النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ كتاب البيوع نَظْرَةٌ أخرى إلى معنى التَّوَفِي واعلم أن نسبةَ المفهوم إلى المِصْدَاق قد تكون كنسبة الإِنسان إلى زيد، فإن زيدًا عينٌ مُبْصِرٌ وُضِعَ بإِزائه هذا المفهوم، وهو ذاتيٌّ له. وقد تكون كنسبة الضاحك إلى زيدٍ، فإنه خارجٌ عن حقيقته، عَرَضيٍّ له، إلَّا أنه ذاتيٍّ للحصّة التي عُرِضَتْ له من الضَّاحِكِيَّة. فمن قال: إن الضَّاحِكَ عَرَضِيٍّ له، نَظَرَ إلى زيد الكل، ومن جَعَلَهُ ذاتيًا له، نَظَرَ إلى حصة الضَّاحِكِيَّة. وهذا معنى ما قالوا: إن الكليَّ نوعٌ لحصصه، فإنه وإن كان عَرَضيًّا للكلِّ، ولكنه ذاتيٌّ للحصّة التي في الكلِّ من هذا الكليِّ كما أن الضَّاحِكِيَّةَ متحقِّقةٌ في زيدٍ، ولا ريب أن هذا الكليّ ذاتيٌّ لها . فالحاصلُ: أن الإِنسانَ، والضاحك وإن كانا مُتَغَايِرَان مفهومًا، لكنهما متَّحِدَان مِصْدَاقًا . وذلك لأن مِصْدَاقَهُمَا لمَّا كان عينًا مُبْصِرًا لم يَتَحَصَّل فيه التَّغَايُر، واتحدا في المِصْدَاقِ. هذا في أسماء الأعيان، أمَّا في أسماء المعاني، فلا تَغَايُرَ بين مفاهيمها ومصادقيها، فما هو مفهومه؟ هو مِصْدَاقُه، والذي هو مِصْدَاقُه هو مفهومُه وحقيقتُه. بخلاف أسماء الأعيان، فإن المفهومَ والِمِصْدَاقَ فيها مُتَغَايِرَان. إذا عَلِمْتَ هذا، فاعلم أن التَّوَفِّي من أسماء المعاني، فمفهومُه ومِصْدَاقُه واحدٌ. فمن قال: إن مِصْدَاقَه الموتُ، أو الرفعُ، فقد حَادَ عن الصواب، لأن له حقيقةً ومفهومًا في الخارج، وهو مِصْدَاقُهُ، وهذا المفهوم زائدٌ على معنى الموت، والرفع. نعم أينما يتحقَّقُ الموت أو الرفع، يتحقَّق هناك التوفِّي أيضًا لا بمعنى أن الموتَ أو الرفعَ هو التوفِّي، بل بمعنى أنه حقيقةٌ جامعةٌ مع الموت والرفع. فهو متحقِّقٌ في لهذين بحقيقته التي هي حقيقتُه، وهي زائدةٌ على الموت. وتوضيحُهُ: أنَ التوفِّي وُضِعَ للأخذ وافيًا، وهذا المعنى يتحقَّق ويجتمع مع الموت والرفع أيضًا، بمعنى أن الأخذَ يتحقَّقُ في الموت والرفع أيضًا. فالتوفِّي له مفهومٌ، وله مِصْدَاقٌ في الخارج، وكذا الموت والرفع، لهما مفهومان ومِصْدَاقان، ومفاهيمُ الكلِّ ومصاديقها مُتَغَايِرَةٌ. وليس كأسماء الأعيان، فإنها تَتَغَايَرُ مفهومًا، وتتحد مِصْدَاقًا. بخلاف أسماء المعاني، فإن مفاهيمها إذا كانت هي مصاديقها لَزِمَ التَّغَايُرُ بين مصاديقها لا مَحَالَةً. فمن قال: إن مِصْدَاقَ التوفِّي والموت، أو التوفِّي والرفع واحدٌ، فقد أخطأ، لأن مِصْدَاقَ التوفِّي هو مفهومُه، وهو متحقِّقٌ في الخارج بحقيقته ومعناه، وهكذا الموت والرفع. نعم يُقَالُ: إن التوفِّي مجامعٌ للموت أو الرفع، متى تحقَّق الموتُ أو الرفعُ، تحقَّق معه التوفِّي أيضًا. فما قاله الرازي: إن التوفِّي نوعٌ، والموتَ والرفعَ من جزئياته، كلامٌ ظاهريٌّ. أو يكون أراد منه ما قُلْنَا. والتحقيقُ أن التوفِّي أمرٌ زائدٌ على معناهما، نعم قد يتحقَّقُ مع الموت، وقد يتحقَّقُ مع الرفع، فله مفهومٌ مُغَايِرٌ، ومِصْدَاقٌ مُغَايِرٌ، إلَّا أنه لمَّا كان من أسماء المعاني لم يتبيَّن التَّغَايِرُ إلَّ بالاعتبار. ثم اعلم أن البليغَ إذ يختارُ عنوانًا، يختاره لمعنى يُرَاعِيهِ ويَقْصِدُهُ، ولا يكون ذلك عنده على طريق البَحْتِ والاتفاق، فتركُ ذلك العنوان إفسادٌ لمعناه المقصود. فإذا قال البليغُ: إن فلانًا ٤٠٢ كتاب البيوع أجاب ربًّا دعاه، أو لبَّى داعي الأجل، أو هلك، أو مات، أو توقِّي، إلى غير ذلك من العنوانات، يريدُ بتلك العنوانات معاني خاصة. والتركُ لعنوانه المختار، والنزول إلى الغرض، لا يكون إلَّا من الجاهل، فإنه إخلالٌ لمراده. أَلَا ترى أن في قوله: أجاب ربًا دعاه من التشريف ما ليس في قوله: هَلَكَ. فترجمتُه بالهلاك إعدامٌ، وإفسادٌ للمعنى المراد، وهذا هو الفرق بين البليغ والسوقيٍّ. وهذا معنى ما قاله أبو البقاء في ((كلياته)): التوفِّي الموتُ، وعليه استعمالُ العامة، وأخذُ الشيء وافيًا، وعليه استعمال الخاصة. أراد بذلك أن السوقيَّ لا يُبَالي بالفروق الدقيقة، ولا يُرَاعي المعاني المقصودة، بل يَنْزِلُ إلى الغرض، فَيُنْزِلُ الكلامَ من الأوج إلى الحضيض. أما البليغُ، فينظر في الفروق، ويَعْبُرُ العنوانات، ويُرَاعي المعاني المقصودة، ويَحْمِلُ الكلامَ على ما سُپكَ له. وهذا الأمرُ أهمُّ في القرآن، لبلوغه من البلاغة الذروة العليا، فإنه يُؤَدِّي الحقائقَ الغامضةً في ضمن الألفاظِ المُوجَزَةِ، كما رَأَيْتَ أنه نبّه على حقيقة الموت من لفظ التوفِّي. وكذلك في كل موضع يكون فيه لفظٌ من القرآن، تكون فيه حقيقةٌ مقصودةٌ لا تتأدَّى إلَّا به، فإذا بُدِّل ووُضِعَ مكانه آخر، فَسَدَ المعنى، وهذا أحدُ وجوه الإعجاز في القرآن عندي. والعلماء ذَكَرُوا إعجازه في الكلامِ المُرَكَّب، وادَّعَيْتُ إعجازه في المفردات أيضًا، ولقد أَدْرَكْتُهُ أو بعضه، ولا أقول ذلك إلَّا بعد الذّوْق والوجدان، لا بِحَسَبِ الاعتقاد والتقليد فقط. ولذا أقول: إن ترجمة قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] مميتك، لا يَلِيقُ بمرامي القرآن، فإنه تَرَكَ لفظ الموت قَصْدًا. ألا ترى أن اليهودَ كانوا بصدد قتله، وكانوا يُهَدِّدُونه به، فهل يُنَاسِبُه التبشير بالتوقِّي أو الإِنذار بالموت. ورَحِمَ اللهُ الزمخشريَّ حيث كان أعلم الرجال بهذا الموضوع، ففسَّره بقوله: مُسْتَوْفي أجلك. ومعناه: إني عَاصِمُكَ من أن يَقْتُلَكَ الكفار، ومُؤَخِّرُك إلى أجلٍ كتبته لك، ومُمِيتُكَ حَتْفَ أنفك، لا قتلًا بأيديهم . اهـ . فأخذه أولًا بمعنى استيفاء، ثم فصَّل ما تضمَّنه لفظ التوفِّي، وجعل الموتَ حَتْفَ أنفه من مراميه. يعني به: أن التوِّي تبشيرٌ من عصمته بالقتل، وإيذانٌ بأن الموتَ متى ما يأتي عليه يأتي من جهته تعالى، لا من أيدي هؤلاء الملاعنة. ثم قال الزمخشريُّ: وقيل: يُمِيتُكَ في وقتك بعد النزول. فانظر كيف جعل معنى الموت مقابلًا لمعنى استيفاء الأجل، مع أنه قد دَرَج فيه الموتَ بنفسه من قبل، وذلك لأنه أبقى اللفظَ على مدلوله، وهو استيفاءُ الأجل. ثم لفُّ الموت والرفع، وغير ذلك في مرتبة الغرض. فالحاصل: أنه سلَّم الموتَ في مرتبة الغرض، ومرضَه في مرتبة المدلول. ثم قوله: ((معناه)» على حدِّ قولنا: ((وحاصل الكلام)). ولفظ الغرض أيضًا ليس بجيدٍ، فاحفظه. وإن عَجِزْت أن تَفْهَمَهُ، فلك العذرُ فإن صيدَ الظباء ليس بهيِّنٍ . ٢٠٥٧ - قوله: (سَمُّوا الله عَلَيْهِ وكُلُوه)، ومرادُه: أن احملُوا حالهم على ما يَلِيقُ بالمسلمين، وأَخْسِنُوا الظنَّ بهم، وأتُوا أنتم بما هو سُنَّةٌ لكم، وهو التسميةُ عند الأكل. لا أن ٤٠٣ كتاب البيوع التسميةَ عند الأكل تُجْزِىءُ عن التسمية عند الذبح، وهذا كمال البلاغة. ومن لا يدري مخاطبات البلغاء، يَقَعُ في الخبطُ(١). ٦ - بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَمْوَّا أَنْفَضُوْاْ إِلَيْهَا﴾. [الجمعة: ١١ ] ٢٠٥٨ - حدّثنا طَلقُ بْنُ غَنَّامٍ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُصَينٍ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي (١) قلتُ: وهذا نظيرُ ما رواه أبو داود وغيره، ((قالت امرأة: إني امرأةٌ أُطِيلُ ذيلي، وأَمشِي في المكان القذر، فقالت أم سَلَمَةَ: يُطَهِّرُه ما بعده)). اهـ. فحمله بعضُهم على بيان المسألة، فقيَّدُوه بالنجاسة اليابسة، لأنه هي التي يمكن زوالها بجرِّها على طريقٍ طاهرٍ، ثم ذَكَرُوا فيه تفاصيل، بسطها المُحَشِّي. ويرد عليهم ما أخرجه أبو داود بعده: ((فكيف نفعل إذا مُطِرْنا؟ قال: أليس بعدها طريق هي أطيبُ منها؟ قالت: قلت: بلى، قال: فهذه بهذه)). اهـ. فلم يَنْفَعْ تقيدهم باليابس، لِمَا عَلِمْتَ أن الحديثَ وَرَدَ في النجاسة الرطبة أيضًا. فالوجهُ أنه من باب المحاورات، وردّ الأوهام على أبلغ وجهٍ، كأنه إنكارٌ على كون ذيلها نجسًا بجرِّها على طريقٍ لم تُشَاهِدْ به نجاسةً، فإنها لم تَذْكُرْ نجاسةً مخصوصةً تعلَّقت بذيلها، ولا شاهدتها. ولكنها لمَّا كانت تمرُّ بمكانٍ قذرٍ سَبَقَ إلى ذهنها أن ذيلَها يَقَعُ عليه، ويمكن أن تكونَ النجاسةُ تتعلَّق به. فبسبق هذه اللوازم البعيدة، والتعمُّق الشديد سألت ما سألت. ولو شاهدت نجاسةً معلّقةٌ بذيلها، لَمَا كان لها في نجاسته محل ريب وريبة. وإنما أرادت أن تَسْتَفْسِرَ عمَّا أقلقها من مشيها على المكان القذر من عدم العلم بالنجاسة المخصوصة. فأجابها: أن ذلك من باب الأوهام، فلا تَعْتَبِرُ به. وكأن طريقَ التطهير من مثل هذه النجاسات الموهومة الإِغماضُ عنها، وعدمُ الاعتداد بها. وهذا الذي أراده من قوله: ((يُطَهْرُهُ ما بعده))، لا أنه تطهيرٌ في نفسه، بل المرادُ أنا لو فرضنا تنجُسه بالمشي، فهذا تطهيره. ومالُه أنه لا حاجةً إلى تطهيره بأمرٍ آخرَ، كالغسل وغيره. وكذلك في قوله: ((سَمُّوا الله)) ... إلخ. أي ظنُّكم بأنهم لم يُسَمُّوا من باب الوَسَاوِس، وطريق ردّه أن سموه أنتم، فإن كانت التسميةُ فاتت عنهم، فقد نابت تسميتُكم عنها، فكلُوه الآن. ومالُه أن لا تتركوه بهذه الأوهام، وكلُوه، فهو من باب سدِّ الأوهام، كما وَرَدَ في الحديث: ((أن المرء يُصَلِّي، فلا يزال الشيطان يُوَسْوِسُ في صلاته، حتى يقولَ: ما صلَّيت)) - بالمعنى -، وحينئذٍ تَنْقَطِعُ عنه الوساوس. وهو أحدُ الوجوه في قوله: ((إن الماءَ طهور لا ينجِّسُه شيء)»، فإنهم لمّا زَعَمُوا أن الحيطان لم تغسل وطينها لم يَخْرُجُ، تمكَّن في صدورهم نجاستُه، فردَّه عليهم: ((أن الماء طهور لا ينجِسُه شيء)) أي شيء من نحو ما زَعَمتم من الأوهام. ويُمْكِنُ حمل قوله: ((إذا بَلَغَ الماءُ قُلْتَيْن)» ... إلخ، على هذا المعنى. أمَّا التقييدُ بالقُلَّتين، فلكونه مقدارًا معتدًّا به، لا تَظْهَرُ فيه أثرُ النجاسة. وظنُّ التنجُس في مثله من باب الأوهام، إلا أن يُشَاهِدَ نجاسته. ومن هذا القبيل قوله: ((حتى يَجِدَ ريحًا، أو يَسْمَعَ صوتًا))، كما مرَّ آنفًا. وحوله يَحُوم قوله: ((إن الماء لا يُجنِبُ))، أخرجه الترمذي في ((الطهارة))، وقوله: ((إن حَيْضَتَكِ ليت في يدك))، عنده. وأمثال ذلك غير قليل. وحاصلُ المقال: إن الحديثَ يَرِدُ على نحو تعبيرٍ، ومخاطبةٍ على العُرْفِ، فَيَحْمِلُهُ الناسُ على بيان مسألةٍ، ويأخذون بالألفاظ، فيقعون في الأغلاط. وقد مرَّ منا نظائره فيما سبق، نحو قوله بَّرَ: ((إن الذي لا يُصَلِّي صلاةَ الليل، خيرٌ من الذي يُصَلِّي، ثم يتركها))، - بالمعنى -، وقوله: ((لا تَدْعُوا على أمرائكم، فإنكم كما تكونون يُؤَمَّرُ عليكم))، وقوله: ((مثلُ أمتي كمثل المطر، لا يُذْرَى أولهم خيرًا أم آخرهم»، وغير ذلك، لو عدَّدنا جملته لأفضى الكلام إلى طويلٍ. وفي ذلك كفايةٌ للبيب. وهذا كلُّه سمعته من شيخي متفرقًا، فجمعته في موضعٍ واحدٍ، حسب ما وَسِعَ الوقت، ولم أَبْسُطْهَا كلَّ البسط. فافهم. ٤٠٤ كتاب البيوع جَابِرٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: بَينَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ وَّهَ إِذْ أَقْبَلَتْ مِنَ الشَّأُمِ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالتَفَتُوا إِلَيهَا، حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ بَّةٍ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتَْ: ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَمَوَّا أَنْفَضُّواْ إِلَيْهَا﴾. [طرفه في: ٩٣٦]. وقد مرّ منا بيانُ الوجه في انفضاضهم، وتركهم إياه قائمًا، فإنه مُسْتَبْعَدٌ من الصحابة رضي الله تعالى عنهم جدًا. ثم إن زُرَارَة بن أبي أَوْفَى، أو مسلم بن يَسَار، - الشك من الجامع - فكان إذا سَمِعَ الأذان وضع المِظْرَقَةَ كما هو، ولم يكن يَضْرِبُها، وإن كان رفعها للضرب. ٧ - بابُ مَنْ لَمْ يُبَالِ مِنْ حَيثُ حَسَبَ المَالَ ٢٠٥٩ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ قَالَ: ((يَأْتِي عَلَىّ النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يُبَالِيَ المَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الحَلَالِ أَمْ مِنَ الحَرَامِ». [الحديث ٢٠٥٩ - طرفه في: ٢٠٨٣]. ٨ - بابُ التِّجَارَةِ فِي البَرِّ وَغَيْرِهِ وَقَوْلِهِ: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيِهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ القَوْمُ يَتَبَايَعُونَ وَيَتَّجِرُونَ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا نَابَهُمْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ لَمْ تُلهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ. ٢٠٦٠، ٢٠٦١ - حدّثنا أَبُو عَاصِم، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي المِنْهَالِ قَالَ: كُنْتُ أَنَّجِرُ فِي الصَّرْفِ، فَسَأَلْتُ زَّيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ. ح. وَحَدَّثَنِي الفَضْلِ بْنُ يَعْقُوبَ: حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ: قَالَ ابْنُ جُرَيجٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَعَامِرُ بْنُ مُصْعَبٍ: أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا المِنْهَالِ يَقُولُ: سَأَلتُ البَرَاءُ بْنَ عَازِبٍ وَزَيدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَا: كُنَّا تَاجِرَينٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَه فَسَأَلِنَا رَسُولَ اللّهِ وَلِّهَ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: ((إِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ نَسَاءً فَلَا يَصْلُحُ)). [الحديثان ٢٠٦٠، ٢٠٦١ - أطرافهما في: ٢١٨٠، ٢١٨١، ٢٤٩٧، ٢٤٩٨، ٣٩٣٩، ٣٩٤٠]. وفي نسخة: بالراء المهملة وهي الأقربُ، لأنه بوَّب بُعَيْدَه بالتجارة في البحر. ٢٠٢٠، ٢٠٦١ - قوله: (إِن كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلا بَأْسَ، وإن كَانَ نَسَاءً فلا يَصْلُحُ) ... إلخ، واعلم أن المُؤجَّلَ في الفِقْهِ لمَّا كان واجبًا في الذِّمة من الديون والحقوق، والمشارُ إليه لما كان موجودًا سواء كان في المجلس أو لا، ولم يُدْرِكُهُ الناسُ، فَفَهِمُوا أن المُؤَجَّلَ ما لا يكون موجودًا في المَجْلِسِ، وليس بصحيح. فالذي لا بُدَّ منه في البيع هو التعيين، أي إيراد العقد على شيءٍ موجودٍ، وإن لم يكن عندهماً في المَجْلِسِ إلَّ في الصَّرْفِ، فإنه يُشْتَرَطُ فيه القبض. أمَّا كونه في المجلس، فليس بضروريٍّ في عامة البيوع، فاعلمه. وبعبارةٍ أخرى: إن المرادَ بالدَّيْنِ في الفِقْه: ما لا يكون موجودًا في مَجْلِسِ العقد، ولا في ٤٠٥ كتاب البيوع بيته، ومن العين: ما كان موجودًا، إمَّا في بيته أو في المَجْلِسِ. أمَّا القبضُ بالبراجم، فهو شرطٌ في بيع الصَّرْف خاصةً. وقد زَعَمَ بعضُهم أن الدَّيْنَ ما لا يكون موجودًا في مَجْلِسِ العقد، وإن کان موجودًا في بيته. وهو خلاف مرادهم، فافهم. ٩ - بابُ الخُرُوجِ فِي التِّجَارَةِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأَنَشِرُواْ فِي الْأَرْضِ وَأَبْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. ٢٠٦٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامِ: أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيج قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عُمِّيرٍ: أَنَّ أَبَا مُوسى الأَشْعَرِيَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنٍ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَمْ يُؤْذَنَّ لَهُ، وَكَأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا، فَرَجَعَ أَبُو مُوسى، فَفَرَغَ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ قَيسٍ؟ اثْذَنُوا لَهُ. قِيلَ: قَدْ رَجَعَ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِذلِكَ، فَقَالَ: تَأْتِينِي عَلَى ذَلِكَ بِالبَيِّنَةِ، فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسِ الأَنْصَارِ فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هذا إِلَّا أَضَغَرُنَا أَبُو سَعِيدٍ الخُذْرِيُّ، فَذَهَبَ بِأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، فَقَالَ عُمَرُ: أَخَفِيَ هَذَا عَلَيَّ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ؟ أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ. يَعْنِي الخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ. [الحديث ٢٠٦٢ - طرفاه في: ٦٢٤٥، ٧٣٥٣]. ٢٠٦٢ - قوله: (فقال: كُنَّا نُؤْمَرُ بذلك، فقال: تأْتِنِي على ذلك بالبَيِّنَة) ... إلخ، قال البخاريُّ أراد عمر التثُبُّت، لا أن يُخْبِرَ بخبر الواحد. وكذلك في ((موطأ مالك)) قال عمر لأبي موسى: ((أمَّا إني لم أَتَّهِمْكَ، ولكني خَشِيتُ أن يتقوَّلَ الناسُ على رسول الله ◌َِّ)). اهـ. فَدَلَّ على أنه ليس فيه مسألةُ العبرة بالخبر الواحد، وعدمها، بل أراد مزيد التثبُّت. كيف! وقد رواه عمر بنفسه عند الترمذيِّ، ولكن لمَّا لم تكن عنده زيادةُ الاستئذان ثلاثًا، أراد أن يتثبَّتها. وأخرجها البخاريُّ مُفَصَّلًا، وفيه: قال رسولُ الله ◌َِّ: ((إذا استأذن أحدُكم ثلاثًا، فلم يُؤْذَنْ له)) ... الحديث. حكاية: ذكر الطبرانيُّ حكايةً في زيادة الثقة: أن عالمًا ادَّعى أنها تُعْتَبَرُ على الإِطلاق، وأَنْكَرَهَا آخرُ، فقال من أعوان المُثْبِت واحدٌ، فَقَذَفَهُ بالأحجار حتى دفعه من المسجد. فكان المُثْبِتُ إذا لَقِيَ المُنْكِرَ يَسْأَلُه: أن الزيادةَ مقبولةٌ أو لا؟ فَيُجيبُه أمَّا بالحجر والآجُرِّ، فتفيد العلمَ والعملَ كليهما . ١٠ - بابُ التِّجَارَةِ فِي البَحْرِ وَقَالَ مَطَرُ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي القُرْآنِ إِلَّ بِحَقٌ، ثُمَّ ثَلا: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ١٢]، والفُلكُ: السُّفُنُ، الوَاحِدُ وَالجَمْعُ سَوَاءٌ. وَقَالَ مُجَاهِدُ: تَمْخَرُ السُّفُنُ الرِّيحَ، وَلَا تَمْخَرُ الرِّيحَ مِنَ السُّفْنِ إِلَّ الفُلكُ العِظَامُ. ٢٠٦٣ - وَقَالَ اللَّيثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي ٤٠٦ كتاب البيوع هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وََّ: أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، خَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضى حَاجَتَهُ، وَسَاقَ الحَدِيثَ. [طرفه في : ١٤٩٨]. حدثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ قال: حدثني الليث بهذا . وأكثرُ أئمة اللغة إلى أن البحرَ يختصُّ بالبحر المالح، وقد وَرَدَ الحديث: ((بأن تحت البحر نارًا))، مع وجود حاجة السفر فيه. وفي مثله تَتَعَارَضُ الأدلة، وتتجاذب الأطراف، فَيَرِدُ النهيُّ والإِباحةُ كلاهما. أما النهي، فنظرًا إلى المخاوف والمهالك، وأمَّا الإِباحةُ، فبالنظر إلى الحاجات. ولذا بوَّب البخاريُّ بجواز التجارة فيه. قوله: (ومَا ذَكَرَهُ الله في القُرْآن) ... إلخ، أي لمَّا ذكرها القرآنُ في موضع الامتنان، فلا يكون إلاّ حقًّا وجائزًا . قوله: (وقال مُجَاهِدُ: تَمْخَرُ السُّفُنُ الريحَ، ولا تَمْخَرُ الريحَ من السُّفُنِ، إِلَّا الفُلك العِظَامُ) اهـ . قوله: ((الريح)): مفعول به، و((السفُنُ)): فاعلٌ، وكذلك ((الريح)) في الجملة الثانية: مفعولٌ. وحاصل ما ذكره مجاهد في تفسيره قوله: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [النحل: ١٤] أن شقَّ الريح إنما يَظْهَرُ في السُّفُنِ العِظَامِ، وإلَّا فالصِغَار منها أيضًا تَشُقُّهَا عند جريها وسيرها، وإن لم يَظْهَرْ كظهوره في السُّفُنِ العِظَامِ. فلا حاجةَ إلى التقييد بالعِظَامِ، فإنه لا ريب في شقِّ الصِغَارِ أيضًا، وإن لم يَظهَر. ١١ - بابٌ ﴿وَإِذَا رَأَوَأْ تِجَرَةً أَوْ لَمَوَّا أَنفَضُوْاْ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعٌّ عَن ذِكْرِ اللهِ﴾ [النور: ٣٧]. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ القَوْمُ يَتَّجِرُونَ وَلكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا نَابَهُمْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ، لَمْ تُلهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ. ٢٠٦٤ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيلٍ، عَنْ حُصَينٍ، عَنْ سَالِمِ بْنٍ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَقْبَلَتْ عِيرٌ وَنَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ وَ الَّجُمُعَةً، فَانْفَضَّ النَّاسُ إِلَّاَ اثْنَي عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ هذهِ الآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَمْوَّا أَنْفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَّكُوَ قَابِمًا﴾ [الجمعة: ١١]. [طرفه في: ٩٣٦]. ١٢ - بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ٢٠٦٥ - حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ قالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ الَنَّبِيُّ وََّ: ((إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِّنْ طَعَامٍ بَيْتِهَا غَيرَ مُفسِدَةٍ، كَانَ لَّهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ، وَلِلخَازِنِ مِثْلُ ذلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا)). [طرفه في: ١٤٢٥]. ٢٠٦٥ - قوله: (لا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا). قلتُ: وإنما نَّه عليه، لأن الصدقةً ٤٠٧ كتاب البيوع الواحدةَ عملٌ واحدٌ، فإذا اشترك فيه متعدِّدٌ، فلعلَّه يُوَزَّعُ أجرها عليهم، ويكون لكلِّ منهم بقدر نصيبه من ذلك الأجر. فقال: إنه ليس كذلك، بل في الصدقة الواحدة أجورٌ بقدر عامليها. نعم فيها تفاوتٌ باعتبار أعمالهم، فمنهم من هو خازنٌ، ومنهم من هو مُنْفِقٌ، ومنهم من هو مالكٌ. ومن الخازن إلى المالك فرقٌ جليٍّ، فكذلك في أجورهم. ولكن يَحْصُلُ لكلِّ منهم أجره، لا أنه يُعْطِي ذلك الأجر بنقصٍ أجر أحدٍ منهم. ٢٠٦٦ - حدّثني يَحْيِى بْنُ جَعْفَرِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَلَ قَالَ: ((إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ كَسْبٍ زَوْجِهَا عَنْ غَيرِ أَمْرِهِ، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ). [الحديث ٢٠٦٦ - أطرافه في: ٥١٩٢، ٥١٩٥، ٥٣٦٠]. ٢٠٦٦ - قوله: (عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ)، أيٍ من غير أمره الصَّريح. فإنها إذا أَنْفَقَتْ مع منعه إيَّاها، لا يَحْصُلُ لها أجرٌ. إنما الأجَرُ فَيَما إذا أَنْفَقَتْ من حَبِّها، مع أنه لم يأمرها زوجُها، وقد عَلِمْتَ أيضًا أنها إن تُنْفِقْ لم يمنعها زوجُها . قوله: (نِصْفُ أَجْرهِ) ... إلخ، وهذا باعتبار أجر الرجل، فإن أجرَها الأصليَّ بالنسبة إلى أجر الرجل نِصْفٌ. أما المرأةُ، فلها تمام أجرها، والتنصيف بالنظر إلى أجر الزوج. ١٣ - بابُ مَنْ أَحَبَّ البَسْطَ فِي الرِّزْقِ ٢٠٦٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِيٍ يَعْقُوبَ الكَرْمَانِيُّ: حَدَّثَنَا حَسَّانُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ لهِ يَقُولُ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ، فَلَيَصِلِ رَحِمَهُ)). [الحديث ٢٠٦٧ - طرفه في: ٥٩٨٦]. ٢٠٦٧ - قوله: (من سَرَّهُ أن يُبْسَطَ له رِزْقُهُ، أو يُنْسَأَ له في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)، ومعنى السببية بين الصدقة وزيادة العمر: أن لأقربائه وذوي رَحِمِهِ دَخْلٌ فِي وَجوده، فإذا خَدَمَهُمْ وتصدَّق علیهم بُورِكَ في عمره. والحاصل: أن لوجودهم دَخْلٌ في وجوده، فلمواساته أيضًا يكون تأثيرًا في زيادة عمره، بقيت مسألةُ طول العمر، فكلّها في المواطن التحتانية. أمَّا في أم الكتاب، فالأمرُ واحدٌ بلا زيادةٍ ونقصانٍ: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِثُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ ﴾﴾ [الرعد: ٣٩]، فالمحوُ والإِثباتُ في موضعٍ، والأجل المُسَمَّى في موضع آخر(١). (١) قلتُ: وتقريره على ما فَهِمْتُه: أن للأشياء أسبابًا يكون لها دَخْلٌ وتأثيرٌ فيها، كالمرض مثلًا، فإن له أسبابًا وعِللاً، يترتَّبُ عليها وجودُه وعدمُه، وكذلك الصحة مثلًا. فَيُقَال: أكلنا ذلك الدواء فبَرِثْنَا، ويُقَالُ لمن لم يأكله: إنه لو أكله لشَفَاه، ولكنه لم يَأْكُلْه فمات. وعلى نظائر تلك الأسباب أسبابٌ معنويةٌ، ليس لنا بها خبرٌ. فنَّه عليها الشرع، وقال: كما أن للشفاء أسبابًا ظاهرةً، كذلك له أسبابٌ باطنةٌ أيضًا. فكما يُقَالُ في تلك الأسباب: إن فُلَانًا أَكَلَ هذا الدواء فَعُوني، وفلانًا آخر لم يأكله فمات، كذلك يُقَالُ في الأسباب الباطنة: إن فُلانًا تصدَّق مثلًا، فَنُسِأَ له في عمره، ورُدَّ عنه البلايا التي لو لم يتصدَّق لابتلي بها، وفلانٌ لم يفعله فمات. = ٤٠٨ كتاب البيوع ١٤ - بابُ شِرَاءِ النَّبِيِّ وَ بِالنَّسِيئَةِ ٢٠٦٨ - حدّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَم، فَقَالَ: حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َُّ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُوَدِيّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ. [الحديث ٢٠٦٨ - أطرافه في: ٢٠٩٦، ٢٢٠٠، ٢٢٥١، ٢٢٥٢، ٢٣٨٦، ٢٥٠٩، ٢٥١٣، ٢٩١٦، ٤٤٦٧]. ٢٠٦٩ - حدّثنا مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ (ح). وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ أَبُو الْيَسَعِ البَصْرِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ مَشى إِلَى النَّبِيِّ وَّهُ بِخُبْزِ شَعِيرٍ، وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ ◌َهْ دِرْعًا لَهُ بِالمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيّ، وأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((ما أمْسى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ نََِّّ صَاعُ بُرّ، وَلَا صَاعُ حَبّ، وَإِنَّ عِنْدَهُ لَتِسْعَ نِسْوَةٍ)). [الحديث ٢٠٦٩ - طرفه في: ٢٥٠٨]. ٢٠٦٨ - قوله: (الرَّهْنَ في السَّلَم)، والله تعالى يَعْلَمُ أنه كان هناك سَلَمًا أم لا، فإن الراوي قد يُطلِقُهُ على البيع المطلق بمجرد كون الثمن فيه نَسِيئً. ١٥ - بابُ كَسْبِ الرَّجُلِ وَعَمَلِهِ بِيَدِهِ ٢٠٧٠ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِيِ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ اِبْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُوَ بَكْرِ الصِّدِّيقُ قالَ: لَّقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مَؤُونَةٍ أَهْلِي، وَشُغِلتُ بِأَمْرِ المُسْلِمِينَ، فَسَيَأْكُلُ آلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هذا المَالِ، وَيَحْتَرِفُ لِلمُسْلِمِينَ فيه. ٢٠٧١ - حدّثني مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ نَّهِ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ يَكُونَ لَهُمْ أَرْوَاحٌ، فَقِيلَ لَهُمْ: (لَوِ اغْتَسَلْتُمْ)). رَوَاهُ هَمَّمٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. [طرفه في: ٩٠٣]. فالصدقة من الأسباب المعنوية التي لها تأثيرٌ في ازدياد عمره، فإنه إذا سَعَى في ازدياد راحة الأقرباء، جُوزِيَ بازدياد = عمره، فلخدمتهم تأثيرٌ في بركة عمره. كما أن لخدمة الأستاذ تأثيرٌ في زيادة العلم، وذلك مشهورٌ في العُرفِ: أن خدمةَ الأستاذ تُوجِبُ البركة في العلم. وفي ذلك حكايةٌ في ((كتاب العالم والمتعلم)) وهي: أن شمسَ الأئمة الحلواني مَرِضَ مرةً، فجاء تلامذته يَعُودُونَهُ غير رجلٍ منهم، فلمًّا جاء سأله عن سبب تأخيره. فقال له: إن أمي كانت مريضةً، ولم يكن هناك أحدٌ يمرُّضُها غيري، فتحمَّلْتُ لها هذا النصب، وتأخّرْتُ عنك لهذا السبب. فقال له السَّرَخْسِيُّ: يُزَادُ لك في عمرك، ولا يُزَادُ لك في علمك. ولم يَقُلْهُ عن سَخْطَةٍ منه، بل لأن خدمةَ الأم مُؤَثْرَةٌ في زيادة العمر، وخدمَة الأستاذ مُؤَثّرةٌ في زيادة العلم. ٤٠٩ كتاب البيوع ٢٠٧٢ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى: أَخْبَرَنَا عِيسِی بنُ يُونسَ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ المِقْدَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فَهِ قَالَ: ((مَا أَكَلَ أُحَدٌ طَعَامًا فَظّ خَيرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ عَمَلٍ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلٍ يَدِهِ). ٢٠٧٣ - حدّثنا يَحْيى بْنُ مُوسى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبّهٍ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ: ((أَنَّ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ كَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّاَّ مِنَ عَمَلِ يَدِهِ)). [الحديث ٢٠٧٣ - طرفاه في: ٣٤١٧، ٤٧١٣]. ٢٠٧٤ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((لأَنْ يَخْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا، فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ)). [طرفه في: ١٤٧٠]. ٢٠٧٥ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ مُوسى: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الزُّبَيرِ بْنِ العَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسَّأَلَ النَّاسَ)). [طرفه في: ١٤٧١]. ٢٠٧٠ - قوله: (لمَّا اسْتُخْلِفَ أبو بَكْرٍ)، واعلم أن أبا بكر، وإن أكل من بيت المال قدر قُوتِهِ، لكني أقطع على أنه قضاه بنَقِيرِه وقِظْمِيرٍ. أمَّا عمرُ فقد كان أَوْصَى بأن يُقْضَی عنه كل ما أخذه من بيت المال. وأمَّا عثمانُ، فكان غنيًا لم يكن له حاجةٌ، إلى بيت المال. وأما عليُّ، فقد كان يَقُمُّ بيت المال حتى تَغْبَرَّ لحيته المباركة، وكانت كثيفةً جدًا. فمرّ به رجلٌ مرةً. وكان يَقُمُّ بيت المال. فقال: لو استأجرتَ له رجلًا يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أفعله حتى يبقى بي رمقٌ من الحياة. فسبحان الذي اصطفى لنبيه هؤلاء النُّجَبَاء، الذين ما أقلَّت مثلهم الغبراء، ولا أظلّت الخضراء: من البِيضِ الوجوه، نجومُ هدىً لو أنك تَسْتَضِيء بهم أَضَاؤوا ومن حَسَبِ العَشِيرَةِ حيثُ شاؤوا هُمُ حَلُّوا من الشرفِ المُعلَّى ثم رأيت في ((تذكرة)): أن نبيَّ الله سليمان عليه السلام كان يَنْسِجُ المَكاتِل، ومن ذلك كان قُوتُه، وكان داود عليه الصلاة والسلام يَعْمَلُ بيديه الدُّرُوعَ، كما نصَّ عليه القرآن. ٢٠٧١ - قوله: (أَرْوَاحٌ) أي: الرائحةُ الكريهةُ. ١٦ - بابُ السُّهُولَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِي الشَّرَاءِ وَالبَيْعِ، وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلَيَطْلُبُهُ فِي عَفَافٍ ٢٠٧٦ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشِ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ٤١٠ كتاب البيوع (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى)) . قوله: (السَّمَاحة) ۔ "دل مین وسعت هونی أورسخت کیری نه كرنى". قوله: (في عَفَافٍ) يعني (دوسرى كى آبروريزى نه كرنى) أي هو الاتقاء عن هَتْكِ عِرْض أحدٍ . ١٧ - بابُ مَنْ أَنْظَرَ مُوسِرًا ٢٠٧٧ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ: أَنَّ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ حُذَيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: (تَلَقَّتِ المَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالُوا: أَعَمِلتَ مِنَ الخَيرِ شَيئًا؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُواً وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ المُوسِرِ))، ((قَالَ: فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ)). وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِيّ: ((كُنْتُ أُيَسِّرُ عَلَى المُوسِرِ، وَأَنْظِرُ المُعْسِرَ)). وَتَابَعَهُ شُعْبَةُ: عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ. وَقَالَ أَبُو عَوَانَةً، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ رِبْعِيّ: (أُنْظِرُ المُوسِرَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المُعْسِرِ)). وَقَال نُعَيِمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ: ((فَأَقْبَلُ مِنَ المُوسِرِ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المُعْسِرِ)). [الحديث ٢٠٧٧ - طرفاه في: ٢٣٩١، ٣٤٥١]. ١٨ - بابُ مَنْ أَنْظَرَ مُغْسِرًا ٢٠٧٨ - حدّثنا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا يَحْيى بْنُ حَمْزَةَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ: صَلى الله قَالَ: ((كَانَ تَاجِرٌ يُدَائِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَّعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ)). [الحديث ٢٠٧٨ - طرفه في: ٣٤٨٠]. ثم ترجم المصنِّفُ بعده: باب من أنظر معسرًا، وذلك لاختلاف لفظ الحديث عنده، ففي لفظٍ: ((ويَتَجَاوَزُوا عن المُوسِر))، وفي لفظ: ((فإذا رأى مُعْسِرًا، قال لفتيانه: تَجَاوَزُوا عنه)). ففيه التَّجَاوُزُ عن المُعْسِر، وهذا دَأُب المصنّف: أن الحديثَ إذا اخْتَلَفَتْ ألفاظه، ولم يترجَّح عنده واحدٌ منهما، يُتَرْجِمُ عليه باللفظين، والفصلُ عندي في نحو هذه المواضع: أن يُؤْخَذَ بما كان أقرب إلى الوجدان، ولا يُعْبَأَ بما سواه. كما أن الظاهرَ مع التَّجاوُزِ لفظ: ((المعْسِرِ))، فَيُحْمَلُ ذكر المُوسِرِ على تصرُّف من أحد الرواة، لأن المُعْسِرَ هو الذي يَحْتَاجُ إلى التجاوز عنه دون المُوسِر. ولذا ترى في لفظ نُعَيْم بن أبي هِنْدٍ، عن رَبْعِي عنده: ((فأَقْبَلُ من المُوسِر، وأَتَجَاوَزُ عن المُعْسِر))، فلا ينبغي في مثل هذه المواضع تراجم مختلفة. وإنما يَفْعَلُ مثله حيث لا يُمْكِنُ الترجيح فيه، كما في قوله: ((إذا أمَّن الإِمامُ فأمِّنُوا))، وفي لفظ: ((إذا امَّن القارىء)) ... إلخ. فالفصلُ فيه مُشْكِلٌ، فإن الإِمامَ مختصٍّ بالصلاة، والقارىء يكون في الخارج أيضًا، ولا يتبيَّن لفظ النبيِّ لنَّ من غيره، فإن فيهما معنىً صحيح، بخلاف الاختلاف في المُعْسِرِ والمُوسِرِ. ٤١١ · كتاب البيوع ١٩ - بابٌ إِذَا بَيَّنَ البَيِّعَانِ، وَلَمْ يَكْتُمَا وَنَصَحَا وَيُذْكَرُ عَنِ العَذَّاءِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: كَتَبَ لِي النَّبِيُّ وَِّ: ((هذا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ مِنَ العَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ، بَيعَ المُسْلِمِ المُسْلِمَ، لَا دَاءَ وَلَا خِبْئَةَ وَلَا غَائِلَةَ)). وَقَالَ قَتَادَةُ: الغَائِلَةُ الزِّنَا وَالسَّرِقَّةُ وَالإِبَاقُ. وَقِيلَ لَإِبْرَاهِيمَ: إِنَّ بَعْضَ النَّخَّاسِينَ يُسَمِّي آرِيَّ خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ، فَيَقُولُ: جَاءَ أَمْسٍ مِنْ خُرَاسَانَ، جَاءَ اليَوْمَ مِنْ سِجِسْتَانَ، فَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: لَاَ يَحِلُّ لإِمْرِىءٍ يَبيعُ سِلعَةٌ، يَعْلَمُ أَنَّ بِهَا دَاءً، إِلَّا أَخْبَرَهُ. ٢٠٧٩ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَالِحِ أَبِي الخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ: رَفَعَّهُ إِلَى حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََِّّ: ((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)). [الحديث ٢٠٧٩ - أطرافه في: ٢٠٨٢، ٢١٠٨، ٢١١٠، ٢١١٤]. وفيه تغليبٌ كما في القَمَرَيْنِ . قوله: (هذا ما اشْتَرَى محمدٌ رسولُ الله من العَدَّاءِ بن خالِدٍ) ... إلخ. وعند الترمذيِّ في باب ما جاء في كتابة الشروط: ((ما اشترى العَدَّاءُ بن خالد بن هَوْذَة من محمد رسول الله ◌َّر ... )) إلخ. والصواب عندي ما في الترمذيِّ، لأن المعروفَ في الكتابة أن تكونَ من جهة البائع دون المشتري، إلا أن يكون العِوَضَان عروضًا. قوله: (النَّخَّاسِينَ) أي الدَّال في الذَّوَاب. ٢٠ - بابُ بَيعِ الخِلْطِ مِنَ الثَّمْرِ ٢٠٨٠ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الجَمْعِ، وَهُوَ الخِلطُ مِنَ التَّمْرِ، وَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَينٍ بِصَاعِ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((لَا صَاعَينِ بِصَاعٍ،َ وَلَا دِرْهَمَينِ بِدِرْهَمٍ)). ٢١ - بابُ ما قِيلَ فِي اللَّخَامِ وَالجَزَّارِ ٢٠٨١ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَّ الأَنْصَارِ، يُكْنَى أَبَا شُعَيبٍ، فَقَالَ لِغُلَامِ لَهُ قَصَّابٍ: اجْعَل لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةٌ منَ الناسِ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِيَّ وَّ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الجُوعَ، فَدَعَاهُمْ، فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ، فَقَّالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((إِنَّ هذا قَدْ تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ فَأُذَنْ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَ)). فَقَالَ: لَا، بَل قَدْ أَذِنْتُ لَهُ. [الحديث ٢٠٨١ - أطرافه في: ٢٤٥٦، ٥٤٣٤، ٥٤٦١]. ٤١٢ كتاب البيوع ٢٢ - بابُ مَا يَمْحَقُ الكَذِبُ وَالكِتْمَانُّ فِي البَيعِ ٢٠٨٢ - حدّثنا بَدَلُ بْنُ المُحَبَّرِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الخَلِيلِ يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَاَ لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَاَ - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وإِنْ كَتَمَا وَكَذَّبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)). [طرفه في: ٢٠٧٩]. ٢٣ - بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوْ أَضْعَكَفًا مُضَعَفَةٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠] ٢٠٨٣ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّرَ قَالَ: ((لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يُبَالِي المَرْءُ بِمَا أَخَذَ المَالَ، أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامِ» . ٢٤ - بابُ آكِلِ الرِّبا وَشَاهِدِهِ وَكَاتِبِهِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِنَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرَّؤْ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَّمَ الْرِيَوْ فَمَنْ جَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَأَنْنَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِّ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِّدُونَ ٢٧٥ [البقرة: ٢٧٥]. ٢٠٨٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارِ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ آخِرُ البَقَرَةِ، قَرَأَهُنَّ النَّبِيُّ وَّةِ عَلَيهِمْ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الخَمْرِ. [طرفه في: ٤٥٩]. ٢٠٨٥ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِم: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهُ: ((رَأَيتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَينِ أَتَيَانِيٍ، فَأَخْرَ جَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمِ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِيَ النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلتُ: ما هذا؟ فَقَالَ: الَّذِي رَأَيَتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا)). وفي رواية الترمذيِّ: اللعن على عشرة، منها المُوكِل. فقال بعضهم: إن المُوكِلَ: المُعْطِي، والآكل: الآخذ. قلتُ: لا حاجةَ إلى هذا التأويل، والألفاظ كلُّها على ظاهرها، فإن الآخذ قد يكون آكلًا. والوعيدُ من تلقاء خُبْثِ المال، فمن أخذه، أو أكله، أو حمله، أو فعل فعلًا أوجب نسبة التلبُّس به، فقد تحمَّل الوعيد الوارد فيه. وإذن يكون الوعيد على كلِّ من أكل ٤١٣ كتاب البيوع بنفسه، أو أَظْعَمَ غيره أيضًا سواء. فالوعيد على نفس هذا الفعل، وما ذكره الشارحون في شرحه، فهو خِلافُ الواقع عندي. وحاصلهُ: أنه يُلْعَنُ في ربًا واحدٍ عشرةُ نفرٍ، حسب أوزارهم خِفَةٌ وشدَّةً. قوله: ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسْرَّ﴾ ... إلخ، واستدلَّ منه ابن حَزْم على أن الشياطين لا تَسْرِي في أجساد الإِنسان، وإنما لهم لَمَمّ به. واختار الغزاليُّ: أن لها سِرَايةً أيضًا. أقولُ: وهما عندي وجهان: وأمَّا وجه الخبط فإن أكل الربا يَمْسَخُ الفطرة السليمة، ويُؤثِّرُ فيها حتى يكاد يُعْمِيها، فإذا عَمِيَتْ تَخْبِطُ خَبْطَ العَشْوَاء لا مَحَالة. ثم إن الأرواحَ الخبيثةَ أيضًا قد تُؤذِي الإِنسان، وفي ذلك حکایاتٌ. ٢٥ - بابُ مُوكِلِ الرِّبَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرَِّوْاْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٨١]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هذهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِّ ◌ََّ. ٢٠٨٦ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيفَةَ قَالَ: رَأَيتُ أَبِي اشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا فَأَمَرَ بِمَحَاجِمِهِ فَكُسِرَتْ. فَسَأَلْتُهُ، فَقَّالَ: نَهِى النَّبِيُّ وَّرْ عَنْ ثَمَنِ الكَلبِ، وَثَمَنِ الدَّمِ، وَنَهَى عَنِ الوَاشِمَةِ وَالمَوْشومَةِ، وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ، وَلَعنَ المُصَوِّرَ. [الحديث ٢٠٨٦ - أطرافه في: ٢٢٣٨، ٥٣٤٧، ٥٩٤٥، ٥٩٦٢]. ٢٠٨٦ - قوله: (فَأَمَرَ بِمَحَاجِمِهِ فَكُسِرَتْ). واعلم أن اللهَ تعالى بثَّ في العالم أعمالًا خسيسةً ونفيسةً، وخَلَقَ على مثلها أرواحًا، فالطيبةُ منها تَمِيلُ إِلى النفيسة. والخبيثةُ تَرْغَبُ في الخسيسة، وهذا من باب نظام العالم. أمَّا الشرعُ فإنه لا يُرَغّبُ إلَّا فيما فيه فَضْلٌ، وهذا كما قال النبيُّ وَّهُ: ((إن العُرَفَاء في النار))، مع أنه لا بدَّ من العِرَافةِ أيضًا، فإن نظامَ العالم لا يستوي بدونها . والحاصلُ: أن طبائعَ الناسِ تَتَفَاوَتُ على حسب تَفَاؤُت الأعمال، خِسَّةً ودناءةٌ، كَرِمًا وفضلًا، فَيَرْغَبُ إليها كلٌّ منهم حسب فطرته، مع أن الشرعَ لا يحثُّهم إلَّا على الخير. ومن ههنا عَلِمْتَ أن الشرعَ ليس في نقاضة النظام، فالنظامُ يبقى على طريقه، كما أن الشرعَ يأُمُرُ وينهى على طريقه. ألَّا ترى أن اللهَ يدعو إلى دار السلام، مع عِلْمِهِ أن كثيرًا منهم لا يُلْقُّون لدعوته بالًا ، فَيُلْقَوْن في جهنّم على وجوههم. فاللهُ سبحانه لا يَزَالُ يدعو على ما يَليقُ بشأنه، مع أنه سَبَقَ القول منه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، فهذا بنظامٍ، وذلك تشريعٌ. وبالجملة إن الأطراف تتجاذب في نحو هذه المواضيع، كما في الحِجَامة فإِنه نهى عنها، ومع ذلك قد أعطى أجرتها بنفسه النفيسة أيضًا. فالدَأْبُ فيه: أن لا يزالَ النطقُ بالهجو، ويَخْرُجُ الجواز من الأطراف، كفعله تارةً وتارةً. وهذا هو طريقُ القرآن مُطَّردًا، فإِنه إذا كَرِهَ شيئًا اّرد ٤١٤ كتاب البيوع بهجوه ولو كان جائزًا في الجملة. كما رأيت في باب الهجرة، فإنه إذا أحبَّ الهجرة وكره إقامة المسلم بين أَظْهُر الكفَّار، استمرَّ على النهي، ومع ذلك خَرَجَ الجوازُ من الأطراف. أمَّا الأحاديثُ، فقلَّما تَسْلُكُ هذا المسلك. ٢٠٨٦ - قوله: (نهى النبيُّ ◌َ ﴿َ عنِ ثَمَنِ الكَلْبِ) واختلف أصحابُنا في بيع الكلب. ففي ((المبسوط)): أنه يجوز بيع المعلّم خاصةً. وَفي ((الهداية)): جوازه مطلقًا، نظرًا إلى أن الكلبَ صالحٌ للتعليم، فجاز بيعه كبيع المعلّم بالفعل. فنظر السَّرَخْسِي إلى التعليم حالًا، وصاحب ((الهداية)) إلى التعليم، ولو مالًا. والأول أوفق بالحديث، لِمَا ثبت عند النَّسائي استثناء المعلّم. وقال النَّسائي: إنه مُنْكَرٌ. وراجع ما في هامشه من ((عقود الجواهر)). ومن اختار جواز البيع مطلقًا، حَمَل النهي على التنزيه. وحمله الطحاويُّ(١) على زمان حَرُمَ فيه اقتناؤها، فإذا رُخِّص فيه جاز البيع والشراء أيضًا. فراجع كلامه من ((معاني الآثار)). وقال الخطّابيُّ في ((معالم السننِ)»(٢) في معنى النهي عن بيع الهرَّة: إنه كونها شيئًا خسیسًا، فليتركها على الإِباحة الأصلية من أَخَذَهَا، فهو أحقُّ بها. ولا يُنَاسِبُ أن تجري فيها البيوع، فإنها تُنَاسِبُ بكرائم الأموال، وشأنها أدون من أن تُقْصَدَ بالبيوع. وهكذا هو العملُ في بلادنا، فإنهم يَتَدَاولونها مجَّانًا، ولا يأخذون ثمنها. فهذا تعليمٌ للأخلاق الفاضلة، وما ينبغي أن يُعَامَلَ مع هذه الحيوانات. لا أنه نهى عن بيعه حقيقةً، فلو باعها صَحَّ لا مَحَالَةَ، ولك أن تَقِيسَ عليها الكلب أيضًا . قوله: (وَلَعَنَ المُصَوِّر)، وراجع ((فتح القدير)) لمسائل التصاوير. أمَّا إن الملائكة، هل تَدْخُلُ بيتًا فيه تصاوير، رَخَّصَ بها الشرعُ؟ فالظاهر أن لا، فأنت تفعل ما في عالمك، وهم يفعلون ما في عالمهم، ولطباعهم تَنَافُرٌ من الأَنْجَاس، والأَرْجَاسِ، والتصاوير، وأمثال ذلك. فما عليهم أن لا يَدْخُلُوا بيتًا تكون فيه تلك، وإن رَخَّصَ لكَ فيها بتفاصيل، ذُكِرَت في المبسوطات. (١) وفي ((المعتصر)) يحتمل أن يكون تحريمه لأجل الدناءة، واحتمل أن يكون النهي عن ثمن الكلب إذا كان الأمر فيه بقتل الكلاب، وقد اختلف أهل العلم فيه، فطائفة ذهبت إلى تحريم أثمان الكلاب كلها، وممن ذهب إلى ذلك مالك، والشافعي، وطائفة ذهبت إلى تحريم أثمان ما لا يحل الانتفاع به منها، وإباحة أثمان غيرها، وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحابه، وهو أولى القولين بالقياس، لأن الكلب المأذون في الانتفاع به، كالحمار الأهلي في جواز الانتفاع به، وتحريم أكل لحمه، فوجب أن يكون مثله في جواز بيعه: ص٢٣٩ - ج١، ملخصاً. (٢) قال الشيخ: النهي عن بيع السنور متأول، على أنه إنما كره من أجل معنين، إما لأنه كالوحشي الذي لا يملك قياده، ولا يصح التسليم فيه الخ، والمعنى الآخر: أن يكون إنما نهى عن بيعه لئلا يتمانع الناس فيه، وليتعاوروا ما يكون منه في دورهم، فيرتفقوا به ما أقام عندهم، ولا يتنازعوه إذا انتقل عنهم إلى غيرهم تنازع الملاك في النفيس من الأغلاق، وقيل: إنما نهى عن بيع الوحشي دون الإنسي، وقد تكلم بعض العلماء في إسناد هذا الحديث، وزعم أنه غير ثابت عن النبي ◌َّر، وممن أجاز بيع السنور ابن عباس، وإليه ذهب الحسن البصري، وابن سيرين، والحكم، وحماد، وبه قال مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وكره بيعه أبو هريرة، وجابر، وطاوس، ومجاهد، اهـ: ص ١٣٠ - ج٣ ((معالم السنن)). ٤١٥ كتاب البيوع ٢٦ - بابٌ ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِبَواْ وَيُرْبِىِ الصَّدَقَتِّ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ٢٠٨٧ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيِثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: قَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((الْخَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلِبَرَكَةِ)). قوله: ﴿وَيُرْبِىِ الضَدَفَتِ﴾: يعني إن الله يُعْطِي الربا من عنده في الصدقات. أمّا ما تعاملون من معاملات الربا، فإنه يَمْحَقُها. فمن أراد منكم أن يأخذَ الربا، فليأخذه من الله سبحانه إلى سبعمائة ضِعْفٍ، ويزيد على ذلك لمن يشاء. وقال المفسِّرُون: إن الله تعالى يُبَارِكُ في الصدقات. وليس بمرادٍ عندي، وقد تكلَّمنا عليه مرةً، فَتَذَكَّرْهُ. قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ومرَّ على مثله التَّفْتَازَانِيُّ في ((المطول))، وذَكَرَ له ضابطةً: أن النفي في مثله محمولٌ على رفع الإِيجاب الكليِّ، ولا يَصِحُ هُهنا، فإنِهِ السَّلْبِ الكليِّ. ولو أجاب عنه العَلَّامةُ، بأن معناه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ﴾ ... ثم اسْكُتْ، كأنك تَسْأَلُ المُخَاطَبَ من هو؟ فقيل لك: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾، لم يَرِدْ عليها نقضٌ. وحاصلهُ: أن قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾ جواب لفعلِ محذوفٍ أي من ﴿لَا يُحِبُّ﴾. ٢٧ - بابُ ما يُكْرَهُ مِنَ الحَلِفِ فِي البَيعِ ٢٠٨٨ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا هُشِيمٌ: أَخْبَرَنَا العَوَّامُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلعَةً، وَهُوَ فِي السُّوقِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَغْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطِ، لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]. [الحديث ٢٠٨٨ - طرفاه في: ٢٦٧٥، ٤٥٥١]. ٠ واعلم أن الشرعَ نهى عن إكثار الحَلِفِ، ولو كان فيه صادقًا. ورُوِيَ عن إمامنا: أن اليمينَ الفاجرةَ تَدَعُ الديارَ بَلَاقِع(١). ٢٨ - بابُ ما قِيلَ فِي الصَّوَّاغِ وَقَالَ طَاؤُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَالَ النَّبِيُّ وَّةِ: ((لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا)). وَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّ الإِذْخِرَ،َ فَإِنَّهُ لِقَّيِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ: ((إِلَّا الإِذْخِرَ)). ٢٠٨٩ - حدّثنا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَينٍ: أَنَّ حُسَينَ بْنَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: كَانَتْ (١) وفي البخاري، في باب القسامة، عن ابن عباس: ((إن الذين حَلَفُوا كاذبين، لم يَحِلْ عليهم حَوْلٌ إلَّا وقد هَلَكُوا جمیعًا)). فراجعه. ٤١٦ كتاب البيوع لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ أَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الخُمْسِ، فَلَمَّا أُرَدْتُ أَنْ أَبْتِنِيَ بِفَاطِمَةَ، بِنْتِ رَسُولِ الله ◌َِّ، وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغْا مِنْ بَنِي قَينُقَّاعَ أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَنَّأْتِيَ بِإِذْخِرٍ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ وَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةٍ عُرسي. [الحديث ٢٠٨٩ - أطرافه في: ٢٣٧٥، ٣٠٩١، ٤٠٠٣، ٥٧٩٣]. ٢٠٩٠ - حدّثنا إِسْحاقُ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مََّةَ، وَلَمْ تَحِلَّ لَأَحَدٍ قَبْلِيَّ وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا حَلَّتْ لِي سَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُلْتَقَطُ لُقْطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ)). وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَلِبِ: إِلَّا الإِذْخِرَ، لِصَاغَتِنَا وَلِسُقُفٍ بُيُوتِنَا. فَقَالَ: ((إِلَّ الإِذْخِرَ)). فَقَالَ عِكْرِمَةُ: هَل تَذْرِي ما يُنَفَّرُ صَيدُهَا؟ هُوَ أَنْ تُنَحِّيَهُ مِنَ الظُّلِّ وَتَنْزِلَ مَكَانَهُ. قَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ خَالِدٍ: لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا. [طرفه في: ١٣٤٩]. ٢٩ - بابُ ذِكْرِ القَينِ وَالحَدَّادِ ٢٠٩١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيمَانَ، عَنْ أَبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابِ قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِي عَلَى العَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَينٌ، فَأَتَيتُهُ أَتَقَاضَاهُ، قَالَ: لا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ وَلِّ. فَقُلتُ: لا أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتُكَ اللَّهُ ثُمَّ تُبْعَثَ. قَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ وَأُبْعَثَ، فَسَأُوتَى مَالًا وَوَلدًا فَأَقْضِيكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَغَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوْنَيَنَ مَالَا وَلَدًا ﴿ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ (٧٨)﴾ [مريم: ٧٧، ٧٨]. [الحديث ٢٠٩١ - أطرافه في: ٢٢٧٥، ٢٤٢٥، ٤٧٣٢، اُتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ٤٧٣٣، ٤٧٣٤، ٤٧٣٥]. ٣٠ - بابُ ذِكْرِ الخَيَّاط ٢٠٩٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِي طَلحَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: إِنَّ خَيَّاطَا دَعا رَسُولَ اللَّهِ وَلّهِ لِطَعَام صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: فَذَهَبْتُ مَّعَ رَسُولِ اللّهِ وَ﴿ إِلَى ذلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولٌ اللَّهِ وَِّ خُبْزًا وَمَرَقًا، فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَّهَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِّنْ حَوَالَي القَصْعَةِ، قَالَ: فَلَمْ أَزَل أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ. [الحديث ٢٠٩٢ - أطرافه في: ٥٣٧٩، ٥٤٢٠، ٥٤٣٣، ٥٤٣٥، ٥٤٣٦، ٥٤٣٧، ٥٤٣٩]. ٣١ - بابُ ذِكْرِ النَّسَّاج ٢٠٩٣ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: ٤١٧ كتاب البيوع سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ - قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ فَقِيلَ لَّهُ: نَعَمْ، هِيَ الشَّمْلَةُ، مَنْسُوجٌ فِي حَاشِيَتِهَا - قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَسَجْتُ هذهِ بِيَدِي أَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ◌َِّ مُخْتَاجًا إِلَيْهَا، فخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اَكْسُنِيْهَا. فَقَالَ: (نَعَمْ)). فَجَلَسَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي المَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَأَهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيهِ، فَقَالَ لَهُ القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ، لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَّا يَرُدُّ سَائِلًا. فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ مَا سَأَلتُهُ إِلَّا لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أَمُوتُ. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. [طرفه في: ١٢٧٧]. ٣٢ - بابُ النَّجَّارِ ٢٠٩٤ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: أَتَى رِجالٌ إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ يَسْأَلُونَهُ عَنِ المِنْبَرِ، فَقَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِلَىِّ فُلَانَةَ، امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ: ((أَنْ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلُ لِي أَعْوَادًا، أَجْلِسُ عَلَيهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ)). فَأَمَرَتْهُ يَعْمَلُهَا مِنْ طَرْفَاءِ الغَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ نَِّ بِهَا، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ، فَجَلَسَ عَلَيهِ. [طرفه في: ٣٧٧]. ٢٠٩٥ - حدّثنا خَلَّادُ بْنُ يَحْيِى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ وَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: ((إِن شِئْتِ)). فَعَمِلَتْ لَهُ المِنْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فَعَدَ النَّبِيُّ ◌َّهَ عَلَى المِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ، فَصَاحَتِ النَّحْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا، حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ وَ حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيهِ، فَجَعَلَتْ تَشِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ، حَتَّى اسْتَقَرَّتْ، قَالَ: (بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ)). [طرفه في: ٤٤٩]. لمَّا دَخَلَ المصنِّفُ في بيان الصنائع والحِرَف، ذكر النَّجَّار، والصَّوَّاغ، والنَّسَّاج (جولاها)، وأمثالهم. ثم قيل: إن القَيْن: من يَصْنَعُ السيفَ خاصةً، والحَدَّاد عام. ٢٠٩٥ - قوله: (فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ)، وهي الحَّنَة عندي، على ما تبيَّن من الروايات. ٣٣ - بابُ شِرَاءِ الإِمَامِ الحَوَائِجَ بِنَفْسِهِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: اشْتَرَى النَّبِيُّ نَّهِ جَمَلًا مِنْ عُمَرَ، وَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا بِنَفْسِهِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: جَاءَ مُشْرِكٌ بِغَنَمِ، فَاشْتَرَى النَّبِيُّ ◌َّةِ مِنْهُ شَاةً وَاشْتَرَى مِنْ جَابِرٍ بَعِيرًا . ٢٠٩٦ - حدّثنا يُوسُفُ بنُ عِيسى: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، ٤١٨ كتاب البيوع عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالَت: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ مِنْ يَهُودِيّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ. [طرفه في: ٢٠٦٨]. يعني أن العظيمَ إذا باشر البيوعَ بنفسه. لم يُوجِب ذلك فيه نَقْصًا . ٣٤ - بابُ شِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالحَمِيرِ، وَإِذَا اشْتَرَى دَابَّةً أَوْ جَمَلاً وَهُوَ عَلَيهِ هَل يَكُونُ ذلِكَ قَبْضًا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قالَ النَّبِيُّ وَ لِعُمَرَ: ((بِعْنِيهِ)). يَعْنِي جَمَلًا صَعْبًا. ٢٠٩٧ - حدّثنا مُحَمِدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ وَهْبِ بْن كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كُثَّتُ مَعَ النَّبِيِّ نَّهَ فِي غَزَاةٍ، فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي وَأَعْيَا، فَأَتَّى عَلَيَّ النَّبِيُّ ◌َّةِ، فَقَالَ: ((جابِرٌ؟)). فَقُلتُ: نَعَمْ، قالَ: ((ما شَأْنُكَ؟)) قُلْتُ: أَبْطَأَ عَلَيَّ جَمَلِي وَأَعْيَا فَتَخَلَّمْتُ، فَنَزَلَ يَحْجُنُهُ بِمِحْجَنِهِ، ثُمَّ قالَ: ((ارْكَبْ)). فَرَكِبْتُ، فَلَقْدْ رَأَيْتُهُ أَكُفُّهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، قالَ: ((تَزَوَّجْتَ؟)) قُلتُ: نَعَمْ: قالَ: ((بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟)) قُلتُ: بَل ثَيِّبًا، قالَ: ((أَفَلا جارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟)). قُلتُ: إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ، فَأَحْبَيْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ وَتَمْشُطُهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيهِنَّ، قالَ: ((أَمَّا إِنَّكَ قَادِمٌ، فَإِذَا قَدِمْتَ فَالكَيْسَِ الكَيْسَ)). ثُمَّ قالَ: ((أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأَوقِيَّةٍ، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ بَّرَ قَبْلِي، وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ، فَجِئْنَا إِلَى المَسْجِدِ فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابٍ المَسْجِدِ، قالَ: ((آلآنَ قَدِمْتَ؟)) قُلتُ: نَعَمْ، قالَ: ((فَدَعْ جَمَلَكَ، فَادْخُل، فَصَلِّ رَكْعَتَينٍ)) فَدَخَلتُ فَصَلَّيْتُ، فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَزِنَ لَهُ أُوقِيَّةً، فَوَزَّنَ لِي بِلَالٌ فَأَرْجَحَ في المِيزَانِ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى وَلَّيْتُ، فَقَالَ: ((ادْعُ لِي جابِرًا)). قُلتُ: الآنَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الجَمَلَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ، قَالَ: ((خُذْ جَمَلَكَ وَلَكَ ثَمَنُهُ)). [طرفه في: ٤٤٣]. واعلم أن المُصَنِّفَ سمَّى الدَّوَابَّ، والحمير، ولعلَّه أراد المنقولات مطلقًا. وإلَّا، فلا نَفْهَمُ فيه معنى آخر. وسمَّى الجمل تَّبَعًا للحديث. ثم انتقل إلى مسألةٍ أخرى، وهي أنه هل يُشْتَرط التَّخْلِيَة للقبض أو لا؟ وأشار إلى جوابه بما أخرج عن ابن عمر، ولم يَذْكُر صورة الجواب على عادته من ذِكْرٍ مادته بدون الإِفصاح به. وحديث ابن عمر المُفَصَّل يَجِيءُ عنده في: (الصحيح))، وفيه: ((فباعه من رسول الله بَّل، [فقال النبيُّ ◌َّر:] هو لك يا عبد الله بن عمر، تَصْنَعُ به ما شِئْتَ)). اهـ . فاعلم أولًا أن القبضَ في المنقولات لا يتحقَّق عند الشافعية إلَّا بالنقل والتحويل، وعندنا بالتَّخْلِيَة بينه وبين المشتري. أمَّا إن التَّخْلِيَة ماذا هي؟ فهذا ممَّا لا يَكَادُ يَنْضَبِطُ إلَّا بعد النظر إلى الجزئيات شيئًا. ومعناها عندي: رفع علائق مِلْكِهِ، وتمكينه للمشتري على أَن يَقْبِضَهُ، وذلك قد يكون بالفعل، وأخرى بالقول، وتارةً بالقرائن. وشُرِط في ((أجناس الناطفي))، أن يقولَ باللسان: خَلَيْتُ بينه وبينك، وغير ذلك مما يُؤَدِّي ٤١٩ كتاب البيوع مؤدَّاه. وليس بضروريٍّ عندي، وهذا الشرط لم أَرَهُ عند غيره. ولنَذْكُر لك جزئيات ليتبيَّن لك الحالُ على جَلِيَّتِهِ، قالوا: إنه لو باع فرسًا في الصحراء، فإن كان المشتري يستطيع أن يَقْبِضَهُ بدون إعانة غيره، تحقَّق القبضٍ. فكأنهم نظروا فيه إلى المُكْنَة فقط، ورَأَوْهَا كالقبض. وقالوا: إنه لو باع دارًا أو صندوقًا، وسَلَّم مفاتيحه، فهو قَبْضٌ. وبالجملة إن القبضَ في البيع والهِبَة والرَّهْن يتحقَّقُ عندنا بالتَّخْلِيَةِ، والمُكْنَةِ على القبض، ولا يحتاج إلى القبض الحِسِّيِّ والنقل. وأمَّا عند البخاري، فلا يُشْتَرَطُ عنده هذا ولا ذاك. بل القبض عنده أعمُّ منهما، بأن المشتري لو أراده لم يَمْنَعْ عنه البائع، وإن بقيَ المبيع مشغولاً بقبضه في الحالة الراهنة. فكأنَّ القبضَ يَحْصُل عنده بمجرد الإِيجاب والقَبُول، ولا يحتاج بعد ذلك إلى أمرٍ آخر يُسَمَّى قبضًا. لا أقول: إنه عَيْنُهما، بل إنه قريبٌ منه. فأضيقُ المذاهب فيه: مذهبُ الشافعي، وأوسعُها: مذهبُ البخاريِّ، ونحن في الوسط. ثم إن التصرُّفَ قبل القبض لا يجوز عند الشيخين في المنقولات، وأمَّا عند محمد فمطلقًا . إذا عَلِمْتَ هذا، فاعلم أنه يُعْلَمُ من تراجم البخاريِّ أنَّ القبضَ عنده لا يحتاج إلى التَّخْلِيَةِ، ولا إلى النقل. وأن تصرَّف المشتري يَصِحُ عنده، قبل قبض المبيع، لأن النبيَّ ◌َّ اشترى بعيرًا من عمر، ولم يُوجَدْ منه القبض، بمعنى النقل، ولا بمعنى رفع العلائق والتمكين، فإنَّ ابن البائع كان راكبًا عليه، فأين التَّخْلِيَة؟ ثم النبيُّ وََّ لمَّا وَهَبَهُ إياه، وُجِدَ التصرُّف منه في المبيع قبل القبض وحُوسِبَت قبضته الأولى عن القبض من جهة الهبة، ولم يَفْتَقِرْ لتماميتها إلى قبضٍ جديد. فكلُّ ذلك توسعات محتملة عند المصنّف، واستدلَّ له المصنّف من قصّة جابر - في السنة الرابعة - الشهيرة بليلة البعير، ولا تمسُّكَ له فيها، لأنه كان ترك الجمل عند باب المسجد، فيُعَدُّ ذلك تَخْلِيَةً منه. والجواب: أن النبيَّ نَّه لم يُرِدْ بذلك بيعًا، ولا شراءً، وإنما أراد أن يَمُنَّ عليه(١)، فاختار صورة البيع فقط. وإذن لا حاجةً إلى حَمْلِهِ على البيع حقيقةً، والنظرِ إلى استيفاء شرائطه . ٢٠٩٧ - قوله: (فَأَمَرَ بلالًا أن يَزِنَ لي أُوقِيَّةً)، وفي بيان الثمن اختلافٌ كثيرٌ، وكذا في أن (١) ذكر الإِسماعيلي كما في ((المواهب اللطيفة): أنه صلَّى الله عليه وسلَّم أراد أن يَبَرَّ جابرًا على وجهٍ لا يَحْصُلُ لغيره طمعٌ في مثله، فبايعه في جمله، على اسم البيع ليتوقَّر عليه بِّه، ويُبْقي عليه البعير قائمًا على مِلْكِهِ، فيكون ذلك أهنا لمعروفه. ومما يدلك على أنه لم يُرِدْ بيعًا ولا شِرَاءً ما أخرجه الطَّحَاويُّ كما في ((المعتصر)): ((أن النبيَّ لِّ قال فيه: أيا جابر تبيعني نَاضِحك هذا إذا قدمنا المدينة بدينار، والله يغفر لك؟ قلت: يا رسول الله إذا قدمنا المدينة فهو ناضحك، قال: فِعْنِيهِ بدينارين، والله يَغْفِرُ لك؟ فما زال يزيدني، ويقول: مع كلِّ دينارٍ: والله يَغْفِرُ لك، حتى بَلَغَ عشرین دینارًا». وفي روايةٍ أخرى عنده، قال: ((بعني جَمَلَكَ هذا، قلتُ: لا، بل هو لك. قال: بل بِعْنِيهِ، قلت: لا، بل هو لك يا رسول الله. قال: بل بِغْنِيهِ، قلت: فإن لرجلٍ عليَّ أُوقِيَّة من ذهبٍ، فهو لك بها. قال: قد أخذته. قال: فَتَبْلُغُ عليه إلى المدينة، فلمَّا قَدِمْتُ المدينةَ، قال رسولُ الله ◌ََّ لبلالٍ: أَعْطِهِ أُوقِيَّةً من ذهبٍ، وزِذْهُ. فأعطاني أُوقِيَّةً من ذهبٍ، وزادني قِيرَاطًا. قلتُ: لا تُفَارِقُنِي زيادة رسول اللهَ وَّ أبدًا، قال: فكان في كيسٍ لي، فأخذه أهل الشام يوم الحَرَّة)). ٤٢٠ كتاب البيوع جابرًا هل اشترط ظَهْرَهُ إلى المدينة، أم لا؟ فإن قُلْنَا: إنه اشترط ظَهْرَهُ، فهذا شرطٌ مُفْسِدٌ للبيع، كيف! وفيه منفعةٌ لأحد العَاقِدَيْنِ، وذا لا يَجُوزُ على أصلنا. والجواب أن الشَّرْطَ لم يَكُنْ في صُلْب العقد، ولكنه استعار منه بعد تمامية العقد، وفي مثل ذلك لا تُتَّبَعُ ألفاظ الرواة، فإنهم يُقَدِّمُون، ويُؤَخِّرُون. وإنما همُّهم في سَرْدِ القصة دون أنظار الفقهاء ليُرَاعُوها في تعبيراتهم، وإنما أرادوا أن يَذْكُرُوا بيان ما اشتملت عليه تلك الليلة على شاكلة القصة بدون مراعاة شرائط البيع. وغير ذلك. على أنك قد عَلِمْتَ أنه لم يكن هناك بَيْعٌ ولا شِرَاءٌ، ونحوه. أقول في ليلة المِعْرَاج: إنه لم يكن هناك نَسْخٌ من الخمسين إلى الخمس، كما فَهِمُوه، بل كان طريقَ بيانٍ للمُرَادِ، وإلقائه بدفعات، ليكونَ أوقعَ في النفس، وأحظى للضيف. وقد قرَّرناه سابقًا، ويجيء الحديث في ((الصحيح))، مع إيضاح بيانٍ. ٣٥ - بابُ الأسْوَاقِ الَّتِي كانَتْ في الجَاهِلِيَّة، فَتَبَايَعَ بِهَا النَّاسُ في الإِسْلامِ ٢٠٩٨ - حدّثنا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفِيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كانَتْ عُكَاظُ وَمَجَنَّهُ وَذُو المَجازِ أَسْوَاقًا في الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كانَ الإِسْلامُ تَأَثَّمُوا مِنَ التِّجَارَةِ فِيهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [البقرة: ١٩٨] في مَوَاسِمٍ الحَجِّ. قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَذَا. [طرفه في: ١٧٧]. ٣٦ - بابُ شِرَاءِ الإِبِلِ الهِيمِ، أَوِ الأجْرَبِ الهَائمُ: المُخالِفُ لِلقَصْدِ في كُلِّ شَيءٍ. ٢٠٩٩ - حدّثنا عَلِيٌّ بْنُ عبدِ الله: حَدَّثَنَا سفيَانُ قالَ: قالَ عَمْرٌو: كانَ هَا هُنَا رَجُلٌ اسْمُهُ نَوَّاسٌ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ إِلٌ هِيمٌ، فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَاشْتَرَى تِلكَ الإِبِلَ مِنْ شَرِيكٍ لَهُ، فَجَاءَ إِلَيهِ شَرِيكُهُ، فَقَالَ: بِعْنَا تِلكَ الإِلَ. فَقَالَ: مِمَّنْ بِعْتَهَا؟ قالَ: مِنْ شَيخ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: وَيَحَكَ، ذَاكَ وَاللَّهِ ابْنُ عُمَرَ، فَجَاءَهُ فَقَالَ: إِنَّ شَرِيكي بَاعَكَ إِيلًا هِيمًا وَلَمْ يَعْرِفِكَ. قالَ: فَاسْتَفْهَا، قَالَ: فَلَمَّا ذَهَبَ يَسْتَاقُهَا، فَقَالَ: دَعْهَا، رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ وَّيُّ: ((لا عَدْوَى)). سَمِعَ سُفيَانُ عَمْرًا. [الحديث ٢٠٩٩ - أطرافه في: ٢٨٥٨، ٥٠٩٣، ٥٠٩٤، ٥٧٥٣، ٥٧٧٢]. قوله: (المُخَالِفُ للقصد في كُلِّ شيءٍ) أي الذي يَخْبِطُ في مَشْبِهِ، فهذا عيبٌ. وغرضُ المصنّف: أن المشتري إذا رَضِيَ بالعيب بعد ما اشتراه، ولم يكن رآه، فله ذلك، وإن بدا له أن يَرُدَّهُ على البائع، فله ذلك أيضًا . ٣٧ - بابُ بَيعِ السِّلاَحِ في الفِتْنَةِ وَغَيرِهَا وَكَرِهَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَينٍ بَيْعَهُ في الفِتْنَةِ.