النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ كتاب البيوع ٥٧ _ بابٌ(١) إِذَا اشْتَرَى مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهُ عِنْدَ البَائِعِ، أَوْ ماتَ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ما أَدْرَكَتِ الصَّفقَةُ حَيَّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنَ المُبْتَاعِ. ٢١٣٨ - حدّثنا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَقَلَّ يَوْمٌ كانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ إِلَّ يَأْتِي فِيه بَيتَ أَبي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَي النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ في الخُرُوجِ إِلَى المَدِينَةِ، لَمْ يَرُغْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانًا ظُهْرًا، فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: ما جاءَنَا النَّبِيُّ وَِّ في هذهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرِ حَدَثَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قالَ لأَبِي بَكْرٍ: ((أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ)). قالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ، يَعْنِي عائِشَةَ وَأَسْماءَ، قَالَ: ((أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي في الخُرُوجِ؟)). قالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ((الصُّحْبَةَ)). قالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَّيْنٍ أَعْدَدْتُهُمَا لِلخُرُوجِ، فَخُذْ إِحْدَاهُما، قالَ: ((قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ)). [طرفه في: ٤٧٦]. وفي نسخةٍ أخرى: ((فضاع))، بدل: ((فباع))، وهو الظاهرُ، لأن ترجمةَ البيع قبل القبض مرَّت آنفًا، وإنما أراد في تلك الترجمة التنبيه على حكم ضياع المبيع قبل القبض. وحاصلٌ الترجمة على ما فَهِمَهُ الشارحون(٢): أن المبيعَ إن هَلَكَ قبل القبض، هل يَهْلِكُ من مال البائع، (١) قلتُ: ووجدتُ في بعض المجاميع عندي ما يتعلَّق بتلك الترجمة من لفظ الشيخ بنفسه. وهو وإن كان مُجْمَلًا على عادته، لكني أُتْحِفُهُ لمعنيين: الأول: أن لا تأكله أيدي الضياع، والثاني أن يَرْجِعَ إليه العلماءُ، فَيُرَاجِعُوا المظانَّ المكتوبةَ فيه في فرصهم. ثم ليعلم أن نسخة ((فتح الباري)) عند الشيخ كانت بالطبعة الأولى - الأميرية -. قال: باب إذا استشرى متاعًا، أو دابته، فَوَضَعَهُ عند البائع، أوْ ماتَ قبل أن يُقْبَضَ، كذا في الشروح الأربعة. وراجع القَسْطَلَّاني ضمير (مات)) إلى المبيع، وليس بظاهرٍ. وكلُّهم على أن الباب في مسألة هلاك المبيع، قبل القبض. وفي النسخة المطبوعة ((فوضعه عند البائع، فباع، أو مات))، أي باعه المشتري، أو مات البائعُ قبل أن يُقْبَضَ، فقد تمَّ البيعُ، ولْيَقْبِضْهُ، فهذا الذي أراد. ويُوَافِقُه أثر ابن عمر بمنطوقه، وما في ((الفتح)). ولا يَلْزَمُ أن يُحْمَلَ على مسألة هلاك المبيع، ولا على ما ذكره في ((الفتح)) من مذهبه وما ذكره من إيواء الطعام الرّحَال، فلعله لإلغاء التلقي كما يظهر في روايات لا لانحصار القبض فيه. اهـ . قال الشيخُ في ((العمدة)): ((فَوَضَعَه - أي المتاع ــ عند البائع أو مات البائعُ قبل أن يُقْبَضَ المبيع))، وجوابُ - إذا - (٢) محذوفٌ، ولم يَذْكُرْه لمكان الاختلاف فيه. قال ابن بَطَّال: اختلف العلماءُ في هلك المبيع قبل القبض. فذهب أبو حنيفة، والشافعيُّ: إلى أن ضمانه إن تَلِفَ من البائع. وقال أحمد، وإسحاق، وأبو ثَوْر: من المشتري، وأمَّا مالك، ففرَّق بين الثياب والحيوان، فقال: ما كان من الثياب، والطعام فهلك قبل القبض، فضمانه من البائع. وقال ابن القاسم: لأنه لا يُعْرَفُ هَلَاكُهُ، ولا بيِّنةَ عليه. وأمَّا الدواب والحيوان والعَقَار، فمصيبته من المشتري ... إلخ. قلتُ: هذا ما في ((شرح العيني))، وفي لفظ الشيخ على ما هو عندي، وذلك ما فَهِمْتُ من كلامه في الدرس الأخير. فَأَمْعِن النظرَ فيه، حتى ينجلي الحال، والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٢ كتاب البيوع أو المشتري؟ فالجمهور إلى أنه لو هَلَكَ قبل قبض المشتري، هَلَكَ من مال البائع، وبعده من مال المشتري. قوله: (أَوْ مَاتَ)، أي فإن مات المشتري قبل القبض، فعلى وَرَفَتِهِ أن يَقْبِضُوه. وإن مات البائعُ، فعلى أوليائه التسليمُ. قلتُ: وعندي: أن المصنِّفَ لم يتعرَّض إلى تلك المسألة، بل تعرَّض إلى مسألة أخرى، وهي: أن المشتري إذا اشترى المبيعَ، ثم وضعه عند البائع، فهل يَجُوزُ له أن يَبِيعَه وهو عند البائع؟ والذي يَظهَرُ من تراجمه أنه يَصِحُّ، لأن النقلَ ليس بشرطِ عنده، كما مرَّ، فَصَحَّ لفظ: ((فباع)) على ما في أكثر النُّسَخِ. أمَّا ما ذَهَبَ إليه أكثر الشارحين، فلا يَصِحُ إلَّا على النسخة: ((فضاع))، مع أنها ليست في أحدٍ من النسخ الموجودة. ثم قوله ((أو مات))، المراد منه موت أحد العَاقِدَيْن، دون المبيع، لأنه لا يُقَال فيه: مات، بل هَلَكَ، فتبيَّن أنه لا تعلُّق لترجمته بما ذَهَبَ إليه الشَّارِحُون. نعم لو كانت النُّسخة: ((فضاع))، لكانت المسألةُ فيها ما ذَكَرُوها، ولكنها ليست في أحدٍ من النُّسَخِ المطبوعةِ. ثم اختلف الحنفية: أن الإِيجابَ، والقَبُول، هل يفيدان المِلْكَ، أو حقَّ المِلْكِ؟ وراجع له ((حواشي الهداية))، فإن فيه بَسْطًا، وفي ذكرها كفايةٌ. قوله: (وقال ابنُ عُمَرَ: ما أُدْركَتِ الصَّفْقَةُ حَيَّا مجمُوعًا، فهو من المُبْتَاعِ)، أي ما كان عند العقد غير ميِّتٍ، فلم يتغيَّر عن حالته، وكان في الخارج كما وَرَدَ عليه العقد، ووُصِفَ فيه، فهو للمشتري. والمرادُ من الصَّفْقَةِ الإِيجابُ والقَبُول، والمراد من إدراكها شيئًا خرج كما وصف في العقد، وورد العقد عليه. قال الطَّحَاوِيُّ: ذهب ابن عمر إلى أن الصَّفْقَةَ إذا أَذْرَكَتْ شيئًا حيًّا، فَهَلَكَ بعد ذلك عند البائع، فهو من ضمان المشتري، فدَلَّ على أن ابن عمر كان يرى البيعَ تامًّا بالأقوال قبل التَّفْرِقَةِ بالأبدان. ٥٨ - بابٌ لا يَبِيعُ عَلَى بَيعِ أَخِيهِ، وَلاَ يَسُومُ عَلَى سَوْمٍ أَخِيهِ، حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ أَوْ يَتْرُكَ ٢١٣٩ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَنَي مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ ◌ّهِ قَالَ: ((لا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْع أَخِيهِ)). [الحديث ٢١٣٩ - طرفاه في: ٣١٦٥، ٥١٤٢]. ٢١٤٠ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفيانُ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نَهى رَسُولُ اللّهِ مَّ أَنْ يَبِيعَ حاضِرٌ لِبَادٍ، ((وَلَا تَنَاَجَشُوا، وَلَّا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةٍ أَخِيهِ، وَلا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ ما فِي إِنَائهَاَ)). [الحديث ٢١٤٠ - أطرافه في: ٢١٤٨، ٢١٥٠، ٢١٥١، ٢١٦٠، ٢١٦٢، ٢٧٢٣، ٢٧٢٧، ٥١٤٤، ٥١٥٢، ٦٦٠١]. ففي الجملة الأولى إرشادٌ للبائع، وفي الثانية للمشتري، نحو: إن كان رجلان يُسَاوِمَان، فَدَخَلَ بينهما ثالثٌ، فقال: لا تشترِ منه، بل أنا أَبِيعُ منك، فهذا إضرارٌ للبائع. وإن قال الثالثُ ٤٤٣ كتاب البيوع للبائع: لا تَبِعْهُ منه، بل بِعْهُ مني، فهذا إضرارٌ للمشتري، فنهاهما أن يُضَارَّ أحدُهما الآخرَ. ٢١٤٠ - قوله: (نَهَى رسولُ اللهِ وَّ﴿ أَن يَبِيعَ حاضرٌ لِبَادٍ) ... إلخ، وعند أبي داود عن أنس، قال: ((كان يُقَال: لا يَبِيعَ حاضرٌ لبادٍ)»، وهي كلمةٌ جامعةٌ: لا يَبِيعُ شيئًا، ولا يَبْتَاعُ شيئًا . وعنده في ((تفسيره)) عن ابن عباس، قال: لا يكون سِمْسَارًا، وهو عند النَّسائي أيضًا. وعند أبي داود، والترمذي: ((دَعُوا الناسَ يَرْزُقُ اللهُ بعضَهم من بعض)). اهـ. وصورة هذا البيع: أن يقولَ الحاضرُ للبادي أن يَضَعَ طعامَه عنده، حتى إذا غَلَا السعرُ، يَبِيعُه له لِيَرْبَحَ فيه، فنهى عن ذلك. فإن في بيع البادي، وإن كان ضررًا له، لكنَّ اللهُ سبحانه كذلك يَرْزُقُ بعضَه من بعضٍ، فَيَخْسَرُ واحدٌ، ويَرْبَحُ آخرُ. فهو تكوينٌ منه، فلا يَدْخُلُ فيه، إلَّا أن يَرَى الحاضرُ أن في بيعه ضررًا فاحشًا له، فحينئذٍ ينبغي أن يَجُوزَ له أن يَبِيعَ لأخيه البدويِّ إعانةً له. أمَّا الشرعُ، فلا يَرِدُ إلَّا بالنهي، فإنه وإن كان ضررًا بالبائع البادي، لكنه يَعُودُ ربحًا للحاضر. فكما أن إعانته البدوي معقولٌ، كذلك إعانته الحاضر أيضًا، والله سبحانه يَأْخُذُ من بعضٍ، ويُعْطِي بعضًا رزقه، فلا يَجُوز له حسب موضوعه أن يتخلَّل فيه. وأما الفقهاءُ، فلهم موضّوٌ آخر، ومسائلهم حسب موضوعهم. ٥٩ - باب بَيعِ المُزَايَدَةِ وَقَالَ عَطَاءٌ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ لَا يَرَوْنَ بَأُسّا بِبَيعِ المَغَانِمِ فِيمَنْ يَزِيدُ. ٢١٤١ - حدّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا الَحُسَينُ المُكْتِبُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِيٍ رَبَاحِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَاحْتَاجَ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ◌َفَقَالَ: ((مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟)) فَاشْتَرَاهُ نُعَيِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِكَذَا وَكَذَاً، فَدَفَعَهُ إِلَيهِ. [الحديث ٢١٤١ - أطرافه في: ٢٢٣٠، ٢٣٢١، ٢٤٠٣، ٢٤١٥، ٢٥٣٤، ٦٧١٦، ٦٩٤٧، ٧١٨٦]. آي (نيلام)، وهو في الشرع: الزيادةُ في الثمن، وذا جائزٌ. أمَّا ما أدخله الناسُ فيه من التفاصيل من جائزٍ وحرام، فهي عليهم. ٢١٤١ - قوله: (من يَشْتَرِيهِ مِنِّي) ... إلخ، تمسَّك به الشافعيُّ، ومن ذهب مذهبَهُ على جواز بيع المُدَبَّر. وأجاب(١) عنه الحنفيةُ: أنه كان مُدَبَّرًا مُقَيِّدًا. ويَردُّه ما عند مسلم، والنَّسائي، (١) قال ابن العربي في ((العارضة)): هذا الحديث ليس من النبيِّ وَّر، فَيُقَال: يَلْزَمُ الانقياد إليه على كل حالٍ. وإنما هي قضيةٌ في عينٍ، وحكايةٌ في حالٍ، فلا تُعَذَّى إلى غيرها إلَّا بدليلٍ. هكذا إذا كانت مجرَّدةً عن الاحتمال. وإذا تطرَّق إليها التأويل، سقط منها الدليل. والذي يَدُلُّ على الاحتمال فيها، وأنه خارجٌ عن طريق الاحتجاج، قوله: ولم يكن له مالٌ غيره، ولو كان بيعه، لأن التدبيرَ لا يقتضي منعاً، ولم يُوجِبْ عِثْقًا، لم يكن لذكر الراوي. وقوله: ولم يكن له مالٌ غير معيَّن، ولعلَّ الصواب: غيره معنىّ. ولا يَجُوزُ إسقاط بعض الحديث، والتعلَّق ببعضه. ويحتمل أن يكون سفيهًا، فردَّ النبيُّ وَّ فعله. وعليه حمله البخاريُّ، وبوّب به، وأدخله في الباب. وقال بعضُ العلماء: باعه في دينٍ، وهذا باطلٌ، فإِنا قد بيَّنا في الصحيح: أنه دفعه إليه، وأمره أن يَعُودَ به على قرابته وعليه في معاشِهِ ودَيْنِهِ. وقد قال جماعةٌ: تُرَدُّ أفعال السفيه، والله أعلم. ((العارضة)) ولعلَّ في العبارة بعض سَقْطٍ. ٤٤٤ كتاب البيوع عن جابر قال: ((أَعْتَقَ رجلٌ من بني عُذْرَة عبدًا له عن دُبُرٍ)) اهـ. وظاهرهُ أنه كان مُدَبَّرًا مطلقًا. فالجواب: أن بَيْعَهُ لم يكن على أن بيعَ المُدَبَّر جائزٌ في الشرع، بل لأن الرجل لم يكن له مالٌ غيره، فلما دَبَّرِّه عزَّره النبيُّ ◌َُّ بذلك، كما في النَّسائي: ((فبلغ ذلك رسولَ الله ◌َُّ فقال: أَلَكَ مالٌ غَيْرُهُ؟ قال: لا، فقال رسولُ الله ◌َّر: من يَشْتَرِيه)). اهـ. قال السِّنْدِي في ((حاشيتهِ)) فيه: إن السفيهَ يُحْجَرُ، ويُرَدُّ عليه تصرُّفه. ولعلَّ البخاريَّ أيضًا ذهب إليه، فترجم: باب من رَدَّ أمر السفيه والضعيف العقل ... إلخ، ثم أخرج تحته حديث الباب. فعُلِمَ أنه جعله من باب الحَجْر، وإلغاء تصرُّف التدبير. لكن تراجمَه تَتَهَافَتُ على هذا التقدير، فلا يُدْرَى أنه حكم بالمجموع، أو أن هذا جائزٌ، وذلك أيضًا جائزٌ. لأن ولايةَ الشارع فوق ولاية سائر الولاة، فتصرُّفاتُه أيضًا تكون فوق تصرُّفاتهم، فيجوز له ما لا يجوز لغيره، فأمثالَ تلك التصرُّفات تختصُّ بِه ◌َطَّد . ونظيرُه ما أخرجه أبو داود في باب من قتل عبده ... إلخ، قال: ((جاء رجلٌ مُسْتَضْرٌِ بالنبيِّ نََّ، فقالت: جاريةٌ له يا رسول الله، فقال: وَيْحَكَ مَالَكَ؟ فقال: شرٌ، أَبْصَرَ لسيده جاريةً له، فغار، فَجَبَّ مذاكيره، فقال رسول الله بَّهُ: عليّ بالرَّجُلِ، فَطُلِبَ، فلم يُقْدَرْ عليه، فقال رسول الله وَّه: فأنت حرِّ، فقال: يا رسول الله على من نُصْرَتي؟ فقال: على كُلِّ مُسْلمٍ، أو قال: على كلِّ مُؤْمِنٍ)) . اهـ . فإِعتاقُ عبد الغير ليس بأدون من إبطال تدبيره، فإذا جَازَ له أن يَعْتِقَ عبدًا لغيره، جَازَ له أن يَبِيعَ مُدَبَّرًا لغيره أيضًا، ولا يكون ذلك لأحدٍ بعده، لقوة ولايته وعموم تصرُّفاته على الإِطلاق. أَلَّا ترى أن أحدًا لو فَعَلَهُ اليومَ بعبده، لم يَجُزْ لأحدٍ أن يَعْتِقَ عبده؟ ولكن المسألةَ فيه: أن الجروحَ قِصَاصٌ، فإِذن هو من باب التَّعْزِيرِ، وحَجْر التصرُّف. وأجاب العيني: أن النبيَّ ◌َّ لم يَبِعْهُ، ولكنه استأجره، والبيعُ بمعنى الإِجارة في لغة المدينة. ويَشْهَدُ له ما عند الدَّارَقُظْنيّ(١)، عن (١) أخرج الدارقطنيُّ: حدَّثنا أبو بكر النَّيْسَابُوري: حدثنا محمد بن يحيى: حدثنا يزيد بن هارون: حدثنا عبد الملك ابن أبي سليمان، عن أبي جعفر، قال: ((باع رسول الله زَّ خدمةَ المُدَبَّرة». ثم أُخْرَجَ: حدّثنا أبو بكر: حدثنا. يوسف بن سعيد بن مسلم: حدثنا حجَّاج، وهُشَيْم بن جميل، قالا: حدَّثنا شَرِيك، عن جابر، عن أبي جَعْفَر، قال: ((إنما باع رسول الله ◌َُّ خدمةَ المُدَبِّر)). قال أبو بكر: لم أجد في حديثٍ غير هذا. وأبو جعفر وإن كان من الثقات، فإن حديثَه مُرْسَلٌ. حدثنا أحمد بن محمد بن زياد القطّان: أخبرنا عبد الكريم بن الهيثم: حدثنا محمد بن طَرِيف: حدثنا ابن فضل، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((لا بأسَ ببيع خدمة المُدَبِّر إذا احتاج)). قال الدَّارَقُطني: هذا خطأً من ابن طَرِيف، والصواب عن عبد الملك، عن أبي جعفر مُرْسَلًا. انتهى. قلتُ: وبيعُ الخِدْمَةِ هو الاستئجار، فَثَبَتَ أن البيعَ يُطْلَقُ على الاستئجار أيضًا. وهذا الجوابُ قد ارتضى به الحافظُ الزَّيْلعي، حيث قال: الجواب الثاني: أن نَحْمِلَهُ على بيع الخدمة، لا بيع الرَّقبة، بدليل ما أخرجه الدَّارَقُظنيُّ عن عبد الغفَّار بن القاسم، عن أبي جعفر، قال: «ذُكِرَ عنده أن عطاءً، وطاوسًا يقولان عن جابر في الذي أعتقه مولاه في عهد رسول الله ◌َّر: كان أعتقه عن دُبْرٍ، فأمره أن يَبِيعَهُ، ويقضي دَيْنَهُ، فباعه بثمانمائة درهمٍ. قال أبو جعفر: شَهِدْتُ الحديثَ من جابر، إنما أَذِنَ في بيع خِذْمَتِهِ»، اهـ. = ٤٤٥ كتاب البيوع الإِمام محمد الباقر مرسلًا في قصة أخرى: ((كان النبيُّ ◌َّر استأجر فيها))(١)، ولي من عند نفسي جوابٌ آخر، ذكرته في موضعه. ٦٠ - بابُ النَّجْشِ، وَمَنْ قَالَ: لاَ يَجُوزُ ذلِكَ البَيعُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى: النَّاحِشُ آكِلُ رِبًّا خائِنٌ. وَهُوَ خِدَاعٌ بَاطِلٌ لَا يَحِلُّ، قَالَ النَّبِيُّ ◌ََِّّ: ((الخَدِيعَةُ فِي النَّارِ))، و((مَنْ عَمِلَ عَملًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدِّ). ٢١٤٢ - حدّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا مَالٌِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ لَّهُ عَنِ النَّجْشِ. [الحديث ٢١٤٢ - طرفه في: ٦٩٦٣]. والنَّجْشُ في اللغة: إغراءُ الكلب. وهذا البيعُ لا يَجُوزُ عند المصنّف أصلًا، لورود النهي عنه. قلتُ: النهيُ لا يَسْتَلْزِمُ البُظْلَان دائمًا. فإنا نرى من عهد الصحابة إلى زمن الأئمة: أن النهيَ إذا وَرَدَ في محلَّ، يَحْمِلُه بعضُهم على الكراهة، وبعضُهم على البُظْلَان، فلا كُلِّية فيه، ففي محل كذا، وفي محل كذا. والإِمامُ البخاريُّ يَحْمِلُهُ على البُظْلَان في أكثر المواضع، وقلَّ موضعٌ يكون النهيُّ وَرَدَ فيه، ثم حمله المصنِّفُ على الجواز، بل يَعْتَرِضُ على الحنفية بحملهم النهي على الصحة. ثم إن الشيخَ ابن الهُمَام قال في ((فتح القدير)): إن النهيَ في العبادات لا يُوجِبُ الْبُطْلَان، ونَاقِضُهُ في ((التحرير))، فقال: إنه يُوجِبُهُ. وكان لا بُدَّ للشارح أن يُنَبِّه عليه: أن ما في (التحرير)) يُخَالِفُ ما اختاره هو في («فتح القدير)). وكيفما كان تعبيرُه في («فتح القدير)) أَوْلَى ممّا قاله صاحب ((الهداية)): أن النهيَ عن الأفعال الشرعيَّة يُقَرِّر المشروعية، فإنه بعيدٌ جدًا، والأقربُ ما قاله الشيخُ ابن الْهُمَام. قوله: (وهو خِدَاعٌ بَاطِلٌ) ... إلخ، وأراد المصنِّفُ من نقل تلك الجزئيات: أن هذا البيع لا يَجُوز. قلنا: سلَّمنا عدم الحلِّ أيضًا، ولكن الكلامَ في نفاذه لو اقْتَحَمَهُ أحدٌ. قوله: (الخَدِيعَة في النَّار) ... إلخ. وعُلِمَ أنه قد تحقَّق عندي تجسُّد المعاني، وقوَّاه الشيخُ الأكبر في ((الفتوحات))، والدَّوَّاني في ((رسالته الزوراء)) بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِلْكَّفِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩]، أي إنها محيطةٌ في الحالة الراهنة، ولكنها مستورةٌ، يَنْكشفُ عنها الغطاء أمَّا الجوابُ الأولُ، فهو ما هو المشهور عند القوم بأنه كان مُدَبَّرًا مقيّدًا، وبيعُه جائزٌ عندنا. وهذا الجواب قد رَدَّه الحافظُ الزَّيْلَعي، ثم قال: وكونه لم يَكُنْ له مالٌ غيره ليس علةً في جواز بيعه، لأن المذهبَ فيه: أن العبدَ يسعى في قيمته، يَدُلُّ عليه ما أخرجه عبد الرِّزَّاق في ((مصنّفه)» عن زياد الأعرج، عن النبيِّ ◌ٌَّ في رجل أَعْتَقَ عبده عند الموت، فترك دَيْنًا، وليس له مالٌ: قال: ((ليستسعي العبدُ في قيمته))، اهـ بتغييرٍ وقد مرَّ عليه الطحاويُّ أيضًا، وحمل البيع على الإِجارة، كما في ((المعتصر)) وذكر نحوه العلّامة المازديني في ((الجوهر النقي)) فشيِّدْهُ، وقرّره. والله تعالى أعلم. (١) قلتُ: ونظيره ما في ((شمائل الترمذي)) في قصة سلمان: ((أن النبيَّ ◌َُّ اشتراه)» مع أن المحقّق أنه كان أعانه على الكِتَابة، فتلك توسُّعات كلها، لا ضَيْقَ فيها . ٤٤٦ كتاب البيوع في الحشر. فتلك المعاني الكُفْرِيَّة تَنْقَلِبُ نارًا، وتتجسّد جهنم، بل هي هي في الحالة الراهنة، إلّا أن الأبصارَ ضَعُفَتْ عن إدراكها . قوله: (من عَمِلَ عملًا ليس عَلَيْهِ أمرُنا، فهو رَةٌ). اسْتَشْهَدَ به البخاريُّ على البُظْلَان، وحَمَلَهُ الناسُ على المعصية. فمعنى قوله: ((فهو رَدِّ» عند البخاري: أي باطلٌ، وعند آخرين: فهو غيرُ مقبولٍ، ومعصيةٌ. وجملةُ المقال: إن التقسيمَ عنده: ثُنَائي، فالشيءُ عنده، إمّا صحيحٌ، أو باطلٌ. وعندنا ثُلَاثي، والثالث ما هو صحيحٌ من وجهٍ، وباطلٌ من وجهٍ. وهذا نظيرُ الاختلاف في المُمْكِن أنه شيءٌ أو لا؟ فقيل: إنه ليس بشيءٍ، لأن الشيءَ إمَّا واجبٌ، أو مُمْتَنِعٌ. وقيل: بل التقسيمُ ثلاثي، فالممكن أيضًا شيءٌ. والبِدْعَةُ عندي: كلُّ شيءٍ حَدَثَ بعد القرون الثلاثة المشهود لها بالخير لشبهةٍ لا لعنادٍ، وكانت مُلْتَبِسَةً بالشريعة. فإذا أَحْدَثَها الخلفاء، أو خيرُ القرون، فليست ببدعةٍ. وكذا إذا حَدَثَتْ لعنادٍ أو لم تَلْتَبِسْ بالشريعة، فليست ببدعةٍ أيضًا، وإن كانت مردودةً عند الشرع. ٦١ - بابُ بَيْعِ الغَرَرِ وَحَبَلِ الحَبَلَةِ ٢١٤٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ ◌ّهِ نَهى عَنْ بَيعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ، وَكانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ، كانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا. [الحديث ٢١٤٣ - طرفه في: ٢٢٥٦، ٤٨٤٣]. الغرر مُتَعَدِّي، والغرور لازمي. قوله: (حَبَل الحَبَلَة). قيل: إنه كان مَبِيعًا في الجاهلية، وقيل: بل كان أجلاً. ٦٢ - بابُ بَيعِ المُلَامَسَةِ قالَ أَنَسِ: نَهِى عَنْهُ النَّبِيُّ ◌َِّ. ٢١٤٤ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيرٍ قَالَ: حَدَّثَني اللَّيثُ قالَ: حَدَّثَني عُقَيلٌ، عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ قالَ: أَخْبَرَنِي عامِرُ بْنُ سَعْدٍ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه نَهَى عَنِ المُنَابَذَةِ - وَهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيعِ إِلَى رَجُلٍ قَبْلَ أَنْ يُقَلِبَهُ أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ - وَنَهى عَنِ المُلَامَسَةِ. والمُلَامَسَةُ لَمْسُ الثَّوَبِ لَا يَنْظُرُّ إِلَيهِ. [طرفاه في: ٣٦٧، ٣٦٨]. ٢١٤٥ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نُهِيَ عَنْ لِيْسَتَيْنِ: أَنْ يَخْتَبِيَ الرَّجُلُ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ، ثُمَّ يَرْفَعُهُ عَلَى مَنْكِهِ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ: اللُّمَاسِ وَالنِّباذِ. قيل: إن المُلَامَسَة نفسها كانت بيعًا، وقيل: إنها كانت قاطعةً للخِيَار. ٤٤٧ كتاب البيوع ٦٣ - بابُ بَيعِ المُنَابَذَةِ وَقَالَ أَنَسُ: نَهِى عَنْهُ النَّبِيُّ ◌ََّ. ٢١٤٦ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَنِي مالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيِىِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلْ نَهى عَنِ المُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ. [طَرَفَه في: ٣٦٨]. ٢١٤٧ - حدّثنا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نَهى النَّبِيُّ وََّ عَنْ لِبْسَتَينِ وَعَنْ بَيعَتَينِ: المُلَّامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ. [طرفه في: ٣٦٧]. ٦٤ - بابُ الثَّهْىِ لِلبَائِعِ أَنْ لاَ يُحَفِّلَ الإِبِلَ وَالبَقَرَ وَالغَنَّمَ وَكُلَّ مُحَقَّلَةٍ وَالمُصَرَّةُ: الَّتِي صُرِّيَ لَبَنُهَا وَحُقِنَ فِيهِ وَجُمِعَ، فَلَمْ يُحْلَبْ أَيَّامًا، وَأَصْلُ التَّصْرِيَةِ حَبْسُ المَاءِ، يُقَالُ مِنْهُ: صَرَّيتُ المَاءَ. ٢١٤٨ - حدّثَنَا ابْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَج: قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ: ((لَا تُصَرُّوا الإِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيرِ النَّظَرَينِ بَيْنَ أَنْ يَحْتَلِبَهَاَ: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ)). وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي صَالِحِ وَمُجَاهِدٍ وَالوَلِيدِ بْنِ رَباحٍ وَمُوسى بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ: ((صَاعَ تَمْرِ»َ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: ((صَاعًا مِنْ طَعَامِ، وَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا)». وَقَالَ بَعْضُهُمْ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ)). وَلَمْ يَذْكُرْ ثَلَاثًا، وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ. [طرفه في: ٢١٤٠]. ٢١٤٩ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلَيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا، وَنَهِى النَّبِيُّ ◌َ﴿ أَنْ تُلَّقَّى الْبُيُوعُ. [الحديث ٢١٤٩ - طرفه في: ٢١٦٤]. ٢١٥٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَيَّ قالَ: ((لا تَلَّقُّوا الرُّكْبَانَ، وَلا يَبِيَعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيعِ بَعْضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ حاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تُصَرُّوا الغَنَمَ، وَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيرِ النَّظَرَّيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا: إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ)). [طرفه في: ٢١٤٠]. ٦٥ - بابٌ إِنْ شَاءَ رَدَّ المُصَرَّاةَ وَفي خَلَبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرِ ٢١٥١ - حدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: حَدَّثَنَا المَكِّيُّ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجِ قالَ: أَخْبَرَنِي ٤٤٨ كتاب البيوع زيادٌ: أَنَّ ثَابِتَا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ زَيدٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((مَنِ اشْتَرَى غَنَّمَا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلَبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ)). [طرفه في: ٢١٤٠]. قيل: أصل المُصَرَّاة مَصْرُورَة، كما أن أصل ﴿دَسَّنِهَا﴾ [الشمس: ١٠] دسَّسها، فصارت - دسَّاها(١). والمصنّفُ أيضًا توجَّه إلى بيان الاشتقاق. كما هو دَأُبُهُ. واعلم أن التَّصْرِيَةَ عيبٌ عند الشافعيِّ، وأحمد، فجاز للمشتري أن يَرُدَّ به على البائع، إلَّا أنه يَرُدُّ معه صاعًا من تمرٍ، لحديث أبي هريرة. وقال أبو يوسف: يَرُدُّه، ويَرُدُّ معه قيمةً اللبن، كائنةً ما كانت. وقال أبو حنيفة، ومحمد: لا يَرُدُّه، لأن الحَلْبِ عَيْبٌ فيِ الحيوان، والمبيعُ إذا كان مَعِيبًا، ثم حدث فيه عَيْبٌ آخر عند المشتري، امتنع رَدُّه، فليس له إلَّ الرُّجُوعَ بالنقصان. والحديثُ وَارِدٌ علينا، وأجاب عنه(٢) بعضُ الحنفية: إن الحديثَ إذا رَوَاه راوٍ غير فقيهٍ، وعَارَضَه (١) قال الشيخُ: اختلف أهلُ العلم واللغة في تفسير المُصَرَّاة، ومن أين أخِذَت واشْتَقْت؟ فقال الشافعيُّ: التَّصْرِيَة أن تُرْبَطَ أَخْلَاف الناقة والشاة، وتُتْرَكَ من الحلب اليومين والثلاثة، حتى يَجْتَمِعَ لها لبنٌّ، فيراه مشتَريها كثيرًا، ويزيد في ثمنها لِمَا يرى من كثرة لبنها. فإذا حَلَبَها بعد تلك الحَلْبَة حَلْبَةً، أو اثنتين، عَرَفَ أن ذلك ليس بلبنها، وهذا غرورٌ للمشتري. وقال أبو عُبَيْد: المُصَرَّاة: الناقةُ، أو البقرةُ، أو الشاةُ التي قد صُرِّي اللبنُ في ضَرْعِهَا، يعني: حُقِنَ فيه، وجُمِعَ أيامًا، فلم يُحْلَبْ. وأصلُ التَّصْرِيَة: حبسُ الماء وجمعه، يقالُ منه: صرَّيْتُ الماءَ. ويُقَال: إنما سُمِّيَت مُصَرَّة، كأنها مياه اجتمعت. قال أبو عُبَيْد: ولو كان من الربط لكان مَصْرُورَةً، أو مُصَرَّرةً. قال الشيخ: كأنه يريد به ردًّا على الشافعيِّ. قال الشيخُ: قول أبي عُبَيْد حسنٌ، وقولُ الشافعيِّ صحيحٌ. والعربُ تَصُرُّ ضروعَ الحَلُوبات إذا أرسلتها تَسْرَحُ، ويُسَمُّون ذلك الرباط: صِرَارًا، فإذا رَاحَتْ حُلَّت تلك الأَصِرَّة، وحُلِبَتْ. ومن هذا حديث أبي سعيد الخُذْرِي، أن رسولَ الله ◌ِّهِ. قال: ((لا يَحِلُّ لرجلٍ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر أن يَحُلَّ صِرَار ناقةٍ بغير إذن صاحبها، فإنه خَاتِمُ أهلها عليها، ومن هذا قول عنترة: العبدُ لا يُحسِنُ الكَرَّ إنما يُحْسِنُ الحَلْبَ والصَرَّ وقال مالك بن نُوَيْرَة: وكان بنو يَرْبُوع جمعوا صدقاتهم ليُوَجِهُوا بها إلى أبي بكر، فمنعهم من ذلك، ورَدَّ على كل رجلٍ منهم صدقتهم، وقال: أنا جُنّةٌ لكم مما تَكْرَهُون، وقال: وقلتُ: خُذُوها هذه صَدَقَاتُكم مُصَرَّرَةً أَخْلَافها لم تُجَدَّد وأرهنكم يومًا بما قلته يدي سأجعل نفسي دون ما تجدونه قال الشيخُ: وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ المُصَرَّاءُ أصله المَصْرُورَة، أبدل إحدى الرَّاءين ياءً، كقولهم: تقضى البازي. وأصله تفضض كَرِمُوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنسٍ واحدٍ في كلمةٍ واحدةٍ، فَأَبْدَلُوا حرفًا منها بحرفٍ آخرَ ليس من جنسها، قال العجاج: تقضى البازي إذا البازي كسر ومن هذا الباب قول الله تعالى: ﴿وَقَّدْ خَابَ مَنْ دَسَّنَهَا ﴾﴾ [الشمس: ١٠]، أي أَخْمَلَهَا بمنع الخير، وأصله من دَسَّسها. ومثلُ هذا في الكلام كثيرٌ - ((خطَّابي)). (٢) قال ابن العربي: قال أصحابُ أبي حنيفة: هذا الحديثُ لا حُجَّةَ فيه، لأنه يُخَالِفُ الأصولَ في ثمانية أوجه: الأولى: أنه أَوْجَبَ الردَّ من غير عَيْبٍ ولا شرطٍ. الثاني: أنه قدَّر الخِيَار بثلاثة أيام، والثالثُ حُكمًا لا يتقدّر بمدةٍ، إنما يتقدَّر الثالث بالشرط. قلتُ: ولعلَّ لفظَ الثالث سهوٌ من الكاتب في المَوْضِعَيْن. الثالثُ: أنه أَوْجَبَ = ٤٤٩ كتاب البيوع القياسُ، يُتْرَكُ العملُ به، ويُعْمَلُ بالقياس. فلمَّا كان حديثُ أبي هُرَيْرَة مُخَالِفًا للقياس، ورواه من هو غير فقيهٍ، عَدَلْنا إلى القياس، وعَمِلْنا به. الرَّدَّ بعد ذهاب جزءٍ من البيع. الرابعُ: أَوْجَبَ عليه البدل، وهو العِوَضُ عن اللبن، مع قيام المُبْدَل، وهو اللبنُ. = الخامسُ: أنه قدَّره بالتمر، أو بالطعام، والمُثْلَفَاتُ إنما تُضْمَنُ بأمثالها، أو قيمتها بالنقد. السادسُ: أن اللبنَ من ذوات الأمثال، فحُكِمَ بضمانه في هذا الخبر بالقيمة. السابعُ: أنه يُؤَدِّي إلى الربا، لأنه إن باعها بصاعٍ، ثم دفع اللبنَ وصاعًا، أدّى إلى صاعٍ وعينٍ بصاعٍ؛ الثامنُ: أنه يُؤدِّي إلى أن يجتمعَ عنده العِوَضُ والمُعَوَّضُ، لأنهَ إذا باعها بصاعٍ وردّها بصاعٍ، صار عنده شاةٌ وصّاعان، فاجتمع العِوَضُ والمُعَوَّضُ. قلتُ: وفي العبارة سقطً، ثم أجاب عن الوجوه كلُّهاَ . قلتُ: قد كَثُرَ شَغْبُ الخصوم من كل جانبٍ، مع أني لا أرى فيها أمرًا غريبًا، بل أرى أن أصحابَنا قد سَلَكُوا في الأبواب كلُّها ذلك المَسْلَك، ونِعْمَ المسلَكُ هُوَ، أعني العملُ بالضابطة الكُلِّيةِ الواردةِ في الباب، وتركُ العملِ بجزئياتٍ وردت على خلاف تلك. والمرادُ بالترك هو التوقُّف في العمل بها، أو إبداء تأويلها بنحوٍ. وترى صنيعهم هذا مُطَّرِدًا في جملة الأبواب إن شاء الله تعالى. فقد عَمِلُوا بحديث أبي أَيُّوب، وَتَرِكُوا العملَ بحديث ابن عمر في مسألة الاستقبال والاستدبار. وكذا في مسألة المواقيت عَمِلُوا بسنَّةٍ فاشيةٍ، وضابطةٍ كُلِّيةٍ، ولم يخصِّصُوها بوقائعَ متفرِّقة، فعَمِلُوا بعموم أحاديث النهي في الأوقات المكروهة، ما لم يَعْمَلْ به الآخرون، ولم يَرْضُوا أن يَتْرِكُوه بحالٍ. ومن هذا الباب أنهم لم يَرخّصُوا بالركعتين والإِمامُ يَخْطُبُ، لمَّا وجده مخالفًا لضابطة الاستماع يوم الجمعة عند الخُطْبَةِ. ولم يُرَخّصُوا بالكلام قليلاً كان أو كثيرًا، ناسيًا كان أو عامدًا، لأجل حديث ذي اليدين، فإنه لا يَزِيدُ على كونه واقعةً، مع ورود ضابطةٍ كُلِّيةٍ في الباب: ((أن الصلاةَ لا يَضْلُحُ فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هي ذكرُ الله، والتسبيحُ، والتهليلُ، وقراءةُ القرآن الكريم)). وكذا لم يَقُولُوا بتعدُّد الركوع في صلاة الكسوف، وكأنهم رأوا سبيله سبيل الجزئيات في عدم انكشاف الوجه، فَعَمِلُوا بضابطةٍ كُلِّيةٍ في الصلاة. وهكذا فَعَلُوا في الصلاة على الغائب، وعلى القبر، وفي المسجد، فإن المُسْتَدَ في كلِّها جزئياتٌ لم تَنْكَشِفْ وجوهها. وهو صنيعُهم في مسألة موت المُحرم، فإنهم رَأوا سبيله سبيل المُحِلْين، ولم يَضَعُوا له سنةً جديدةً، لقوله ◌ََّ في مُخرِمِ خاصةً: ((لا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ)). أمَّا في المعاملات، فَطَرَدُوا فيها على ذلك، كما لا يَخْفَى. اهـ. فقد تَرَكُوا حديثَ ليلة البعير، لحديث: ((نهى عن بيعٍ وشرطٍ))، وقد قرَّرنا تلك الأحاديث في هذه الأمالي. ومن هذا الباب حديث أبي هريرة هذا، فإنه لا يَلْتَئِم مع سائر أحاديث باب التضمين، فإن الضَّمَانَ لم يُعْهَذْ في الشرع إلاَّ بالمِثْلِ، أو بالقيمة. وليس ضمان اللبن بصاع من التمر في شيءٍ منهما، فصار كالجزئيات التي لم تَنْكَشِفْ وجوهها. ولَسْنَا مُتَفَرِّدِين في ذلك الصنيع، فإن مثل مالك أيضًا فَعَلَهُ، فإنه ترك العملَ بحديث الخيار، وقال: إن التفرُّقَ بالأبدان مجهولٌ لا نَعْلَمُ حدَّه، فلم يَعْمَلْ به. وهكذا حديث أبي هُرَيْرَة عند البخاريِّ: ((الظهر يُرْكَبُ بنفقته إذا كان مَرْهُونَ)) ... إلخ. قال ابن عبد البرُ: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يُعَارِضُه أصولٌ مُجْمَعٌ عليها، وآثارٌ ثابتةٌ لا يُخْتَلَفُ في صحتها. ثم ذَهَبَ إلى نسخه، كما ذكره الحافظ في ((الفتح)). وكذا الشافعيُّ لم يَعْمَلْ بحديث ابن عباس في الجمع بين الصلاتين في المدينة، وبحديث الإِبراد، وبحديث السِّعَاية مع صحتها. وبابُ التأويل واسعٌ، ولا يَعْجِزُ عنه أحدٌ. فإن ترك الحنفية حديثَ أبي هريرة هذا لزعمهم أنه يُخَالِفُ سائر باب التضمين، فماذا أَذْنَبُوا؟ ثم لِيُعْلَمَ أنه فَرقِ بين ترك العمل بحديثٍ، والتوقُّف عنه، وبين رد الحديث. وحاشا للحنفية أن يقولوا برَدِّ حديثٍ ثَبَتَ عن النبيِّ ◌َُّ، كيف! وحقُّ الرسول أَقْدَمُ، ولكنهم إذا توقَّقُوا عن العمل = ٤٥٠ كتاب البيوع قلتُ: وهذا الجواب باطلٌ لا يُلْتَفَتُ إليه، ولم يَزَلْ مَطْعَنًا للخصوم منذ زمنٍ قديم. ولمثل هذا اشْتَهَرَ أن الحنفيةَ يُقَدِّمُون الرأيَ على الحديث. وحَاشَاهُم أن يَقُولُوا بمثله، فإن هذه المسألة لم يَصِحَّ نقلها عن أبي حنيفة، ولا عن أحدٍ من أصحابه. نعم نُسِبَتْ إلى عيسى بن أَبَان - المعاصر للشافعي - وهي أيضًا محلُّ تردُّدٍ عندي. كيف! وقد قال المُزَني: إن أبا حنيفة أَتْبَعُ للأثر من محمد، وأبي يوسف. فلعلَّ تكون بين يديه جزئياتٌ، ومسائلُ تَدُلُّ على هذا المعنى. وبالجملة هذا الجواب أَوْلَى أن لا يُذْكَرَ في الكُتُبِ، وإن ذكره بعضُهم، ومن يَجْتَرِىُ على أبي هُرَيْرَة فيقول: إنه كان غيرُ فقيهٍ؟! ولو سلّمنا، فقدَ يَرْويه أفقههم، أعني ابن مسعود أيضًا، فيعود المَحْذُورُ. وأجاب عنه الطحاويُّ بالمعارضة بحديث: ((الخَرَاجِ بالضَّمَان))(١). بحديثٍ لوجوهٍ لاحت لهم، أو من أجل سُنَّةٍ تقرَّرت عندهم، أَرَىَ الخصومَ يَزْمُونَهم بردٌ الحديث، فهذا من = تحامُلِهم علينا. ألا ترى أن الترمذيَّ ذكر في ((علله الصغرى)) أني ذكرت حديثين صحيحين في كتابي لم يَعْمَلْ بهما أحدٌ من الأمة، وما ذلك إلاَّ لعدم إدراكهم وجههما. والسرّ في ذلك: أن عمل المجتهد بحديثٍ لا يكون كعمل المقلِّد به، فإنه يَنْظُرُ إلى معانيه، ومبانيه، وعلله، وسائر أسبابه، وأنه هل يَرْتَبِطُ مع سائر الأصول، أو يُنَاقِضُها، فتارةً يعمِّمُه، وأخرى يُخَصِّصُه. وبالجملة ليس دَأْبُه العملَ بالجزئيات المنتشرة على أي وجهٍ وُجِدَتْ، إنما هو وظيفةُ المقلّد، أي العمل بالجزئيات المنقولة عن إمامه، وإنما همُّ المجتهد في إرجاع الجزئياتِ المتناسبةِ إلى أصلٍ واحدٍ، ودَرْجِهَا تحت ضابطةٍ تُنَاسِبُها. وكذا دَأْبُه مع الأصول، ليس رَدَّ بعضها على بعضٍ، فمراعاة التَّوَافُق بين الأصول، وإلحاق الجزئيات بضوابطها من وظيفة الاجتهاد، وليس من وظيفته أنه إذا مرَّ بحديثٍ عَمِلَ به بدون إمعانٍ في معناه ومبناه، وقد وَجَدْنا نحوه بين السلف أيضًا. فإن أبا هُرَيْرَة لمَّا روى حديث الوضوء مما مَسَّت النار، قال له ابن عباس: ((أَنْتَوَضَّأُ من الحميم، أَنْتَوَضَّأُ من الدهن؟! وما ذلك لإِمعانه في معنى الحديث، وحاشا أن يُعَارِضَ حديثَ النبيِّ ◌َِّ بشيءٍ. ونظيرُه النزولُ في الأَبْطَح، ذهب بعضُ الصحابة إلى استحبابه، وقال آخرون: إنه ليس من النُّسُك في شيءٍ، وإنما كان مَنْزِلاً نزله رسولُ الله ◌َّ. وإنما أَطْنَبْتُ فيه الكلامَ لأَنِي وَجَدْتُ كثيرًا من الناس لا يفرِّقون بين الوظيفتين، فَيُلْزِمُون المجتهدَ ما يَلْزَمُ على المقلِّد. وقد نبّه عليه الحافظ فضل الله التُورِبِشْتِي في ذيل كلامه في مسألة الإشعار، في باب الحج. وهو مهمّ جدًا، فلذا اعْتَنَيتُ به، ليعلمه من لم يَعْلَمْ، ويَعْمَلَ به من لم يَعْمَلْ، فلا يُطِيلُ لسانه على الأئمة المجتهدين في مواضع الخلاف، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) قلتُ: وحاصلُه: أن اللبنَ الذي احتلبه المشتري قد كان بعضُه في مِلْكِ البائع قبل الشراء، وحَدَثَ بعضُه في مِلْكِ المشتري، فلا يَخْلُو أن الصَّاعَ الذي تُوجِبُه على مشتري المُصَرَّة أن يَرُدَّه إلى البائع، إمَّا أن يكون عِوَضًا عن مجموعِ اللَّبَنِ، أو عمَّا كان في وقت وقوع البيع خاصةً. فإن كان الأوَّلُ يَلْزَمُ عليك أن لا يكون الخَرَاجُ بالضَّمَانِ، فإن اللِّبن الذي حَدَث في مِلْكِ المشتري لكونه في ضمانه يكون له على حديث: ((الخَرَاج بالضمان»، فكيف يتحمّل المشتري صاعَ التمر، عِوَضًا عنه. أَلَّا ترى أنه لو رَدَّها على البائع بعَيْبٍ غير التحفيل، لا ضمانَ عليه عند الشافعية لمَّا شَرِبَ من لبنه، لهذا الحديث، فما له يتحمَّل الغرامةَ في عيبٍ التحفيل؟ وإن كان الثاني - أي ذلك الصاع - عِوَضًا مما كان في ضَرْعِها وقت البيع، يَلْزَمُ عليك بيع الكائي بالكائي، وقد نهى عنه، وذلك لأن هذا اللبن ليس ملكاً للمشتري، لا بحكم البيع، ولا بحكم الحديث: الخراج بالضمان، فيكون للبائع، فإذا شربه المشتري، وأتلفه صار ديناً في ذمته لنقض البيع، وكذا صار الصاع أيضاً ديناً عليه، عوضاً عنه، وهذا هو بيع اللبن بالصاع ديناً، وهو غير جائز مطلقاً، فعلى أي الوجهين كان يلزم عليك ترك أحد الحديثين، إما حديث : = ٤٥١ كتاب البيوع والجواب عندي: أن الحديثَ محمولٌ على الدِّيَانة دون القضاء، لِمَا في ((فتح القدير))، في باب الإِقالة: أن الغَرَرَ، إِمَّا قوليٌّ، أو فعليٍّ، فإن كان الغَرَرُ قوليًّا، فالإِقالةُ واجبةٌ بحكم القاضي. وإن كان الثاني تَجِبُ عليه الإِقالةُ دِيَانةً، ولا يَدْخُلُ في القضاء. كيف! وأن الخِدَعَاتِ أشياءٌ مستورةٌ، ليس إلى علمها سبيلٌ، فلا يُمْكِنُ أن تَدْخُلَ تحت القضاء. فالتَّصْرِيةُ أيضًا خَدِيعٌ، ويَجِبُ فيها على البائع أن يُقِيلَ المشتري ديانةً، وإن لم يَجِبْ قضاءً. وحينئذٍ فالحديثُ مُتَأَت على مسائلنا أيضًا، ولم أَرَ أحدًا منهم كَتَبَ أنه مُوَافِقٌ لنا. وادَّعَيْتُ من عند نفسي: أن الحديث لا يُخَالِفَ مسائلنا أصلًا، لأن التَّصْرِيَةِ غَرَرٌ فِعْليٌّ، وفيه الرَُّّ ديانةٌ على نصِّ ((فتح القدير)). وهكذا أقول فيما إذا اشترى سلعةً، فلم يُؤَدِّ ثمنها حتى أَفْلَسَ: إنه يكون فيه أسوة للغُرَمَاءِ عندنا قضاءً، ويَجِبُ عليه أن يَرُدَّ المبيعَ إلى البائع خِفْيَةً ديانةً، فإنه أحقُّ به، لكنه حكم الدِّيَانة دون القضاء. وأوَّله الطحاويُّ في هذا الحديث أيضًا، وحَمَلَهُ على العَوَارِي. ونظيرُه ما في الفِقْهِ: أن فرسًا لأحدٍ لو هَرَبَ إلى دار الحرب، ثم حيزَ في الغنيمة، فإن أخذه مالكه قبل التقسيم يأخذه مجّانًا، وإلّا فيأخذه بالقيمة. فَدَلَّ على بقاء حقِّه بعد التقسيم أيضًا في الجملة، وإن لم يَبْقَ مِلْكُه، فانكشف أن حقَّ المِلْكِ قد يبقى بعد زوال المِلْكِ أيضًا. وهكذا فيما إذا أَفْلَسَ المشتري، ينقطع مِلْكُ البائع عن المبيع، ويبقى حقُّ المِلْكِ، ولذا يَجِبُ عليه دِيَانةٌ أن يَرُدَّه عليه خِفْيَةً. أمَّا في القضاء، فهو أسوةٌ للغُرَمَاء، لانقطاع المِلْكِ. ثم اعلم أن الزيادةَ فى المبيع إمَّا متَّصِلَةٌ، كصَبْغِ الثوب، أو مُنْفَصِلَةٌ. والمُنْفَصِلَةُ إمَّا مُتَوَلِّدَةٌ، أو غير مُتَوَلِّدَةٍ، وكلٌّ منها قبل القَبْضِ أو بعده. ومِصْدَاقُ الحديث: ((الخراج بالضمان)) الزيادةُ الغيرُ المُتَوَلِّدة. وهي فيما نحن فيه: مُتَوَلِّدَةٌ مُنْفَصِلَةٌ، ولا رَدَّ فيها عندنا في عامة كُتُبِنَا . وفي ((الوجيز))، و((التهذيب))، و((الحاوي)): إنه يَرُدُّه عند التراضي. قلتُ: فما في عامة الكُتُبِ حكم القضاء، وفي تلك حكم الدِّيَانَةِ، وقد نَظَمْتُهُ في بيتين: أو عَكْسِهِ، مُتَعَيِّبٌ لم يَرْدُد، بِزِيَادَةِ المُنْفَصِلِ المُتَوَلِّد ـاوي)) الجواز بالتراضي يُحْمَل ثم في ((التهذيب))، و(الوجيز)) و((الحـ وراجع التفصيلَ من ((البحر)). ومن لههنا أقول: إني لا أرضى بجواب الطحاويِّ، لأنه عارضٌ بحديثٍ عامٍّ، يمكن أن يُخَرَّج له وجوهٌ، ومحاملٌ. وحديثُ المُصَرَّة حديثٌ خاصٌّ، فلا يُعَارِضُهُ. وإنما الطريق أن يُؤْتَّى بمعارضٍ من هذا الباب الخاصِّ. الخراج بالضمان، أو حديث النهي عن بيع الكائي بالكائي. وقال عيسى بن أَبَان: إنه منسوخٌ بنسخ العقوبات في = الأموال، وكانت العقوبات في الذنوب يُؤَاخِذُ بها الأموال في زمنٍ، فإن البائعَ إذا حَفِّل المبيع، فقد غرَّ المشتري، فكانت عقوبةٌ: أن يَجْعَلَ اللبنَ المحلوبَ في الأيام الثلاثة للمشتري بصاعٍ من تمرٍ، أنه يمكن أن يساوي أَضْوُعًا منه في القيمة. فإذا نُسِخَ التعزيرُ بالغرامات المالية، نُسِخَ حديث الباب أيضًا. ثم قال الطحاويُّ: إنه الأولى في وجه النسخ، أن يُقَال: إنه منسوخٌ بحديث النهي عن بيع الكائي بالكائي. يقول العبدُ الضعيفُ: وكان كلام الطحاويِّ دقيقًا من هذا الموضع، فشرحته على ما فَهِمْتُه من نفسي، تيسرًا للطلبة. والله تعالى أعلى بحقيقة الحال. ٤٥٢ كتاب البيوع ثم اعلم أن النهيَ عن التَّصَرِّي، والنهيَ عن تلقِّي الجَلَب وقع في حديثٍ واحدٍ، مع أن الفقهاءَ ذَهَبُوا إلى صحة البيع في صورة التلقِّي إذا لم يَضُرَّ أهل البلد. ولههنا حرَّر ابن دقيق العيد: أن تخصيصَ العامِّ جائزٌ بالرأي ابتداءً إذا كان الوجهُ جَلِيًّا. وقال مولانا شيخُ الهند: إنه محمولٌ على الاستحباب(١). ونقل في (شرح الإِحياء))(٢) حكايةً عن الشافعية: أنه جرى ذكر حديث المُصَرَّة بين حنفي، وشافعي، فقال الحنفيُّ: إن أبا هُرَيْرَة لم يكن فقيهًا، فلم يَفْرُغ من مقالته، حتى وَثَبَتْ عليه حيةٌ، ففرَّ منها، فقال له رجلٌ منهم: تُبْ إلى الله، فتاب، فَتَرَكَتْهُ. قلتُ: ولا أصلَ لها عندي، وإنما تَفُوحُ منها رائحةُ التعصُّب. ٢١٤٨ - قوله: (بالخِيَار ثلاثًا)، ويُسْتَفَادُ منه: أن خِيَارَ الشرط في ذهن الشارع هو بثلاثة أيام فقط، كما قُلْنَا . ٦٦ - بابُ بَيعِ العَبْدِ الزَّانِي وَقَالَ شُرَيحٌ: إِنْ شَاءَ رَدَّ مِنَ الزِّنَا . ٢١٥٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: قالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَّاهَا فَلَيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلَيَجْلِذْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِئَةَ فَلَيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ)). [الحديث ٢١٥٢ - أطرافه في: ٢١٥٣، ٢٢٣٣، ٢٢٣٤، ٢٥٥٥، ٦٨٣٧، ٦٨٣٩]. (١) قلتُ: وتقريرُه على ما هو عندي: إن العملَ بظاهر ما في حديث المُصَرَّاة يُوجِبُ ترك كثيرٍ من الأحكام التي ثبتت من الشرع، فلا بُدَّ علينا أن نَطْلُبَ له وجهًا. ألا تَرَى أن الضمان عند الشرع إنما عُهِدَ بالمثل، أو بالقيمة. وصاع التمر بعوض اللبن ليس ضمانًا بالمثل، وهو ظاهرٌ، وكذا بالقيمة أيضًا، فإنَّ الشرعَ أَوْجَبَ عليه ذلك الصاع فحسب، سواء زاد اللبنُ، أو نَقَصَ، فَدَلَّ على أنه ليس قيمةً له. فلو أَوْجَبْنَا عليه هذا الصاع مع رَدِّ المبيع المَعِيب، فكيف بهذه الأصول التي مهَّدها الشرعُ بنفسه؟ فليس هذا تركَ الحديث بالقياس، بل تركَ الحديث لأجل الأحاديث. فالوجه عندنا: أن الشارعَ أَرْشَدَ فيه كلاَّ منهما ما هو أَخْرَى لهما، فَأَرْشَدَ للبائع أن يَرُدّ المبيعَ، فإنه الأَخْرَى به، فإذا رَدَّهُ مع أنه لم يكن للمشتري ولاية الفسخ، فقد أحسن إليه لا محالة، فهدى للمشتري أن يُكَافِئَه، ويَرُدَّ إليه صاعًا من التمر، فإنه قد شَرِبَ لبنَها، فعليه أن لا يَرُدّ إليه مَبِيعَه بلا شيءٍ. فليس ذلك من باب الضمان، بل من باب المروءة، وحسنِ المُعَاشَرَةِ. فإذن هو تبرُّعْ مَخْضٌ يبتني على رضاء الآخر، كخِيَار المَجْلِس، على ما مرَّ تقريره مبسوطًا. : ٠ (٢) قال أبو بكر بن العربي: لقد كُنْتُ في جامع المنصور من مدينة السلام في مَجْلِسٍ علي بن محمد الديقاني - قاضي القضاة - فَأَجَزْني به بعضُ أصحابنا. وقد جَرَى ذكر هذه المسألة: أنه تكلّم فيها بعضُهم يومًا، وذكر هذا الطعن في أبي هُرَيْرَة، وسَقَطَتْ من السَّقْفِ حيَّةٌ عظيمةٌ في وسط المسجد، وأخذت من تحت المتكلِّم بالطعن، ونَفَرَ الناسُ، وافترقوا، وأخذت الحيةُ تحت الوادي، فلم يُذْرَ أين ذهبت أبدًا، وارْعَوَى بعد ذلك من يَسْتَرْسِلُ في هذا القدر - ((العارضة)) .. ٤٥٣ كتاب البيوع وقال شُرَيْح: إن شاء ردَّ من الزنا. قال الحنفيةُ: إن الزنا عيبٌ في الجارية دون العبد، للمعنى المقصود بهما، فَيَخُلُّ فيها دون الغلام، وإن كان شرًا في الآخر. ٢١٥٢ - قوله: (فَلْيَجْلِدْهَا)، أي يَبْلُغُ بها إلى الحاكم لِيَجْلِدَهَا، فإن الحدودَ إلى الحُكَّامِ. قوله: (فَلْيَبِعْهَا)، لا يُقَال: إنه خِلافُ قوله وَيِّ: ((يُحِبُّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه)) لأنا نقول: إنه من باب: دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ الله بعضَهم من بعضٍ، والمضرَّةُ غير لازمةٍ، لجواز تركها الفاحشة عند البائع الآخر، وجواز بيعه على تقدير عدم تركها . ٢١٥٣، ٢١٥٤ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَني مِالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدٍ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيدِ بْنِ خالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّةِ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ؟ قالَ: ((إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ)). قالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِي، بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ. [الحديث ٢١٥٤ - أطرافه في: ٢٢٣٢، ٢٥٥٦، ٦٨٣٨]. ٢١٥٣- ٢١٥٤ - قوله: (ولم تُحْصِنْ)، أي لم تَتَزَوَّج، وراجع لحقيقة الإِحصان ((المبسوط))، فإنه لم يُؤَدِّ أحدٌ حقّه غيره. وليس له ترجمة في لسان الهند، غير أنه من ألفاظ التوقير، كما يُقَال في الهندية: (بیوی میان). فإن قلتَ: إنه لا فرق في الإِماء بين المتزوِّجة وغيرها، فما وجهُ التقييد به؟ قلتُ: إنما ذكره تَبَعًا للقرآن، فأصلُ البحث في القرآن. وترجمة الشاه عبد القادر (قيد مدين آثين). وهذا وإن كان أقرب من حقيقته اللُّغوية لكونه من الحِضْن، لكنه لا يُوَافى بما هو المراد منه عند الفقهاء. وقد ذكروا له تَفْسِيرَيْن: أحدهما في باب حدِّ القذف، والآخر في باب حدِّ الزنا. وإحصانُ الزاني فوق إحصان حدِّ القذف، وليراجع التفصيل من الفِقْهِ، ولكن المراد منه لههنا هو التزوُّج. ٦٧ - بابُ البَيعِ وَالشِّرَاءِ مَعَ النِّسَاءِ ٢١٥٥ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: قالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِر ◌َبِ فَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َِّ: ((اشْتَرِي وَأَعْتَقِي، فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ)). ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ◌ََّ مِنْ العَشِيِّ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قالَ: ((مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطِ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)). [طرفه في: ٤٥٦]. ٢١٥٦ - حدّثنا حَسَّانُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ: حَدَّثَنَا هَمَّاخٌ قالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا سَاوَمَتْ بَرِيرَةَ، فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَّمَّا جاءَ قالُّتْ: إِنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوهَا إِلََّّ أَنْ يَشْتَرِطُوا الوَلَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). قُلتُ لِنَافِع: حُرًّا كانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا؟ فَقَالَ: ما يُدْرِينِي. [الحديث ٢١٥٦ - أطرافه في: ٢١٦٩، ٢٥٦٢، ٦٧٥٢، ٦٧٥٧، ٦٧٥٩]. ٤٥٤ كتاب البيوع رُوِيَ عن مالك: أن المرأةَ لا تَمْلِكُ أن تتصرَّفَ في نفسها أيضًا إلَّا بإذن زوجها، فيمكن أن يكون إشارةً إليه. ٢١٥٥ - قوله: (اشترِي وأَعْتقِي)، وفي بعض الألفاظ: ((واشْترِطِي))، ففيه إشكالٌ. والجوابُ: أن معناه(١) دعيهم ليَشْتَرِطُوا، كما هو في البخاري. وهذا أيضًا من معنى الأمر، وإن (١) قلتُ: وهذا الجواب قد ذكره السِنْدِهي في ((المواهب اللطيفة في شرح مسند أبي حنيفة))، وَبَسَطُهُ جدًا، فَرَاجِعْهُ. نعم هناك كلامٌ في ((المعتصر)) يُفيدُك شيئًا في هذا الباب. قال القاضي أبو المحاسن في ((المعتصر)): قوله اَل لعائشةَ: ((خُذِيها واشْترِطي لهم الوَلاءِ، فإنما الوَلَاءُ لمن أَعْتَقَ))، لا يجوز أن يُبِيحَ لعائشةَ أن تَشْتَرِطَ خلاف ما في شريعته. ولكن لم يُوجَدْ اشتراط الوَلَاء في حديث عائشة إلَّا من رواية مالك، عن هشام. فأمَّا من سواه، وهو اللَّيْث بن سَعْد، وعَمْرُو بن الحارث، فقد رَوَيَا عن هشام: أن السؤالَ لوَلَاء بَرِيرَة إنما كان من عائشةً لأهلها بأداء مُكَاتَبَتِهَا إليهم، فقال ◌ََّ: ((لا يَمْنَعُكِ ذلك منها، ابتاعي وأَعْتِقِي، فإنما الوَلَاءُ لمن أَعْتَقَ)). وهذا خلافُ ما رواه مالك، عن هشام: ((خُذِيها واشْتَرِطي، فإنما الوَلَاءُ لمن أَعْتَقَ))، مع أنه يَحْتَمِلُ أن يكون معنى اشترطي: أَظْهِرِي، لأن الاشتراطَ في كلام العرب هو الإظهار، ومنه قول أوس بن حجر: فأَلْقَى بأَسْيَانٍ له، وَتَوَّلا فَأَشْرَطَ فيها نَفْسَه، وهو مُعْصَمٌ أي أظهر نفسه . أي أظهري الوَلاَءَ الذي يُوجِبُهُ عِتَاقُكِ، أنه لمن يكون ذلك العِتَاق منه، دون مَنْ سِوَاهُ. وقال بعضٌ: إن معنى اشْتَرِطِي لهم: أي عليهم كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] وقال محمد بن شجاع: هو على الوعيد الذي ظاهره الأمر، وباطنه النهي، كقوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَفْرِزْ مَنِ اُسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ الآية ألا تراه ◌َّهِ صَعَدَ المنبر وخَطَبَ، فقال: ((ما بالُ رجالٍ يَشْتَرِطُون شروطًا ليست في كتاب الله عزَّ وجلَّ، اهـ . وإذا انفرد مالك، عن هشام، وخالفه عمرو بن الحارث، واللَّيْث بن سَعْد، كانا أَوْلَى بالحفظ من واحدٍ. وحديثُ عائشةَ ذُكِرَ من وجوهٍ بألفاظٍ شديدةِ الاختلاف، غير أنه لا شيءَ فيه من إطلاق رسول الله وَّر لأهل بَرِيرَة ما كان منهم من اشتراطهم الوَلاَء، لإطلاق عائشة ذلك لهم. مِمَّنْ روى عن عائشة: ابن عمر، والأسود بن يزيد، والقاسم بن محمد، وعَمْرَة ابنة عبد الرحمن. وعن ابن أيمن: حدَّثني أبي. قال: ((دخلتُ على عائشة، فقالت: دَخَلَتْ عليَّ بَرِيرَةُ، فقالت: اشْتَرِيني وأَعْتَقِيني، فقلت: نعم، فقالت: إن أهلي لا يَبِيعُوني حتى يَشْتَرطُوا وَلاَئي، فقلت لها: لا حاجةَ لنا بذلك. فسمع ذلك رسولُ الله ◌َّه، فقال: اشترِيها، فَأَعْتِقِيها، واشْتَرَطَ أهلُها الوَلاَءَ، فقال رسولُ الله ◌ََّ: الولاءُ لمن أَعْتَقَ، وإن اشترط مائة شرط. وكأن في حديث أيمن: ودَعِيهم فَلْيَشْتَرِطُوا ما شاؤوا على الوعيد، ورواه ربيعة عن القاسم بمعنى الوعيد، قال: ((كان في بريرة ثلاث سنن، أرادت عائشةُ أن تَشْتَرِيها وتُعْتِقَها، فقال أهلُها: ولنا الوَلاَءُ، فَذَكَرَتْ ذلك لرسول الله ◌َّة، فقال: لو شِئْتِ شَرَطْتِهِ لهم، فإنما الولاءُ لمن أَعْتَقَ. ثم قام قبل الظهر، أو بعدها، فقال: ((ما بَالُ رجالٍ يَشْتَرِطُون)) ... إلخ. الحديث. فقوله: ((لو شِئْتِ شَرَطْتِهِ» على الوعيد، لا على إطلاق ذلك لها أن تَشْتَرِطَهُ لهم. وعن الأسود، عن عائشة: ((أنها اشْتَرَتْ بَرِيرَة، فأعتقتها واشْتَرَطَتْ لأهلها الوَلاَءَ، فذكرت ذلك للنبيِّ وَّه، فقال: إنما الوَلاَءُ لمن أَعْتَقَ)). وعن منصور: ((أنها اشْتَرَتْ بَرِيرَة لتعتقها، فاشْتَرَطَ أهلُها الوَلاَءَ، فدخل عليها رسول الله ◌َّه، فقالت: إني اشْتَرَيْتُ بَرِيرَة لأعتقها، واشترط أهلُها وَلاَءَها، فقال: الولاءُ لمن أعتق)) فكان قوله ◌َّر بعد ذلك كله. ثم اعلم أن بعضَ الناس استدلَّ بقوله ◌ََّ لعائشةَ: ((اشْتَرِيهَا واعْتِقِيهَا)) على أن ابتياعَ عائشةً كان بأمر النبيِّ ◌َّر على = ٤٥٥ كتاب البيوع لم يَذْكُرْه أربابُ اللغة. وكان مهمًا، فإن الأمرَ قد يكون لإِبقاء الفِعْلِ أيضًا لا لإنشائه، كما في قصة قراءة أسَيْد بن حُضَيْر - سورة الكهف -: اقرأ يا ابن حُضَيْر، أي استمرَّ على قراءتها. وترجمته (برهتاره)، وأشار إليه ابن القيِّم في ((بدائع الفوائد)». ٢١٥٦ - قوله: (حُرًّا كان زَوْجُها أَوْ عَبْدًا)، والرواياتُ فيه مُضْطَرِبَةٌ، فإن ثَبَتَ أنه كان حرًّا حين عُتِقَتْ بَرِيرَةٍ، يكون حُجَّةٌ لنا في خِيَارِ العِثْقِ. وإن لم يَثْبُت، فلا يَضُرُّنا أيضًا، كما أنه لا تبقى حُجَّةٌ. وَعلَّله صاحب ((الهداية)): أن العِثْقَ مُسْتَلْزِمٌ لزيادة ثبوت المِلْكِ عليها، لأنها تَصِيرُ أن تعتقها، يجوِّزُ ابتياع المماليك بشرط الإعتاق، بخلاف باقي الشرائط. ولا دليلَ له في ذلك، لأن ذلك كان = مشورةً بذلك عليها أن تفعله ابتداءً، وليس فيه اشتراطُ أهلها ذلك عليها في بيعهم إياها منها، وفي بعض الآثار: أن عائشةً هي التي سألت أن تَشْتَرِيها على أن يكونَ الولاءُ لها، وأن رسول الله بَِّ قال لعائشةَ بعد إباء موالي بَرِيرَة ذلك: ((ابتاعي فَأَعْتِقِي، فإنما الوَلاَءُ لمن أَعْتَقَ)). فكان فيه الأمرُ بابتياعها وعِثْقِها ابتداءً، وليس فيه اشتراطٌ من أهلها أن تَعْتِقَها عائشةُ، إنما فيه اشتراطُهم وَلاَءها عليه في إعتاق عائشة بعد ابتياعها إِيَّها. ومعقولٌ أنها إذا كانت تَعْتِقَهَا عن نفسها، لم يكن باشتراطٍ من بائع بَرِيرَة عليها. وفي الحديث دَفَعَ رسولُ الله ◌ِّهِ موالي بَرِيرَة عن ذلك، حيث أَنْكَرَ عليهم، وأَعْلَمَهُمْ بوعيده إياهم، أنه خارجٌ من شريعته، بقوله: «كلَّ شرطٍ ليس في كتاب الله تعالى، فهو باطلٌ، وإن كان مائة شرط)). ولو كان ما صَدَرَ منهم من الشرط جائزًا لَمَا أنكره عليهم، ولا تَوَاعَدَهم عليه، ولا ذَمَّهم. وفيما ذكرنا دليلٌ على أن الذي كان منهم اشتراطُ وَلاَئها في إعتاق عائشة، ولا اشتراطُ أن تَعتِقَّهَا عن نفسها عِتَاقًا واجبًا عليها، شرطهم في بيعهم إياها منها. وقال ابن عمر: لا يَجِلُ فرجٌ إلاَّ فرجٌ إن شاءَ صاحبُه وهبه، وإن شاء أَمْسَكَهُ، لا شرطَ عليه فيه. والمبيعةُ على أن يَعْتِقَهَا مشتريها، ليس كذلك، لأنه لَزِمَه إعتاقها، ولم يكن له إمساكُها. وفي ذلك نفى ما ظنّه المتأوّلون من تجويز البيع بالشرط. وقول عمر لابن مسعود في الجارية التي ابتاعها من امرأته، واشترطَتْ عليه خدمتها: ((لا تَقْرَبْهَا، ولا حد فيها مثنوية))، يؤكّد ما قلنا أيضًا، اهـ . قال الحافظُ فضل الله التُّورِبِشْتِي في ((شرح المصابيح)»: استدلَّ بهذا الحديث من زَعَمَ أن البيعَ إذا اقترن بشرطِ، فإنه جائزٌ، والشرطَ باطلٌ. والحديثُ على ما في كتاب ((المصابيح))، لا حُجَّةَ فيه، لأن اشتراطَ الوَلاءَ في هذا الحديث لم يَقَعْ في نفس العقد، وإنما جاءت بَرِيرَة تستعين عائشة رضي الله تعالى عنها في كتابتها، فقالت: إن أحبَّ أهلُكِ أن أَعُدَّها لهم، ويكون الوَلاَءُ لي، فقالت لهم - ظنًّا منها: إن الوَلاَءَ يَنْتَقِلُ إليها باشتراطٍ من قِبَلِهِمْ - فلما أخْبِرُوا بما تُرِيدُ عائشةُ، أَبُوا ذلك. وفي بعض طُرُق حديث بَرِيرَة: أن أهلَها، قالوا: ((إن شاءت أن تَحْتَسِبَ عليكِ فَلْتَفْعَلْ، ويكون الولاءُ لنا». وقولهم هذا ليس من الشرط في شيءٍ، لأنها إذا احْتَسَبَتْ بما تعينها من مال الكِتَابَة كان الوَلاَءُ لأهلها، لأن وَلاَءَ المُكَاتَبِ لمواليه، فَأَبَثْ عائشةُ إلَّ الشَّري، فرضوا بالبيع، على أن تَجْعَلَ الوَلاَءَ لهم، ظنًّا منهم أن ذلك يَثْبُتُ بالاشتراط. فلمَّا أخبرت عائشةُ رسولَ الله ◌ِِّ بحديثهم، قال: ((لا يَمْنَعُكِ ذلك، اشْتَرِيها فأَعْتِقِيها، فإنما الوَلاَءِ لمن أعتق)). فكانت مراجعتهم في هذا القول قبل الشروع في المُبَايَعة. ولم يُذْكَر في هذا الحديث: أن البيعَ كان مشروطًا بذلك الشرط، بل ذُكِرَ في الحديث ما كانوا يُرَاجِعُون به عائشةَ رضي الله عنها، دون المُسَاوَمة. فأمَّا عند وجوب البيع، فلا. هذا هو الذي يَدُلُّ عليه هذا الحديث. نعم قد روى البخاريُّ من غير وجهٍ في كتابه: ((أن النبيَّ ◌َ ◌ّر قال لعائشةَ: ابتاعيها فأعتقيها، واشترطي لهم الوَلاَءَ، فإن الولاءَ لمن أَعْتَقَ ... إلخ. ثم أَخَذَ الحافظُ في الجواب عنه، وهو يؤولُ إلى ما ذُكِرَ في (المعتصر))، بل ما في ((المعتصر)) أبسط منه وأوضح، وأحكم، فلذا اقتصرتُ عليه. ٤٥٦ كتاب البيوع الآن مُغَلَّظةً بالثلاث، بخلافها قبله، فإن تَغْلِيظَها كان بالاثنين. واعْتَوَضَ عليه ابن حَزْم أنه كلامٌ خَالٍ عن التحصيل، لأنه إذا صارت بطلاقه مغلَّظةً، فلا فرقَ في أنها بالاثنين، أو الثلاث. وعلَّله الطَّحَاويُّ بوجهٍ آخرَ، فقال: فنظرنا في ذلك فرأينا الأَمَةَ في حال رِقِّها، لمولاها أن يَعْقِدَ النكاحَ عليها للحرِّ، والعبد. ورأيناها بعد ما تُعْتَقُ ليس له أن يَسْتَأْنِفَ عليها عقدَ النكاح لحرِّ، ولا لعبدٍ. فاستوى حكمُ ما إلى المَوْلَى في العبيد والأحرار، وما ليس إليه في العبيد، والأحرار في ذلك. فلمَّا كان ذلك كذلك، ورأيناها إذا أُعْتِقَتْ بعد عقد مولاها نكاح العبد عليها، يكون لها الخيار في حل النكاح عليها. كان كذلك في الحر، إذا أعتقت يكونُ لها حلُّ نكاحه عنها قِيَاسًا، ونظرًا على ما بيَّنا من ذلك. اهـ. وحاصلهُ: أن للمَوْلَى ولايتَه على أَمَتِهِ قبل عِثْقِهَا في نكاحها، حرًّا، أو عبدًا. فإذا أَعْتَقَهَا، لا تبقى له تلك الولاية، فلا يَمْلِكُ أن يَعْقِدَ عليها بحرٍّ أو عبدٍ إلَّا برضاها. فظهر أن لا فرقَ بین العبد والحرِّ في باب الإِنكاح في الحالين. فإذا جاز له الإِنكاح، جاز من حرِّ وعبدٍ. وإذا لم يَجُزْ، لم يجز من حرِّ ولا عبدٍ. واتَّفَقُوا أن المَوْلَى إذا زوَّجها من عبدٍ حال رقها أن لها الخيار بعد عتقها. فالقياس يقتضي أن يكون الحال كذلك فيما إذا زوجها من حرِّ، لأنا لم نعلم فرقًا في جواز النكاح عليها من العبد والحرِّ، وعدمه بين رِقِّها وعِثْقِها. فإذا خُيِّرَتْ فيما إذا زوَّجها مولاها من عبدٍ، ينبغي أن تُخَيَّرَ فيما إذا زُوِّجَتْ من حرِّ، من غير فرقٍ. ٦٨ - بابٌ هَل يَبِيعُ حاضِرٌ لِبَادٍ بِغَيرِ أَجْرٍ، وَهَل يُعِينُهُ أَوْ يَنْصَحُهُ وَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلَيَنْصَحْ لَهُ)). وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ. ٢١٥٧ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفيانُ، عَنْ إِسماعِيلَ، عَنْ قَيسِ قالَ: سَمِعْتُ جَرِيرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يقولُ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَّه عَلَىَ شَهَادَةٍ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدَا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. [طرفه في: ٥٧]. ٢١٥٨ - حدّثنا الصَّلتُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدٍ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((لَا تَلَقَّوُاَ الرُّكْبَانِّ، وَلَا يَبِيعُ حاضرٌ لِبَادٍ)) قَالَ: قُلِّتُ لإِبْنِ عَبَّاسٍ: ما قَوْلُهُ: ((لَا يَبِيعُ حاضِرٌ لِبَادٍ)»؟ قالَ: لَا يَكُونُ لَّهُ سِمْسَارًا. [الحديث ٢١٥٨ - طرفاه في: ٢١٦٣، ٢٢٧٤]. ٦٩ - بابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبِيعَ حاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ ٢١٥٩ - حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّح: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيِّ الحَنَفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: نَّهِىَ رَسُولُ اللّهِ وَيْهِ أَنَّ يَبِيعَ حاضِرٌ لِبَادٍ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. ٤٥٧ كتاب البيوع واعلم أن الحديثَ كان مطلقًا، ثم إن المصنّفَ خصَّصه، وجعل مورد النهي فيما إذا باع له بأجرٍ. فلنا أيضًا أن نُخَصِّصَ حديثَ المُصَرَّاة أيضًا، لكونه قرينةً. ٧٠ - بابٌ لاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ لِلْبَائِعِ وَالمُشْتَرِي. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ العَرَبَ تَقُولُ: بِعْ لِي ثَوْبًا، وَهِيَ تَعْنِي الشِّرَاءَ. ٢١٦٠ - حدّثنا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيج، عَنِ اِبْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَّسُولُ اللَّهِوَِّ: ((لَّا يَبْتَاعُ المَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ حاضِرٌ لِيَادٍ)). [طرفه في: ٢١٤٠]. ٢١٦١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المِثَتَّى: حَدَّثَنَا مُعَاذْ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ: قالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حاضِرٌ لِيَادٍ. والحديثُ لم يَرِدْ فيه، إلَّا بلفظ البيع، وترجم عليه المصنِّفُ بالشراء، والبيع معًا، وادَّعى أنه مُشْتَرٌَ بينهما. فلعلّه اختار عمومَ المُشْتَرَكِ، كما نُسِبَ إلى الشافعيِّ. وقالِ الشيخ ابن الهُمَام: إن العمومَ لفظًا لا يُوجَدُ في اللغة. وقال ابن تَيْمِيَة: إنه لا يَجُوزُ، وما نُسِبَ إلى الشافعيِّ، فليس بصحيحٍ، لأنه لم يُرْوَ عنه، وإنما اسْتَنْبَطَهُ الناسُ من بعض مسائله، نحو: من أَوْصَى لمواليه، وله مَوَالٍ مّن أعلى، ومَوَالٍ من أسفل: أن الوصيةَ تكون لهما، فَزَعَم أنه ذهب إلى جواز الجمع بين معاني المُشْتَرَك. وليس كذلك، ولكن الوَلَاء ربطٌ إضافيٍّ يتحقَّق بين الأعلى والأسفل، فأُريدَ به كلاهما على طريق الاشتراك المعنويِّ، فإن اللفظيَّ لا وجودَ له في اللغة. أمَّا ظاهرُ عبارة المصنَّف فَمُشْعِرَةٌ بالجواز، ويمكن أن يكونَ المصنِّف أيضًا أراد من البيع رَبْطًا مطلقًا بين البائع والمشتري. وحينئذٍ، فحاصلُ الحديث عنده: النهي عن معاملة البيع، أي هذا الربط، سواء كان بيعًا إن أضفته إلى البائع، أو شراءً إن نَسَبْتَهُ إلى المشتري، فَيَصِيرُ إذن مُشْتَرَكًا معنويًا. قلتُ: إن الاشتراكَ لفظًا يُوجَدُ عند الشعراء، وإن أنكره الجمهور، وهم عدُّوه من المحسِّنات، كما يقول الجامي تَعْمِيةً لاسم ((علي)): (جشم بكشازلف بشكن جان من بهر تسكين دل بريان من) وحلُّه: أن الجملةَ الأولى معناها في العربية: افتح العين، وفتح العين: إمَّا بفتحِ العين، أي آلة النظر، أو بفتح لفظ العين. والجملة الثانية: اكسر الشَّعْرَ الذي فيه تَثَن كاللّام، وهو ' أيضًا بنحوين: إمَّا بإِصلاحه، أو بتكسير اللام. وكذا التسكين معناه: الاطمئنان، أو تسكين الياء التي وقعت وسط لفظ ((بريان)): محل القلب من الإِنسان. ويَحْصُلُ منه اسم ((علي))، فإنه بفتح العين، وكسر اللام، وتسكين الياء، وقد أراد الشاعرُ معنى اللفظ، ومنه حَصَلَتِ التعمية . ٤٥٨ كتاب البيوع ٧١ - بابُ النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّ الرُّكْبَانِ(١) وَأَنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ، لأَنَّ صَاحِبَهُ عاصٍ آئِمٌ إِذا كانَ بِهِ عالِمًا، وَهُوَ خِدَاعٌ في البَيْعِ، وَالخِدَاعُ لَا يَجُوزُ. ٢١٦٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ العُمَرِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نَهى النَّبِيُّ نَّهَ عَنِ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَبِيعَ حاضِرٌ لِيَادٍ. [طرفه في: ٢١٤٠]. ٢١٦٣ - حدّثني عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: سَأَلتُ ابْنَ عَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ما مَعْنَى قَوْلِهِ: (لَا يَبِيعَنَّ حاضِرٌ لِبَادٍ))؟ فَقَالَ: لَا يَكُنْ لَهُ سِمْسَارًا. [طرفه في: ٢١٥٨]. ٢١٦٤ - حدّثنا مسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع قالَ: حَدَّثَنِي التَّيمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: مَنِ اشْتَرَى مُّحَفَّلَةً فَلَيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا، قالَ: وَنَهى النَّبِيُّ وَّةِ عَنْ تَلَمِّي البُيُوعِ. [طرفه في: ٢١٤٩]. ٢١٦٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِّرَ قالَ: ((لا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَىَّ بَيعِ بَعْضٍ، وَلاَ تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ)). [طرفه في: ٢١٣٩]. صرَّح أن هذا البيع باطلٌ، وقد مرَّ مختاره. وهو عندنا مكروهٌ، لأنه خِدَاٌ. وهذا أيضًا فيما إذا أضرَّ التلقِّي بأهل البلد، وإن لم يَضُرَّهم جاز بلا كراهة، وراجع كلام الطَّحَاوِيِّ(٢). ٢١٦٥ - قوله: (حتى يُهْبَطَ بها إلى السُّوق) يعني (جهان مندى هي). (١) قال ابن العربيّ: قد بيَّنا في ((كتاب القبس)): أن النهي عن تلقّي الرُّكْبَان مبنيٌّ على قاعدة المصالح من القواعد العشر التي بُنِيَت عليها أحكام المُعَاوَضَات، فإنها تَرْجِعُ إلى مراعاة حقِّ الجالب في حفظه من الغَبْن في سلعته، أو إلى مراعاة حقِّ البادي في مَنْعِهِ من الظَّفَر بطَلِبَتِهِ. وقد اختلفَ العلماءُ في ذلك على قولين: فرآه مالكٌ، والحنفي لحقُّ البادي. ورآه اللَّيْثُ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ لحقُّ الجالب. وقال مالك: يُنَكَّلُ من فعل ذلك ((العارضة)» قلتُ: وسيجيء فيه التنكيل عن الإِمام البخاريِّ. قال الطحاويُّ بعد إخراج أحاديث النهي عن تلقِّي الجَلَبِ: قال أبو جعفر: فاحتجَّ قومٌ بهذه الآثار، فقالوا: من (٢) تلقَّى شيئًا قبل دخوله السُّوق، ثم اشتراه، فشراؤه باطلٌ. وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: كلُّ مدينةٍ يَضُرُّ التلقِّي بأهلها، فالتلقّي فيها مكروهٌ، والشراءُ جائزٌ. وكلُّ مدينةٍ لا يَضُرُّ التلقِّي بأهلها، فلا بأس بالتلقّي فيها. ثم أخرج الظَّحَاوِيُّ الحديثَ الذي في الباب الآتي، ثم قال: ففي هذه الآثار إباحةُ التلقّي، وفي الأولى النهيُ عنه. فأولى بنا أن نَجْعَلَ ذلك على غير التضاد والخلاف، فيكون ما نَهَى عنه من التلقّي لِمَا في ذلك من الضَّرر على غير المتلقِّين، والمقيمين في الأسواق. ويكون ما أُبِيحَ من التلقّي هو الذي لا ضَرَرَ فيه على المقيمين في الأسواق ... إلخ، ((معاني الآثار)). ٤٥٩ كتاب البيوع ٧٢ - بابُ مُنْتَهى (١) التَّلَقِّي ٢١٦٦ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قالَ: حَدَّثَنَا جُوَيرِيَةُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ، فَتَشْتَرِي مِنْهُمُ الطَّعَامَ، فَنَهَانَا النَّبِيُّ ◌َيهِأَنَّ نَبِيعَهُ حَتَّى يُبْلَغَ بِهِ سُوقُ الطَّعَامِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هذا في أَعْلَى السُّوقِ، ويُبَيِّنُهُ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ. [طرفه في: ٢١٢٣]. ٢١٦٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي نَافِعُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطعَامَ في أَعْلَى السُّوقِ، فَيَبِيعُونَهُ في مَكانِهِمْ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ أَن يَبِيعُوهُ في مَكانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ. [طرفه في: ٢١٢٣]. يعني إلى أين يَنْسَحِبُ النهي عن التلقِّي، فإنه لا بُدَّ للشراء من الخروج، وقد نُهِينَا عن التلقِّي، فكيف بأمر الشراء والتجارات. ٢١٦٧ - قوله: (كانوا يَبْتَاعُون الطعامَ في أعلى السُّوقِ، فَيَبِيعُونَه في مكانهم، فنهاهم. رسولُ اللهِ وَ﴿ أن يَبِيعُوه في مكانه حتى يَنْقُلُوه)، اهـ، فدَلَّ على أن التلقِّي إلى أعلى السوق، وخارج البلد هو المنهيُّ عنه لا غير. ثم إن هذا صريحٌ في أن أمرَه بالنقل كان تَعْزِيرًا لهم، لأنهم كانوا يتلقُّون الرُّكْبَان لا على بيعهم بالمُجَازَفَةِ. وإذن لا يكون النقلُ في الحديث، لأنه شرطٌ لا يجوز البيعُ بدونه، بلِ لأنهم إذا تلقُّوا الرُّكْبَان عزَّرهم، بأن لا يَشْتَرُوا منهم شيئًا حتى يُهْبَطَ به إلى السوق. فافهم، وتشَكَّر، فإنه سهلٌ ممتنعٌ، قد خَفِي على الناس مع ظهوره. ٧٣ - بابٌ إِذَا اشْتَرَطَ شُرُوطًا في البَيعِ لا تَحِلِّ ٢١٦٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالَتْ: جاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَّبْتُ أَهْلِيَّ عَلَّى تِسْعِ أَوَاقٍ، في كُلِّ عام أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي، فَقُلتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ، وَيَكُونَ وَلَا ؤُكِ لِي فَعَلتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ وَلِّ جالِسٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذلِكَ عَلَيهِمْ فَأَبَوْا إِلَّ أَنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ وَّةِ، فَقَالَ: ((خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاءَ، فَإِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ وَيهِ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنى عَلَيهِ، ثُمَّ قالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، ما بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيسَتْ فِي كِتَابِ اللّهِ، ما كانَ مِنْ شَرْطِ لَيسَ في كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطِ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنَ أَعْتَقَ)). [طرفه في: ٤٥٦]. ٢١٦٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (١) قال مالكُ: في حدِّ التلقِّي: الميل في روايةٍ، والفَرْسَخَيْن في أخرى، واليومين في رواية ابن وَهْب ((العارضة)). ٤٦٠ كتاب البيوع رَضِيَ اللَّهُ عَنْهمَا: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ: أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جارِيَةً فَتُعْتِقَهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا، فَذَكَرَتْ ذلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ لَ، فَقَالَ: ((لا يَمْنَعُكِ ذلِكَ، فَإِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). [طرفه في: ٢١٥٦]. واعلم أن البيوعَ تَفْسُدُ بالشروط الفاسدة، بخلاف النكاح، فإنه تَفْسُد فيه الشروطُ الفاسدة أنفسها، ويَصِحُ النكاح. وذلك لأن مبنى البيوع على المُمَاكَسَة، ومبنى النكاح على المُسَامَحة. وذكر الفقهاء أن الشروطَ الفاسدةَ هي التي يكون فيها نَفْعٌ لأحد المُتَعاقِدَيْن، أو المبيع نفسه، ولا يَقْتَضِيهِ العقدُ، ويكون المبيعُ من أهل الاستحقاق. وقال أحمد بالفرق بين الشرط، والشرطين، فلم يَرَ الواحدَ منها مُفْسِدًا، وأما إذا كانت اثنين فَصَاعِدًا، فإنها تُفْسِدُ عنده. وتُفْسِدُ عندنا مطلقًا من غير فرقٍ، لأن رسول اللّهِ وَّ نهى عن بيع وشرط. ونظر أحمد إلى قوله بَّر في حديث: (((الشَّرْطَان في بيع))، فجعل العدد مُحِظًّا للفائدة. حكى ابن حَزْم في ((المحلى)) (١): أن أبا حنيفة، وابن أبي لَيْلَى، وابن شُبْرُمة اجتمعوا مرةً في مسجد بالكوفة. فسأل سائلٌ أبا حنيفة عمَّن باع، وشرط شرطًا، فأجابه أن البيعَ والشرط فاسدان، وتمسَّك من قوله بَّالنهى عن بيع وشرطٍ. ثم سُئِلَ ابن أبي لَيْلَى، فقال: إن البيعَ، والشرطَ كلاهما صحيحٌ، تمسُّكًا من قصة ليلة البعير، حيث باع جابر إبله، وشرط الظَّهْرَ إلى المدينة. وأجاب آخر: إن البيعَ صحيحٌ، والشرط باطلٌ لقصة بريرة وعائشة في إعتاقها قلت: والصواب ما أجاب به إمامنا إن شاء الله تعالى، لأن ما تمسَّكا به قصتان جزئيتان، فلا تَصْلُحَان لنقض ضابطةٍ وردت في الباب خاصةً، وهو قوله: ((نهى عن بيع وشرطٍ))، مع كونها صريحةً منكشفةَ الحالِ. بخلاف ما تمسّكا به، فإن قصة جابر لم يكن فيه بيعٌ بَعد التحقيق، بل أراد منه النبيُّ ◌َّ إعانته لا غير. وأمَّا قصة شراء عائشة، فأيضًا سَيَرِدُ عليك حالها، وقد عَلِمْتَ فيه بعضَ شيءٍ. ٧٤ - بابُ بَيعِ التَّمْرِ بِالتَّهْرِ ٢١٧٠ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا اللَِّثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مالِكِ بْنِ أَوْسٍ : سَمِعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قالَ: ((الَبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ)). [طرفه في: ٢١٣٤]. وقد مرّ أنه يُشْتَرَطُ فيه كون المبيعُ موجودًا، سواء كان في بيته، أو في مَجْلِس العقد، دون (١) وقد حَكّاه ابن العربيٍّ في ((العارضة)) بإِسناده، قال: ((قَدِمْتُ مكةً، فوجدت فيها أبا حنيفة، وابن أبي لَيْلَى، وابن شُبْرُمة. فسألت أبا حنيفة عن رجلٍ باع بيعًا، وشرط شرطًا، فقال: البيعُ باطلٌ والشرطُ باطلٌ. ثم أتيت ابن أبي لَيْلَى فسألته، فقال: البيعُ جائزٌ، والشرطُ باطلٌ. ثم أتيت ابن شُبْرُمة، فسألته، فقال: البيعُ جائزٌ، والشرطُ جائزٌ. فقلتُ: سبحان الله! ثلاثًا من فقهاء العراق اختلفوا في مسألةٍ واحدةٍ. فَأَتَّيْتُ أبا حنيفة فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا، واستدلَّ عن قوله ◌َّه: نهى عن بيع وشرط. ثم أَتَيْتُ ابن أبي لَيْلَى، فقال: ما أدري ما قال، واستدلَّ من قصة بَرِيرَة. ثم أَتَيْتُ ابن شُبْرُمة، فقال: ما أدري ما قالا، واستدلَّ بقصة ليلة البعير. انتهى مختصرًا.