النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
كتاب الاستقراض
٢٤٠٨ - حدّثنا عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ
شُعْبَةَ، عَنِ المَغِيَرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّةُ: ((إِنَّاللَّهُ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ وَوَأُدَالبَنَاتِ،
وَمَنَعَ وَهَاتٍ. وَكَرِهَ لَّكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ)). [طرفه في: ٨٤٤].
- قوله: (﴿أَوْ أَنَ نَّفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَكَؤْا﴾﴾ [هود: ٨٧] ... الخ. وإنَّما أَتى البخاريُّ بمقولةِ
الكُفَّار باعتبارِ كونهم من العقلاء.
قوله: (﴿وَلَا تُؤْنُوْ اُلُّفَهَةَ أَمْوَلَكُمُ﴾﴾ [النساء: ٥] ... الخ وهكذا عندنا، وإن لم يكن حَجْرًا
في الاصطلاح، لأنه يكون في مالِ نفسه.
قوله: (وإضَاعَةَ المالِ) وهذا نحو الإِسراف مما لا يكادُ ينضبطُ، وقد يَحْكم الذُّهْنُ على
شيءٍ بكونه إضاعةً وإسرافًا، وأخرى لا يَحْكم بذلك، فليُفَوِّضه إلى رأي المُبْتَلى به.
٢٠ - بابٌ العَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَلاَ يَعْمَلُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ
٢٤٠٩ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ
اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ لَّهُ يَقُولُ: ((كُلُّكُمْ رَاع
وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فالإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوِّ
مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرَأَةُ فِي بَيَّتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَاَدِّمُ فِي
مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)). قَالَ: فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهُ
وَأَحْسِبُ النَّبِّ ◌َُّ قَالَ: ((وَالرَّجُلُ فِي مَالٍ أَبِيهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ
وَكُلُّكُمْ مَسْؤُوَلٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)). [طرفه في: ٨٩٣].
اعلم أنهِ اختُلف في بيع الرُّطب بالتمر، فجوَّزه الحنفيةُ، وأنكره الآخرُون، واستدلوا
بحديث النبيِّ رَّةُ: (نَهى عن بَيْعِ الرُّطب بالتمر))، وأجاب عنه الطحاويُّ بإِخراج زيادةٍ فيه، وهي:
(نَهى عن بَيْعِ الرُّطَبِ بالتمرِ نسيئةً)). فالنهيُ راجعٌ إلى القيد دونَ نفْس البيع، قلت: وفي الحديث
إِشْكالٌ آخرَ، وهو أنَّ النبيَّ ◌َّ سألهم عن الرُّطب، أنه هلِ يَنْقُضْ إذا يَبِس أَم لا، وحينئذٍ لو كان
مَنَاطُ النَّهي كونَه نسيئةً لم يكن لهذا السؤال فائدةٌ، فإِنَّه يدلُّ على كونِ الزيادةِ والنقصانِ مَنَاطًا، لا
گوْنِ البیعِ نسيئةً، ولم يتوجهوا إلى جوابه.
قلت: وشَرْحِ الحديثِ عندي أن معنى النسيئةِ ليس على ما تعارفوه، بل بمعنى رعايته ثاني
الحال: فالحاصل أنَّه نهى عن بيع الرُّطب بالتمر برعايةِ أنّ الرّطب بعد اليَيْسِ يصيرُ مساويًا لهذا
التمر. فالرعايةُ في الرُّطَب بكونه مساويًا للتَّمرِ بعد اليبْس، هي التي عَنَيْناها بقولنا: ثاني الحال،
وإن كان العِوضان ههنا معجلين، فليس معنى النَّسيئةِ كونَ أحد العِوَضين موجودًا، والآخر واجِبًا
في الذِّمَّة، وهذا نحو ما في العَرِّيَّة، فإنَّ بيعَ التَّمْرِ بالرُّطَبِ فيه يكونُ بِخَرْصِها تَمْرًا، وخَرْصَهَا أن
يُقَدِّر أنها كم تَبْقى بعد يَيْسها وصيرورتِها تَمْرًا، فكما أنَّ الْخَرص في الرُّطَب إنما كان باعتبار ثاني
الحال، كذلك النَّسيئة ههنا .

٥٨٢
كتاب الاستقراض
والمعنى أن النبيَّ ◌َّ نهى عن بَيْع الرُّطب بالتمر نظرًا إلى ثاني الحال، لإفضائه إلى
المنازعة، فبقاءُ بَيْعِها في الحالة الراهنة جائزةٌ، خارجةٌ عن قضيةِ الحديث. ومِن ههنا تبيَّن وجه
سؤال النبي ◌َّ أَيَنْقُصُِ الرَّطَبُ ... الخ أيضًا. لأنَّ بُيوعَهم، في الرُّطب إذا كانت بهذه الرعايةِ
ناسَب سؤاله قطعًا. فإنَّه إذا اتضح التفاضُل بين الرُّطَب والتَّمر في ثاني الحال، تَبيَّن أن رعايتَه
تُفضي إلى المنازعة لا محالة: «فلا تَبِيعوه نسيئةً))، أي بهذه الرعايةِ، بل بيعوه باعتبار الحالةِ
الراهنةِ، وهو معنى قوله: ((فلا إذن))، أي إذا عَلِمتم النُّقْصان في ثاني الحال، فَبيْعُكم بهذه الرعاية
ليس بجائز. وجملةُ الكلام أن البيعَ المذكور جائزٌ عندنا باعتبار الحالة الراهنة، وغيرُ جائز برعايةٍ
أنها تساوي الثَّمر بعد اليَيْس، وهذا إذا حَملت النسيئةَ على المعنى المذكور. أما إذا حَمَلْته على
معناه المعروف فلك أن تقول: إنَّ السؤالَ لِتعليم أَمْرٍ مُفِيدٍ فقط، وإن كان محظُ الفائدةِ هو قَيْدَ
النَّسيئة فقط. وقد قَرَّره المَرْجاني في ((حاشية التلويح))، ولعله من باب التعارُض(١).
(١) يقول العبدُ الضعيف: ولقد راجعت الشَّيخَ في شَرْح هذا اللفظ مرارًا، أفادني كلَّ مرة بما يَليقُ بِشأني، إلا أنِّي لم
أزل فيه متردِّدًا من سُوء فَهْمي. فقال مرةً: كما عَلِمت الآن، وهو آخِرُ ما سمعت فيه، وهو المرَجح عنده، وقرَّر
أُخرى، بأنَّ الحنفية اعتبروا المساواة حالًا، فجوَّزوا بَيْعَ الرُّطب بالتمر متساويًا، وآخرون اعتبروها مالًا، ومعلوم
أن الرُّطب بعد اليَبْس تَنْقُص لا محالةَ، فلا تتحقَّقُ فيها المساواةُ حقيقةٌ، فَنُهوا عنه. وقولُ النبيِّ ◌َّةِ: ((أَيَنْقُص
الرُّطَبُ)) ... الخ ألصق بِمَرامهم، وإنَّما سألهم النبيُّ ◌َّةٍ عن نقصانها بَعْد اليَبْس، لأَنَّ الكيل في الرُّطَبُ لم يكن
معروفًا فيما بينهم، بل الرُّطب كانت تُباع معدودةً، وإنَّما لم يُعْرف فيه الكَيْلِ لِعُسره في الرُّطب، لأنها تَنْعَصِر
بالكَّيْل، ويَخْرج ما فيها من الشَّيْرج، ولذا وَرَد الخَرْص في الرُّطب عند الترمذي بخلاف التَّمر. فإِذا لم يُعرف فيه
الكَيْلُ، فلا يكونُ بيعه بالتمر، إلا خرصًا، فيحدثُ احتمالُ التفاضل لا محالة. فكأنَّ النبيَّ ◌َ أَرْشدهم بسؤاله
إلى مَناط النهي. لا يقالُ: إنَّ الشيخ أقرَّ ههنا بكَوْن الكَيْلِ غير معروف في الرُّطْب، وقرَّر فيما مرَّ كَونَه معروفًا،
لأنَّا نقولُ: وذلك اعتباراتٌ، فجعله معروفًا باعتبار، وغير معروفٍ باعتبار، يعني إن جعلناه معروفًا، فلنا أن نقولَ
كذا، وإنْ جعلناه غيرَ معروفٍ، فحمله ذلك، وهل يأتي من الإنسان فيما لم يشاهده حتمٌ، فإِذا لم يتحقَّق ما كان
فيه الحالُ عنده حمله على الوجهين، فإِن كان الكَيْلُ معروفًا فكذا، وإنْ كان غير معروف فكذا. وقد أراد فيما مَرَّ
إثباتَ جواز العَريَّةِ على مذهب الحنفية بِشَرْح الشافعية أيضًا، فادَّعى الكَيْل في الرُّطب، ثُم إنه لم يكن معروفًا فلا
رَيْب في كونه ممكنًا، فلو كالها بعد الجذٍّ، وأسلمها إلى المُشتري، يجوزُ البيعُ في العَرِيَّة عندنا أيضًا. فقد رام
الشيخُ إخراج صورةٍ لتمشِيةٍ تفسيرِ الشافعية على مذهب الحنفية، مع قطع النظر عما كان في الرُّطب في نَفسِ
الأمر. وليس عندنا الآن غيرُ التخمين، فلا تعارض. ثُمَّ إني سألته عن سِرِّ هذا السؤال مرةً أخرى، فقال: إنَّ
السؤالِ معقولٌ، لأن العَرَبَ يضعون الرُّطب في الزَّنِيل، ثُمَّ يطؤونها بالأَرْجل، لتكتنز وتنسد الخلل. فتصير تمرًا
بهذا الطريقِ. فلما لم يخرج منها الشَّيْرج، وبقي فيها، إذًا لا يكون الفَرْق بين رَظْبها، ويابِسها إلا قليل، وحينئذٍ
ناسب السؤال، بخلاف سائر الثمار، فإِنَّ الفَرْق بين رَطبها ويابسها ظاهرٌ لا حاجة إلى السؤال عنده، وعليك أن
تتفكرَّ فيه، لينجلي لك حقيقةُ الحال، ولا تَضْرب بَعْض الكلام ببعض، إنما هو على طريق الأجوبة العديدة عن
سؤال واحدٍ، ومعلوم أنها لا تكون على مَبْنى واحد، بل قد تكون على مباني مختلفة، ولا يُعَدُّ ذلك تعارُضًا،
فافهم، فتلك شتات كلماتٍ أهديها إليكم. على انخرامها، رجاءً مِن الله أن يوجد مَنْ ينظمها في سِلْك واحدٍ،
ويَصِلُني بدعوةٍ صالحةٍ، فإِنَّ المقام مزالُ الأَقدام.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْيِ الرَّحِيمَةِ
٤٤ - كِتَابُ الخُصُومَاتِ
١ - بابُ مَا يُذْكَرُ فِي الإِشْخَاصِ
وَالمُلاَزَمَةِ وَالخُصُومَةِ بَينَ المُسْلِمِ وَاليَهُودِ
والإِشخاص هو إحضارُ المُدَّعى عليه في محكمة القضاء.
قوله: (والخُصومةِ بين المُسْلِم واليهودي) يعني أن اتحاد المِلَّتين ليس بِشَرْط في الدَعَاوى،
وهكذا ينبغي.
٢٤١٠ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيسَرَةَ أَخْبَرَنِي قَالَ:
سَمِعْتُ النَّزَّالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ آيَةٌ سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ وَّ
خِلافَهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَأَتَيثُ بِهِ رَسُولَ اللّهِ وَ لَ، فَقَالَ: ((كِلاكُمَا مُحْسِنٌ)). قَالَ شُعْبَةُ:
أَظُنُهُ قَالَ: ((لَا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا)).
٢٤١٠ - قوله: (فَأَخَذْتُ بِيَده، فَأَتَيْتُ بِه رَسُولَ اللهِ وَّهِ). واعلم أنَّ الإِشخاصَ إحضارُ
الرَّجلِ بِحُكْم القاضي جَبْرًا، وليس في الحديث ذلك. فإِنه طاوعه، وأتى بِطَوْعِ وَرغبةٍ، ولكن لما
شابهتَ صورتُه صورةَ الإِشخاص تمسك به المصنِّفُ.
٢٤١١ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ قَزَعَةَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمُنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: اسْتَبََّ رَجُلانٍ: رَجُلٌ مِنَ
المُسْلِمِينَ، وَرَجُلٌ مِنَ النَّهُوَدِ، قَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى العَالَمِينَ، فَقَالَ
اليَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسى عَلَى العَالَمِينَ، فَرَفَعَ المُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذلِكَ فَلَطَّمَ وَجْهَ
اليَهُودِيِّ، فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ نَّهَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ المُسْلِمِ، فَدَعًا
النَّبِيُّ وََّ المُسْلِمَ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذلِكَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسى،
فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَصْعَقُ مَعَهُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسى بَاطِشٌ
جَانِبَ العَرْشِ، فَلا أَدْرِي: أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ)).
[الحديث ٢٤١١ - أطرافه في: ٣٤٠٨، ٣٤١٤، ٣٤٧٦، ٤٨١٣، ٥٠٦٣، ٦٥١٧، ٦٥١٨، ٧٤٢٨، ٧٤٧٧].
٢٤١٢ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيى، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَينَمَا رَسُولُ اللّهِ وَّ جَالِسٌ جَاءَ
يَهُودِيٌّ، فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ، ضَرَبَ وَجْهِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِكَ، فَقَالَ: ((مَنْ؟)) قَالَ:
٥٨٣

٥٨٤
كتاب الخُصومات
رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: ((ادْعُوهُ)). فَقَالَ: ((أَضَرَبْتَهُ؟)) قَالَ: سَمِعْتُهُ بِالسُّوقِ يَخْلِفُ: وَالَّذِي
اصْطَفَى مُوسى عَلَى البَشَرِ، قُلتُ: أَي خَبِيثُ، عَلَى مُحَمَّدٍ مَـْ؟ فَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ ضَرَبْتُ
وَجْهَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّهِ: (لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَضْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ
أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسى آَخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ
فِيمَنْ صَعِقَ، أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الأُولَى)). [الحديث ٢٤١٢ - أطرافه في: ٣٣٩٨، ٤٦٣٨، ٦٩١٦،
٦٩١٧، ٧٤٢٧].
٢٤١١ - قوله: (فَلَظَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ). وفي الشروح أَنَّه أبو بكر.
قوله: (لا تَخيرُونى) ... الخ. والتَّخْيير على نحوين، والممنوع منهما ما يُوهِم تنقيص
الآخر. وقيل في الجواب: إن قوله ((لا تُخيِّروني)) من باب التواضع (١). وما في الروايات مِن
الفضل بيانُ العقيدةِ، فلا تناقض، ولا يلزم أن لا يتواضعَ الكامل أبدًا، فإِنَّه لا يزيدُه إلَّا فَضْلا
على فَضْله، فَمَن حَمَل تواضُعه مخالفًا لكماله. فكأن لم يقم بالفَرْق بين الموضِعين، والأحوطُ
في هذا الباب عندي أن لا يُتَجاسر في باب التفاضل، ولا ينهمك فيه، لئلا يتجاوز عن الحدِّ،
فيقع في حفرةٍ من النار. وذلك لأنَّ سائرَ الأنبياء سواسيةٌ في باب الإِيمان بهم، واحترامهم،
وتبجيلهم، وإن كانوا مختلفين في الفضل، فالمقصودُ من الأحاديثِ الواردةِ في باب الفَضْل تقريرُ
العِلْم والعقيدة، دون الممارسة في العمل كما شاع اليوم في زماننا، ألا ترى ماذا وقع فيه بين
اليهوديِّ والمسلم حتى قال له النبيُّ ◌َّهِ: فإِنَّ الناس يصْعَقُون)) ... الخ.
قوله: (فَإِنَّ النَّاس يَصْعَقُون يومَ القيامة، فأصعق معهم، فأكون أَوَّل مَنْ يفيق، فإِذا موسى
باطِئٌ، جانبٍ العرش، فِلا أدري كان فيمن صَعِقٍ، فأفاق قبلي، أو كان مِمَّن استثنى الله) وههنا
إشكال، وهو أنَّ الحديثَ مُقْتَبسُ من قوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن
شَآءَ الَّهُ ثُمّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَاٍ هُمْ قِيَامٌ يَنَظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ذَكَر القرآنُ فيه نَفْختين: نفخة للصَّعقة
والإِماتة، وَنفخة للبَعْث والنُّشور، واستثنى مِن النَّفْخةِ الأولى، وهي نَفْخَةُ الصَّعْقةِ أشياءَ أبهمها،
قال المفسرون: وهي الجنةُ والنَّارُ وأمثالُهما، مما لا يأتي عليه الفَناء. فلو قلنا: إنَّ موسى عليه
الصلاة والسلام أيضًا كان مِمَّن استثناه اللهُ، كما في هذا الحديث، يلزم أن لا يكونَ دَخَل تحت
الموتِ أيضًا، فإِنَّ المُستَثْنَى في الآية هو ما لم يدخل تحت الفَناء، فلزم أن يكون موسى عليه
الصلاة السلام أيضًا كذلك، ولعله سلمه الكرماني :
قلت (٢: كيف! وموتُه مذكورٌ في ((صحيح البخاري)). فأَوَّلُ مَن أجاب عنه القُرطبي في
(١) قال الحافظ: إنَّ النبي
جِنْس قوله: ((لا تفضلوني على يونس) الخ.
◌َدٍ قال تواضعًا، والتواضع لا يَحُط مرتبة الكبير، بل يزيدُه رِقعةً وإجلالًا، وقيل: هو مِن
(٢) ويَقْرُب منه ما ذكره الشيخُ العيني: أنَّ الأنبياء أحياءٌ في قبورهم، فاذا نُفخ في الصوُّر نَفْخة الصّعق، صَعِقِ كلّ مَنْ
في السمواتِ والأرض إلا مَنْ شاء الله، فأمَّا صَعْقُ غير الأنبياء فموتٌ، وأما صعق الأنبياءِ فالأظهر أنه غُشي،
فإذا نُفْخَ في الصُّور نَفْخةُ الْبَعْث، فمن مات حي، ومَنْ غُشي عليه أفاق، اهـ بتغيير يسير. وقال القاضي - كما =.

٥٨٥
كتاب الخصومات
(شَرْح مسلم)) فقال: إنَّ نفخةَ الصَّعْقةِ تكونُ لإِماتة الأحياء ساعتئذ. وأما الذين قد ماتوا، فيُغْشَى
على أرواحِهم، فيصيرونَ كالموتى.
وحاصله أنه لا يبقى شيء إلَّا ويتأثَّر منها، فإِنْ صَلَح للفناء يَفْنَى، وإن لم يصلح له،
كالأرواح، فإِنها حياة مَحْضَةٌ، يُغْشِى عليهم ثُم يستمرُّون على هذا الحالِ إلى أربعينَ سنةً، ثُم
تُنْفخ فيه أخرى. فإِذا الأمواتُ يصيرونَ أحياءً، والأرواحُ مُفِيقاتٌ، وظَهَر منه أنَّ الصَّعْقةَ في
القرآنِ اشتملت على الأمْرَين: الموت للأحياء، والغَشي للأرواح. وحينئذٍ لا يلزمُ مِن دخول
موسى عليه الصلاة والسلام في الاستثناء عَدَمُ وفاته، بل عدم غُشْيه فقط.
ومعنى الحديث أنَّ الناسَ يَحْصُل لهم الموتُ أو الغَشي، فَيَغْشَى عليَّ أيضًا، وإن كان بين
الغَشي والغَشِي تفاوتٌ، فأكون أوَّلُ مَنْ يفِيقُ، وأنظر موسى عليه السلام أَنَّه باطشٌ بجانب
العرش. فلا أَدْري أَنه كان فيمن غُشِي، فأفاقَ قبلي، أو كان مِمَّن استَثْنى اللهُ، فلم يُغْشِ عليه.
والشِّقُّ الثالث هُهنا محذوفٌ، وهو أَنَّهُ حُوسِب بصَعْقَة على الطُّور. وكنت أردد فيه، لأَنَّ ادِّعاء
غَشْي الأرواح إلى مدةٍ مديدة لا بدَّ له من روايةٍ، أو قولٍ من السَّلِفِ. وتَسْليمُه بقوْل القُرْطبي
عسيرٌ، لكونه إخبارًا عن الحقائق الغائبة. ثُم اطّلعت على روايةُ فيها غُشْي الأَرواح أربعينَ
سنةً. ولعلِ إِسِنادَهِ ضعيفٌ، مع هذا يكونِ لجوابه نفاذ. ومن لههنا تبيَّن وَجْه قوله تعالى: ﴿مَنْ
بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّا هَذَا﴾ [يَس: ٥٢]، وقد تكلَّمنا عليه مرةً، وفيه أيضًا إشكالٌ، فإِنه يدلُّ على
رُقودِهم في القبور، والأحاديثُ وَرَدَتْ بعذابهم، ودعائهم بالوَيْل والثُّبور.
وحاصل الجواب أنه حكايةٌ عنِ مُدَّة غُشيهم تلك، أي لو بقينا كذلك مَغْشيًّا علينا. ولم
تحصل لنا الإفاقةُ لكان أَحْسن. ثم إنَّ الآية تَرِد على القائلين بنَفْي السماع لدلالته على الرُّقاد،
ونفي العذاب أيضًا، فماذا يصنعون بها؟ فلا بدَّ لهم مِن أن يذكروا لها وجهًا، فينبغي لهم أن
يَظْلُبوا وجها لآية نفي السَّماع أيضًا. فإِنَّ العذابَ كما أنه متحقِّق، كذلك السماع أيضًا متحققٌ،
فلا يَغْتَرُّ بأمثال هذه النصوصِ، فإِنَّ لها وجوهًا ومعاني.
والجواب الثاني ما ذكره الشَّاه عبد القادر في ((فوائد القرآن)»: وحاصله أنَّ الحديث غيرُ
مُقْتبسٍ من القرآن. فما ذُكِر في الحديث نَفْخةٌ أخرى، وما في القرآن نفخةٌ أخرى، فالنفخةُ
للإِماتةِ، والثانية للإحياء، والثالث للفَزَع، والرابع للغَشي، والخامس للإِفاقة، والثلاثةُ الأخيرة
حكاه النوويُّ -: إن حديثَ الباب من أشْكل الأحاديث، لأن موسى مات، فكيف تدركه الصَّعقةُ، وإنَّما تُصعق
=
الأحياء؟ ثم أجاب عنه: بأنَّهُ يُحتمل أن هذه الصَّعقةَ صَعْقةُ فَرْزِ بعد البعث، حين تَنْشقُّ السمواتُ والأرضُ، فتنتظم
حينئذٍ الآياتُ، والأحايثُ، ويؤيدُه قوله ◌َّ: فأفاق)) لأنه يُقالُ: أفاق من الغشي، وأما الموتُ فيقال: بُعِث منه.
وضَعْقَة الطُور لا تكون مَوْتًا. اهـ. ((النووي)) من - باب فضائل موسى عليه الصلاة والسلام -.
(١) قلت: وفي الفَصْل الأول من ((المشكاة)) عن أبي هريرة - مرفوعًا - قال: ما بين النفختين أربعون، قالوا: يا أبا
هريرة أربعون يومًا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت ... الخ.
وهو حديثٌ متفق عليه. فلا أدري لماذا وقع مني الخبط عند الأَخْذ، ولعَمْري ربما أتضجّرُ مِن مِثْل هذه الأمورِ،
وألوم نفسي، فإِني قرأت مرارًا ثم لم أصنع شيئًا. والله الهادي والملهم للصواب.

،
٥٨٦
كتاب الخُصومات
تکون في المخشر، وعنده نَفَخاتٌ أُخرى غيرُها لمعانٍ أخرى، کالدعوة وغیرها، کما تری الیوم
في الجیوش، فإِنَّ کرّهم وفرهم، وحربهم وضربهم، كلّها تكون بالبُوق ۔ (بكل) -.
وحاصل هذا الجواب أن الاستثناءَ في النَّصِّ إنما هو مِن الصَّعْقة التي تكون عند النَّفْخة
الثانية للإِماتة، وأما في الحديث، فالاستثناء فيه مِن الصَّعْقةِ التي هي مِن آثار النفخة الرابعة في
المَحْشر، وهو بمعنى الغَشْي فقط، واستثناءُ موسى عليه الصلاة والسلام إنما هو من تلكَ الصَّعْقَةِ
التي تكون في الحشر، فهو استثناءُ من الغَشْي لا مِمَّا هو في القرآن، بمعنى الموت، ليلزم عليه
ما لزم.
قلت: وهذا إنما يتمُّ في سياقٍ لم يُذْكر فيه الآيةُ والذي فيه ذُكرتِ الآيةُ أيضًا، فالمتبادرُ منه
أنه مُقْتبسٌ من القرآن، والصَّعْقةُ هي الصعقة، والاستثناءُ هو الاستثناء.
واعلم أنهم (١) اختلفوا في عدد النفخات، فقيل: ثنتان: نفخةٌ للصَّعْقَة، وهي التي يَفْزَع لها
النَّاسُ، ثم يُصْعَقون، فابتداؤها يكون من الفزع، وانتهاؤها على الصعقة، ونَفْخَةٌ للبعث. وقيل:
ثلاثٌ: نَفْخةً للفزع، وأخرى للصعقة، وأخرى للبعث. وقد عَلِمت خَمْس نفخاتٍ من ((فوائد
الشاه)) عبد القادر. وراجع ((الجمل (٢) على الجَلالين)). ثُم لا يَخْفى عليك أن بعضَ الفقهاء قد
أنكروا الاستفاضة عن القبور مطلقًا، وذلك لفقدان تفاصيله في الشّرع، فينبغي أن يُراجَع في
أمثالِهِ إلى كلام العرفاء، فإِنَّهم أعلمُ بهذا الموضوعِ، ولكل فَنِّ رجالٌ.
قوله: (فلا أَدْري) ... الخ، فيه رَدُّ على مَن ادَّعى الغَيْب كليًا وجزئيًا لِنَفْسِهِ مَّهِ. والعجب
مِن هؤلاء السُّفهاءِ أنهم كيف يَعْزون إليه أمرًا لا يدَّعيه هو لنفسه، بل ينفيه. فالله المستعان على
ما يصفون.
٢٤١٣ - حدّثنا مُوسَى: حَدَّثَنَا هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ يَهُودِيًّا
رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَينَ حَجَرَينٍ، قِيلَ: مَنْ فَعَلَ هذا بِكِ، أُفُلانٌ، أَفُلَانٌ؟ حَتَّى سَمَّى
اليَهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ◌َ لِ فَرُضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ
حَجَرَينِ. [الحديث ٢٤١٣ - أطرافه في: ٢٧٤٦، ٥٢٩٥، ٦٨٧٦، ٦٨٧٧، ٦٨٧٩، ٦٨٨٤، ٦٨٨٥].
٢٤١٣ - قوله: (فَرُضَّ رَأْسُهُ بَيْنِ حَجَرَيْن) واحتج به الشافعيةُ على المماثلة في القِصَاص،
(١) قال الحافظ: في ((الفتح)) قال ابنُ حَزْم: إنّ النَّفخات يومَ القيامة أربعٌ: الأولى: نَفْخَةَ إماتة يموت فيها مَنْ بقي
حيًّا في الأرض، والثانية، نَفْخةُ إحياء يقوم بها كلُّ ميتٍ، ويُنْشَرُون من القبور والثالثة نفخةُ فَزَع وصعق يُفيقون
منها، كالمَغْشيّ عليه لا يموت منها أحد والرابعة: نفخةُ إفاقةٍ من هذا الغَشْي ثُم تَعقَّب عليه الحافظ، فقال: وهذا
الذي ذكره من كون الثِّنتين أربعًا ليس بواضح، بل هما نَفْختان فقط، ووقع التغاير في كلِّ واحدٍ منهما باعتبار مَنْ
يسمعُها، فالأُولى يموتُ بها كلُّ مَنْ كان حيًا، ويُغْشَى على مَن لم يمت مِمَّن استثنى الله؛ الثانية: يعيشُ بها مَنْ
مات، ويُقيق بها مَنْ غُشي عليه. اهـ.
(٢) حَكَّى - صاحب الجمل - عن ابن الوَرْدي أنَّها ثلاثةٌ. ثم بسط أحوالَ الثلاثةِ مفصلةً. اهـ.

٥٨٧
کتاب الخصومات
ولنا حديثٌ أخرجه ابن ماجة، وحسَّنه المارديني(١) في ((الجَوْهر النقي)): ((لا قَوَد إلَّا بالسيف»،
والجواب عن الرَّضِّ أنَّه كان تعزيرًا، وسياسة، وليُمْعَنِ النَّظَرُ في أن ما فَعَله اليهوديُّ بالجاريةِ هل
يُعد قَطْعَ طريق أم لا؟ فإِنَّه كان أَخَذَ وشاحها وقتلها. وقد أشار إليه الطحاوي وراجع لمسائل
باب السياسة (لسان الحُكَّام)) لابن الشِّحنةِ، وهو ابن عبد البر بن الشِّخنة، تلميذُ ابن الهِمام، وقد
بَسَطه جِدًّا.
٢ - بابُ مَنْ رَدَّ أَمْرَ السَّفِيهِ وَالضَّعِيفِ العَقْلِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَجَرَ عَلَيْهِ الإِمَامُ
وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ: رَدَّ عَلَى المُتَصَدِّقِ قَبْلَ النَّهْيِ ثُمَّ
نَهَاهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ، وَلَهُ عَبْدٌ لا شَيءَ لَهُ غَيْرُهُ فَأَعْتَقَهُ، لَمْ
يَجُزْ عِثْقُهُ.
أي إذا لم يكن الإِمامُ أَعْلن بالحَجْر عليه بعدُ، فهل يُعتبر تصرُّفٌ فعله، أم لا؟ أو يجري
الحجْرُ بعد الإِعلانِ؟ والظاهر أن حُكْم الحَجْر عليه قبل إعلانِ الإِمامِ غيرُ سديدٍ عنده قلت:
ولكنه ثبت في أول جزئي أيضًا: واختار البخاري أن السَّفاهةَ أيضًا من أسباب الحَجْر، كما هو
مذهب الصاحبين ويمكن أن يكون مَذْهبُهُ أوْسَعَ منهما أيضًا .
٣ - باب مَنْ بَاعَ عَلَى الضَّعِيفِ وَنَحْوِهِ، فَدَفَعَ ثَمَنَهُ إِلَيهِ، وَأَمَرَهُ بِالإِصْلَاحِ
وَالقِيَامِ بِشَأْنِهِ، فَإِن أَفْسَدَ بَعْدُ مَنَعَهُ، لأَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ فَهِى عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ، وَقَالَ
لِلَّذِي يُخْدَعُ فِي البَيعِ: ((إِذَا بَايَعْتَ فَقُل لا خِلابَةَ))، وَلَمْ يَأْخُذِ النَّبِيُّ وَ مَالَهُ
٢٤١٤ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِم: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يُخْدَعُ فِي البَيعِ، فَقَالَ لَهُ
النَّبِيُّ ◌َِّ: ((إِذَا بَايَعْتَ فَقُل: لا خِلَابَةَ)). فَكَانَ يَقُولُهُ. [طرفه في: ٢١١٧].
٢٤١٥ - حدّثنا عَاصِمُ بْنُ عَلِيّ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ
جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَّ عَبْدًا لَهُ، لَيسَ لَّهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ◌َّرَ، فَابْتَاعَهُ
مِنْهُ نُعَيمُ بْنُ النَّخَّامِ. [طرفه في: ٢١٤١].
(١) أخرج المارديني حديث: ((لا قَوَد إلَّا بالسيف))، بسندٍ فيه جابر الجُعفي، وقَوَّى أَمْرَه، ونَقَل تَوثيقه عن وكيع،
وشعبة، والثوري، وابن حبان، وفيه قيس بنُ الربيع، ووَثقه الثوري، وشُعبة، والطّالسي وعبد الله بن عثمان،
وابن عُيينة، ثُم أخرجه عن ابن ماجه بِسنده مع الذبِّ، عما أُورد على إسناده، ثم قال: فهذا الحديثُ قد رُوي من
وجوهٍ كثيرةٍ يَشُدُّ بعضه البعض، فأقلُّ أحواله أن يكون حسنًا. وبه قال النَّخْعي، والشَّعبي، وأبو حنيفة، وأصحابُه،
اهـ. وقد تكلّم العَيْني أبسط منه وأضبط، فراجعه.

٥٨٨
كتاب الخُصومات
قوله: (لم يَجُزْ عِثْقُه) ، وبه قال مالك، خلافًا للحنفية.
قوله: (أَعتق عبدًا له، ولَيْس له مالٌ غَيْرُهُ) ... الخ وقد أخرج المُصنِّفُ هذه الرواية مِرارًا،
إلَّا أنه لم يُخرِّج هذا اللفظ إلا في هذا الموضع، لأنه يُنِاسِب باب الحَجْر، وهذا من شؤون
المُصنِّف أيضا أنَّ في الحديث يكونُ ألفاظًا، فيحصيها كلَّها في ذِهْنه، ثم يُخرِّجها في محالِّها
لفظًا لفظًا، فالحديث قد مرّ مرارًا، إلا أنه خبََّ هذا اللفظَ لهذا الموضع خاصَّةً. وقد يَفْعَلُ عَكْسه
أيضًا، فيترجم على لفظِ ناظرًا إليه في طريق، ثم لا يخرِّجُه في الباب تشحيذًا للأذهان.
٤ - بابُ كَلَامِ الخُصُومِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ
٢٤١٦، ٢٤١٧ - حدّثنا مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلِّ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينَ، وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ،
لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِم، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيهِ غَضْبَانُ)). قَالَ: فُقَالَ الأَشْعَثُ: فِيَّ
وَاللَّهِ كَانَ ذلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبِّيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِ،
فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ اَلِهِ: ((أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟)) قُلتُ: لَا، قَالَ: فَقَالَ لِليَهُودِيِّ: ((احْلِف)). قَالَ:
قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا يَخْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ
اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. [طرفاه في: ٢٣٥٦، ٢٣٥٧].
٢٤١٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ تَقَاضِى ابْنَ أَبِيَ
حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيهِ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاَتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللّهِ بِ وَهُوَ
فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى: ((يَا كَعْبُ)). قَالَ: لَبِّيكَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((ضَعْ مِنْ دَينِكَ هذا)) فَأَوْمَأَ إِلَيهِ: أَيِ الشَّظْرَ، قَالَ: لَقَدْ فَعَلتُ يَا رَسُولَ
اللَّهِ، قَالَ: ((قُمْ فَاقْضِهِ)). [طرفه في : ٤٥٧].
٢٤١٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ
الزُّبَيرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ القَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٌ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى غَيرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ
رَسُولُ اللَّهِ بِ أَقْرَأَنِيهَا، وَكِدْتُ أَنَّ أَعْجَلُ عَلَيهِ، ثُمَّ أَمْهَلتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَيْتُهُ بِرِدَائِهِ،
فَجِثْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ بِ فَقُلتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هذا يَقْرَأُ عَلَي غَيرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ لِي:
((أَرْسِلُهُ)). ثُمَّ قَالَ لَهُ: ((اقْرَأْ)). فَقَرَأَ، قَالَ: ((هَكَذَا أُنزِلَتْ)). ثُمَّ قَالَ لِي: ((اقْرَأُ)). فَقَرَأْتُ،
فَقَالَ: ((هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ)). [الحديث
٢٤١٩ - أطرافه في: ٤٩٩٢، ٥٠٤١، ٦٩٣٦، ٧٥٥٠].
يعني إذا عاب أحَدُ الخصمين على الآخر بحضرة القاضي، فهل فيه تعزير؟

٥٨٩
كتاب الخصومات
٢٤١٩ - قوله: (إن القرآن أُنزل على سَبْعة أَحْرُفٍ) واختلف النَّاسُ في شَرْحه على خمسٍ
وأربعين قولًا، وكلّها مُهْمِلٌ غيرَ ثلاثةٍ، أو أربعةٍ، ولواحدٍ منها روايةٌ عن ابن مسعود، لا أدري،
مرفوعةٌ هي أم موقوفةٌ؟ والثاني قولٌ لعامَّة النُّحاة.
واعلم أنهم اتَّفقوا على أنه ليس المراد من ((سبعة أحرف)) القراءة السبعة المشهورة، بأن
يكون كلُّ حَرْف منها قراءةً من تلك القراءات. أعني أنه لا انطباق بين القراءاتِ السَّبع،
والأَخْرفِ السبعةِ، كما يذهبُ إليه الوَهْمُ بالنَّظر إلى لفظ السبعة في الموضعين، بل بين تلك
الأَحْرف والقراءةِ عمومٌ، وخصوصٌ وَجْهي، كيف! وأنَّ القراءات لا تنحصِرُ في السَّبعة، كما
صِرَّح ابن الجزري في رسالته ((النَّشْر في القراءات العَشْر)). وإنَّما اشتهرتِ السَّبعةُ على الألسنةِ،
لأنَّها التي جمعها الشَّاطِبي.
ثُمَّ اعلم أنَّ بعضهم فَهِم أَنَّ بين تلك الأحرف تغايرًا مِن كلِّ وَجْه، بحيث لا رَبْط بينها،
وليس كذلك، بل قد يكون الفَرْقُ بالمجرد والمزيد، وأخرى بالأبواب، ومرةً باعتبار الصِّيَغ من
الغائب والحاضر، وطورًا بتحقيق الهمزةِ وتسهيلها، فكلُّ هذه التغييراتِ - يسيرةً كانت أو كثيرةً -
حرفٌ برأسه. وغَلِط مَنْ فَهِم أن هذه الأَحْرف متغايرةٌ كلُّها، بحيث يتعذَّرُ اجتماعُها.
أما إنَّه كيف عَدَدُ السَّبعة؟ فتوجَّه اليه ابنُ الجَزري، وحقَّق أن التصرُّفاتِ كلَّها ترجِعُ إلى
السبعةِ، وراجع القَسْطَّاني(١). والزّرقاني. بقي الكلامُ في أن تلك الأَخْرفَ كلّها موجودة، أو
رُفِعَ بَعْضُها وبقي البعضُ؛ فاعلم أنَّ ما قرأه جبريلُ عليه السلام في العَرْضَة الأخيرة على النبيِّ لَه
(١) قلت: قال القَسْطلاِّني في تفسير الأحرف السبعة، أي وجه من الاختلاف، وذلك إما في الحركات بلا تغيير في
المعنى والصورة: نحو البخل، ويُخْسَب بوجهين، أو بتغيير في المَعْنى فقط، نحو ﴿فَلَفََّ ءَادَمُ مِنْ زَبِّهِ، كَلِمَتٍ﴾
[البقرة: ٣٧]، ﴿وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] وإمَّا في الحروف بتغيير المعنى لا الصورة، نحو ((تَبْلو، ونبلو))
﴿تُنَجِيَكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ﴾ [يونس: ٩٢] (وننجيك بيدك لتكون لمن خلفك))، وعكس ذلك ((نحو:
(بسطة، وبصطة، والسراط، والصراط)) أو بتغييرهما، نحو: ((أشد منكم، ومنهم، ويأتل ويتأل)) و﴿فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ
اللَّهِ﴾. وإما في التقديم والتأخير، نحو ((فيقتلون، ويقتلون)) ﴿وَجَآَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِلْقِ﴾ [ق: ١٩]، أو بالزيادة،
والنقصان، نحو ((أوصى ووصى، والذكر والانثى)) فهذا ما يرجع إليه صحيح القرارات، وشاذها، وضعيفها،
ومنكرها، لا يخرج عنه شيء. وإما نحو اختلاف الأظهار، والإِدغام، والروم، والإِشمام، مما يعبر عنه
بالأصول، فليس من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللفظ أو المعنى، لأن هذه الصفات المتنوعة في أدائه لا تخرجه
عن أن يكون لفظًا واحدًا، ولئن فرض فيكونُ من الأوَّل. اهـ.
قلت: وهذا كما رأيت، رجعت كُلُّها إلى سبعةِ. وإنَّما نَقَلْت عبارته بِرُمِّتها لتكونَ على بصيرةٍ في هذا الباب. فإِنَّ
الناسَ اعتادوا المشي على المحتملات، كالاحتمالات العقلية، حتى يُفْقد منها المرادُ، فلا يتميز المقصودُ من غيره،
ويبقى الإِنسان متحيرًا في تحقيق المعنى، حيث يراه مترددًا كتردد المعنى الجنسي، لا يستقر على أمر، وذلك ظلم
عظيم. والذي يناسب أن يحام حولَ المقصود، لا أن يبدي كل مُخْتمِل. وكنت لا أفهم مراده إلى زمانٍ طويلٍ، فلذا
اعتنيت به، لأن المرء يقيسُ على نفسه. وقد تكلّم القسطلاني في ((فضائل القرآن)) أبسط من هذا. ولله درُّ الشيخ،
حيث نَبَّهَنا على تلك المزايا، ورفع الله درجَتَه في أعلى عِلْيين.

٥٩٠
كتاب الخصومات
كلّه ثابتٌ في مُصْحَف عثمان. ولما لم يتعيَّن معنى الأَحْرفِ عند ابن جرير ذهب إلى رَفْع الأحرف
السِّتِّ منها، وبقي واحدٌ فقط.
٥ - بابُ إِخْرَاجِ أَهْلِ المَعَاصِي وَالخُصُومِ
مِنَ البُيُوتِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ
وَقَدْ أَخْرَجَ عُمَرُ أُخْتَ أَبِي بَكْرٍ حِينَ نَاحَتْ.
٢٤٢٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْن
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أَنَّ
آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَىَ مَنَازلٍ قَوْم لَا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيهِمْ)). [طرفه
في: ٦٤٤].
٦ - بابُ دَعْوَى الوَصِيَّ لِلمَيِّتِ
٢٤٢١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ
عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ،َ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ فِي
ابْن أَمَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصَانِي أَخِي إِذَا قَدِمْتُ أَنْ أَنْظُرَ ابْنَ أَمَةِ زَمْعَةً
فَأَقَبِضَهُ، فَإِنَّهُ ابْنِي. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ أَمَةٍ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي. فَرَأَى
النَّبِيُّ ◌ََّ شَبَهًا بَيِّنًا، فَقَالَ: (هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلِفِرَاشِ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا
سَوْدَةُ)). [طرفه في: ٢٠٥٣].
يا عبدَ بن زَمْعة، ويَصِح عبد بنُ زَمْعة أيضًا، وأما عَبْدَ بن زَمعة فلا يصح.
٧ - بابُ التَّوَتَّقِ مِمَّنْ تُخْشى مَعَرَّتُهُ
وَقَيَّدَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِكْرِمَةَ عَلَى تَعْلِيمِ القُرْآنِ وَالسُّنَنِ وَالفَرَائِضِ.
٢٤٢٢ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا اللَّيَثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةً
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَ خَيْلًا قِبَلَ نَجَّدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حِنِيفَةً
يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، سَيِّدُ أَهْلِ اليَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ
إِلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ، قَالَ: ((مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ)). قَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيرٌ، فَذَكَرَ
الحَدِيثَ. قَالَ: ((أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ)). [طرفه في: ٤٦٢].
يعني تحصيل الوَثاقة من شَرِّ الدّاعي.
٨ - بابُ الرَّبْطِ وَالحَبْسِ فِي الحَرَمِ
وَاشْتَرَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الحَارِثِ دَارًا لِلسِّجْنِ بِمَكَّةَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَلَى أَنَّ عُمَرَ

٥٩١
كتاب الخصومات
إِنْ رَضِيَ فَالبَيْعُ بَيْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرُ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ. وَسَجَنَ ابْنُ الزُّبَيرِ
بِمَكَّةَ.
وهذا جائزٌ عندنا أيضًا، وإنَّما الخلافُ في أَخْذ القِصاص في النَّفس والأطراف.
قوله: (واشترى نافعٌ بن عبد الحارِث) ... الخ وكان واليًا من جانب عمرَ، فاشترى دارًا
للسِّجْن، ثم إنَّ نافعًا هذا هو الذي عند الطحاوي في مسألة الخَمْر في إسناد أَثر عُمرَ، فهو قويٌّ
جدًا، ولكن الاستدلال به يتوقَّف على صورةٍ الترتيب فقط.
قوله: (على أَنَّ عُمَر إِنْ رَضِي بالبيع) أي بالشراء واعلم أنّ فيه بَيْعًا وشَرْطًا، وقد نهى عنه.
قلت: وقد عَلِمت أنَّ الفسادَ إذا كان لأجل مخافةِ النِّزاع، لا يَسْري إلى العقد إذا لم يُرْفع أَمْرُه
إلى القضاء. أما إذا كان لكونِه معصيةً، فيلزم حينئذٍ. والمذكورُ في الحديث من النحو الأول،
فبقي جائزًا على الأصل المذكور(١) ألا ترى أنهم يكتبون في صَدْر أبواب البيوع: أن البيع لا
ينعقد إلا بصيغتين، وضعتا للمعنى، أو إحداهما، ثم جوزوه بالتعاطي، مع فقدان الإيجاب
والقَبول فيه، بل القبض أيضًا، والأَرجحُ أن التعاطي جائزٌ مطلقًا، في النفيسِ والخسيسِ سواء،
وحينئذٍ لو شَدَّد أَحدٌ في شرائط البيع لَزِمه أن يُحْرَم كثيرًا من البيوع الجائزة بين السَّلف فإِنَّ
التَّعاطِي كان معروفًا عندهم أيضًا، فالصواب كما في ((التحرير)) والله تعالى أعلم.
والحاصل أنَّهم كتبوا في صَدْر الباب ما كان الأصل عندهم في باب البيع، ثُم ذكروا
التوسيعاتِ التي جرى بها العُرْف، كالتعاطي، ولذا قلت: إنَّ كلَّ بيع كان النَّهيُّ عنه لمخافةٍ
النِّزاع ينبغي أن يكون جائزًا عند عَدم النِّزاع، وجريان العرف، ولا ينبغي فيه الجمودُ على
القواعدِ، هذا هو الصراط المستقيم، فاتبعوه.
٢٤٢٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ :
سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ◌َِّ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي
حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ. [طرفه في: ٤٦٢].
٢٤٢٣ - قوله: (فَرَبِطُوه بسارِيةٍ من سَوَارِي المَسْجد). قلت: وليس هذا ربطًا في الحَرَم.
فإِنَّ المصنِّف على ما أظُنُّه لم يَرَ للمدينةِ حَرَمًا أيضًا .
٩ - بابُ المُلاَزَمَةِ
يعني به ملازمةَ الدائن للمَذْيُون.
٢٤٢٤ - حدّثنا يَحْيى بْنُ بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةً، وَقَالَ غَيْرُهُ:
حَدَّثَنِي اللَّيِثُ قَالٍ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
(١) قلت: وفي مُذكّرة أخرى عندي أنه تراوضٌ ومساومةٌ، لا أنه إيجابٌ وقبول. وفي ((جامع الفُصُولين)): من اشترى
حُزْمةً من الحَطبِ له أن يشترطُ حَمْله إلى البيت. وفي ((الهداية)»: إن ما تعارفَ الناسُ عليه من الشرائط تتحمَّل في
البيوع، قلت: لأنها لا تُفضي إلى النّزاع.

٥٩٢
كتاب الخصومات
كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
أَبِيَ حَذَرَدِ الأَسْلَمِيِّ دَينٌ، فَلَقِيَهُ فَّلَزِمَهُ، فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَمَرَّ بِهِمَا
النَّبِيُّ ◌ََّ، فَقَالَ: ((يَا كَعْبُ)). وَأَشَارَ بِيَدِهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: النِّصْفُ، فَأَخَذَ نِصْفَ مَا عَلَيهِ
وَتَرَكَ نِصْفًا. [طرفه في: ٤٥٧].
٢٤٢٤ - قوله: (فقالَ يا كَعْبُ، وأَشارَ بِيَديه، كأنَّه يقول: النِّصْفُ) ... الخ، هذا أيضًا من
باب المسامحات، والمروءات، وإلا فلا يلزمُ على الدائن أن يُسْقِطَ نِصْفَ دَيْنِهِ .
١٠ - بابُ التَّقَاضِي
٢٤٢٥ - حدّثنا إِسْحاقُ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّبِ قَالَ: كُنْتُ قَيِّنًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانً
لِي عَلَى العَاصِ بْنٍ وَائِلِ دَرَاهِمُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ.
فَقُّلتُ: لَا وَاللَّهِ لَا أَكْفُرُّ بِمُحَمَّدٍ بَيٍّ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ يَبْعَثَكَ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى
أَمُوتَ، ثُمَّ أُبْعَثَ، فَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا ثُمَّ أَقْضِيَكَ. فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِىِ كَفَرَ بِثَابَتِّنَا وَقَالَ
لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] الآيَةَ. [طرفه في: ٢٠٩١].

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرّحمَةِ
٤٥ - كِتَاب فِي اللُّقَطَةِ
واللُّقَطَّةُ() بضم اللام، وفتحِ القاف أَفْصَحُ وهو مبالغة اسم الفاعل، كالهمزة، كأنَّ هذا
الشيء يَتَطلَّبُ مَنْ يلتقِطه. وأما اللَّقطة بسكون القاف فغيرُ فصيح، وحينئذٍ يكون بمعنى اسم
المفعول، كاللَّقمة، والثاني هو الظاهر باعتبار المعنى. لكن اللغويين صرحوا بكون الأول
أفصح، وإن كان تخريجُهُ مُشْكِلًا.
١ - باب إِذَا أَخْبَرَهُ رَبُّ اللُّقَطَةِ بِالعَلاَمَةِ دَفَعَ إِلَيهِ
٢٤٢٦ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ سُوَيدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: لَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ:
أَخَذْتُ صُرَّةً فيها، مِائَةَ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ نَّمَ فَقَالَ: ((عَرَّفِهَا حَوْلًا)). فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، فَلَمْ
أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: ((عَرِّفِهَا حَوْلًا)). فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ ثَلَاثًا، فَقَالَ:
((احْفَظْ وِعَاءَهَا، وَعَدَدَهَا، وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّ فَاسْتَمْتِعْ بِهَا)). فَاسْتَمْتَعْتُ،
فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ. فَقَالَ: لَا أَدْرِي ثَلاثَةَ أَحْوَالٍ، أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا. [الحديث ٢٤٢٦ - طرفه في:
٢٤٣٧].
وهذا على الدِّيانة عندنا، فإِنَّ وثِق به وغَلَب على ظَنه صِدْقُه دفع اليه، ولا يجب عليه
قضاءً، نعم يجِب الأداءُ عند البِّنة.
٢٤٢٦ - قوله: (عَرِّفها حَوْلًا) وفي تحديد مدة التعريف خلافٌ في ((الجامع الصغير))،
و((المبسوط)) فلعلّ التوقيتَ في الأوّلِ بِحَوْلٍ، ولا تحديدَ في ((المبسوط)) فيُعرِّفها بقَدْر ما يرى،
وهو المختار عندي. وكذلك إن كانتِ اللَّقطة أقلَّ من عشرة دراهم، ففيه أيضًا خلافٌ بين
الكتابين، وأما ما في الحديثِ فمحمولٌ على الاحتياط، وليس حُكْمًا لاَزِمًا .
قوله: (وإلَّا فاسَتْمتِع بها) والاستمتاع عند الشافعية تَمَلُّكًا، وعندنا يُشْترط له إذنْ الإِمام،
وتفصيلُ مذهبنا أن المُلتقِط إن كان فقيرًا يَسْتمتِع بها بعد التعريف، وإلا فيتصدَّق بها، وله
الاستمتاعُ به أيضًا إذا أَذِن له الإِمام، كما في ((الهداية))، وسيجيء تحقِيقُه، واتفق الكُلُّ على
(١) وتكلَّم الشيخُ العَيْني في ضَبْط اللفظ - وتخريجه فراجعه.

٥٩٤
كتاب اللقطة
التَّضْمين إن طالبه المالِكُ بعد رجوعه، وتمسّك الشافعيةُ باستمتاع(١) أَبي، فإِنَّه كان من أغنياء
الصحابةِ، وأجاب عنه صاحب الهداية(٢) أَنَّه كان بعد إذن الإِمام، وهو جائزٌ عندنا أيضًا، ولم
(١) رُوي أنَّ سُفيان بن عبدِ الله وجد عَيْبةً، فأتى بها عمر رضي الله عنه، فقال: عرفها سنةٌ، فإِنْ عرفت. فذاك، وإلا
فهي لك. فلم تعرف. فلقيه من العام المقبل في الموسم، فذكرها له. فقال: هي لك، إنَّ رسولَ الله ◌ِِّ أمرنا
بذلك، قال: لا حاجةَ لي بها. فقبضها عمرُ، فجعلها في بيت المال. قوله: ((فهي لك))، ليس على جهة التمليك،
ولكن هي لك تَصْرِفُها فيما تحِبُّ صَرْفَها فيه. يؤيده ما رُوي عن عليٍّ رضي الله عنه، أنه وَجَد دينارًا، فجاء به إلى
النبيِّ وَ ◌ّر، فقال: ((يا رسول الله، وجدت هذا؛ قال: عَرِّفه، فذهب ما شاء الله، ثُم قال: قد عَرَّفتُه فلم أجد أحدًا
يَعْرِفه. قال: فشأنُك، فرهنه في ثلاثة دراهم في طعام وَوَدَك، فبينما هو كذلك إذ جاء صاحبُهُ عندَه، فعرَّفه، فجاء
عليٍّ إلى النبيِّ ◌َّهِ، فقال: هذا صاحبُ الدينار، قال: أَدِّه إليه، فأداه عليٍّ إليه بعد ما أكلوا منه)). لا يصلُح هذا
حجةٌ للشافعيِّ في تحليل اللُّقطة بعد الحَوْل للغنيّ أيضًا، لأنها لو رجعت إلى الصدقةِ لما حلَّت لعليٍّ، لأن الصدقةَ
عليه حرامٌ، لأنه حديثٌ مُنْقطع، رواه شرِيك عن عطاء بن يَسَار، وهو مُتكلم فيه، والصحيح عن عليٍّ اللُّقطة بعد
الحَوْل ما روى عاصم بن ضَمْرة، قال: جاء رجلٌ إلى عليٍّ، فقال: إني وجدت صُرَّة من دراهم، فلم أجد أحدًا
يَعْرِفها، فقال: ((تصدّق بها، فإِن جاء صاحِبُها ورضي، كان له الأجر، وإلا غَرِمتها له، وكان لك الأَجْر. ولا
يقال: كان أبي من أَيْسر أهل المدينة، وقد قال مَّ في لُقطة مائة دينار، وقد عَرَّفها ثلاثة أعوام: ((اعلم عَدَدها
ووِكاءَها، ثم استنفع بها)). لأن يساره إنما كان بعده وَّ، وكان قبل ذلك فقيرًا. يؤيدُه جَعْلُ أبي طلحةَ الأرض التي
جعلها الله تعالى، وقال الَّله: اجعلها في فقراء قرابتك، فجعلها لحسانَ، وأَبيّ، قال أنس راوي الحديث: ((وكانا
أقربَ إليه منِّي، ورُوي عن عبد الله بن عباس، وأبي هريرةَ، وابن عمر في اللقطة بعد الحَوْل، مِثْلُ ما ذكرناه عن
عمر، وعليٍّ في الصدقة بها، وتخيير صاحبها، إن جاء بين الأَجْر والتغريم، ولا يَسَع لأحد خلاف هؤلاء
الأعلام، وكراهية الأكل بعد الحَوْل للغنيٌّ مذهب أبي حنيفة، وأصحابه أجمعين.
قلت: وقد تكلّم عليه المارديني، وبسط فيه جدًا، ونقل عن عمر، وعليّ، وعائشة وابن عباس، وعبيد الله بن
عمر، وسعيد بن المسيَّب، والشَّعْبي، والحسن، وطاوس، وعِكْرمة أنه يتصدق بها بعد التعريف، وسردها بأسانيدِها
مع الذبِّ عمَّا تُكُلُّم في أسانيدها، وإنَّما اكتفيتُ بذِكْر الاسماء، أما من شاء التفصيل، فليرجع إلى كتابه، ونقل عن
((الأشراف)) لابن المنذر، وممَّن قال: يُعرِّفها حَوْلاً، ثُم يتصدَّقُ بها، ويُخَيِّرُ صاحِبُها إذا جاء بين الأَجْرِ والغُزم له،
مالكٌ، والحسنُ بن صالح، والثّورِيُّ، وأصحابُ الرأي. وقال الترمذي: هو قول الثوريّ، وابن المبارك، وأهل
الكوفة. اهـ. ((الجوهر النقي)) ملخصًا.
(٢) قلت: وفي مذكّرة أُخرى كتبتها عن الشيخ في أوائل الحال في تقرير كلام صاحب ((الهداية)) أن ههنا ولايتين:
ولايةٌ عامةٌ وهي للإِمام، وولايةٌ خاصةٌ وهي ولاية الرجل على نفسه، وقد تجتمعان، فتكون الولايةُ الخاصة تحت
الولاية العامة وقد تحذف العامَّة من اللفظ، وتُذْكر الخاصَّة فقط، فَيُتوهّم منه استقلالها، مع كون العامة ملحوظةً
هناك أيضًا، غايتها أنها لم تُذْكر لفظًا. فالولاية العامّة مرعيةٌ في الحالين. وبعبارة أُخرى أن التعبيرَ فيما اجتمعت
الولايتان يأتي على نحوين: بذكر الولاية الخاصة مع حَذْف العامَّة، وبذكْر العامَّة مع حذف الخاصة، كما في ترى
أفعال العباد، فإِنَّها تحت ولايةِ نفسه، وتحت الولاية العامة أيضًا، وهي ولايةُ الله تعالى على عباده. فَمِن النحو
الأَوَّل ﴿وَمَّ أَصَبَكُمْ مِّن تُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] أسْند الفِعَل إلى نفسه وولايته، كأنه ليست
هناك وِلايةٌ لأحدٍ، وهو الأَكْثَرُ، ومن النحو الثاني: ﴿قُلْ كُلٌ مِّنَّ عِندِ اللَّهِ﴾ فأسند كلها إلى العامَّة. وظهر أن الولاية
الخاصَّة كانت تحتَّ العامَّة مطلقًا، ذُكِرَتْ في اللَّفظ أم حُذِفت، ومن ههنا يَسْري الخِلاف، فمنهم مَنْ يقتصر على
اللفظ. فلا يُراعي الولاية العامة، وخالَ أن العبادَ خالِقون لأفعالهم، ومنهم مَن نظر إلى المحذوفة أيضًا، فلم
يَهْدر الولاية العامَّة لكونها مرعيةً في الحالين، فجعل العبدُ کاسِبًا، فقط.
=

٥٩٥
كتاب اللقطة
يَفْهَمْه صاحبُ ((العناية)) وزعم أن صاحب ((الهداية)) أجازَه تحت مسألةٍ عامَّة من باب القضاء، أنَّ
القضاءَ إذا لَحِقِ فَضْلًا مُجْتَهِدًا فيه صار مجمعًا عليه.
الله
وحاصله أن استمتاع الغني، وإن لم يكن جائزًا عندنا، لكنه إذا لحِق به قضاءُ النبي
صار جائزًا عندنا أيضًا. فبقي المَذْهب عدم الجواز. وإنَّما نزلنا إلى الجواز لمسألةٍ أخرى.
قلت: والصوابُ أن صاحب ((الهداية)) أجازه على المذهب، فللغَنيِّ أن يستمتع بها أيضًا عند إذن
الإِمام، أما ما ذكره صاحب ((العناية)) فلا اختصاص له ببابٍ دون باب، بل يجري في كلِّ باب،
كيف وإن هذا الباب إنما حدث بعد زمن الأئمة، والكلام في زمن النبيِّ نَّه.
ثم اعلم أنهم اختلفوا في تعريف المُجتهد فيه على ثلاثة آراء: ففي ((فتح القدير)): أن
المجتهد فيه ما دار فيه الخلافُ في القرون الأولى. ويستفادُ من كتاب - ((القُدُوري)) - أنه ما لا
يكون مخالفًا للكتاب والسنة والإجماع، فإِنْ خالفَ واحدًا منها لا يُسمى مجتهدًا فيه، والثالث ما
في عبارة صاحب ((الهداية)) فراجعه.
فائدة
واعلم أنَّ الأئمة إذا اختلفوا في مسألةٍ فلا سبيل لِرَفْعه إلا قضاءُ القاضي. فهذا باب في
الشريعة لرَفْع الخلاف من البَيْن، وكان لا بدَّ منه. فإِذا قَضَى به قاضٍ من أيِّ مذهبٍ كان، لَزِم
على الآخرين، وارتفع الخلافُ في ذلك الجزئي، وصار مجمعًا عليه.
إذا علمت هذا فاعلم أن للإمام ولايةً عامَّة، لأَنْ يأذن بالاستمتاع لِمنْ شاء من رعيته، وللرجل ولايةً خاصَّة
يَصْرِفها على نفسه، ولكنها تحت الولاية العامة. فَمهما تُحذف العامة من اللفظ يتبادر إلى الذهن انتفاؤها رأسًا،
مع كونها مرعيةً في النظر، ولا بد، وهو على شاكلة قوله بَّرَ: ((فإن جاء صاحِبُها، وإلا فشاتُك بها)». فإِنَّه يدلُ
على أن الملتقِطَ يَصْرِفها على نفسه بولايتها، مع قَطْع النّظر عن الولاية العامَّة، ونقول: إن الاستمتاعَ لا نُنْكِره
أيضًا، إلا أنه تحت ولايةِ الإِمام، لأن ولايته مرعيةً في الحالين، فلا يحل له الاستمتاعُ ما لم يأذن به الإِمام.
فهذا تخييرٌ في العبارة فقط، وإنَّما يُتوهم التخييرُ لحذف الولاية العامَّة من اللفظ، كيف وإنَّ اللقطة ليست من
مال نفسه، فلا بد أن يكون له إذنْ، إما من صاحبه، وإن فاته ذلك، فلا أقل مِن أن يكون مَنْ ينوبُ عنه في
غيبوبته، وهو الإِمام، وإذا لم يكن عنده لا هذا. ولا ذاك فلا خيرَ له في استمتاعه، إلاَّ أن يكون فقيرًا مُحتاجًا
إليه .
هذا هو الذي أراده صاحب ((الهداية)) من إِذْن الإِمام، لاجرّه إلى باب القضاء في الفَصْل المُجْتهد فيه. وهذا الذي
أقول في قوله ◌َّر: فإنه لا صلاة من لا يقرأ بها، فإنه حال عامة، إذا لم يكن تحت ولاية عامة، أما إذا كان تحت
ولاية الإِمام، فليس حالة ذلك، وتكون له صلاةٌ مع عدم القراءة، يتحمّلُها الإِمام عنه، ولما كان حاله ذلك في حال
الانفراد، توهّم كونه حالاً له في الاقتداء، يقول العبد الضعيف: ومن هذا الباب قولُه ◌َّر: ((أقيموا الحدود على
أرقائكم))، وقوله: ((من قتل قتيلاً فله سَلَبُه، وقوله: ((مَنْ أحيا أرضًا ميتةً فهي له، كلها عندنا تحت ولاية عامةٍ، فإِنَّ
الحُدود إلى الإِمام، والسَّلبُ والإِحياء من أذنه، وخالفنا الشافعية في الأحاديث كلّها قصرًا على الولاية الخاصة .
وراجع تفصيله من هذا التقرير ولقد بسطت الكلام على ما فهمت، وكانت المذكرة مجملة جدًا، لا أدري أهذا كان
مرادُ الشيخ أم لا؟ والله تعالى أعلم.

٥٩٦
كتاب اللقطة
٢ - بابُ ضَالَّةِ الإبلِ
٢٤٢٧ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ: حَدَّثَنَا سُفِيَانُ، عَنْ رَبِيعَةَ:
حَدَّثَنِي يَزِيدُ مَوْلَىِ المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ أَغْرَابِيٌّ
إلى النَّبِيِّ ◌َِّ فَسَأَلَهُ عَمَّا يَلْتَقِظُهُ، فَقَالَ: ((عَرِّفِهَا سَنَةً، ثُمَّ احْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ
جَاءَ أَحَدٌ يُخَبِرُكَ بِهَا وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْهَا)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: ((لَكَ أَوْ
لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّتْبِ)). قَالَ: ضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ النَّبِّ ◌ِ فَقَالَ: ((مَاَ لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا
حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَاَ، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ)). [طرفه في: ٩١].
٣ - بابُ ضَالَّةِ الغَنَمِ
٢٤٢٨ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِيَ سُلَيمَانُ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ يَزِيدَ
مَوْلَى المُنْبَعِثِ: أَنَّهُ سَمِعَ زَيدَ بْنَ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: سُئِلَ النَّبِيُّ ◌َةِ عَنِ اللَّقَطَّةِ،
فَزَعَمَ أَنَّهُ قَالَ: ((اعْرِف ◌ِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفِهَا سَنَةٌ)). يَقُولُ يَزِيدُ: إِنْ لَمْ تُعْتَرَفِ
اسْتَنْفَقَ بِهَا صَاحِبُهَاَ، وَكَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ. قَالَ يَحْيى: فَهذا الَّذِي لَا أَذْرِي أَفِي حَدِيثٍ
رَسُولِ اللّهِ يَّةِ هُوَ أَمْ شَيءٌ مِنْ عِنْدِهِ. ثُمَّ قَالَ: كَيفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الغَنَم؟ قَالَ النَّبِيُّ ◌َلِ :
((خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَّكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ)). قَالَ يَزِيدُ: وَهِيَ تُعَرَّفَّ أَيضًا. ثُمَّ قَالَ:
كَيفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الإِبِلِ؟ قَالَ: فَقَالَ: ((دَغْهَا فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ المَاءَ
وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَاَ رَبُّهَا)). [طرفه في: ٩١].
٢٤٢٨ - قوله: (وكانت وَدِيعةً عِنْدَه) أي عند المُلتقِط، فيه دليلٌ على أنَّه يجب عليه الأداءُ
عند مجيء صاحبه. ثم الوَدِيعةُ أخصُّ من الأمانة؛ فالوديعة ما أودعه الرَّجُل بِنَفْسه، بخلاف
الأمانة. وحينئذٍ عَلِمت أن في إطلاق الوَدِيعة مسامحةٌ من الرَّاوي.
٤ - بابٌ إِذَا لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ فَهِيَ لِمَنْ وَجَدَهَا
٢٤٢٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ،
عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُوَّلٍ
اللّهِ فَهِ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: ((اَغَرِف ◌ِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ
صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا)). قَالَ: فَضَالَّةُ الغَثَمِ؟ قَالَ: ((هِيَ لَكَ أُوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذَّتْب)).
قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: ((مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ
حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا)). [طرفه في: ٩١].
قال الشَّارِحون: مرادُه أنَّ اللُّقطة بعد التعريف سنةً تكونُ مملوكةً للواجد، ولا يجب عليه
ضمانٌ وإن جاء صاحبُها وطالب بالضَّمان، وهذا خلافُ الجمهور. ثُم تتبعوا أنه هل ذَهبٍ إليه
ذاهبٌ أم لا؟ لئلا يبقى المصنِّفُ متفردًا فيه، فقالوا: إنه مَذْهبُ الكرابيسي أيضًا. ثُم إنَّ هذه

٥٩٧
كتاب اللقطة
الترجمةَ تُنَاقِضُ تَرْجَمتَه في الصفحة الثانية («باب إذا جاء صاحِبُ اللُّقَطة بعد سنة ردَّها عليه، لأنها
وديعةٌ عنده)) اهـ. فإِنها تَدُلُّ على أَنَّه لا يَمْلِكُها، ولكن يجب عليه الردُّ.
قلت: ولا تنافي بينَ التَّرْجَمتيْن، فإِنَّ الأولى فيما إذا صَرَفها على نَفْسه بعد سنة، ولم
يجىء المالك. والثانية فيما إذا جاء المالِكُ والشيءُ قائمٌ في يده، فيكون في يده وديعةٌ لا
محالةَ: والحاصل أن الأولى فيما صَرَفه على نَفْسه. والثانية فيما كان موجودًا عنده. والشارِحون
يحملون تراجمه على مسائلهم التي في فِقْههم، مع أن المصنّف ليس بتابع لهم، فيختار من
المسائل ما شاء، ويترك ما شاء؛ والحاصل أنه لا دليلَ في تلك الترجمة على كَوْنِ اللَّقطةِ مملوكةً
عنده، ولكنه أباح له بعد سَنةٍ أن يصرفها إلى نفسه، سواء كان غنيًا، أو فقيرًا؛ فإِنْ لم يجىء
مالِكُها فلا ضمانَ عليه، وأما إن جاء صاحِبُها، واللقطةُ في يده، فهي له لكونها وديعةً عنده، ولا
أدري كيف حملوها على التملك! مع أنَّه صرَّح في ترجمةٍ أخرى أنها وَدِيعةٌ عنده، وأنه يردُّها
إليه .
فائدة: الكلام في الكرابيسي
هذا هو حُسينُ بن علي الكرابيسي، وهو رجلٌ عظيمُ الشَّانِ، من تلامِذة الشَّافعي،
معاصرٌ لأحمدَ، وشيخُ للبخاري، ومنه تَعلَّم البخاريُّ قوله: ((لَفْظي بالقرآن مخلوق)). ثمُ إنَّ
الناس اختلفوا فيه، ولا أعرف فيه شيئًا، إلا أنَّ أحمد لم يكن راضيًا عنه، لأنه وَرَّى في مسألة
خَلْق القرآن، ولم يختر في التعبير ما اختاره الإِمام أحمدُ، وتِلك سُنَّة قد جرت من قبل، أَنْ
مَن يقاسي المصائب، ويتحمل المشاقّ للذين، تُجلب قلوبُ الناس إليه، وَيَنْزلُ له القبولُ في
الأرضِ، ويصيرُ ذا وجاهةٍ ومكانةٍ بين الناس، فَمَدْحُه مَدْحِ، وقَدْحُه قدح، كما ترى اليوم
أيضًا؛ فلما تكلَّم أحمدُ في تلك المسألةِ، وصُبَّت عليه من المصائب التي عَلِمها العوامُّ
والخواصُّ، فصبر عليها، وُضِع له القبولُ في الأرض؛ فكلُّ مَنْ جرَّح فيه أحمدُ صار مجروحًا
عندهم، ومَنْ وَثَّقه صار عندهم ثقةٌ. وهذا هو السرُّ في خُموله، وإلا فلا رَيْب في كونه رجلًا
عظيم القَدْر، نبيه الشأن. وفي كتاب ((التاريخ)) أنَّ عقائد البخاريِّ أكثرُها مأخوذةٌ من
الكرابيسي، ومنها: ((لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فلو كان سببًا للجرح، فالبخاريُّ أيضًا قائل به،
فيلزم أن يكونَ أيضًا مجروحًا .
٥ - بابٌّ إِذَا وَجَدَ خَشَبَةً فِي البَحْرِ أَوْ سَوْطًا أَوْ نَحْوَهُ
٢٤٣٠ - وَقَالَ اللَّيثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَسَاقَ
الحَدِيثَ: ((فَخَرَجَ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا هُوَ بِالخَشَبَةِ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا،
فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ)). [طرفه في: ١٤٩٨].
والتعريفُ في مِثْل هذه الأشياء اليسيرةِ يكونُ بِقَدْر ما يرى، فيعرِّفها أيامًا معدودةً.

٥٩٨
كتاب اللقطة
٦ - بابٌ إِذَا وَجَدَ تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ
٢٤٣١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلحَةَ، عَنْ أَنَسٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌ََّ بِتَمْرَةِ فِي الطَّرِيقِ، قَالَ: (لَوْلا أَنِّي أَخَاف أَنْ تَكُونَ مِنَّ
الصَّدَقَةِ لأَكَلتُهَا)). [طرفه في: ٢٠٥٥].
٢٤٣٢ - وَقَالَ يَحْيى: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ. وَقَالَ زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ،
عَنْ طَلحَةَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نَّرَ قَالَ: ((إِنِّي لأَنْقَلِبُ إِلَى
أَهْلِيَّ، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، فَأَرْفَعُهَاَ لِآَكُلَّهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً
فَأُلقِيهَا» .
وهذا من الأشياءِ التافهة، التي عُلِم أن صاحِبَها لا يَظْلُبها، فلا تعريفَ فيها. وأما
النبيُّ رََّ، فإنَّما امتنع عن أَكْلِها مخافةَ أن تكون من الصدقة. وفي الكتب؛ أنَّ عمر مرَّ على
أعرابي يعرِّفُ تمرًا، فَخَفَقَهُ بالدِّرَّة، وقال: ((كُل يا باردَ الزُّهد)).
٧ - بابٌ كَيفَ تُعَرَّفُ لُقَطَةُ أَهْلِ مَكَّةَ
وَقَالَ طَاؤُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((لَا يَلْتَقِطُ
لُقَطَتَهَا إِلَّ مَنْ عَرَّفَهَا)). وَقَالَ خَالِدٌ،َ عنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عنِ النَّبِيِّ بَّرْ قَالَ: ((لَا
تُلْتَقَطُ لُقَطَّتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ)».
٢٤٣٣ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ،
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((لَا يُعْضَدُ
عِضَاهُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا)). فَقَالَ
عَبَّاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّ الإِذْخِرَ، فَقَالَ: ((إِلَّ الإِذْخِرَ)). [طرفه في: ١٣٤٩].
٢٤٣٤ - حدّثنا يَحْيى بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ:
حَدَّثَنِي يَحْيِى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا فُتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَّرَ مَكَّةَ، قَامَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنِى
عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيهَا رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا
تَحِلُّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا
يُنَفَّرُ صَيدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ. وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيِلٌ فَهُوَ
بِخَيرِ النَّظَرَينِ: إِمَّا أَنْ يُقِدَى وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ)). فَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّ الإِذْخِرَ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا
وَبُيُوتِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((إِلَّ الإِذْخِرَ)). فَقَامَ أَبُو شَاءٍ، رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، فَقَالَ:
اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((اكْتُبُوا لِأَبِي شَاءٍ)). قُلتُ لِلأَوْزَّاعِيِّ: مَا

٥٩٩
كتاب اللقطة
قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِ؟ قَالَ: هذهِ الخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللّهِ ◌َّهِ .
[طرفه في: ١١٢].
ولا فَرْق بينِ التعريفِ في لُقطة مكةَ وغيرها عندنا؛ وإنما خَصَّصها بالذِّكْر لمِظنة عدم
التعريف فيها، فإِنَّ الِبُقعةَ يَرِدُها الصادرُ والوارد، ويَقْصِدُها الناس من كلِّ نجِّ عميقٍ، فلعلّه يُشْكِل
فيها التعريفُ، ويتعذَّرُ وجدَانُ مالكها، فلا يفيدُ فيها التعريف، فأكّده في لُقطة الحَرَم أيضًا، وقال
الحجازيونَ: حُكمُها التعريفُ دائمًا ولا سبيل إلى إنفاقها(١).
٨ - بابٌ لاَ تُحْتَلَبُ مَاشِيَةُ أَحَدٍ بِغَيرِ إِذْنٍ
٢٤٣٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُول اللَّهِ بِ قَالَ: ((لا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةً أَمْرِىءٍ بِغَيرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ
أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرَبَتُهُ، فَتُكْسَرَ خِرَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ
أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ» .
قوله: (مَشْرَبَتُه) في الأصل هي العُلْبةُ التي يُوضَع فيها الماء ليبردَ، ثم استعملت في العُلبة
مُطلقًا .
٢٤٣٥ - قوله (لا يَحْلِبِنَّ أَحَدٌ ماشيةَ امرئٍ) ... إلخ واستُشكل بِشُرْبٍ أبي بكر في سُفر
الهجرة، وسيجيءُ الجوابُ عنه.
٩ - بابٌ إِذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ رَدَّهَا عَلَيهِ،
لأَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ
٢٤٣٦ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمُنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدِ الجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا
سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِ عَنِ اللُّقَطَةِ، قَالَ: ((عَرِّفِهَا سَنَةً، ثُمَّ اغْرِفٍ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ
اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: ((خُذْهَا،
فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئَبِ)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَضَالَّةُ الإِبِلَّ؟ قَالَ: فَغَضِبَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْتَتَاهُ، أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا لَّكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا
حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، حَتَّى يَلِقَاهَا رَبُّهَا)). [طرفه في: ٩١].
(١) قال الخطابي: اختلف الناسُ في حُكُم ضالَّة الحرم: فذهب أكثرُ أهلِ العلم إلى أنه لا فَرق بينها وبين ضالة
الحِلِّ، وكان ابنُ مهدي يَذْهب إلى التفرقةِ بينها وبين سائر البقاع، ويقول: ليس لواجِدِها منها غير التعريف ابدًا،
ولا يملِكُها بحال، ولا يستَنْفِقُها، ولا يتصدق بها حتى يَظْفَرَ بصاحبها. ويُحْكى عن الشافعيِّ نحو هذا القول.
اهـ. ((الجَوْهر النَّقي)».

٦٠٠
كتاب اللقطة
واعلم أن بين تَرْجمة المصنِّف، والحديثِ تخالفًا؛ فإِنَّ ترجمته تدلُّ على كونِها وديعةً
عنده، والحديث يدلُّ على إنفاقه، ثُم التضمينُ بعد رجوعٍ صاحبها، وللبخاري أن يقول معنى
قوله: ((فإِن جاء صاحِبُها)) أي جاء ووجدها، وحينئذٍ تَحْصُلُ المطابقةُ.
١٠ - بابٌ هَل يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ وَلاَ يَدَغُهَا تَضِيعُ
حَتَّى لاَ يَأْخُذَهَا مَنْ لاَ يَسْتَحِقُّ؟
٢٤٣٧ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيلٍ قَالَ: سَمِعْتُ
سُوَيدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ سلمَانَ بْنِّ رَبِيعَةَ وَزَيْدِ بْنِ صُوِحِانَ فِي غَزَاةٍ، فَوَجَدْتُ سَوْطًا،
فَقَالَ لِي: أَلقِهِ، قُلتُ: لَا، وَلِكِنْ إِنَّ وَجَدْتُ صَاحِبَهُ وَإِلَّ اسْتَمْتَعْتُ بِهِ، فَلَمَّا رَجَعْنَا
حَجَجْنَا، فَمَرَرْتُ بِالمَدِينَةِ، فَسَأَلتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللُّهُ عَنْهُ فَقَالَ: وَجَدْتُ صُرَّةً عَلَى
عَهْدِ النَّبِيِّ نَّةُ فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ بِهَا النَّبِيَّ ◌َسَِّ، فَقَالَ: ((عَرِّفِهَا حَوْلًا)). فَعَرَّفْتُهَا
حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيتُ، فَقَالَ: ((عَرِّفْهَا حَوْلًا)). فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: ((عَرِّفِهَا حَوْلًا)).
فَعَرَّفتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيتُهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: ((اعْرِف عِدَّتَهَا، وَوِكَاءَهَا، وَوِعَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ
صَاحِبُهَا، وَإِلَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا)).
حدّثنا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ: بِهِذا، قَالَ: فَلَقِيتُهُ بَعْدُ
بِمَكَّةَ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي أَثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا. [طرفه في: ٢٤٢٦].
١١ - باب مَنْ عَرَّفَ الُّقَطَةَ وَلَمْ يَدْفَعْهَا إِلَى السُّلطَانِ
٢٤٣٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ رَبِيعَةَ، عنْ يَزِيدَ مَوْلَى
المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ أَغْرَابِيًا سَأَلَ النَّبِيَّ نَّهُ عَنِ اللُّقَطَّةِ، قَالَ:
((عَرِّفهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا، وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْ بِهَا)). وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةٍ
الإِبِلِ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: ((مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ
الشّجَرَ، دَعْهَا حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا)). وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الغَثَم، فَقَالَ: ((هِيَ لَكَّ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ
لِلذِّثْبِ)). [طرفه في: ٩١].
أي لم يدفعها إلى السلطان، بل عَرَّفها بنفسه.
١٢ - بابٌ
٢٤٣٩ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا النَّصْرُ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنِ أَبِي إِسْحَاقَ
قَالَ: أَخْبَرَنِي البَرَاءُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (ح). وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ:
حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ، عَنْ أَبِيِ بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:
انْطَلَقْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَم يَسُوقُ غَنَمَّهُ، فَقُلتُ: لِمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ،