النص المفهرس

صفحات 521-540

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
٣٨ - كِتَابُ الحَوَالاَتِ
١ - بابٌّ في الحَوَالَةِ، وَهَل يَرْجِعُ في الحَوَالَةِ؟
وَقَالَ الحَسَنُ وَقَتَادَةُ: إِذَا كَانَ يَوْمَ أَحالَ عَلَيهِ مَلِيًّا جازَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَتَخَارَجُ
الشَّرِيكانِ وَأَهْلُ المِيرَاثِ، فَيَأْخُذُ هذا عَينًا وَهذا دَينًا، فَإِنْ تَوِيَ لأَحَدِهِمَا لَمْ يُرْجِعْ عَلَى
صَاحِبِهِ .
قوله: (وهَلْ يَرْجِعُ في الحَوَالَةِ) والمصنِّفُ أَبْهَمَ في الكلام، ورَاجِعْ له («الهداية»، فقد يجوز
رجوعُ المُخْتَالَ على المُحِيلِ في جزئيات، فمن جملة تلك الجزئيات هذه.
قوله: (يَوْمَ أَحَالَ عَلَيْهِ) يعني أنه كان غنيًّا يوم الحَوَالَةِ.
قوله: (يَتَخَارَجُ الشَّرِيكَان) والتَّخَارُجُ(١) بابٌ في السِّرَاجي، وهذا بابٌ في الورثة.
والمصنِّفُ وَضَعَهُ بين الشركاء أيضًا، وله وجهٌ أيضًا.
قوله: (هذا عينًا وهذا ديْنًا)، يعني: أَخَذَ واحدٌ منهما الموجودَ، والآخرُ المعدومَ، ويَلْزَمُ
فيه الربا في بعض الصور في فِقْهِنَا .
٢٢٨٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ نََّ قالَ: ((مَظْلُ الغَنِيِّ ظُلمٌ، فَإِذَا أُتْبَعَ
أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيّ فَلَيَتَبَعْ)). [الحديث ٢٢٨٧ - طرفاه في
٢٢٨٧ - قوله: (مَظْلُ) (تال متول).
حكايةٌ: لَقِي الصعلوكُ المجنونُ أبا حنيفة في بعض طريقه مرَّةً، وكان في يده خبزٌ يأكله.
فأدَّبه أبو حنيفة، وقال له: أَمَا كنتَ تَجِدُ مكانًا فَتَفْعُدُ فيه، وتأكل طعامك؟! فما أقل صبرك أيها
الصعلوك. فأجابه، وأسند في الحال هذا الحديث، وقال: مَظْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، يعني به: أن النفسَ
جائعةٌ، فإذا ظَفِرْتُ بالخبز وصِرْتُ غنيًا، فحينئذِ التأخيرُ في الأكل مَظْلٌ وظلمٌ، فتبسَّم منه أبو
حنيفة. وكان الصعلوكُ كالبهلول في زمن الرشيد، وهو عندي مَجْذُوبٌ.
(١) قلت: وفي السراجي، في فصل التَّخَارُج: من صَالَحَ على شيءٍ معلومٌ من التركة، فَطَرَحَ سِهَامَهُ من التصحيح، ثم
أقسم ما بقي من التركة على سهام الباقيين. كزوج، وأمّ، وعمٍّ، فَصَلَحَ الزوجُ على ما في ذمته من المهر، وخرج
من البين، فَتُقْسَمُ باقي التركة بين الأمُّ، والعمِّ، أثلاثًا بقدر سهامهما: سَهْمَان للأمِّ، وسهمٌ للعمِّ . اهـ .
٥٢١

٥٢٢
كتاب الحوالات
٢ - بابٌ إِذَا أَحَالَ عَلَى مَلِيّ فَلَيسَ لَهُ رَدُّ
٢٢٨٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنٍ ذَكْوَانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِقالَ: ((مَظْلُ الغَنِيِّ ظُلمٌ، وَمَنْ أَتْبِعَ عَلَىَّ مَلِيّ
فَلَيَتَّبِعْ)). [طرفه في: ٢٢٨٧].
٢٢٨٨ - قوله: (ومن أُتْبَعَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتَّبَعْ)، معناه: إذا كان لأحدٍ عليكَ شيءٌ، فَأَحَلْتَهُ
على رجلٍ مليء، فَضَمِنَ ذلك منكَ، فإن أُفْلَسْتَ بعد ذلك، فله أن يَتَّبَعَ صاحب الحَوَالِةِ، فَيَأْخُذُ
منه .
واعلم أن قيد المصنّف: فإن أفلست ... إلخ، وقع في غير موضعه، فإن إفلاسَ المُحِيل
غير مُؤَثِّرٍ، ولا دَخْلَ له لههنا. نعم لو ذكر إفلاس المُخْتَال عليه لكان أحسن، فإن له جزئيات في
الفقه .
٣ - بابٌ إِنْ أَحالَ دَينَ المَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَازَ
٢٢٨٩ - حدّثنا المَكِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ وَّةٍ إِذْ أُنِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيهَا، فَقَالَ:
(هَلْ عَلَيهِ دَينٌ؟)) قالُوا: لَا، قالَ: ((فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟)) قالُوا: لَا، فَصَلَّى عَلَيهِ. ثُمَّ أُتِيَ
بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلِّ عَلَيِهَا، قَالَ: ((هَلٍ عَلَيهِ دَيْنٌ؟)) قِيلَ: نَعَمْ،
قَالَ: ((فَهَل تَرَكَ شَيْئًا؟)) قالُوا: ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ، فَصَلَّى عَلَيهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِئَةِ، فَقَالُوا: صَلِّ
عَلَيهَا، قالَ: ((هَل تَركَ شَيْئًا؟)) قالُوا: لَا، قالَ: ((فَهَل عَلَيهِ دَينٌ؟)) قالُوا ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ، قالَ:
((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ))، قَالَ أَبُو قَتَادَة: صَلِّ عَلَيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَليَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَلَيهِ.
[الحديث ٢٢٨٩ - طرفه في: ٢٢٩٥].
٣ - بابٌ إِذا أَحَالَ دين الميت(١) على رجلٍ جاز
في ((الهداية)): أن دينَ المَيِّت لا يَقْبَلُ الحَوَالَةَ، وليس في الحديث ما يَرِدُ علينا، لأنه من
(١) رَوِي عن أبي هُرَيْرَة: ((أن رسولَ الله وَِّكان يُؤْتَى بالمِيِّت عليه الدين، فَيَسْأَلُ ما ترك لدينه من قضاءٍ؟ فإن
حَدَثَ أنه ترك وفاءً صلَّى عليه. وإن قِيلَ: لا، قال: صَلُّوا على صاحبكم. فلمَّا فَتَحَ الله عزَّ وجلَّ عليه الفتوحَ،
قال: أنا أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُؤُنِّي فعليه دينٌ فعليّ قضاؤه، ومن تَرَكَ مالًا فلورثته، فيه تسويةٌ من
عليه دين وترك وفاءً، ومن لا دينَ عليه في جواز صلاته عليه. وإن كانت الذمةُ لا تَبْرَأُ بمجرد ترك الوفاء حتى
یُؤَنّی عنه.
وكذلك الكفالة. رُوِيَ أن رسولَ الله ◌َ ◌ّ دُعِيَ إلى جنازة رجل من الأنصار، فلمَّا وُضِعَ السرير، وتقدَّم لِيُصَلَّيَ عليه
التفت، فقال: أعلى صاحبكم دينٌ؟ فقالوا: نعم يا رسول الله. قال: صلوا على صاحبكم. فقال أبو قتادة
الأنصاريُّ: هو إليَّ يا نبي الله، فصلَّى عليه)». ففي هذا جوازُ صلاته بالكفالة، وإن كان الدينُ لا يَسْقُطُ بها عنه . =

٥٢٣
كتاب الحوالات
باب الوُثُوق بوعد رجلٍ صَدُوقٍ، لا من بابِ الكَفَالَةِ، أو الحَوَالَةِ. فهو بابٌّ آخر، وإدخالُه في
باب الحَوَالَةِ ليس بذاك. وإرجاعُ الأبواب كلُّها إلى أبواب الفِقْهِ ليس بشيءٍ. فإنا نَجِدُ أبوابًا،
كالمروءة، وغيرها، لا نجد لها أثرًا في الفقه. كيف وأنها لا تَلِيقُ بموضوع الفقهاء، فهذه تكون
جائزةٌ في نفسها، فإذا جَرَتْ إلى الفقه عادت إلى عدم الجواز، فليتنبَّهْ في تلك المواضع.
وما روى عبد الله بن أبي قتادة، عن أبي قتادة أنه قال: تُوُفِّي رجلٌ منا، فذهبوا به إلى رسول الله ◌ََّ لِيُصَلِّيَ عليه
=
فقال: هل ترك من شيء؟ قالوا: لا، والله ما ترك شيئًا. قال: فهل عليه دينًا؟ قالوا: نعم ثمانية عشر درهمًا، قال:
فهل ترك لها وفاءً؟ قالوا: لا، والله ما ترك لها قضاء من شيءٍ. قال: فصلُّوا على صاحبكم. فقال أبو قتادة: يا
رسول الله، أرأيت إن أنا قَضَيْتُ عنه أَتُصَلْي عليه؟ قال: نعم إن قضيت عنه صليت عليه، فذهب أبو قتادة فقضى
عنه، ثم جاء فقال: قد وفيت ما عليه؟ فقال: نعم، فدعا به، فصلَّى عليه))، هو حديثٌ فاسدُ الإِسناد، لا تقوم بمثله
حُجَّةٌ، لأنه قد رُوِيَ: أن عبدَ الله أَنْكَرَ سماعه من أبيه، وقال: إما حدثني به من أهلي من لا أَتَّهِمُ.
وفيه إلزامُ رسول الله ◌َّ الكفيل الكفالة بغير أمر المكفول عنه. وفيه إلزامه بغير قَبُول المكفول له، كما قاله أبو
يوسف، ومحمد خلافًا لأبي حنيفة. وفيه إلزامُه الكفالة بالدين الذي علي الميّت المُفْلِس، كما قالا، خلافًا للإِمام،
لأن بالموت خَرِبَتْ الذمة، فسقط الدين. ولكن الرسولَ بَّرَ هو المُتَّبَعُ والمُقْتَدي. رُوي عن جابر بن عبد الله: أن
رجلًا مات، وعليه دينٌ، فلم يُصَلِّ عليه النبيُّ وَّرِ حتى قال أبو اليَسَر، أو غيره: هو إليَّ، فصلَّى عليه. فجاءه من
الغد يَتَقَاضَاهُ، فقال: ((إنما كان ذلك أمس. ثم أتاه من بعد الغد، فأعطاه. فقال: الآن بَرُدَتْ عليه جلدته)). ففيه
إلزامُ الكفيل عن الميِّت المُفْلِس. وفيه أن الذي عليه لم يَبْرَأْ بوجوبه على الكفيل إلاَّ بعد القضاء. وفيه دليلٌ على
صحة ما كان أبو حنيفة، وأصحابه.
والشافعيون يَذْهَبُون إليه في المال المكفول به: أن للغريم مُطَالبة الكفيل والمَكْفُول عنه، أيهما شاء، خلافًا لِمَا قاله
مالك، بأنه لا يُطَالِبُ الكفيل إلاَّ عند عجزه عن مطالبة الأصيل. لأن الميِّتَ المكفولَ عنه ما ترك وفاءً، فلذلك لَزِمَ
الكفيلُ. ولأن المَكْفُولَ عنه إذا كان حاضرًا قادرًا، فإن أخذ من الكفيل يُؤْخَذُ في حينه من الأصيل، فأخذه من
الأصيل أقلُّ عناءً، فهو أَوْلَى.
قال الطحاويُّ في قوله: ((الآن بَرُدَتْ عليه جلدته)) دليلٌ على صحة ما ذهب إليه أبو حنيفة، وأصحابه. فمن قَضَى
دينًا عن رجلٍ بغير أمره، ليس له أن يَرْجِعَ عليه، لأنه لو بَقِيَ على الميت لَمَا بَرُدَتْ جلدته. ولكن قول مالك في
الحيِّ، وفي الميِّت الذي له وفاءً، والحديثُ في الميت المُفْلِسِ. ثم كيف يُخْتَجُ لأبي حنيفة بالحديث، وهو لا
يقول بجواز الكَفَّلَةِ عن الميّتِ المُفْلِسِ، اللهم إلاَّ أن يُقَالَ: إن عنده يَجُوزُ، ولكن لا يَلْزَمُ وهو الأَصَحُّ.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
٣٩ - كِتَابُ الكَفَالَةِ
١ - باب الكفَالَةِ في القَرْضِ وَالدُّيُّونِ بِالأَبْدَانِ وَغَيرِهَا
واعلم أن الكَفَالَةَ على نحوين: كفالةٌ بالنفس، ويكون فيها كَفِيلٌ، ومَكْفُولٌ له، وبه. وكَفَالَةٌ
بالمال، وفيها مَكْفُولٌ عنه أيضًا مع سائر الألقاب.
ثم القرضُ والدينُ يفترقان. فالقرضُ ما يأخذه الرجل لحوائجه، ويُعَدُّ إعانةً في الحال.
والدينُ ما يَلْزَمُ في المُعَاوَضَات والمعاملات. ثم التأجيلُ لا يَلْزَمُ في باب القرض، فَلِلْمُقْرِضِ أن
يُطَالِبَهُ قبل حلول الأجل، بخلاف الدين، فإنه يَقْبَلُ التأجيل، وليس لصاحب الدين أن يُطَالَبَ من
عليه الدين قبل حلول الأجل. ولفظه في الفِقْهِ: أن تأجيلَ القرض ليس بصحيح. ولم يَفْهَمْهُ بعضُهم،
فَحَمَلَهُ على الإِثم، أي إن التأجيلَ في القرض معصيةٌ، وليس بصحيحٍ. بل معناه: أنه ليس بلازم، لا
أنه معصيةٌ. وكذا لا تَصِحُ الكَفَالَةُ في القرض، لأنه من باب الاعتماد، فإن لم يكن له اعتمادً عليه
ينبغي أن لا يُقْرِضَهُ. بخلاف الدين، فإنه مضمونٌّ بنفسه، على ما فُصِّلَ في الفِقْهِ.
٢٢٩٠ - وَقالَ أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرِو الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ
عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، فَوَقَعَ رَجَلٌ عَلَى جارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَأَخَذَ حَمْزَةُ مِنَ الرَّجُلِ
كَفِيلًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَلَدَهُ مِائَةَ جَلدَةٍ، فَصَدَّقَهُمْ وَعَذَرَهُ بِالجَهَالَةِ.
وَقَالَ جَرِيرٌ وَالأَشْعَثُ لِعَبدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ في المُرْتَدِّينَ: اسْتَنِبْهُمْ وَكَفِّلُهُمْ، فَتَابُوا، وَكَفَلَهُمْ
عَشَائرُهُمْ. وَقَالَ حَمَّدٌ: إِذَا تَكَفَّلَّ بِنَفسِ فَمَاتَ فَلَا شَيءَ عَلَيهِ، وَقالَ الحَكَمُ: يَضْمَنُ.
٢٢٩٠ - قوله: (جَارِيَةِ امْرَأتِهِ) أي كانت مملوكةً لزوجته، ولم تَكُنْ مملوكةٌ للزوج.
وحاصلُ تلك القصة(١): أَنَ رجلًا وَطِىء جاريةَ امرأته، فأراد السَّاعي أن يُقِيمَ عليه الحدَّ. فقال
٠
وتفصيلُه على ما أخرجه الشيخ بدر الدين رحمه الله بإِسنادٍ سَرَدَهُ: ((أن عمر بن الخطاب بَعَثَهُ مُصَدِّقًا على سعد بن
هُذَيْم - اسم قبيلة - فأتى حمزة بمال ليُصْدِقَه، فإذا رجلٌ يقول لامرأته: أدِّي صدقةَ مال مَوْلَاكِ، وإذا المرأةُ تقول
له: بل أنتَ، فأدِّ صدقةً مال ابنك. فسأله حمزةُ عن أمرها، وقولهما. فأَخْبرَ أن ذلك الرجل زوج تلك المرأة،
وأنه وَقَعَ على جاريةٍ لها، فَوَلَدَتْ ولدًا، فَأَعْتَقَتْهُ امرأته. قالوا: فهذا المال لابنه من جاريتها، فقال له حمزةُ:
لأَرْجِمَنَّكَ بالحجارة، فقيل له: أَصْلَحَكَ الله! إن أمرَهُ قد رُفِعَ إلى عمر بن الخطاب فجلده عمر مائة، ولم يَرَ عليه
الرجم. فأخذ حمزةُ بالرجل كفيلاً حتى يَقْدُمَ على عمر، فيسأله عمَّا ذُكِرَ من جلد عمر إياه، ولم يَرَ عليه رجمًا .
فصدَّقهم عمر بذلك من قولهم، وقال: إنما دَرَأَ عنه الرجم عُذْرُهُ بالجهالة . اهـ .
٥٢٤

٥٢٥
كتاب الكفالة
له آخرون: إن هذه قصةٌ قد رُفِعَتْ مرَّةً إلى عمر، وسَبَقَ فيه قضاؤه، فَأَخَذَ عليه الساعي كفيلاً منه
للاعتماد، ليتحقَّقَه حين يَرْجِعَ إلى عمر. فلمَّا رَجَعَ إليه صدَّقهم عمر، وعَذَرَ الرجلَ على اعتذاره
بعدم العلم بالمسألة، فإنه ظنَّ أن جاريةَ الزوجة كجاريته، فَيَحِلُّ له وطؤها. كالوطء من جاريته.
واعتبره الحنفيةُ أيضًا شبهةً دَارِئَةً للحدِّ، إلّا أن الرجمَ إذا سَقَطَ عنه، سَقَطَ رأسًا. وليس عليه
الجلدُ، وإنما جلده عمر تعزيرًا، وراجع الهامش. وكيفما كان، خَرَجَ منه أصلٌ لاعتبار
الشُّبُهَات. أمَّا إنها متى تُعْتَبَرُ، ومتى لا تُعْتَبَرُ، فأمرٌ مَوْكُولٌ إلى المجتهدين.
وكذا فيه ما يَدُلُّ على صحة الكَفَالَةِ في الحدود. ولكن يُخَالِفُهُ ما في ((الكنز)): وبطلت
الكَفَالَةُ بحدٍ وقَوَدٍ. قلتُ: معناه: لا يُجِيرُ بالكَفَالَةِ في هذا الباب. فإن سَمَحَ بها أحدٌ قُبِلَتْ فِي
الديانة، ولا تكون له أحكامٌ في الفِقْهِ، لأن الكَفَالَةَ الفقهيةَ في الكَفَالَةِ بالنفس لا تكون هُهنا إلَّا
باستيفاء الحدود والقصاص منه. وذا لا يُتَصَوَّرُ فيها، فلا يكونُ لها حكمٌ في القضاء. وإنما هي
من الأمور البيِّنة التي يَفْعَلُهَا الناسُ على الاعتماد فيما بينهم، على نظير الخَرْصِ، فإن كلامَ
الطحاويِّ يُوهِمُ نفيه. قلتُ: لا رَيْبَ في كونه مفيدًا، إلَّا أنه ليس بحُجَّةٍ في القضاء، فهو من هذا
الباب. ولذا قُلْتُ: إن الأبوابَ الكثيرةَ تُوجَدُ فيما بينهم على المُسَامَحَةِ، ولا تَجِدُ لها أثرًا في
الفِقْهِ، وكان هذا مهمًا لو تعرَّض إليه أحدٌ.
قوله: (فَأَخَذَ حَمْزَةُ من الرَّجُلِ كُفَلَاءَ)، أي كفلاء بالنفس.
قوله: (قد جَلَدَهُ)، أي قَبْلَ ذلك.
قوله: (وقال جريرٌ والأَشْعَثُ) ... إلخ، وقصَّتُه: أن عبد الله بن مسعود كان بالكُوفَة،
فأخبره رجلٌ أنه رأى جماعةً من الناس منهم عبد الله بن النوَّاحة في مكان كذا، كانوا يَذْكُرُون
مُسَيْلَمَةَ الكذَّاب. فأرسل إليهم ابن مسعود، وأمرهم بأسرهم ... إلخ، فَقَتَلَ عبد الله ابن
النوَّاحة، ولم يَسْتَتِبْهُ(١) .
قوله: (وقال حمَّادٌ) ... إلخ، وحمَّادٌ هذا أستاذُ أبي حنيفة. ولا أَكَاءُ(٢) أَفْهَمُ ماذا حمل
(١) قال الحافظُ العيني: أخرجها البيهقيُّ من طريق أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرِّب، قال: ((صلَّيت الغَدَاةَ مع
عبد الله بن مسعود، فلمَّا سلَّم، قام رجلٌ فأخبره: أنه انتهى إلى مسجد بني حَنِيفَة، فَسَمِعَ مؤذِّنَ عبد الله بن النّوَّاحة
يَشْهَدُ أن مُسَيْلَمَةَ رسولُ الله. فقال عبد الله: عليَّ بابن النوَّاحة وأصحابه، فجيء بهم، فأمر قَرَظة بن كعب،
فِضَرَبَ عُنُقَ ابن النوَّاحة. ثم استشار في أولئك النَّفر، فأشار إليه عديُّ بن حاتم بقتلهم. فقام جريرٌ والأَشْعَثُ،
فقالا: بل استتبهم، وكَفِّلْهم عشائرهم)) .... إلخ. قلتُ: قال الشيخ رحمه الله: وقد كان عبد الله بن النواحة هذا
ما جاء مرَّة في عهد النبيِّ وََّ قاصدًا من مُسَيْلَمَةَ، فلم يقتله لأن من سُنَّة القاتل أنه لا يُقْتَلُ. وإنما قَتَلَه ابن
مسعود، لأنه لم يَكُنْ قاصدًا إذ ذاك. قلتُ: تلك القصة أخرجها أحمد، كما في ((المشكاة))، من باب الأمان: عن
ابن مسعود، قال: ((جاء ابن النوَّاحة، وابن أُثالٍ رسولا مُسَيْلَمَةَ إلى النبيِّ ◌ََّ، فقال لهما: أَتَشْهَدَان ... إلى
قوله: لو كُنْتُ قاتلًا رسولًا لقتلتكما، قال عبد الله: فَمَضَتِ السُّنَّةُ أن الرسولَ لا يُقْتَلُ.
(٢) قال العلَّامةُ المَارْدِينِي، في باب من قتل من ارتدَّ عن الإِسلام رجلًا أو امرأةً: ((وحكى أبو عمر في ((كتاب
الانتقاء)» في فضائل الثلاثة الفقهاء)»، عن حاتم بن داود، قال: قلتُ للفضل بن موسى البُنَانِيّ: ما تقول في هؤلاء=

٥٢٦
كتاب الكفالة
البخاريَّ على أنه يأْخُذُ عن حمّاد، وإبراهيم النَّخَعي، ولا يأُخُذُ عن أبي حنيفة. ولا أَعْرِفُ فيه
شيئًا غير أنه بَسَطَ الفِقْهَ أمَّا رميه بالإرْجَاء، فقد رُمِيَ به حمَّاد أيضًا، وليس إلَّا من إرجاف
المُرْجِفِينَ. وإنما الإِرجاءُ الباطلُ: أن يقولَ بعدم الاحتياج إلى العمل. وأمَّا من يقولُ بعدم جزئية
الأعمال، فمن يستطيعُ أن يَحْكُمَ عليه بالإِرْجَاء! وهذا الذي قال به الإِمام الأعظم. وأمَّا النحوُ
الأولُ، فحاشاه أن يقول به.
قوله: (إذا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فمات، فلا شيْءَ عليه)، أي لأنه كان كفيلًا بالنفس، وهي تَبْطُلُ
بالموت. أمَّا الحَكُمُ بن عُبَيْنَةَ، فقال: إن عليه الضَّمَان.
٢٢٩١ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ بََّ: ((أَنَّهُ ذَكَرَ رَجِلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ،
سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: انْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى
بِاللَّهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأُتِنِي بِالكَفِيلِ، قالَ: كَفَّى بِاللَّهِ كَفِيلًا، قالَ: صَدَقْتَّ، فَدَفَعَهَا إِلَيهِ إِلَى
أَجَلٍ مُسَمِّى، فَخَرَجَ في البَحْرِ فَقَضَى حاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلأَجَلِ الذِي
أَجَّلَّهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلفَ دِينَارٍ وَصحِيفَةً مِنَّهُ إِلَى
صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَها، ثُمَّ أَتَّى بِهَا إِلَى البَحْرِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّ كُنْتُ تَسَلَّفْتُ
فُلَانًا أَلفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلًا فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا
فَقُلتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَإِنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ
أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمى بِهَا في البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَهُوَ في ذلِكَ
يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَّعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جاءَ بِمَالِهِ،
فَإِذَا بِالخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا المَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَّةَ، ثُمَّ
قَدِمَ اَلَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَتَى بِالأَلِفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ ما زِلتُ جاهِدًا في طَلَبِ مَرْكَبٍ
لآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمْا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيتُ فِيهِ، قالَ: هَل كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشيءٍ؟
قالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ
في الخَشَبَة، فَانْصَرِف بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا)). [طرفه في: ١٤٩٨].
الذين يَقَعُونَ في حقٌّ أبي حنيفة؟ فقال: إن أبا حنيفة جاءهم بما يَعْقِلُونَهُ من العلم، وما لا يَعْقِلُونَه، ولم يَتْرُكُ لهم
=
شيئًا، فَحَسَدُوه)). اهـ. ((الجوهر النقي)) قلتُ: وإنما اغْتَنَيْتُ بهذا النقل، لكونه في غير المحل. وبسطه في ((فواتح
الرحموت)) في الذب عن أبي حنيفة، وذكر نحوًا من هذه الكلمات أيضًا. فراجعه. وذكر في ((آكام المرجان» بكاء
الجنّ علی وفاته، وقولهم.
فاتقوا الله، وكُونُوا خَلَفا
ذَهَبَ الفِقْهُ ولا فِقْهَ لكم
يُخيى الليلَ إذا ما سَدِفا
مات نعمان فمن هذا الذي
وكانت وفاته سنة خمسين ومائة ببغداد. اهـ . وليست تلك مَنْقَبةً تَلِيقُ بشأنه، فإنه أرفع من ذلك، ولكن الشيء
بالشيء يُذكر .

٥٢٧
كتاب الكفالة
٢٢٩١ - قوله: (فَأْتِنِي بالكَفِيل، قال: كَفَى باللهِ كفيلًا) قلتُ: وهل رأيتَ أحدًا منهم يَجُرُه
إلى باب الفِقْهِ، ويَبْحَثُ أنه هل تَصِحّ الكفالة بالله أم لا؟ فكان ينبغي لهم أن يُرَاعوه في مواضعَ
أخرى أيضًا .
قوله: (زَجَّجَ): (دات لکادی).
٢ - بابُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ:
﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوُهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]
٢٢٩٢ - حدّثنا الصَّلتُ بْنُ مُحَمدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِذْرِيسَ، عَنْ طَلحَةَ بْنِ
مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عِبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ﴾
[النساء: ٣٣] قال: وَرَثَةً. ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾ قَالَ: كَانَ المُهَاجِرُونَ لَّمَّا قَدِمُوا عَلَى
النَّبِيِّ ◌َ﴿ِ المَدِينَةَ، يَرِثُ المُهَاجِرُ الأَنْصَارِيَّ، دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ، لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخى
النَّبِيُّ وَّةِ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ نَسَخَتْ، ثُمَّ قالَ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ
أَيْمَنُكُمْ﴾ إِلَّا النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ وَالنَّصِيحَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ المِيرَاثُ، وَيُوصِي لَهُ. [الحديث ٢٢٩٢ -
طرفاه في: ٤٥٨٠، ٦٧٤٧].
٢٢٩٣ - حدّثنا قُتَبِبَةُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ، فَآَخِى رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ .
[طرفه في: ٢٠٤٩].
٢٢٩٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّح: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قالَ:
قُلتُ لأَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قالَ: ((لَا حِلفَ في الإِسْلَام)»؟ فَقَالَ: قَدْ
حالَفَ النَّبِيُّ نَّهِ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ في دَارِي. [الحديث ٢٢٩٤ - طرفاه في: ٦٠٨٣، ٧٣٤٠].
واعلم أن في لفظ الحديث اختلالًا من بعض الرواة، فتعسَّر منه تحصيل المراد. وقد
تعرَّض إليه الحافظُ، فلم يَصْنَعْ شيئًا. والحلُّ: أن الراوي تَلَا أولًا آيتين: الأولى ﴿ وَلِكُلِّ
جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ [النساء: ٣٣] ... إلخ. والثانية: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] ... إلخ.
كأنه أراد به أن تفسيرَهُمَا سيأتي، ثم ذكر القصة: أن النبيَّ نَِّ لمَّا قَدِمَ المدينةَ، وقَدمَ معه
المهاجرون، آخى بين المهاجرين والأنصار، فكان إذا مات المهاجرُ يَرِثُهُ الأنصاريُّ. فلمَّا هاجر
ورثتهم أيضًا نُسِخَت المؤاخاة، وكان يَرِثُ المهاجر وارثه دون الأنصاريِّ.
ومن لهُهنا تبيَّن أن الإِعراب في قوله: ((يَرِثُ المُهَاجِرَ الأنصاريُّ))، بنصب المهاجر على
المفعولية، ورفع الأنصاريّ على الفاعلية، فما أَغَرَبَهُ صاحبُ النسخة خلاف الأُوْلَى.
٢٢٩٢ - قوله: (فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِيَ﴾ نَسَخَتْ)، أي: فلمَّا نزلت الآية
الأولى، وهي ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ أي ورثته، نُسِخَت المؤاخاة، هذا على البناء مجهولًا.
وإن قَرَأَ معروفًا، فمعناهَ نَسَخَت الآيةُ الأولى المُؤَاخَاةَ المتقدِّمةَ، وصار يَرثُ كلَّّ وَارِثه. ثم

٥٢٨
كتاب الكفالة
تعرَّض إلى تفسير الآية الثانية التي فيها ذِكْرُ وَلَاءِ المُؤَالَاة، أو تلك المُؤَاخَاة العارضة، فقال: إن
تلك المُعَاقدةَ منسوخةٌ إلَّا في ثلاثة مواضع، وهي: النَّصْرُ، والرِّفَادَةُ، والنَّصِيحَةُ.
قوله: (وقَدْ ذَهَبَ المِيرَاثُ)، أي الميراث بين العاقدين. فالمعنى: أن تلك الآيةَ منسوخةٌ
في بعض جزئياتها، وهي: الميراثُ، فلا ميراثَ بين العَاقِدَيْن. ومُحْكَمَةٌ في بعضها، وهو :
النَّصْرُ، والرِّفَادةُ، والنصيحةُ، فهي واجبةٌ بين العاقدين، وغيرهما في كلِّ حال. وهذا الذي كُنْتُ
أقولُ: إنه ثَبَتَ عندي بالاستقراء أنه مَا مِنْ آيةٍ إلَّا وهي مُحْكَمَةٌ في بعض الجزئيات، كما مرَّ
تقريره في الصيام. لا أريدٍ به بقاء ترجمته بعينها في الحكم، بل أُرِيدُ به بقاء جنس الحكم في
جزئي من الجزئيات. فلا أَعْرِفُ آيةً من الآياتِ المنسوخةِ التي لا يكون لها نفعٌ أصلًا، ولا أقل
من أنها تبقى تِذْكَارًا لذلك الجنس. ثم إنهم ذَكَرُوا معنى الموالي نحو عشرين، وليس بشيءٍ، فإن
معناه: القدر المُشْتَرَك بينها، فلمَّا لم يُدْرِكُوه، جعلوا كلا منها معنىّ على حدة. وراجع سياقه من
باب الفرائض، فإنه أوضح(١).
٣ - بابُ مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ مَيِّتٍ دَينًا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ
وَبِهِ قالَ الحَسَنُ.
٢٢٩٥ - حدّثنا أَبُو عاصِم، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ أُتِيَ بِجَنَازَةً لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: ((هَل عَلَيهِ مِنْ دَينٍ؟)) قَالُوا: لَا،
فَصَلَّى عَلَيهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: ((هَل عَلَيهِ مِنْ دَينٍ؟)) قالُوا: نَعَمَّ، قالَ: ((صَلُّوا
عَلَى صَاحِبِكُمْ)). قالَ أَبُو قَتَادَةَ: عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيهِ.
٢٢٩٦ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ
عَلِيّ، عَنْ جِابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((لَوْ قَدْ جاءَ مالُ
البَحْرَينِ قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا)). فَلَمْ يَجِىءُ مالُ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ◌َّه
فَلَمَّا جَاءَ مالُ البَحْرَينِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ فَنَادَى: مَنْ كانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َج ◌َ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا،
فَأَتَيتُهُ فَقُلتُ: إِنَّ النَّبِيَّ وََّقالَ لِي كَذَا وَكَذَا، فَحَثَى لِي حَثْيَةً، فَعَدَدْتُهَا، فَإِذَا هِيَ
خَمْسُمِائَةٍ، وَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا. [الحديث ٢٢٩٦ - أطرافه في: ٢٥٩٨، ٢٦٨٣، ٣١٢٧، ٣١٦٤، ٤٣٨٣].
(١) راجعت سياقه من كتاب الفرائض هكذا: عن ابن عباس ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَّلِىَ .. وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَتُكُمْ﴾،
قال: كان المهاجرون حين قَدِمُوا المدينةَ يَرِثُ المهاجريُّ الأنصاريَّ - وفي نسخةٍ: الأنصاريَّ المهاجريُّ، وهذه
أوضح - دون ذوي رحمِهِ، للأخُوَّة التي آخى النبيُّ نَّهُ بينهم، فلمَّا نزلت: ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَّلِىَ﴾، قال:
نَسَخَتْهَا ﴿وَأَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾. قال المُحَشي: ﴿وَأَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ بدلٌ من الضمير المنصوب. قال
الكِرْمَانيُّ: فاعلُ نسختها آيةَ ﴿جَعَلْنَا﴾، ﴿وَأَلَّذِينَ عَقَدَتْ﴾ منصوبٌ بإِضمار أعني. انتهى. والمراد بإيراد الحديث
منها ههنا: أن قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا﴾ نَسَخَ حكم الميراث الذي دَلَّ عليه ﴿وَأَلَّذِينَ عَقَدَتْ﴾ ... إلخ. وقد
ذَكَرَ فيه العينيُّ شيئًا، فراجعه، وراجع ((المعتصر)) أيضًا.

٥٢٩
كتاب الكفالة
٤ - باب جِوَارٍ أَّبِي بَكْرٍ في عَهْدِ النَّبِيِّ ◌ََّ وَعَقْدِهِ
٢٢٩٧ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي
عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجَ النَّبِيِّ ◌ََّ، قَالَتْ: لَمْ أَعْقِّل أَبَوَيَّ إِلَّ
وَهُما يَدِينَانِ الدِّينَ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ:
أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: أَنَّ عَائِشَةَ رُضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالَتْ: لَمْ أَعْقِل أبَوَيَّ قَظُ إِلَّا وَهُما
يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَينا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ بَّهَ طَرَفَي النَّهَارِ: بُكْرَةً وَعَشِيَّةً،
فَلَمَّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ، خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ الحَبَشَةِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الغِمَادِ لَقِيَهُ
ابْنُ الدَّغِنَةِ، وَهُوَ سَيِّدُ القَارَةِ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي،
فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ في الأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّي. قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ وَلَا
يُخْرَجُ، فَإِنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيفَ، وَتُعِينُ
عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، وَأَنَا لَكَ جارٌ، فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِلادِكَ. فَارْتَحَلَّ ابْنُ الدَّغِنَةِ، فَرَجَعَ
مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَطَافَ في أَشْرَافِ كُفَّارٍ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلَا
يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يُكسِبُ المَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ وَيَحْمِلُ الكَلِّ، وَيَقْرِي الضَّيفَ،
وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ؟! فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الذَّغِنَةِ، وَآمَنُوا أَبَا بَكْرٍ، وَقَالُوا لِإِبْنِ
الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلَيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَليُصَلِّ، وَلَيَقْرَأُ مَا شَاءَ، وَلَا يُؤْذِيْنَا بِذلِكَ، وَلَا
يَسْتَعْلِنْ بِهِ، فَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفيِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا. قالَ ذلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لأَبِي بَكْرٍ، فَطِفِقَ
أَبُو بَكْرٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلَاةِ وَلَا القِرَاءَةِ فِي غَيرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَّدَا لأَبِي
بَكْرٍ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ وَبَرَزَ، فَكانَّ يُصَلِّي فِيهِ، وَيَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَتَقَصَّفُ عَلَيهِ نِسَاءُ
المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ، يَعْجَبُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرِ رَجُلًا بَكََّاءٌ، لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ
حِينَ يَقْرَأُ القُرْآنَ، فَأَفزَعَ ذلِكَ أَشْرَافَ قُرَيشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ
عَلَيهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَغَبُدَ رَبَّهُ في دَارِهِ، وَإِنَّهُ جاوَزَ ذلِكَ،
فَابْتَنِى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَأَعْلَنَ الصَّلاةَ وَالقِرَاءَةَ، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا ،
فَأَتِهِ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبِى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ ذلِكَ فَسَلْهُ
أَنْ يَرُدَّ إِلَيِكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لأَبِي بَكْرِ الإِسْتِعْلَانَ، قالَتْ
عائِشَةُ: فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِيِ عَقَّدْتُ لَكَ عَلَيهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ
عَلَى ذلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إِلَيَّ ذِمَّتِي، فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَشَّمَعَ العَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ فيِ رَجُلِ
عَقَدْتُ لَهُ. قالَ أَبُو بَكْرٍ: فإِّي أَرُدُّ إِلَيكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضِى بِجِوَارِ اللَّهِ. وَرَسُولُ اللَّهِ وَ
يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ رَسُوَّلُ اللَّهِ وَّهَ: ((قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، رَأَيْتُ سَبْخَةٌ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ
لابَتَينٍ)) وَهُمَا الحَرَّتَانِ. فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذلِكَ رَسُولُ اللَّهِ لَِّه
وَرَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا، فَقَالَ

٥٣٠
كتاب الكفالة
لَهُ رَسُولُ اللَّهِ بَّهَ: ((عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي)). قالَ أَبُو بَكْرٍ: هَل تَرْجُو ذلِكَ
بِأَبِي أَنْتَ؟ قالَ: ((نَعَمْ)). فَحَبَسَ أَبُوِ بَكْرٍ نَفسَهُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ شَهْ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ
رَاحِلَتَينِ كَانَتَا عَنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ. [طرفه في: ٤٧٦].
٥ - بابُ الدَّينِ
٢٢٩٨ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَيَ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجَلِ المُتَّوَقَّىِ، عَلَّيْهِ
الدَّينُ، فَيَسْأَلُ: ((هَل تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟)) فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءَ صَلَّى، وَإِلَّ قالَ
لِلمُسْلِمِينَ: ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ)). فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيهِ الفُتُوحَ، قالَ: ((أَنَا أَوْلَى
بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مالًا
فَّلِوَرَثَتِهِ)). [الحديث ٢٢٩٨ - أطرافه في: ٢٣٩٨، ٢٣٩٩، ٤٧٨١، ٥٣٧١، ٦٧٣١، ٦٧٤٥، ٦٧٦٣].

بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ
٤٠ - كتَابُ الوَكَالَةِ
١ - بابٌ في وَكَالَةِ الشَّرِيكِ الشَّرِيكَ في القِسْمَةِ وَغَيرِهَا
وَقَدْ أَشْرَكَ النَّبِيُّ نَّهَ عَلَيًّا فِي هَذْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِسْمَتِهَا.
٢٢٩٩ - حدّثنا قَبِيصَةُ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدٍ
الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي لَيلَى، عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أَمَّرَنِي رَّسُولُ اللَّهِ وَ أَنْ أَتَصَدَّقَ
بِجِلالِ الْبُدْنِ التَِّ نُحِرَتْ وَبِجُلُودِهَا. [طرفه في: ١٧٠٧].
٢٣٠٠ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ خالِدٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الخَيرِ، عَنْ
عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ أَعْطَاهُ غَنَمَا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ، فَبَقِيَ عَتُودٌ،
فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ◌َِّرَ فَقَالَ: ((ضَحِّ بِهِ أَنْتَ)). [الحديث ٢٣٠٠ - أطرافه في: ٢٥٠٠، ٥٥٤٧، ٥٥٥٥].
قوله: (وقد أَشْرَكَ النبيُّ ◌َّهِ عَليًّا في هَذْبِهِ) ... إلخ، ولعلَّ هذا الإِشراكَ لا يُسَمَّى شَرِكَةً
عند الفقهاء، فإنه لا اشتراكَ فيه، غير أن النبيَّ وَّ جاء ببعضها من المدينة، وعليٍّ ببعضها من
سعايته، فأي شَرِكَةٍ هذه.
٢٣٠٠ - قوله: (ضَحِّ بِهِ أَنْتَ) وفي روايةٍ: ((ليس لأحدٍ بعدك))، فإن قُلْتَ: وقد وَرَدَ نحوَه
الصحابيٍّ آخرَ أيضًا. وظاهره مُتَنَاقِضٌ، فإنه إذا قال للأول: ليس لأحد غيرك، وَجَبَ أن لا يكون
هناك أحدٌ غيره يجوز له ذبح ذلك السن، مع أنه قد أَجَازَ له أيضًا .
قلتُ: والجوابُ ظاهرٌ، فإنه إذا قال للأول، لم يكن الثاني مَخْطُورًا بالبال. وإذا قال
للثاني لههنا، كأن الأولَ لم يَكُنْ مخطورًا بالبال، وتلك اعتباراتٌ يَعْرِفُها اللبيبُ.
٢ - بابٌ إِذَا وَكَّلَ المُسْلِمُ حَرْبِيًّا في دَارِ الحَرْبِ أَوْ في دَارِ الإِسْلَامِ جازَ
٢٣٠١ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ المَاحِشُونِ، عَنْ
صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدٍ
الرَّحْمَّنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كاتَبْتُ أُمَيَّةً بْنَ خَلَفٍ كِتَابًا، بِأَنْ يَحْفَظَنِي في
صَاغِيَتِي بِمَّكَّةَ، وَأَحْفَظَهُ في صَاغِيَتِهِ بِالمَدِينَةِ، فَلَمَّا ذَكَرْتُ الرَّحْمُنَ، قَالَ: لَا أَعْرِفُ
الرَّحْمُنَ، كاتِبْنِي بِاسْمِكَ الذِي كانَ في الجَاهِلِيَّةِ، فَكَاتَبْتُهُ: عَبْدُ عَمْرٍو، فَلَمَّا كانَ فِي يَوْمِ
بَدْرٍ، خَرَجْتُ إِلَى جَبَلٍ لِأُخْرِزَهُ حِينَ نَامَ النَّاسُ، فَأَبْصَرَهُ بِلَالٌ، فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَىَ
٥٣١

٥٣٢
كتاب الوكالة
مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ، فَخَرَجَ مَعَهُ فَرِيقٌ منَ
الأَنْصَارِ في آثَارِنَا، فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلحَقُونَا، خَلَّفتُ لَهُمُ ابْنَهُ لأَشْغَلَهُمْ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَبَوْا
حَتَّى يَتْبَعُونَا، وَكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا، فَلَمَّا أَدْرَكُونَا، قُلْتُ لَهُ: ابْرُكْ فَبَرَكَ، فَأَلْقَيتُ عَلَيْهِ نَفْسِي
لِأَمْنَعَهُ، فَتَخَلَّلُوهُ بِالسُّيُوفِ مِنْ تَحْتِي حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ رِجْلِي بِسَيْفِهِ، وَكَانَ عَبْدُ
الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ يُرِينَا ذلِكَ الأَثَرَ فِي ظَهْرٍ قَدَمِهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعَ يُوسُفُ صَالِحًا،
وَإِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ. [الحديث ٢٣٠١ - طرفه في: ٣٩٧١].
يعني أن اتحادَ المِلَّةِ ليس بشرطِ في الوَكَالَةٍ، وليس فيه إلَّ وكالةٌ لغويةٌ.
٢٣٠١ - قوله: (صَاغِيَتِي)(١) أي أولادي.
قوله: (عَبْدُ عَمْرو)، قال مولانا الجَنْجُوهِي: إن إضافةً العبد إذا كان إلى غير الله، فلا
يَخْلُو إمَّا أن يكونَ ذلك الغير مَعْبُودًا من دون الله أو لا، وعلى الثاني: إمَّا أن يكون موهمًا لها،
أو لا. فالأولُ حرامٌ، والثاني إن كان مُوهمًا كُرِهَ، كعبد النبيِّ، وإلَّا لا. فعبد العُزَّى حَرَامٌ،
وعبدُ النبيِّ مكروهٌ، وعبدُ المطَّلِب جائزٌ. وإنما سُمِّيَ به، لأن المطّلبَ عمَّه كان جاء بابن أخيه
يَحْمِلُهُ على ظهره، فقال له الناس: أن مُطَّلِبًا جاء بعبدٍ، فَسُمِّيَ عبد المطَّلِب. وأمَّا التسميةُ بعبد
مَنَاف، فأيضًا حرامٌ، لأن المَنَاف كان صنمًا في الجاهلية، كما في ((القاموس)). وقد مرَّ: أن
الأمرَ في نحو عبد النبيِّ يَدُورُ بالمغالطة، فإن خاف المغالطةُ مُنِعَ، وإلّا لا. فهو كقولهم:
﴿رَعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] في القرآن، وقد مرَّ تفصيله.
٣ - بابُ الوَكَالَةِ في الصَّرْفِ وَالمِيزَانِ
وَقَدْ وَكَّلَ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ فِي الصَّرْفِ.
٢٣٠٢، ٢٣٠٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ المَجِيدِ بْنِ
سُهَيلٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ وَأَبِيَ
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ اَسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُمْ بِتَمْرٍ
جَنِيبٍ، فَقَالَ: ((أَكُلُّ تَمْرٍ خَيْبَرَ هَكَذَا؟)). فَقَالَ: إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هذا بِالصَّاعَينِ،
وَالصَّعَينِ بِالثَّلاثَةِ. فَقَالَ: ((لَا تَفْعَل، بِع الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا)).
وَقَالَ في المِيزَانِ مِثْلَ ذلِكَ. [طرفاه في: ٢٢٠١، ٢٢٠٢].
٤ - بابٌ إِذَا أَبْصَرَ الرَّاعِي أَو الوَكِيلُ شَاةً تَمُوتُ، أَوْ شَيئًا يَفْسُدُ،
ذَبَحَ وَأَصْلَحَ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ الفَسَادَ
٢٣٠٤ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: سَمِعَ المُعْتَمِرَ: أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِع: أَنَّهُ
(١) قال ابنُ الأثير: الصَّاغِيَةُ خاصية الإِنسان، والمائلُون إليه. اهـ. عيني.

٥٣٣
كتاب الوكالة
سَمِعَ ابْنَ كَعْبٍ بْنِ مالِكِ يُحدِّثُ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كانَتْ لَهُمْ غَنَمْ تَرْعِى بِسَلع، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ
لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ
النَّبِيَّ ◌َِّ، أَوْ أُرْسِلَ إِلَى النَّبِيِّ بَّهِ مَنْ يَسْأَلُهُ، وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َ عَنْ ذَاكَ، أَوْ أَرْسَلَ،
فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا. قالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَيُعْجِبُنِي أَنَّها أَمَةٌ، وَأَنَّها ذَبَحَتْ. تَابَعَهُ عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ
اللَّهِ. [الحديث ٢٣٠٤ - أطرافه في: ٥٥٠١، ٥٥٠٢، ٥٥٠٤].
يعني إذا رأى الراعي شاةً تموت، ولم يكن المالك حَاضِرًا، ولا وَجَدَ فرصةً للإِجازة منه،
هل له أن يَذْبَحَ؟ وفي ((جامع الفصولين))، وهو من معتبرات فقهنا: إن ذَبَحَ الشاة يَضْمَنُ، وفي
قولٍ: لا يَضْمَنُ. قلتُ: بل يُقْسِمُ على الحالات، فإن تحقَّق أنه ذَبَحَها بعذرٍ صحيحٍ لم يَضْمَن،
وإن ثَبَتَ أنه جعله حِيلَةً، وأراد اللحمَ فقط ضَمِنَ.
مسألة: في ((البحر)): أن رجلًا لو رَأَى أحدًا يَزْنِي بامرأته يَقْتُلُهُ، فإن بَلَغَ الأمرُ إلى القاضي،
ولم يُثْبِتْ زِنَاه بالشهادة يَقْتَصُ منه. ورأيتُ في ((كنز العمال)) حديثًا: أن النبيَّ ◌َِّ، قال: ((كَفَى
بالسيف شا ... ))، قال الراوي: واكتفى النبيُّ وَلّ بالشا، ولم يتلفظ بتمام اللفظ - أي شاهدًا -
وقال: لو قلت: شاهدًا لتظالم السكران، والغيران، فهذا أَمْرٌ يَعْرِضُ للأنبياء عليهم السلام، فإنه
أَبَاحَ له قتلَ رجلٍ يَرَاه على امرأته، ثم لم يُفْصِحْ به، لئلا يَتَجَاوَزَ فيه الناس عن الحدِّ.
٢٣٠٤ - قوله: (قال عُبَيْدُ الله: فَيُعْجِبُني أَنَّها أَمَةٌ، وأنها ذَبَحَتْ)، والراوي يتعجَّبُ منه،
وفي (١) الفِقْهِ: أنه لا بأسَ بِذَبِيحَةِ المرأة.
٥ - بابٌ وَكَالَةُ الشَّاهِدِ وَالغَائِبِ جَائِزَةٌ
وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو إِلَى قَهْرَمانِهِ وَهُوَ غائِبٌ عَنْهُ: أَنْ يُزَكِّيَ عَنْ أَهْلِهِ الصَّغِيرِ
وَالگَبِيرِ .
٢٣٠٥ - حدّثنا أبو نُعَيم: حَدَّثَنَا سُفيانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ نَِّ سِنٌّ مِنَ الإِلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ،
فَقَالَ: ((أَعْطُوهُ)). فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُّوا لَهُ إِلَّا سِنَّا فَوْقَهَا، فَقَالَ: ((أَعْطُوهُ)). فَقَالَ:
أَوْ فَيْتَنِي أَوْفَى اللَّهُ بِكَ. قالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً)). [الحديدـ
في: ٢٣٠٦، ٢٣٩٠، ٢٣٩٢، ٢٣٩٣، ٢٤٠١، ٢٦٠٦، ٢٦٠٩].
(١) قال العينيُّ: وفيه دليلٌ على إجازة ذبيحة المرأة بغير ضرورة إذا أَحْسَنَتِ الذبحَ، وكذا الصبيّ إذا أَطَاقهُ، قاله ابن
: عبد البَرّ، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعيِّ، والثوريِّ، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثَوْر،
. والحسن بن حيٍّ، ورُوِيَ عن ابن عبّاس، وجابر، وعَطَاء، وطاوس، ومُجَاهد، والنَّخَعِيِّ. وفيه ما استدلَّ به فقهاء
الأمصار - أبو حنيفة، ومالك، والشافعيُّ، والأوزاعيُّ، والثوريُّ - على جواز ما ذُبِحَ بغير إذن مَالِكِهِ. وفيه جوازٌ
أكل المذبوح الذي أَشْرَفَ على الموت إذا كانت فيه حياةٌ مستقرةٌ، وإلَّا فلا يَجُوزُ وفيه جواز الذبح بكل جَارِحٍ إلَّا
السُّنُّ والظّفُرِ، فإنهما مُسْتَثْنَانِ . اهـ. مختصرًا.

٥٣٤
كتاب الوكالة
أي الوَكَالَةُ صحيحةٌ، سواء كان الوكيلُ شَاهِدًا أو غَائِبًا .
٢٣٠٥ - قوله: (فَطَلَبُوا سِنَّهُ، فلم يَجِدُوا له إلَّا سِنَّا فَوْقَهَا، فقال: أَعْطُوه) ... إلخ، واعلم
أن استقراضَ الحيوانِ بالحيوانِ جائزٌ عند الشافعية. وأَنْكَرَهُ(١) الحنفيةُ، وقالوا: إن الاستقراضَ
لا يَصِحُّ إلَّ فِي المِثْلِيَّات(٢)، فلا تكون ثابتةً في الذمة، ويَجِبُ كونها مشارًا إليه عند العقد، فلا
تَصْلُحُ لوجوبها في الذمة. وأَجَابُوا عن حديث الباب(٣): أنه لم يكن فيه استقراضٌ، بل كان
النبيُّ ◌َّرُ اشترى منه بثمنٍ مُؤَجَّلٍ، فلمَّا حَلَّ الأجلُ، وأراد أن يُؤَدِّيَ إليه ثمنه، اشترى له بعيرًا
آخر من ثمنه، وردّه إليه. فعادتٌ صورتُه صورةَ استقِراضٍ الحيوانِ بالحيوانِ، فهو استقراضٌ
صورةً، وبيعٌ مُؤَجَّلٌ معنىً. ولمَّا لم يَكُنْ في الحِسِّ إلَّا مُبَادلة البعير بالبعير، حَذَفَ الراوي البيعَ
المتوسّطَ، وعبَّر عنه بما كان عنده في الحِسِّ.
وذلك من ديدن الرواة، أنهم لا يُرَاعُون تخاريجَ الفقهاء، وأنظارَ العلماء، وإنما هم
بصدد نقل القصة على ما وقعت في الخارج، ولا يكون لهم عن أبحاثهم غرضٌ. وهو مَلْحَظُهم
في صلاة الكسوف: أنها كانت للنبيِّ وَّرَ أربعًا، وللقوم ركعتين ركعتين. وقد مرَّ جوابُهُ في
العَرَایا .
وإنما حَمَلْنَاهُ على هذا التأويل، لأنَّ النبيَّ وَِّ: ((نهى عن بيع الحيوانِ بالحيوانِ نَسِيئَةً.
وهذا وإن كان في البيع، لكن الاستقراضَ مثله لاتحاد العِلَّةِ. فإن في الاستقراض أيضًا وجوبًا
(١) وفي ((الاستذكار)) وممن منع استقراضَ الحيوان، والسَّلَم فيه: عبْدُ الله بن مسعود، وحُذَيْفَةٌ، وعبدُ الرحمن بن
سَمُرَة، وأبو حنيفة وأصحابُه، والثوريُّ، والحسنُ بن صالح، وسائرُ الكوفيين. وحَُّتُهم: أن الحيوانَ لا يوقف
على حقيقة صفته. وادَّعُوا نسخَ حديث أبي هُرَيْرَة، وأبي رافعٍ بحديث ابن عمر: ((أنه عليه الصلاة والسلام
قَضَى فِيمَنْ أَعْتَقَ نصف عبدٍ مُشْتَرٍ بقيمة نصف شريكه)»، ولم يُوجِب عليه نصف عبدٍ. وعن يحيى بن سعيد:
((قلتُ لربيعة: حدَّثني أهلُ أَنْطَابُلُس: أن خيرَ بن نُعَيْم كان يقضي عندهم بأنه لا يَجُوز السَّلَفُ في الحيوان، وقد
كان يُجَالِسُكَ، ولا أَحْسَبُهُ قضى به إلَّا عن رأيك، فقال ربيعة: قد كان ابن مسعود يقول ذلك. اهـ. ((الجوهر
النقي)).
(٢) ولا يَجُوزُ الاستقراضُ إلَّا مما له مِثْلٌ، كالمَكِيلَات، والمَوْزُونَات، والعَدَدِيَّات المتقاربة. فلا يَجُوزُ قرضُ ما لا
مِثْلَ له من المَوْزُوعات - والصواب والمَزْرُوعَات - والعَدَدِيَّات المتفاوتة، لأنه لا سبيل إلى إيجاب ردِّ العين، ولا
إلى إيجاب القيمة، لاختلاف تقويم المقوّمين. فتعيَّن أن يكونَ الواجبُ فيه رَدَّ المِثْلِ، فيختصُّ جوازُه بما له مِثْلٌ.
وعن هذا قال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا يَجُوزُ القرضُ في الخبز لا وزنًا، ولا عددًا. وقال محمد: يَجُوزُ
عَدَدًا . اهـ . عيني.
(٣) وقال الطحاويُّ بعد أن رواه: ثم نُسِخَ ذلك بآية الرِّبا. وبيانُ ذلك أن آيةَ الرِّبا تُحَرِّمُ كل فَضْلٍ خالٍ عن العِوَضِ.
ففي بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً يُوجَدُ المعنى الذي حَرُمَ به الرِّبا، فَنُسِخَ كما نسخ بآية الرِّبا استقراضُ الحيوان،
لأن النصَّ المُوجِبَ للحظر يكون متأخِّرًا عن المُوجِبِ للإِباحة. ومثل هذا النسخ يكونُ بدلالة التاريخ. فَيَنْدَفِعُ
بهذا قول النوويِّ، وأمثاله: إن النسخَ لا يكون إلَّا بمعرفة التاريخ . اهـ: عيني.
قلتُ: وهذا الجوابُ وإن كان مشهورًا فيما بين القوم، بَيْدَ أني اغْتَنَيْتُ بنقله لِمَا نَّه عليه الشيخُ العيني في الجواب
عن الشيخ النوويِّ، فإنه يُفِيدُ في مواضع إن شاء الله تعالى.

٥٣٥
كتاب الوكالة
في الذِّمَّةِ، كما في البيع نسيئةً. وأقولُ من عند نفسي: إن الحيواناتِ، وإن لم تَتْبُتْ في الذِّمَّةِ في
القضاء، لكنه يَصِحُّ الاستقراضُ به فيما بينهم عند عدم المُنَازَعَةِ، والمناقشة.
وهذا الذي قلتُ: إن الناسَ يتعاملون في أشياءَ تكون جائزةً فيما بينهم على طريق المروءة
والإِغماض، فإذا رُفِعَتْ إلى القضاء يُحْكَمُ عليها بعدم الجواز. فالاستقراضُ المذكورُ عند عدم
المُنَازَعَةِ جائزٌ عندي. وذلك لأن العقودَ على نحوين: نحوٍ يكونُ معصيةً في نفسه، وذا لا يَجُوزُ
مطلقًا. ونحوٍ آخرَ لا يكون معصيةً، وإنما يُحْكَمُ عليه بعدم الجواز لإِفضائه إلى المُنَازَعَةِ، فإذا لم
تَقَعْ فيه منازعةٌ جَازَ. واستقراضُ البعير من النحو الثاني، لأنه ليس بمعصيةٍ في نفسه. وإنما يُنْهَى
عنه، لأن ذواتَ القيم لا تتعيَّنُ إلَّا بالتعيين، والتعيينُ فيها لا يَحْصُلُ إلَّا بالإشارة، فلا تَصْلُحُ
للوجوب في الذمة. فإذا لم تتعيَّنِ، أفضى إلى المنازعة عند القضاء لا مَحَالَةَ. فإذا كان النهيُ فيه
لِعِلَّةِ المنازعةِ، جاز عند انتفاء العِلَّة.
والحاصلُ أن كثيرًا من التصرُّفات لا تكونُ جائزةً في القضاء، وتَجُوزُ فيما بينهم. ثم هذا
فيما لم يَرِدْ فيه نصٌّ من الشارع بالنهي عنه صراحةً، وكذا لم يَحْكُمْ به قياسٌ جَلِيٍّ، وإلّا فلا
سبيلَ فيه إلى الجواز بحالٍ. وقد تبيَّنِ مما قلنا: إن عِلَّةَ النهي فيما نحن فيه هي المُنَازَعَةُ، ولا
نصَّ فيه عن الشارع، فإذا انتفت العِلَّةُ عاد إلى الجواز. ويُؤَيِّدُ ما قُلْنَا: إن الحنفيةَ صرَّحُوا في
الإِجازةِ الفاسدةِ، والمُضَارَبَةِ الفاسدةِ: أن الأُجْرَةَ فيهما طيبةٌ مع فساد العقد، فَدَلَّ على أنه لا
يَلْزَمَ من كون الشيءِ باطلًا، أو فاسدًا كونه معصيةً أيضًا. فإِذا لم يكن معصيةً في نفسه، يُحْكُمُ
عليه بالجواز. وإذن لا بأسَ لو حَكَمْنَا بالجواز في الصورةِ المذكورة. نعم لو وقعت فيه المُنَازَعَةُ
ورُفِعَ الأمرُ إلى القاضي، فالحكمُ فيه كما في المتون، وهو عدمُ الجواز.
ومن لههنا تبيَّن أن من زَعَمَ بين كون الشيء باطلًا، ومعصيةً تلازمًا، فقد حَادَ عن
الصواب. وهناك مسألةٌ أخرى تُؤَيِّدُ ما قُلْنَا، ففي ((الهداية)): إن بيعَ الخشب في السقف فاسدٌ،
فإِن سلَّمه إلى المشتري عاد إلى الجواز. وكذا البيعُ إلى النَّيْرُوز والمِهْرَجَان لا يَجُوزُ، فإِن نقد
الثمن جاز. وذلك لأن عِلَّةَ الفساد في الصورة الأولى: كون المبيعِ غيرَ مَقْدُورِ التسليم، وفي
الثانية: جهالةُ الأجل. فإذا انتفت بالتسليم ونقد الثمن، انتفى الفسادَ لانتفاء عِلَّتِهِ لا مَحَالَةً. فهذا
أصلٌ عظيمٌ ينبغي أن تَحْفَظَه، يَنْفَعُكَ في مواضع.
ثم إذا بَطَلَ العقدُ في شيءٍ، وتَدَاوَلَتْهُ الأيدي، وترتَّب عليه الأخذُ والإِعطاءُ، ماذا يكون
حاله؟ فاختلف فيه العلماء: فذهب عامتُهم إلى أن كلَّ ما ترتَب عليه العقدُ الباطلُ، فهو باطلٌ
لبطلان الأصل. وقال الحَلَوَانيُّ: إن الأولَ، وإن كان باطلًا في نفسه، لكنه إذا تَدَاوَلَتْهُ الأيدي
انقلب صحيحًا من جهة هذا التعاطي. فإِن الناسَ يَتَغَافَلُونَ وَيُغْمِضُون فيه بعد التعاطي، ولا
یُنَازِعُون فيه.
قلتُ: وهذا أيضًا من باب المروءة، والحَلَوَانِيُّ، وإن كان متفرِّدًا فيه، لكني أُفْتِي بقوله
أيضًا. فإنَّ الناس إن يعملوا بقول واحد خيرٌ لهم من أن لا يعملوا بقول أحد، فلذا أفتي بقول
الحَلَوَانيِّ تصحيحًا لعملهم، وإخراجه عن عدم الجواز.

٥٣٦
كتاب الوكالة
وبالجملة: إن النبيَّ ◌َّ أعطاه سِنَّا أحسن من سِنِّه، إذ لم تَقَعْ فيه منازعةٌ، ولو وقعت فيه
لأَدَّاه قيمته على ما هو السنَّة في ذوات القِيَمِ، فاحفظه.
٦ - بابُ الوَكَالَةِ في قَضَاءِ الدُّيُونِ
٢٣٠٦ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيلِ: سَمِعْتُ أَبَا
سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيِّ بَّرْ يَتَقَاضَاهُ
فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أَصحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا)). ثُمَّ
قالَ: ((أَعْطُوهُ سِنَّا مِثْلَ سِنِّهِ)). قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا نَجِدُ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ، فَقَالَ:
((أَعْطُوهُ، فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً)). [طرفه في: ٢٣٠٥].
٧ - بابٌ إِذَا وَهَبَ شَيئًا لِوَكِيلٍ أَوْ شِفَيعٍ قَوْمٍ جازَ
لِقَولِ النَّبِيِّ وََّ لِوَفِدٍ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ المَغَانِمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((نَصِيِي لَّكُمْ)).
٢٣٠٧، ٢٣٠٨ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيرٍ قالَ: حَدَّثَني اللَّيْثُ قالَ: حَدَّثَنِي عُقَيِلٌ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ قالَ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ وَالِمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةً أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وََّ قَامَ حِينَ جاءَهُ وَفَدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُّوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ
لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ بََّ: ((أَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخَتارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَينِ: إِمَّا السَّبْيَ
وَإِمَّ المَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ)). وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَّهِ انْتَظَرَهُمْ بِضَعَ عَشْرَةَ لَيلَةً
حِينَ قَفَلَ مِنَ الظَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ غَيرُ رَادِّ إِلَيْهِمْ إِلَّ إِحْدَى
الطَّائِفَتَينِ، قالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِنََّ في المُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ
بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هُؤْلَاءٍ قَدْ جَاؤُونَا تَائِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيتُ
أَنْ أَرُدَّ إِلَيهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذلِكَ فَلَيَفْعِلِ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ
علَى حَظَّهِ حَتَّىِ نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مِا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَليَفْعَلِ)). فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيِّبْنَا
ذلِكَ لِرَسُولِ اللهِ نََّ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ في ذلِكَ مِمَّنْ لَمْ
يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّىِ يَرْفَعُوا إِلَينا عُرَفِاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ)). فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ
رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بََّ فَأَخْبَرُوهُ: أَنَّهُمْ قَدْ طَيِّبُوا وَأَذِنُوا. [الحديث ٢٣٠٧ - أطرافه في: ٢٥٣٩،
٢٥٨٤، ٢٦٠٧، ٣١٣١، ٤٣١٨، ٧١٧٦]. [الحديث ٢٣٠٨ - أطرافه فى: ٢٥٤٠، ٢٥٨٣، ٢٦٠٨، ٣١٣٢،
٤٣١٩، ٧١٧٧].
ويجُوزُ(١) في إعراب الوكيل أوجهٌ إمَّا التنوينُ، أو الإِضافةُ على حدٍّ قولهم:
(١) كذا في العيني.

٥٣٧
كتاب الوكالة
ذِرَاعي وجَبْهَةَ الأَسَدِ
يَا مَنْ رأى عَارِضًا أَسَرَّ به
أصله ذراعین سقطت النون للإضافة. أو یکون من باب
يا تَيْمُ تَيْمَ عديٍّ لا أبا لكم
فعلى الأول، الوكيلُ أيضًا مضافٌ إلى قوم. وعلى الثاني، المضافُ إليه محذوفٌ من المعطوف
عليه، يعني به أن الوكيلَ واحدٌ، وإن كان الموهوبُ له جماعةٌ، فذا جائزٌ. قلتُ: إن كان غرضُ
المصنّف منه إثباتَ جواز هبة المُشَاعِ، ففيه نظرٌ، لأنه احتجَّ بردِّ سبي هَوَازن، وحمله على كونه
هبةً، وذلك غيرُ معلوم، لأن النظرَ فيه دائرٌ يُمْكِنُ أن يكونَ إعتاقًا، أو ردًّا، أو هِبَةً. فما لم
ينفصل الأمرُ فيه، لاَ يَصِحُ الاحتجاج به. وفصلُها من ألفاظ الرواة ظلمٌ، فإن هذه أنظارٌ
وتخاريجُ. وقد صرَّحُوا أن الرواةَ قد كانوا لا يعلمون الفِقْهَ، فربَّما يَحْمِلُون الروايات على
التناقض، فيجرَّحُون، مع أن التناقضَ كان يَحْدُث من جهة عدم تفقُّههم.
٨ - بابٌ إِذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلاً أَنْ يُعْطِيَ شَيئًا وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ يُعْطِي
فَأَعْطَى عَلَى ما يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ
٢٣٠٩ - حدّثنا المَكْيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ
وَغَيْرِهِ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَمْ يُبَلِّغْهُ كُلُّهُمْ، رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدٍ
اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كُنْتُّ مَعَ النَّبِيِّ وَ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ، إِنَّمَا هُوَ
فِي آخِرِ القَوْمِ، فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ ◌َِّ، فَقَالَ: ((مَنْ هذا؟)) قُلتُ: جابِرُ بْنُ عَبْدَ اللَّهِ، قالَ: ((ما
لَكَ؟)) قُلْتُ: إِنِي عَلَى جَمَلِ ثَفَالٍ، قَالَ: ((أَمَعَكَ قَضِيبٌ؟)) قُلتُ: نَعَمْ، قالَ: ((أَعْطِنِيهِ)).
فَأَعْطَيْتُهُ فَضَرَبَهُ فَزَجَرَهُ، فَكَانَ مِنْ ذلِكَ المَكانِ مِنْ أَوَّلِ القَومِ، قَالَ: ((بِعْنِيهِ)). فَقُلتُ: بَل
هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ((بِعْنِيهِ، قَدْ أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرٍّ، وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ)) .
فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ أَخَذْتُ أَرْتَحِلُ، قالَ: ((أَيَنَ تُرِيد؟))، قُلتُ: تَزَوَّجْتُ امرَأَةً قَدْ خَلَا
مِنْهَا، قالَ: ((فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ!)). قُلتُ: إِنَّ أَبِي تُوُفِّيَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ
أَنْكِحَ امْرَأَةً قَدْ جَرَّبَتْ، خَلَا مِنْهَا، قَالَ: ((فَذلِكَ)). فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ قالَ: ((يَا بِلَالُ،
اقْضِهِ وَزِدْهُ». فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ وَزَادَهُ قِيرَاطًا، قالَ جِابِرٌ: لَا تُفَارِقُنِي زِيادَةُ
رَسُولِ اللّهِ بَّهِ. فَلَمْ يَكُنِ القِيرَاطُ يُفَارِقُ جِرَابَ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. [طرفه في: ٤٤٣].
يعني أنه إذا وَكَّلَ وكيلًا بالإِعطاء، ولم يعيِّن مقدارَه، فَعَمِلَ فيه برأيه، هل يجوز أم لا؟
وأمثال ذلك عندي محمولةٌ على باب المروءة. فالأمرُ فيه عند عدم التنازع على ما تعَارَفَهُ
الناسُ. فما في الفقه: أن رجلًا لو أسْلَم بنت مَخَاض إلى رجلٍ ليربِّيها على أن يكونَ له
نِصْفُهَا، ففعل، تكون بنت المَخَاض للمُعْطِي بتمامها، ويَجِبُ عليه أَجْرةُ المِثْلِ للمربِّي، محمولٌ
على ما وَقَعَ فيه التنازُعُ، ورُفِعَ الأمرُ إلى القاضي. أمَّا إذا اصطلحا، ولم يَتَنَّازَعَا، فهمَا على
معاملتهما .

٥٣٨
كتاب الوكالة
٢٣٠٩ - قوله: (عن عَطَاءٍ بن أبي رَبَاحِ وغَيْرِهٍ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ، ولَمْ يُبَلِّغْهُ كُلُّهُم،
رَجُلٌ وَاحِدٌ منهم، عن جابر) ... إلخ، قاَلَ الشَّارِحُون: فيه تقدير حرف: ((بل)) أي لم يُبَلِّغْهُ
كلُّهم - بل - رَجُلٌ واحدٌ مِنهم. قلتُ: وتقدير حرف العطف لا يوجد في كُتُبِ النحو أصلًا.
فطريقُه أن يُوقَفَ على كلِّهم، ثم يُبْدَأ من رجلٍ واحدٍ، فَيُفْهَمُ منه معنى بل. فهو مقدَّرٌ بهذا
الطريق، أي لا نفهام معناه من الوقف.
قوله: (ولك ظَهْرُهُ إِلى المَدِينَةِ)، وهذا الذي أقولُ: إن الّهْرَ في ليلة البعير لم تكن على
طريق الاشتراط، بل كان عارِيَّةً له من النبيِّ يَّر. وقد تمسَّك به البخاريُّ على جواز الاشتراط في
البيع، لِمَا في بعض ألفاظه ما يُومِىءُ إليه. وإذا تبيَّنْتَ أنه كان عَاريَّةً لا شرطًا في صلب العقد،
سَقَطَ الاحتجاج به. وقد مرَّ منا مِرَارًا: أن الراوي لا يُرَاعي في التعبير تخاريج المشايخ، وإنما
يبني كلامَهُ على ما هو عنده في الحِسِّ والمشاهدة، وهو المُلْحَظُ عندنا في قوله: ((زوَّجْتُكَهَا بما
مَعَكَ من القرآن))، وسيجيء تقريره في موضعه.
قوله: (إن أبي قد تُؤُنِّيَ)، فيه إطلاقُ التَّوَفِّي على الشهادةُ(١)، ولا حَرَجَ، لأنه إذا اسْتُعْمِلَ
عديلًا للقتل يُسْتَعْمَلُ بمعنىٌ آخرَ، وإذا اسْتُعْمِلَ وحده يكون بمعنى آخرَ. ولك أن تقولَ: إن
المُكَتَّى به، والمُكَنَّى عنه يجتمعان في الكناية مِصْدَاقًا، لا مدلولًا، فيكون مدلولاهما مجامعًا في
الصدق، بخلاف المجاز، فإنه لا يكون فيه إلَّا معنىٌ واحدٌ. كما إذا أردت المطر من لفظ
السماء، لا يتحقَّق فيه إلَّا معنى المطر. وإذا قلتَ: رأيتُ رجلًا طويلَ النِّجَاد، على طريق
الكناية، يتحقَّق فيه المُكَنَّى به، وهو طول النجاد، والمُكَنَّى عنه، أي طول القامة كلاهما، وإن
اختلفا في مدلول لفظيهما. وإنما ذَكَرْنَا لك الفرق بين المجاز والكناية في عدَّة مواضعٍ مع شيء
من الإِيضاح في كل موضعٍ لتُحِيطَ به علمًا، فإن الفرقَ قد أَغْوَزَ على الفحول، ولم يتنقّح عندهم
بعد .
قوله: (وزَادَهُ قِيرَاطًا)، وفيه تصريحٌ أنه قد أعطى الثمن على حِدَة، والزيادة على حِدَة، ثم
إنه ليس المراد من القِيرَاط سِكَّةً مخصوصةً، بل قدرَها من الوَرِق، فلا شيوعَ فيها .
٩ - بابُ وَكَالَةِ المرَأَةِ الإِمامَ في النِّاحِ
٢٣١٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ أَبِي حازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ
سَعْدٍ قالَ: جاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بَّه فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدَّ وَهَبْتُ لَكَ مِنْ
نَفْسِي. فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا، قالَ: ((قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)). [الحديث ٢٣١٠ -
أطرافه في: ٥٠٢٩، ٥٠٣٠، ٥٠٨٧، ٥١٢١، ٥١٢٦، ٥١٣٢، ٥١٣٥، ٥١٤١، ٥١٤٩، ٥١٥٠، ٥٨٧١،
٧٤١٧].
(١) وقد وَرَدَ مثله في شهادة عمر، عند البيهقيِّ عن جابر، كما في ((المشكاة)) من أشراط الساعة، قال: ((فُقِدَ الجرادُ
في سنةٍ من سني عمر التي تُوَنِّي فيها))، الحديث بطوله.

٥٣٩
كتاب الوكالة
٢٣١٠ - قوله: (إني قَدْ وَهَبْتُ لَكَ مِنْ نَفْسِي) ... إلخ، قلتُ: وأين فيه توكيلُ المرأة.
والدلالةُ فيه لا تكفي، فلا يُقَالُ: إنه وإن لم يتحقّق حقيقةٌ، لكنه متحقِّقٌ حكمًا، لأنه لا بُدَّ
للتوكيل إمَّا من لفظه، أو تحقُّقه بولايةٍ شرعيةٍ .
١٠ - بابٌّ إِذَا وَكَّلَ رَجُلاً، فَتَرَكَ الوَكِيلُ شَيْئًا فَأَجَازَهُ المُوَكِّلُ فَهُوَ جَائِزٌ،
وَإِنْ أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى جازَ
٢٣١١ - وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَم أَبُو عَمْرِو: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: وَكَّلَّنِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَ بِحِفِظِ زَكاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ،
فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْت: وَاللَّهِ لِأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بَيِّ، قالَ: إِنِّي
مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدٌ، قالَ: فَخَلَّيت عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ وَّةِ: ((يَا
أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟)). قالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكًا حاجَةٌ شَدِيدَةً،
وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قالَ: ((أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ)). فَعَرَفتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ،
لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّهِ: (إِنَّهُ سَيَعُودُ)). فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلتُ:
لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَسِ، قالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ
فَخَلَّيْتُ سَبِيلِهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَله: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ما فَعَلَ أَسِيرُكَ؟)). قُلتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكا حاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قال: ((أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ،
وَسَيَعُودُ)). فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ
اللَّهِ وَّهِ، وَهذا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَّعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ، قالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ
كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلتُ: ما هُوَ؟ قالَ: إِذَا أَوَيتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ:
﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّوُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] حَتَّىٍ تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيكَ مِنَ
اللَّهِ حافِظٌ، وَلا يَقْرَبَنَّكَ شَيطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ
اللَّهِ وَّهِ: ((ما فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟)). قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ
يَنْفَعُنِيِ اللَّهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: ((ما هِيَ؟). قلتُ: قالَ لِي: إِذَا أَوَيِتَ إِلَى فِرَاشِكَ،
فَاقْرَأْ آَيَّةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ: ﴿الَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُ﴾ وَقَالَ لِي: لَنْ
يَزَالَ عَلَيكَ مِنَ اللَّهِ حافِظٌ، وَلَا يَقْرَبِكَ شَيطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ - وَكانُوا أَحْرَصَ شَيءٍ عَلَى
الخَيْرِ - فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثٍ
لَيَالٍ يَا أَبَا هِرَيرَةً؟)). قالَ: لَا، قالَ: ((ذَاكَ شَيطَانٌ)). [الحديث ٢٣١١ - طرفاه في: ٣٢٧٥،
٥٠١٠].
يعني به الإِجازةَ اللاحقةَ.
قوله: (وإن أَقْرَضَهُ إلى أجلٍ مُسَمّىٍ جَازَ) ... إلخ، وقد مرَّ: أن الأجل لا يَلْزَمُ في
القرض .

٥٤٠
كتاب الوكالة
٢٣١١ - قوله: (ذَاكَ شَيْطَانٌ)، والشيطانُ يُظْلَقُ على الجِنِّ(١) أيضًا، كما يُعْلَمُ من القرآن،
وفي بعض الروايات(٢): ((أنه كان ذا شعرٍ كثيرٍ، فأخذه أبو هُرَيْرَة، وسأله عمَّن هو؟ فقال: أنا
جِنِّيٌّ)). وراجع له ((آكام المرجان في أحكام الجان))، وكان هذا الجنيُّ من جنٍّ نَصِيبين(٣)، كما
في بعض الروايات. ثم إن هذا المالَ كان صدقةَ الفِطْرِ، فهل تَسْقُطُ الصدقةُ بأخذ الجنِّ؟.
قلتُ: ولمَّا كانت هذه الواقعةُ في عهد النبوَّة على طريق خَرْقِ العادة، فلا ينبغي أن تُبْنَى
عليها المسائل، مع أن أبا هريرة لم يَطَّلِعْ عليه إلَّا بعد ما أخبره النبيُّ ◌َّهَ أنه جِنٌّ. وقد أَخْفَاهُ هو
أيضًا إلى يومين، حتَّى ظنَّه أبو هريرة ذا حاجةٍ من الناس، مَصْرِفًا للصدقة، فكان يُغْمِضُ عنه على
علمٍ منه أنه فقيرٌ، أو مسكينٌ. وحينئذٍ فقصرها على موردها أَوْلَّى.
نصيبين: وهي عند حرَّان، والموصل في شرق الشام، معدن السِّخْر. ومن ههنا تعلَّم
الفارابي الفلسفة. وأظنُّ أنه تكون فيها جماعةٌ من الجِنِّ، وقد ذكر هذا الجِنُّ: أن الناسَ كانوا
يَضْرِبُون لنا سهمًا أيضًا، وقد تَرَكُوا ذلك منذ بُعِثَ هذا الرجلُ - يريد به النبيَّ ◌َّـــ فإِذن ليس لنا
من السرقة بُدٌّ .
١١ - بابٌ إِذَا بَاعَ الوَكِيلُ شَيْئًا فاسِدًا، فَبَيعُهُ مَرْدُودٌ
٢٣١٢ - حدّثنا إِسْحاقُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِح: حَدَّثَنَا معَاوِيَةُ، هُوَّ ابْنِ سَلَّامِ، عَنْ
يَحْيَى قالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الغَافِرِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سِّعِيدِ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَّ: جاءَ
بِلالٌ إِلَى النَّبِيِّ وَّةِ بِتَمْرِ بَرْنِيّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((مِنْ أَيْنَ هذا؟)) قالَ بِلَالٌ: كانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ
رَدِيٌّ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَينٍ بِصَاعٍ، لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ ◌ََّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ عَنْدَ ذَلِكَ: ((أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ
الرِّيَا عَينُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلَ، وَلكِنَّ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيِعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ».
١٢ - بابُ الوَكَالَةِ في الوَقْفِ وَنَفَقَتِهِ،
وَأَنْ يُطْعِمَ صَدِيقًا لَهُ وَيَأْكُلَ بِالمَعْرُوفِ
٢٣١٣ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا سُفيانُ، عَنْ عَمْرٍو: قالَ في صَدَقَةِ عُمَرَ رَضِيَ
(١) ورَاجِعْ لتحقيق إبليس، ولمباحث الجن ((عمدة القاري)) و((فتح الباري)).
(٢) أخرج العينيُّ برواية الحاكم، وابن حِبَّان، عن أبيٍّ بن كعب، وفيه: ((فإذا هو بدابةٍ شبه الغلام المحتلم، قال:
فسلّمْتُ، فرد عليَّ السلامَ، قال: فقلت: أنت جِنِّيٌّ أم إنسيٍّ؟ قال: جني قال: قلتُ: نَاوِلْني يدَك، قال: فناولني،
فإذا يده يد كلب، وشعر كلب. فقلت: هكذا خلق الجن. قال: لقد علمت الجن ما فيهم أشد مني)) ... إلخ،
وقد أخرج هذه الأحاديث القاضي بدر الدين أبو عبد الله محمد الشِّبْلي في كتابه ((آكام المرجان)) مبسوطةً،
فراجعها .
(٣) أخرج العينيُّ برواية الطبراني عن مُعَاذ حديث الجنيٌّ بطوله، وفيه: ((فقال: إني شيطانٌ ذُو عِيَالٍ، وما أتيتكَ إلَّا من
نَصِيبِين، لو أَصَبْتُ شيئًا دونه ما أتيتكَ. ولقد كنَّا في مدينتكم هذه حتى بُعِثَ صاحبكم، فلمَّا أُنْزِلَ عليه آيتان
أَنْفَرَتَانَا منها، فوقعنا بنَصِيبِين، ولا تُقْرَآن في بيت إلّا لم يَلِجْ فيه الشيطان ثلاثًا)» ... إلخ.