النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١
كتاب السّلم
وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالثَّمْرِ. وَسَأَلتُ ابْنَ أَبْزَى، فَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ. [الحديث ٢٢٤٢ - طرفاه في:
٢٢٤٤، ٢٢٥٥]. [الحديث ٢٢٤٣ - طرفاه في: ٢٢٤٥، ٢٢٥٤].
واعلم أنه ليس في فِقْهِ الحنفية بيعٌ يكون المبيع فيه معدومًا غير السَّلَم، ولذا شَرَطُوا فيه:
بيان القدر والجنس، ورأس المال، ومكان التسليم، وغيرها ليكونَ بعد التعيين كالموجود،
ويَقْرُبَ إلى الانضباط، لئلا تجري فيه التنازعات، وقد نَظَمَهُ الجاميُّ في بيتٍ:
قدر وجنس است وصف ونوع وأجل
است رأس مال سلم
جاي تسليم
ثم إن المُسْلَمَ فيه عندنا يكون من أربعة أنواع: المَكِيلَات، والمَوْزُونَات، والمَذْرُوعَات،
والمَعْدُودَات المتقاربة. والمتأخّرون أَلْحَقُوا به الاسْتِصْنَاعَ أيضًا، وينبغي أن لا يكونَ صحيحًا على
الأصل. واختلط باب الرِّبا من باب السَّلَم على مِيرزَاجَان - المُحَشِّي للهداية -، فكَتَبَ: أن الرِّبا
يجري في الأشياء الأربعة، مع أن الرِّبا لا يجري إلَّ في المكيلاتِ، وَالمَوْزُونَاتِ، فاحفظه.
٣ - باب السَّلَمْ إِلَى مَنْ لَيسَ عِنْدَهُ أَصْلٌ
٢٢٤٤، ٢٢٤٥ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا الشَّيبَانِيُّ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي المُجالِدِ قالَ: بَعَثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ وَأَبو بُرْدَةَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي
أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَالَا: سَلَهُ، هَل كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ نَّهَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ وَ يُسَلِفُونَ
في الحِنْطَةِ؟ قالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا نسْلِفُ نَبِيطَ أَهْلِ الشَّأُم في الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّيتِ، في كَيلٍ
مَعْلُومٍ، إِلَى أَجْلٍ مَعْلُومٍ. قُلتُ: إِلَى مَنَ كانَ أَضْلُهُ عِنْدَهُ؟ قالَ: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذلِكَ. ثُمَّ
بَعَثَانِيَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمُنِّ بْنِ أَبْزَى، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ نَّهِ يُسْلِفُونَ عَلَى عَهْدِ
النَّبِيِّ وَّةِ، وَلَمْ نَسْأَلُهُمْ: أَلَّهُمْ حَرْثٌ أَمْ لَا. [طرفاه في: ٢٢٤٢، ٢٢٤٣].
حدّثنا إِسْحاقُ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ محَمَّدِ بْنِ أَبِي مُجَالِدٍ :
بِهذا، وَقالَ: فَتُسْلِفُهُمْ في الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الوَلِيدِ، عَنْ سُفيانَ: حَدَّثَنَا
الشَّيْبَانِيُّ وَقالَ: وَالزَّيتِ. حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ وَقالَ: في الحِنْطَةِ
وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ.
واعلم أنه لا يُشْتَرَطُ أن يكونَ المُسْلَمُ فيه موجودًا في بيت المُسْلَم إليه، وإنما يُشْتَرَطُ أن
يَقْدِرَ على تسليمه، ولو بعد الشراء من السوق. فالشرطُ كونه موجودًا في الجملة، لا كونه عنده.
٢٢٤٤، ٢٢٤٥ - قوله: (ولم نَسْأَلْهُمْ، أَلَهُمْ حَرْثٌ أَمْ لَا)، يعني به: أنهم لم يَكُونُوا
يَسْأَلُون المُسْلَمَ إليه بأن المُسْلَمَ فيه في بيته أم لا، وإنما كان الواجبُ عليه أن يُهَّهُ على المُدَّة.
٢٢٤٦ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو قالَ: سَمِعْتُ أَبَا البَخْتَرِيِّ الطَّائِيَّ
قالَ: سَأَلتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ السَّلَمْ في النَّخْلِ؟ قالَ: نَهِى النَّبِيُّ ◌ََّ عَنْ
بَيع النَّخْلِ حَتَّى يُواكَلٌ مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: وَأَيُّ شَيءٍ يُوزَنُ؟ قَالَ رَجُلٌ إِلَى
جاَّنِهِ: حَتَّى يُحْرَزَ. وَقالَ مُعَاذٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو: قَالَ أَبو البَخْتَرِيِّ: سَمِعْتُ ابْنَ
٥٠٢
كتاب السّلم
عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَهِى النَّبِيُّ وََّ، مِثْلَهُ. [الحديث ٢٢٤٦ - طرفاه في: ٢٢٤٨، ٢٢٥٠].
٢٢٤٦ - قوله: (السَّلَمِ في النَّخْلِ)، أي في ثَمَرِهِ.
قوله: (حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ)، والمراد به بُدُوُّ الصلاح، وله تفسيران، وقد مرَّ مني: أنهما قريبان
من السواء.
قوله: (فَقَالَ الرَّجُلُ: وَأَيُّ شَيْءٍ يُوزَنَ؟ فقال رَجُلٌ إلى جانِهِ: حَتَّى يُحْرَزَ)، ولمَّا لم يَفْهَمْ
الرجلُ الوزنَ في الثمار، لكون المعهودُ فيها الكيلَ دون الوزن، مع عدم إمكان الكيل أيضًا على
الشجر، فسَّرَه بأن المرادَ بالوزن هو الإِحْرَازُ.
٤ - بابُ السَّلَمِ في النَّخْلِ
٢٢٤٧، ٢٢٤٨ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍوٍ، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ قالَ:
سَأَلتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا، عَنِ السَّلَمْ في النَّخْلِ، فَقَالَ: نُهِيَ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى
يَصْلُحَ، وَعَنْ بَيعِ الوَرِقِ نَسَاءً بِنَاجِزٍ. وَسَأَلِتَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ السَّلَمِ في النَّخْلِّ، فَقَالَ: نَهى
النَّبِيُّ ◌َُّ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ، أوْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ. لَطرفاه في: ١٤٨٦، ٢٢٤٦].
٢٢٤٩، ٢٢٥٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ
أَبِي البَخْتَرِيِّ: سَأَلِتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا عَنِ السَّلَم في النَّخْلِ، فَقَالَ: نَهى
النَّبِيُّ وَّهُ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَصْلُحَ، وَنَهى عَنِ الوَرِقِ بِالذَّهَبِ نَسَاءً بِنَاجِزَ. وَسَأَلتُ ابْنَ
عَبَّاسٍ فَقَالَ: نَهَىَ النَّبِيُّ ◌َّهَ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَأْكُلَ، أَوْ يُؤْكَلَ، وَحَتَّى يُوزَنَ؟ قُلتُ:
وَمَا يُوْزَنُ؟ قَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: حَتَّى يُحْزَرَ. [طرفاه في: ١٤٨٦، ٢٢٤٦].
أي في ثمره.
٢٢٤٧، ٢٢٤٨ - قوله: (نُهِيَ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَصْلُحّ)، فإن قلتَ: إن السؤالَ كان عن
السَّلَم، فكيف الجواب بمطلق البيع؟ قلتُ: وفي فقهنا مسألةٌ أخرى، يَظْهَرُ منها التَّنَاسُبُ بين
السؤال والجواب، وهي: أن المُسْلَمَ فيه، وإن لم يَجِبْ كونها فِي مِلْكِ المُسْلَم إليه، لكن يُشْتَرَطُ
أن يُوجَدَ في الأسواق من حين العقد إلى حلول الأجل. فدلَّت على أن ثِمَارَ النخل يَجِبُ أن
تَصْلُحَ، وتَخْرُجَ عن العاهات عند عقد السَّلَمِ، فإنها قبله كالمعدوم، وبه ظَهَرَت المناسبة.
٥ - بابُ الكَفِيلِ في السَّلَمِ
٢٢٥١ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ سَلّامٍ: حَدَّثَنَا يَعْلَى: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ
الأَسْوَدِ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَاً قالَتْ: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ وَ طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٌّ
بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ. [طرفه في: ٢٠٦٨].
قَاسَ الكَفَالَةَ على الرَّهْنِ، لأنه إذا صَحَّ الرَّهْنُ للاستيثاق، صَحَّت الكَفَالَةُ أيضًا. وتَصِحُ
الكَفَالةُ عندنا للمُسْلَمِ فيه دون الثمن، وراجع الفِقْهَ.
٥٠٣
كتاب السّلم
٦ - بابُ الرَّهْنِ في السَّلَمِ
٢٢٥٢ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قالَ:
تَذَاكَرْنا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ في السَّلَف، فَقَالَ: حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيِّ طَعَامًا إِلَى أَجَلِ مَعْلُومٍ، وَارْتَهَنَ مِنْهُ دِرْعًا مِنْ
حَدِيدٍ. [طرفه في: ٢٠٦٨].
٢٢٥٢ - قوله: (وارْتَهَنَ)، الضميرُ إلى اليهوديِّ.
٧ - بابُ السَّلَمِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ
وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ وَالأَسْوَدُ وَالحَسَنُ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا بَأُسَ في
الطَّعَامِ المَوْصُوفِ بِسِعْرٍ مَّعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، ما لَمْ يَكُ ذلِكَ فِي زَرْعِ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ.
٢٢٥٣ - حدّثنا أَبو نُعَيمَ: حَدَّثَنَا سُفيانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نجِيحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ کَثِيرٍ،
عَنْ أَبِي المِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عُبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّهُمَاَ قالَ: قَدِمَّ النَّبِيُّ وَّهِ المَدِينَةَ وَهُمْ
يُسْلِقُونَّ في الثِّمارِ السَّنَتَينِ وَالثَّلَاثُّ، فَقَالَ: ((أَسْلِفُوا في الثِّمارِ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ
مَعْلُوم)). وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنَ الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحَ، وَقالَ: ((في كَيلٍ
مَعْلُومٌ، وَوَزْنٍ مَعْلومٍ)). [طرفه في: ٢٢٣٩].
٢٢٥٤، ٢٢٥٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا سُفيَانُ، عَنْ
سُلَيمانَ الشَّيبانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِيِ مُجَالِدٍ قالَ: أَرْسَلَنِي أَبو بُرْدَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ إِلَى
عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبْزَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، فَسَأَلْتُهُمَا عَنِ السَّلَفِ، فَقَالَا: كُنَّا نُصِيبُ
المَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلهَ، فَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الَشَّأُمِ، فَنُسْلِفُهُمْ في الحِنْطَةِ
وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى، قالَ: قُلتُ: أَكانَ لَهُمْ زَرْعٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَّهُمْ زَرْعٌ؟
قالَ: مَاَ كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذلِكٌّ. [طرفاه في: ٢٢٤٢، ٢٢٤٣].
قوله: (مَا لَمْ يَكُ ذلك في زَرْع) ... إلخ، وقد مرَّ أنه لا يُشْتَرَطُ كون المُسْلَمُ فيه في مِلْكِ
المُسْلَم إليه عندنا، وإنما يُشْتَرَطُ كونهَ مأمونًا عن العاهات، ولا يَجُوزُ قبل ذلك.
٨ - بابُ السَّلَمِ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ
٢٢٥٦ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: أَخْبَرَنا جُوَيرِيَةُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الجَزُورَ إِلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ، فَنَهِى النَّبِيُّ ونَ عَنْهُ. فَسَّرَهُ نافِعٌ:
إلى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ما في بَطْنِهَا. [طرفه في: ٢١٤٣].
وليس هذا بيع السَّلَمِ المعروف في الفِقْهِ، ولعلَّه أراد به الواجب في الذِّمة مطلقًا، والله
تعالى أعلم بالصواب.
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ آَلـ
٣٦ - كِتَابُ الشَّفعَة
١ - بابُ الشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ فَلاَ شُفِعَةً
٢٢٥٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَّضى رَسُولُ اللَّهِ وَلَّه
بِالشُّفْعَةِ في كُلِّ ما لَمَّ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الْظُرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ. [طرفه في:
٢٢١٣].
وفي الحديث إشارةٌ إلى نفي الشُّفْعَةِ في المنقولات. ثم الشُّفْعَةُ عندنا: للشريك في نفس
المبيع، وفي حقوقه، وللجار أيضًا. وهي عند الشافعية: للشريك فقط، فاحتجُّوا به على نفي
الشُّفْعَةِ للجوار. ولنا في ذلك أحاديث، وقد تأثّر منها الشافعية أيضًا، حتى إنهم قالوا: إن
القاضي الحنفي لو حكم بالشُّفْعَةِ للجوار، ليس للشافعيِّ أن يَفْسَخَهُ. وهذا وإن كان داخلًا تحت
قاعدة: أن القضاءَ إذا لَاقَى فصلًا مُجْتَهَدًا فيه، صار مُجْمَعًا عليه. إلَّا أن فيه دليلًا على تأثرهم
من تلك الأحاديث أيضًا. وهي كقوله {وَ لجر عند الترمذيِّ: ((جَارُ الدَّارِ أحقُّ بالدَّار))، وكقوله:
((الجارُ أحقُّ بِسَقَبِهِ)) عند البخاريِّ.
وأوَّله الشافعية، فقالوا: إن المرادَ منه حقوقُ المجاورة (١)، دون حقوق الشُّفْعَةِ. قلتُ:
(١) قال الخطّابيُّ في حديث أبي رافع: ((الجارُ أحقُّ بسَقَبِهِ)»: إنه قد يَحْتَجُّ بهذا من يرى الشُّفْعَةَ بالجوار، وإن كان
مُقَاسِمًا. إلَّا أن هذا اللفظ مُبْهَمٌ يَحْتَاجُ إلى بيانٍ، وليس في الحديث ذكرُ الشُّفْعَةِ. فَيُحْتَمِلُ أن يكونَ أراد الشُّفْعَةَ،
وقد يُحْتَمَلُ أن يكونَ أراد أنه أحقُّ بالبر والمَعُونَةِ، وما في معناهما. وقد رُوِيَ عن النبيِّ ◌َّ أن رجلًا قال: ((إن
لي جَارَيْن، إلى أيُّهما أَهْدِ؟ قال: إلى أقربهما منك دارًا، أو بابًا)). ثم أخرج حديث الحسن، عن سَمُرَة مرفوعًا،
قال: ((جارُ الدَّارِ أحقُّ بدار الجار والأرض))، قال: وهذا أيضًا قد يَحْتَمِلُ أن يتأوَّل على الجار المُشَارِكِ، دون
المُقَاسم، كما قُلْنَاه في الحديث الأول. وقد تكلَّموا في إسناده، قال يحيى بن مَعِين: لم يَسْمَع الحسنُ من سَمُرَة،
وإنما هو صَحِيفٌ وَقَعَتْ إليه، أو كما قال. وقال غيره: سَمِعَ الحسن من سَمُرَة حديث العقيقة حسب ((معالم
السنن».
وقد تكلّم عليها المَازْدِيني، وأَزَاحَ جملةَ الشُّبُهَاتِ التي أتوا بها، وهذا نصُّه: قلتُ: هذا ممنوعٌ، بل سياقُها يَدُلُّ
على أنه وَرَدَ في الشُّفْعَةِ. وكذا فَهِمَ منه البخاريُّ، وأبو داود، وغيرهما، وقد صرَّح بذلك في قوله: ((أحقُّ بِشُفْعَةِ
أخيه))، والعرض مستحبٌّ. وظاهرُ قوله: أحق. وقوله: ((ينتظر به)): الوجوبُ. وأيضًا الأصلُ عدم تقرير العرض.
ثم حَكَّى البيهقيُّ عن الشافعيِّ، أنه قال: ثَبَتَ أنه لا شُفْعَةَ فيما قُسِمَ، فدَلَّ على أن الشُّفْعَةَ للجار الذي لم يُقَاسِمْ
دون المُقَاسِم.
قلتُ: قد ثَبَتَ أنه لا شُفْعَةَ فيما قُسِمَ، وصُرِّقَتْ فيه الطُّرُق، كما قدَّمنا. ومالُ أبي رافعٍ كان مُفْرَزًا بالقسمة، وإنما=
٥٠٤
٥٠٥
كتاب الشُّفعَة
والحديثُ الأولُ يَرُدُّ هذا التأويل، فإنه يَدُلُّ على كون تلك الحقوق مما يتعلَّقُ بالدار، وهي حقوق
الشُّفْعَةِ. وأجاب بعضُ الحنفية عن حديث الباب بجوابٍ غير صحيح، فراجعه من الهامش.
والجواب عندي: أنه لا ريب أن الحديثَ جعل للجارِ وللشريكِ حقوقًا، ولكنه سمَّى حقوقَ
الطُّرُق كانت مُشْتَرَكَةً، فصريحُ القصة يُخَالِفُ تأويل الشافعيِّ هذا بمذهبه. وقد جاء ذلك مُصَرَّحًا في قوله: حديث
=
جابر المذكور بعد: ((الجار أحقُّ بشفعة أخيه))، إذا كان طريقهما واحداً. وقد أَخَرَجَ النَّسائيُّ في ((سننه)) عن محمد بن
عبد العزيز بن أبي رِزْمَة، عن الفضل بن موسى، عن حرب بن أبي العالية، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر: ((أن النبيَّ ◌َِّ
قضی بالشُفْعَةِ بالجوار)»، وهذا سندٌ صحيحٌ.
وتأويلُ الشافعيّ («الجار): بالشريك، يَرُدُّه ما أخرجه ابن أبي شَيْبَة، عن أبي أُسَامة، عن حسين المعلّم، عن عمرو بن
شعيب عن عمرو بن الشّريدِ، عن أبيه: قلتُ: يا رسول الله، أرضٌ ليس لأحدٍ فيها قَسَمٌ، ولا شريكَ إلا الجوار،
قال: الجارُ أحقُّ بِصَقَبِهِ، ما كان)). وأَخْرَجَ الطحاويُّ هذا الحديث، ولفظه: ((ليس فيها لأحدٍ شِرْبٌ، ولا قسمٌ إلَّا
الجوار)). فهذا تصريحٌ بوجوبها لجوارٍ لا شركةَ فيه، فَدلَّ على أن الجارَ المُلَازِقَ تَجِبُ له الشُّفْعَةُ، وإن لم يَكُنْ
شريكًا .
وقال ابن جرير: رواه عمرو بن شُعَيْب، عن سعيد بن المُسَيِّب، عن الشِّرِيد بن سُوَيْد - من حَضْرَمَوْت - أنه عليه
السلام، قال: ((الجارُ، والشريكُ أحقُّ بالشُّفْعَةِ ما كان يأخذها أو يَتْرُك))، فظاهرُ عطف الشريك على الجار يقتضي أن
الجارَ غيرُ شريكٍ. وأخرج ابن حِيَّان في ((صحيحه)) حديث: ((الجارُ أحقُّ بِصَقَبِهِ)) من حديث أبي رَافِع، وأنس، عن
النبيِّ بَّهَ. وأخرج أيضًا عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((جارُ الدَّارِ أحقُّ بالدار)). وأخرجه النَّسائيُّ أيضًا.
وعن الحسن، عن سَمرَة بن جُنْدُب، عن النبيِّ بََّ، قال: جارُ الدَّار أحقُّ بدار الجار))، أخرجه أبو داود، والنّسائي،
والترمذي، وقال: حسن صحيح.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الهبة: أن الحاكم ذكر في أثناء كتاب البيوع من ((المستدرك)) حديثًا من رواية
الحسن، عن سَمُرَة، ثم قال: قد احتجِّ البخاريُّ بالحسن، عن سَمُرَة. وفي ((مصنّف ابن أبي شيبة))، في كتاب
أقضيته عليه السلام: حدثنا جرير، عن منصور، عن الحَكَم، عن عليّ، وعبد الله، قالا: ((قضى رسول الله السلال
بالشُفْعَةِ للجوار)». وفي ((التهذيب)) لابن جرير الطبريِّ: رَوَى موسى بن عُقْبَةَ، عن إسحاق بن يحيى، عن عُبَادة بن
الصَّامِت)»: أن النبيَّ بَّ قضى: أن الجارَ أحقُّ بِصَقَبِ جاره)).
وأخرج ابن جرير أيضًا بسنده عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، قال: ((قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((إذا أراد أحدُكم أن يَبِيعَ
عَقَّارَهُ، فَلْيَعْرِضُهُ على جاره)). فظهر بمجموع هذه الأحاديث أن للشُّفْعَةِ ثلاثة أسبابٍ: الشركةُ في نفس المبيع، ثم
في الطريق، ثم في الجوار. فظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: ((جارُ الدَّارِ أحقُّ بالدار)»، من يأخذ الدارَ كلَّها، وليس
ذلك إلاَّ الجار. وأمَّا الشريكُ، فإنه يأخذُ بعضَها. ولأن الشُّفْعَةَ إنما وَجَبَتْ لأجل التأذِّي الدائم، وذلك موجودٌ
للجار أيضًا. ولو وَجَبَتْ لأجل الشركة، لَوَجَبَتْ في سائر العروض. فلمَّا لم تَجِبْ إلَّ في العَقَّار، عَلِمْنَا أن سببَ
الوجوب هو التأذِّي.
وحكى الطبريُّ: أن القولَ بِشُفْعَةِ الجوار هو قول الشعبيِّ، وشُرَيْح، وابن سِيرِين، والحَكَم، وحَمَّاد، والحسن،
وطاوس، والثّوْرِيِّ، وأبي حنيفة، وأصحابه. وفي ((الاستذكار)»: رَوَى ابن عُيَيْنَة، عن عمر بن دِينَار، عن أبي بكر بن
حَفْص بن عمر بن سعد بن أبي وَقَّاص: ((أن عُمَرَ كَتَبَ إلى شُرَيْح أن اقضِ أن الشُّفْعَةَ للجار، فكان يقضي بها)».
وسُفْيَان، عن إبراهيم بن مَيْسَرة، قال: ((كتب إلينا عمر بن عبد العزيز: إذا حُدَّتِ الحدود، فلا شُفْعَةً، قال إبراهيم:
فَذَكَرْتُ ذلك لطاوس، فقال: لا، الجارُ أحقُّ)). ((الجوهر النقي)) مختصرًا. وقد تكلّم عليه العينيُّ أبسط منه،
فراجعه. وأجاب عن إيرادات الخصوم مع ما تكلّم في سماع الحسن، عن سَمُرَة، تركناه مخافةً للإِطناب.
٥٠٦
كتاب الشُّفعَة
الشريكِ شُفْعَةً، وحقوق الجار حقًا مطلقًا فقط. أما الفقهاءُ فسمَّوْا كليهما شفعةٌ، فلم يَبْقَ نزاعٌ إلَّا
في التسمية.
وحينئذٍ، فنفي الشُّفْعَةِ في الحديث راجعٌ بالنظر إلى اصطلاحه، وإثباتُ الفقهاء بالنظر إلى
مصطلحهم (١). فإن أراد الشافعيةُ أن يُنْكِرُوا حقَّ الجار رأسًا، فالحديثُ واردٌ عليهم لإِثباته ذلك
الحق، مثل الشريك، وإن لم يكن سَمَّاه شفعةً. وإن أراد الحنفيةُ ثبوت ذلك الاسم، فلا سبيلَ
لهم إليه من الحديث. والحاصلُ: أن المسألةَ في يد الحنفية، والتسمية والعنوان في يد
الشافعية .
ومرَّ الشيخُ ناصر الدين بن المنير على هذا الحديث، ولعلَّه في تفسير سورة ((مريم)) فقال:
إن قوله: ((ما لم يُقْسَمْ))، يَدُلُّ على أن هذا المال كان قابلًا للتقسيم، ثم لم يُقْسَمْ، لأن حرف
((لم) إنما يُسْتَعْمَلُ في محلِّ يكون من شأنه الإِثبات. فَيُقَالُ: لا يتكلّم الحجر، ولا يُقَالُ: لم
يتكلّم الحجر، لأنه ليس من شأنه التكلَّم. ثم قال: ولا تقسيمَ مع الجار، فإنه فرعُ الاشتراك،
ولا اشتراكَ معه ليقسم. فَأَرَادَ منه أن يَنْفي الشُّفْعَةَ للجار.
قلتُ: والصوابُ عندي: أن أمثال تلك النكات البلاغية إنما تَلِيقُ بشأن القرآن للثقة بحفظ
لفظه. أمَّا في الحديث، فالبابُ أوسعُ منه.
٢ - بابُ عَرْضِ الشُّفْعَةِ عَلَى صَاحِبِهَا قَبْلَ البَيعِ
وَقَالَ الحَكَمُ: إِذَا أَذِنَ لَهُ قَبْلَ البَيعِ فَلَا شُفْعَةً لَّهُ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَنْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ،
وَهُوَ شَاهِدٌ لا يُغَيِّرُهَا، فَلَا شُفْعَةً لَهُ.
٢٢٥٨ - حدّثنا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قالَ: وَقَفتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَجَاءَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ،
فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِخَدَى مَنْكِبَيَّ، إِذْ جَاءَ أَبو رَافِعَ مَوْلَّى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ: يَا سَعْدُ ابْتَعْ مِنِّي
بَيْتَيَّ في دَارِكَ، فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ ما أَبْتَاعُهُمَاً، فَقَالَ المِسْوَرُ: وَاللَّهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا، فَقَالَ
سَعْدٌ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلافٍ مُنَجَّمَةٍ، أَوْ مُقَطَّعَةٍ، قَالَ أَبوِ رَافِعٍ: لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا
خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَوْلًا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ وََّ يَقُولُ: ((الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ)) ما أَعْطَيتُكَهَا
(١) قلتُ: ونظيرُه الشهادة، فإن الشرعَ حكم على كل من مات مَظْعُونًا أو غَرِيقًا بالشهادة. والفقهاءُ أيضًا أقرُّوا بهذا
المعنى، غير أنهم لم يُسَمَّوهُ شهادة، وكذلك الشرع حقق للمدينة حرماً، وسماه به، وأقر به الفقهاء أيضاً، إلا
أنهم لم يسموه بالحَرَمِ. وهكذا الصدقة في الخيل، أقرَّ بها فقهاؤنا لكنهم لم يُسَمَّوْهُ زكاةً. كما لم يُسَمَّوْا الحقوق
المنتشرة زكاةً، فتلك الحقوق كلّها أقرَّ بها الفقهاء أيضًا، لكنهم لم يُسَمَّوْه بتلك الأسامي باعتبار موضوع فَنِّهم.
ونظيرُه ما ذكره الشيخُ: أن الشرعَ أَثْبَتَ للجار حقًّا مؤكّدًا لا يمكن إنكاره، وأقرَّ به فقهاءُ الحنفية، غير أنهم سمَّوْه
شُفْعَةً باعتبار موضوعهم، على عكس ما فعلوه في أخواتها، فآل الأمرُ إلى الخلاف في التسمية فقط. ولا يَبْعُدُ أن
يكونَ اختلافهم في باب الإِيمان أيضًا من هذا القبيل، فتذكّره، والله أعلم بالصواب.
٧
٥٠٧
كتاب الشُّفعَة
بِأَرْبَعَةِ آلافٍ وَأَنا أُعْطَى بِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ. [الحديث ٢٢٥٨ - أطرافه في: ٦٩٧٧،
٦٩٧٨، ٦٩٨٠، ٦٩٨١].
والمرادُ من الصاحب: الشفيعُ.
قوله: (وقال الشَّعْبِيُّ) ... إلخ. وحاصلُه: أنه إذا رأى شُفْعَتَهُ تُبَاع، ثم لم يتكلّم بشيءٍ،
فإن شُفْعَتَهُ تَسْقُطُ. وقد وَضَعَ لها الحنفيةُ ثلاث طَلَبَات(١)، لأنها حقٌّ ضعيفٌ يَسْقُطُ بالإِغماض.
٢٢٥٨ - قوله: (ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ في دَارِكَ) ... إلخ، كان لأبي رَافِعٍ بيتان في دار سعد.
قوله: (فقال سعد) ... إلخ، أني أعْطِيكَ من الثمن هذا القدر فقط، ولا أَزِيدُ عليه.
قوله: (مُنَجَّمَة)، أي بالأَقْسَاطِ، وهو المرادُ من قوله: ((مُقَطَّعَةً))، فكانت الشُّفْعَةُ في تلك
القصة للجار. فالصحابيُّ أيضًا فَهِمَ من الحديث ما فَهِمْنَاهُ. ولعلَّ البخاريَّ أيضًا وافقنا في
المسألة، فإنه أَخْرَجَ حُجَّةَ الحنفية: ((الجار أحقُّ بِسَقَبِهِ)).
٣ - بابٌ أَيُّ الجِوَارِ أَقْرَبُ
٢٢٥٩ - حدّثنا حَجَّاجٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح). وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ :
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ قالَ: سَمِعْتُ طَلحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي جَارَينٍ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قالَ: ((إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ
بابًا)). [الحديث ٢٢٥٩ - طرفاه في: ٢٥٩٥، ٦٠٢٠].
ولا يُذْرَى أنه هل أَرَادَ من الجَارِ الجَارَ المُلَاصِقَ، وأَرَادَ به موافقةَ الحنفية، أو حَمَلَهُ على
الحقوق الأخرى. غير أن الحديثَ الذي أَخْرَجَهُ ليس إلَّا في الحقوق العامة دون الشُّفْعَةِ، والله
تعالى أعلم.
(١) اعلم أن الطلبَ على ثلاثة أوجهٍ: الأولى: طلبُ المُوَاثَبةِ، وهو الطلبُ المُقَارن للعلم به. والثانية: طلبُ
الإشهاد، وهو بعد المُوَاثَبةِ بدون تَكَاسُلٍ وتأخيرٍ. والثالثة: طلبُ الخُصُومة، وهو أن يَدَّعي عند القاضي بعد
ذلك.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
٣٧ - كِتَابُ الإِجَارة
قيل: الإِجارةُ: فِعَالةٌ، وليس من باب الإِفعال، كذا ذَكَرَهُ ابن الحَاجِبِ في ((الشافية)). ثم
اعلم أن الأجرَ على نحوين: أجيرٌ مُشْتَرَكٌ، وهذا لا يستحقُّ الأجرَ حتى يَعْمَّلَ. وأجيرٌ خاصٌّ،
وهو يستحقُّ الأجرَ بتسليم نفسه في المدة، وإن لم يَعْمَلْ.
١ - بَابُ اسْتِثْجَارِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ أُسْتَثْجَرْتَ اُلْقَوِىُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]. وَالخَازِنِ
الأَمِينِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَعْمِلِ مَنْ أَرَادَهُ.
٢٢٦٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفِيَانُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قالَ: أَخْبَرَنِي جَدِّي
أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َله: «الخَازِنُ
الأَمِينُ، الَّذِي يُؤَدِّي مَا أُمِرَ بِهِ طَيْبَةٌ نَفسُهُ، أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ)). [طرفه في: ١٤٣٨].
٢٢٦١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيِىِ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ خالِدٍ قالَ: حَدَّثَنِي حُمَيدُ بْنُ هِلَالٍ:
حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَقْبَلتُ إِلَى النَّبِيِّوَّهَ وَمَعِي رَجُلانٍ
مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ، فَقُلتُ: ما عَلِمْتُ أَنَّهُمَا يَظْلُبَانِ العَمَلَ، فَقَالَ: ((لَنْ - أَوْ: لَا - نَسْتَعْمِلُ
عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ)). [الحديث ٢٢٦١ - أطرافه في: ٣٠٣٨، ٤٣٤١، ٤٣٤٣، ٤٣٤٤، ٦١٢٤، ٦٩٢٣،
٧١٤٩، ٧١٥٦، ٧١٥٧، ٧١٧٢].
قوله: (ومَنْ لم يَسْتَعْمِلْ من أَرَادَهُ) ، أي لم يستعمل من طلب العمل.
٢ - بابُ رَغْيِ الغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ
٢٢٦٢ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ المَكِّيُّ: حَدَّثَنَا عَمْرُوِ بْنُ يَحْيِى، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهَ قالَ: ((ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّ إِلَّا رَعى الغَنَمَ)). فَقَالَ
أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: ((نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ)).
٣ - بابُ اسْتِثْجَارِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ(١)، أَوْ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الإِسْلَامِ
وَعَامَلَ النَّبِيُّ ◌َّهُ يَهُودَ خَيْبَرَ.
(١) وهل يَجُوزُ أن يُؤْجِرَ الرجلُ المسلمُ نفسَه من مشركِ؟ فالجواب كما قال ابن المنير: استقرَّت المذاهب على أن
الصُّنَّاعَ في حوانيتهم يَجُوزُ لهم العملُ لأهل الذُّمَّةِ، ولا يعتد ذلك من الذِّلَّة. بخلاف أن يَخْدِمَهُ في منزله، وبطريق
التَّبَعِيَّة له، اهـ. عيني ((عمدة القاري)).
٥٠٨
٥٠٩
كتاب الإِجارة
٢٢٦٣ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَاسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ وَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي
الدِّيلِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ، هَادِيًا خِرِّيْتًا - الخِرِّيتُ: المَاهِرُ بِالهِدَايَةِ - قَدْ غَمَسَ يَمِينَ
حِلْفٍ في آلِ العَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَهُوَ عَلَى دِينٍ كُفَّارٍ قُرَيشٍ، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا،
وَوَعَدَاهُ غارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لْيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلَاثٍ، فَارْتَحَلا،
وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عامِرُ بْنُ فُهَيرَةَ، وَالدَّلِيلُ الدِّيلِيُّ، فَأَخَذَ بِهِمْ أَسْفَلَ مََّةَ، وَهُوَ طَرِيقُ
السَّاحِلِ. [طرفه في: ٤٧٦].
واعلم أن اتحادَ المِلَّة ليس بشرطٍ في عقد الإِجارة، وكذا قيدُ الضرورة أيضًا مُفْحَمٌ.
واعلم أن مكاتبَ المعاملات الحكومية في عهد عمر في إيران كانت بالفارسية، وكان فيها
مُحَاسِبٌ مجوسيٍّ، لأن العربَ لم يَكُونُوا يُحْسِنُون الحساب. فلمَّا أُخْبِرَ به عمر أَمَرَ بعزله، وأَمَرَ
بإسقاط الحساب الفارسيِّ، وأَمَرَ بكتابة الدفاتر بالعربية. قلتُ: هذا في الدفاتر والمَنَاصِب، أمَّا
الإِجارةُ المطلقة، فَتَصِحُّ في الكافر أيضًا.
قوله: (عَامَلَ النبيُّ نَّهِ يَهُودَ خَيْبَرَ) ... إلخ، قال العينيُّ: إن المعاملةَ في عُرْفٍ(١) المدينة
هي المُزَارَعةُ والمُسَاقَاةُ، لأن أرضَ خَيْبَرَ كانت حقًّا للغانمين، وسيجيء تفصيله.
٢٢٦٣ - قوله: (قد غَمَسَ يمينَ حِلْفٍ) ... إلخ، كان من عادات(٢) العرب: أنهم إذا
حَلَفُوا يَضَعُون بين أيديهم ماءً، ويَجْعَلُون فيه لونّا، فإذا ظَهَرَ أثرُه فيه، غَمَسُوا فيه أيديهم وحَلَقُوا .
ومن هُهنا سُمِّي اليمينُ غَمُوسًا .
٤ - بابٌ إِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَعْمَلَ لَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ،
أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ جازَ، وَهُما عَلَى شَرْطِهِمَا الَّذِي اشْتَرَطاَهُ إِذَا جَاءَ الأَجَلُ
٢٢٦٤ - حدّثنا يَحْيِى بْن بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلِ، قالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي
عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، زَوْجَ النَّبِيِّ وَّهِ، قالَتْ: وَاسْتَأْجَرَ رَسُولٌ
اللّهِ وَلَهَ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، هَادِيًا خِرِّيْتًا، وَهُوَ عَلَى دِينٍ كُفَّارِ قُرَيشٍ، فَدَفَعَا
إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ. [الحديث
٢٢٦٤ - أطرافه في: ٣٠٣٨، ٤٣٤١، ٤٣٤٣، ٤٣٤٤، ٦١٢٤، ٦٩٢٣، ٧١٤٩، ٧١٥٦، ٧١٥٧، ٧١٧٢].
(١) قال أبو عُبَيْد: فشبََّ قومٌ هذا بالذي صَنّعَ عمر بالسواد فيما يُرْوَى عنه في النخل والشجر، وليس يُشْبِهُ هذا ذاك،
لأن هذه المعاملة كالمُزَارَعَةِ، وهي التي يسمِّها أهل المدينة ((المُسَاقَاة))، إنما هي على بعض ما يَخْرُجُ منها. فإن
خَرَجَ شيءٌ كان لهم شرطهم، وإن لم يَخْرُجْ، فلا شيءَ لهم. والذي يَحْكُونَ عن عمر قبالة بشيءٍ مُسَمَّى، فلهذا
أَنْكَرْنَا أن يكونَ عمرُ فعله، اهـ. كتاب ((الأموال)).
(٢) ذكره العينيُّ في ((عمدة القاري)).
٥١٠
كتاب الإِجَارة
ويُقَالُ له في الفِقْهِ: الإِجارةُ المضافةُ، والعقدُ فيها يكون في الحال، والعملُ في المآل.
ولتراجع ((الهداية)) للفرق بين الإِجارة المعلّقةِ والمُضَافةِ. ولم يُدْرِكُهُ الشاميُّ في النكاح.
ثم إن الفرقَ بينهما قد تسلسل في أبوابٍ شتَّى. كالهِبَةٍ، فإنها إذا كانت مُقَيَّدَةً بالشرط
تَصِحُّ، وإذا كانت مُعَلَّقةٌ لا تَصِحُ. بخلاف البيع، فإنه لا يَصِحُّ، سواء كان مُعَلَّقًا بشرطِ، أو
مقَّدًا به.
٥ - بابُ الأَخِيرِ في الغَزْوِ
٢٢٦٥ - حدّثنا يَعْقُوبِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيج
قالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَىِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: غَزَوْثٌ
مَعَ النَّبِيِّ ◌َّهِ جَيشَ العُسْرَةِ، فَكَانَ مِنْ أَوْثَقِ أَعْمَالِي فِي نَفسِي، فَكانَ لِي أَجِيرٌ، فَقَاتَلَ
إِنْسَانًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا إِصْبَعَ صَاحِبِهِ، فَانْتَزَعَ إِصْبَعَهُ فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ فَسَقَطَتْ، فَانْطَلَقَ إِلَى
النَّبِيِّ ◌َِّ فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ، وَقَالَ: ((أَفَيَدَعُ إِصْبَعَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا - قالَ: أَحْسِبُهُ قالَ : - كما
يَقْضَمُ الفَحْلُ)). [طرفه في: ١٨٤٨].
٢٢٦٦ - قالَ ابْنُ جُرَيج: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيكَةَ، عَنْ جَدِّهِ، بِمِثْلِ هذهِ
الصِّفَةِ: أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتُهُ، فَأَهْدَرَهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
يعني أن الغَزْوَ يكون خَالِصًا لله تعالى، فهل تَصِحُّ فيه الأُجْرَةُ؟ والجواب أنها تَصِحُّ، وإن
حَبِطَ الأجرُ، فهو للأجير إلى آخر قطرة دمه.
٢٢٦٥ - قوله: (جَيْشَ العُسْرَةِ) يُقَالُ لِغَزْوَةِ تَّبُوك.
٦ - بابُ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَبَيَّنَ لَهُ الأَجَلَ وَلَمْ يُبَيِّنِ العَمَلَ
لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَىَّ هَلَيْنٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ
وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٧ - ٢٨]. يَأْجُرُ فُلَانًا: يُعْطِيهِ أَجْرًا، وَمِنْه في التَّعْزِيَةِ: آجَرَكَ اللَّهُ.
وهذا ما قُلْتُ: إن المعقودَ عليه في باب الإِجارة قد يكون تسليمَ النفس، ولا يُشْتَرَطُ فيه
العمل.
قوله: (آجَرَكَ اللّهُ) يُمْكِنُ أن يكونَ إشارةً إلى أن المُؤَاجَرَةَ تُسْتَعْمَلُ في الفواحش،
فالمُؤَاجَرَةُ: المعاملةُ على الزنا، كما صرَّح به الزمخشريُّ.
٧ - بابٌ إِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا
عَلَى أَنْ يُقِيمَ حائِطًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ جازَ
٢٢٦٧ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيج أَخْبَرَهُمْ
قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، يَزِيدُ أَحَدُهُما عَلَى
٥١١
كتاب الإِجَارة
صَاحِبِهِ، وَغَيرُهُما قالَ: قَدْ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُهُ عَنْ سَعِيدٍ قالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا: حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((فَانْطَلَقَا، فَوَجَدَا جِدَّارًا يُرِيدُ أَنْ
يَنْقَضَّ - قالَ سَعِيدٌ بِيَدِهِ هَكَذًا وَرَفَعَ يَدَبِهِ - فَاسْتَقَامَ)). قالَ يَعْلَى: حَسِبْتُ أَن سَعِيدًا قالَ:
((فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ فَاسْتَقَّامَ، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾)). قالَ سَعِيدٌ: ((أَجْرًا نَأُكُلُهُ)).
[الحديث ٢٢٦٧ - أطرافه في: ٧٨، ١٢٢، ٢٧٢٨، ٣٢٧٨، ٣٤٠٠، ٤٧٢٥].
٨ - بابُ الإِجَارَةِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ
٢٢٦٨ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قالَ: ((مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الكِتَابَينِ، كَمَثَلِّ رَجُلِ اسْتَأْجَرَ
أُجَرَاءَ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُذْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهارِ عَلَى قِيرَاطَ؟ فَعَمِلَتِ اليَّهُودُ، ثُمَّ
قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ عَلَى قِيرَاطِ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ
قالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنَ العَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَينِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ، فَغَضِبَتِ
اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: مَاَ لَّنَا أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً؟ قالَ: هَلَ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقُّكُمْ؟
قَالُوا: لَا، قَالَ: فَذلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ)). [طرفه في: ٥٥٧].
٩ - بابُ الإِجارَةِ إِلَى صَلاَةِ العصْرِ
٢٢٦٩ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيسٍ قالَ: حَدَّثَني مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ
مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَّرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولٌ
اللَّهِ وَ لَقالَ: ((إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَاليَهُودُ وَالنَّصَارَى، كَرَجُلِ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ
لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطِ قِيرَاطِ؟ فَعَمِلَتِ اليَهُّودُ عَلَى قِيرَاطِ قِيرَاطِ، ثُمَّ عَمِلَتِ
النَّصَارَى عَلَى قِيْرَاطِ قِيرَاطِ، ثمَّ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ
عَلَى قِيرَاطَينٍ قِيرَاطَينٍ، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَقالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَّلُّ عَطَاءً!
قالَ: هَل ظَلَّمْتُكُمْ مِنَ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قالُوا: لَا، فَقَالَ: فَذلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ)). [طرفه
في : ٥٥٧].
١٠ - بابُ إِثْمٍ مَنْ مَنَعَ أَجْرَ الآخِيرِ
٢٢٧٠ - حدّثنا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيِى بْنُ سُلَيمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ
أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قالَ: ((قالَ
اللَّهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ
ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ)). [طرفه في: ٢٢٢٧].
٥١٢
كتاب الإِجَارة
١١ - بابُ الإِجارَةِ مِنَ العَصْرِ إِلَى اللَّيلِ
٢٢٧١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ
أَبِي مُوسىٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((مَثَلُ المُسْلِمِينَ وَاليَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَمَثَلِ
رَجُلِ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا، يَعْمَلُونَ لَهَ عَمَلَا يَوْمًا إِلَى اللَّيلِ عَلَى أَجْرٍ مَعْلُومٍ فَعَمِلُوا لَهُ إِلى نِصْفٍ
النَّهَارِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ الَّذِي شَرَْتَّ لَنَا، وَمَا عَمِلنَاً بَاطِلٌ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا
تَفعَلُوا، أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ، وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلًا، فَأَبَوْا وَتَرَكُوا، وَاسْتَأْجَرَ أَجِيرَينٍ
بَعْدَهُمْ، فَقَالَ لَهُمَا: أَكْمِلَا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمَا هذا، وَلَكُمَا الَّذِي شَرَظْتُ لَهُمْ مِنَ الأَجْرِ،َ
فَعَمِلُوا، حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ العَصْرِ قالا: لَكَ ما عَمِلنَا بَاطِلٌ، وَلَكَ الأَجْرُ الَّذِي
جَعَلتَ لَنَا فِيهِ. فَقَالَ لَهُمَا: أَكْمِلَا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمَا، ما بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَيءٌ يَسِيرٌ، فَأَبَيَا،
وَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا أَنْ يَعْمَلُوا بَقِيَّةً يَوْمِهِمْ، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا
أَجْرَ الفَرِيقَينِ كِلَيهِمَا، فَذلِكَ مَثَلُهُمْ وَمَثَلُ ما قَبِلُوا مِنْ هذا النُّورِ)). [طرفه في: ٥٥٨].
١٢ - بابُ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَتَرَكَ أَجْرَهُ، فَعَمِلَ فِيهِ المُسْتَأْجِرُ فَزَادَ،
أَوْ مَنْ عَمِلَ في مالٍ غَيرِهِ فَاسْتَفْضَلَ
٢٢٧٢ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ :
أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَهَ يَقُولُ: ((انْطَلَقَ ثَلاثَةُ
رَهْطِ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى أَوَوُا المبِيتَ إِلَى غارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ
فَسَدَّتْ عَلَيهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هذهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحَ
أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كانَ لِي أَبَوَانِ شَيِخَانٍ كَبِيرَانٍ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَّا
أَهْلًا وَلَا مالًا، فَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَّبْتُ لَهُمَا
غُبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَينِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مالًا، فَلَبِثْتُ وَالقَدَحُ عَلَى
يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الفَجْرُ، فَاسْتَيقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلتُ
ذلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا ما نَحْنُ فِيهِ مِنْ هذهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ
الخُرُوجَ، قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهَ: وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كانَتْ لِي بِنْتُ عَمِّ كانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ،
فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّي، حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَّةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي فَأَغْطَيْتُهَا
عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَينَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَّيْهَا قَالَتْ:
لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّ بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ
أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنَتُ فَعَلتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ
فَافِرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنْهَا، قَالَ
النَّبِيُّ ◌َّ: وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ
٥١٣
كتاب الإِجَارة
تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ، فَقَالَ: يَا
عَبْدَ اللَّهِ أَدِّي إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلتُ لَهُ: كُلُّ ما تَرَى مِنْ أَجْرِكَ، مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالغَنَمِ
وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْتَهْزِىءْ بِي، فَقُلتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ
فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنَّ كُنْتُ فَعَلتُ ذلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافِرُجْ عَنَّا ما نَحْنِ
فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ)). [طرفه في: ٢٢١٥].
إذا تصرَّف في مال الغير(١)، فهل يَكُونُ الربحُ للعامل، أو المالك؟ وقد مرَّ عن «الهداية»:
أن الربحَ في البيع الفاسد يَطِيبُ للبائع، لأنه ربحٌ في ثمنه، ولا يَطِيبُ للمشتري، فإنه ربحٌ في
المبيع. ووجهُ الفرق ذَكَرَهُ صاحبُ ((الهداية))، واعْتُرِضَ عليه أنه لا فرقَ بينهما، فإن المبيعَ إذا بِيعَ
صار نقدًا، فلم يَبْقَ بين الثمن والمبيع فرقٌ في ثاني الحال، وإن كان فرقًا في أول الحال. وحينئذٍ
ينبغي أن يكونَ ربحُ الثمنِ أيضًا خبيثًا، أو ربحُ المبيعِ أيضًا طيبًا.
وأجاب عنه الشيخُ سعد الدين: أن هذه المسألة إنما هي في البيع الأول. أمَّا بعد ذلك،
فَيَطِيبُ له الربح في ذلك الثمن أيضًا، وإن كان هذا الثمن حَصَلَ له ببيع المبيع في البيع الأول.
فالربحُ الذي حَصَلَ للمشتري في أول بيعه يبقى خبيثًا، ثم إذا اشترى منه شيئًا يَطِيبُ له الربح
أيضًا، كالربح للبائع الأصليِّ، وهو الأولُ.
١٣ - بابُ مَنْ آَجَرَ نَفسَهُ لِيَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ،
ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ، وَأُجْرَةِ الحَمَّالِ
٢٢٧٣ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ يَحْيِى بْنِ سَعِيدِ القُرشيِّ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ
شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلّهِ إِذَا أَمَرَ
بِالصَّدَّقَةِ، انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ فَيُصِيبُ المُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ. قَالَ:
مَا نُرَاهُ إِلَّا نَفسَهُ.
أي من آجَرَ نفسه، فاكتسب شيئًا، فاستفضل منه شيءٌ، فتصدَّقَ به.
(١) قلتُ: وذكر العينيُّ أن من اتَّجَرَ في مال غيره، ففيه خلافٌ. فقال قومٌ: له الربحُ إذا أدَّى رأس المال إلى صاحبه،
سواء كان غاضبًا للمال، أو وديعةً عنده، متعدِّيًا فيه، وهو قولُ عطاء، ومالك، وربيعة، واللَّيْث، والأوزاعي،
وأبي يوسف. واستحبَّ مالك، والثوريُّ، والأوزاعيُّ تنزُّهه، ويتصدَّق به. وقال آخرون: يَرُدُّ المال، ويتصدَّق
بالربح كلِّه، ولا يَطِيبُ له شيءٌ من ذلك، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وزُفَر. وقال قومٌ: الربحُ لربِّ
المال، وهو ضامنٌ لِمًا تعدَّى فيه، وهو قول ابن عمر، وأبي قِلَابة، وبه قال أحمد، وإسحاق.
وقال الشافعيُّ: إن اشترى السلعةً بالمال بعينه، فالربحُ ورأسُ المال لربِّ المال. وإن اشتراها بمالٍ بغير عينه قبل
أن يَسْتَوْجِبَها بثمنِ معروفٍ بالعين، ثم نَقَدَ المال منه، أو الوديعة، فالربحُ له، وهو ضامنٌ لِمَا اسْتَهْلَكَ من مال
غيره. والله أعلم بالصواب وتكلّم عليه المَازْدِيني في ((الجوهر النقي)»، وذَكَرَ في كتاب القراض أشياءَ تَنْفَعُكَ،
فَلْيُراجَعْ .
٥١٤
كتاب الإِجَارة
١٤ - بابُ أَجْرِ السَّمْسَرَةِ
وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَالحَسَنُ بِأَجْرِ السِّمْسَارِ بَأْسًا. وَقَالَ ابْن عَبَّاسٍ:
لَا بَأسَ أَن يَقُولَ: بِعَ هذا الثَّوْبَ، فَمَا زَادَ عَلَى كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لَكَ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا
قالَ: بِعْهُ بِكَذَا، فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحِ فَهُوَ لَكَ، أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّه :
((المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ)).
٢٢٧٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدٍ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا: نَهِى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ أَنْ يُتَلَقَّى الَرُّكْبَانُ، وَلَاَ يَبِيعَ حاضِرٌ
لِبَادٍ. قُلتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، ما قَوْلُهُ: ((لَا يَبِيعُ حاضِرٌ لِبَادٍ))؟ قالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا.
[طرفه في: ٢١٥٨].
وأجرتُه حلالٌ عندنا، سواء كان من جهة البائع، أو المشتري.
قوله: (بِعْ هذا الثَّوْبَ، فَمَا زَادَ على كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لَكَ) ... إلخ، وهذه الإِجارةُ فاسدةٌ
عندنا لجهالة الأَجْرَةِ، فيستحقُّ أجرةَ المِثْلِ، على ما هو المسألة في الإِجارةِ الفاسدةِ.
قوله: (المُسْلِمُون عند شُرُوطِهِمْ) ... إلخ، يعني يَلْزَمُهُم كلُّ شرطٍ تتحمَّله قواعدُ الشرع،
فعليهم الإِيفاءُ بها .
١٥ - بابُّ هَل يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ نَفسَهُ مِنْ مُشْرِكٍ في أَرْضِ الحَرْبِ
٢٢٧٥ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِم، عَنْ
مَسْرُوقٍ: حَدَّثَنَا خَبَّابٌ رضي الله عنه قالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَينًا، فَعَمِلتُ لِلعَاصِ بْنِ وَائِلٍ،
فَاجْتَمَعَ لِي عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلتُ:
أَمَا وَاللَّهِ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ فَلَا. قالَ: وَإِنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟ قُلتُ: نَعَمْ، قالَ: فَإِنَّهُ
سَيَكُونُ لِي ثَمَّ مالٌ وَوَلَدٌ، فَأَقْضِيكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِتَايَتِنَا وَقَالَ
لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (﴾﴾ [مريم: ٧٧]. [طرفه في: ٢٠٩١].
وقد مرَّ: أن المُؤاجَرَةَ شائعةٌ في الفحشاء، والزنا، ولعلَّ البخاريَّ غافلٌ عن هذا
الاصطلاح، ولا يَبْعُدُ أن يكونَ العُرْفُ المذكورُ اشتهر بعد زمن البخاريِّ.
١٦ - باب ما يُعْطَى في الرُّقْيَةِ عَلَى أَحْيَاءِ العَرَبِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ: ((أَحَقُّ ما أَخَذْتُمْ عَلَيهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ)). وَقَالَ
الشَّعْبِيُّ: لَا يَشْتَرِطُ المُعَلِّمُ، إِلَّا أَنْ يُعْطَى شَيْئًا فَلَيَقْبَلُهُ. وَقَالَ الحَكَمُ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا كَرِهَ
أَجْرَ المعلِّم. وَأَعْطَى الحَسَنُ دَرَاهِمَ عَشَرَةً. وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ بِأَجْرِ القَسَّامِ بَأْسًا. وَقالَ:
كانَ يُقَالُ: السُّحْتُ: الرِّشْوَةُ في الحُكمِ، وَكانُوا يُعْطَوْنَ عَلَى الخَرْصِ.
٥١٥
كتاب الإِجَارة
والرُّقْيَةُ: (افسون)، وفي الهندية: (منتر). ولا يُقَالُ: إلَّا لِمَا اشتملت على كلماتٍ غير
مشروعةٍ. وحينئذٍ كان المُنَاسِبُ أن لا تُسَمَّى العُوذَة، والكلمات المشروعة بالرُّقْيَة، مع أنهم
يَسْتَعْمِلُونَها في تلك أيضًا.
واعلم أن لهُهنا مسألتين: الأولى: أخذُ الأُخْرَةِ على تعليم القرآن(١)، والأذان، والإقامة.
ولا يَجُوزُ فيها أخذُ الأُخْرَةِ على المذهب، وإن أَفْتَى المتأخِّرون بجوازها. وتعليلُ صاحب
((الهداية)) يُوجِبُ عدم الجواز مطلقًا، وحينئذٍ استثناء المتأخِّرين يصَادِمُ المذهبَ صراحةً. نعم
يُسْتَفَادُ من تعليل قاضيخان: أن استثناءَ الأشياءِ المذكورةِ يُتَحَمَّلُ على المذهب أيضًا، فقال: إن
الوظائفَ في الزمان الماضي كانت على بيت المال. ولمَّا انْعَدَمَ، عادت الفريضة على رقاب
الناس، وعليه الاعتمادُ عندي. لأن رتبةَ قاضيخان أعلى من («الهداية»، كما صرَّح به العلّامة
القاسم بن قُطْلُوبُغَا .
والثانية: مسألةُ الأجرة على التعوُّذ، والرُّقْيَة، وهي حلالٌ لعدم كونها عبادة.
قلتُ: ويتفرَّعُ على الأولى أن لا يَصِحَّ أخذُ الأُخْرَةِ على قراءة القرآن للميت، لأن الأجيرَ
إذا لم يُخْرِزْ ثوابَ القراءة، فكيف يُعْطِيه للميت؟ نعم لو كان الخَتْمُ لمطالب دنيوية، طاب له
الأَجْرَةُ، هكذا نَقَلَهُ الشاميُّ، وشيَّده بنقولٍ كثيرةٍ من أهل المذهب. وقد أَخْرَجْتُ الجواز من
ثلاث كُتُبٍ للحنفية: منها ((التفسير)) للشاه عبد العزيز، فإنه ليَّنَ الكلامَ، وأجاز به.
ثم إن تلك الكُتُب، وإن كانت مرجوحةً من حيث الأصل، لكنه من دَأبي القديم: أنه إذا
ثَبَتَ التنوُّعُ في المسألة أُلَيِّنُ الكلامَ، وأَسْلُكُ مسلكَ الإِغماض، ولذا أُغْمِضُ عن تلك المسألة
أيضًا. وما ظَنَّهُ بعضُ السفهاء من أن المنعَ فيما إذا أخذُ الأُجْرَةَ أقل من أربعين دِرْهمًا، ونَسَبُوه
إلى ((المبسوط)) فهو كذبٌ محضّ، وافتراءٌ لا أصلَ له. ثم إذا عوَّذ كافرًا، ورأى أن عُوذَتَهُ تَشْتَمِلُ
على كلماتٍ لا تَلِيقُ بشأن الكافر، ينبغي أن ينوي منها البركة فقط.
قوله: (أَحَقُّ ما أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ)، وتمسَّكَ به الشافعيُّ على جواز أخذ الأُجْرَةِ
على تعليم القرآن، وغيره. وهو عندنا محمولٌ على الرُّقْيَةِ، ونحوها. ووٍزَانُه وِزَانُ قوله: ((ليس
مِنَ البرِّ الصيامُ فِي السَّفَرِ))، فجعل الصيامَ كأنه ليس فيه بِرّ. وعلى نَقِيضِه جعل أخذ الأُجْرَةِ هُهنا،
كأنه هو البرُّ كلَّه، فهذا نحو تعبيرٍ لا غير. ولنا ما أخرجه أبو داود عن عُبَادَةَ بن الصَّامت: ((أنه
أُهْدِيَ له قوسٌ مِمَّن كان يُعَلِّمُهُ القرآن فسأل النبي ◌َِّ عنه، فقال له: إن أَرَدْتَ أن تُطَوَّقَ طوقًا من
نار، فاقبلها)). وراجع الهامش.
(١) قال العينيُّ: والأصلُ الذي بُنِيَ عليه حرمة الاستئجار على هذه الأشياء: أن كلَّ طاعةٍ يختصُّ بها المسلم لا يَجُوزُ
الاستئجار عليها، لأن هذه الأشياء طاعةٌ، وقُرْبَتُهُ تَقَعُ عن العامل، فلا يَجُوزُ أخذُ الأُجْرَةِ من غيره، كالصوم،
والصلاة، اهـ. وفيه قال الطحاويُّ: ويَجُوزُ الأجرُ على الرُّقَى، وإن كان يَدْخُلُ في بعضه القرآن، لأنه ليس على
الناس أن يُرْقِي بعضُهم بعضًا، وتعليمُ الناس بعضهم بعضًا القرآن واجبٌ. اهـ. وتعقّب عليه صاحب ((التوضيح))
وأجاب عنه العينيُّ، فراجعه.
٥١٦
كتاب الإِجارة
قوله: (وقال الشَّعْبِيُّ: لا يَشْتَرِطُ المُعَلِّمُ، إِلَّا أَنْ يُعْطَى شيئًا فَلْيَقْبَلْهُ)، والحافظُ ابن تَيْمِيَة
يَسْتَشِيطُ غيظًا في مثل هذه المواضع ممَّا فصَّلَهُ الحنفيةُ: أَنَّ الأُخْرَةَ إن كانت مشروطةً لم تَجُزْ،
وإلَّا جَازَتْ. فقال: لم نَعْلَمْ لهذا القيد ثمرةً في الخارج بعدما أخذ الأُجْرَةَ، فإن الحديثَ قد نَهَى
عنها، وهذا قد نَاقَضَهُ، وأَخَذَ الأجرةَ سواء اشْتَرَطَ، أَو لم يَشْتَرِظُ. حتى أنه قد أَفْرَدَ لذلك جزءً
مستقلاً في «فتاواه))، وسمَّاه باسمٍ على حِدَةٍ، وأراد منه الرَّدَّ على محمد.
قلتُ: أَمَّا غَيْظُهُ فَلْيَكْظِمْهُ، وشأنه في ذلك فَلْيَخْفِضْهُ. فإن لنا أيضًا حديثًا عند الترمذيِّ، عن
ابن عمر وصحَّحه، ((نهى النبيُّ نَّرَ عن عَسْبِ الفحل))، اهـ. وأجرتُهُ حرامٌ عندنا أيضًا، كما في
الحديث. ثم أخرج عن أنس، وفيه: و((نُكْرَمُ))، فرخّص له في الكرامة. فإذا ثَبَتَ أصلُه وجنسُه،
فالنكيرُ على الجزئيات عَسِيرٌ غير يسيرٍ. وهذا إلى المجتهد، أدخل تحتها أيَّ الجزئيات أراد. وقد
مرَّ منا مِرَارًا: أن الجزئياتِ تَصْدُقُ عَليها ألوفٌ من الكلِّيات، والنظر في أنها بأيٍّ من الكليات
أقرب من مَدَارِكِ الاجتهادِ، ولا دَخْلَ لنا فيه.
والحاصلُ: أنه وقعت في كُتُب الحنفية جزئياتٌ جرى بها التَّعَامُل، والتوارُث، ونقول
بجوازها. ثم الناسُ يأخذون علينا، ويختارون خُطَّةَ عَسْفٍ وخَسْفٍ، ورَحِمَ اللهُ من أَنْصَفَ.
قوله: (القَسَّام)، كان بيتُ المال يَنْصِبُ رجلًا للتقسيم، ويُقَالُ له: القَسَّام، ويُقَالُ له في
بلادنا: الأمين. وفي الفِقْهِ: أن أُجْرَتَهُ تكون على بيت المال، وأن لا تُؤْخَذَ منهم.
قوله: (الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ)، ورَاجِعْ تفصيله(١) من كُتُبِ الفِقْهِ من كتاب القضاء.
(١) قال القاضي أبو المحاسن في ((المعتصر))، عن ثَوْبَان، قال: ((لَعَنَ رسولُ اللهِ وَهُ الرَّاشِي والمُرْتَشِي والرَّائِشَ))،
ورُوِيَ عنه: والرائشُ: الذي يمشي بينهما، أُخِذَ ذلك من الريش الذي تُتَّخَذُ للسهام التي لا تقوم إلَّ بها. وذلك
في الحكم، يبيِّنُّهُ حديثُ أمُّ سَلَمَةَ: ((أن رسولَ الله وَّ لَعَنَ الراشي والمُرْتَشِي في الحكم))، ولا يَدْخُلُ في ذلك من
رَشَا لِيَصِلَ إلى حقُّه الممنوع عنه. وأمَّا المُرْتَشِي منه لِيُوصِلَهُ إلى حقٌّه، داخلٌ في اللعن. ومما يَدُلُّ عليه ما رُوِيَ
عن جابر بن زيد: ((ما وجدنا في أيام ابن زياد، وفي أيام زياد شيئًا هو أنفعُ من الرِّشا)»، أي أنهم كانوا يَفْعَلُون
ذلك استدفاعًا للشر عنهم . اهـ .
قال علي القاري: وأصلُه من الرّشاء الذي يُتَوَصَّلُ به إلى الماء. قيل: الرَّشْوَةُ: ما يُعْطَى لِإِبطال حقٌّ، أو لِإِحقاق
باطلٍ. أمَّا إذا أَغْطَى لِيَتَوَصَّلَ به إلى حقٌّ، أو لِيَذْفَعَ به عن نفسه ظُلْمًا، فلا بَأْسَ به قال الُّورِبِشْتِي رحمه الله
تعالى: ورُوِيّ أن ابن مسعود أُخِذَ في شيءٍ بأرض الحبشة، فَأَغْطَى دِينَارَيْنٍ حتى خلَّى سبيله. اهـ. ((التعليق
الصبيح)).
ثم اعلم أنهم قَسَّمُوا الرَّشْوَةَ إلى أربعة أقسام: حرامٌ على الآخذ والمُعْطِي، وهو الرُّشْوَةُ على تقليد القضاء والإِمارة.
الثاني: ارتشى لِيَحْكُمْ، وهو كذلك حرامٌ على الجانبين. الثالث: أخذُ المال ليسوي أمره عند الحاكم دفعًا للضرر،
وجلبًا للنفع، وهو حرامٌ على الآخذ لا الدافع. الرابع: ما يَدْفَعُ لدفع الخوف على نفسه أو ماله حلالٌ للدافع، حرامٌ
على الآخذ. واخْتُلِفَ في قضايا القاضي إذا ارْتَشَى، فقيل: لا يَنْفُذُ قضاؤه فيما ازْتَشَى، ويَنْفُذُّ فيما لم يَرْتَشِ. وذكر
الإِمام البَزْدَوِي: أنه يَنْفُذُ فيما ارتشى أيضًا. وقال بعضُ مشايخنا: إن قضاياه فيما ارْتَشَى، وفيما لم يَرْتَشِ باطلةٌ.
وفي كتاب ((آداب القاضي)) لأبي محمد النيسافوري: إن أخذ القاضي الرِّشْوَةَ، وحَكَمَ للذي رَشَاهُ بحقٌ ليس فيه
ظلمٌ، كان هذا الحكمُ باطلاً، لسقوط عدالة المرتشي. عيني، وفتح، كذا في ((هامش الكنز)).
٥١٧
كتاب الإِجَارة
قوله: (وكَانُوا يُعْطَوْنَ على الخَرْصِ)، والمرادُ من الخَرْصِ: ما كان يفعله العُمَّالُ في ثمار
الناس قبل أخذ العُشْرِ. ويُمْكِنُ أن يكونَ المرادُ منه: ما هو شائعٌ بين البائع والمشتري في
البِيَاعَات، فَدَلَّ على كونه مطلوبًا أيضًا. ثم الفرقُ بين الجِزَافِ والخَرْصِ: أنه لا تقديرَ في
الجِزَافِ أصلًا، بخلاف الخَرْصِ. فإن فيه تقديرًا في الجملة، وإن لم يُعْلَمْ كالكيل، والوزن.
٢٢٧٦ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِيِ المُتَوَكِّلِ، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَُّ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى
نَزَلُوا عَلَى حَيّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْاَ أَنْ يُضَيِّفُوهُم، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذلِكَ الحَيِّ
فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيءٍ لا يَنْفَعُهُ شَيءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلوُا، لَعَلَّهُ
أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهم شَيءٌ، فَأَتَوْهُمْ فَقَالوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَينَا لَهُ بِكُلِّ
شَيءٍ لَا يَنْفَعُهُ، فَهَلَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْقِي،
وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فما أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا،
فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيع مِنَ الغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالِ، فَانْطَلَقَ يَّمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ. قالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ
عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ ◌َّهِ فَنَذْكِرَ لَهُ
الَّذِي كانَ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ نَّهِ فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: ((وَما يُدْرِيكَ
أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟)) ثُمَّ قالَ: ((قَدْ أَصَبْتُم، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا)). فَضَحِكَ رَسُولُ
اللَّهِ وََّ. قال أبو عبد الله وَقالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ: سَمِعْتُ أَبَا المُتَوَكِّلِ: بِهذا.
[الحديث ٢٢٧٦ - أطرافه في: ٥٠٠٧، ٥٧٣٦، ٥٧٤٩].
٢٢٧٦ - قوله: (حتى تَجْعَلُوا لنا جُعْلًا)، وقد مرَّ مني: أن أخِذَ الأَجْرِ على قراءة القرآن
للحوائج الدنيوية جائزٌ. بَقيَ التعليمُ، ففيه أيضًا توسيعٌ على ما علَّل به قاضيخان. أما أخذُ
الأُجْرَةِ على إيصال الثواب للميت، فلي فيه تردُّد شديدٌ، وأكُفُّ عنه لساني.
قوله: (واضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا)، وهو الذي فَعَلَهُ بَّرَ في قصة صيد أبي قُتَادَة، وهكذا
فَعَلَهُ في قصة العنبر، فكلُّ موضعٍ تردّد فيه الصحابةُ رضي الله تعالى عنهم، أَزَالَهُ وَّر بضرب سَهُم
منه لنفسه الكريمة أيضًا.
١٧ - باب ضَرِيبَةِ العَبْدِ، وَتَعَاهُدِ ضَرَائِبِ الإِماءِ
٢٢٧٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيدِ الطَِّيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: حَجَمَ أَبُو طَيبَةَ النَّبِيَّ ◌َّهِ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ، أَوْ صَاعَينِ مِنْ طَعَامِ،
وَكَلَّمَ مَوَالِيَّهُ، فَخَفَّفَ عَنْ غَلَتِهِ أَوْ ضَرِيبَتِهِ. [طرفه في: ٢١٠٢].
قولهِ: (ضَرِيبَةَ العبد) أي خَرَاجه.
٥١٨
كتاب الإِجَارة
١٨ - بابُ خَرَاجِ الحَجَّامِ
٢٢٧٨ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَأَعْطَى الحَجَّامَ أَجْرَهُ. [طرفه في:
١٨٣٥].
٢٢٧٩ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، عَنْ خالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ بََّ وَأَعْطَى الحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَلَّوْ عَلِمَ كَرَاهِيَةً لَمَّ
يُعْطِهِ. [طرفه في: ١٨٣٥].
٢٢٨٠ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ أَنَسَا رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ وَِّّه يَحْتَجِمُ، وَلَمْ يَكُنْ يَظْلِمُ أَحَدًا أَجْرَهُ. [طرفه في: ٢١٠٢].
١٩ - بابُ مَنْ كَلَّمَ مَوَالِيَ العَبْدِ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ
٢٢٨١ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيدِ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ قالَ: دَعا النَّبِيُّ ◌َ﴿رَ غُلَامًا حَجَّامًا فَحَجَمَهُ، وَأَمَرَ لَّهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَينٍ، أَوْ مُدّ أَوْ
مُدَّينٍ، وَكَلَّمَ فِيهِ، فَخُفِّفَ مِنْ ضَرِيبَتِهِ. [طرفه في: ٢١٠٢].
٢٠ - بابُ كَسْبِ البَغِيِّ وَالإِماء
وَكَرِهَ إِبْرَاهِيمُ أَجْرَ النَّائِحِةِ وَالمُغَنِّيَةِ. وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ
إِنْ أَرَدِّنَ تَحَضُّنَا لِبَغُواْ عَرَضَ اْخَوَةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور:
٣٣] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَتَيَاتِكُمْ: إِمَاءَكُمْ.
٢٢٨٢ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ
الرّحْمُنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَه
نَهَى عَنْ ثَمَن الكلبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلوَانِ الكاهِنِ. [طرفه في: ٢٢٣٧].
قوله: (وكَرِهَ إبراهيمُ أجرَ النَّائِحَةِ والمغنِّية، وقول الله: ﴿ وَلَا تُكْرِهُواْ فَنَتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ إِنْ
أَرَدَّنَ تَحَضُّنَا﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]، قال مجاهدٌ: ﴿فَيَتِكُمُ﴾ إمائكم). والبَغِيُّ
كالحامل، والمُرْضِع، فذوات التاء منها لمن تكون مُتَّصِفَةً بتلك الأوصاف في حالتها الراهنة،
وبدونها لمن تكونَ من شأنها أن تُرْضِعَ، وتَحْمِلَ، وإن لم تكن مُتَّصِفَةً بها بالفعل. وهذا
كالفرقِ بين السَّامِع والسميع، فالأوَّلُ لمن يَسْمَعُ شيئًا، والثاني لمن كان من شأنه أن يَسْمَعَ،
وإن لم يكن سَامِعًا لشيءٍ بالفعل. فلا يَصِحُ قولك: أنا سامعٌ كلامك، إذا لم تَكُنْ تَسْمَعُهُ
بالفعل .
وهذا الذي قُلْتُ في قول النبيِّ وَّرَ: ((فإنه لا صلاة لمن لم يَقْرَأُ بها)): إنه شأنٌ للفاتحة، لا
٥١٩
كتاب الإِجَارة
حكم به. فالشأنُ يكفي له تحقُّقه في الجنس، ولا يَجِبُ تحقُّقه في هذا الموضع بخصوصه .
فالفاتحةُ إنما اتَّصَفَتْ بهذه الصفة في مادة المُنْفَرِد، والإِمام. أمَّا في حقِّ المقتدي، فاتِّصَافُهَا على
طريق اتِّصَاف الشيء بحاله في الجنس. ومن ههنا انْدَفَعَتْ شبهةٌ أخرى، وهي أن قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِّرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] بظاهره يُؤَيِّدُ المُرْجِئَةَ إِن حَمَلْنَاهُ على الإِخبار، فإنه يَدُلُّ
على أنه لا تَضُرُّ مع الإِيمان معصيةٌ، إذ الله سبحانه يَغْفِرُ الذنوبَ جميعًا. وقد ذَكَرُوا له أجوبةً،
وأَضَافُوا عليه قيودًا .
وما ذَكَرَهُ ابنُ مسعودٍ في جوابه، وإن كان صادقًا في نفسه، ولكنه لا يكفي للخروج عن
عُهْدَةِ البلاغة. فالجوابُ أنه بيانٌ لشأنه تعالى، لا أنه حَكَمَ به. فالمعنى: أن الله تعالى شأنه أن
يَغْفِرَ الذنوب جميعًا إن شاء، ولا يَجِبُ عليه أن يَفْعَلَ ذلك أيضًا. أَلَا تَرَى أنه يَصِحُ قولك: فلانٌ
سميعٌ، وإن لم يكن يَسْمَعُ شيئًا. وذلك لأنه ليس فيه ما يَدُلُّ على السماع بالفعل، بل فيه شأن
السماع، وهذا لا يُوجب أن يكون سابعًا لشيء بالفعل. فهكذا مغفرة الذنوب جميعًا، ليس على
طريق الحكم منه، بل هو شأنٌ له تعالى(١) .
٢٢٨٣ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي
حازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نَهى النَّبِيُّ ◌َّهُ عَنْ كَسْبِ الإِماءِ. [الحديث ٢٢٨٣ -
طرفه في : ٥٣٤٨].
٢٢٨٣ - قوله: (نَهَى النبيُّ وَّهُ عن كَسْبِ الإِمَاءِ) ليس فيه لفظ المَهْرِ، ولا لفظ البَغِيِّ. بل
فيه لفظ الكسب بدل المهر، والإِماء بدل البَغِيِّ. وهذا شاهدٌ لِمَا نَبَّهْتُكَ من قبل: أن المسألةَ في
الإِماءِ دون الحرائر. وينبغي أن لا يُفْتَى اليومَ إلَّا بالحُرْمَةِ مطلقًا، سواء كان المعقودُ عليه تسليمَ
النَّفْسِ، أو الزنا، سدًا للذرائع. فإن أئمة الفُسْقِ قد بَغَوْا وَتَوْا في زماننا، ولا يَسْتَأْجِرُون البغايا
إلَّا على تسليم النفس. فلو فضَّلنا في المسألة، يُفْتَحُ عليهم باب الزنا.
ولا أدري ممَّن وَقَعَ هذا القصور، فإن حُرْمَةً أُجْرَةِ المغنِّية والنائحة موجودةٌ في المتون. ونقل
في ((البحر)) إجماعَ الأمة على حرمة أجرة الزنا، ثم لا تَزَالُ تُنْقَلُ مسألة أجرة الزنا في الكُتُبِ أيضًا .
فإن حَمَلْتَ الإِجماعَ المذكورَ على غير هذا الجزئي لكون المعقود عليه فيه تسليمَ النفس، لَزِمَ عليَّ
فتح بابِ الزنا على الفُسَّاق، فإنهم لا يَزْنُونَ اليومَ إلَّ بطريق الأجير الخاصِّ. وإن قُلْتَ بالإِطلاق،
فماذا أَصْنَعُ للمذهب. والأحكمُ أن يُحْكَمَ بالحرمة مطلقًا. وقد مرَّ تقريرُه في آخر باب السَّلَمِ .
٢٢ - بابٌ إِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَمَاتَ أَحَدُّهُما
وَقالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَيسَ لأَهْلِهِ أَنْ يُخْرِجُوهُ إِلَى تَمَامِ الأَجَلِ. وَقَالَ الحَكَمُ وَالحَسَنُ
وَإِياسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: تُمْضى الإِجارَةُ إِلى أَجَلِهَا. وَقَالَ ابَّنُ عُمَرَ: أَعْطَى النَّبِيُّ ◌َِّ خَيْبَرَ
(١) يقولُ العبدُ الضعيفُ: ويَظْهَرُ شأنه ذلك في كثيرٍ من العاصين، فَيَغْفِرُ لهم بلا عملٍ عَمِلُوه، ولا خيرٍ قَدَّمُوه. ومن
ههنا ظَهَرَ وجهُ المغفرة بلا عملٍ .
٥٢٠
كتاب الإِجَارة
بِالشَّطْرِ، فَكانَ ذلِكَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ وَأَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ
أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ جَدَّدا الإِجارَةَ بَعْدَ ما قُبِضَ النَّبِيُّ ◌َِّ.
٢٢٨٥ - حدّثنا مُوسِى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا جوَيرِيَةُ ابْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أَغْطَى رَسُولُ اللّهِ مَ خَيْبَرَ: أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَظْرُ
مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ المَزَارِعَ كانَتْ تُكْرَى عَلَى شَيءٍ، سَمَّاهُ نَافِعٌ لَا
أَحْفَظُهُ. [الحديث ٢٢٨٥ - أطرافه في: ٢٣٢٨، ٢٣٢٩، ٢٣٣١، ٢٣٣٨، ٢٤٩٩، ٢٧٢٠، ٣١٥٢، ٤٢٤٨].
٢٢٨٦ - وَأَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيج حَدَّثَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ نَهى عَنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ. وَقَالَ
عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَّرُ: حَتَّى أَجْلاهُمْ عُمَرُ. [الحديث ٢٢٨٦ - أطرافه في: ٢٣٢٧،
٢٣٣٢، ٢٣٤٤، ٢٧٢٢].
ولا يُسْتَأْصَلُ الزرعُ عندنا، بل يَمْكُثُ حتى يَخْرُجَ عن الخسارة. وقال الحسنُ خلافًا
للحنفية: فإن الإِجارةَ تَنْفَسِخُ عندنا بموت أحد المُتَعَاقِدَيْنِ.
قوله: (ولم يُذْكَرْ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ جَدَّدا الإِجارةَ)، والعَجَبُ من البخاريِّ أنه يَجْعَلُ معاملةً
النبيِّ بَّرِ مع أهلُ خَيْبَرَ إجارةً، ثَمْ يَحْكُمُ بإمضائها بعد وفاة أحد المُتَعَاقِدَيْن، وهي عند الحنفية
خَرَاجْ مُقَاسَمَةً. قلتُ: كيف (١) يكون خَرَاجًا مقاسمةً، مع أن الأرضَ فيه تكون للزارعين، وأرض
خَيْبَرَ كانت للغانمين، كما في ((الهداية)) من السِّيَر: أن خَيْبَرَ فُتِحَتْ عَنْوةً، فتكون أراضيها لأهل
الإِسلام، ولو كانت خَرَاجًا مقاسمةً لكانت لليهود.
وأجاب عنه مولانا شيخ الهند: أن الخَرَاجَ، وإن كان في الأصل كما قلتَ، لكن المرادَ
منه هُهنا هو مقاسمةُ الخارج فقط، سواء كانت الأرض للزارعين، أو لا .
قلتُ: وفيه إشكالٌ آخر، وهو أن عمر أَجْلَاهُم من خَيْبَرَ، كما في البخاريِّ. فَلْيُمْعَنْ النظر
في هذا الإِجلاء، فإنهم كانوا مالكين فما معنى الإِجلاء. إلَّا أن في الروايات: أن عمر كان
أعطاهم بها شيئًا، فَلْيُحَرِّره.
فالحاصلُ: أنها مزارعةٌ عند البخاريِّ، وخَرَاجٌ مقاسمةً عند الحنفية. وحينئذٍ فَلْيَسْأَلِ
البخاريُّ: أن المزارعةَ هل تبقى بعد موت أحد المتعاقدين أيضًا. أمَّا خَرَاج المقاسمة، فيبقى ما
بَقِيَت السلطنة. والظنُّ أن البخاريَّ لم يتنقَّحِ عنده معاملتهم، فقد يَجْعَلُها إجارةٌ أخرى مزارعةٌ.
وراجع لتحقيقه ((مبسوط السَّرَخْسِيِّ))، فقد حقَّقه بما لا مزيدَ عليه.
(١) قال أبو بكر الرازي في ((شرحه لمختصر الطحاويِ)): ومما يَدُلُّ على أن ما شُرِطَ من نصف الثمر والزرع كان على
وجه الجِزْية: أنه لم يَرِدْ في شيءٍ من الأخبار أنه مَّ أخذ منهم الجِزْيةَ إلى أن مات، ولا أبو بكر، ولا عمر
رضي الله تعالى عنهما إلى أن أَجْلَاهُمْ. والخَرَاجِ المُوَتَّف أن يجعلَ الإِمامُ في ذمتهم بمقابلة الأرض شيئًا، من
كل جَرِيب، يَصْلُحُ للزراعة: صاعًا، ودِرْهَمًا، اهــ عيني - مختصرًا قلتُ: ما ذكره الرازيُّ لطيفٌ جدًا، وقد تكلّم
على أراضي خَيْبَرَ، ومعاملتهم. أبو عُبَيْد في كتاب (الأموال)) فليراجع.