النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ كتاب البيوع ٢١٠٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَن عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفَلَحَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ◌َِّ عامَ حُنَينٍ، فَأَعْطَاهُ - يَعْنِي دِرْعًا - فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا في بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مالٍ تَأَثَّلتُهُ في الإِسْلَام. [الحديث ٢١٠٠ - أطرافه في: ٣١٤٢، ٤٣٢١، ٤٣٢٢، ٧١٧٠]. ولا بأسَ به إذا لم يَكُنْ حَرْبٌ، ولم يُوجِبْ إعانتهم، وإلا فلا يجوز. ٣٨ - بابٌ فِي العَطَّارِ وَبَيعِ المِسْكِ ٢١٠١ - حدَّثني مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسى، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلْ : ((مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السُّوءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ المِسْكِ وَكِيرِ الحَدَّادِ، لا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ المِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الحَدَّادِ يُخْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ، أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً)). [الحديث ٢١٠١ - طرفه في: ٥٥٣٤]. وذكر المصنّفُ فيه تمثيلًا غريبًا من صاحب النبوة. وأَمْعِن النظر فيه، فإني لم أَرَ من البشرِ أحدًا أعجب تمثيلًا من الأنبياء عليهم السلام، فإنه يكون أَوْفَى بالمعاني، وأَقْرَبَ إلى الواقع، وأدلَّ على المراد، وأحلى للعين والسمع، ومن لا يُرَاعِيه يَظُنُّهُ كسائر التمثيلات. وراجع (القاموس)) للفرق بين السَّوْء والسُّوء. ثم ((الكِير)) (بهتى)، ((والكور)) (دهونكنی). ٣٩ - بابُ ذِكْرِ الحَجَّامِ ٢١٠٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: حَجَمَ أَبُو طَيبَةَ رَسُولَ اللَّهِنَّهِ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ. [الحديث ٢١٠٢ - أطرافه في: ٢٢١٠، ٢٢٧٧، ٢٢٨٠، ٢٢٨١، ٥٦٩٦]. ٢١٠٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا خالِدٌ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا خالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ◌َّهَ وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ، وَلَوْ كانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ. [طرفه في: ١٨٣٥]. ٢١٠٢ - قوله: (يُخَفِّفُوا من خَرَاجِهِ) أي خَرَاج الرؤوس، وهو ما وظّفَه عليه مولاه أن يَكْتَسِبَ، ويُؤَدِّي إليه من دراهم كذا، لا خَرَاج الأراضي. ٤٠ - بابُ التِّجَارَةِ فِيما يُكْرَهُ لُبْسُهُ للرِّجالِ وَالنِّسَاءِ ٢١٠٤ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَة: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفِصٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ نَّهَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِحُلَّةٍ خَّرِيْرٍ، أَوْ ٤٢٢ كتاب البيوع سِيَرَاءَ، فَرَآهَا عَلَيهِ، فَقَالَ: ((إِنِّي لَمْ أُرْسِل بِهَا إِلَيكَ لِتَلْبَسَهَا، إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لا خَلَاقَ لَهُ، إِنَّمَا بَعَثْتُ إِليكَ لِتَسْتَمْتِعَ بِهَا)). يَعْنِي تَبِيعُهَا. [طرفه في: ٨٨٦]. ٢١٠٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عنِ نَافِعِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عائشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّها أَشْتَرَتَ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ قَامَ عَلَى البَابِ فَلَمْ يَدْخُلُهُ، فَعَرَفِتُ في وَجْهِهِ الكَرَاهَةَ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَّى رَسُولِهِ وَلَ، ماذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((ما بَالُ هذهِ النُّمْرُقَةِ؟)) قُلتُ: اشْتَرَيتُها لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ أَصْحاب هذه الصُّوَرِ يَوْمَ القِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا ما خَلَقْتُمْ)). وَقالَ: ((إِنَّ البَيتَ الذَّي فِيهِ الصُّوَرُ لا تَدْخُلُهُ المَلَائِكَةُ)). [الحديث ٢١٠٥ - أطرافه في: ٣٢٢٤، ٥١٨١، ٥٩٥٧، ٥٩٦١، ٧٥٥٧]. واعلم أن البيعَ عندنا يَسْتَدْعِي قيام المِلْك دون حِلّ الانتفاع، فمن باع ما لا يجوز لُبْسُهُ للرجال جاز له بيعه، وإن لم يَجُزْ له لُبْسُهُ، وإنما يَنْظُرُ فيه المشتري، أنه هل يجوز له أو لا . ٢١٠٥ - قوله: (اشْتَرَتْ نُمْرُقَةٌ) - (تكيه يا كدا)، وفي لفظ: ((قِرام سِتْرٍ))، كما في كتاب اللباس. ثم اعلم أن التصاوير إذا كانت مقطوعة الرأس، فصارت كالشجرة، أو مُمْتَهَنَةً، أو صغيرةً جدًا بحيث لا تبدو للناظر (١)، جازت أن تكونَ في البيوت. أمَّا إنها تَمْنَعُ دخولٍ الملائكة، أو لا؟ فذلك بحثٌ آخر. ولعلَّهم لا يَدْخُلُونها مع جوازها، لأن لهم مُنَافَرَةً طبيعيةً منها، فجوازها لا يُوجبُ عليهم دخولها أيضًا، فهؤلاء على شرعهم، وهؤلاء على طَبْعِهِمْ. قوله: (أَحْيُوا ما خَلَفْتُمْ). كان الكلام في الثوب المُصَوَّر، إلَّا أنه انتقل منه إلى فِعْل التصوير، وذلك الفعل حرامٌ مطلقًا. وهذا هو الصنع في أحاديث الفاتحة، حيث كان الكلام في المقتدي، ثم انتقل منه إلى الجنس. وكذا في قوله: ((لا صَامَ من صَامَ الدَّهْرَ))، ثم ذكر بعده فضيلته. وهكذا في حديث النهي عن البُصَاق في المسجد، وأن كفارتها دفنها. كان الحديث في أحكام المسجد، ثم انتقل إلى أحكام البُصاق في الصلاة، فاختلف في شرحه النووي، والقاضي عِيَاض، وراجع ((شرح مسلم)) للنووي، وقد قرَّرْنا كلَّ ذلك من قبل. ٤١ - بابٌ صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِالسَّوْمِ ٢١٠٦ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي النَّيَّاحِ، عَنْ أَنْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُم)). وَفِيهِ خِرَبٌّ وَنَخْلٌ. [طرفه في: ٢٣٤]. (١) ولعلّ المراد ما سمعته من حَضْرة الشيخ نفسه رحمه الله، بأن لا تتميَّز أعضاؤه لمن ينظر إليه قائمًا، وهو على الأرض .- البنوري .. : ٤٢٣ كتاب البيوع ٤٢ - بابٌ كَمْ يَجُوزُ الخِيَارُ ٢١٠٧ - حدّثنا صَدَقَةُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى قالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((إِنَّ المُتَبَايِعَينِ بِالخِيَارِ فِي بَيْعِهِمَا ما لَمْ يَتَفَرَّقا، أَوْ يَكُونُ البَيعُ خِيَارًا)). وقالَ نَافِعٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اَشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فارَقَ صَاحِبَهُ. [الحديث ٢١٠٧ - أطرافه في: ٢١٠٩، ٢١١١، ٢١١٢، ٢١١٣، ٢١١٦]. ٢١٠٨ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ حَكِيم بْنِ حِزَام رَضِيَ اللَّهُ عَنْهِ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ ما لَمْ يَفْتَرِقا)). وَزَادَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَّهْزٌ قالَ: قَالَ هَمَّامٌ: فَذَكَرْتُ ذلِكَ لأَّبِي التَّيَّاحِ فَقَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي الخَلِيلِ لَمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَارِثِ بِهِذا الحَدِيث. [طرفه في: ٢٠٧٩]. وقد كان ليخطر بالبال أن في تراجمه سوءَ ترتيبٍ، فإنه قد تعرَّض إلى كيفيات الخِيَار قبل تقرُّر حقيقته. والذي يَتَبَادَرُ إلى الذهن أن يُتَرْجِمَّ أولًا على نفس الخيار ثم إلى سائر كيفياته. وتبيَّن آخِرًا أن المصنِّفَ جعل الخِيَارَ في البيع أصلًا، وعدمه تَبَعًا على خلاف نظر الحنفية. فإذا كان الخِيَار عنده أصلًا، لم يَرَ حاجة إلى تقديمه، لكونه مفروغًا منه عنده، ودخل في فروعه . ٢١٠٧ - قوله: (إن المُتَبَايِعَيْنِ بالخِيَار في بَيْعِهِمَا ما لم يتفرَّقا، أو يكون البيعُ خِيَارًا)، وفي لفظً : :سجل أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ، وربما قال: أو يكونُ بيعَ خِيَارٍ)، اعلم أن الخِيَارَ عندنا: إمَّا خيار الشرط، أو الرؤية، أو العَيْب، أو خيار القَبُول. ولاَ عِدَةَ بخِيَار المَجْلِس، وهو مذهب مالك، واعتبر به الشَّافِعيَّة، وأحمد، وقالوا: إن للعَاقِدَيْنِ خِيَارًا بعد الإِيجاب والقَبُول أيضًا يُسَمَّى بخِيَارِ المَجْلِس. وذا يَقْتَصِرُ على المَجْلِس فقط، فكلٌّ منهما في مُكْنَةٍ بين فَسْخ البيع وإمضائه، ما داما في المَجْلِس، فإذا تفرَّقا عنه لم يَبْقَ لهما هذا الخِيَارِ، وتحثَّم البيع. وقال الحنفيةُ: إِن البيعَ يَتِمُّ بالإِيجاب والقَبُول، فإذا فَرَغَا منه لم يَبْقَ لهما خيارٌ لزوميٌّ في الرَّدِّ والقَبُول، إلَّا أن يكونا شَرَطًا الخيار. ثم قال الشافعيةُ: إن خِيَارِ المَجْلِسِ ينتهي بقول أحدهما للآخر: اخْتَرْ، فإذا قال أحدهما للآخر: اخْتَرْ، وقال له الآخر: اخْتَرْتُ، تمَّ العقدُ، وانتهى الخِيَار الذي كان لهما في المَجْلِسِ، عند القائل به، ولم يَبْقَ لهما بعد ذلك خِيَارٌ تفرَّقا عن المجلس، أو لا، إلّا أن يكونا شَرَطَا خِيَارَ الشرط. فحينئذٍ يبقى الخِيَارُ بعد المَجْلِس أيضًا. ذالماء! أن القول: ((اخْتَرْ اخْتَرْ)) لقصر الخيار الممتدّ إلى المَجْلِسِ، وشَرْطِ الخِيَارِ لامتداده إلى ما وراء المَجْلِسِ أيضًا. وبهذا تبيَّن شرح الحديث: فإن حملنا قوله: ((أو يكون البيع خِيَارًا)) على خِيَارِ الشرط يكون لامتداده إلى ما وراء المَجْلِسِ. وإن أردنا منه القول: (اختر))، فهو لقصره في المَجْلِسِ. قلتُ: والظاهر من قوله: ((أو يكون البيع خِيَارًا)): هو خِيَار الشرط، كما في اللفظ الآخر: ٤٢٤ كتاب البيوع (أو يكون بيعَ خِيَارٍ)) بالإِضافة، فإنه يَدُلُّ على التنويع، وحملُه على القول: ((اخْتَرْ اخْتَرْ))، ركيكٌ. ولمَّا ورد هذا القول أيضًا في بعض الروايات، وَجَبَ علينا أن نتكلّم عليه. فاعلم أنهم افْتَرَقُوا في شرح الحديث على فِرْقَتَيْنِ: فقال الشافعيةُ: إن المراد من التفرُّق هو التفرُّق بالأبدان، فهما على خِيَارهما قبل التفرُّق بالأبدان، وإن كانا فَرَغَا عن منطق الإِيجاب والقَبُول. ثم إن هذا الخِيَار إمّا ينتهي بـ: ((اخْتَرْ اخْتَرْ))، أو يمتدُّ إلى ما وراء المَجْلِسِ حسبما اقتضی کلامهما . وقال محمد منَّا: هذا على الافتراق بالأقوال، فإذا قال البائعُ: قد بِعْتُ منك، وقال المشتري: قد قَبِلْتُ، فقد تفرَّقا، وانقطع خِيَارُهُما. لأن الذي كان لهما من الخِيَارِ: هو ما كان للبائع أن يُبْطِلَ قوله للمشتري: وقد بِعْتُكَ هذا العبد بألف درهم، قبل قَبُول المشتري، فإذا قَبِلَ المشتري، فقد تفرَّق هو والبائع، وانقطع الخيارُ. فهذا كما ذكر الله عز وجل في الطلاق ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّ مِّنِ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، فكأنّ الزوجَ إذا قال للمرأة: قد طَلَّقْتُكِ على كذا وكذا، فقالت المرأة: قد قَبِلْتُ، فقد بانت، وتفرَّقا بذلك القول، وإن لم يتفرَّقا بأبدانهما. فكذلك إذا قال الرجل للرجل: قد بعتك عبدي هذا بألف درهم، فقال المشتري قد قبلتُ، فقد تفرّقا بذلك القول، وإن لم يتفرّقا بأبدانهما، كذا ذكره الطَّحَاوِيُّ. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣] أي التفرُّق عن الكلمة، وفي الكُتُب: افترقوا عن كلمةٍ واحدةٍ. قلتُ: والأَوْلَى عندي أن يُقَال: إن المراد من التفرُّق هو التفرُّق بالأبدان، كما هو عندهم، لكنه كِنَايةٌ عن التفرُّق بالأول، والفراغ عن العقد، لأنهما بعد فراغهما عن العقد في مُكْنَةٍ من التفرُّق بالأبدان، فالتفرُّق بالأبدان مُكَتَّى به، والتفرُّق بالأقوال مُكَنَّى عنه. وقد مرَّ منا عن قريبٍ: أن اللفظ في الكناية لا يَخْرُجُ عن المعنى الموضوع له، وإن كان الغرضُ في لوازمه، وروادفَه. وإن شِئْتَ قُلْتَ: إن التفرُّقَ بالأبدان عنوانٌ للتفرُّق بالأقوال، وصادق عليه صدق العنوان على المُعَنْوَن . وبالجملة إذا كان التفرُّقُ كنايةً عن الفراغ، لم يَبْقَ فيه بُعْدُ لغةٍ أيضًا، ومن ههنا تبيَّن سرُّ تعبير الفراغ عن التفرُّق في القرآن أيضًا. ثم إن ما ذكره الطّحَاويُّ في تقرير كلام محمد هو الصواب عندي، وإليه تُرْشِدُ عبارته في ((موطئه)). فما فَهِمَهُ ملا الهداد في ((حاشية الهداية)) صوابٌ، وأمَّا ما ذَكَّرَهُ ابن الهُمَام في ((شرحه))، فبعيدٌ عندي. فإنه حمل التفرُّق بالأقوال على تفريقهما في الصَّفْقَة، فيقول هذا شيئًا، وهذا شيئًا، نحو إن قال البائع: بِعْتُه بمائة، وادَّعَى المشتري أنه باعه بخمسين مثلًا، فهذا هو التفرُّق المَعْنِي في الحديث عنده. وإنما حمل الشيخ ابن الهُمَام على المعنى المذكور، لِمَا اشتهر عن محمد: أن التفرُّقَ عنده على التفرُّق بالأقوال، فَحَمَلَهُ على الاختلاف في الأقوال، وليس بصوابٍ، فإن محمدًا لم يُرِدْ من التفرُّق بالأقوال ما فَهِمَهُ، فالصواب ما فَهِمَهُ ملا الهداد. ٤٢٥ كتاب البيوع وبالجملة ليس مدلول العبارة عند محمد أيضًا إلَّا التفرُّق بالأبدان، إلَّ أن مناط الحكم عنده هو فراغهم عن الإِيجاب والقَبُول، وهذا هو الذي عَنَاه من التفرُّق بالأقوال، لا كما فَهِمَه ابن الهُمَام: أنه عبارةٌ عن عدم ارتباط الإِيجاب والقَبُول. وقال عيسى بن أَبَان: الفُرْقَةُ التي تَقْطَعُ الخِيَارَ المذكور في هذه الآثار هي الفُرْقَةُ بالأبدان، وذلك لأن الرجلَ إذا قال للرجلِ: قد بِعْتُكَ عبدي هذا بألف درهم، فللمُخَاطَبِ بذلك القول أن يَقْبَلَ ما لم يُفَارِقْ صاحبه، فإذا افترقا لم يكن له بعد ذلك أن يَقْبَلَ. قال: ولولاً أن هذا الحديث جاء، ما عَلِمْنَا ما يَقْطَعُ ما للمُخَاطَب من قَبُول المخاطبة التي خاطبه بها صاحبه، وأَوْجَبَ له بها البيع. فلمَّا جاء هذا الحديث، عَلِمْنَا أن افتراقَ أبدانهما بعد المخاطبة بالبيع يَقْطَعُ قَبُول تلك المخاطبة. وقد رُوِيَ هذا التفسير عن أبي يوسف، كذا في الطحاويِّ. فالفُرْقَةُ على هذا التقدير هي الفُرْقَةُ بالأبدان، كما قال الشافعيةُ، إلَّا أنهم أرادوا من الخِيَار خِيَارَ المَجْلِسِ، وأراد منه أبو يوسف خِيَارَ القَبُول. وقد عَلِمْنَا من كلامه كلِّيَّةً، وهي: أن المَجْلِسَ جامعٌ للمتفرِّقات، فهما على خِيَارٍ بين القَبُول والرَّدِّ، وزيادة الثمن ونُقْصَانِهِ ما دام المَجْلِسُ باقيًا، فإذا تفرَّقا عن المَجْلِسِ انقطع الخيارُ، وتمَّ البيعُ. ولا يَرْتَبِطُ بعد المَجْلِسِ قَبُولُهُ من إيجابه، بل يحتاج إلى إيجابٍ مُسْتَأْنفٍ، بخلافه في المَجْلِسِ، فإن القَبُولَ يَرْتَبِطُ مع الإِيجاب، وما ذاك إلّا لكون المَجْلِسَ جامعًا للمتفرِّقات. وحينئذٍ شَرح قوله: أو ((يَخْتَارَا)) أي يَخْتَارَا البيعَ بالإِيجاب والقَبُول، فحينئذٍ يتمُّ العقدُ؛ ولا يبقى له خيارُ القَبُول في المَجْلِسِ أيضًا. ومعنى قوله: ((إلَّا أن يكون بيعَ خِيَارٍ))، أي فحينئذٍ يمتدُّ خِيَارُه إلى ما وراء المَجْلِسِ، ولا ينتهي بالإِيجاب والقَبُول. ولولا هذا الشرط لانتهى بعد القَبُول، وتمَّ العقدُ بتًا. فتحصَّل من المجموع ثلاثة شروح: شرحٌ للحجازيين وشرحٌ لمحمد، وشرحٌ لأبي يوسف، وتبيَّن في ضِمْنِه الجواب عن الحديث أيضًا. ومحصَّل الخلاف بيننا وبين الشافعيِّ: أن الخِيَارَ عنده بعد اختتام الإِيجاب والقَبُول، يبقى إلى المَجْلِسِ، وهو عندنا في نفسِ الإِيجاب والقَبُول، لا بعدهما. وقال فاضلٌ من الحنفية في شرح الحديث بجميع ما قاله الشافعيةُ، إلَّا أنه حَمَل خِيَارَ المَجْلِسِ على الاستحباب، لا على الوجوب. فإذا كان المَجْلِسُ باقيًا، وأراد المشتري أن يَرُدَّ على البائع بَيْعَهُ، يُسْتَحَبُّ له أن يَرُدَّه، فإن الإِقالةَ مُسْتَحَبَّةٌ في الأحوال كلِّها، فلا مخالفة فيه للمذهب. وحينئذٍ لا خلافَ بيننا وبين الشافعية، إلَّا أنهم أخذوا هذا الخِيَار على الوجوب، وحَمَلْنَاهُ على الاستحباب(١) . (١) قلتُ: وقد تكلّم الطَّحَاويُّ على الحديث المذكور في ((معاني الآثار))، وأضبط منه في ((مشكل الآثار)). وأنا آتيكَ ببعضٍ منه، كما في ((المعتصر))، عن جابر بن عبد الله أنه قال: ((اشترى النبيُّ ◌َّر من أعرابي - قال: حَسِبْتُ أن أبا الزُّبَيْر قال: من عاصم بن صَعْصَعَة - حملَ قَرَظِ، أو حمل خبط، فلمَّا وَجَبَ له، قال النبيُّ وَّر: اختر. قال الأعرابيُّ: إن رأيتُ مثل اليوم قط بيعًا خُيِّرَ بائِعُه، ممن أنت؟ قال: من قريش)). في قوله: ((اختر)) دليلٌ على وجوب البيع قبل التخيير. وقد يحتجُّ به من قال بالخِيَارِ حتى يتفرَّقا بدنًا، وقد ذكرنا وَجْهَهُ، واستدللنا عليه بحديث اللَّيْث. = . ٤٢٦ كتاب البيوع والحافظ نقله في ((الفتح))، ولم يَرْضَ به، كما أنه لم يَرُدَّه أيضًا، وهو المختارُ عند شيخنا - شيخ الهند - محمود حسن رحمه الله(١)، ويُؤَيِّدُهُ ما عند أبي داود: ((حتى يتخايرا ثلاثًا))، فإن وإنما خيِّر النبيُّ بِّ ذلك الأعرابيّ، ليكون له ثواب ((من أقال نادمًا بيعته)). ورُوِيَ أن ذلك كان قبل مبعث النبيِّ وَّ، = وقبل النبوة. ورُوِيّ عن طاوس، عن أبيه، قال: ((ابتاع النبيُّ يَّر قبل النبوة من أعرابيٍّ بعيرًا أو غيره، فقال له النبيُّ بَّر بعد البيع: اختر، فنظر الأعرابيُّ إليه فقال: لعَمْرِ الله ممن أنت؟ فلمَّا كان الإِسلام جعل النبيُّ ◌َّر بعد البيع الخيارَ))، وهذا على الاختيار لا على الوجوب، والله تعالى أعلم. انتهى. قلتُ: وهذا عَيْنُ ما أجاب به شيخُ الهند، وراجع بَسْطَهُ من ((المعتصر)). (١) قلتُ: وعندي تقريرٌ من بعض فضلاء تلامذة حضرة شيخ الهند، فأريد أن أعرِّبه لك من هذا الموضع، لتزداد بصيرةً في فَهْمِ كلامه رحمه الله تعالى. وحاصلهُ: أن المرادَ من الخِيَار عند الحنفية خيار القَبُول، ولكن لا يُلَائِمُهُ قوله: ((أو يختارا))، وكذا لا يُلَائِمُهُ فعل ابن عمر، فإنه يُوجِبُ ترك الاستحباب على الأقل، وهو أيضًا بعيدٌ من شأنه الرفيع. أمَّا ما أورد عليه الترمذيُّ بأنه لا يكون، لقول النبيِّ وَّهِ: ((ولا يَحِلُّ له أن يفارقه خشية أن يستقيله)). اهـ . على هذا التقدير معنى، فليس بواردٍ، لأنا نقول: إن له معنىّ صحيحًا، وهو: أن البائعَ قد يَسْبِقُ على لسانه من ثمن المبيع ما هو أقل منه، فيقول: خمسة دراهم، مكان العشرة، فأرشد الشرعُ المشتري أن لا يُعَجِّل في الفُرْقَة بالأقوال، ولا يتسارع بالقَبُول حتى يُمْهِلَهُ. فإن كان الثمن هو الثمن، فله أن يَقْبَلَهُ، وإن كان سبق عن لسانه، والثمن فوقه، فإن شاء أخذه بذلك الثمن، وإن شاء رَدَّهُ، ومثله كثيرًا ما يقع في البِيَاعَات. وحينئذٍ تكون الاستقالة على المعنى اللُّغوي: الفسخُ مطلقًا، فإن الإقالةَ اصطلاحًا لا تكون إلاَّ بعد تمام العقد، وهذا تقريره على المشهور. وأمَّا المختار عنده: أن الحديثَ محمله محمل الشافعية. ونقول: إن الخيارَ ثابتٌ عندنا أيضًا، لكنه مشروط برضاء صاحبه. فإن في الخِيَارِ مراتب: منها ما تَثْبُتُ ولا تتوقّف على رضاء أحدٍ، وتلك أعلى مراتبه. ومنها ما تَثْبُتُ وتتوقّف على رضاء الآخر، كما في الإقالة، وتلك دونها، فهذه المرتبة هي المراد ههنا. وحينئذٍ معنى الحديث: أن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرَّقا، أي بخيارٍ يتوقّف على رضاء الآخر، ويَصِيرُ ذلك إقالةً يُخْرِزُ بها صاحبُها أجرَها، لقول النبيِّ بَّرَ: ((من أقال مسلمًا في بَيْعَتِهِ، أقال الله عثراته يوم القيامة)) - بالمعنى -. فإن قلتَ: إذا حملتَ الحديثَ على الإِقالة، فما معنى التقييد بالمَجْلِسِ. فإنها مُسْتَحَبَّةٌ في الأحوال كلّها، مع أن الحديثَ ورد في الخِيّار الذي يكون في المَجْلِسِ. قلتُ: هَبْ، ولكن هذا الخِيَارِ أَوْكَدُ في المَجْلِسِ، وإن اسْتُحِبَّ له أن يُقِيلَ بعد المَجْلِسِ أيضًا. وذلك لأن المجلسَ إذا لم يتبدَّل، والمبيع لم يَزَلْ بعينه لم يتصرف فيه المشتري بشيء، ثم أراد أن يرده لما رأى فيه مصلحة، فحينئذٍ أولى له أن يقيله، ويرد منه بيعه، فإن إباءَه حينئذٍ أبعدُ عن المروءة، كيف! وأنه لم يَدْخُل في سلعته نَقْصًا، فأيُّ حرج في الإِقالة؟ بخلاف ما إذا تبدَّل المَجْلِسُ، فإنه لا يأمن من أن يكون تصرَّف فيه بشيءٍ، لأنه غابت سلعته عن مرَّه حينئذٍ، وإن اسْتُحِبَّتْ له الإِقالة أيضًا، لكنها لا تتأكَّدُ تأكّدَه فيما إذا لم يتفرَّقا عن المَجْلِسِ. هذا هو الوجه فيما علمنا، لا أن البيعَ لا يَنْعَقِدُ قبل التفرُّق بالأبدان، كما فَهِمُوه. وحينئذٍ لا تَرِدُ عليه قصة أبي بَرْزَة الأَسْلَمِيِّ، لأنه إنما أمره بردّ البيع، لكونه أقرب إلى المروءة، ومقتضى الإِسلام، حيث لم يتفرَّقا عن مجلس العقد، فماله لا يَقِيلُ من أخيه، فذلك الذي أراده أبو بَرْزَة - والله تعالى أعلم - لا أن البيعَ لم يَتِمَّ عنده. ولو لم نَحْمِلْهَا على هذا المعنى، لم يَسْتَقِمْ على مذهب الشافعية أيضًا، فإنهما وإن بَقِيًا في السفينة من ليلتهما، لكن لا بدَّ أن يكونا قاما الحوائجهما، وبذلك تتبدّلُ المجلسُ عند الشافعية أيضًا، فَيَلْزَمُ أن لا يكون الخيار لهما عنده أيضًا، ولكنه أراد - والله تعالى أعلم - أنكما لمّا كنتما في سفينةٍ واحدةٍ، فلم تفرقتما تفرُقًا يُوجِبُ الإِباء عن ردّ البيع، فيُسْتَحَبُّ له أن يرضى بالإِقالة، ولا يُرْهِقُ أخاه من أمره عُسْرًا. وحينئذٍ معنى قوله: ((لا يَحِلُّ له أن يُفَارِقَه)»، أي لا يَحِلُّ له على وجه = ٤٢٧ كتاب البيوع الكلَّ حملوه على الاستحباب دون الوجوب. أمَّا قولُهم: إن ابن عمر راوي الحديث، ومذهبُه ما ذَهَبَ إليه الشافعيةُ: أن المرادَ من الفُرْقَةِ الفرقةُ بالأبدان. فقيل في جوابه(١): إنه من رَوَى لك هذا، ولا حُجَّةَ لك في افتراقه بعد الكمال، فإن الحِلَّ أيضًا على مراتب. فقد وَرَد في الحديث: ((أن الصدقة لا تَحِلُّ لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ)»، وفي آخر: «أنها = لا تَحِلُّ لغني)»، وفي آخر: «أنها لا تَحِلُّ لمن عنده قوت يومه وليلته. وحاصل الجميع: أن الصدقةً إنما تَلِيقُ بمن لا يكون مُكْتَسِبًا، مُعْتَمِلًا، ولا يكون عنده شيءٌ يأكله ذو كبدٍ. وأمّا من كان ذو مرَّةٍ سويٍّ، فأوْلَى له أن يَكْتَسِبَ من أعمال يديه، وهذا الذي يَلِيقُ بشأنه، وهو مراد قوله: لا تَحِلُّ له)). نعم من كان غنيًا ذا نصَابٍ، فهذا هو الذي لا تَحِلُّ له الصدقةُ أصلاً، ففي الحِلُ مراتب، فصدق قوله: لا يَحِلُّ له أن يُفَارِقَ صاحبُه بحَسَبٍ مرتبةٍ من الحِلُّ، أي لا يَجِلُّ له الحِلُّ كلُّه، وإن حلَّ بنوعٍ من الحِلِّ، ولكن حَلَّ الذي لا يكون جِلاً من جميع الوجوه، لا ينبغي أن يُسمَّى حِلاَّ، فنزل الحِلُّ الناقصُ منزلة المعدوم، وجاء النفيُّ رأسًا. وبالجملة إن المفارقةَ بالأبدان مخافةً الإقالة أبعدُ من المروءة، وإعراضٌ عن قوله بَّر: ((من أقال مسلمًا)) ... إلخ. فالخِيَارُ الذي يبقى في المَجْلِسِ بعد تمام العقد، هو الذي لا يَسْتَبِدُ به أحدهما. والسِّرُّ في ذلك أن الشرعَ إنما أراد أن يَتِمّ العقدُ عن تراضٍ، كما أخرجه الترمذيُّ مرفوعًا، قال: ((لا يَتَفَرَقَنَّ عن بيعٍ إلاّ عن تراضٍ)). اهـ. فهذا هو غرض الشارع، ولذا حثّهما على أن لا يتفرَّقا عن المَجْلِسِ خشيةَ الإِقالة، ولكن عليهما أنْ يَنْظُرًا في أمرهما، حتى إذا اطمأنًّا في عقدهما، وتَرَاضَيَا من كلِّ وجهٍ، فحينئذٍ إن بدا أن يتفرَّقا عن المَجْلِسِ، فلهما ذلك. فالمقصودُ هو الفُرْقَة على التراضي لا غير. ألا تَرَى أن النبيِّ وَّر خيّر أعرابيًا بعد البيع، كما عند الترمذي، مع أنه لم يكن له خيار، وذلك لأنه أراد أن يكون صاحبه في اطمئنان نفسٍ، وبرد قلبٍ، فإن رأى أن يَبِيعَ باع، وإن بدا له أن يَفْسَخَ فَسَخَ. ولا يَضْطَرِبُ في أنه قد سبق منه القول، فلا يتمكّن من الرجوع. ولو أمعنتَ النظر في قوله: ((أو يختار!»، لوجدتَ المعنى، فإنه يَدُلُّ على أن نقض هذا الخيار وإبرامه بأيدي المُتَعَاقِدَيْن، ولذا لو قال أحدُهما للآخر: اخْتَرْ اخْتَرْ، بَطَلَ خيارُ المَجْلِسِ، ولا يبقى بعده. فدَلَّ على أنه ليس من جهة نفس البيع، ولكنه نظرٌ في حال العاقدين، وتحصيلٌ لتمام التراضي. فإنه، وإن حَصَلَ بالعقد والإِيجاب والقَّبُول أيضًا، لكن الذي يَحْصُلُ بعد التدبّر، أَتَمُّ منه ما يَحْصُلُ في حال العقد، فرغَب الشارعُ في أن لا يتفرَّق اثنان إلاَّ بعد تمام التراضي. فَثَبَتَ ممّا ذكرنا: أن خِيَارَ المَجْلِسِ لا دَخْل له في تمام العقد. فإذا أَوْجَبَ أحدُهما، وقَبِلَهُ الآخرُ، فقد تمَّ العقدُ، ولم يَبْقَ خيارٌ أصلاً، ولكنه يَثْبُتُ له الخيارُ فِي المَجْلِسِ تحصيلاً لكمال التراضي، تبرُّعًا ومروءةً. هذا ما فهمته من تقريره، ولعَمْرِي هو تقريرٌ أَنيقٌ في غاية المتانة، فاغتنمه غنيمةً باردةً. (١) وفي ((المعتصر)): فيَحْتَمِلُ أن يكونَ التفرُّقُ الذي حَكَى نافع عنه استعماله إياه، إنما كان يَسْتَعْمِلُهُ احتياطًا من قول غيره، لاحتمال الحديث له، مخافةً أن يَلْحَقَهُ فيه من غيره خلاف ما يريده في بيعه. وأمَّا الجوابُ عن قصة أبي بَرْزَة الأَسْلَمِيِّ، فأجاب عنه الّحَاوِيُّ، كما فيه: أنه لا يَصِحُ الاحتجاج في إثبات الخيار بعد العقد بهذا. ولا يقول أبو بَرْزَة: ((وما أراكما تَفَرَّقْتُمَا))، لأنهما قد أقاما بعد البيع مدةً يتحقَّقُ تفرُّقهما بَدَنًا، ولو إلى حاجة الإِنسان، أو إلى صلاة، مما لو وقع مثله في صَرْفٍ تَصَارَفَاهُ قبل القبض لفسد الصَّرْف. فكذلك لو كان الخيارُ واجبًا بعد عقد البيع لقطعته هذه الأشياء. فدَلَّ أن التفرُّق عند أبي بَرْزَة لم يكن التفرُّق بالأبدان. ثم أخرج الطحاويُّ في لفظ أبي بَرْزَة: ((البيِّعَان بالخيار ما لم يتفرَّقا، وكانا في خِبَاءٍ» ورُوِيَ عن سَمُرَة بن جُنْدَبٍ مرفوعًا: ((البيِّعَان بالخيار ما لم يتفرَّقا، ويأخذ كلُّ واحدٍ منهما ما رَضِي من البيع)) ... إلخ. واحفظ لفظ: ((ما رضي من البيع))، فإنه يُشْعِرُ بأن العمود في هذا الباب هو رضاء العاقِدَيْن. ليبارك لهما في بيعهما. ولذا خيّر النبيُّ ◌َِّ أعرابيًا، كما مرَّ. وجملة المقال بعد هذا الإطناب والإسهاب: أن الخيارَ عندهم لازمٌ على شاكلة المسألة، وعندنا لتحصيل الرضاء وتحثُّمه، وذاك أمرٌ قد يحتاج إليه بعد العقد، كما في الإقالة، فخيَّره الشرعَ، وحرَّضه عليه لذلك. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٢٨ كتاب البيوع العقد، لأنه يجوز أن تكون تلك الفُرْقَة عنده على الاستحباب، فيكون يُفَارِقُ صاحبَه استحبابًا . كيف! ولو لم نَحْمِلْهُ على هذا المعنى، لَزِمَ أن يكون مرتكبًا لأمر حرام عندكم، والعياذ بالله. أليس قد قال النبيُّ وَله: ((ولا يَحِلُّ له أن يُفَّارِقَ صاحبه، خَشْيَةَ أن يَسْتَقِيلُه))، وهذا الحق واجبٌ عندكم، ومُسْتَحَبُّ عندنا، فَيَلْزَمُ عليكم ترك الحق الواجب، فلا حُجَّةً لكم في فعل ابن عمر. قلتُ: أمَّا كون خيار المَجْلِسِ مُسْتَحَبًّا عندنا، فذاك أمرٌ أوجده المتأخِّرون من عندهم على طريق المعارضة، وليس منقولًا عن الإِمام. كما أن ترك الفاتحة للمقتدي رُوِي عن الإِمام، أمَّا إن هذا الترك في أيِّ مرتبةٍ هو؟ فذلك أمرٌ أوجده المتأخِّرون، وليس مَرْوِيًّا عن الإِمام، فذهب ابن الهُمَام أنها مكروهةٌ تحريمًا. وزَعَمَ الناسُ أن تلك الكراهة مَرْويّةٌ عن الإِمام، مع أنا لا نجدها مَرْوِيَّةً عن إمامنا في موضعٍ. غير أن النهيَ عن القراءة إذا نُقِلَ عنه، ذهبت أذهانُ الناس تَبْحَثُ عن مراتبه، فحملها بعضُهم على الكراهة. فهكذا الأمرُ في استحباب خِيَار المَجْلِسِ، فإنه لم يُنْقَلْ عن إمامنا، وإنما قاله المتأخِّرون احتمالًا وبحثًا، على طَوْرِ المعارضة لا على طريق المذهب. بقي الجواب عن فعل ابن عمر، فأقولُ: إنه وإن كان راوي الحديث، لكنه فعله فقط، ولا يَدُلُّ على كونه تَعَامُلًا فيما بين الصحابة أيضًا. حتى نُقِلَ عن مالك: أنه كان يَشْرَحُ هذا الحديث، إذ جاءه ابن أبي ذِئْب، وكلَّمه فيه، فقال له مالك: ليس(١) العملُ عليه في بلدتنا، وأَمَرَ بِإِخراجه (١) قال الخطّابيُّ بعد ما قرَّر مذهبه: وأمَّا مالك، فإن أكثر شيءٍ سَمِعْتُ أصحابَه يحتجُّون به في رَدِّ الحديث، هو أنه قال: ليس عليه العمل عندنا، وليس للتفرُّق حدٍّ محدودٌ يُعْلَمُ. ثم رَدَّ عليه، حتى قال: وأمَّا قوله: فليس للتفرُّق حدٍّ يُعْلَم، فليس الأمرُ على ما توقَّمه. والأصلُ في هذا ونظائره أن يُرْجَعَ إلى عادة الناس وعُرْفِهم، ويُعْتَبَرَ حال المكان الذي هما فيه مجتمعان: فإذا كانا في بيتٍ، فإن التفرُّقَ إنما يَقَعُ بخروج أحدهما منه، ولو كانا في دارٍ واسعةٍ، فانتقل أحدُهما عن مجلسه إلى بيتٍ، أو صُفَّةٍ، أو نحو ذلك، فإنه قد فارق صاحبه. وإن كانا في سوقٍ، أو على حانوتٍ، فهو بأن يُؤَلِّي عن صاحبه، ويَخْطُو خطوات ونحوها. وهذا كالعُرْفِ الجاري، والعادة المعلومة في التقابُض، وهو يختلف في الأشياء: فمنها ما يكون بالتقابُض فيه بأن يَجْعَلَ الشيءَ في يده، ومنها ما يكون بالتَّخْلِيَة بينه وبين المبيع. وكذلك الأمرُ في الحِرْزِ الذي يتعلّق به وجوب قطع اليد: فإن منه ما يكون بالإغلاق والإقفال، ومنه ما يكون بيتًا وحِجَابًا، ومنها ما يكون بالشرائح، ونحوها، وكلّ منها حِزْزٌ على نحو ما جَرَتْ به العادةُ. والعُرْفُ أمرٌ لا يُتْكِرُهُ مالك، بل يقول به، وربما ترقّى في استعماله إلى أشياء لا يقول بها غيره، وذلك من مذهبه معروفٌ، فكيف صار إلى تركه في أحقُّ المواضع به! حتى يَتْرُكَ له الحديث الصحيح؟! والله يغفر لنا وله. وإن كان ابن أبي ذِئْب يَسْتَعْظِمُ هذا الصنيع من مالك، وكان يتوعَّده بأمرٍ لا أحبُّ أن أحكيه، والقصة في ذلك عنه مشهورة. اهـ . قلتُ: وجهالة الحدِّ في باب التفرُّق، كجهالة القُلَّتَيْنِ في حديث ابن عمر، فاحتاجوا إلى تحديدٍ في الموضعين، وقد ألزموا بها في الموضعين، وإنما اعتنيتُ بالعبارة المذكورة، لِتَعْلَمَ قدر الافتراق عند الشافعية، ثم تَنْظُرَ في أن ما ألزمه الحنفيةُ على الشافعية في قصة أبي بَرْزَة الأَسْلَمِيِّ المارَّةِ، هل يَلْزَمُ عليهم أم لا؟ فإن الافتراق عندهم لا يَحْصُلُ بمجرد القيام، بل كما أن الافتراقَ من البيت يكون بالخروج، كذلك يُمْكِنُ أن يكونَ الافتراقَ من السفينة عندهم. وحينئذٍ لا يَلْزَمُ عليهم ما ألزموا، ويكون لجوابه طريق آخر. والله تعالى أعلم بالصواب. = ٤٢٩ کتاب البيوع عن المَجْلِسِ. فذلك وإن لم يَسْتَحْسِنْهُ العلماءُ، إلَّا أنه يَدُلّ على عدم تعامل الصحابة، وتوارثهم في البلدةِ الْمُطَهَّرَةِ، وكفانا بهم قُدْوَة. ٤٣ - باب إِذَا لَمْ يُوَقَّتْ في الخِيَارِ هَل يَجُوزُ البَيعُ ٢١٠٩ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ: حَدَّثَنَا أَيُّوب، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ ما لَمْ يَتَفَرَّفَاَ، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ)). وَرُبَّمَا قالَ: ((أَوْ يَكُونُ بَيْعَ خِيَارٍ)). [طرفه في: ٢١٠٧]. والخيارُ عندنا، وعند الشافعي مُؤَقَّتٌ بثلاثة أيام، ولم يُؤَقِّتْهُ صاحباه بشيءٍ، ولعلَّه مختار البخاريِّ. ٢١٠٩ - قوله: (ما لم يتفرَّقا، أو يقولُ أحدُهما لِصاحبه: اخْتَرْ، وربما قال: أو يكونُ بيعَ خِيَارٍ)، واعلم أنك قد عَلِمْتَ الفرق بين الخياريْن. فإن قوله: اخْتَرْ اخْتَرْ، لقطع الخيار في المجلس، وبيعُ الخيار، لِمَدِّهِ إلى ما وراء المجلس. فهما معنيان، والشَّكُّ بينهما غيرُ مناسبٍ، وإنما يُنَاسِبُ فيما يتَّحِدُ في المعنى، ويَخْتَلِفُ في اللفظ. أمَّا إذا اختلف المعنى، فلا يُنَاسِبُ الشَّكُّ فيه، لأنه لا معنى لقوله: ((أو يقولُ أحدُهما لصاحبه: اخْتَرْ، أو يكونُ بيعَ خِيَارٍ))، بالعطف. إلَّا أن الرواةَ كثيرًا ما يَقْتَحِمُونَ مثله. ومحصَّل الكلام: أن في الحديث ثلاثة أشياء: الأول: خيارُ المَجْلِسِ. والثاني: القول: اخْتَرْ اخْتَرْ. والثالث: خيار الشرط. وتفسيرُ خيار الشرط بقوله: اخْتَرْ اخْتَرْ، من أجل شكِّ الرواة في هذينٍ فِي بعض المواضع، غيرُ مُلَائِم. وتغييرُ معاني الألفاظ من أجل اختلاط الرواة، غيرُ مُنَّاسِبِ. أَلَا ترى أن قوله: ((بيع الخيار))َ - بالإِضافة - يعيِّن إرادة النوعية، فهو نوعٌ مستقلٌ، فلا يكون المرادُ منه القول: اخْتَرْ اخْتَر. ولا نُنْكِرُ ثبوته في الحديث، إنما نقول: إنه معنى على حِدَة، وذلك على حِدَة، فلا يَتْبَعُ أحدهما الآخر في التفسير، فافهم. بقي استعظام ابن أبي ذِئب، فذاك أمرٌ فُطِرَ عليه الإنسانُ، فإنه لمَّا طَرَدَهُ مالك عن مجلسه، فماذا يقول بعده. ولو == كان هينًا لينًا لبِجَّلَهُ وعزَّرَهُ، وما تقدَّم إلى ما قَدِمَ. والتعامُل إذا كان تعامُل الصحابة والتابعين، فهو أمرٌ أهمُ أيضًا. ومن لا يرى العملَ بحديثٍ ببلدة صاحب ذلك الحديث، مع وفور داعية العمل، حقَّ له أن يتردّدَ لأجله في الحديث، ويتركه بهذا التعامُل. فإن العاملين هم حاملو الحديث، فإذا تركوا به العملَ هؤلاء، فمن دونهم أَوْلَى، فذاك أمرٌ معقولٌ ليس مما يُلام عليه. وكذلك كون حدِّ التفرُّق مجهولاً أيضًا صحيحٌ، ثم تعيينه من نحو تبسط في الكلام، مما لا يعجز عنه الفحول، وأن بعضكم ألحن بحجته من بعض، ثم رأيت كلامَ أبي بكر الرازي في (الأحكام))، فاتَّضَحَ منه كلام مالك، قال: ويَدُلُّ عليه من جهة النظر أن المَجْلِسَ قد يَطُول ويَقْصُر، فلو علَّقنا وقوعٌ المِلْكِ على خِيَارِ المَجْلِسِ، لأوجب بُطْلَانَهُ لجهالة مدَّة الخيار الذي عُلْقَ عليه وقوع المِلْكِ. أَلاَ ترى أنه لو باعه بيعًا باتًا، وشَرَطًا الخيارَ لهما بمقدار قعود فلان في مجلسه، كان البيعُ باطلاً، لجهالة مدّة الخِيَارِ الذي عُلْقَتْ عليه صحة العقد. والله أعلم بالصواب. ٤٣٠ كتاب البيوع ٤٤ - بابُ البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا وَبِهِ قالَ ابْنُ عُمَرَ، وَشُرَيحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَطَاوُسٌ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ أَبِي مُلَيكَةً. ٢١١٠ - حدّثني إِسْحاقُ: أَخْبَرَنَا حَبَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ - هُوَ ابْنُ بِلَالٍ - قالَ قَتَادَةُ: أَخْبَرَنِيِ عَنْ صَالِحِ أَبِي الخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ قالَ: سَمِعْتُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكٌ لَهُمَا في بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)). [طرفه في: ٢٠٧٩]. ٢١١١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿قَالَ: ((المُتَبَابِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ ما لَمْ يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيعَ الخِيَارِ)). [طرفه في: ٢١٠٧]. لعلَّ المصنّف اختار مذهب الشافعية. ٤٥ - بابٌ إِذَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ البَيعِ فَقَدْ وَجَبَ البَيعُ ٢١١٢ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ أَنَّهُ قالَ: ((إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَّا بِالخِيَارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا وَكانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيعُ)). [طرفه في: ٢١٠٧]. ٢١١٢ - قوله: (إذا تَبَايَعَ الرجلان، فكلُّ واحدٍ منهما بالخيار ما لم يتفرَّقا) ... إلخ. نقول: معنى قوله: ((إذا تَبَايَعَ))، أي في حال الإِيجاب والقَبُول، ويقول الشافعية: أي فَرَغَا عن الإِيجاب والقَبُول، وتَمَّ العقدُ. قوله: (وكانا جميعًا)، هذا اللفظ يَدُلُّ على أن المراد بالفُرْقَةِ، هو الفُرْقَةُ بالأبدان، إن قلنا: إن الجميعَ معناه معًا، فإن المُتَبَادَر من الفُرْقَةِ بعد كونهما معًا: الفُرْقَةُ بالأبدان. إلّا أن الصِّيرَافي كتب أنه يُسْتَعْمَلُ بمعنى الكلِّ أيضًا، فلم يكن صريحًا فيما فَهِمُوه. قوله: (أو يُخَيِّرُ أحدُهُمَا الآخرَ) هذا صريحٌ في القول: ((اخْتَرْ)). ٤٦ - بابٌ إِذَا كانَ البَائِعُ بِالخِيَارِ هَل يَجُوزُ البَيعُ ٢١١٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يؤُسُفَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ وَِّقالَ: ((كُلُّ بَيِّعَينِ لا بَيعَ بَينَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقًا، إِلَّا بَيعَ الخِيَارِ)). [طرفه في: ٢١٠٧]. ٢١١٤ - حدَّثنِي إِسْحاقُ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي الخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َُِّ ٤٣١ كتاب البيوع قالَ: ((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقَا)). قالَ هَمَّامٌ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي: ((يَخْتَارُ - ثَلَاثَ مِرَارٍ - فَإِنْ صَدَقًّا وَبَيِّنَا بُورِكَ لَهُمَا في بيعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا، فَعَسى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا، وَيُمْحَقًا بَرَكَةَ بَيعِهِمَا)). قالَ: وَحَدَّثَنَا هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الحَارِثِ يُحَدِّثُ بِهِذا الحَدِيثِ، عَنْ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َُّ. [طرفه في: ٢٠٧٩]. ٢١١٤ - قوله: (قال هَمَّامٌ: وَجَدْتُ في كتابي: يختارُ ثلاث مِرَارٍ)، وهو محمولٌ على الاستحباب عندنا. ويقول الشافعيةُ: إنه في المرّة الأولى محمولٌ على الوجوب، وبعدها على الاستحباب(١) . ٤٧ - بابٌ إِذَا اشْتَرَى شَيئًا، فَوَهَبَ مِنْ سَاعَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، وَلَمْ يُنْكِرِ البَائِعُ عَلَى المُشْتَرِي، أَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَه وَقَالَ طَاوُسٌ فِيمَنْ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ عَلَى الرِّضَا ثُمَّ بَاعَهَا: وَجَبَتْ لَهُ وَالرِّبْحُ لَهُ. ٢١١٥ - وَقَالَ الحُمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِّ وَّةِ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ لِعُمَرَ، فَكَانَ يَغْلِبُنِي فَيَتَقَدَّمُ أَمامَ القَوْمِ، فَيَزْجُرُهُ عُمَّرُ وَيَرُدُهُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ، فَيَزْجُرُهُ غْمَرُ وَيَرُدُّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ نَّهِ لِعُمَرَ: (بِعْنِيهِ)). قَالَ: هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ لَّه: ((بِعْنِيه)). فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ ◌ّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، تَصْنَعُ بِهِ ما شِئْتَ)). [الحديث ٢١١٥ - طرفاه في: ٢٦١٠، ٢٦١١]. وهذا يَدُلُّ على أن المصنِّفَ سَلَك في باب الخيار مَسْلَكًا أوسع من الشافعية، كما مرَّ. فإن الخيار عندهم إنما يَنْقَطِعُ بأمرين: الأول: بالفُرْقَةِ بالأبدان. والثاني: بالاختيار، ولا ثالث لهما. والمصنّفُ جعل تصرُّفَ المشتري بحضور البائع أيضًا مقام التفرُّق في قَطْع الخيار، فدل على أن الأمر لا يدور على هذين عنده، بل كُل ما يقوم مقامهما، فهو يعمل عملهما في قطع خيار المَجْلِسِ، فهذا توسُّعٌ منه. ثم فيه: إنه هلٍ يُشْتَرَطُ التَّخْلِيَة في القبض، أم لا؟ وهل يجوز التصرُّف في المبيع قبل القبض، أو لا؟ وقد تكلّمنا عليه عن قريبٍ. قوله: (فَوَهَبَ من سَاعَتِهِ)، هذا تصرُّفٌ منه قبل القبض عندنا، إلّا أن البخاريَّ لِمَّا وسَّع في القبض، فهو تصرُّفٌ بعد القبض عنده. فالقبضُ ضروريٌّ عنده أيضًا للتصرُّف، إلَّا أنه عمَّم (١) قلتُ: وملخّص هذه التراجم: أن الأَوْلى لبيان مقدار الخيار، مع أنه ليس مذكورًا في الحديث، وأجاب عنه المُحَشِّي، فراجعه. قلتُ: ولعلَّه أراد بها، كم أقسام الخيار، فنَّه على نوع منه مُخْتَلَفٌ فيه، وهو خِيَارُ المجلس، ثم ترجم على أن عدم توقيت الخيار لا يُخِلُّ بالبيع. وهذا يَدُلُّ على أن الترجمةَ الأولى كانت في التوقيت، كما قالوا، ثم ترجم على نفس الخيار في المَجْلِسِ، ثم على ما ينتهي به هذا الخيار في المَجْلِسِ، ويَجِبُ به البيع، ثم على أن هذا الخيار لا يمنع جواز البيع. فهذه خمس تراجم على حديثٍ واحدٍ، مع اختلاف ألفاظه أَخْرَجَ منها تحت كلِّ ترجمةٍ لفظًا يُنَاسِبُها. ٤٣٢ كتاب البيوع القبض، وجعل أمارات الرضاء بعد الإِيجاب والقَبُول أيضًا من أنواع القبض، كما يَدُلُّ عليه قوله: ((ولم يُنْكِرِ البائعُ على المشتري))، فكأنه أمارةٌ على رضائه بتصرُّفه، فصار قبضًا . ٢١١٦ . قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقالَ اللَّيِثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ خالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَاَ قالَ: بِعْتُ مِنْ أَمِيرٍ المُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ مَالًا بِالوَادِي بِمَالٍ لَهُ بِخَيْبَرَ، فَلَمَّا تَبَايَعْنَا، رَجَعْتُ عَلَى عَقِي حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِهِ، خَشْيَةَ أَنْ يُرَادَّنِي البيعَ، وَكانَتِ السُّنَّةُ أَنَّ المُتَبَابِعَينِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا . قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَمَّا وَجَبَ بَيعِي وَبَيعُهُ، رَأَيتُ أَنِّي قَدْ غَبَتْتُهُ، بِأَنِّيَ سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ثَمُودٍ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، وَسَاقَنِي إِلَى المَدِينَةِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ. [طرفه في: ٢١٠٧]. ٢١١٦ - قوله: (وكانت السُّنَّةُ: أن المُتَبَابِعَيْنِ بالخيار) ... إلخ، وقد مرَّ عن مالك أنه ليس عليه التعامُل، والسُّنَّةُ بمعنى الطريقة المسلوكة. ٤٨ - باب ما يُكْرَهُ مِنَ الخِدَاعِ في البَيعِ ٢١١٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ بَّ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَقَالَ: ((إِذَا بَايَعْتَ فَقُل: لا خِلابَةَ)) [الحديث ٢١١٧ - أطرافه في: ٢٤٠٧، ٢٤١٤، ٦٩٦٤]. ٢١١٧ - قوله: (قل: لا خِلَابة). وكان الرجل لَكِنّا، كما عند مسلم، فكان يقول: لا خِيَابة، بدل خِلَابة. وعند البيهقيِّ بسندٍ جيدٍ، وكذا عند الحاكم زيادة: ((ولي الخيارِ ثلاثة أيام))، فَدَلَّ على أن النبيَّ ◌َّهَ إنما عَلَّمه (١) خيار الشرط. واختلف الناسُ في توجيهات ما علَّمه النبيُّ ◌َّلـ للاحتراز عن التغابُن. ثم في تقريرها، وفيما نقلناه من الزيادة غُنْيَةٌ عن جميعها. قال الشيخُ ابن الهُمَامِ: إن الغَرَرَ إِمَّا قوليٍّ، أو فِعْليٍّ، وتجب الإِقالةُ على العَاقِدَيْن في القوليِّ قضاءً، وفي الفِعْليِّ ديانةً، فاحفظه، فإنه يفيدك في مواضع. ٤٩ - بابُ ما ذُكِرَ فِي الأَسْوَاقِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ: لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ، قُلتُ: هَل مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قالَ: سُوقُ قَينُقَاعَ. وَقالَ أَنَسٌ: قالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ: دُلّوني عَلَى السُّوقِ. وَقَالَ عُمَرُ: أَلهَانِي الصَّفقُ بِالأَسْوَاقِ. ٢١١٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَاءَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةً، (١) وفي ((المعتصر: ((رُوِيَ عن ابن عمر: ((أن حَبَّن بن مُنْقِذ كان شَجَّ في رأسه مأُمُومَةً، فثقل لسانه، فكان يَخْدَعُ في البيع، فجعل له رسول الله وَّر ما ابتاع من شيء، فهو فيه بالخيار ثلاثًا، وقال له رسول الله بَّه: قل لا خِلَابة. قال ابن عمر: فسمعته يقول: ((لا خِلَابة لا خِلَابة)». اهـ. ٤٣٣ كتاب البيوع عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيرِ بْنِ مُظْعِم قالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((يَغْزُو جَيشَ الكَعْبَّةَ، فَإِذَا كانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ)). قالَتْ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِم وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيسَ مِنْهُمْ؟ قالَ: ((يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ)). ٢١١٩ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((صَلَّةُ أَحَدِكْمَ فِي جَمَاعَةٍ، تَزِيّدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثمَّ أَتَىِ المَسجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّ الصَّلاةَ، لَا يَنْهَزُهُ إِلَّ الصَّلاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّ رُفِعَ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، وَالمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكمْ ما دَامَ في مُصَلَّهُ الَّذِيِ يُصَلِّي فِيه: اللَّهَمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، ما لَمْ يُحدِثْ فِيهِ، ما لَمْ يُؤْذِ فِيهِ))، وَقالَ: ((أَحَدُكُمْ في صَلَاةٍ ما كانَتِ الصَّلاةُ تَحْبِسُهُ)). [طرفه في: ١٧٦]. ٢١١٨ - قوله: (ثم يُبْعَثُونَ على ◌ِيَّاتِهِمْ). فإن قلتَ: من اتَّبَعَ الجيش الذي أراد أن يَغْزو الكعبة، فقد أعانهم، ولو في الجملة، فكيف يُبْعَثُ على نيته، وما العبرةُ بها بعد أن أعانهم؟ قلتُ: ولكنه فيما خَرَجَ الجيشُ لأن يَغْزُوَ غير مكَّة، ثم بدا له أن يَغْزُوَها أيضًا - والعياذ بالله - فلم يتمكّن هؤلاء أن يتخلَّفُوا عنهم لمكان المصالح، فاتَّبَعُوه، وقلوبهم تَمَلْمَلُ، وأعينهم تَغْرَوْرِقُ بالدموع، فهؤلاء الذين يُبْعَثُون على نيَّاتهم. أمَّا مَن عَلِمَ من أول الأمر أن الجيشَ يريد الكعبةَ، ثم اتَّبَعَهُ فلا نِيَّة لهم، وهو معهم في الدنيا والآخرة. وإنما يُخْسَفُ بالأول والآخر، لأن ذلك من سُنَّة الله، إن من لم يَهْرُب من عذاب الله يَقَعُ فيه. ولذا أمر نوحًا عليه السلام أن يَرْكَبَ السفينة مع من آمن، وأمر لوظًا عليه السلام أن يَخْرُجَ من قومه، بل أمره أن لا يَلْتَفِتَ إليهم. ولو كان العذاب يَقَعُ على بلدٍ، ويَنْجُو منه المؤمنون لتميَّز الحقُ عن الباطل قبل أوانه، ولم تَبْقَ هذه الدار دار الابتلاء. وإنما أراد الله سبحانه من التمحيص والتمييز في الدنيا بقدر ما لا يُوجِبُ رفعِ التكليف، والإِيمان بالغيب، فلم يَزَلْ التمحيصُ والتمييزُ، وهو من أهم مقاصد الغزوات، إلَّا أنه كان في ذيل الأسباب. ومن لهُهنا تبيَّن السِّرُّ في ابتلاء الصَّبِيِّ بالمرض، مع أنه لا ذنبَ له، وذلك لأنه أراد أن يبقى الأمر غيبًا. فالعصاةُ تُبْتَلى نقمةً، والمؤمنون والصبيان رحمةً وتسبيبًا، ولا ظلمَ في التسبيب، فإن الله تعالى قد نبَّه على خواصِّ الأشياء. فمن يأكل السَّمَّ يموت، فلا اعتراض على الله سبحانه، وإنما الذنبُ على من أكله. فابتلاء الصبيان من هذا القبيل، لا أنه انتقام منه تعالى، وإنما كان الظلمُ لو لم يُنَبِّه عليها، أو لو قَهَرَه على أكلها. وأمَّا بعد أن هداه النَّجْدَيْن، ومَنَحَه السمعَ والعينَ، فمن اقترفها، فعليه اللَّوْمُ والشيْنُ. فائدةٌ جليلةٌ: واعلم أن الثقةَ في الرواة ليست باعتبار كونهم أولياء، بل باعتبار فنِّهم، فهي باعتبار الأعمال الظاهرة فحسب. فالثقات قد رَكِبُوا الأغلاط، وحَادُوا في بعض المواضع عن ٤٣٤ كتاب البيوع طريق الصواب أيضًا. وإنما نعني بالأغلاط: التغييرِ في الألفاظ، ومن حَيْدهم عن طريق الصواب: عدم إنصافهم في المسائل المُخْتَلَفِ فيها، إلَّا في مواضع. ومن جرَّب يُصَدَّقْ، ومن جَهِلَ یُكَذَّبْ. ٢١٢٠ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِياسِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيدِ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ النَّبِيُّ وَلِِّ فِي السُّوقِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا الَقَاسِمِ، فَالَتَفَتَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَقَالَ: إِنَّمَا دَعَوْتُ هذا، فَقَالَ النَّبِيُّ بَّهِ: ((سَمُوا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي)). [الحديث ٢١٢٠ - طرفاه ٢١٢١، ٣٥٣٧]. ٢١٢١ - حدّثنا مالِكُ بْن إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَعا رَجُلٌ بِالبَقِيعِ: يَا أَبَا القَاسِمِ، فَالتَّفَتَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ◌َ فَقَالَ: لَمْ أَغْنِكَ، قالَ: (سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي)). [طرفه في: ٢١٢٠]. ٢١٢٠ - قوله: (سَمُّوا باسْمِي) ... إلخ. والكلامُ فيه طويلٌ، ذكروه في الشروح. والذي يتبيَّنُ من عادة العرب أنهم إذا عَظّمُوا أحدًا لم يدعوه باسمه، ولكن بكُنْيَتِهِ. فلم يكن في التسمية باسمه التباسٌ، لأنهم لم يكونوا يَدْعُونَهُ باسمه المبارك. بخلاف التَّكَنِّ بِكُنْيَتِهِ، لأنه يُوجِبُ الالتباس، فنهاهم عنه. وذلك أيضًا يَقْتَصِرُ على عهده بََّ، وأمَّا بعد وفاته، فَجائزٌ كلُّهُ. ٢١٢٢ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيرِ بْنِ مُطْعِم، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ الدَّوْسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َّ في طَائِفَةِ النَّهَارِ، لَا يُكَلِّمُني وَلاَ أُكَلِّمُهُ، حَتَّى أَتَى سُوقَ بني قَينُقَاعَ، فَجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيتِ فاطِمَةَ، فَقَالَ: ((أَثَمَّ لُكَعُ؟ أَثَمَّ لُكَعُ؟)). فَحَبَسَتْهُ شَيْئًا، فَظَنْتُ أَنَّها تُلْبِسُهُ سِخَابًا أَوْ تُغَسِّلُه، فَجَاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى عَانَقَهُ وَقَبَّلَه، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَحْبِبْهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحبُّهُ)). قالَ سُفيَانُ: قَالَ عُبَيد اللَّهِ: أَخْبَرَنِي أَنَّه رَأَى نَافِعَ بْنَ جُبَيرٍ أَوْتَر بِرَكْعَةٍ. [الحديث ٢١٢٢ - طرفه في: ٥٨٨٤]. ٢١٢٢ - قوله: (السِّخَابٍ): في الأصل عصارة الشجرة (آنوله) يُحِظُون فيه الطيب، ثم يَتَّخِذُون منها قِلَادةً، وترجمة ((اللُّكَع)): "باجى". ٢١٢٣ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ: حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ: حَدَّثَنَا مُوسى، عَنْ نَافِع: حَدَّثَنَا ابْنُ عُمَرَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ◌َِّ، فَيَبْعَثُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَمْنَعُهُمْ أَنْ يَبِيعُوهُ حَيثُ اشْتَرَوْهُ، حَتَّى يَنْقُلُوه حَيثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ. [الحديث ٢١٢٣ - أطرافه في: ٢١٣١، ٢١٣٧، ٢١٦٦، ٢١٦٧، ٦٨٥٢]. ٢١٢٤ - قالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: نَهَى النَّبِيُّ نَّهِ أَنْ يُبَاعَ الطَّعَامُ إِذَا اشْتَرَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. [الحديث ٢١٢٤ - أطرافه في: ٢١٢٦، ٢١٣٣، ٢١٣٦]. ٢١٢٣ - قوله: (حتى يَنْقُلُوه) ... إلخ، تمسَّك به الشافعيةُ على اشتراط النقل في القبض. قلنا: كيف وقد وَرَدَ فيه ألفاظٌ متغايرةٌ: ففي لفظٍ: ((حتى يَسْتَوْفِيه))، كما عند البخاري. وفي لفظٍ: : ٤٣٥ كتاب البيوع ((حتى يَقْبِضَه)). فلم يتعيَّن لفظُ النقل، لنجعله مَدَارًا. والوجه عندي أن الكلَّ جائزٌ، كالواجب المخيّر، والمناطُ فيها النَّخْلِيَة. وقد مرَّ: أن الأحوطَ عند اختلاف الألفاظ العملُ بالقدر المشترك، وهو التَّخْلِيَة، فالنقلُ نوعٌ منه، لأن القبضَ مُنْحصِرٌ فيه. على أنا نقول: إن النبيَّ ◌َِّ أمرهم بالنقل تعزيرًا لهم، لأنهم كانوا يتلقُّون الرُّكْبَان)، قبل أن يَنْزِلُوا السوق، فنهاهم أن يتلقُّوا الجَلَبَ، وأَلْزَمَ عليهم النقل تعزيرًا، كما يَدُلُّ عليه ما عند البخاريِّ في باب ما يُذْكَرُ فِي بَيْعِ الطعام ... إلخ، قال: ((رأيت الذين يشترون الطعام مجازفةٌ يُضْرَبُون على عهد رسول الله ◌َ أنَ يَبِيعُوه، حتى يُؤَدُّوهُ إلى رِحَالهم))، ونحوه في باب من رَأَى إذا اشترى طعامًا جِزَافًا اهـ. والحاصلُ أنه إذا اختلفت الألفاظ، آل الأمرُ إلى الاجتهاد. ٥٠ - بابُ كَرَاهِيَةِ السَّخَبِ في السُّوقِ ٢١٢٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ: حَدَّثَنَا فُلَيحٌ: حدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قُلتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولٍ اللَّهِ وَه فِي التَّوْرَاةِ، قالَ: أَجَلَ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بَبَعْضٍ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ: [الأحزاب: ٤٥] وَحِزَّزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ ﴿يَّأَيُّهَا النَِّىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَثِيرًا وَنَذِيرًا ٤٥ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيتُكَ المُتَوِكِّلَ، لَيسَ بِفَظْ وَلَا غَلِيِظِ، وَلَا سَخَّابٍ فِيِ الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَّنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجاء، بِأَنْ يَقُولُواَ: لَا إِلَّهَ إِلَّ اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنَا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمَّا، وَقُلُوبًا غُلِفًا. تَابَعَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ هِلالٍ. وَقَالَ سَعِيدٌ: عَنْ هِلالٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ سَلَامٍ: غُلِفٌ: كُلُّ شَيءٍ فِي غِلَافٍ، سَيفٌ أَغْلَفُ، وَقَوْسٌ غَلفَاءُ، وَرَجُلٌ أَغْلِفُ: إِذَاَلَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا. [الحديث ٢١٢٥ - طرفه في: ٤٨٣٨]. ٢١٢٥ - قوله: (لَقِيتُ عبد الله بن عمرو بن العَاصِ)، وكانت عنده صحيفة الأحاديث، سمَّاها صادقةً، وكان من علماء التوراة. قوله: (إنه لموصوف في التوراة). واعلم أن التوراةَ كانت كتابًا كبيرًا، إلَّا أنها الآن اسمٌ للصُّحُف الخمسة التي نزلت على موسى عليه السلام، ومنها ((الاستثناء))، وهذا غلطٌ في الاسم. وقد يُقَال له: ((التثنية))، و((المثنَّى)) أيضًا، وهذان صحيحان في الجملة. وإنما سُمِّيَ بهما لتكرار الأحكام فيه، فصحَّ عليه إطلاق ((المثنَّى)). أمَّا إطلاق ((الاستثناء))، فلا معنى له لههنا. ثم إن التوراةَ في مصطلح أهل الكتاب اشتهرت في كل صَحِيفَةٍ نزلت بعد موسى عليه السلام إلى ملاكي عليه الصلاة والسلام، وهو المراد لههنا. لأن ما ذكره من صفة رسول الله وَّيم أصله في الإصحاح الاثنين والأربعين تقريبًا، من صَحِيفة شَعْيَاء عليه الصلاة والسلام، وليست في الأَسْفَار الخمسة، كذا عن وَهْبٍ بن مُنَبِّه . وهكذا وقع في إطلاق الإِنجيل، فإنه اسمٌ عند أهل الإِسلام لما أُعْطِي عيسى عليه السلام. وأمَّا عند النَّصَارى، فهم يُطْلِقُونَه على مجموعةٍ عندهم، فيها كلام الحَوَارِيِّين وغيرهم أيضًا. فإن ٤٣٦ كتاب البيوع الاثنين منهم ليسا من الحَوَارِيِّين، نعم، وآخران حَوَارِيَّان. أما بولوس فكان فلسفيًا، أراد إفساد الدين العِيسوي . ثم هُهنا إشكالٌ، وهو أن القرآن يُصَدِّقُ الكِتَابَيْنِ، مع أنهما لم يكونا في زمن نزوله إلَّا محرَّفَيْنٍ. وقد أجاب عنه ابن حَزْم في ((الملل والنحل))، والحافظ ابن تيمية، ومولانا رحمه الله في ((الاستفسار)»، ولي أيضًا جوابٌ، ذكرته في محلّه. ٥١ - بابُ الكَيلِ عَلَى البَائِعِ وَالمُعْطِي ﴾ [المطففين: ٣] يعني: كَالُوا لَهُمْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كَالُوَهُمْ أَو ◌َزَنُوُهُمْ يُخْسِرُونَ أَوْ وَزَنُوا لَهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ [الشعراء: ٧٢]: يَسْمَعُونَ لَّكُمْ. وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َةِ: ((اكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا)). وَيُذْكَرُ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ قَالَ لَهُ: ((إِذَا بِعْتَ فَكِلْ، وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ)). ٢١٢٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَهِ قَالَ: ((مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَّ يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ)). [طرفه في: ٢١٢٤]. ٢١٢٧ - حدّثنا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَام وَعَلَيهِ دَينٌ، فَاسْتَعَنْتُ النَّبِيَّ ◌َلْ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَضَعوا مِنْ دَينِهِ، فَطَلَبَ النَّبِيُّ ◌َهِ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َِّ: ((اذْهَبْ فَصَنَّف تَمْرَكَ أَصْنَافًا، العَجوَةَ عَلَى حِدَةٍ، وَعِذْقَ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ أَرْسِل ◌ِلَيَّ)). فَفَعَلتُ، ثُمَّ أَرْسَلتُ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّهِ فَجَاءَ فَجَلَسَ عَلَى أَعْلِاهُ أَوْ فِي وَسَطِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((كِلْ لِلقَوْمِ)). فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمُ الَّذِي لَهُمْ وَبَقِيَ تَمْرِي كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيءٌ. وَقَالَ فِرَاسٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: حَدَّثَنِي جابِرٌ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ: فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّاهُ. وَقَالَ هِشَامٌ، عَنْ وَهْبٍ، عَنْ جابِرٍ: قالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((جُذَّ لَهُ، فَأَوْفٍ لَهُ)). [الحديث ٢١٢٧ - أطرافه في: ٢٣٩٥، ٢٣٩٦، ٢٤٠٥، ٢٦٠١، ٢٧٠٩، ٢٧٨١، ٣٥٨٠، ٤٠٥٣، ٦٢٥٠]. في ((القُدُوري)): أن من اشترى مَكِيلًا مُكَايَلَةً، أو مَوْزُونًا موازنةً، فاكْتَالَهُ، أو اتَّزَنَهُ، ثم باعه مُكَّايَلَةٌ، أو مُوَازنةً لم يَجُزْ للمشتري منه أن يَبِيعَه، ولا أن يأكلَه حتى يُعِيدَ الكيلَ والوزنَ. اهـ. وظاهره وجوبُ الكَيْلِ ثانيًا، ولو كَالَهُ البائعُ بحضور المشتري أيضًا. إلَّا أن في ((الهداية)): إن الكَيْلَ إن كان بعد الإِيجاب والقَبُول بحضرة المشتري، أَغْنَى عن كَيْلِهِ لنفسه ثانيًا، وإن كان بغَيْبَةٍ لا بُدَّ له من إعادة الكَيْلِ. وعلَّله باحتمال أن يَزِيدَ على المشروط، وذلك للبائع، والتصرُّفُ في مال الغير حرامٌ، فيجبَ لَه الكَيْلُ، لِيَحْتَرِزَ عنه، بخلاف ما إذا كَالَهُ بحضرته، لأن به يَصِيرُ البيعُ معلومًا . قلتُ: وهذا غير متجهٍ عندي، لأنَّا لو اعتبرنا مثل هذه الاحتمالات، لَزِمَ أن لا يَجُوزَ ٤٣٧ كتاب البيوع التصرُّفُ فيما إذا كان بحضرته أيضًا. فإن الاحتمالَ لا ينقطع إلَّا إذا كَالَّهُ هو بنفسه، بل لا ينقطع إذ ذاك أيضًا، فلا مُعْتَبَرَ به. فالذي يتبيّن أن المشتري إن اعتمد على كَيْلِ البائع، جاز له أكله بدون إعادة الكَيْلِ، سواء كان بحضرته، أو بِغَيْتِهِ. أما قوله وَلّ: ((نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصَّاعَان: صاعُ البائع، وصاعُ المشتري))، رواه ابن ماجه، فقد حمله صاحب ((الهداية)) على تعدُّد الصَّفْقَتَيْنِ، وإن كان المُتَبَادَرُ منه أن يكونَ الصاعان فيه في صفقةٍ واحدةٍ. وتقريرُه: أن رجلًا إذا اشترى طعَامًا مُكَايَلَةً، واكْتَالَهُ بحضرة رجلٍ يُشَاهِدُه، فأراد الرجلُ أن يشتري منه ذلك الطعام، عليه أن يُعِيدَ الكَيْلَ على الحديث، لأنّه صفقةٌ مستقلةٌ، فلا مُعْتَبَرَ بكَيْلِهِ - أي كيل بائعه، وهو المشتري الأول - بل عليه أن یکِیلَه ثانیًا . قلتُ: ولي فيه أيضًا نظرٌ، وهو: أنه إذا كان هناك ثالثٌ يُشَاهِدُ الكَيْلَ، فاشتراه، كفاه عن إعادة الكَيْلِ عندي، لأن المطلوبَ كون المبيع معلومًا، وقد حَصَل. نعم إن كَالَهُ يُسْتَحَبُّ له ذلك، فلا حاجةَ إلى تعدُّد الكيل في الصفقتين أيضًا. ثم اعلم أن صاحبَ ((الهداية)» حمل حديث جَرَيَان الصَّاعَيْنِ على اجتماع الصفقتين، كما صوَّرْنا، وهو معنى قوله: إذا بِعْتَ فكِلْ، وإذا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ. فالكيلان في صفقتين، كما في حديث ابن ماجه المارِّ آنفًا. وأَمَّا إذا كانت الصَّفْقَةُ واحدةً، فلا حاجةً إلى الكَيْلِ ثانيًا، بل كَفَاهُ كيل البائع إن كان بحضرته عند صاحب ((الهداية))، وعندي مطلقًا إذا اعْتَمَدَ عليه. ومنهم من حمله على الصفقةِ الواحدةِ، فقال: إن المشتري إذا تصرَّف في الطعام الذي كَالَهُ البائعُ بحضرته، لم يَجُزْ لأجل هذا الحديث، وعليه أن يَكِيلَه ثانيًا، وهذا خطأً (١). ٥٢ - بابُ ما يُسْتَحَبُّ مِنَ الكَيلِ ٢١٢٨ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسِى: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكْرِبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قالَ: ((كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ». ٢١٢٨ - قوله: (كِيلُوا طَعَامَكُم) ... إلخ. وهذا فيما يَأْخُذُ للأكل، أمَّا كيلُ جميع ما في الإِناء، فَمُمْحِقٌ للبركة(٢). (١) قلتُ: وقد صَعُبَ علي فَهْم مراده من هذا الموضع، وأوضحته حسب ما فَهِمْتُه بعد مراجعة ((الهداية وشروحها)) فإن اتَّضَحَ لك أيضًا فذاك، وإلَّا فَرَاجِعْ المسألةَ أولًا من («الهداية»، وأَمْعِن النظرَ فيه، يَنْجلي لك الحالُ إن شاء الله تعالى. (٢) قلتُ: إن البركةَ إنما تَنْزِلُ على المجموع، فإذا فُصِلَ انقطعت، كما رُوِيَ: ((أن النبيَّ ◌ََّ دعا لأبي هُرَيْرَة تمرًا، ثم جَمَعَهُ ودعا فيه، وأمره أن يأْخُذَ منه، يَكْسِرَه)). وكذلك هدى في الطعام: أن يُؤْكّلَ من بين يديه، فإن البركةَ تَنْزِلُ في الوسط، وكذا في الجماعة. = ٤٣٨ كتاب البيوع ٥٣ - بابُ بَرَكَةٍ صَاعِ النَِّيِّ ◌ََّ وَهُدِّهِ فِيهِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ وََّ. ٢١٢٩ - حدّثنا مُوسى: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيم الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيدٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهُ: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةً وَدَعا لَهَا، وَحَرَّمْتُ المَدينَةَ كما حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَة، وَدَعَوْتُ لَهَا في مُدِّهَا وَصَاعِهَا مِثْلَ ما دَعَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلامُ لِمَكَّةَ)). ٢١٣٠ - حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّرِ قالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَّهُمْ فَي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ)). يَعْنِي أَهْلَ المَدِينَةِ. [الحديث ٢١٣٠ - طرفاء في: ٦٧١٤، ٧٣٣١]. وقد مرَّ الكلامُ فيه، وأنه ثَبَتَ الصاعان في عهد النبيِّ وَِّ ثبوتًا لا مردَّ له، وأن صاعَنا شَاعَتْ في زمن عمر، وأنه من ثمرات بركة دعاء النبيِّ وَّهَ. وهو بالحَفْنَات: ستُ حَفْنَاتٍ، كما أن صاعَ الشافعية بقدر أربع حَفْناتٍ متوسطةٍ . ٥٤ - بابُ ما يُذْكَرُ في بَيعِ الطَّعَامِ وَالحُكْرَةِ ٢١٣١ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ ثم اعلم أن البركةَ تَتَعَلَّقُ من عالم الغيب، ويُنَاسِبُه الستر، فإذا هُتِكَ سترُها ارتفعت، فبكَيْلِ المجموعِ يَنْكَشفُ السّر. = أَلاَ ترى أن ما رُوِيّ من قصة امرأة باتت ساغبة، فذهب زوجها لِيَكْتَسِبَ شيئًا، فجلست تعده على الرَّحِى، فَأَدَارَتْهُ، فوجدت فيه دقيقًا، حتى إذا رفعته انقطع. وكذلك: ((أمر النبيُّ بَّ مولاه، أن يُنَاولَه الذراع، حتى إذا نَاوَلُه الذراعان، قال: إنما للشاة ذراعان، فقال: لو ناولتها لناولت ذراعًا فذراعًا». وهكذا يكون بأرباب الحقائق، فإنهم إذا حَكُوا عن أحوالهم بين كلِّ صغيرٍ وكبيرٍ، جليلٍ وحقيرٍ، ربَّما تَنْقَطِعُ عنهم تلك الأحوال. فالحاصلُ: أن تلك الأمور مبناها على الستر، وعدم التعرُّض منه، وعدم السؤال عليه: بكيف؟ ولِمَ؟ هكذا فَهِمْتُ من طريق الشيخ مع الإِيضاح، وذكر الشواهد مني. وإنما أَطَلْتُ الكلامَ فيه للتنبيه على أن هذا بابٌ مستقلٌّ، وله طريقٌ مستقلٌّ، وقد رُوِعي ذلك الطريق في تلك المواضع. ومن هذا الباب: ما رُوِي في بركة الطعام عن النبي ◌ََّ. ثم إني أجدُ أن التقديرَ جرى في مثلها أن لا تبقى تلك الأشياء إلى الأبد، بل تَنْعَدِمُ، إمَّا بِغَفْلَةٍ منه، أو بأمرٍ سماويٍّ. فَسَقَطَ خاتمُ النبيِّ يَّر في البئر في زمن عثمان، ثم لم يُوجَد. وفُقِدَ جِرابُ أبي هريرة يوم استشهد عثمان، وفيه يقول: للناس همٍّ، ولي همَّان بينهم: فقدُ الجِرَابِ، وقَتْلُ الشيخ عثمانا ورفعت المرأةُ رحاه. ولم يُنَاوله مولاه ذراعًا آخر، بعد الذراعين. وكَالَت عائشةُ ما في بيتها، ففني زادها. وأمسك الصحابيُّ عن قراءة سورة الكهف، فارتفعت السَّكِينَةُ. وربط النبيُّ نَّ الشيطانَ، جاءه في صورة هِرَّة، فتذكَّر دعوة سليمان عليه السلام، فأرسله. وأراد أن يأْخُذَ عنقودًا من الجنة حين تمثّلت، ثم لم يأخذها. وأُغطي علم ليلة القدر، ثم نُسِّيَ. وأين تابوت السكينة؟ وأين قرنا كبش اللتين كانتا في البيت؟ وأمثال ذلك كثير، لم نُرِدَ إحصاءها، فعليك باستخراجها من مظانِّها . ٤٣٩ كتاب البيوع الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: رَأَيْتُ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مُجَازَفَةً، يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ نَّ أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحالِهِمْ. [طرفه في: ٢١٢٣]. ٢١٣٢ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا وُهَيِبٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ نَهِى أَنْ يَبِيعَ الرَّجَلُ طَعَامًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. قُلِتُ لإِبْنِ عَبَّاسٍ: كَيفَ ذَاكَ؟ قالَ: ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ، وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ. قَالَ أَبُو عَبْدٍ اللّهِ: ﴿مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦] مُؤَخَّرُونَ. [الحديث ٢١٣٢ - طرفه في: ٢١٣٥]. ٢١٣٣ - حدّثني أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: قالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ)). [طرفه في: ٢١٢٤]. ٢١٣٤ - حدّثنا عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا سُفَيَانُ: كَانَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ يُحدِّثُهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مالِكِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ قالَ: مَنْ عِنْدَهُ صَرْفٌ؟ فَقَالَ طَلحَةُ: أَنَا حَتَّى يَجِيءَ خازِنْنَا مِنَ الغَابَةِ. قالَ سُفَيَانُ: هُوَ الَّذِي حَفِظْناهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ لَيسَ فِيهِ زِيادَةٌ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ: أَنَّه سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّهُ: يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِوَ قَالَ: ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًّا إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ، والتَّمْرُ بِالثَّمْرِ رِبًّا إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ)). [الحديث ٢١٣٤ - طرفه في: ٢١٧٠، ٢١٧٤]. قوله: (والحُكْرَةِ) وهي في الفِقْهِ اسمٌ لِحَبْسِ الأشياء التي تحتاج إليها العامةُ، وراجع التفصيل من الفِقْهِ . ٢١٣١ - قوله: (قال: رَأَيْتُ الَّذِين يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مُجَازَفَةٌ يُضْرَبُون على عهد رسول الله ◌َ﴾). قد عَلِمْتَ فيما سَبَقَ أنه قرينةٌ على أن اشتراط النقل كان تعزيرًا لهم، وإليه أشار البخاريُّ في الباب الآتي في الصحيفة الأخيرة، حيث قال: باب من رأى إذا اشْتَرَى طعامًا جِزَافًا أن لا يَبِيعه حتى يَؤْدِيَهُ إلى رَحْلِهِ، والأَدب في ذلك. انتهى. والأدبُ هو التعزيرُ(١). واعلم أن الطعامَ عند الشافعيِّ متميِّزٌ في الأحكام من سائر المكيلات، والمَوْزُوْنَات. وأما عند السادة الحنفية، فكلُّها من بابٍ واحدٍ. ٢١٣٢ - قوله: (قلتُ لابن عبّاسٍ: كَيْفَ ذَاكَ)، أي ما وجهُ النهي عنه. قوله: (ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ، والطَّعَامُ مُرْجَأٌ)، أي إذا اشترى من إنسانٍ طعامًا بدِرْهَمٍ إلى (١) قلتُ: وفيما ضَبَطَهُ مولانا عبد القدير الفاضل المذكور في المقدمة من كلام الشيخ رحمه الله: أن الضربَ كان تعزيرًا على تلقّي الجَلَب، وليس على شرائهم مُجَازَفَةً، لأنه جائزٌ اتفاقًا. فهذه قرينةٌ على أن أمر النقل من قبيل التعزير. اهـ . وعلى هذا لا حاجةً إلى التأويل الذي ذكرنا في كلام الشيخ. ٤٤٠ كتاب البيوع أجلٍ، ثم باعه، فهل له أن يَقْبِضَ بدِرْهَمَيْن؟ فذلك في التقدير بيع دِرْهَم بدرهمين، والطعام مُرْجَأٌ، أي غائبٌ، فلا بُدَّ في البيع من استيفاء الطعام. ٢١٣٤ - قوله: (مَنْ عِنْدَه صَرْفٌ)، أي ذهبٌ وفِضَّةٌ، ويريد الصَّرْفَ فيه . ٥٥ - بابُ بَيعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَبَيعِ ما لَيسَ عِنْدَكَ ٢١٣٥ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفيانُ قالَ: الَّذي حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: أَمَّا الَّذِي نَهىَ عَنْهً النَّبِيُّ وََّ فَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيءٍ إِلَّا مِثْلَهُ. [طرفه في: ٢١٣٢]. ٢١٣٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ وََّ قَالَ: ((مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ)). زَادَ إِسْمَاعِيلُ: ((مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ)). [طرفه في: ٢١٢٤]. ٢١٣٥ - قوله: (لا أَحْسِبُ كُلَّ شيءٍ إِلَّا مِثْلَهُ) وظاهرُ عبارته تُوَافِقُ محمدًا في عدم جواز التصرُّف في المبيع قبل القبض مطلقًا. وأمَّا عند الشيخين، فيَصِحُّ في العَقَار دون المنقولات، لأن العَقَار لا يَسْرِي إليه الهلاك. قال المحشي: اختلفوا في بيع المبيع قبل القبض، فقال الشافعيُّ: لا يَصِحُ سواء كان طعامًا أو عَقَارًا، وقال أبو حنيفة: يجوز في العَقَار، وقال مالك: لا يجوز في الطعام، ويجوز فيما سواه، كذا قاله الطيبيُّ. واعلم أن الاختلافَ المذكورَ إنما هو في البيع خاصةً، لا في سائر التصرُّفات، لأنهم جوَّزُوا الهِبَة والتصدُّقَ قبلِ القبض، كما في ((النهاية)) و((البحر)) عن محمد. ولذا تَرَى أربابَ المتون لم يَضَعُوا المسألةَ إلَّا في البيع. ففي («الهداية»: من اشترى شيئًا مما يُنْقَلُ ويُحَوَّلُ، لم يَجُزْ له بيعه، حتى يَقْبِضَهُ. ويجوزُ بيع العَقَار قبل القبض عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وقال محمد: لا يَجُوزُ. وهذا القدرُ مُجْمَعٌ عليه، وإن اختلفوا في صور القبض. ٥٦ - بابُ مَنْ رَأى إِذَا اشْتَرَى طَعَامًا جِزَافًا أَنْ لاَ يَبِيعَهُ حَتَّى يُؤْوِيَهُ إِلَى رَحْلِهِ، وَالأَبِ في ذلِكَ ٢١٣٧ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ ابْنَ غْمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: لَقَدْ رَأَيَتُ النَّاسَ فَي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ يَبْتَاعُونَ جِزَافًا، يَعْنِي الطَّعَامَ، يُضْرَبُونَ أَنْ يَبِيعُوهُ في مَكانِهِمْ، حَتَّى يُؤْؤُوهُ إِلَى رِحالِهِمْ. [طرفه في: ٢١٢٣].