاسْتَسَّقَى، فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً لَنَا، ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ ماءِ بِثْرِنَا هذهِ،
فَأَعْطَيتُهُ، وَأَبُو بَكْرٍ، عَنْ يَسَارِهِ، وَعُمَرُ تُجَاهَهُ، وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ عُمَرُ:
هذا أَبُو بَكْرٍ، فَأَغْطَى الأَغْرَابِيَّ فَضْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((الأَيَمِنُونَ الأَيمَنُونَ، أَلَا فَيَمِّنُوا)). قَالَ
أَنَسٌ: فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. [طرفه في: ٢٣٥٢].
٢٥٧١ - قوله: (الأَيْمِنُونَ الأيمنون) ... الخ: وقد عَلِمت أن سُنَّة الهديَّة أنها توضع بين
يدي المُهدى إليه، فيراعي في القسمة يمينه، بخلاف غسل الأيدي، فإِنَّه يُراعي فيه الصف.
٥ - بابُ قَبُولِ هَدِيَّةِ الصَّيدِ
وَقَبِلَ النَّبِيُّ ◌َ ◌َّ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ عَضُدَ الصَّيدِ.
٢٥٧٢ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظّهْرَانِ، فَسَعَىِ القَوْمُ فَلَغَبُوا،
فَأَدْرَكْتُهَا فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلحَةَ فَذَبَحَهَا، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بَّهَ: بِوَرِكِهَا
أَوْ فَخِذَيْهَا، قَالَ: فَخِذَيْهَا لَا شَكَّ فِيهِ، فَقَبِلَهُ. قُلتُ: وَأَكَلَ مِنْهُ؟ قَالَ: وَأَكَلَ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ
بَعْدُ: قَبِلَهُ. [الحديث ٢٥٧٢ - طرفاه في: ٥٤٨٩، ٥٥٣٥].
٦ - بابُ قَبُولِ الهَدِيَّةِ
٢٥٧٣ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّغَبِ بْنِ جَثَّامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ:
أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ وَجَ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّ عَلَيهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا
فِي وَجْهِهِ قَالَ: ((أَمَا إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ)). [طرفه في: ١٨٢٥].
٢٥٧٣ - قوله: (أهدى لرسول الله وَّر حمارًا وحشيًا) وعند مسلم عجز حمار وَحْشيء،
يَقْطُر دمًا، وفي لفظ: شق حمارٍ وحشيٍ، ولم يعبأ البخاريُّ. فلم يخرجه في ((كتاب الحج))،
وذلك لأنه وافق الحنفية في المسألة.

٤٥
كتاب الهبة
٧ - بابُ قَبُولِ الهَدِيَّةِ
٢٥٧٤ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، يَبْتَغُونَ بِهَا - أَوْ يَبْتَغُونَ
بِذلِكَ - مَرْضَاةَ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ﴾ [الحديث ٢٥٧٤ - أطرافه في: ٢٥٨٠، ٢٥٨١، ٣٧٧٥].
٢٥٧٥ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ
جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَهْدَتْ أُمُّ حُفَيَدٍ خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِلَى
النَّبِيِّ وََّ أَقِطَاَ وَسَمْنَا وَأَضُبًّا، فَأَكَلَ النَّبِيُّ وَّهِ مِنَ الأَقِطِ وَالسَّمْنِ، وَتَرَكَ الضَّبَّ تَقَذَّرًا .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةٍ
رَسُولِ اللَّهِ وَ لَهِ﴾ [الحديث ٢٥٧٥ - أطرافه في: ٥٣٨٩، ٥٤٠٢، ٧٣٥٨].
٢٥٧٦ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِر: حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهَإِذَا أُتِيَ بِطَعَام
سَأَلَ عَنْهُ: ((أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟)) فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ، قَالَ لأَصْحابِهِ: ((كُلُوا)) وَلَمْ يَأْكُلَ، وَإِنَّ
قِيلَ: هَدِيَّةٌ، ضَرَبَ بِيَدِهِ نََّ فَأَكَلَ مَعَهُمْ.
٢٥٧٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ◌َّهَ بِلَحْمٍ، فَقِيلَ: تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ، قَالَ: ((هُوَ لَهَا
صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ)). [طرفه في: ١٤٩٥].
٢٥٧٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
القَاسِمِ قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَّ
بَرِيرَةَ، وَأَنَّهُمُ اشْتَرَطُوا وَلَاءَهَا، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا
الَوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ، فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ وَّهِ: هذا تُصُدِّقَّ عَلَى بَرِيرَةً! فَقَالَ
النَّبِيُّ وََّ: ((هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ)). وَخُيِّرَتْ. قَالَ عَبْد الرَّحْمُنِ: زَوْجُهَا حُرٍّ أَوْ عَبْدٌ؟
قَالَ شُعْبَةُ: سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمُنِ عَنْ زَوْجِهَا، قَالَ: لَا أَدْرِي، أَحُرٌّ أَمَّ عَبْدٌ. [طرفه في: ٤٥٦].
٢٥٧٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ خَالِدٍ
الحَذَّاءِ، عَنْ حَفصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةً قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ بَّهَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَ: ((هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ»؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا شَيءٌ بَعَثَتْ بِهِ أُمُّ عَطِيَّةَ مِنَ الشَّاةِ الَّتِي
بَعَثْتَ إِلَيهَا مِنَ الصَّدَقَّةِ، قَالَ: ((إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا)). [طرفه في: ١٤٤٦].
ولا بد من الفرق بين الهدية والصدقة للفرق بين أحكامهما، حِلاَّ وحُرْمةً، فقالوا: إن
المقصودَ أولًا في الهَدِية إرضاء المُهْدى إليه، وإن حَصَل الثَّوابُ آخِرًا؛ والمقصود من الصدقةِ هو
التقرُّبُ إلى اللهِ أَوْلًا، وإن رضي المُهْدَى إليه آخِرًا أيضًا .

٤٦
كتاب الهبة
٢٥٧٥ - قوله: (وَتَرَكْ الضَّبَّ تقذُّرًا) - والضَّب بالفارسية " سوسمار" وفي الهندية " كوه"؛
وهو مكروهٌ تحريمًا عند فقهائنا، وتنزيهًا عند المحدثين، ولعل ذلك لاختلاف الروايات في أَكْلِه
وترْكه، والمختارُ عندي قولُ الفقهاء، لأنه من أَخْبثِ الحيواناتِ، مع أنه ذُو سُمِّ؛ وسياقُ
الأَحاديث عند مُسْلِمٍ يَدُلُّ على أن الأَمْرَ انتهى(١) فيه إلى التَّرْك، فراجعه، عن أبي سعيدٍ، أن
أعرابيًا أتى رسول الله وَّه، فقال: إني في غائط مضبة، وأنه عامةُ طعام أهلي، قال: فلِمِ يُجِبه،
قلنا: عاوِذْه، فلم يُجِبه ثلاثًا، ثم ناداه رسولُ الله وَّرِ في الثالثةِ، فقالَ: ((يا أعرابيُّ، إنَّ الله عزّ
وجل لَعَنَ وغَضِب على سِبْط من بني إِسْرائيل، فمسخَهم دوابًّا، يدبون في الأرض؛ فلا أدري
لعل هذا منها، فَلَسْتُ آكُلها، ولا أنهى عنها))، اهـ؛ وفيه دليلٌ على الكراهةِ، وإن لم يكن نَهى
صراحةً، لعدم النص فيه.
وكذا عند أبي داود، والنَّسائي، قال: فشويتُ منها ضَبًّا، فأتيت به رسول الله ◌ٍَّ فوضعته
بين يديه، قال: ((فأخذ عودًا فَعَدَّ به أصابِعَه، ثُم قال: إنَّ أُمّةً من بني إسرائيلَ)) ... الخ، وأخرج
الزَّبْلِعِيّ نحوه عن ((مسند)) أحمد، واحتج محمدٌ على الكراهةِ بحديث عائشةَ، وأخرج الطحاوي
أيضًا في ((معاني الآثار)) أنَّ النبيَّ ◌َّرِ أُهِدي له ضَبٍّ، فلم يأكله؛ فقام عليه سائلٌ، فأرادت عائشةُ
أن تُعْطِيه، فقال لها النبيُّ ◌َلَّ: ((أتعطينه ما لا تأكلين؟! قال محمد: فقد دلَّ ذلك على أن
رسول الله وَّهُ كَرِه لنفسه، ولغيره أَكَلَ الضَّبّ (٢).
قوله: (ما أُكِل على مائدةِ رسول الله ◌َّه) ... الخ، وتسامح فيه الراوي، فإِنَّ النبيَّ وَّه لم
يأكل على مائدةٍ، والصوابُ في ترجمته "كات كى سينى " أي التبسي من الخشب، وليست "ميز"
وتبائى " كما قالوا، نعم تُطْلَقُ عليه مجازًا .
ولا تُشْترط المساواةُ بين الأزواج، فيما يُهدَى إليه، هكذا كنت أَجَبْتُ عند الاستفتاء(٣).
مسألة
اعلم أن كُفَّارَ الهند لا يُورثون البناتِ، فما في أيديهم لا يكون إلَّا عَضْبًا، فهل يجوزُ بناءُ
المسجد على أرضٍ أخذناها منهم؟ قلت: وهو جائزٌ، والخلاف فيه يُبنى على كَوْنِهم مُخاطِبين
بالفُروع أم لا .
٨ - بابُ مَنْ أَهْدَى إِلَى صَاحِبِهِ
وَتَحَرَّى بَعْضَ نِسَائِهِ دُونَ بَعْضٍ
٢٥٨٠ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
تكلم عليه العيني في ((العمدة)) مبسوطاً: ص ٢٦٢ - ج٦.
(١)
يقول العبد الضعيف: وقد نظر فيه الطحاوي نظراً لطيفاً، فراجعه من كتابه ((معاني الآثار)).
(٢)
قال الحافظ العيني فيه: إنه لا حرج في إيثار بعض نسائه بالتحف، وإنما اللازم والعدل في المبيت والنفقة، ونحو
(٣)
ذلك من الأمور اللازمة، كذا روي عن الملهب، اهـ، ص٢٦٦ - ج٦ ((عمدة القاري)) قلت: ولعل الحديث في
فضل عائشة، كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، يؤيده والله تعالى أعلم.

٤٧
كتاب الهبة
عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمِي، وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: إِنَّ
صَوَاحِبِي اجْتَمَعْنَ، فَذَكَرَتْ لَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا. [طرفه في: ٢٥٧٤].
٢٥٨١ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عِرْوَةَ، عَنْ
أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللهِ وَلَكُنَّ حِزْبَينِ: فَحِزْبَ فِيهِ عَائِشَةُ
وَحَفِصَةُ وَصَفِيَّةُ وَسَوْدَةُ، وَالحِزْبُ الآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ وَلّهِ وَكانَ
المُسْلِمُونَ قَدْ عَلِمُوا حُبَّ رَسُولِ اللّهِ وَّهَ عَائِشَةَ، فَإِذَا كانَتْ عِنْدَ أَحَدِهِمْ هَدِيَّةٌ، يُرِيدُ أَنْ
يُهْدِيَهَا إِلَى رَسُول اللَّهِ بَ ل﴿أَخَّرَهَا، حَتَّى إِذَا كانَ رَسُولُ اللّهِ بَ فِي بَيتِ عَائِشَةَ، بَعَثَ
صَاحِبُ الهَدِيَّةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿فِي بَيتِ عَائِشَةَ، فَكَلَّمَ حِزْبُ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقُلنَ لَهَا:
كَلِّمِي رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يُّكَلِّمُ النَّاسَ، فَيَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَه هَدِيَّةً،
فَلِيُهْدِهِ إِلَيهِ حَيثُ كانَ مِنْ بُيُوتِ نِسَائِهِ، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِمَا قُلْنَ فَلَمْ يَقُل لَهَا شَيئًا،
فَسَأَلْنَهَا، فَقَالَتْ: ما قالَ لي شَيئًا، فَقُلنَ لَهَا: فَكَلِّمِيهِ، قالَتْ: فَكَلَّمْتُه حِينَ دَارَ إِلَيهَا أَيْضًا
فَلَمْ يَقُلِ لَهَا شَيْئًا، فَسَأَلْنَهَا فَقَالَتْ: ما قالَ لِي شَيْئًا، فَقُلنَ لَهَا: كَلِّمِيهِ حَتَّى يُكَلِّمَكِ، فَدَارَ
إِلَيْهَا فَكَلَّمَتْهُ، فَقَالَ لَهَا: ((لَا تُؤْذِيني في عِائِشَةَ، فَإِنَّ الوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ
إِلَّا عَائِشَةَ)). قالَتْ: فَقلتُ: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ إِنَّهُنَّ دَعَوْنَ فاطِمَةَ
بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَه تَقُولُ: إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ اللَّهَ العَدْلَ في
بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَلَّمَتْهُ فَقَالَ: ((يَا بُنَيَّةُ، أَلَا تُحِبِّينَ ما أُحِبُّ؟)) قالَتْ: بَلَى، فَرَجَعَتْ إِلَيْهِنَّ
فَأَخْبَرَتْهُنَّ، فَقُلنَ: ارْجِعِي إِلَيهِ، فَأَبَتْ أَنْ تَرْجِعَ، فَأَرْسَنَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَأَتَتْهُ
فَأَغْلَظَتْ، وَقالَتْ: إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ اللَّهَ العَدْلَ فِي بِنْتِ ابْنٍ أَبِي قُحَافَةَ، فَرَفَعَثَّ صَوْتَهَا
حَتَّى تَنَاوَلَتْ عَائِشَةَ وَهيَ قاعِدَةٌ فَسَبَّتْهَا، حَتَّى إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلَلَيَنْظُرُ إِلَى عَائِشَةَ هَل
تَكَلَّمُ، قَالَ: فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ تَرُدُّ عَلَّى زَيْنَبَ حَتَّى أَسْكَتَتْهَا، قَالَتْ: فَنَظَرَ النَّبِيُّ ◌َِّهِ إِلَى
عائِشَةَ، وَقالَ: ((إِنَّهَا بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ)). قالَ البُخَارِيُّ: الكَلَامُ الأَخِيرُ قِصَّةُ فاطِمَةً يُذْكَرُ عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ. وَقَالَ أَبو مَرْوَانَ،
عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ: كَانَ النَّاسُ يَتَحْرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ. وَعَنْ هِشَامٍ، عَنْ رَجُلٍ
مِنْ قُرَيشٍّ، وَرَجُلٍ مِنَ المَوَالِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِّ الحَارِثِ بْنِ
هِشَامِ، قَالَتْ عَائِشَّةٍ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ نَ فَاسْتَأُذَنَتْ فَاطِمَةُ. [طرفه في: ٢٥٧٤].
٩ - بابُ ما لاَ يُرَدُّ مِنَ الهَدِيَّةِ
٢٥٨٢ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ: حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتِ الأَنْصَارِيُّ قالَ:
حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: دُخَلتُ عَلَيْهِ فَنَا وَلَنِي طِيبًا، قالَ: كَانَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَرُدُّ
الطِّبَ، قَالَ: وَزَعَمَ أَنَسٌ: أَنَّ النَّبِيَّ وََّ كَانَ لَا يَرُدُّ الطَّيبَ. [الحديث ٢٥٨٢ - طرفه في: ٥٩٢٩].

٤٨
كتاب الهبة
٢٥٨١ - قوله: (إنَّ نساء النبيِّ وَُّ كنّ حِزْبين): فعائشةُ، وحَفْصةُ كانتا في حِزْب؛ وزينب،
وغيرها في حزب، وقد سها الراوي لههنا في تفسير الحِزبين؛ فإِنَّ اختلج في صدْرِك أنه كيف هذا
في أمهات المؤمنين! قلت: ألم يكنّ بَشَرًا؟ فثبت منهن النزاعُ، والاغتباطُ والسورة في الكلام،
وغيرها. فتلك أمورٌ تعتري الإِنسان مِن تلقاء ضَعْفِه(١)، نعم الفَضْل بالتقوى، ومخالفة الهوى،
وصحبة خَيْرِ الورى، وإيثار الدنيا على العُقْبى، لا بِخَلْع النشأةِ الإِنسانية، وتلبس النشأة الأخرى،
ومَنْ لا يُفَرِّق بين هذه فقد غوى، على أن الله تعالى يبتلي بها خواصَّ عبادِهِ، وأنبيائه، فتجري تلك
الأمورُ في بيوتهم أيضًا ليعلم عَزْمُهم وصَبْرهم، وعَدْلُهم وتَقْواهم، وليعلمَ النَّاسُ أن علانِيَتَهم خيرٌ،
وسريرَتهم خيرٌ من علانيتهم؛ وليكونوا أسوةً لأممهم، فيه حِكَمٌ لا تَخْفَى والله تعالى أعلم.
قوله: (إنَّ نِساءَك يَنْشُدْنك العدلَ) ... الخ، وهذه الكلمةُ تُشْبِهِ التي تكلّم بها رأسُ الخوارج
فاستأذن له بعض الصحابةِ أن يَضْربوه بالسيف، فقال له النبيُّ ◌ََّ: دَعْه لعلَّ اللهَ يُخْرج من
ضئضىء، هذا قومًا يَخْرُجون من الدِّين)) ... الخ، وقد أجبت عنه في رسالتي ((إكفار المُلْحِدين)»،
وقدٍ مرّ في هذه الوريقاتِ أيضًا أنَّ الكلمةَ الواحدة، تَخْتَلِف إسلامًا وكُفْرًا باختلاف النِّيات،
واللَّهْجة، وصورِ الأداء فتذكره.
١٠ - بابُ مَنْ رَأَى الهِبَةَ الغَائِبَةَ جَائِزَةً
٢٥٨٣، ٢٥٨٤ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: حَدَّثَنَا اللَّيِثُ قالَ: حَدَّثَنَي عُقَيلٌ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ قالَ: ذَكَرَ عُرْوَةُ: أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَمَرْوَانَ أَخْبَرَاهُ: أَنَّ
النَّبِيَّ ◌ََّ حِينَ جاءَّهُ وَفِدُ هَوَازِنَ، قَامَ في النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قالَ:
((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ جاؤُونَا تَائِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ
أَنْ يُطَيِّبَ ذلِكَ فَليَفعَل، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظُّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ ما يُفِيءُ
اللَّهُ عَلَيْنَا)). فَقَالَ النَّاسُ: طَّيْنَا لَكَ. [طرفاه في: ٢٣٠٧، ٢٣٠٨].
ولعل المصنّف أراد من الهبةِ الشيءَ المَوْهوبَ، والمعنى أنَّ هبةَ الشيء جائزةٌ، وإنْ كان
غائبًا عن المجلس، أو كان الموهوبُ له أيضًا غائبًا؛ وحاصله أنه لا يُشْترط لصحةِ الهبةِ حضورُ
الموهوبِ له، أو الشيء المَوْهوب؛ وتمسك له بِقِصَّة سَبْي هوازن، فإِنَّ الواهِب فيها كان
النبيُّ ◌َّ، والأشياءَ الموهبةَ لم تكن حاضِرةً في المجلس، فثبتت الترجمةُ، ثم التحقيقُ على
تخريج تلك القِصَّة، فسنعود إليه، ونحققه أنها كانت إعتاقًا لا هبةً.
١١ - بابُ المُكَافَأَةِ في الهِبَةِ
٢٥٨٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا عِيسى بْنُ يُونُسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةً
(١) قلت: وإليه أشار النبي ◌َّ في قصة كسر القصعة، غارت أمكم! كأنه يعذرها، فهي حقيقة غامضة، نبه عليها
صاحب الوحي، بلفظ موجز، فاعلمه.

٤٩
كتاب الهبة
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيهَا. لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ
وَمُحَاضِرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ.
يعني أنَّ الهِيةَ بِشَّرْط العِوَض جائزةٌ، وفي ((الهداية)) أَنها هِبةُ ابتداءً، وَبَيْعٌ انتهاءً.
١٢ - بابُ الهِبَةِ لِلوَلَدِ، وَإِذَا أَعْطَى بَعْضَ وَلَدِهِ شَيئًا
لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَعْدِلَ بَينَهُمْ وَيُعْطِيَ الآخَرِينَ مِثْلَهُ، وَلاَ يُشْهَدُ عَلَيهِ
وَقالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((اعْدِلُوا بَينَ أَوْلَادِكُمْ في العَطِيَّةِ)). وَهَل لِلوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ في
عَطِيَّتِهِ؟ وَمَا يَأْكُلُ مِنْ مالٍ وَلَدِهِ بِالمَعْرُوفِ وَلَا يَتَعَذَّى، وَاشْتَرَى النَّبِيُّ نَّهَ مِنْ عُمَرَ بَعِيرًا،
ثُمَّ أَعْطَاهُ ابْنَ عُمَرَ، وَقالَ: ((اصْنَعْ بِهِ ما شِئْتَ)).
٢٥٨٦ - حدّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنِ النُّعْمَاَنِ بْنِ بَشِيرٍ: أَنَّ أَبَاهُ أَتَى
بِهِ إِلَى رَسُوَلِ اللَّهِ وَِّ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلتُ ابْنِي هذا غَلَامًا، فَقَالَ: ((أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلتَ مِثْلَهُ؟))
قَالَ: لَا، قالَ: ((فَارْجِعْهُ)). [الحديث ٢٥٨٦ - طرفاه في: ٢٥٨٧، ٢٦٥٠].
جزم المصنّفُ ببطلان الترجيح(١) في الهِبة؛ وعندنا فيه تفصيلٌ، فإِنْ رَجَّح بَعْضُهم على
بَعْضٍ لمعنى صحيحٍ جاز، نحو إنْ كان بَعْضُهم معتملًا، والآخَرُ غيرُ معتمل، أو كان له عِيالٌ
كثيرة، وليست تسعهَم نَفَقَتُه، فلا بأس أن يفضل بعضهم بعضًا في المِنْحة والصِّلة، كذا ذكره علي
القارِي، وهكذا ينبغي.
ويجوز للفقيه أن يُخصِّص الحديث عند انجلاء الوَجْه، ولا يجب عليه أنْ يَعَضَّ بعموم
المنطوق، وفي عامَّةِ كُتُب المذاهب الأربعة أن تَخصِيص خَبَرَ الواحد جائزٌ بالقياس. قال الشيخُ
ابنُ الهمام: بِشَرْط أن يكون هذا القياسُ مُستَنْبَطًا، ومُنْتهيًا إلى نَصِّ، فقال ابنُ القاسم: إنَّ هذا
الشَرْطَ لا يُعْلَمِ من كلام العلماء. وصَرَّح الشيخُ تقيُّ الدين بنُ دقيق العيد في حديث النَّهي عن
تَلَقِّي الجَلَب أَنَّ التخصيصَ بالرأي جائزٌ عِنْد ◌ُظُهور الوَجْه؛ ولذا قال الحنفيةُ: إنَّ النَّهي المذكورَ
إنما هو إذا كان التَّلَقِّي يَضُر بأهل البلد، وإلّا فهو جائزٌ.
قوله: (لا أشهد على الجور) وههنا قرينةٌ على كونِه جَوْرًا، لأنه كانت له زَوْجتان، وكان له
أولادٌ من كلِّ منهما، ولا رَيْب أن في الترجيح بين أولادٍ إحدى الزوجتين مظنة الجَوْر، فأنكر
عليه لهذا. أما إذا كان الترجيحُ لداعيةٍ نحو كَوْن أحدِهما مؤمنًا تقيّا، والآخر فاسِقًا شقيًا، فلا
جَوْر في التفضيل .
ونظيرُ التفصيل في جواز التفضيل بين الأولاد ما رُوي: أنَّ عمَر كان يُحِب أن يطلِّق ابنهُ
زوجَتَه، فلم يُطلِّقها. فبلغ خبرُه إلى النبيِّ وَّ فَأَمَرَه أن يُطلِّقها، مع أنه ليس بكلية، وفيه أيضًا
(١) وراجع البحث في التسوية بين الأولاد من العيني: ص٢٧٥ - ج٦، فقد بسط فيه جداً.

٥٠
كتاب الهبة
تفصيل؛ ففي بعض الأحوال، يجب على الولدِ أن يُطلِّق امرأتَه عند أمر أبيه، ولا يجِبُ في بعض
آخر؛ والسرُّ في ذلك أنه قد يكون في ذِهْن صاحِب الشَّرع تَفْصِيلٌ في المقام، ثُم لا يُفْصح به
مخافةً أن يتهاونَ فيه الناس، ويستظهروا بتفصيله، كما في تلك القِصَّة؛ فلو فَصَّل المسألةَ لأمكن
أن يتمسَّك به ابنُ عمرَ، ولم يطلِّق امرأَتَه، فأمره أن يطلِّقها، وسكت عن التفصيل.
قوله: (وهل للوَالِدِ أن يَرْجِع في عَطِيَّتِهِ) ليس للوَالِدِ أَنْ يرجِع في هِبته لِوَلده، وهو الحُكْمِ
عِنْدنا في كل ذي رَحِم مُحر، وجَوَّزَه الشافعيُّ في هِبة الوَالِدِ لَولَدِه خاصَّةً، وله في ذلك حديثٌ
عند التِّرمِذي، أخرجه في ((البيوع)) عن ابن عمرَ مرفوعًا، قال: ((لا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يعطي عَطِيَّةً،
فيرجع إلَّا الوَالِدُ فيما يُعْطِي وَلَدَه)). اهـ. فالحديثُ حُجّةٌ علينا في الجزئين: فإِنَّ المشهورَ أَنَّ
الرُّجوع عن الهِبة (١) جائزٌ عندنا، عِنْد فُقْدَان المَوانِعِ السَّبْعة، وجمعها النَّسفيُّ في منظومته :
قد يَمْنَع الرُّجُوعَ عن الهِبة يا صاحبي حُروف: دمع خزقة(٢)
ولا يجوزُ للوَالِدِ أن يَرْجِع عن هِبته لولده؛ قلت: أما مسألةُ جوازٍ الرجوع في الهبة عند
فُقْدان الموانع السبعة، فهو حُكْم القضاء دون الدِّيانة؛ فيُكرَه الرجوعُ ديانةً عند عَدَم الموانع
السَّبْعَة أيضًا، إما كراهة تحريم، كما في قول، أو كراهة تَنْزِيه، كما في قَوْلٍ آخر. والحديثُ
محمولٌ عندنا على حُكم الدِّيانة دون القضاء. ثم جوازُ الرُّجُوعِ مَشْروطٌ، إما القضاء، أو
الرضاء؛ فلا يجوزُ بدون أَحَدِهما. والمُفْتون في زماننا يُفْتون بجوازِ الرُّجوع عند عدم الموانع
السبعة مطلقًا؛ وليس بصحيح، فإِنَّ قيد الرضاء، أو القضاء مذكورٌ في متن ((الكنز))، فاعلمه، ولنا
حديثُ ابن ماجه: ((الواهِبُ أَحَقُّ بالهبة ما لم يَثب منها، اهـ.
بقي الجواب عن الاستثناء، فأقول: إنَّ ما يَصْرِفُه الوَالِدُ من مالٍ وَلَدِه ليس رُجوعًا، بل من
باب؛ ((أنت ومالُك لأبيك)) فَيَدُهُ بسوطةٌ في مالٍ وَلِدِهِ، فإِنَّه يجوزُ له أن يأكلَ مِن مال وَلَدِهِ(٣)،
سواء كان مِمَّا وهبه له، أو غيره؛ لكن لما كان استعمالُ المالِ الذي وهبه له رُجوعًا صورةً، نَزَّله
مَنْزِلة الرُّجوع، وَوَضَعه مَوْضِعَ الاستثناء من الرجوع، وإلا فهو ليس برجوع، ولكنه تملكِ
مستأنفٌ بِحُكم الحديث: ((أنت، ومالك لأبيك))، وقد نبهناك مرارًا أن الحدّيث لا يأخذُ إلَّا
(١) قال العلامة المارديني: وإلى جواز الرجوع في الهبة ذهب جماعة من الصحابة، كعمر، وعثمان، وعلي، وأبي
الدرداء، وغيرهم، وهو مذهب جمهور التابعين؛ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر، قال: هو أحق بها ما لم
يرض منها - يعني الهبة - وصححه ابن حزم، وقال: لا مخالف لهم من الصحابة، ص ٤٣ - ج٢ ((الجوهر النقي)).
(٢) (الدال)) إشارة إلى الزيادة المتصلة ((والميم)) إلى موت أحد العاقدين، و((العين)) إلى العوض، و((الخاء)) إلى خروج
الهبة من ملك الواهب، و((الزاء» إلى الزوجية، و((القاف)) إلى القرابة، و(«الهاء» إلى الهلاك.
ورأيت في تقرير شيخ الهند أن هبة الوالد لولده صلة، فيقوم مقام أخذ البدل، فلا يصح رجوعه على حديث ابن
ماجة، فإن فيه قيداً، أي ما لم يثب منه، فاعلمه، فإنه لطيف، ولذا كان الحكم في جميع ذي رحم محرم عندنا
سواء .
(٣) قال العيني: عند أبي حنيفة يجوز للأب الفقير أن يبيع عرض ابنه الغائب، لأجل النفقة، لأن له تملك مال الابن
عند الحاجة، ولا يصح بيع العقار لأجل النفقة، اهـ، ص٢٧١ - ج٦ ((عمدة القاري)).

٥١
كتاب الهبة
صورةَ الواقع(١)، وأما التخاريج فهي من أفعال الفقهاء والمجتهدين؛ وليس في الظاهر إلَّا
الرجوعُ، فهو رجوعٌ في وظيفةِ الحديث، وتملُّك مُستأنَف في وظيفة الفقهاء.
قولهِ: (واشترى النَّبِيُّ ◌َّهُ مِن عُمَرَ بِيرًا) ... الخ، وليست فيه مسألةُ رجوعِ الوالد في
الهِبة، لأنَّ المُعطي في تلك القِصَّة هو النبيُّ وَِّ، دون عمرَ.
٢٥٨٦ - قوله: (فأرْجِعْهُ) أمره بالرُّجوعِ لِدَفْع الكراهة.
١٣ - بابُ الإِشْهَادِ في الهِبَةِ
٢٥٨٧ - حدّثنا حامدُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَينٍ، عَنْ عَامِرٍ قالَ:
سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: أَغْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً،
فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ وََّ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ،
قالَ: ((أَعْطَيتَ سَائرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هذا؟)) قالَ: لَا، قالَ: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ)).
قالَ فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ. [طرفه في: ٢٥٨٦].
١٤ - بابُ هِبَةِ الرَّجُلِ لامْرَأَتِهِ وَالمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا
قالَ إِبْرَاهِيمُ: جائِزَةٌ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: لَا يَرْجِعَانِ. وَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ◌َ
نِسَاءَهُ في أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ. وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َله: ((العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلِبٍ يَعُودُ في
قَيْئِهِ)). وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، فِيمَنْ قالَ لإِمْرَأَتِهِ: هَبِي لِي بَعْضَ صَدَاقِكِ أَوْ كُلَّهُ، ثُمَّ لَمْ يَمْكُثُ
إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى طَلَّقَهَا فَرَجَعَتْ فِيهِ، قالَ: يَرُدُّ إِلَيْهَا إِنْ كَانَ خَلَبَهَا، وَإِنْ كانَتْ أَعْطَتْهُ عَنْ
طِيبٍ نَفْسٍ لَيسَ في شَيءٍ مِنْ أَمْرِهِ خَدِيعَةٌ جازَ، قالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ
نَفْسًا﴾ [النساء: ٤].
٢٥٨٨ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ:
أَخْبَرَنِي عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: قالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: لَمَّا تَقُلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فَاشْتَدَّ
وَجَعُهُ، اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ في بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَينٍ تَخُظُ رِجْلَاهُ
الأَرْضَ، وَكَانَ بَيْنَ العَبَّاسِ وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ، فَقَالَ عُبَيدُ اللَّهِ: فَذَكَرْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ ما قالَتْ
عائِشَةُ، فَقَالَ لِي: وَهل تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الذَّيِ لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قُلتُ: لَا، قالَ: هُوَ
عِلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. [طرفه في: ١٩٨].
(١) وهو الملحظ عندنا في العربية، واستقراض الحيوان بالحيوان، ومهر صفية، وصفة صلاة الخوف المروية عن
جابر، وإعتاق رجل ستة مماليك له عند موته، وبيع جابر بعيره من النبي ◌ّير، جاء البيان في كلها على صورة
الواقع، لا على تخاريج الفقه، وراجع تقرير تلك المسائل من مواضعها، وإنما أردنا الآن التمثيل، دون التفصيل.

٥٢
كتاب الهبة
٢٥٨٩ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كالكُلْبِ يَقِيُ ثُمَّ يَعُودُ
في قَيْئِهِ)). [الحديث ٢٥٨٩ - أطرافه في: ٢٦٢١، ٢٦٢٢، ٦٩٧٥].
١٥ - بابُ هِبَةِ المَرْأَةِ لِغَيرِ زَوْجِهَا وعِتْقِها إِذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ
فَهُوَ جَائِزٌ إِذَا لَمْ تَكُنْ سَفِيهَةَ، فَإِذَا كانَتْ سَفِيهَةً لَمْ يَجُزْ
قالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْثُواْ السُّفَهَاءَ أَمْوَلَكُمُ﴾ [النساء: ٥].
٢٥٩٠ - حدّثنا أبو عاصِم، عنِ ابْنِ جُرَيج، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ، عَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهًا قالَتْ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ما لِي مالٌ إِلَّا ما أَدْخَلَ
عَلَيَّ الزُّبَيرُ، فَأَتَصَدَّقُ؟ قالَ: ((تَصَدَّقِي، وَلَا تُوعِي فَيُوعَى عَلَيكِ)). [طرفه في: ١٤٣٣].
٢٥٩١ - حدّثنا ◌ُبَيدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيرٍ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ،
عَنْ فاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ سِ﴿قالَ: ((أَنْفِقِي، وَلَّا تُحْصِي فَيُخْصِيَ اللَّهُ
عَلَيكِ، وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيكِ)). [طرفه في: ١٤٣٣].
٢٥٩٢ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرٍ، عَنِ اللَّيِثِ، عنْ يَزِيدَ، عَنْ بُكَيرٍ، عَنْ كُرَيبٍ مَوْلَى
ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ مَيمُونَةَ بِنْتَ الحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةٌ، وَلَمْ
تَسْتَأْذِنِ النَّبِيَّ وَّةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيهَا فِيهِ قالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِي
أَعْتَقْتُ وَلِيَدَتِي؟ قَالَ: ((أَوَفَعَلتِ؟)). قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: ((أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كانَ
أَعْظَمَ لِأِجْرِكِ)). وَقَالَ بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ بُكَيرٍ، عَنْ كُرَيبٍ: إِنَّ مَيمُونَةَ أَعْتَقَتْ.
[الحديث ٢٥٩٢ - طرفه في: ٢٥٩٤].
٢٥٩٣ - حدّثنا حِبَّان بْنُ مُوسى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بَلَهَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ
نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، غَيرَ
أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةً وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ بَّه تَبْتَغِي بِذلِكَ رِضَا رَسُولٍ
اللَّهِ وَلِهِ. [الحديث ٢٥٩٣ - أطرافه في: ٢٦٣٧، ٢٦٦١، ٢٦٨٨، ٢٨٧٩، ٤٠٢٥، ٤١٤١، ٤٦٩٠، ٤٧٤٩،
٤٧٥٠، ٤٧٥٧، ٥٢١٢، ٦٦٦٢، ٦٦٧٩، ٧٣٦٩، ٧٣٧٠، ٧٥٠٠، ٧٥٤٥].
لعله تعريضٌ إلى مذهب (١) مالك، فإِنه قال: لا يجوزُ للزوجةِ أن تتصرَّف في مالِ نَفْسِها إلا
(١) قال العيني: قال مالك: لا يجوز عطاؤها بغير إذن زوجها، إلا من ثلث مالها خاصة، قياساً على الوصية، اهـ،
وراجع التفصيل من: ص ٢٨٠ - ج٦.

٥٣
كتاب الهبة
بإِذن زوجها، واختار المصنّف مذهب الجمهور، وأباح لها أن تهَب من مالها ما شاءت، ولم
يشترط لها إذنًا من الزَّوْجِ.
قوله تعالى ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ﴾ وتفسيرُه عندنا عدمُ إعطاء الأموال في أيديهم، كما
مر، وما شنَّع به ابنُ حَزْم، فقد أجاب عنه الألوسي في (روح المعاني)) فراجعه.
٢٥٩٠ - قوله: (تَصَدَّقي) ... الخ وقد مَرَّ فيه بحثُ الشافعية أنه قضاء، أو ديانة، فإن كان
قضاءً لم يَجُز لغير القاضي أن يَحْكم به، وإلا جاز لكلِّ مفتٍ أن يُفْتي به.
قد مرَّ الإِمام محمدٌ على حديث: ((لا يمنع أَحَدُكم جارَه، أن يَغرِز في جِدَارِه)» ... الخ في
((موطئه))، وعبر هناك بلفظ ((الحكم))، فدل على الفَرْق بين الدِّيانة والقَضاء في ذِهْن هذا الإِمام
الذي هو مُدوِّن الفِقْه.
١٦ - بابٌ بِمَنْ يُبْدَأُ بِالهَدِيَّةِ
٢٥٩٤ - وَقَالَ بَكْرٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ بُكَيرٍ، عَنْ كُرَيبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسِ: إِنَّ مَيمُونَةً
زَوْجَ النَّبِيِّ بََّ أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً لَهَا فَقَالَ لَهَا: ((وَلَوْ وَصَلَتِ بَعْضَ أَخْوالِكِ كانَ أَعْظَمَ
لأَجْرِكِ)). [طرفه في : ٢٥٩٢].
٢٥٩٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي
عِمْرَانَ الجَوْنِيِّ، عَنْ طَلحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَيِمِ بْنِ مُّرَّةً - عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا قالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنٍ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أَهْدِي؟ قالَ: ((إِلَى أَقْرَبِهِمَا
مِنْكِ بَابًا)). [طرفه في: ٢٢٥٩].
٢٥٩٥ - قوله: في الإسناد (عن طَلْحَة بنِ عَبْدِ اللهِ رَجُلٍ من بني تَيْم بن مُرَّةٌ) يريد أنه ليس
مِن العشرةِ المبشَرةِ، بل رجلٌ آخر.
١٧ - بابُ مَنْ لَمْ يَقْبَلِ الهَدِيَّةَ لِعِلَّةٍ
وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: كانَتِ الهَدِيَّةُ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ هَدِيَّةً، وَاليَوْمَ
رِشْوَةً.
٢٥٩٦ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ الصَّعْبَ بْنَ
جَثَّامَةَ اللَّيَثِيَّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وََّ، يُخْبِرُ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ وَهْ حِمَارَ
وَحْشٍ، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَذَّانَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَرَدَّهُ، قَالَ صَعْبٌ: فَلَمَّا عَرَفَ في وَجْهِي
رَدَّهُ هَّدِيَّتِي قَالَ: (لَيسَ بِنَاَ رَدِّ عَلَيكَ، وَلكِنَّاَ حُرُمٌ)). [طرفه في: ١٨٢٥].
٢٥٩٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحمَّدٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ
الزُّبَيرِ، عَنْ أَبِي حُمَيدِ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ وَهَ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ،

٥٤
كتاب الهبة
يُقَالُ لَهُ ابْنُ الأُتَبِيَّةِ، عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قالَ: هذا لَكُمْ وَهذا أُهْدِيَ لِي. قالَ: ((فَهَلَّا
جَلَسَ في بَيْتٍ أَبِيهِ أَوْ بَيتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ والَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ
مِنْكُمْ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كانَ بَعِيرًا لَهُ رُغاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا
خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ)). ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيهِ: ((اللَّهُمَّ هَل بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَل
بَلَّغْتُ)). ثَلَاثًا. [طرفه في: ٩٢٥].
أي هل يجوزُ رَدُّها، مع أن الشَّرْعِ رَغَّب في قبول الهدايا، فإِنَّها أَنْفَسُ مالٍ لرجل مُسْلم
يُعْطِي حَلالًا مِن غير مشقَّة؟ فأجازه، وقسم على الحالات.
بقي البحث في أنه هل يجب عليه أن يفتش في أنها كيف بَلَغت إلى المُهْدِي، أَمِن سبيل
الحلال، أم مِن الحرام؟ فسمعت عن بعض مشايخي أنه لا يجب عليه؛ تَمسُّكًا بقوله تعالى:
﴿فَإِن ◌ِيْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا لَا فَكُهُ هَنِّيْئًا فَرِيبًا﴾ [النساء: ٤].
٢٥٩٧ - قوله: (فَهَلَّا جَلَس في بيتِ أُمِّه) فيه دليلٌ على أنَّ الهدِيةِ مِن جهةِ الحُكومةُ(١)
والمَنْصب، كلها مِن باب الرّشوة.
قوله: (إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته) وكنت متردداً في أن الحمل على الرقبة جزاء
لغلوله، أو لعدم أداء الزكاة، وظاهر هذا السياق هو الأول.
قوله: (اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ) ... الخ، إشهادٌ على تَبْلِيغ وَظِيفَته.
١٨ - بابٌ إِذَا وَهَبَ هِبَةً أَوْ وَعَدَ، ثُمَّ ماتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيهِ
وَقَالَ عَبِيدَةُ: إِنْ ماتَ وَكَانَتْ فُصِلَتِ الهَدِيَّةُ وَالمُهْدَى لَهُ حَيٍّ فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ لَمْ
تَكُنْ فُصِلَتْ فَهِيَ لِوَرَثَةِ الّذِي أَهْدَى. وَقَالَ الحَسَنُ: أَيُّهُمَا ماتَ قَبْلُ فَهِيَ لِوَرَثَةِ المُهْدَى
لَهُ، إِذَا قَبَضَهَا الرَّسولُ.
٢٥٩٨ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ: سَمِعْتُ جابِرًا
رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َّه: ((لَوْ جاءَ مالُ البَحْرَينِ أَعْطَيتُكَ هَكَذَا)) ثَلَاثًا. فَلَّمْ
يَقْدَمْ حَتَّى تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا فَنَادِى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌ََّ عِدَةٌ أَوْ
دَيْنٌ فَلَيَأْتِنَا، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ وََّ وَعَدَنِي، فَحَثَى لِي ثَلَاثًا. [طرفه في: ٢٢٩٦].
وحاصِلُه أن المَدار على الفَصْل. وقلنا: إن المدارَ على القَبْض، دون التقسيم، وقال
الحسنُ: أيهما مات قبل، فهي لورثةِ المُهْدَى له إذا قبضها الرسولُ: وحاصل مذهبِه أنه جعلها
للمُهْدَى له مطلقًا، واعتبر بالوَعْد، ولكنه اعتبر القبض أيضًا، فصار مذهبُهُ أقرب إلى الحنفيةِ.
(١) نقل العيني عن عمر بن عبد العزيز في قصة شراء التفاح، أنه لم يقبله، فقيل له: ألم يكن رسول الله وَله، وأبو بكر،
وعمر رضي الله عنهما يقبلون الهدية؟ قال: إنها لأولئك هدية، وهي للعمال بعدهم رشوة، اهـ: ص ٢٨٣ - ج٦.

٥٥
كتاب الهبة
قوله: (مَنْ كان له عند النبيِ وَّ﴿ عِدَةٌ، أو دَيْنٌ فليأتِنا) أقول: وهذا من باب الدِّيانةِ،
وترجمةُ المصنّف من باب القضاء، فلا حُجَّة له فيه، ومِثْلُه غيرُ قليلٍ عند البخاريِّ.
١٩ - بابٌّ كَيفَ يُقْبَضُ العَبْدُ وَالمَتَاعُ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ، فَاشْتَرَاهُ النَّبِيُّ نَّهِ، وَقَالَ: ((هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ).
٢٥٩٩ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا اللَّيِثُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكَةَ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ
مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أنه قالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ أَقَّبِيَّةً، وَلَّمْ يُعْطِ مَخْرَمَةً مِنْهَا شَيْئًا،
فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: ادْخُل فَادْعُهُ
لِي، قالَ: فَدَعَوْتُهُ لَّهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلِيهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ: (خَبَأْنَا هذا لَكَ)). قالَ: فَنَظَرَ
إِلَيهِ، فَقَالَ: ((رَضِيَ مَخْرَمَةُ)). [الحديث ٢٥٩٩ - أطرافه في: ٢٦٥٧، ٣١٢٧، ٥٨٠٠، ٥٨٦٢، ٦١٣٢].
عاد المصنِّف إلى مسألةِ البيوع، وكيف القبض في المنقولات؛ وقد ترجم عليه ثلاثَ
تراجِمَ مِن قَبْل أيضًا؛ وحاصلها أنَّ مَذْهب الشافعيةِ فيه أضيقُ، لأنهم شرطوا النَّقْل؛ ومذهبُ
المصنّف أَوْسَع، ومَذْهبُنا بين المذهبين، وخيرُ الأمور أوساطها، وقد فصلناه في ((البيوع)).
٢٥٩٩ - قوله: (خَبَأْنا هذا لك)، وكان في مَخْرَمَة شِدَّة، فأرادَ به النبيُّ وَّرَ أَنْ يرضِيَه،
حتى قال: رَضي مَخْرُمَةٌ .
٢٠ - بابٌ إِذَا وَهَبَ هِبَةً فَقَبَضَهَا الآخَرُ وَلَمْ يَقُلْ: قَبِلِتُ
٢٦٠٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ حُمَّيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُوَّلِ اَللَّهِ وَه
فَقَالَ: هَلَكْتُ، فَقَالَ: ((وَمَا ذَاكَ))؟ قالَ: وَقَعْتُ بِأَهْلِي فِي رَمَضَانَ، قالَ: ((أَتَجِدُ رَقَبَةً)).
قالَ: لَا ، قَالَ: ((فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ))؟ قالَ: لَا، قَالَ: ((فَتَسْتَطِيعُ أَنْ
تُظْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا)). قالَ: لَا، قالَ: فَجَاءَ رَجَّلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِعَرَقٍ، وَالْعَرَقَ الْمِكْتَلُ فِيهِ
تَمْرٌ، فَقَالَ: (أَذْهَبْ بِهِذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ)). قالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالذَّيِ بَعَثَكَ
بِالْحَقِّ ما بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا، قالَ: ((أَذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ)). [طرفه في: ١٩٣٦].
ولا يلزم القَبُول باللفظ عندنا، وهو مذهب البُخاري، وَنَقل المُحشِّي عن ((فتح الباري)) أن
القَبول شَرْطُ عند الشافعي.
٢١ - بابٌ إِذَا وَهَبَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ
قالَ شُعْبَةُ عَنِ الحَكَمِ: هُوَ جائِزٌ. وَوَهَبَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيّ عَلَيهِمَا السَّلَامُ لِرَجُلٍ
دَينَهُ. وَقالَ النَِّيُّ ◌َه: ((مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلَيُعْطِهِ أَوْ لِيَتَحَلَّلُهُ مِنْهُ)). فَقَالَ جابِرٌ: قُتِلَ أَبِيّ
وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ وََّ غُرَمَاءَهُ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي.

٥٦
كتاب الهبة
٢٦٠١ - حدّثنا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي
يُونسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ كَعَبِ بْنِ مالِكٍ: أَنَّ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَاةً قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، فَاشَتَدَّ الِغُرَماءُ في حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيتُ رَسُولَ
اللَّهِ وَّهِ فَكَلَّمْتُهُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمْ رَسُولُ
اللَّهِ وَِّ حَائِطِي وَلَمْ يَكْسِرْهُ لَهُمْ، وَلكِنْ قالَ: ((سَأَغْدُو عَلَيَكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ)). فَغَدَا عَلَيْنَا
حَتَّى أَصْبَحَ، فَطَافَ في النَّخْلِ وَدَعا فيِ ثَمَرِهِ بِالبَرَكَةِ، فَجَدَدْتُهَا فَقَضَيْتُهُمْ حُقُوقَهُمْ، وَبَقِيَ
لَنَا مِنْ ثَمَرِهَا بَقِيَّةٌ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ وَهُوَ جَالِسٌ فَأَخْبَرْتُهُ بِذلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَهْ لِعُمَرَ: ((اسْمَعْ - وَهُوَ جَالِسٌ - يَا عُمَرُ)) فَقَالَ عُمَرُ: أَلَّا يَكُونُ؟ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ
رَسُولُ اللَّهِ، واللَّهِ إِنَّكَ لَرسُولُ اللهِ. [طرفه في: ٢١٢٧].
وهذا في الحقيقةِ إبراءٌ، وإسقاطٌ للدَّيْن، وهل يشترط له القَبول ممَّن عليه الدَّين أو لا؟ ففيه
قولان في كُتُبِنا: فقيل: يُشْترط؛ وقيل: لا .
٢٢ - بابُ هِبَةِ الوَاحِدِ لِلجَمَاعَةِ
وَقَالَتْ أَسْمَاءُ لِلقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَابْنٍ أَبِي عَتِيقٍ: وَرِثْتُ عَنْ أُخْتِي عَائِشَةَ مَالًا
بِالغَابَةِ، وَقَدْ أَعْطَانِي بِهِ مُعَاوِيَّةُ مِائَةَ أَلْفٍ، فَهُوَ لَكُمَا .
٢٦٠٢ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ قَزَعَةَ: حَدَّثَنَا مالِكٌ، عَنْ أَبِي حازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ أُتِيَ بِشرَابٍ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ،
فَقَالَ لِلْغُلَامِ: ((إِنْ أَذِنْتَ لِي أَعْطَيْتُ هُؤُلَاءٍ)). فَقَالَ: ما كُنْتُ لأوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ يَا رَسُولَ
اللَّهِ أَحَدًا، فَتَلَّهُ فِي يَدِهِ. [طرفه في: ٢٣٥١].
واعلم أنه يُشْتَرطَ لصحةِ الهبة عندنا أن لا يكون مُشَاعًا، وذلك لأن القبض من تمام الهبةِ،
وهو ضعيفٌ في المشاع. ثُم إن كان الواهِب واحدًا، والموهوبُ له جماعةً، فهو مشاع عند
الإمام الأعظم. وقال صاحباه: إنه ليس بِمُشاع. وإنْ كان الواهِبُ جماعةٌ، والموهوبُ له
واحدًا، فلا شيوعَ عند الإِمام(١). وأما البخاريُّ فَذهب إلى هَذْر الشِّيوع. ولم يره شيئًا، فتصح
عنده هِبةُ المُشَاعِ أيضًا .
(١) وفي ((شرح الوقاية)) صح هبة اثنين داراً لواحد، لأن الكل يقع في يده بلا شيوع، وفي عكسه لا، أي هبة واحد
لاثنين داراً لا تصح عند أبي حنيفة، وعندهما تصح، لأن التمليك واحد، فلا شيوع، وله أن هذه هبة النصف من
كل واحد، فيثبت الشيوع، اهـ مختصراً. قال مولانا فتح محمد: لا يصح هبة واحد لجماعة، لأن الموهوب له
مشاع، إلا أن يقسم، وتصح عندهما، وأما تبويب البخاري: وهب رجل جماعة جاز، وذكر تحتها قصة هوازن،
فإنه عليه السلام وهب لهم سباياهم، ليس من هذا، لأنه ◌ّ وإن وهب لجماعة، لكن الموهوب كان لكل واحد
على حدة، فملك كل واحد منهم سبية خاصة، فلا شركة، ولا شيوع، وما نحن فيه هبة شيء واحد لجماعة،
وفيها شيوع، فلذا اختلفت الأقوال فيه، اهـ.

٥٧
كتاب الهبة
قلت: والذي تبيَّن لي أنَّ توسيعَ البخاري، وتضييق الحنفية، كلاهما ليس بمرضِيٍّ للشارع،
فإِنَّ رَفْع الشيوع والإِبهام مطلوبٌ عنده البتة، أما إنه في أي مَرْتَبة، فلينظر فيه، فليس نَسَقُه إلى
هَذْره، كما زعمه البخاري، ولا العضّ به، كما قاله الحنفية، والذي أراه أن النَّهي عنه لكونِه
مُفْضِيًا إلى النِّزاع، وكلّ أَمْرِ يكونُ النهيُ عنه كذلك، لا يُشدِّد فيه الشارِعُ بنفسه، بل ربما يغمض
عنه أيضًا، فلا ينبغي التشدُّدُ فيه؛ ويدلُّ عليه ما أخرجه البخاريُّ (٢٩٢/٢) ((باب بيع الثمار قبل
أن يبدو صلاحها)) الخ، عن زيد بن ثابت، قال: كان الناس في عهد رسول الله وَلم يتبايعون
الثِّمار، فإِذا جذُّ الناسُ، وحضر تقاضِيهم: قال المُبتاع: إنه أصاب الثَّمَرَ الدُّمانُ، أصابه مُراضُ،
أصابه قُشام، عاهاتٌ يحتجُّون بها، فقال رسولُ اللهَ وَّ لما كَثُرَت عنده الخصومةُ في ذلك: فإِما
لا، فلا تبتاعوا حتى يبدو صلاح الثَّمر - كالمشورة يشيرُها، لكثرة - خُصُومتهم. اهـ. فقد فَهِم
الراوي في تلك القِصَّةِ ما قد فهمناه، ولذا حَمَل النَّهي على المشورةِ، لأنه كان لمعنى النزاع.
ونحوهِ في الفِقْه أيضًا، كالبيع إلى النَّيْرِوز، والمِهْرَجان، والحِذْعِ في السَّقْفِ، كلّها فاسِدٌ،
ولكنه لو سَلَّم إليه قبل حُلولِ الأجل في الأَوَّل، ونَزْع الجِذْع في الثاني، انقلب صحيحًا، لأن
الفسادَ كان لمعنى النزاع، وقد ارتفع بالتسليم؛ ومقتضاه أن لا يكون الشُّيوعُ في الهِبة مُفْسِدًا لها،
إلّا أنَّ فُقهاءنا وَسَّعوا في البيوعِ، وَضَيَّقُوا في الهِبة، لأنَّ في البيع قوةً، فيثبت الاستحقاقُ بنفس
العقد، فلا يَضُرُّه ضَعْفُ الشُّيوع، بخلاف الهِبة، فإِنه تبرُّعْ مَحْض، يحتاجُ إلى قُوَّة القبضِ، ولا
يتم القَبْضُ مع الشُّيوع.
وكذا عند التِّرمذي أنَّ النبيَّ وََّ نهى عن الثُّنيا، إلّا أنْ تعْلم، ومَرَّ عليه محمدٌ، وفسره
بالجزء الشَّائِع، ولا بُعْد أن يكون هذا هو المرادُ. وفَسَّره الناسُ باستثناء أَرْطالٍ معلومةٍ، وتَرَكَهُ
محمدٌ، ولههنا صورتان: الأولى بعتُ مائة وَسْق إلَّا عشرة أَوْسُق، وهي جائزةٌ، ويكون ضامِنًا
لقضاء الباقي بعد الاستثناء؛ والثانية بِعْتُ ثمارَ هذه النَّخيلِ إلا عشرةَ أَوْسق، وينبغي أن تكون
تلك أيضًا جائزةً ولا أَرَى بينهما فرقاً؛ والأصل في ذلك ما قلنا: إن رفع الإبهام، وتعيين
المبيع، وتمييزه عن غيره أمر مَظْلُوبٌ للشَّارِعِ؛ ولهذا المعنى شُرِعِ الخَرْص في العَرَايا، أي
ليحصُل نوعٌ من التعيينِ، ويخرج الأَمْرُ عن الجهالةِ المُطْلقةِ إلى التعيين في الجُملةِ، ومن هذا
الباب الأَمْرُ بِرَفْع الجهالات في البيوع، فالنَّهي عنه ليس بأكيد، وقد أغمض عنه أيضًا في
بَعْض المواضع.
ثم القَبْضُ في البيع يَتِم بالتخلية؛ أما في الهبة، فلا يَتِم إلَّ بالجِذاذ، فعند مالك في
((موطئه)) في باب ما لا يجوزُ من النَّخْل من كتاب الاقضية وقد أخرجه الطحاويّ أيضًا. مالك عن
ابن شِهاب عَن عروة بن الزُّبير، عن عائشة زَوْج النبيِّ ◌َ﴿ أنها قالت: إنَّ أبا بكر الصديقَ، كان
نَحَلها جُذاذَ عشرينَ وَسْقًا من ماله بغابةٍ، فلما حضرته الوفاةُ، قال: واللهِ يا بنيةُ مَا مِن الناسِ من
أَحَدٍ أُحبُّ إليَّ عنديٍ مِنْك، وإني كُنْتُ نَحِلْتُكِ، فلو كنتُ جَذَذْتُه وأَحرَزْتُه كان ذلك، وإنما هو
اليوم مال وارِث، وإنَّما هو أخواكِ، وأُختاك. اهح. فدلَّ أنَّ الهِبةَ لا تتم إلَّا بالجُذاذِ، أما أمْرُ
النبيِ نَّ بإِكفاء القُدُور حين طَبَخُوا اللَّحْم قبل القِسْمة، فقد مرَّ وَجْهُه، فلا يخالِفُ ما ذكرنا

٥٨
كتاب الهبة
لهُهنا، وكذلك الفَرْق بينه وبين النهد، فإِنَّ الحقَّ في الغنيمةِ يكونُ لثالث، وهو غائبٌ، بخلاف
النهد، فإِنَّ الخَلْط والشُّيوعَ جاء من قبل الشريكين بِطَوْعهما ورَغْبتهما، وبأَعْيُّنِهما، وقد علما أن
التفاضُلَ فِي الأَكْلِ لا بدَّ منه، فَتُحْمَل فيه لذلك، فافترقا .
ثم إِنَّ المصنِّف ترجم في ((الذبائح)) أنَّ مَنْ ذبح الشيءَ المُشْتَرَكَ لا يجوزُ أَكْلُه. وكذا عند
أبي داود أَنَّ النبيَّ ◌ََّ دُعي إلى طعام، فأخذ لُقْمةً منه، وقال: إني أرى لحمًا ذُبح بغيرِ إِذْن أَهْله،
وأَمَر أن يُتَصَدَّق به على الأُسَارَى؛ وهو عند الدارقطني أيضًا من آخِره، ومن هذا الحديث استنبط
الإِمام الأعظم أنَّ سبيلَ المالِ الحرام هو التصدُّقُ، وفي القرآن ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]
فذكَر القَبْض، أما إنه في أَيَّ مَرْتبةٍ، فلَينظره الفقهاء، وثبت من هذه الجزئياتِ ما رامه الحنفيةُ من
ضرورةِ القبض، وأن الشُّيوعَ يَضُرُّه.
ثم المشهورُ عند الفقهاء أنَّ الشاةَ إنْ ذُبحت بغيرِ إذْن أَصْلها صارت ميتةً، وعندي هي
مُذكْاةٌ، لأنَّ الحُرْمة لمعنى في غيرها، ونحوه ما في ((الدر المختار)): مَنْ وَجَد شاةً مذبوحةً في
الصَّحْراء، ولم يَدْر مَن ذبحها، ومالِكَها، لا يَحِل له أَكْلُها، ونقله عن ثقةٍ لم يذكر اسمه، وعندي
أنها ذكيةٌ لا بأسَ بأكْلِها .
ثم اعلم أَنَّ في الفِقْه بابًا يُسمى بالتبرُّع، ولا يوجدُ مُتميِّزًا عن باب الهبة، إلا أنه يُذْكر في
ضِمْن المسائل، فليُنَقَّحِ الفَرْقُ بين البابين، لاختلاف أحكامِهما، ففي ((القنية)): المُتبرِّع لا يَرْجِعُ
فيما تَبَرَّع به، فبابُ الرُّجوع لا يمشي في التبرُّعات، بخلاف الهِبة.
٢٦٠٢ - قوله: (إن أَذِنت أعطيتُ هؤلاء) واستنيط مِنْه المُصَنِّف أنه كان هِبةَ المُشَاعِ؛ قلت:
بل هو مِنْ باب الإِباحة دون الهِبة، وبينهما فرقٌ، أوضحه شارح ((الوقاية)) في كتاب العارية
والتيمم .
قوله: (ما كُنْتُ لأُوثِر) ... الخ؛ حُكي(١) أنَّ الرشيدَ أَهْدَى إلى أبي يوسف، وكان في
مجلس، فقيل له: إنَّ الهدايا مُشْتركة؛ فقال له أبو يوسف: هذا فيما هُيِّىء للأكل، وأما في غيره
فلا، قلت: وفي المهيأ للأكل أيضًا تفصيل، فإِنه يُنظر في قَدْره، وعُرْف الناسِ فيه، ثُم ذكر
الغزاليُّ قصة وليٍّ أهدى إليه في مِثْله، فقيل له، كما قيل لأبي يوسف، فأعطاه كلَّها، وقال: لا
نحبُ الاشتراكَ؛ واستحسنه الغزاليُّ؛ قلت: بل ما فعله أبو يوسف هو الأحسن، فإِنه قد علمنا به
مسألةً من مسائل الدين، وأما الأولياء فيختارون جانِبًا يرونه أوْلى لأنْفُسهم، ويهدِرُون جوانبًا،
(١) حكى علي القارىء أنه وقع لبعض المشايخ أنه أتى بهدية عظيمة من دنانير ودراهم جسيمة، وكان عنده فقير
مسافر، فقال: يا مولانا الهدايا مشتركة. فقال الشيخ بلسانه: (أماتنها خوشترك) أي الانفراد أحسن، فظن الفقير
أنه يريد الانفراد بنفسه، فتغير حاله، فقال الشيخ: (لك تنها خوشترك)، فشرع في أخذه، فعجز عن حمله وحده،
فأشار الشيخ إلى بعض أصحابه بمعاونته، ومن اللطائف أن الإمام أتى بهدية من النقود، فقيل له: الهدايا مشتركة،
فقال: اللام للعهد، أي الهدايا من الرطب والزبيب، وأمثالهما، فانظر الفرق بين علماء الظاهر، والباطن، اهـ.
((جمع الوسائل)) ص٦٨ - ج١.

٥٩
كتاب الهبة
أما الفقهاءُ فيُراعون جميعَ الجوانب، فلا يُفْرِطون ولا يُفرِّطون، ونظرُهم على خلق الله أَقْدَمُ من
نَظَرِهم إلى أنفسهم، فَطُوبى لهم، وحُسْن مآب.
٢٣ - بابُ الهِبَةِ المَقْبُوضَةِ
وَغَيرِ المُقْبُوضَةِ، وَالمَقْسُومَةِ وَغَيرِ المَقْسُومَةِ
وَقَدْ وَهَبَ النَّبِيُّ وََّ وَأَصْحَابُهُ لِهَوَازِنَ مَا غَنِمُوا مِنْهُمْ وَهُوَ غَيْرُ مَقْسُومٍ.
٢٦٠٣ - حَدَّثَنِي ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ قالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَُّ فِي المَسْجِدِ، فَقَضَانِي وَزَادَنِي. [طرفه في: ٤٤٣].
٢٦٠٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبٍ، سَمِعْتُ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: بِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ نَّ بَعِيرًا في سَفَرٍ، فَلَمَّا أَتَيْنَا
المَدِينَةَ قالَ: ((ائْتِ المَسْجِدَ فَصَلِّ رَكْعَتَينٍ)) فَوَزَنَ - قالَ شُعْبَةُ: أُرَاهُ: فَوَزَنَ لِي فَأَرْجَحَ -
فَمَا زَالَ مِنْهَا شَيٌّ حَتَّى أَصَابَهَا أَهْلُ الشَّأُمِ يَوْمَ الحَرَّةِ. [طرفه في: ٤٤٣].
٢٦٠٥ - حدّثنا قُتَيِبَةُ، عَنْ مالِكِ، عَنْ أَبِي حازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَيَ أْتِيَ بِشَرَابٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ:
(أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هُؤُلَاءٍ)). فُقَالَ الغُلَامُ: لَا وَاللَّهِ، لَا أُوثِرُ بِنَصِيِي مِنْكَ أَحَدًا، فَتَلَّهُ فَي
يَدِهِ. [طرفه في: ٢٣٥١].
٢٦٠٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمانَ بْنِ جَبَلَةَ قالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ
قالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَل
دَيْنٌ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: ((دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا)). وَقَالَ: ((اشْتَرُوا لَهُ سِنَّا
فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ)). فَقَالُوا: إِنَّا لَا نَجِدُ سِنَّا إِلَّا سِنَّا هِيَ أَفضَلُ مِنْ سِنِّهِ، قالَ: ((فَاشْتَرُوهَا،
فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ فَضَاءً)). [طرفه في: ٢٣٠٥].
وَسَّع بالقَبْض أيضًا، كما كان وَسَّعِ بِالشُّيوع وعدَمِه، وتمسَّك له بِقِصَّة سَبْي هوازن، وسنبين
إن شاء اللهُ تعالى أنه كان إعْتاقًا (١) لا هبةً، كما فَهِمه المصنِّفُ، فينهدِمُ أساسُ التفريعاتِ كلِّها
من جوازٍ هبة المُشاع، وعدمِ اشتراط القَبْض (٢).
(١) وإليه جنح ابن العربي في - شرح الترمذي - كما في الرضاع، قال: فهذا عتق منه وَّه لمن لم يرضعه في حرمة
من أرضعه، اهـ: ص ١٠٠ - ج٥.
(٢) قلت: وفي مذكرة أخرى عندي أن عدم التقسيم في سبي هوازن كان في العبارة فقط، أما في الخارج فكان كل منهم
يجيء، ويأخذ سبيه ويهبه، وهذا كما يقال في الهندية: (جس جس كامال هو ليتي جاؤ) فتكون شركة في العبارة
فقط، ولا يأخذ واحد منهم في الخارج إلا ماله، فكذلك ههنا شيوع، وشركة في العبارة فقط؛ قلت: وهكذا أجاب
به مولانا فتح محمد في هامش ((شرح الوقاية)) وقد مرت عبارته في هامش («باب هبة الواحد للجماعة)».

٦٠
كتاب الهبة
٢٦٠٣ - قوله: (فَقَضَاني وزَادني) ولما كانت تلك الزيادةُ غيرَ مُنْفَصلةٍ صارَتْ من هبة
المُشَاعِ، وقد مرَّ معنا التنبيه في كتاب البخاري على أن تلك الزيادة كانت مُنْفَصِلةٌ مُتميِّزةً، وكان
جابرُ يَضَعُها في جِرابه، ويقول: واللهِ لا أفارِقُ زيادة رسول الله ◌َِّهِ، حتى فَقَدها في أَيَّامِ الحرَّة،
كما يأتي في البخاري، ثم في ((باب الهِبة من الدر المختار)) أنَّ الموهوب لو كان يَضُرُّه القَبْضُ
تَفْسُد الهِبة، وإلَّا لا؛ وفي ((باب المرابحة)) ما يخالفه شيئًا، فراجعه عند الشامي، ولا بد، نعم
يجري البَحْثُ في أن تلك الزيادةُ هل تدخل في قوله: ((كلُّ قَرْضٍ جَرَّ بِنَفْع فهو رِبا)) - بالمعنى - أم
لا؟ وقد ضَيَّق فيه الحنفيةُ عامةً، لما فهموا أنَّ هدايا المديونِ إلى الدائن لا تكون إلا منفعةٌ لِدَيْنه،
فتدخل فيه لا محالة؛ نعم وَسَّع فيه محمدٌ كُلَّ التوسيع، حيث قال في ((باب الرجل يكونُ عليه
الدَّين)) الخ، قال محمد: لا بأسَ بذلك إذا كان من غير شرْطِ اشترِط عليه، اهـ.
ولكنه يُحْملُ عندي على زمانه، إذ الناسُ ناسٌ، والزَّمانُ زمانٌ، فالهدايا في زمانه لم تكن
رشوةً، وأما في زماننا فَكلَّها رَشوةٌ، إلَّا ما شاء الله تعالى، فَيُحْكم في هذا الزمان بالمَنْعِ(١)، كما
قاله العلماءُ، وإنْ كان المَذْهب، كما قال به محمدٌ .
ثُم اعلم أَنَّ هِبة المُشاع لا تَتِم في أصل المذهب، وإن تحقق القبضُ أيضًا؛ وأفتى
المتأخرون بجوازها، وبه أفتى، وذلك لأني أتردد في نفس مسألة الشُّيوع، فَلَسْتُ أُشَدِّد فيها،
كالحنفية، ولا أُوسع فيها، كالبخاري، بل هي أَمْرٌ بين الأمرين، كما عَلِمت، فإِنَّ مرضي الشَّرْع،
هو رَفْع الإِبهام والتمييز، والشيوع يخل به، فلا يكون هَذْرًا، كما أهدره البخاري، ولا ضروريًا،
كما فهمه الحنفية، بحيث قالوا ببطلان الهِبة؛ وبالجملة إذا كان حالُ الشيوع عندي ما سمعت،
فلم أُشَدِّد في الحُكْم، وَوَافَقْت المتأخرين في جواز هِبة المُشاع عند القَبْض.
٢٦٠٦ - قوله: (لا نَجِدُ سِنَّا إلا هي أَفْضَلُ مِن سنِّه) ولا شكَّ أنّ هبة الزيادة تكونُ هِبة
المُشاع، قلت: نعم، ولكن لا ريبَ أنه مِن باب المُروءات لا غير، فلا حُجَّة فيه.
٢٤ - بابٌ إِذَا وَهَبَ جَمَاعَةٌ لِقَوْمٍ
٢٦٠٧، ٢٦٠٨ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمْ وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وََِّّ قَالَ، حِينَ جَاءَهُ
وَفِدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَّهُمْ: (مَعِي مَنْ تَرَوْنَ،
وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَينِ: إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّ المَالَ، وَقَدْ كُنْتُ
اسْتَأْنَيتُ)). وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيلَةً، حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ
لَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ غَيْرُ رَادٍ إِلَيهِمْ إِلَّا إِخْدَى الطَّائِفَتَينِ، قالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ في
المُسْلِمِينَ، فَأَثْنِى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هُؤُلاءِ جاؤُونَا
تَائِينَ، وَإِنِّي رَأَيتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَّيهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذلِكَ فَلَيَفْعَل، وَمَنْ
(١) روى البخاري في ((تاريخه)) مرفوعاً: إذا اقرض الرجل، فلا يأخذ هدية، اهـ. كذا في ((المشكاة)).