النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
كتاب اللقطة
فَسَمَّاهُ فَعَرَفتُهُ، فَقُلتُ: هَل فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقُلتُ: هَل أَنْتَ حَالِبٌ لِي؟
قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرْتُهُ، فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنَ الغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ
أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيِهِ، فَقَالَ هَكَذَا، ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيهِ بِالأُخْرَى، فَحَلَبَ كُثْبَةً مِنْ لَبَنِ، وَقَدْ
جَعَلتُ لِرَسُولِ اللّهِ بِ إِدَاوَةً، عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ،
، فَقُلتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللّهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ. [الحديث ٢٤٣٩ -
فَانْتَهَيتُ إِلَى النَّبِيِّ
أطرافه في: ٣٦١٥، ٣٦٥٢، ٣٩٠٨، ٣٩١٧، ٥٦٠٧].
٢٤٣٩ - قوله: (فاعْتَقَل شاةً مِن غَنَمه) والاعتقَال أَنْ تأخذ بِرجليها المُؤْخَرَتَيْن في فَخذيك
للحَلب. ولما كانت مواشِيهم في البادية، ولا يكون هناك أَحَدٌ يشرب لَبَنَها، فكان عُرفهم قد
جرى بإِجازة الشُّرْب للمارَّة، فإِنَّه خيرٌ من التَّلَف. فإِنْ قيل: إنَّ الشِّياهِ كانت لرجلٍ كافر، ولو
اطّلع على أنَّ لبن ماشيته يَشْرَبُه النبيُّ ◌َّه لم يرض به قَطْعًا. وأجيب أنَّ العُرف إذا جرى بالإِذْن
للمارَّة، فلا حاجةَ إذًا إلى الإِذن الخُصوصي، وكفى الإِذنُ العامِ (١).
قلت: وفي سؤال أبي بكر، ممن أنت؟ دليلٌ على أنه لو عَلِمه لما سَخِط أيضًا، لما عسى أن تكون بينه وبينه
(١)
مودةٌ، والله تعالى أعلم بالصواب. وفي تقرير مولانا عبد القدير أنَّ الزَّمَخْشري أجاب عن الإِيراد، بأنَّ مالَ
الحربي يجوزُ أَخْذُه إذا عُلِمَ رضاؤه. وذَكَر ذلك في قِصة أَخْذ أُمِّ موسى عليه الصلاة والسلام الأُجرة - أي أجرة
الرضاعة - من فرعونَ، مع استحقاقها. وأقول: هذا السؤالُ لغوٌ لا حاجةً إلى الجواب عنه، كيف! وأن الشرائع
مختلفة بحسب الأحكام، فمن أين علم أن حرمة الأجرة في مثله كانت في شريعتهم: فلا ينبغي التعرُّضُ إلى
السؤال والجواب، وأجاب السُّيوطي في سورة ((القصص)) أيضًا بما ذكره صاحب ((الكشاف))، ولكن مخالفٌ
لمسلكهم، ولم يتنبه له. انتهى بلفظه .. وتكلّم عليه الشيخُ العيْنِيُّ في ((عُمْدة القاري)).

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
٤٦ - كِتَابُ المَظَالِم
فِي المَظَالِم والغَصْبِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ
الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ
مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٢،
٤٣]: رَافِعِي رُؤُوسِهِمْ، المُقْنِعُ والمُقْمِحُ وَاحِدٌ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: مُدِيمِي النَّظَرِ، وَيُقَالُ: مُسْرِعِينَ. ﴿لَا يَرْتَدُ إِلَتِهِمْ طَرَفُهُمْ
وَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] يَعْنِي جُوفًا لَا عُقُولَ لَّهُمْ. ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِرِنَا إِلَى أَجَلٍ فَرِيبٍ تُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّيِعِ الرُّسُلِّ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَفْسَمْتُم مِّن
قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالِ ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَكِنِ اٌلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَ لَكُمْ كَيْفَ
فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ
﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ
فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو
مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ
[إبراهيم: ٤٤ - ٤٧] .
٤٧
اُنِقَامِ
قوله: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] آنكهين تیرهی رهجائینکي سراتھی ره جائينكى.
قوله: (﴿وَأَفْئِدَنْهُمْ هَوَآءٌ﴾﴾ [إبراهيم: ٤٣] أي خالية. واعلم أنه لا اسم للرِّيح الساكنةِ عند
العرب، فالهواء هو الخلاء، فإذا تحركت يقال لها: الرِّيح؛ نعم للسَّاكِنة اسمٌ في الفارسية باد.
١ - بابُ قِصَاصِ المَظَالِمِ
٢٤٤٠ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَه
قالَ: ((إِذَا خَلَصََ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ
كانَتْ بَينَهُمْ في الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا، أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الَجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفسُ
مُحَمَّدٍ نََّ بِيَدِهِ، لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كانَ في الدُّنْيَا)). وَقَالَ يُونُسُ بْنُ
مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو المُتَوَكِّلِ. [الحديث ٢٤٤٠ - طرفه في: ٦٥٣٥].
٢٤٤٠ - قوله: (حُبِسُوا بِقَنْطَرَة) .. الخ قال العَيْني: كما في ((الهامش))، وسماها القُرطبيُّ:
الصِّراط الثاني. والأوَّل لأهلِ المَحْشرِ كلِّهم، إلا مَنْ دخل الجنةَ بغير حِساب، أو يلتقطه عُنُقٌ
من النار، فإِذا خلص مِنَ الصِّراط الأكبر ولا يَخْلُص منه إلَّا المؤمنون، حُبِسوا على صراطٍ
٦٠٢

٦٠٣
كتاب المظالم
خاصٌّ بهم، ولا يرجعُ إلى النارِ من هذا أَحَدٌ؛ وهو معنى قوله: ((إذا خَلَص المؤمنون من النَّارِ))،
أي الصِّراط المضروبِ على النَّار، فإِذا هُذِّبوا، قال لهم رضوانٌ: ﴿سَلَمُّ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا
خَلِينَ﴾ [الزمر: ٧٢].
قوله: (بينَ الجنَّة والنَّار) أي بقَنْطرةٍ كائنةٍ بين الجنَّةِ والصَّراط الذي على متن النار؛ ولهذا
سُمي بالصِّراط الثاني. اهـ. فتبين منه أن القَنْطرةَ قِطعةٌ من الصِّراط.
قوله: (حتى إذا ما نُقُوا) ... الخِ، وعُلِم منه أنَّ تلك الجرائم كانت صغائر، فلذا فُوِّضت
تزكيتُها إليهم؛ وأما الكبائرُ فلا يُزكِّيها إلَّا حَرُّ النار، أو بَرْدُ النَّدم، إلا أن يتغَمَّدَهُ اللهُ بغفرانه.
فائدة :
واعلم أن للحسابِ تكونُ صورةٌ في المحشر، ولتعيين تلك الصورةِ يقومُ الميزانُ، فإِذا
بُعِثُوا إلى الصِّراط، بُعِثتَ تلك الصورةُ معهم، فيعاملون عليه باعتبار تلك الصورةِ. أما خُروجُ
العُنُق من النَّار إلى المَحْشر، ونحوِهِ، فكُلُّها صُوَرٌ مخصوصةٌ، والضابطة ما قلنا؛ وعلى البصير
المتبصِّر أن يجمع أحاديثَ الباب كلَّها، ثُم يحكم بشيء.
٢ - بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿أَلَا لَغْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]
٢٤٤١ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قالَ: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ، عَنْ
صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزِ المَازِنِيِّ قالَ: بَينَما أَنَا أَمْشِي مَعَ ابْنِ عُمَرَ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُمَا آخِذٌ بِيَدِهِ، إِذْ
عَرَضَ رَجَّلٌ فَقَالَ: كَيفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللّهِ بِيَ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ
ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَي رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قالَ:
سَتَرْتُهَا عَلَيكَ في الدُّنْيَا، وَأَنا أَغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ. وَأَمَّا الكافِرُ
وَالمُنَافِقُونَ، فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّلِمِينَ﴾)»
[هود: ١٨]. [الحديث ٢٤٤١ - أطرافه في: ٤٦٨٥، ٦٠٧٠، ٧٥١٤].
٣ - بابٌ لاَ يَظْلِمُ المُسْلِمُ المُسْلِمَ وَلاَ يُسْلِمُهُ
٢٤٤٢ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ سَالِمًا
أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِإِ قالَ: ((المُسْلِمُ
أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كانَ في حاجَةٍ أَخِيهِ كانَ اللَّهُ في حاجَتِهِ، وَمَنْ
فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ
يَوْمَ القِيَامَةِ)). [الحديث ٢٤٤٢ - طرفه في: ٦٩٥١].

٦٠٤
كتاب المظالم
((أي ولا يَتْرُكُ نُصْرَته، ولا يُسْلِمُه)) إلى الهلاك.
٢٤٤٢ - قوله: (ومَنْ كان في حاجَّةٍ أخِيه كان اللهُ في حاجَتِه) الخ؛ قلت: ولتمعن النَّظَر
فيه، فإِنه يفيدك في شَرْح ما أخرجه مُسْلم في الحديث القدسي: ((مرِضْتُ فلم تَعُدْني)) ... الخ؛
وما ذكره النوويُّ في شَرْحه غَيْرِ مرِضيٍّ عندي؛ والصوابُ أن الحديثَ عندي على ظاهره،
وليستعن في شَرْحه بهذا الحديث، فإِنَّ نظيرُه في كون الله عزّ وجل عنده.
٤ - بابٌ أَعِنْ أَخاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا
٢٤٤٣ - حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا هُشَيِمٌ: أَخْبَرَنَا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ أَبِيِ بَكْرِ بْنِ
أَنَسِ وَحُميدٌ الطَّوِيلُ: سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُول: قالَ رَسُولُ اللَّهِ أَيَّ
((انْصُرْ أَخاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا)). [الحديث ٢٤٤٣ - طرفاه في: ٢٤٤٤، ٦٩٥٢].
٢٤٤٤ - حدّثنا مُسَدَّدْ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ
رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا)). قالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هذا نَنْصُرُهُ
مَظْلُومًا، فَكَيفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قالَ: ((تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ)). [طرفه في: ٢٤٤٣].
٥ - بابُ نَصْرِ المَظْلُومِ
٢٤٤٥ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيع: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيم قالَ: سَمِعْتُ
مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيدٍ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّهُمَا قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ نَّهُ بِسَبْع،
وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، فَذَكَرَ: عِيَادَةَ المَرِيضِ، وَاتِّاعَ الجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتَ العَاطِسِ، وَرَدَّ السَّلَامِ،
وَنَصْرَ المَظْلُومَ، وَإِجَابَةَ الدَّاعِي، وَإِبْرَارَ المُقْسِم. [طرفه في: ١٢٣٩].
٢٤٤٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ: حَدَّثَنَاَ أَبو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ
أَبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ قَالَ: ((المُؤْمِنُ لِلمُؤْمِنِ كالبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ
بَعْضًا)). وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. [طرفه في: ٤٨١].
٢٤٤٦ - قوله: (المُؤمِنُ للمؤمِن كالبُنيان) ... الخ، قال الشيخُ الأكبر: وذلك لأنَّ الشيطانَ
يدخل في كل فرجةٍ يجدُها بين رجلين، حتى يفعل ذلك في صفِّ الصلاةِ أيضًا، فإِذا صاروا
كالبُنيان، وتراضُوا في الصفوف، لم يَبْقَ له مَوْضِعُ دخولٍ.
٦ - بابُ الانْتِصَارِ مِنَ الظَّالِمِ
لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَّا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَّهِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِّ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا
عَلِيمًا (﴿1﴾ [النساء: ١٤٨]. ﴿وَلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنَصِرُونَ
[الشورى: ٣٩]. قالَ
(٣٩)
إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا، فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا.
أي الانتقام.

٦٠٥
كتاب المظالم
قوله: (قال إبراهيمُ: كانوا يَكْرَهُونَ أن يُسْتَذِلُّوا) ... الخ. أي كانوا يَسْعَون أن يَقْدروا على
الانتقام، فاذا قَدِروا عليه عَفَوْا، وتَرْكُ سعي التمكُّنِ على الانتصار هو الذي عَنَوْه بالذِّلَّة، والعَفُو
بعد القدرةِ هو عمل أصحابِ العزائم.
٧ - بابُ عَفوِ المَظْلُومِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِن نُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوَّا قَدِيرًا
١٤٩
[النساء: ١٤٩]. ﴿وَحَزَّقُاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَاْ فَمَنْ عَفَا وَأَمْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
وَلَمَنِ اُنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى
اُلْأَرْضِ بِغَيْرِ اٌلْحَقِّ أُوْنَكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
٤٣
وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْ اْلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّنِ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٠ - ٤٤].
٨ - بابٌ الظُّلِمْ ظُلمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ
٢٤٤٧ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ المَاجِشُونُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ الَّبِيِّ ◌َّ قالَ: ((الظُّلمُ ظُلمَاتٌ يَوْمَ
القِيَامَةِ)) .
٩ - بابُ الاتِّقَاءِ وَالحَذَرِ مِنْ دَعْوَةِ المَظْلُومِ
٢٤٤٨ - حدّثنا يَحْيى بْنُ مُوسى: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحاقَ المَكِّيُ، عَنْ
يَحْيِى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهُ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الَيَمَنِ، فَقَالَ: ((اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيسَ بَيْنَهَا
وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ)). [طرفه في: ١٣٩٥].
١٠ - بابُ(١) مَنْ كانَتْ لَهُ مَظْلمَةٌ
عِنْدَ الرَّجُلِ فَحَلَّلَهَا لَهُ، هَل يُبَيِّنُ مَظْلمَتَهُ؟
٢٤٤٩ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِياسِ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهُ: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلمَةٌ لأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ
أَوْ شَيءٍ فَلَيَتَحَلِّلُهُ مِنْهُ اليَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِن كانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ
(١) وفي ((المعتصر)) رُوي عن أبي هريرةَ مرفوعًا: ((مَنْ كانت له مَظْلَمِةُ من أخيه من عِرْضِه، ومالِه، فليتحلله مِن قبل أن
يُؤخذ منه)) ... الخ. هذا في عقوبةِ المال؛ أما ما تَجِب به عقوبةُ البدن، فالقِصاصِ على بدنه، لأنه قائمٌ، فيؤخذ
بما يجب عليه فيه من جزاء، أو أدَب، يؤيدُه ما رُوي مرفوعًا: ((مَنْ قذف مملوكه بزنا بريئًا مما قاله، أقام عليه يومَ
القيامة حدًّا، إلا أن یکون كما قال)). اهـ: ص ٣٨٢.

٦٠٦
كتاب المظالم
مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتٍ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ)). قالَ أَبُو
عَبْدِ اللَّهِ: قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيسٍ: إِنَّمَا سُمِّيَ المَقْبُرِيَّ لأَنَّهُ كَانَ ينزِلُ نَاحِيَةَ المَقَابِرِ.
قالَ أَبو عَبْدِ اللَّهِ: وَسَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ هُّوَ مَوْلَى بَنِي لَيثٍ، وَهُوَ سَعِيدُ بْن أَبِي سَعِيدٍ، وَاسْمُ
أَبِي سَعِيدٍ كَيسَانُ. [الحديث ٢٤٤٩ - طرفه في: ٦٥٣٤].
وقد مرَّ فيه قولان، ثُم إذا حَلَّله، فليس له رجوٌ، لأنه ليس بمالٍ يُمْكِنَ الرجوعُ عنه.
٢٤٤٩ - قوله: (قال أَبُو عَبْد الله: قال إسماعيل بنُ أَبِي أُوَيْس) ... الخ وإسماعيلُ بنُ أبي
أُوَيْس هذا شيخُ البخاري، وابنُ أُخت للإِمام مالِكِ، وقيل: إنّه كان يزورُ حكاياتٍ كاذبةً في تأييد
خالِهِ، ولذلك لم يأخذ عنه النسائي، ثم البُخاري أَخَذَ عنه.
فائدة مهمة
واعلم أنَّه قد يذهب إلى بعض الأَوهام أن المُحدِّثين إذا أخذوا الأحاديثَ عمَّن رُمُوا
بالكَذِب أيضًا ارتفع الأمانُ عن الأحاديثِ، ولماذا بقي الاعتماد عليها؟ قلت: وذلك باطلٌ
قطعًا، فإِنَّ الحديثَ إذا صار فنًا مستقلًا، ولم يبق للأساتذةِ والشيوخ مدخلٌ فيه، كيف يُورِثُ
ذلك خَلْطًا أو خبطًا نعم لو كان ذلك إذا كان الحديثُ يُكتب شيئًا فشيئًا، لأدَّى ذلك إلى
تخليط، ولكن الذين دَوَّنوا الحديثَ لم يكتفوا بطريقٍ واحدٍ، حتى مارسُوه بطرقٍ متعدِّدة،
وتتبعوه عن مشايخَ متفرقةٍ، حتى تبينَ لهم صِدْقُه من كذبه، كَفَلَق الصُّبح؛ فهؤلاء كانوا يعرفون
محاله ومظانّه، فإِذا جمعوا الظُرُقَ والأسانيدَ انكشفت لهم العِلَلُ، وأسبابُ الجَرْح كلَّها، فلم
يدونوه إلا بعد ما حَقَّقُوه ومارسوه. وبَعْد هذا البحثِ والفَحْص لو اشتمل حديثٌ على أَمْرٍ قادح
لم يقتض ذلك قَدْحًا في نَفْس الأحاديث أصلًا؛ فإِن مَخْرَجَه معلومٌ، ورواتِهِ معروفون، وأَمْرَه
مكشوفٌ، والجَرْحَ فيه مذكورٌ، فأي تخليط هذا؟ ولذا قال سُفْيان الثَّوري: لا تأخذوا
الأحاديثَ عن جابر الجُعْفي؛ ثُم روى عنه بنفسه، ولما سُئل عنه قال: إني أَغْرِفُ صِدْقَه من
كَذبه. فَدلَّ على أنه لا تخليطَ على الممارِس، لأن الحديثَ عنده يكون معلومًا بمخارِجه
ورواتِهِ وعلله.
ثم إنَّهم اختلفوا في جابر الجُعْفي، والقول الفَصْل فيه: أنه مُتَّهم في الرأي - أي الاعتقاد -
كان يقولُ: إن عليًا في الغَمام، وينزل، ثم ينتقم من أعدائه؛ ولكنه مُعْتمدٌ في حقِّ الرواية، لأنه
لم يثبت گَذِبُه في باب الحدیثِ أَصْلًا.
وبالجملة السَّلَفُ إنما أخذوا الحديثَ عَمَّن يُوثَقْ بهم، ويُعْتمد على حِفْظهم ودِينهم؛ فلما
انتقل الحديثُ من الصُّدور إلى الزبْرِ والأَسْفَار، فحينئذٍ لو أخذ عَمَّن رُمي بالكذب لم يَقْدح
بشيء، لأن عندك عِلمًا بالاختلاط، والتمييز معًا. فسفيانُ الثوريّ كان يَعْرِف الأحاديثَ، فإِذا
أخذها عن جابر مَيَّزَ جَيِّدها عن رديئها، صحِيحَها من سَقِيمها؛ فهذه مرحلة بعد التدوين، ولا
تخليط بعده أصلاً، وإنما التخليط على من لم يميز بين زمن التدوين وبعده.

٦٠٧
كتاب المظالم
١١ - بابٌ إِذَا حَلَّلَهُ مِنْ ظُلمِهِ فَلاَ رُجُوعَ فِيهِ
٢٤٥٠ - حدّثنا محَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]. قالَت:
الرَّجُلُ يَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأَةُ، لَيسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا، يُرِيدُ أن يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ
مِنْ شَأْنِي في حِلِّ، فَنَزَلَتْ هذهِ الْآيَةُ في ذلِكَ. [الحديث ٢٤٥٠ - أطرافه في: ٢٦٩٤، ٤٦٠١،
٥٢٠٦].
وهذه حقوقٌ، وهي أوصافٌ، ولا رجوعَ فيها بعد السُّقوط. ومِن ثمة قالوا: إنَّ امرأةً لو
وهبت نَوْبَتَها لضَرَّتِها يَصِحُّ لها الرجوعُ عنها؛ وذلك لأنها لا تملِك أيامَ نَوْبةٍ وَهبها دفعةً، بل
شيئًا فشيئًا. فهِبةُ جميع نوَبِها التي لم تأت بَعدُ هبةٌ بما لا تستحِقُّه هي أيضًا، فيصِحُ
الرجوع عنها لا محالة، وكأنه هِبةٌ ورجوعٌ صورةً فقط، وإلا فلا هبةَ ولا رجوعَ. هذا في
الحقوقِ. أما في الأعيانِ فقد حققت فيما مرَّ أن الرجوعَ عند انعدام الموانع السَّبعةِ جائزٌ،
لكن بشرط القضاء أو الرضاء، وكُرِه تحريمًا أو تنزيهًا؛ والمُفْتُّون يُفتَون عند انعدام
الموانع بالجواز مطلقًا، ولا يفرقون بين حُكْم القضاءِ والدِّيانة، مع أنه لا بد منه، كما حققه
في العلم.
١٢ - بابٌ إِذَا أَذِنَ لَهُ أَوْ أَحَلَّهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُوَ
٢٤٥١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مِالِكٌ، عَنْ أَبِي حازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وََّ أْتِيَ بِشَرَابٍ فَشَّرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ
يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاغُ، فَقَالَ لِلغُلَامِ: ((أَتَأْذِنُ لِي أَنْ أُغْطِيَ هَؤُلَاءٍ؟)) فَقَالَ
الغُلامُ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُوْثِرُ بِنَصِيِي مِنْكَ أَحَدًا. قالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ فِي
يَدِهِ. [طرفه في: ٢٣٥١].
٢٤٥١ - قوله: (أتأذَنُ لي أن أُعطي هؤلاء) ... الخ. ولو أعطاهم لكان هِبة المُشاعِ،
لكنك عَلِمت أن مِثْل هذا لا يَدْخُل في الحُكم.
قوله: (فَتَلَّهُ رسولُ اللهِ وَّهِ﴾ أي دَفَعه بقوةٍ وعُنْف، كالكاره له؛ وهذا الذي قُلْتُه فيما مرَّ.
١٣ - بابُ إِثْمِ مَنْ ظَلَمَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ
٢٤٥٢ - حدّثنا أَبو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي طَلحَةُ بْنُ عَبْدٍ
اللَّهِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَمْ يَقُولُ: (مَنَْ ظَلَمَ مِنَ الأَرْضِ شَيئًا ◌ُوَّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ)) [الحديث
٢٤٥٢ - طرفه في: ٣١٩٨].
٢٤٥٣ - حدّثنا أَبو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ: حَدَّثَنَا حُسَينٌ، عَنْ يَحْيِى بْنٍ أَبِي

٦٠٨
كتاب المظالم
كَثِيرٍ قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ كانَتْ بَينَهُ وَبَينَ أُنَاسٍ
خُصُومَةٌ، فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالَتْ لهُ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، اجْتَنِبِ الأَرْضَ، فَإِنَّ
النَّبِيَّ ◌َِّ قالَ: ((مَنْ ظَلَمَ قيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ)). [الحديث ٢٤٥٣ - طرفه
في: ٣١٩٥].
٢٤٥٤ - حدّثنا مُسْلمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَك: حَدَّثَنَا مُوسى بْنُ
عُقْبَةَ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ بِ: ((مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شَيئًا
بِغَيرِ حَقِّهِ، خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَبْعٍ أَرْضِينَ)) قَالَ الفِرَبْرِيُّ: قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بَنُّ أَبِي
حَاتِم: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا الحَدِيثُ لَيسَ بِخُرَاسانَ في كِتَابِ ابْنِ المُبَارَكِ، أَمْلَاهُ
عَلَيْهِمْ بِالبَصْرَةِ. [الحديث ٢٤٥٤ - طرفه في: ٣١٩٦].
قوله: (طُوِّقَه مِنْ سَبْعِ أَرَضِين) فيطوّقِ بِقَدْر ما غصبه من ذلك الأَرض، ويطوّق من السنَّةِ
الباقية مِثْل ذلك أيضًا. وفيه دليلٌ على أن الأَضْل هو هذه الأَرْضُ، والباقية تابعةٌ لها .
١٤ - بابٌ إِذَا أَذِنَ إِنْسَانٌ لِآخَرَ شَيئًا جازَ
٢٤٥٥ - حدّثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ: كُنَّا بِالمَدِينَةِ فِي بَعْض أَهْلِ
العِرَاقِ، فَأَصَابَنَا سَنَةٌ، فَكَانَ ابْنُ الزُّبَيرِ يَرْزُقُنَا الثَّمْرَ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَمُزَّ
بِنَا فَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿لَ نَهى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ. [الحديث
٢٤٥٥ - أطرافه في: ٢٤٨٩، ٢٤٩٠، ٥٤٤٦].
٢٤٥٦ - حدّثنا أبو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا أَبو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ
أَبِي مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبو شُعَيبٍ، كَانَ لَهُ غُلَامٌ لَخَامٌ، فَقَالَ لَهُ أَبو
شُعَيبٍ: اصْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةٍ، لَّعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ ◌َلِ خامِسَ خَمْسَةٍ، وَأَبْصَرَ في وَجْهِ
النَّبِيِّ ◌َ﴿ الجُوعَ، فَدَعاهُ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ لَمْ يُدْعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ِهِ: ((إِنَّ هذا قَدِ اتَّبَعَنَا،
أَتَأُذَّنُّ لَهُ؟». قالَ: نَعَمْ. [طرفه في: ٢٠٨١].
١٥ - باب قول الله تعالى:
﴿وَهُوَ الدُّ الْخِصَارِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]
٢٤٥٧ - حدّثْنَا أَبُو عاصِم، عَنِ ابْنِ جُرَيج، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ
قالَ: (إِنَّ أَبْغَضََ الرِّجالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَّدُّ الخَصِمُ)). [الحديث ٢٤٥٧ -
اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ
طرفاه في: ٤٥٢٣، ٧١٨٨].
تحقيق في طبقات الأرض
واعلم أنَّ السموات سَبْعٌ كما قد صَدَع به القرآنُ في غير واحدةٍ من الآيات؛ أما كون

٦٠٩
كتاب المظالم
الأرض أيضًا سبعًا، فلم يُوم إليه القرآن إلا في سورة الطلاق. فقال ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾(١)
[الطلاق: ١٢] وفيه أيضًا إبهامٌ شَديد؛ فإِنَّ المِثْلية مبهمةٌ لا ندري ماذا أُريد منها؟ فيمكنُ أن يكون
المرادُ المِثْلية في العدد، ويمكنُ أن تكونَ الأرضُ واحدةً(٢)، ثم تكون لها طبقاتٌ تُسمَّى كلُّ
طبقةٍ منها أرضًا؛ ألا ترى أنَّه لم يَقُل: ومَنْ الأَرضين مِثْلهن، بل قال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ﴾ فَأَبْهم غايةَ
الإِبهام؛ نعم ما في البخاري: طوِّقَه من سَبْع أَرْضين، صريح فيه؛ وأَصْرحُ منه ما عند الحاكمِ في
((مستدرَكه))، والبيهقي في كتاب ((الأسماء والصفات))، وصحَّحه عن ابن عباس (٣)، وفيه أنَّ الله
تعالى خَلَق سَبْعَ أَرَضين، في كلِّ أرضٍ آدمُ كآدمنا، ونوحٌ كنوحِنا، إلى أن ذكر النبي ◌ِّ، أي
محمدٌ كمحمدنا، اهـ بالمعنى.
قلت: وهذا الأَثَرُ شاذٌ بالمرّة، والذي يجب علينا الايمانُ به هو ما ثبت عندنا عن
النبي ◌َّهِ، فإِن ثبت قَطْعًا أَكْفرنا منْكرَه، وإلا نَحْكُم عليه بالابتداع؛ وأما غيرُ ذلك مما لم يَثْبت
عنه ◌َِّ فلا يلزمُنا تَسْلِيمُه والإِيمانُ به، والذي أَظُنُّه أنَّ هذا الأَثَرَ مُرَّب من إبهام القرآن وتَصْريحِ
الحديث، فقال القرآن: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ وصرَّح الحديثُ بكونها سبعًا، فتركَّب منه التفصيلُ المذكورُ فيَ
الحديث .
والظاهر أنه ليس بمرفوع، وإذا ظَهَر عندنا مَنْشَؤه، فلا ينبغي للإنسان أن يُعَجِّز نَفْسَه في
شَرْحه، مع كونه شاذًا بالمرَّة. وقد ألَّف مولانا النانوتَويُّ رسالةٍ مستقلة في شَرْح الأَثَر المذكور،
سماها ((تحذير الناس عن إنكار أَثَرِ ابن عباس)) وحقق فيها أَنَّ خاتميتَهُ وَّ لا يخالف أن يكون
خاتَمٌ آخرُ في أَرْضٍ أُخْرىٍ، كما هو مذكورٌ في أَثَرِ ابنِ عباس (٤). ويلوح من كلام مولانا
الثَّانُوتُويّ أن يكون لكلِّ أَرْض سماءٌ أيضًا، كما هو لأَرْضِنا، والذي يَظْهُر مِن القرآن كونُ
السمواتِ السَّبْعِ كلِّها لتلك الأَرِيضَة، لأَن السَّبع موزعةٌ على الأَرضِين كذلك.
(١) قال الداودي: في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ دلالةٌ على أن الأَرَضين بَعْضها فوق بعضٍ مِثْل السموات.
ونقل عن بعض المتكلمين أن المِثْلية في العدد خاصة، وحكى ابنُ التِّين عن بَعْضِهم أن الأَرْض واحدةٌ، قال:
وهو مردودٌ بالقرآنِ والسُّنة. ثم أخرج الحافِظ عن أحمدَ، والترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((إن بين كلِّ
سماءٍ وسماء خَمْسَمائة عام، وأن سمك كلِّ سماءٍ كذلك، وأنَّ بين كلِّ أَرْضٍ وأرضٍ خمس مائة عام)) اهـ ((فتح
الباري: من بدء الخلق)).
(٢) واستدل الداودي - من التطويق - على أن السَّبْع الأَرَضين بعضها على بعض، لم يفتق بَعْضُها من بعض، قال: لأنه
لو فتقت لم يطوق منها ما ينتفع به غيره، وقيل: بين كل أرض وأرض خمسمائة عام. اهـ.
(٣) أخرجه الحافِظ في ((الفتح)) من كتاب ((بدء الخلق)) وأخرج عن ابن عباس، قال: ((لو حَدَّثْتُكم بتفسير هذه الآيةِ
لكَفَرْتُم، وتكفيركم تكذيبكم بها)»، وزاد من وجه آخر: وهنَّ مكتوباتٌ بَعْضُهنَّ على بَعْض)).
(٤) قلت: ولقد كان الشيخُ النانوتوي تتفَجَّر من صدرِه أنهارُ العلومِ اللَّدُنيَّة، فأتى فيها ما تعجز عن إدراكه العقولُ،
ويتحيَّر منه الفُحول، ولا يمكن لنا أن نلخصها، فعليك بأصلها، فإِنَّ فيها أبوابًا من العلوم: وحينئذٍ تَعْرف أن
العِلْم بحرٌ لا ساحل له، وكم ترك الأولُ للآخِر؛ ولو أمكن لنا تلخيصُ كلامِه للخَّصْناه، لأنه لا بد علينا من
توضيح كلام الشيخ، ولكنا رأينا أنفسَنا جائيةً على رُكِبها، خارةً على وجهها، دون تخليصها، فلسنا نقدر؛ فإِن
شئت فراجعها أنت، والله ناصرُك.

٦١٠
كتاب المظالم
والحاصل أنا إذا وجدنا الأثَر المذكور شاذًّا، لا يتعلق به أمرٌ من صلاتنا وصيامنا، ولا
يتوقف عليه شيءٌ من إيماننا، رأينا أن نترك شَرْحَه(١)؛ وإن كان لا بدَّ لك أن تَقْتحم فيما ليس لك
به علم، فقلْ على طريق أرباب الحقائق: إنَّ سَبْعَ أَرْضين لعلها عبارةٌ عنٍ سَبْعةٍ عوالم؛ وقد صحَّ
منها ثلاثةٌ؛ عالم الأجسام؛ وعالم المثال؛ وعالم الأرواح، أما عالم الذِّر، وعالم النَّسمة، فقد
ورد به الحديثُ أيضًا، لكنا لا ندري هل هو عالمٌ برأسه أم لا؟ فهذه خمسةُ عوالم، وأخرج (٢)
نحوها اثنين أيضًا. فالشيءُ الواحِد لا يمرّ من هذه العالم إلا ويأخذ أحكامه؛ وقد ثبت عند
الشَّرْع وجوداتٌ للشيء قبل وجوده في هذا العالم؛ وحينئذٍ يمكن لك أن تَلْتزم كونَ النبيِّ الواحد
في عوالم مختلفةٍ بدون محذور. وسنعود إلى تفصيلِ النَّسمة أيضًا، وقد ذكرناه من قبل أيضًا.
والتُّورِشْتي الحنفي لما مرَّ على أحاديثِ النَّسمة لم يفسره بالروح، بل وَضَع هذا اللفظَ
بعينه، ففهمت منه أنه شيءٌ يُغاير الروح عنده، ولذا لا يضعُ لِفْظ الروح مكانه، ولا يترك هذا
اللفظ، فكأَنَّه حقيقةٌ أخرى؛ فيُخْشى أن لا تتبدل تلك الحقيقةُ بِتَرْك لفظه. وقد مرَّ عليه الشاه
وليُّ الله في (الطاف القُدْس))، وقال: إنَّ النَّسمة جِسمٌ هوائي سارٍ في بدن الإِنسان، محفوظٌ من
التلاشي، وقال: إنه يبقى كذلك بعد الموتِ أيضًا، والله تعالى أعلم.
أما شَرْحُ حديث البخاري، فيمكنُ أن تكونَ الأَرَضُون فيه سَبْعًا، كالسَّموات، ويمكن أن تكون
سَبْع طبقاتٍ، كلّ طبقة منها سُميت أرضًا، وقد ثبت اليوم عند ما هِري عِلْم الطبقات أن لها طبقاتٍ.
فذكروا أنَّ هذه الأَريضة إلى ستةٍ وثلاثينَ ميلًا فقط، وبعدها غاز. ونعوذُ بالله أَنْ نقفو ما ليس لنا به
عِلْم. وأما مَنْ أراد به الأقاليمَ السَّبْعةَ فباطِلٌ قَطْعًا. وأجاب عنه بَعْضُهم أنه يمكنُ أن يكون المرادُ منه
السَّبْعَ السياراتِ، وقد شاهدوا اليوم فيها جبالًا، وبحارًا، وقناطر، وأُناسًا، وهم بصدد المكالمة
معهم، وقالوا: إنَّ هذه الأرضَ في نظر سُكانِ القمر، كالقمر في نظر سُكَّان الأَرْض؛ وحينئذٍ يستقيمُ
عددُ السَّبع، بل يزيدُ عليه على تحقيقهم، ولا بأس فإِنَّ الشَّرْع لم يَنْف ما فوقه(٣) .
(١) وقد تعرض إليه في ((آكام المرجان)) شيئًا، قال بعد نَقْل الحديث المذكور: قال شيخُنا الذهبيُّ: هذا حديث على
شَرْط البخاري، ومسلم رجاله أئمة، اهـ ((آكام المرجان)).
(٢) ومن ههنا ظهر أن الشيخَ لم يجزم إلا بوجودِ العوالم التي ورد بها السمع: نعم قد جزم بتعدُّد الوجوداتِ لشيءٍ
واحد، فإِنه أيضًا ثَبَت من الأحاديث، كما مرَّت شواهِدهُ في غيرِ واحدٍ من المواضع من هذا التقرير. أما كونُ تلك
العوالِم سَبْعة، فإِنما هو اعتبارٌ منه على نحو اعتبار أرباب الحقائق، تمشيةً للمقام؛ فلذا فَوَّضه إلى الناظر، وهذا هو
الحق، فإِن عددَ العوالم مما لا يدخلُ فيه القياس، فلا بدَّ له مِن دليل من جهةِ الشَّرْع ليجزم به، ومَنْ لا يمعن النَّظَر
في مثل هذه المواضع يأخذ، ويعترض، وينكر، فافهم، وقد مرَّ في ((باب العلم والعظة من كتاب العلم)).
(٣) قلت: والشيخُ لم يُرِد به التطبيقَ بين الشريعة، وما عندهم مِن مشاهداتهم، كيف! وأنَّهم يثبتون شيئًا اليوم، ثم
ينكرونه غدًا؛ فهل يتبدَّل من ذلك إخبار الشَّرْع أيضًا؟ كلا، لا تبديلَ لكلمات الله، إنما أراد بذلك أنه ليس لإِنكار
ما ثبت عند الشرع وَجْهٌ، فإِنَّه إذا ثبت نَحْوُه عندهم أيضًا: فلو ساغ لهم تَسْلِيمُه بعد مشاهدةِ أَعْينَهم لساغ لنا أن
نؤمن بما شاهدته أعينُ الرسل، أو أخبر به خالقٌ السمواتِ والأَرْضين؛ نعم لو حَصَل التطبيقُ فلا بأس أيضًا، فإِنه
يكونُ تشييدًا لمشاهدتهم من جهة الشرع، لا أنه تَحْصُل قوةٌ في إخبار الشَّرْع، من بعد مشاهدتهم، والعياذ بالله،
ومَنْ أَصدقُ مِن الله حديثًا؟!

٦١١
كتاب المظالم
١٦ - بابُ إِثْمٍ مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ
٢٤٥٨ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قالَ: أَخْبَرَنِي عُزَوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: أَنَّ زَينَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَّمَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ
سَلَّمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجَ النَّبِّ ◌ََّ أَخْبَرَتْهَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهَ: أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةٌ
بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ
يَكُوَنَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ، فَأَقْضِيَ لَهُ بِذلِكَ، فَمَنْ قَضَيتُ لَّهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ،
فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلَيَأْخُذْهَا أَوْ فَلَيَتْرُكْهَا)). [الحديث ٢٤٥٨ - أطرافه في: ٢٦٨٠، ٦٩٦٧،
٧١٦٩، ٧١٨١، ٧١٨٥].
٢٤٥٨ - قوله: (فَمَن قَضَيْتُ له بِحَقِّ مُسْلِمٍ فإنَّما هي قِطعةٌ من النَّارِ) قال الحنفيةُ: إنّ قضاءً
القاضي إذا كان في العقود والفسوخ، لا في الأملاكِ المرسلة، والمحلّ يكونُ قابلًا للإِنشاءِ،
يَنْفُذُ ظاهرًا وباطنًا، وأَورِد عليهم حديثُ الباب، فإِنَّه لو نَفَذَ باطنًا أيضًا لما وَصَفه النبيُّ ◌َ
بالنار.
قلت: وهذا وَصْفٌ لا حُكْمِ، ويمكن أن يكون شيءٌ يوصَفُ بالنارية، ثم لا يدخل صاحِبُه
في النار، كالسؤال، فإِنَّه شيءٌ يترتَّب عليه النار، ثم لا يلزمُ أن یکون كلُّ سؤال كذلك، بل قد
يتخلَّف عنه لعارض. فإِنه يَصُّ وَصْفُ الشيء بحال الجِنْس أيضًا، وإذن لا يلزمُ تحقُّقه في
الأفراد كلِّها، وتحقُّقه في البعض يصح وَصْفُه به باعتبار الجنس. وهو المَلْحظُ في قولهِ وَّ:
((فإِنَّه لا صلاةَ لِمِنْ لم يقرأ بفاتحة الكتاب))، فهذا وَصْفٌ في الفاتحة لا حُكْم بالوجوب على
المقتدي في الحالة الراهنة. وسيجيء تفصيلُه في موضعه إن شاء الله تعالى.
١٧ - بابٌ إِذَا خاصَمَ فَجَرَ
٢٤٥٩ - حدّثنا بِشْرُ بْنُ خالِدٍ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيمَانَ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوَقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍوٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ وَّ قالَ:
((أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كانَ مُنَافِقًا، أَوْ كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِن أَرْبَعَةٍ، كانَتْ فِيهِ خَصْلَّةٌ مِنَ النِّفَاقِ
حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خاصَمَ فَجَرَ)).
[طرفه في: ٣٤].
١٨ - بابُ قِصَاصِ المَظْلُومِ إِذَا وَجَدَ مَالَ ظَالِمِهِ
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: يُقَاصُّهُ، وَقَرَأَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٍ﴾ [النحل:
١٢٦ ].
٢٤٦٠ - حدّثنا أبو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ: أَنَّ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: جاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةً فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ

٦١٢
كتاب المظالم
رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَل عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيالَنَا؟ فَقَالَ: ((لَا حَرَجَ عَلَيكِ أَنْ
تُطْعِمِيهِمْ بِالمَعْرُوفِ)). [طرفه في: ٢٢١١].
٢٤٦١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ قالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ، عَنْ أَبِي
الخَيرِ، عَنِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قُلنا لِلنَّبِّ ◌َِّ: إِنَّكَ تَبْعَثْنَا، فَنَنْزِلُ بِقَوْم لَا يَقْرُونَا، فَمَا
تَرِى فِيهِ؟ فَقَالَ لَنَا: ((إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ، فَأُمِرَ لَّكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلصَّيفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا،
فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيفِ)). [الحديثَ ٢٤٦١ - طرفه في: ٦١٣٧].
وهذه المسألةُ تسمَّى في الفِقْه بمسألة الظَّفَر؛ وحاصِلُها أنه إذا كانَ له حقُّ على آخرَ
فماطله، ولم يُؤَدِّ إليه، فلصاحِب الحقِّ أن يأخُذَ عينَ ماله إن ظُفِر به، أو جِنْسه، وليس له أن
يأخذَ من أيِّ أمواله شاء، وهذا عندنا، وعمَّمه الشافعية. وأفتى المتأخرون منا بمذهب الشافعية،
لظهور سوء الديانة، والتواني في أحكام الإِسلام، فعسى أن لا يجد جِنْسَ مالِهِ، فینوی حَقَّه.
٢٤٦٠ - قوله: (لا حَرَجَ عَلَيْكِ أن تُظْعِمِيهم) .. الخ. وهذا الحديث خفيٍّ في الترجمة،
فإِنَّها آخِذةٌ من عينٍ حَقِّها، لا أنها قِصاصٌ، والترجمة فيما إذا تَلِف حَقُّه، فله أن يقتصَّ من مالٍ
المظلوم، أما الأَخْذَ بحقوقِ نفسه، كنفَقةِ الزوجة على الزوج، فليس من القصاص في شيءٍ.
وتكلم عليه النوويُّ في ((شرح مسلم)) أنه قضاءً، أو ديانةً، فإِن كان الأَوَّل اقتصر على القاضي،
وإن كان الثاني صحَّ لكلِّ مفتي أن يُفْتي به. وهذا ما قلنا: إنَّ الفَرْق بين القضاء والديانة دائرٌ بين
المذاهب الأخر أيضًا.
٢٤٦١ - قوله: (فإِنْ لم يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهم حَقَّ الضَّيف) ... الخ. نعم، وهذا أَوْضَحُ في
ترجمة المصنِّف، واختلف الناسُ في تخريج هذا الحُكم، فقيل: إنَّه محمولٌ على حال
المخْمَصَة؛ وقيل: كانت الضِّيافةُ فيهم عُرْفًا عامًّا يومئذ، وقيل: كان النبيُّ مَّ عاهَدهم على ذلك
أن لا يَمُرَّ عليهم عَسْكَرٌ من المسلمين، إلا أن يُضيِّفُوه، كما يُعْلم من كُتُب النبيِّ وَّرِ، أخرجها
الزَّيلَعي في آخر المجلد الرابع، ولكن كونُ كلِّ مَنْ يمرُّ عليهم من أهل الذِّمَّة بعيدٌ(١). فالظاهرُ أَنْ
یُجاب بالعُرْف.
١٩ - بابُ ما جاءَ في السَّقَائِفِ
وَجَلَسَ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَأَصْحَابُهُ فِي سَقِيفَةٍ بَنِي سَاعِدَةً.
٢٤٦٢ - حدّثنا يَحْيى بْنُ سُلَيمانَ قالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قالَ: حَدَّثَني مالِكٌ، ح.
وَأَخْبَرَنِي يُونسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ: أَنَّ ابْنَ
(١) قلت: نقل في ((المرقاة)) نحوه عن محيي السنة، وعن أسلم أن عمر بن الخطاب ضرب الجزية على أهل الذهب
أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهماً، مع ذلك أرزاق المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام، رواه مالك، وحمله
في ((المعتصر)) على حال الجوع، وقرره: ص٤٢٢.

٦١٣
كتاب المظالم
عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قالَ حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ بِهِ: إِنَّ الأَنْصَارَ اجْتَمَعُوا
في سَّقِيفَةٍ بَنِي سَاعِدَةَ، فَقُلتُ لأَبِي بَكْر: انْطَلِقْ بِنَا، فَجِئْنَاهُمْ في سَقِيفَةٍ بَنِي سَاعِدَةً.
[الحديث ٢٤٦٢ - أطرافه فى: ٣٤٤٥، ٣٩٢٨، ٤٠٢١، ٦٨٢٩، ٦٨٣٠، ٧٣٢٣].
٢٤٦٢ - قوله: (سَقِيفَة) جويال، ولا حاجةَ فيها إلى الإِجازة، لكونها أُعِدَّت لمصالح
العامَّةِ عُرْفًا .
٢٠ - بابٌ لاَ يَمْنَعُ جارٌ جارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةَ في جِدَارِهِ
٢٤٦٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قالَ: ((لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشِّبَةً في
جِدَارِهِ)). ثُمَّ يَقُولُ أَبو هُرَيْرَةَ: ما لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللَّهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ.
[الحديث ٢٤٦٣ - طرفاه في: ٥٦٢٧، ٥٦٢٨].
وهذه ديانةٌ لا قضاء.
٢٤٦٣ - قوله: (واللهِ لأَرمِيَّنَّ بها بين أَكْتَافِكْم) أي الخَشَبة، وقد بالغ فيه أبو هريرة(١)
أشدَّ المُبالغة، ومِثْلُ هذه المبالغات قد تجري في المُسْتحِبات في بعض الأحوال. وراجعٌ
((الخَيْرات الحسان)) أنَّ رَجُلًا أرادَ أن يَنْقُبَ في جدارِهِ كَوَّةٌ، فمنعه جارُه، فذهب إلى ابن أبي
ليلى، فلم يُفْتِ بما كان يريدُه، ثُمَّ رَجَع السائلُ إلى أبي حنيفة، فأفتاه على ما كان عنده، إلى
آخِرِ القِصَّة.
٢١ - بابُ(٢) صَبِّ الخَمْرِ في الطَّرِيقِ
٢٤٦٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم أَبو يحيى: أَخْبَرَنَا عَفَّانُ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
زَيدٍ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلحَةَ، وَكانَ
خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذِ الفَضِيخَ، فَأَمِّرَ رَسُولُ اللّهِ نَّهِ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَاَّ إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قالَ:
فَقَالَ لِي أَبُو طَلحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِفْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ، فَقَالَ
بَعْضُ القَوْمِ: قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهيَ في بُطُونِهِمْ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ جُنَاتَ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ الآية [المائدة: ٩٣]. [الحديث ٢٤٦٤ - أطرافه في: ٤٦١٧، ٤٦٢٠، ٥٥٨٠،
٥٥٨٢، ٥٥٨٣، ٥٥٨٤، ٥٦٠٠، ٥٦٢٢، ٧٢٥٣].
(١) ووقع ذلك من أبي هريرة حين كان يلي إمرة المدينة لمروان، قاله العيني: ص١٢٩ - ج٦.
(٢) قال ابن التين هذا الذي في الحديث كان في أول الإسلام، قبل أن ترتب الأشياء، وتنظف، فأما الآن، فلا ينبغي
صب النجاسات في الطريق، خوفاً أن تؤذي المسلمين، وقد منع سحنون أن يصب الماء من بئر وقعت فيه فأرة في
الطريق، اهـ: ص ١٣٠ - ج٦ ((عمد القاري)).
٦

٦١٤
كتاب المظالم
يعني أنَّ الطريقَ ليس بملْكِ أَحَدٍ، فله أن يَصُبَّ فيه الخَمرَ. قوله: (الفَضِيخَ) شرابٌ يَتَّخَذ
من عصير البُسْر حتى يَشْتَدَّ، بدون أن تَمَسَّه النَّارُ والاشتدَادُ في الهندية: "اتهـ جانا جيسى كهتى
هین اجار اتھ کیا" .
٢٢ - بابُ أَفْنِيَةِ الدُّورِ وَالجُلُوسِ فِيهَا وَالجُلُوسِ عَلَى الصُّعُدَاتِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَابْتَنِى أَبو بَكْرٍ مَسْجِدًا بِفِنَاءٍ دَارِهِ، يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَتَقَصَّفُ
عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُوْنَ مِنْهُ، وَالنَّبِيُّ وَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ.
٢٤٦٥ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ: حَدَّثَنَا أَبو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيسَرَةَ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ،
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قالَ: ((إِيَّاكُمْ
وَالجُلُوسَ عَلَى الطَّرُقاتِ)). فَقَالُوا: ما لَنَا بُدُّ، إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ: ((فَإِذَا
أَبَيْتُمْ إِلَّ المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا)). قالُوا: وَما حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قالَ: ((غَضُّ الْبَصَرِ،
وَكَفُّ الأَذِى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌّ عَنِ المُنْكَرِ)). [الحديث ٢٤٦٥ - طرفه في:
٦٢٢٩].
وفي الهندية: "آنكن" .
قوله: (والصَّعَدات) أي الظُّرُقات، يقول: إنَّ هذه الأشياءَ أيضًا مِن حقوقه العامَّة، وله أن
يَفْعل فيه ما ذكره، ما لم تتضرر به العامَّة.
٢٣ - بابُ الآبارِ التي عَلَى الطُّرقِ إِذَا لَمْ يُتَأَذَّ بِهَا
٢٤٦٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي
صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَلَقَالَ: ((بَيْنَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ،
اشْتَدَّ عَلَيهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِثْرًا فَنَزَلَ فِيهَا، فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلبٌ يَلهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَّى
مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هذا الكَلِبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ
الِثْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ ماءً، فَسَقَى الكَلبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ)). قالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا
في البَهَائِمِ لأَجْرًا؟ فَقَالَ: ((في كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَظْبَةٍ أَجْرٌ)). [طرفه في: ١٧٣].
والمرادُ من الطريق أَرْضٌ ليس لها مالكٌ، وكانت مباحةَ الأَصْل.
٢٤٦٦ - قوله: (في كُلِّ ذات كبدٍ رَظْبةٍ أَجْرٌ) دلَّ على أنَّ في الإِنفاقِ على الكافرِ أيضًا
أجرًا .
٢٤ - بابُ إِماطَةِ الأَذَى
وَقَالَ هَمَّامٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهُ: ((يُمِيطُ الأَذَى عَنِ
الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)) .

٦١٥
كتاب المظالم
٢٥ - بابُ الغُرْفَةِ وَالعُلِّيَّةِ المُشْرِفَةِ وَغَيرِ المُشْرِفَةِ
في السُّطُوحِ وَغَيرِهَا
٢٤٦٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محَمَّدٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَينَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ
أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ نَّهَ عَلَى أُظُم مِنَ آَطَام المَدِينَةِ، ثُمَّ
قالَ: ((هَل تَرَوْنَ ما أَرَى؟ إِنِّي أَرَى مَوَاقِعَ الفِتَنِ خِلالَ بُيُوتِكُمْ كَمَّوَاقِعِ القَظَرِ)). [طرفه في:
١٨٧٨].
ولعله كان بينهما فَرْقٌ عندهم، ولم ندرِكُه كما هو، لكونه يتعلَّق بالمشاهدةِ، وهذه الفروقُ
يتعذَّرُ إدراكها بدون المشاهدةِ، فلا تُتْعِب فيها نفسك.
قوله: (المُشْرِفَة) "جس سى نكاه برسكى اورون بر"، وهي الغُرْفة التي يمكنُ الاطلاعُ منها
على النَّاسِ.
قوله: (في السُّطُوح)، والسطح السَّقف، فهذه أوصافٌ متغايرةٌ، وإن اجتمعت في
مَوْصوفٍ.
٢٤٦٧ - قوله: (أُظُم) وترجمته: "كوث" .
قوله: (هل تَرَوْنَ ما أَرَى؟) ... الخ، وهذا الذي قلت: إن للشيءٍ وجودًا قَبْل ظُهورِه في
هذا العالم أيضًا. فالفِتنُ التي رآها النبيُّ وَِّ تقطر خلالَ بيوتهم لم تكن في زَمَنِهِ، ولكنَّه ◌َِّ رآها
بِنَحْوِ وُجُودِها قبل ظهورها .
٢٤٦٨ - حدّثنا يَحْيىِ بْنُ بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ قالَ:
أَخْبَرَنِي عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِيَ ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَّا قَالَ:
لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ غَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ المَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وََّ،
اللَّتَينِ قالَ اللَّهُ لَهُمَا: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. فَحَجَجْتُ مَعَه،
فَعَدَلَ وَعَدَلتُ مَعَهُ بِالإِدَاوَةِ، فَتَبَرَّزَ، حَتَّى جاءَ فَسَكَبْتُ عَلَى بَدَيهِ مِنَ الإِدَاوَةِ فَتَوَضَّأَ،
فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَنِ المَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ◌َّهِ، اللَّتَانِ قالَ لَهُمَا: ﴿إِن نَنُوَيَاً.
إِلَى الَِّ﴾؟ فَقَالَ: وَاعَجَبِي لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، عَائِّشَةُ وَحَفِصَةُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ الحَدِيثَ
يَسُوقُهُ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ وَجارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ في بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيدٍ، وَهيَ مِنْ عَوَالِي
المَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبِ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ، فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلتُ جِئْتُهُ مِنْ
خَبَرِ ذلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الأَمْرِ وَغَيرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَهُ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا
قَدِمَنَا عَلَى الأَنْصَارِ إِذَاَ هُمْ قَّوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءٍ
الأَنْصَارِ، فَصِحْتُ عَلَى امْرَأَتِي فَرَاجَعَتِنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ: وَلِمَ تُنَّكِرُ أَنْ
أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ◌ََّ لَيُرَاجِعْنَهُ، وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيلِ.
فَأَفْزَعَنِي، فَقُلتُ: خابَتْ مَنْ فَعَلَ مِنْهُنَّ بِعَظِيمٍ، ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي فَدَخَلتُ عَلَى

٦١٦
كتاب المظالم
حَفْصَةَ، فَقُلتُ: أَي حَفِصَةُ، أَتْغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ:
نَعَمْ، فَقُلتُ: خَابَتْ وَخَسِرَتْ، أَفَتَأْمَنُ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِ رَسُولِهِ بََّ فَتَهْلِكِينَ؟ لَا
تَسْتَكْثِرِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيءٍ وَلَا تَهْجُرِيهِ، وَاسْأَلِيْنِي مَا بَدَا لَكِ،
وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كانَتْ جارَتُكَ هِيَ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُوَلِ اللَّهِ نَّه ◌ِ يُرِيدُ عَائِشَةَ.
وَكُنَّا تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ النِّعَالَ لِغَزْوِنَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَرَجَعَ عِشَاءً، فَضَرَبَ
بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَنَائِمٌ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ، فَخَرَجْتُ إِلَيهِ، وَقالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ،
قُلتُ: ما هُوَ أَجاءَتْ غَسَّانُ؟ قالَ: لَا، بَلَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَظْوَلُ، طَلَّقَ رَسُولُ اللّهِ بَلَ نِسَاءَهُ،
قالَ: قَدْ خابَتْ حَفصَةُ وَخَسِرَتْ، كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هذا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ، فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي
فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الفَجْرِ مَع النَّبِيِّ بَّهِ، فَدَخَلَ مَشْرُبَةً لَهُ فَاعْتَزَلَ فِيهَا، فَدَخَلتُ عَلَى خَفْصَةً،
فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، قُلتُ: ما يُبْكِيكِ؟ أَوَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ؟ أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ؟ قَالَتْ: لَا
أَدْرِي، هُوَ ذَا في المَشْرُبَةِ، فَخَرَجْتُ فَجِئْتُ المِنْبَرَ، فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ،
فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبنِي ما أَجِدُ، فَجِئْتُ المَشْرُبَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا، فَقلتُ لِغُلَامِ لَهُ
أَسْوَدَ: اسْتَأْذِن لِعُمَرَ، فَدَخَلَ فَكَلَّمَ النَّبِيَّ وَِّّهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتُ،
فَانْصَرَفتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أَجِدُ فَجِئْتُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ،
فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ الغُلَامَ، فَقلتُ: اسْتَأْذِنْ
لِعُمَرَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ مُنْصَرِفَا فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي، قَالَ: أَذِنَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ﴾
فَدَخَلتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَّى رِمالٍ حَصِيرٍ، لَيسَ بَيْنَهُ وَبَينَهُ فِرَاشٌ، قَدْ أَّرَ الرِّمالُ
بِجَنْبِهِ وَِّ، مُتَّكِىءٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَم، حَشْوُهَا لِيَفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ، ثُمَّ قُلتُ وَأَنَا قَائِمٌ:
طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: ((لَا)). ثُمَّ قُلتُ وَأَنَا قائِمٌ أَسْتَأْنِسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى قَوْم تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَذَكَرَهُ،
فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ بَّهِ، ثُمَّ قُلتُ: لَوْ رَأَيْتَنِي وَدَخَلتُ عَلَى حَفصَةَ فَقُلتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كانَتْ
جَارَتُكِ هِيَ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ-ِ يُرِيدُ عَائِشَةَ - فَتَبَسَّمَ أُخْرَى، فَجَلَسْتُ حِينَ
رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ البَصَرَ، غَيرَ أَهَبَةٍ
ثَلَاثَةٍ، فَقُلتُ: ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَّى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فارِسَ وَالرُّومَ وُسِّعَ عَلَيهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيا،
وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَكان مُتَّكِثًا، فَقَالَ: ((أَوَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟ أُولِئِكَ قَوْمٌ
عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّاتُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا)). فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي، فَاغْتَزَلَ النَّبِيُّ ◌َ
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ الحَدِيثِ حِينَ أَفشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ، وَكَانَ قَدْ قالَ: ما أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيهِنَّ
شَهْرًا، مِنْ شِدَّةِ مَوْجَدَتِهِ عَلَيهِنَّ حِينَ عاتَبَهُ اللَّهُ، فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، دَخَلَ عَلَى
عَائِشَةَ فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّا أَصْبَحْنَا
لِتَسْعِ وَعِشْرِينَ لَيلَةً أَعُدُّهَا عَذَّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرونَ)) وَكَانَ ذلِكَ الشَّهْرُ

٦١٧
كتاب المظالم
تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْبِيرِ، فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ، فَقَالَ: ((إِنِّي ذَاكِرٌ
لَكِ أَمْرًا، وَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِيَ حَتَّى تَسْتَأْمِرِيَ أَبَوَيكِ)). قالَتْ: قَدْ أَعْلَمُ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ
يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِكَ، ثُمَّ قالَ: ((إِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿بَتُهَا النَِّىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ:
﴿عَظِيمًا﴾)) [الأحزاب: ٢٨ -٢٩]. قُلتُ: أَفِي هذا أَسْتَأُمِرُ أَبَوَيَّ؟! فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَالدَّارَ الآخِرَةَ، ثُمَّ خَيَّرِ نِسَاءَهُ، فَقُلنَ مِثْلَ ما قالَتْ عَائِشَةُ. [طرفه في: ٨٩].
٢٤٦٨ - قوله: (فَعَدَل وعَدَلْتُ معه) ... الخ، وكان يذهبُ إلى المدينةِ.
قوله: (أفتأمَنُ أنْ يَغْضَبَ اللهُ لِغَضَبِ رَسُوله) فيه أنَّ غضبَ الله غيرُ غَضَبِ الرَّسُول ◌َ(١) .
قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] أي مالت عن الحقِّ.
قوله: (فَنْزِلُ يومًا وأَنزِلُ)، تفسير للتناوب، وهذا مفيدٌ للحنفيةِ في باب الجمعة، وقد عَلِمته
فيما مرّ.
قوله: (فَصَلَّيْتُ صلاةَ الفَجْرِ مَع رسول الله ◌ِّهِ) ... ، وهذا يَرُدَّ ما اختارَه الحافِظُ أن
قِصَّةَ السقوط عن الفَرَس، وقصة الإيلاء كانتا في سنة واحدة، كيف! وأن قصة الإيلاء كانت
في التاسعة، أما قصة السقوط عن الفرس فكانت في الخامسة، وإنما جمع الرَّاوي بينهما لكونِ
النبيِّ وَِّ جلس فيهما على المَشْرُبة، لا لكونهما في سنةٍ واحدة، كما زعمه الحافظ. وذلك
لأنَّه صلى الفَجْرَ مع الصحابةِ في قِصَّة الإِيلاء، بخلاف قِصَّة السُّقوط، فإِنَّه كان شاكٍ لم يكن
يَقْدِر أن ينزل من المَشْرُبة، فَضْلًا أن يصلِّي بهم. فدلَّ على التغايُرِ قَطْعًا، كيف! وأن قوله:
((فإِذا قرأ فأنصتوا))، ليس في الأحاديثِ الائتمام التي وردت في قصة السقوط، لأنَّ الدعامة
فيها تعليمُ اتحادٍ شاكلةِ الإِمام والمقتدي دون مسألة القراءة، فلم يتعرَّض لها؛ وإنَّما هو في
الأحاديث التي صدرت عنه في السَّنةِ السابعة، وهي لتعليم صِفةِ الصلاة؛ وما على المأمومِ مِن
جهةٍ إمامه .
ومَنْ لم يتنبَّه لتغايُرِ السِّياقَيْن، ثُم لم ينظر قِطعة الإِنصاتِ في أحاديث السقوط، ظَنَّ أنَّها
وَهْم في أحاديث الائتمام مطلقًا، وليس كذلك. بل هما نوعان وردا في وقتين، وإن اشتركا في
بعض الألفاظ، هذا هو الرأي فيه إن شاء الله تعالى، وقد ذكرناه من قبل مُفصّلًا. وراجع لتفصيله
رسالتي ((فصل الخطاب))، فإِنَّه مهم سها فيه مِثل الحفاظ .
ثم اختلفت الرواياتُ في سَببِ الإِيلاء، ففي بعضِها قِصَّةُ العسل، وفي بعضها قصَّةُ قُربان
(١) قلت: ولعله أومأ بذلك إلى ما اشتهر من البحث في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إن إطاعة الله غير إطاعة
الرسول، أو عينه، فنبه على المغايرة بين الغضب والغضب، فهكذا الإطاعة أيضاً، ثم إنهما نظران، لا أنه خلاف
في مسألة، والنظران صحيحان باعتبار!؟ والله تعالى أعلم بالصواب.

٦١٨
كتاب المظالم
مارَّيه؛ وفي بعضِها مراجعةُ نسائهنَّهَ في أمر النَّفقة، فقال العلماءُ: إنّها كلَّها متقاربةٌ، ونزل
الإِيلاء بعدها كلها، ثم إن هذا الإِيلاء لغويٌّ، فهل تجوزُ المهاجرةُ مِثْلُه؟ فصرَّح ابن الهُمام في
((الفتح)) أنه جائزٌ، وِالكلام على جملةِ هذه الأجزاء مرَّ مفصّلًا؛ وإنما المقصودُ الآن التنبيهُ على
أنَّ النبيَّ ◌َُّ قد صلَّى الفَجْر في تلك القصة، ومع ذلك زعم الحافِظُ أنَّ قِصَّة السقوط والإِيلاء
واحدةٌ .
٢٤٦٩ - حدّثنا ابْنُ سَلام: حَدَّثَنَا الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيدِ الطَِّيلِ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ قالَ: آلَى رَسُولُ اللَّهِ بَه مِّنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ قَدَمُهُ، فَجَلَسَ فَي عُلِّيَّةٍ لَهُ،
فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قالَ: ((لَا، وَلكِنِّي أَلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا)). فَمَكُثَ تِسْعًا
وَعِشْرِينَ ثُمَّ نَزَلَ، فَدَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ. [طرفه في : ٣٧٨].
٢٤٦٩ - قوله: (الرِّمال) " حتائى كانانا ابهرا هو تاهى" أي وإنما أثّرت فيه لُحْمة الحَصِير
لكونها مرتفعةً .
قوله: (فَأُنْزَنْتَ آيَةُ التخيير) ... الخ وفهمت منها أنَّ الغرض منه الإِيذانُ بالتهيؤ للفَقْرِ
والفَاقة، إن أَرَدْنَ الآخرة، وإن أَرَدْن الدنيا فاللهُ يتكفَّلُ بهن. ويُوسع عليهن، وفيه إيماءٌ إلى أنَّ
تحريمَ النِّكاح بعد النبي ◌ََّ اندرج في مفهوم التخيير، فإِنهنَّ إذا اخترن الآخرةُ مرةً، لم يَبْق لهنَّ
اختيارٌ بَعْدَه في ترجيح الدنيا، وإنما فَهِمْت هذا من الشيخ عبد الرؤوف المُنَاوي في ((شرح
الجامع الصغير)) وهو تلميذُ للسُّيوطي، وَفي ((التوراة)) أنَّ المرأة تكونُ زوجةً لآخِر الزوجين في
الجنة، فناسب التحريم. وفي ((بستان أبي جعفر)) أنَّها تكونُ للأفضل منهما، وقيل: للأخير،
فاعلمه .
قوله: {لَا تَعْجَلي حتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكٍ) ... الخ، وفيه أنَّ النبيَّ ◌َّ لو أَضْمر في نَفْسِه
الترجيح لأحد الجانبين مع تبليغ ما أنزل إليه من التخيوفي ((بستان أبي جعفر)) أنَّها تكونُ للأفضل
منهما، وقيل: للأخير، فاعلمه.
٢٦ - بابُ مَنْ عَقَلَ بَعِيرَهُ عَلَى البَلاَطِ أَوْ بَابِ المَسْجِدِ
٢٤٧٠ - حدّثنا مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا أَبو عَقِيلٍ: حَدَّثَنَا أَبو المُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ قالَ: أَتَيتُ
جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: دَخَلِّ النَّبِيُّ ◌َـَ المَسْجِدَ، فَدَخَلتُ إِليهِ، وَعَقَلتُ
الجَمَلَ في نَاحِيَةِ الْبَلَاطِ، فَقُلتُ: هذا جَمَلُكَ، فَخَرَجَ فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالجَمَلِ، قالَ: ((الثَّمَنُ
وَالجَمَلُ لَّكَ)). [طرفه في: ٤٤٣].
كانت حجارةً مفروشةً من المسجدِ إلى السوق، تُسمَّى بالبلاط، وكان العَقْل فيه انتفاعًا
بأرضٍ غير مملوكةٍ .
٢٤٧٠ - قوله: (وعَقَلْتُ البعير في ناحيةِ البلاطِ) وهذا صريحٌ في أن عَقْل البعيرِ كان خارجَ
المسجد، وقد أدَّاه الراوي مرةً بما يُوهِم عَقْله في المسجد.

٦١٩
كتاب المظالم
٢٧ - بابُ الوُقُوفِ وَالبَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةٍ قَوْمٍ
٢٤٧١ - حذّثْنَا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ
حُذَيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ مَّهِ، أَوْ قَالَ: لَقَدْ أَتَى النَّبِيُّ ◌َّرَ سُبَاطَةً
قَوْمٍ، فَبَالَ قائمًا. [طرفه في: ٢٢٤].
٢٨ - بابٌ مَنْ أَخَذَ الغُصْنَ وَما يُؤْذِي النَّاسَ في الطَّرِيقِ، فَرَمی بِهِ
٢٤٧٢ - حذَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((بَينَما رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَّ غُصْنَ
شَوْكٍ فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ)). [طرفه في: ٦٥٢].
٢٩ - باب إِذَا اخْتَلَفُوا في الطَّرِيقِ المِيتَاءِ،
وَهِيَ الرَّحْبَةُ تَكُونُ بَيْنَ الطَّرِيقِ، ثُمَّ يُرِيدُ أَهْلُّهَا البُنْيَانَ،
فَتُرِكَ مِنْهَا لِلطَّرِيقِ سَبْعَةُ أَذْرُعِ
٢٤٧٣ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ، عَنِ الزُّبَيرِ بْنِ خِرِّیتٍ،
عَنْ عِكْرِمَةَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَضى النَّبِيُّ ◌َل ◌َهِ: إِذَا تَشَاجَرُوا في
الطّرِيقِ الْمِيتَاءِ بِسَبْعَةٍ أَذْرُعِ .
والمِيتاءِ مفْعال من الإِتيان لا مِن الموت، والمعنى أن يَكْثُر فيه الإِتیان.
قوله: (إذا اختُوا) أي اختلف الشركاءُ في الطريق الذي يَكْثُر فيه الإِيابُ والذَّهابُ.
قوله: (الرَّحْبَةُ) ... الخ، وهي الأرضُ الخاليةُ من العُمْران، وكانت عند الطريق حسب
الاتفاق، فأراد المالكون أن يَبْنُوا فيها شيئًا .
قوله: (قَتْرِكِ منها الطريق سَبْعَة أفْرُعَ)، واعلم أني ما كنت أَفْقَه سِرَّ قضاء النبيِّي ◌ِّ بسبعةِ
أُذْرُع عند تشاجرهم في الطريق، فإِنَّ الطريقَ قد يكون بذراع وذِراعين أيضًا، فما معنى التخصِيص
بالسبعة؟ ثم فَهِمت مراده من ((مُشْكِل الآثار)) للطحاوي؛ فَحقَّق أن الحديثَ في الطريق الجديد
الذي هم بصدد تحديده، أما القديم فهو على ما كان من ذراع أو ذِرَاعَيْن، فمعنى قول البخاري:
((وهي الرَّحْبَة تكون بين الطريق)) .. الخ، يعني ((اب اس مين سى راسته نكالنا برا)).
والبخاريُّ أيضًا يريدُ الطريقَ المُحْدث، دون القديم، قال الحنفية: إن طولَ الطريق غير
محصورٍ، وعَرْضَه بِقَدْر عَرْض الباب، وارتفاعَه قَدْر ارتفاعه؛ ولا يَرِدُ علينا الحديثُ في العَرْضِ،
فإِنَّ ذلك عند المصالحة.
٣٠ - بابُ النُّهْبَى بِغَيرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ
وَقَالَ عُبَادَةُ: بَايَعْنَا النَّبِيَّ وَِّ أَنْ لَا نَنْتَهِبَ.

٦٢٠
كتاب المظالم
٢٤٧٤ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ: سَمِعْتُ عَبْدَ
اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِيَّ، وَهُوَ جَدُّهُ أَبْو أُمِّهِ، قالَ: نَهى النَّبِيُّ وَّه ◌َعَنِ النُّهْبَى وَالمُثْلَةِ.
[الحديث ٢٤٧٤ - طرفه في: ٥٥١٦].
٢٤٧٥ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيرِ قالَ: حَدَّثَنَي اللَّيْثُ: حَدَّثَنَا عُقَيلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنَّ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((لَا
يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَّا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ
حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ، حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ
مُؤْمِنٌ)). وَعَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ: مِثْلَهُ، إِلَّ الُّهَبَةَ. قالَ
الفِرَبْرِيُّ: وجَدْتُ بِخَطّ أَبِي جَعْفَرٍ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: تَفسِيرُهُ: أَنْ يُنْزَعَ مِنْهُ، يُرِيدُ
الإِيمانَ. [الحديث ٢٤٧٥ - أطرافه في: ٥٥٧٨، ٦٧٧٢، ٦٨١٠].
٢٤٧٥ - قوله: (تَفْسِيرُهُ أَنْ يُنْزَعَ منه، يريد الايمان)، واعلم أنَّه قد وَرَد فيه عن ابن عباس
تَشْبِیھان:
الأول: تشبيهُ الإِيمانِ بالظلة، وفي رواية أخرى: أنه شبك بين أصابعه، ثم فَصَلَها، فَهُمَّا
حُكمان مستقلان، لا ينبغي الخَلْطُ بينهما، فإِنَّهُ يُفْضي إلى الغَلط. وفي الترمذي: أنَّ ((البخاريُ
سُئل عن جَدِّ عَدِيّ بن ثابت، فلم يعرفه، قلت: وهو عبد ((الله)) بن يزيد الأنصاري، كما ترى في
هذا الإسناد؛ حدثنا عَدِيُّ بنُ ثابت: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري، وهو جَدُّه أبو أُمه،
الخ.
٣١ - باب كَسْرِ الصَّلِيبٍ وَقَتْلِ الخِنْزِيرِ
٢٤٧٦ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا الِزُّهْرِيُّ قالَ: أَخْبَرَنِي
سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّ قالَ: ((لَا تَقُومُ
السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ
الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ)). [طرفه في: ٢٢٢٢].
قلت: لا غَرْو أن يكونَ كَسْرَه الصليبَ بعد النزول، كَكَسر النبيِّ وَّرِ الأصنامَ في فَتْح مكة،
وكذا يمكنُ أن يكون وَضْعُ الجزيةِ ناظرًا إلى مَنْصِب التشريع، أي ترك النبيُّ وَُّ هذا الجزءً
أُنموذجًا له. وفَوَّضَه إليه بأَمْرِه، ليتولَّاه هو بنفسه.
٣٢ - بابٌ هَل تُكْسَرُ الدِّنَانُ الَّتِي فِيهَا الخَمْرُ، أَوْ تُخَرَّقُ الزِّقاقُ؟
فَإِنْ كَسَرَ صَنَمَا، أَوْ صَلِيبًا، أَوْ طُنْبُورًا، أَوْ مَا لاَ يُنْتَفَعُ بِخَشَبِهِ
وَأُتِيَ شُرَيحٌ فِي ◌ُنْبُورٍ كُسِرَ، فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيءٍ.
٢٤٧٧ - حدّثنا أبو عاصِم الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ