النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١
كتاب جزاء الصيد
سوى ذكرُه، فيكون له جِوار إلى الله، وصُراخ بالتلبية لا غير، وحداثَةُ عهده بالنكاح يخالِفُ هذا
التبتل.
هذا هو معنى النهي عندنا، ألا ترى أنه نُهي أن يخطِب، وأنت لا تقوله: إنه حرام، بل
تحمِلُه على معنَى ما حملنا عليه الجملة الثانية، فالقولُ بصحة الخِطبة، وبطلان النكاح فكٌّ في
النظام، ونقضٌ للاتساق.
ثم نقول: إن أصلَ النزاع في تزوجه وَّر ميمونة، واختلفت فيه الروايات، ففي بعضها: ((أنه
تزوجها وهو حلال))، كما يرويه أبو رافع مولى رسول الله ،َّ، وكان هو الرسولُ بينهما، ويزيد بن
الأصم، وهو ابن أخت ميمونة. وترويه هي أيضًا. مع أنَّها صاحبةُ الواقعة. وفي بعض
الروايات: ((أنه تزوجها وهو محرم))، كما يرويه ابن عباس، واحتج الخصوم بالأولى، والحنفية
بالثانية .
والجواب أنَّا نُسلِّمُ أنَّ رسول الله ﴿ أرسلَ أبا رافع للخِطبة، ولكنَّ ميمونةً كانت
وّلت بأمر نكاحها عباسًا، فكان هو العاقد، وأنت تعلمُ أنَّ الرسول سفيرٌ محضّ، بخلاف
الوكيل، فإنَّه يتولَّى أمر النكاح، وبلسانه يجري العقد والفسخ، فالعبرةُ به أولى. ومن ههنا تبين
أن قولَ ميمونة إنَّ النبيَّ نَّه تزوَّجَها وهو حلالٌ، لا يوازي قول ابن العاقد، فإنَّها إذا
فوضت أمرها إلى غيرها، لم تعلم بأمر النكاح إلا عند البناء، وقد كان النبي صل﴾. إذ ذاك
حلالًا .
أما ابن عباس فكان ابن العاقد، فعنده زيادةُ خبرٍ، ووثاقةٌ على ما فعله أبوه. ويروي
هو أنه تزوجها وهو محرمٌ، مع أنه خِلاف أمر الحج، فلا يقول إلا أن يكون عنده علمٌ
كالعيان، ولذا رجح البخاري حديثَه، ولم يخرج حديثَ الخصوم، وإن أخرجه مسلم،
فالبخاري وافَقَنَا في المسألة. وهذا من دأبه القديم، أنه إذا اختارَ جانبًا ذهب يهدِر
الجانب الآخر، ويجعله كأنه لم يكنْ شيئًا مذكورًا، فلا يخرجُ له حديثًا، كأنه أمرٌ لم تَرِدْ به
الشريعة .
وكذا يزيد بن الأصم لا يعارضُ حديثه حديث ابن عباس، حتى قال عمرو بن دينار حين
روى ابن شهابٍ حديثَ يزيد: أتجعلُ أعرابيًا بوالًا على عقبيه، إلى ابن عباس؟، وهي خالة ابن
عباس أيضًا، كذا في ((الدارقطني)).
ولهُهنا دقيقةٌ أخرى قلّ من تنبه لها، وهي أنَّ النبي ◌َّه لم يباشر العقدَ بنفسه الشريفة، بل
وكل به عباسًا، احترازًا عن صورة العقد بنفسه، وهو محرم، فأحبَّ أن يعقِدَ غيره، لئلا يكون
ناكحًا صورةً، فاحترز عنها بقدر الإمكان، فسبحان الله! هذه مدارك الأنبياء عليهم السلام، ولا
ينكشفُ الغطاء عن وجه المقصود ما لم يتبين أنَّ تزوُّجه كان ذاهبًا إلى مكة أو آيبًا منها، فإن كان
الأول، تعيَّن كونه في الإِحرام، وإن كان الثاني فلا يكون إلا وهو حلال. وقد ذكر الطحاوي في
(مشكله)) في تحرير القصة أنَّ النبي ◌َّ- أرسل أبا رافع إلى ميمونة للخطبة، وكانت بمكة، فوكلت
٣٠٢
كتاب جزاء الصيد
أمرها إلى عباس (١)، فخرج النبيُّ وَل﴿ من المدينة، وخرج عباس من مكة ليستقبلَ النبيَّ وَّ،
فتلاقيا بسَرِفٍ، فنكحها إياه في سرف، كما هو عند أبي داود.
وإن كان يخالفه ما عند مالك في ((موطئه))، ففيه: ((أن رسول الله وَلاري بعث أبا رافع مولاه،
ورجلًا من الأنصار، فزوَّجاه ميمونةً بنت الحارث، ورسول الله مَّ بالمدينة، قبل أنْ
يخرج)). اهـ. أي إلى مكة لعمرة القضاء، إلا أن الأكثر والأشهر كما عند أبي داود.
وسَرِف موضع بعشرة أميال من مكة. وكان ذلك في عمرة القضاء، وكان النبيُّ وَّ قاضاهم
في عمرة الحُدَيْبِيَة أنه يعتمرُ من قابل، ويقيمُ بها ثلاثًا، فما يدل على أنَّ أمر تزوُّجِها بسَرِفٍ إنما
(١) قال العلامة المارديني: وفي ((الاستذكار)): قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تزوجها النبي ◌َّ وهو محرمٌ. وفي
((التمهيد)) ذكر الأثرم عن أبي عبيدة قال: لما فرغ ◌َّ من خيبر توجه إلى مكة معتمرًا، سنة سبع، وقدم عليه
جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، وخطب عليه ميمونة بنت الحارث، وكانت أختها لأمها أسماء بنت عميس
عنده، وأختها لأبيها، وأمها أم الفضل تحت العباس، فأجابت جعفرًا، وجعلت أمرها إلى العباس، فأنكحها
النبيَّ رَّ، فلما رجع بنى بها بسَرف حلالًا، وجعْلُها أمرَها إلى العباس مشهور، ذكره موسى بن عقبة أيضًا.
وذكره ابن إسحاق، قال: وقيل: جعلت أمرَها إلى أم الفضل، فجعلت أمَّ الفضل أمرها إلى العباس. وفي
(الاستيعاب)) لأبي عمر، ذكر سنيد عن زيد بن الحباب عن أبي معشر عن شرحبيل بن سعد، قال: لقي العباس
رسول الله وَلّ بالجُخْفة حين اعتمر عمرةَ العقبة، فقال: يا رسول الله تأيَّمتْ ميمونة، هل لك أن تتزوجها؟
فتزوجها رسول الله اَلر، وهو محرم، فلما أن قدم مكة أقام ثلاثًا ... الحديث.
وفي آخره: فخرج فبنى بسَرِف بها، فلما جعلت أمرها إلى غيرها، يُحتملُ أن يخفى عليها الوقت. الذي عقد فيه
العباس، فلم تعلم به إلا في الوقت الذي بنى بها، وعلِمَ ابن عباس أنه كان قبل ذلك، فالرجوع إليه أولى، كيف!
وقد تأيد برواية أبي هريرة، وعائشة؛ وذكر ابن إسحاق في ((مغازيه))، والطحاوي عن ابن عباس أنه عليه الصلاة
والسلام تزوجها وهو محرمٌ، فأقام بمكة ثلاثًا، فأتاه حويطب في نفر من قريش في اليوم الثالث، فقالوا: قد انقضى
أجلك، فأخرج عنا، فقال: وما عليكم لو تركتموني. فعرَّستُ بين أظهركم، فصنعنا لكم طعامًا، فحضرتموه،
فقالوا: لا حاجة لنا في طعامك، فأخرج عنا. فخَرج وخرجَ بميمونة، حتى عرَّس بها بسَرِف. وقال الطحاوي:
(رُوي عن عائشة ما يوافق ابن عباس. رَوى ذلك عنها من لا يَطعنُ أحدٌ فيه، ثم ذكر هذا السند، ثم قال: ((وكل
هؤلاء أئمة يحتج برواياتهم))، وقال في ((مشكل الحديث)): لم يختلف في ذلك عن عائشة.
قال الطحاوي: في ((كتاب مشكل الحديث)): حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني: حدثنا خالد بن عبد الرحمن
الخراساني: حدثنا كامل أبو العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: تزوج رسول الله وَّ وهو محرم)) قال
الطحاوي: وهذا مما لا نعلم أيضًا عن أبي هريرة فيه خلافًا. انتهى كلامه. والكيساني وثقه أبو سعيدِ السَّمْعَاني،
وخالد وثقوه، كذا في ((التهذيب)) للمِزْي، وكامل وثقه ابن مَعِين، والعِجْلي، وذكره ابن شاهين في ((الثقات)).
وأخرج له الحاكم في ((المستدرك)). وقال الطحاوي أيضًا: حدثنا روح بن الفرج: حدثنا أحمد بن صالح: حدثنا ابن
أبي فديك: حدثني عبد الله بن محمد بن أبي بكر، سألت أنس بن مالك عن نكاح المحرم. فقال: وما بأس به،
هل هو إلا كالبيع. وروح وثقه الخطيب، وأخرج له صاحبُ ((المستدرك)). وإجازةُ نكاح المحرم يُروى عن
عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعن أبيه، وعن جده. وقال ابن حزم: أجازَه طائفةٌ: صح ذلك عن
ابن عباس، وروي عن ابن مسعود، ومعاذ، وبه قال عطاء، والقاسم بن محمد، وعِكرمة، والنَّخَعي. وأبو حنيفة.
وسفيان . اهـ . ((الجوهر النقي)).
٣٠٣
كتاب جزاء الصيد
كان حين قدومِهِ إلى مكة، ما أخرجه الطحاوي عن ابن عباس: ((أنَّ رسول الله وَلِّ تزوج ميمونةَ
بنت الحارث، وهو حرام، فأقام بمكة ثلاثًا))، فأتاه حويطب بن عبد العزى في نفر من قريش في
اليوم الثالث، فقالوا: إنه قد انقضى أجلك، فاخرج عنا، فقال: ((فما عليكم لو تركتموني
فعرَّستُ بين أظهركم، فصنعنا لكم طعامًا، فحضر تموه))، فقالوا: لا حاجة لنا في طعامك،
فأخرج عنا، فخرج نبي الله وَّر، وخرج بميمونة حتى عرس بها بسَرِف . اهـ .
ففيه دليل على أنَّه قد كان تزوجها من قبلُ حين دخل مكة، ولذا دَعاهم إلى الوليمة، ولما لم
يتركوه إلا أن يخرج، نزل بسَرِف، وأولم بها، وكذا يدل عليه ما عند الترمذي: ((أن رسول الله اله
تزوجها وهو حلالٌ، وبنى بها حلالاً. وماتت بسَرِف، ودفناها في الظلة التي بنى بها فيها)) اهـ.
وتعجب الراوي على كون الأمور الثلاثة في موضع واحد. قال مولانا شيخ الهند: وإنَّما
يصحُّ التعجب إذا كانت تلك الوقائعُ في أسفارٍ كذلك، فالمعنى أنه تزوجها وهو ذاهب إلى مكة،
وبنى بها وهو راجع إلى المدينة، ثم ماتت بها في سَفْرةٍ أخرى، وهذا مما يتعجب منه لا محالة،
فإِذا ثبت أنَّه تزوجها في سفره إلى مكة، ثبتَ أنه تزوجها وهو محرمٌ، لأنك قد علمت أن سَرِفَ
قريبٌ من مكة، وميقاتُ أهل المدينة ذو الحليفة، فلا بد أن يكون محرمًا عند سَرِف، وإلا يلزمُ
مجاوزةُ الميقات بدون إحرام.
فإِن قلت: فكيف بأمر أبي قتادة(١)؟ فإنه اصطاد حِمارًا وحشيًا، وقد كان دَخَلَ الميقاتَ،
(١) يقول العبد الضعيف: وفي قصة أبي قتادة إشكالٌ من وجوه:
الأول في مجاوزةٍ أبي قَتَادة عن الميقاتِ بدون إحرام. ويتضِحُ جوابه مما ذكره الحافظ في سياق القِصة، قال:
وحاصل القصة أن النبيَّ ◌َّ لما خرج في عمرة الحديبية، فبلغ الرَّوْحَاء، وهي من ذي الحُلَيْفة على أربعة وثلاثين
ميلاً، أخبروه بأن عدوًا من المشركين بوادي غيقة، يُخشى منهم أن يقصدوا غرته، فجهز طائفةً من أصحابه. فيهم
أبو قَتَادة إلى جهتهم ليأمن شرُّهم، فلما أمنوا ذلك، لحقَ أبو قتادة وأصحابه بالنبي ◌َّرَ، فأحرموا، إلا هو، فاستمر
حلالاً، لأنه إما لم يجاوز الميقات، وإما لم يقصد العمرة.
قلت: والثاني جواب على طور الشافعية، فإنَّ نية العمرة أو الحج شرطٌ عندهم لوجوب الإِحرام، وبهذا يرتفعُ
الإِشكال الذي ذكره أبو بكر الأثرم. قال: كنتُ أسمعُ أصحابنا يتعجبون من هذا الحديث، ويقولون: كيف جاز
لأبي قتادة أن يجاوز الميقات، وهو غير محرم، ولا يدرون ما وجهه، قال: حتى وجدته في رواية من حديث أبي
سعيد، فيها: ((خرجنا مع رسول الله ◌َّ فأحرمنا، فلما كنا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة، وكان النبي ◌َّر بعثه في
وجه)) ... الحديث. قال: فإذا أبو قتادة إنما جاز له ذلك، لأنه لم يخرج يريدُ مكة. قلت: وهذه الرواية التي
أشار إليها تقتضي أن أبا قتادة لم يخرج مع النبي ◌ّر من المدينة، وليس كذلك لما بيناه. ثم وجدتُ في ((صحيح
ابن حبان))، والبزار، من طريق عياض بن عبد الله عن أبي سعيد، قال: ((بعث رسول الله اُلّ أبا قتادةَ على
الصدقة، وخرج رسول الله وَل﴿ وأصحابُه، وهم محرمون حتى نزلوا بعُسْفَان)»، فهذا سببٌ آخر، ويُحتمل جمعهما؛
والذي يظهرُ أن أبا قتادة إنما أخر الإِحرام لأنه لم يتحقق أنه يدخل مكة، فسَاغ له التأخير.
وقد استُدِل بقصة أبي قَتَادة على جواز دخول الحرم بغير إحرام لمن لم يرد حجًا ولا عمرة. وقيل: كانت هذه
القصة قبل أن يُوَقِّت النبيُّ وَّرَ المواقيت. وأما قول عياض ومن تبعه: إن أبا قتادة لم يكن خرج مع النبي وَّ من
المدينة، وإنما بعثه أهل المدينة إلى النبي ◌َل﴿ يعلِمُونه أن بعضَ العربِ قصدوا الإغارة على المدينة، فهو ضعيفٌ=
٣٠٤
كتاب جزاء الصيد
ولذا كان أصحابه محرمين؟ قلنا: إن النبيَّ ◌َُّ بعثه لحاجة، فذهب إلى طريقٍ غير طريقهم، ولم
يتفق له المرور بميقاتهم، فلذا كان هو حلالا ، وأصحابه محرمین.
وما قالوا: إن المواقيتَ لم تكن تعينت بعد، فلا يلزمُ مرورُه منها بدون إحرام، فذاك مردودٌ
بحديث البخاري، فإِنه يدل على أنَّ النبي ◌َّ لما خرِج لعمرة الحُدَيْبِيَة السنة السادسة، أحرمَ من
ذي الحُلَيْفة، فدل على تَعيُّنِ الميقات. وإذا ثبت أنَّ النبي ◌َِّ تزوجها وهو محرم، ثبت أنه لا
بأس بتزوج المحرم، وهذا ما أردنا. وتأوَّل ابن حبان حديث ابن عباس، فقال: إن المحرم
بمعنى الداخل في الحَرَمِ، كقولهم: أعرق وأنجد، وكقول الشاعر:
قتلوا ابنَ عفانَ الخليفةَ مُحرِمًا فدعا، فلم أرَ مِثْلَهُ مَخْذُولا
ومعلوم أنه لم يكن إذ ذاك محرِمًا من الإِحرام، كيف! وأنه كان بالمدينة، فمعناه أنه كان
داخل الحرم. قلتُ: وردَّه الأَصمعي، وهو عند الرشيد، كما حكاه الخطيب في ((تاريخه))،
وقال: أين أنت من مرادٍ الشاعر، ليس فيه المحرمُ على ما أردت، بل معناه ذي حُرمة، على حد
قوله :
فتولَّى، ولم يمتع بالكُفَنِ
قتلوا كِسْرى بليلٍ مُحرِمًا،
والأَصمعي هو عند الملك اللغوي، من رواة مسلم. ومما يدلك على أنَّ المحرمَ ليس
بمعنى الداخل في الحرم ما عند مسلم، قال يزيد بن الأصم: ((نكحها النبيُّ نَّه وهو حلال)).
وقال ابن عباس: ((إنه نكحها وهو محرم))، فدل التقابل على أن المرادَ من الإِحرام عند
الحلال، كيف! وقد صح عن عائشة أنَّه نكحها وهو محرم، ونحوه رُوي عن أبي هريرة، فكيف
يمكنُ أنْ يتفقَ هؤلاء كلهم على اللغة العربية؟! نعم، للمجادِل مجال وسيعٌ.
مخالف لما ثبت في هذه الطريق الصحيحة، طريق عثمان بن موهب الآتية بعد بابين، كما أشرت إليها قبل، اهـ .
=
من باب إذا صار الحلال ... إلخ.
والثاني ما توجه إليه شيخ الشريعة والطريقة، الحبر العلامة خليل أحمد قُدِّس سِرُّه في شرحه على أبي داود،
الشهير بـ ((بذل المجهود)»، ومنشأه ما في بعض سياق البخاري في قصة أبي قَتَادة، هكذا ((فخرجوا معه، فصرف
طائفة منهم فيهم أبو قتادة، فقال: خُذوا ساحلَ البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحلَ البحر، فلما انصرفوا أحرمُوا
كلهم، إلا أبا قتادة لم يحرم)). قال الشيخ - شارح أبي داود - قُدِّس سِرُّه: سياق حديث البخاري هذا مشكلٌ،
لأنه يخالف جميعَ السياقات التي أخرجها البخاري، وغيره، فإنَّه يدل على أن أبا قتادة، ومن معه خرجوا إلى
ساحل البحر، وكلهم لم يُحرموا، فلما انصرفوا من ساحل البحر أحرموا كلهم، إلا أبا قتادة، فإنَّه لم يحرم:
وجميع السياقات تدلُّ على أنّ رسول الله بَّرَ، ومن معه من أصحابه كلهم أحرموا من الميقات. إلا أبا قتادة فإنَّه
لم يحرم.
وتأوَّلَه القسطلَّاني بأن قوله: ((فلما انصرفوا)). شرط ليس جَزَاؤْه قوله: ((أحرموا كلهم إلا أبو قتادة))، بل جزاؤه قوله:
((فبينما هم يسيرون إذا رأوا حمار وحش)). وتقديرُ العبارة: فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا، وكانوا قد أحرَمُوا
كلهم من الميقات، إلا أبو قتادة، فإنَّه لم يُحرم من ذي الحُلَيْفة. قال الشارح قُدِّس سِرُّه: ولم أر أحدًا منهم تعرض
إلى دفع الإشكال المذكور غيره، فجزاه الله تعالى خيرًا. انتهى ملخصًا.
٣٠٥
كتاب جزاء الصيد
١٣ - بابُ ما يُنْهِى مِنَ الطِّيبِ لِلمُحْرِمِ وَالمُحْرِمَةِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: لَا تَلَسُ المُخْرِمَةُ تَوْبًا بِوَرْسٍ أَوْ زَغْفَرَانٍ .
١٨٣٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ: حَدَّثَنَا اللَّيِثُ: حَدَّثَنَا نَافِعُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَّرَ
رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُمَا قالَ: قامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ماذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلبَسَ مِنَ النِّيَابِ في
الإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهُ: ((لَا تَلْبَسُوا القَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا العَمَائمَ، وَلَا
البَرَانِسََ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيسَتْ لَهُ نَعْلَانِ فَليَلبَسِ الخُفَّينِ، وَلَيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ،
وَلَّا تَلْبَسُوا شَيئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا الوَرْسُ، وَلَأَ تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُخْرِمَةُ، وَلَا تَلَبَسٍ
القُفَّازَينِ)). تَابَعَهُ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عُقْبَةَ، وَجُوَيرِيَةُ، وَابْنُ إِسْحَاقَ:
في النِّقَابِ وَالقُفَّازَينِ، وَقَالَ عُبَيدُ اللَّهِ: وَلَا وَرْسٌ. وَكَانَ يَقُولُ: لَا تَتَنَّقَّبِ المُحْرِمَةُ وَلَا
تَلْبَّسِ القُفَّازَينِ. وَقَالَّ مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: لَا تَقَّبِ المُخْرِمَةُ. وَتَابَعَهُ لَّيْثُ بْنُ
أَبِيَ سُلَيمٍ. [طرفه في: ١٣٤].
١٨٣٩ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرِمِ نَاقَتُهُ فَقَتَلَتْهُ، فَأَتِيَ بِهِ رَسُول
اللَّهِ وَّ فَقَالَ: ((اغْسِلُوهُ وَكَفِّنُوهُ، وَلَا تُغَطُوا رَأْسَهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ) .
[طرفه في: ١٢٦٥].
وقد علمت أنَّ الطيبَ قبل الإِحرام جائزٌ عندنا، وإن بقي ريحُه وجِرمُه، وكذا للتداوي بعد
الإِحرام، فاستقام التبعيض على طريقتي أيضًا .
١٨٣٨ - قوله: (ولا تنتقب المرأة) ... إلخ، اختُلف في رفع هذه الجملة ووقْفِها، ولم
يقض المصنفُ فيه بشيء. ويمكن أن يكون مال إلى الوقف. ولنا أن نقول: إن النِّقَاب إذا كان
مجافیّا عن الوجه، فلا بأس به عندنا أيضًا .
١٤ - بابُ الإِغْتِسَالِ لِلمُحْرِمِ
وَقَالَ ابْنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَدْخُلُ المُخْرِمُ الحَمَّامَ. وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ وَعائِشَةُ
بِالحَكِّ بَأْسًا.
٠ ١٨٤٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ زَيدِ بْن أَسْلَمَ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَينٍ، عَنْ أَبِيه: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ العَبَّاسِ وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا
بِالأَبْوَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ المِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ المُحْرِمُ
رَأْسَهُ، فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ
القَرْنَينِ، وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبِ، فَسَلَّمْتُ عَلَّيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هذا؟ فَقُلتُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَينِ،
أَرْسَلَنِي إِلَيكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ العَبَّاسِ، أَسْأَلُكَ كَيفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ وَيُّهَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُّوَ
٣٠٦
كتاب جزاء الصيد
مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى النَّوْبِ فَطَأُطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قالَ لإِنْسَانِ يَصُبُّ
عَلَيهِ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمََّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، وَقالَ: مَكَذَا
رَأَيْتُهُ مَِّ يَفْعَلُ.
١٥ - بابُ لُبْسِ الخُّفَّينِ لِلمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ
١٨٤١ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: سَمِعْتُ
جابرَ بْنَ زَيدِ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَلِّ يَخْطُبُ
بِعَرَفَاتٍ: ((مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَينِ فَلْيَلبَسِ الخُفَّينِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلَيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ
لِلمُخْرِمِ)). [الحديث ١٨٤١ - أطرافه في: ١٧٤٠، ١٨٤٣، ٥٨٥٣].
١٨٤٢ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيِمُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابِ، عَنْ
سَالِم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ ما يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الْفِّيَابِ؟
فَقَالَ: ((لَا يَلْبَسِ القَمِيصَ، وَلَا العَمَائمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ
زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌَ، وَإِنَ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلَيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، ولَيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ
الكَعْبَينِ)). [طرفه في: ١٣٤].
وفي بعض الروايات: ((وليقلعهما أسفل من الكعبين))، فهو عندنا على الوجوب، وعند
أحمد على الاستحباب.
١٦ - بابٌ إِذَا لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ فَليَلبَسِ السَّرَاوِيلَ
١٨٤٣ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيدٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ◌َّهِ بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ: ((مَنْ لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ فَلَيَّلَسٍ
السَّرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَينِ فَلَيَلْبَسِ الخُفَّينِ)). [طرفه في: ١٧٤٠].
١٨٤٣ - قوله: (ومن لم يجد الإزار فليلبس السراويل) ... إلخ، قال الطحاوي: ويلبَسُه
بعد الفتق، ولا جزاء، وإلا فعليه الجزاء.
١٧ - بابُ لُبْسِ السِّلاَحِ لِلمُحْرِمِ
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إِذَا خَشِيَ العَدُوَّ لَبِسَ السِّلاحَ وَافَتَدَى. وَلَمْ يُتَبَعْ عَلَيهِ في الفِدِيّةِ.
١٨٤٤ - حدّثنا عُبَيدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْه: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ وَِّ فِي ذِي القَعْدَةِ، فَأَبِى أَهْلُ مَكَّةَ أَنَّ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ:
لَا يُدْخِلُ مَكَّةَ سِلَاحًا إِلَّ في القِرَابِ. [طرفه في: ١٧٨١].
ولم يذكر له حكمٌ في كتبنا، وجوزه المصنِّفُ مطلقًا. قلتُ: وينبغي فيه التفصيل بين ما
غطّ الرأس، وبين ما لم يغطه، كما في اللباس.
٣٠٧
كتاب جزاء الصيد
١٨٤٤ - قوله: (حتى قاضاهم)، به استدل الشافعية على أنَّ عمرةَ القضاءِ بمعنى الصلح،
لا بالمعنى المقابل للأداء.
١٨ - بابُ دُخُولِ الحَرَمِ وَمَكَّةَ بِغَيرِ إِحْرَامٍ
وَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ، وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ◌ََِّّ بِالإِهْلَالِ لِمَنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ
لِلحَطَّابِينَ وَغَيْرِهِمْ.
١٨٤٥ - حدّثنا مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ وََّ وَقَّتَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيفَةِ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرَنَ الَمَنَازِلِ،
وَلأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ، وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيهِنَّ مِنْ غَيرِهِمْ، مَنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ،
فَمَنْ كانَ دُونَ ذلِكَ فَمِنْ حَيثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ. [طرفه في: ١٥٢٤].
١٨٤٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ دَخَلَ عامَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَةً
جاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَقَالَ: ((اقْتُلُوهُ)). [الحديث ١٨٤٦ - أطرافه
في: ٣٠٤٤، ٤٢٨٦، ٥٨٠٨].
قد علمت ما فيه من المذاهب، وكذا الجواب عن استدلال الخصوم. ولعل المصنفَ
اختار مذهب الشافعية. ولنا قول النبي ◌َّر في فتح مكة: ((ولا يحل لأحدٍ بعدي))(١) ... إلخ،
فهو عندي في القتالِ والدخولِ بلا إحرام كليهما، فإنَّه دخلها، وعلى رأسه المغفر لأنه لم يكن
محرمًا يومئذٍ، ولذا أعلن أنه من خصائصه في ذلك اليوم، ولا يحل لأحد بعده أن يقاتل بها .
ويدخلُ فيه دخوله بدون إحرام عندي، فكان الأمران خاصةً له في ذلك اليوم.
١٨٤٥ - قوله: (من أراد الحج والعمرة) ... إلخ، قلتُ: ولما كان الحجُّ والعمرةُ واجبين
في العُمْر مرةً، ولم يكن لهما وقتٌ معينٌ في هذه السنة، أو هذه السنة، ناسبَ لفظ الإِرادة، فلا
يدل على عدم وجوب الحج والعمرة، بل الإِرادةُ بحَسَب الانتشار في زمن أدائهما. فمن أراد أن
يحج في هذا العام حجَّ، ومن أراد أن يحج من قابلٍ، فله في ذلك أيضًا سَعة. وحينئذ لَطْف فيه
لفظ الإرادة جدًا .
(١) قال ابن العربي في ((العارضة)): إن قوله: من أراد الحج والعمرة يقتضي أن من دَخّلها لحاجة، لا يريد الحجّ
والعمرة، لا يحرم. ولمالك في ذلك روايتان. وللشافعي قولان. وأبو حنيفة صرَّح أنه لا يدخلها إلا حَرَامًا، ولو
كان من أهلها، ولو كان الكل من الخلق سواء، لما خصَّ مريدَ الحج والعمرة بالبيان في وقت الحاجة. وعمدتهم
قوله: ((لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحدٍ بعدي، وإنما أُحِلت لي ساعة من نهار)» ... إلخ، لم يرد به حل
القِتَال، لأنه حلالٌ له أبدًا، بل واجب، وكذلك غيره، فدل على أنه أراد بما اختص به من ذلك حلّ الإِحرام.
ولتعارض الأدلة اختلفَ قول العلماء، والاحتياط للإِحرام. إلا من كَبُرَ دخولُه، فيرتفع للمشقة. والله تعالى أعلم
بالصواب.
٣٠٨
كتاب جزاء الصيد
١٩ - بابٌ إِذَا أَحْرَمَ جاهلاً وَعَلَيهِ قَمِيصٌ
وَقَالَ عَطَاءٌ: إذَا تَطَيبَ أَوْ لَبِسَ جاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا كَفّارَةَ عَليهِ.
١٨٤٧ - حدّثنا أَبُو الوَلِيد: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا عَطَاءٌ قالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ
يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ قالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَيهِ جُبَّةٌ فِيهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ أَوْ
نَحْوُهُ، كانَ عُمَرُ يَقُولُ لِي: تُحِبُّ إِذَا نَزَلَ عَلَيهِ الوَحْيُ أَنْ تَراهُ؟ فَنَزَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ،
فَقَالَ: ((اصْنَعْ في عُمْرَتِكَ ما تَصْنَعُ في حَجِّكَ)). [طرفه في: ١٥٣٦].
١٨٤٨ - وَعَضَّ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ، يَعْنِي فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَأَبْطَلُهُ النَّبِيُّ ◌َرِ. [الحديث ١٨٤٨ .
أطرافه في: ٢٢٦٥، ٢٩٧٣، ٤٤١٧، ٦٨٩٣].
والمصنف أباح نَزْعَها ولو بالتغطية، واعتبرَ الجهلَ عُذرًا في مواضع عديدة. وعندنا يَنزِعُها
بالشق. قلتُ: وإن اعتبرَ المصنِّفُ الجهلَ والنِسيان عذرًا في تلك المسألة، فما يقول في قتلٍ
الصيد؟ فإنَّ الجمهور اتفقوا فيه على وجوب الجزاء مطلقًا، والكلام فيه مر منا مبسوطًا في
العلم، فراجعه.
٢٠ - باب المُحْرِمِ يَمُوتُ بِعَرَفَةَ، وَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ يُؤَدَّى عَنْهُ بَقِيَّةُ الحَجِّ
١٨٤٩ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيّ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِه
بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ، أَوْ قالَ فَأَفْعَصَتْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ
وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَينِ - أَوْ قَالَ: ثَوْبَيهِ - وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ
يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ يُلَبِّيِ)). [طرفه في: ١٢٦٥].
١٨٥٠ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ ◌َيهِ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ
رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ، أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َلَّهِ: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي
ثَوْبَينٍ، وَلَا تَمَسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا تُحَنِّطُوهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ
مُلَبِّيًا)). [طرفه في: ١٢٦٥].
وعندنا تفصيلٌ بالوصية وعدمها، فإنْ أوصى يجبُ على الورثة أنْ يحجُّوا عنه من ثُلُثِ
ماله، وإلا لا .
٢١ - بابُ سُنَّةِ المُخْرِمِ إِذَا ماتَ
١٨٥١ - حدّثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا هُشَّيمٌ: أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ
جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَجُلًا كانَ مَعَ النَّبِيِّ،َِّ، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَهُوَ
٣٠٩
كتاب جزاء الصيد
مُحْرِمٌ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ إِ﴿: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ
بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثِ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا)). [طرفاه في: ١٢٦٥، ١٢٦٧].
٢٢ - بابُ الحَجِّ وَالنُّذُورِ عَنِ المَيِّتِ، وَالرَّجُلِ يَحْجُّ عَنِ المَرْأَةِ
١٨٥٢ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
مُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَينَةَ، جاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ
فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّيَ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى ماتَتْ، أَفَأَحُجٍُّ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ، حُجِّي
عَنْهَا، أَرَأَيتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَينٌ أَكُنْتِ قاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالوَفاء)).
[الحديث ١٨٥٢ - طرفاه في: ١٦٩٩، ٧٣١٥].
فيحج عنه الورثة فيما إذا أوصى وترك مالًا. ومعنى النذر فيما إذا نذر به الميت في حياته،
فلم يقدر على أدائه حتى مات، فقضى عنه آخر.
قوله: (والرجل يحج عن المرأة) ... إلخ، يعني أن الرجل يحج عن المرأة وبالعكس. ولا
يُشترط أنْ يحجَّ عن الرجل الرجل، وعن المرأة المرأة، مع ثبوت الفرق بين محظورات إحراميه.
١٨٥٢ - قوله: (حجي عنها) ... إلخ، واعلم أنَّ العبادات إما بدنيةٌ مَحضة، أو مالية
صِرفة، أو ذو حظ من الطرفين: فالأول: كالصلاة والصوم، ولا تجري فيها النيابةُ مطلقًا، لأن
المقصود منها إتعابُ النفس، وذا لا يحصل إلا بفعله. والثاني: كالزكاة، وتجري فيها النيابة
مطلقًا، لحصول المقصودِ، وهو أداء الحق إلى مستحقُّه. والثالث: كالحج، وتجري فيها النيابة
عند العذر فقط .
٢٣ - بابُ الحَجِّ عَمَّنْ لاَ يَسْتَطِيعُ الثُّبُوتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ
١٨٥٣ - حدّثنا أَبُو عاصِم، عَنِ ابْنِ جُرَيِج، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ يَسَارٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الفَضْلِ بْنِ عُبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَنَّ امْرَأَةً (ح).
١٨٥٤ - حَدَّثَنَا مُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ
شِهَابٍ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: جاءَتِ امْرَأٌ مِنْ
خَشْعَمَّ عامَ حَجَّةِ الوَدَاعَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ في الحَجِّ،
أَدْرَكَتْ أَبِي شَيخًا كَبِيرًا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَهَل يَقْضِي عَنْهُ أَنْ أَحْجَّ
عَنْهُ؟ قالَ: (نَعَمْ)). [طرفه في: ١٥١٣].
وهذه مسألة أخرى، ويُقال لها: مسألة المعضوب. قيل: إن المعضوب إذا لم يقدر على
ركوب الراحلة، فمن أين جاء الوجوب؟ فقيل: ليس عليه نفس الوجوب. وقيل: بل وجوب
الأداءَ ساقطٌ عنه. والمسألة دائرةٌ بين الإِمام وصاحبيه وتعرض إليه الشيخ ابن الهمام في
((الفتح)).
٣١٠
كتاب جزاء الصيد
٢٤ - بابُ حَجِّ المَرْأَةِ عَنِ الرَّجُلِ
١٨٥٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيمانَ بْنِ
يَسَارِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كانَ الفَّضْلُّ رَدِيفَ النَّبِيِّ نَّهِ، فَجَاءَتِ
امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَم، فَجَعَلَ الفَضَّلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيهِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَّهِ يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ
إِلَى الشِّقِّ الآخِرِ، فَقَالَتْ: إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أَدَرَكَتْ أَبِي شَيخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ،
أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قالَ: ((نَعَمْ)). وَذلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. [طرفه في: ١٥١٣].
وإنما تعرَّض إليه البخاري بخصوصِهِ لمكان النقصان في حج المرأة من حيث عدم جهرها
بالتلبية، وعدم الرَّمَل في الطواف، والسعي على هيئتها فهل تنوبُ عن الرجل مع هذا النقصان؟.
٢٥ - بابُ حَجِّ الصِّبْيَانِ
١٨٥٦ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيِدَ قالَ:
سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: بَعَثَنِي - أَوْ قَدَّمَنِي - النَّبِيُّ ◌َرَ فِي الثَّقَلِ مِنْ
جَمْعٍ بِلَيلٍ. [طرفه في : ١٦٧٧].
١٨٥٧ - حدّثنا إِسْحاقُ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ عَمِّهِ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: أقْبَلتُ وَقَدْ نَاهَزْتُ الحُلُمَ، أَسِيرُ عَلَى أَتَانٍ لِي، وَرَسُولُ اللَّهِ بََّ قَائِمٌ
يُصَلِّي بِمِنْى، حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدَي بَعْضِ الصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ نَزَلتُ عَنْهَا فَرَتَعَتْ، فَصَفَفْتُ
مَعَ النَّاسِ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ وَهَ. وَقَالَ يُّونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: بِمِنَّى في حَجَّةِ الوَدَاعِ.
[طرفه في: ٧٦].
١٨٥٨ - حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا حِاتِمُ بْنُ إِسْماعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
يُوسُفَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ و ◌َهَ وَأَنَا ابْنُ سَبْعٍ سِنِينَ.
١٨٥٩ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ: أَخْبَرَنَا القَاسِمُ بْنُ مالِكِ، عَنِ الجُعَيدِ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمُنِ قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ يَقُولُ لِلسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَكَانَ قَدْ حُجَّ بِهِ فِي ثَقَلِ
النَّبِيِّ وَِّ. [الحديث ١٨٥٩ - طرفاه في: ٦٧١٢، ٧٢٣٠].
واعلم أنَّ عبادات الصبيان كلها معتبرةٌ عندنا، نعم تقع نفلًا عنه وعليه حجَّةٌ ثانية بعد
البلوغ، ولا ينوب حجُّه في صِباهُ عن حَجَّةِ الإِسلام. وسها فيه النووي حيث نسب إلينا بطلانَ
حجه .
٢٦ - بابُ حَجِّ النِّسَاءِ
١٨٦٠ - وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ: أَذِنَ عُمَرُ
٣١١
كتاب جزاء الصيد
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ وََّ في آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ وَعَبْدَ
الرَّحْمُنِ بْنَ عَوْفٍ .
١٨٦١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ قالَ: حَدَّثَتْنَا
عائِشَةُ بِنْتُ طَلحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَاَ قالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
أَلَا نَغْزُوَ وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: (لَكِنَّ أَحْسَنُ الجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ الحَجّ، حَجِّ مَبْرُورٌ)). فَقَالَتْ
عائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هذا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَِّ. [الحديث ١٨٦١ - أطرافه في:
١٥٢٠، ٢٧٨٤، ٢٨٧٦].
١٨٦٢ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى
ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: قَالَ النَّبِيُّ مَ: ((لَا تُسَافرُ المَرْأَةُ إِلَّ مَعَ
ذِي مَحْرَمٌ، وَلَا يَذَخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّ وَمَعَهَا مَحْرٌَ)). فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي
أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ في جَيشٍ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الحَجَّ؟ فَقَالَ: اخْرُجْ مَعَهَا)). [الحديث
١٨٦٢ - أطرافه في: ٣٠٠٦، ٥٢٣٣،٣٠٦١].
١٨٦٣ - حدّثنا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعِ: أَخْبَرَنَا حَبِيبٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ وَّهِ مِنْ حَجَّتِهِ، قَالَ لأُمِّ سِنَانٍ
الأَنْصَارِيَّةِ: ((مَا مَنَعَكِ مِنَ الحَجِّ؟)) قالَتْ: أَبُو فُلَانٍ، تَعْنِي زَوْجَهَا، كانَ لَهُ نَاضِحَانِ حَجَّ
عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا. قَالَ: فَإِنَّ عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةٌ مَعِي)).
رَوَاهُ ابْنُ جُرَيجٍ، عَنْ عَطَاءٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ عَبْدٍ
الكَرِيمِ، عَنْ عِطَاءٍ، عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ. [طرفه في: ١٧٨٢].
١٨٦٤ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيرٍ، عَنْ قَزَعَةَ
مَوْلَى زِيَادٍ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ، وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ◌ََّ ثِنْتَي عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَالَ: أَرْبَعُ
سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ - أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِّ ◌َِّ - فَأَعْجَبْتَنِي وَآتَقْنَنِي: ((أَنْ لَا
تُسَافِرَ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَينٍ لَيسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُوَ مَحْرَمٍ، وَلَا صَوْمَ يَوْمَينِ: الفِظْرِ
وَالأَضْحِى، وَلَا صَلاةَ بَعْدَ صَلَاتَينِ: بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَّ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى
تَظْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلىَ ثَلاثَةٍ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي،
وَمَسْجِدِ الأَقْصى)). [طرفه في: ٥٨٦].
ولم يأذن عمر لأمهات المؤمنين أن يحججنَ بعد النبيِّ وَّر، ويخرجن من البيوت، لكون
حِجَابهنَّ حجابَ الشخص، مع أنهنَّ قد فرغن عنه في حياة النبي ◌َّرَ. ثم لما أسنَّ وقعَ رأيُه أن
يُجيزهنَّ بالحج، فأذِن لهنَّ، وبعث معهن عبد الرحمن، وعثمان ليكون أحدهما قُدَّامهن، والآخر
خلفهن كرامة لهنَّ، وإظهارًا لشوكة حَرَم رسول الله بِّهِ. وقد استفدت من بعض الحكايات أنَّ
الصحابة لم يكونوا يعملون بالاجتهاد في مقابلة خليفة الإِسلام، فهذه عائشة التي ردت على كثير
٣١٢
كتاب جزاء الصيد
من الصحابة رضي الله عنهم، لم تقل لعمر شيئًا. وفي النقول أنها كانت تأمرُ السائل أنْ يذهبَ
إلی عثمان، فيستفسره عما جاء به إليها .
١٨٦٢ - قوله: (لا تسافر المرأة)، وقد مر مني أنَّ الحديث ورد في الأسفار العامة،
والمحدثون يخرجُونه في سفر الحج.
٢٧ - بابُ مَنْ نَذَرَ المَشْيَ إِلَى الكَعْبَةِ
١٨٦٥ - حدّثنا ابْنُ سَلام: أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيدِ الطَِّيلِ قالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتٌ،
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وََّ رَأَى شَيخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ، قالَ: ((ما بَالُ هذا؟))
قالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ. قالَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبٍ هذا نَفسَهُ لَغَنِيٌّ)). وأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ.
[الحديث ١٨٦٥ - طرفه في: ٦٧٠١].
١٨٦٦ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُؤُسى: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيج أَخْبَرَهُمْ
قالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ: أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا الخَيرِ خِّدَّثَهُ، عَنْ
عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَن تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، وَأَمَرَثْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَّهَا النَّبِيَّ ◌َّـ
فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ: ((لِتَمْشِ وَلَتَرْكَبْ)). قالَ: وَكَانَ أَبُو الخَيرِ لَا يُفَارِقُ
عُقْبَةَ .
حدّثنا أَبُو عاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، عَنْ يَحْيِى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ،
عَنْ عُقْبَةَ ... فَذَكَرَ الخِّدِيثَ.
قال الحنفية: إن من نذر المشي إلى الكعبة يلزمُه حجّ أو عمرة، لاشتهاره في العرف
لأحدهما، فإنَّ المشي ليس عبادةً مقصودةً، فإن ركبَ فيه يلزمه الجزاءُ لإِدخال النقيصة في حجه.
وذكر الطحاوي أنَّ عليه الهَذْي لتركِ المشي، والكفارة للحنثِ، واستدل عليه بالرواية، ولم يذكره
غيره.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
٢٩ - كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَة
١ - بابُ حَرَمِ المَدِينَةِ
١٨٦٧ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ: حَدَّثَنَا عاصِمٌ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمُنِ
الأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَِّّ ◌ََّ قالَ: ((المَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا، لَا
يُقْطَعُ شَجَرُهَا، وَلَا يُخْدَثُ فِيهَا حَدَثَّ، مَنْ أَحْدَثَ فِيها حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَهُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)). [الحديث ١٨٦٧ - طرفه في: ٧٣٠٦].
١٨٦٨ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ قالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ المَدِينَّةَ، وَأَمَرَ بِنَاءِ المَسجِدِ، فَقَالَ: ((يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُوني)).
فَقَالُوا: لَا نَظْلُبُ ثَّمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، فَأَمَرَ بقُبورِ المُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخِرَبِ فَسُوِّيَتْ،
وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ. [طرفه في: ٢٣٤].
١٨٦٩ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنَي أَخِي، عَنْ سُلَيمانَ، عَنْ عُبَيْدٍ
اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َمِ قالَ: ((حُرِّمَ ما بَيْنَ
لَابَتَي المَدِينَةِ عَلَى لِسَانِي)). قالَ: وَأَتَى النَّبِيُّ ونَ﴿ بَنِي حَارِثَةَ، فَقَالَ: ((أَرَاكُمْ يَا بَنِي حارِثَةَ
قَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الحَرَمِ!)) ثمَّ التَفَتَ فَقَالَ: ((بَل أَنْتُمْ فِيهِ)). [الحديث ١٨٦٩ - طرفه في: ١٨٧٣].
وفي كتب الحنفية، كما في ((الدر المختار)): أن لا حَرَمَ للمدينة، مع ثبوته في الحديث ثبوتًا لا
مردّ له. وعندي هو قصورٌ في التعبير فقط، والأولى أن يقال: إن لها حرمًا، ولكن لا كحرم مكة،
فإنَّ له أحكامًا ليست لحرم المدينة. ومن ادّعى اتحاد الأحكام بين الحرمين يحتجُ عليه بالتعامل، فيا
أسفي على تعبيراتهم تلك، ولو أصلحوها لم يرد عليهم ما أوردَ عليهم الخصوم، فإنَّ الحق قد يعتريه
سُوءُ تعبير، فإنَّ التعاملَ لم يُجر إيجابَ الجزاء على من قطع أشجار الحرم.
كيف! وقد أمر النبيُّ ◌َلل بقطع الأشجار عند بناء مسجده المبارك بنفسه، وإنما نهى عن
قطع الأشجار التي منها بهاء الحرمَ وخضرته وزهرته. وما عند مسلم: أن سعد بن أبي وقاص
أخذَ ثياب غلام رآه يقطعُ شجر الحرم، وأبى أنْ يردّها على مولاه، وقال: إنها طعمةٌ من
رسول الله ﴾، فليس من باب إيجاب قيمته أصلًا، بل هو تعزير مالي فقط، ألا ترى أنه لم
يذهب أحد في حرم مكة إلى أنَّ من قطعَ شجرةً تُسلب عنه ثيابه، فكيف بحرم المدينة؟ وإنما
الواجبُ عليه قيمته لا غير، فهذا باب آخر.
٣١٣
٣١٤
كتاب فضائل المدينة
ولعل المصنّفَ أشار إلى الفرق بين الحرمين، كما قلنا، ولذا أخرج قطعَ النَّخْل بعد النهي
عن قطع الشجر، ليدل على أنَّ النبي ◌َّ إنما أمر بقطع النخل لمكان الضرورة، فهو جائزٌ إذا
دَعَته حاجةٌ ولا جزاء. وإذن لا يكون معنى النهي إلا أن يذهبَ القطعُ بزينة الحرم. ولو كان
النهي لمعنى الحرم لاستوى الأمر في الحاجة وغيرها. ألا ترى أنه لا يجوزُ قطع شجر الحرم
لأجل الضرورة أيضًا، ومن قطعه وجبَ عليه الجزاءُ، ولا كذلك حرمُ المدينة، فالنهي فيه لمعنى
الزينة إن شاء الله تعالى.
١٨٧٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ،
عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ما عِنْدَنَا شَيءٌ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ
وَهذهِ الصَّحِيفَة عَنِ النَّبِيِّ ◌ََِّّ: ((المدِينَةُ حَرَمٌ ما بَينَ عائِرٍ إِلَى كَذَا، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا
أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا
عَدْلٌ)). وَقالَ: ((ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ أَخْفَرِ مُسْلِمًا فَعَلَيهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيِهِ لَعْنَةُ اللَّهِ
وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَذَلٌ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: عَدْلٌ:
فِدَاءٌ .
١٨٧٠ - قوله: (ما بين عائر إلى كذا)، وفي لفظ: ((عير، وإلى كذا)) أي إلى ثَوْر. قال
صاحب ((القاموس)): إن ثور جبلٌ بمكة، فكنت متحيرًا فيه، إذ دلني أعرابي أنه جبلٌ خلف أحد
بالمدينة أيضًا .
قوله: (من أحدث فيها حدثًا) ... إلخ، أي الجبايات التي تجبى إلى الإِمام، وهي
المحاصيل، على نحو قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ ... الآية، وفسر الإلحاد بالظلم.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى ءَايَيْنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَاً﴾ ، فالمراد من الإلحاد في الأسماء،
إبقاء الألفاظ بحالها مع التحريف في معانيها، وحقائقها، كما يفعله القادياني الشقي اللعين.
قوله: (لا يقبل منه صرف ولا عدل) قيل في تفسيره: فريضةٌ ولا نافلةٌ. وقيل: نقدٌ
ولا عَرَضٌ، والأول أشهر. وعندي هو محاورةٌ لا تنكشِفُ حقيقتُها ما لم يراجع إلى كلام
الجاهلية .
٢ - بابُ فَضْلِ المَدِينَةِ، وَأَنَّهَا تَتْفِي النَّاسَ
١٨٧١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ يَحْيِى بْنِ سَعِيدٍ قالَ: سَمِعْتُ
أَبَا الحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ ◌َّهِ : ((أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى، يَقُولونَ: يَثِرِبُ، وَهيَ المَدِينةُ، تَنْفِي النَّاسَ كما يَنْفِي
الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ)).
٣١٥
كتاب فضائل المدينة
فيه عموم غير مقصود(١)، فلا يردُ أنَّ بعضَ الفُساق كانوا فيها إلى وفاتهم.
١٨٧١ - قوله: (يقولون: يثرب)، وقد مر الكلام فيه. وأما قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ يَثْرِبَ لَا
مُقَامَ لَكُمْ﴾ فهو حكاية عن قولهم، لا إطلاقٌ من جهتِهِ.
٣ - بابٌ المَدِينَةُ طَابَةُ
١٨٧٢ - حدّثنا خالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ: حَدَّثَنَا سُلَيمانُ قالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيِى، عَنْ
عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حُمَيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَقْبَلنَا مَعَ النَّبِيِّ وَّهَ مِنْ تَبُوكَ،
حَتَّى أَشْرَفَنَا عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: ((هذهِ طَابَةُ)). [طرفه في: ١٤٨١].
٤ - بابُ لاَبَتَي المَدِينَةِ
١٨٧٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوُسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
المسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ كانَ يَقُولُ: لَوْ رَأَيتُ الظَّبَاءَ بِالمَدِينَةِ تَرْتَعُ ما
ذَعَرْتُهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((ما بَينَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ)). [طرفه في: ١٨٦٩].
٥ - بابُ مَنْ رَغِبَ عَنِ المَدِينَةِ
١٨٧٤ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ
المسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلّهِ يَقُولُ: ((يَتْرُكُونَ المَدِينَةَ
عَلَى خَيرِ ما كانَتْ، لَا يَغْشَاهَا إِلَّ العَوَافِ - يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطّيرِ - وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ
رَاعِيَانٍ مِنْ مُزَينَةَ، يُرِيدَانِ المَدِينَةَ، يَنْعَقَانِ بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحوشًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةً
الوَدَاعِ، خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِما)).
١٨٧٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ سُفيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ
اللّهِ وَّهِ يَقُولُ: ((تُفتَحُ اليَمَنُ، فَيَأْتِيَ قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلونَ بِأَهْلِهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ،
وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. وَتُفْتَحُ الشَّأُمُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ
وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. وَتُفْتَحُ العِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبْسُونَ،
فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)).
قوله: (العواف) هي الحيوانات التي تنزل إلى البلد تطلب الرزق.
(١) يقول العبد الضعيف: وفي حديث عند البخاري: ((أن المدينةَ ترجُف ثلاث رجفات، فيُخرِجُ الله كل منافقٍ
وكافرٍ)). قلت: وعند ذلك يظهرُ الأمرُ على جَلِيَّتِه. ويتضحُ أنها كانت كالكير ألبتة، فاندفع الاعتراضَ. وإنما أردنا
الإِشارة فقط. وإن قَصَرت عن فهمها. فقل لا أبالك ما بدا لك.
٣١٦
كتاب فضائل المدينة
١٨٧٤ - قوله: (فيجد أنها وحوش)، وكنا نفهمُ أولًا أن المرادَ منه خرابُ المدينة حتى تسكُنَ
بها الوحوش، ثم بدا أنَّ المعنى أنَّ الغنم تصيرُ وحُوشًا، كوحوش الحيوانات، فلا تستأنِسُ بأهلها .
واعلم أني أجد كثيرًا من الصحابة انتشروا في الأرض، ولما حضر أجلهم رجعوا إلى
المدينة وماتوا بها .
٦ - بابٌّ الإِيمَانُ يَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ
١٨٧٦ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ،
عَنْ خُبَيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ حَفصٍ بْنِ عاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ
رَسُولَ اللّهِ نَّهِ قالَ: ((إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ، كما تَأْرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا)).
ولم أزل أتفكر ما وجْهُ الشَّبَه بين الدين والحية حتى شبه بها، فرأيت في ((حياة الحيوان)) أنَّ
من خصائص الحيةِ الرجوعَ إلى جُخْرِها، ولو قطعت الصحارى والبراري، وهذا هو حال الدين،
يأرز إلى المدينة، مع انتشاره بين خوافق السماء والأرض.
٧ - بابُ إِثْمٍ مَنْ كادَ أَهْلَ المَدِينَةِ
١٨٧٧ - حدّثنا حُسَينُ بْنُ حُرَيثٍ: أَخْبَرَنَا الفَضْلُ، عَنْ جُعَيدٍ، عَنْ عَائِشَةَ - هِيَ بِنْتُ
سَعْدٍ - قالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهَ يَقُولُ: (لَا يَكيدُ أَهْلَ
المَدِينَةِ أَحَدٌ إِلَّا انْمَاعَ، كما يَنْماعُ المِلحُ في المَاءِ».
٨ - بابُ آَطَامِ المَدِينَةِ
١٨٧٨ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عِبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابِ قالَ: أَخْبَرَنِي
عُرْوَةُ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ نَّهُ عَلَى أُظُم مِنْ آَطَام المَدِينَةِ،
فَقَالَ: ((هَل تَرَوْنَ ما أَرَى؟ إِنِّي لأَرَى مَوَاقِعَ الفِتَنِ خِلالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ القَظَرِ». تَابَعَهُ
مَعْمَرٌ وَسُلَيمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [الحديث ١٨٧٨ - أطرافه في: ٢٤٦٧، ٣٥٩٧، ٧٠٦٠].
٩ - بابٌ لاَ يَدْخُلُ الدَّجَّالُ المَدِينَةَ
١٨٧٩ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللّهِ قالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ،
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِّ ◌َُّ قالَ: ((لَا يَدْخُلُ المَدِينَةَ رُعْبُ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، لَهَا
يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَّكَانٍ)). [الحديث ١٨٧٩ - طرفاه في: ٧١٢٥، ٧١٢٦].
١٨٧٩ - قوله: (لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال) ... إلخ. واعلم أنَّ في بعض الروايات:
((ولا الطاعون إن شاء الله تعالى))، فكلمة الاستثناء تتعلق بالطاعون فقط، لا بالدجال، فإنَّ الشقي
الدجال لم يدخلها، ولن يدخلَ حتى يلجَ الجملُ في سَمِّ الخِيَاطِ، فإن اطلعتَ في لفظ على كلمة
الاستثناء مع عدم دخول الدَّجال أيضًا، فاعدذه من تقديم الرواة، وتأخيرهم، وهي بالحقيقة بالطاعون.
٣١٧
كتاب فضائل المدينة
قوله: (لها يومئذ سبعة أبواب)، والمدينة لم يكن لها سورٌ في زمن النبيِّ نَّله حتى بناه
السلاطين، وهي يومئذٍ لها سبعة أبواب، كما أخبر بها الصادقُ المصدوق وَّرَ.
١٨٨٠ - حدّثنا إِسْماعيلُ قالَ: حَدَّثَني مالِكٌ، عَنْ نُعَيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُجْمِرِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهَ: ((عَلَى أَنْقَابِ المَدِينَةِ مَلَائِكَّةٌ، لَا
يَذْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ)). [الحديث ١٨٨٠ - طرفاه في: ٥٧٣١، ٧١٣٣].
١٨٨١ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِر: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو: حَدَّثَنَا إِسْحاقُ :
حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ بَّرْ قالَ: ((لَيسٍ مِنْ بَلَدٍ إِلَّ سَيَطَؤُهُ
الدَّجَّالُ، إِلَّا مَّةَ وَالمَدِينَةَ، لَيسَ لَهُ مِنْ نِقَائِهَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ المَلَائِكَّةُ صَافِينَ يَحْرُسُونَهَا،
ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ)). [الحديث ١٨٨١ .
أطرافه في: ٧١٢٤، ٧١٣٤، ٧٤٧٣].
١٨٨٢ - حدّثنا يَحْيِىِ بْنُ بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قالَ:
أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ: أَنَّ أَبَا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: حَدَّثَنَا
رَسُولُ اللَّهِ نََّ حَدِيثًا طَوِيلًا عَنَ الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيما حَدَّثَنَا بِهِ أَنْ قالَ: ((يَأْتِي الدَّجَّالُ -
وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ المَدِينَةِ - بَعْضَ السِّبَاخِ التِي بِالمَدِينَةِ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ
رَجُلٌ هُوَ خَيرُ النَّاس ◌ِ أَوْ مِنْ خَيرِ النَّاسِ - فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا عَنْكَ
رَسُولُ اللَّهِ وََّ حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيتَ إِنْ قَتَلتُ هذا ثُمَّ أَحْيَيتُهُ هَل تَشُكُونَ في
الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ حِينَ يُحْبِيهِ: وَاللَّهِ ما كنْتُ قَطْ أَشَدَّ بَصِيرَةً
مِنِّي اليَوْمَ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَقْتُلُهُ؛ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ)). [الحديث ١٨٨٢ - طرفه في: ٧١٣٢].
١٨٨٢ - قوله: (رجل هو خير الناس) قال المحدثون: إنه الخَضِرُ عليه السلام. وعندي هو
رجل آخر من الصالحين، ولي عليه قرائن.
١٠ - بابٌ المَدِينَةُ تَنْفِي الخَبَثَ
١٨٨٣ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: جَاءَ أَغْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلامِ، فَجَاءَ
مِنَ الغَدِ مَحْمُومًا، فَقَالَ: أَقِلِنِي، فَأَبِى، ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَقَّالَ: ((المَدِينَةُ كالكِيرِ تَنْفِيَ خَبَثَهَا،
وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا)). [الحديث ١٨٨٣ - أطرافه في: ٧٢٠٩، ٧٢١١، ٧٢١٦، ٧٣٢٢].
١٨٨٤ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
يَزِيدَ قالَ: سَمِعْتُ زَيدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ نََّ إِلَى أُحُدٍ، رَجَعَ
نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: نَقْتُلُهُمْ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: لَا نَقْتُلُهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى
المَُفِقِينَ فِتَتَيِّ﴾ [النساء: ٨٨]. وَقالَ النَّبِيُّ وَّةُ: ((إِنَّهَا تَنْفِي الرِّجَالَ كما تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ
الحَدِيدِ)). [الحديث ١٨٨٤ - طرفاه في: ٤٠٥٠، ٤٥٨٩].
٣١٨
كتاب فضائل المدينة
١٨٨٤ - قوله: (فنزلت ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَفِقِينَ فِئَتَيْنٍ﴾) ... إلخ، واعلم أن قِصة نزول الآية
قِصةٌ على حِدَة، ليس فيها قول النبي ◌َّ: ((إنها تنفي الدجال)) ... إلخ؛ والراوي جَمَعَ بينهما،
فأوهم نفي هؤلاء المنافقين عنها، مع أن كثيرًا منهم ماتوا بالمدينة.
والتفصيلُ أن النبيَّ ◌َّ لما خرج لغزوة أحدٍ رجعَ أناس ممن صاحبوه، وكانوا منافقين،
فاختَلَف الصحابة فيهم، فقال بعضهم: نقتلهم، وقال آخرون: لا نقتلهم، فنزلت الآية: ﴿فَمَا لَكُمْ
فِى الَُْفِقِينَ﴾ ... إلخ، فالقصة كانت هذه، ولم يقل النبيُّ ◌َّر فيها: ((المدينة تنفي)) ... إلخ، مع
أن الراوي ذكره فيها، فأوهم أنَّ النبيَّ وَِّ أراد منه أنَّ المدينة لا تترك هؤلاء أن يسكنوا بالمدينة،
بل تنفيهم، مع أن كثيرًا منهم ماتوا بها .
وحاصل الجواب: أن هذا القول لم يصدر منه في تلك القصة، وفي هؤلاء المنافقين،
وإنما جمع الراوي بينهما من تِلقائه، فاعلمه.
١١ - بابٌ
١٨٨٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحمَّدٍ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: سَمِعْتُ
يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قالَ: ((اللَّهُمَّ اجْعَل
بِالمَدِينَةِ ضِعْفَي مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ). تَابَعَهُ عُثْمَانُ بَنُ عُمَرَ، عَنْ يُونُسَ.
١٨٨٦ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ إِلَى جُدُّرَاتِ المَدِينَةِ، أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ
كانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا، مِنَ حُبِّهَا .
١٢ - بابُ كَرَاهِيَةِ النَّبِيِّ بَّ أَنْ تُغْرَى المَدِينَةُ
١٨٨٧ - حدّثنا ابْنُ سَلامِ: أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيدِ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ رَضِي اللَّهُ
عَنْهُ قالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَّحوَّلُوا إِلَى قُرْبِ المَسْجِدِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ أَنْ تُعْرَى
المَدِينَةُ، وَقالَ: ((يَا بَنِي سَلِمَةَ، أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَّارَكُمْ؟)). فَأَقَامُوا. [طرفه في: ٦٥٥].
١٣ - بابٌ
١٨٨٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: حَدَّثَني خُبَيبُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ حَفْصٍ بْنِ عاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َلْ قالَ:
((ما بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضَِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي)). [طرفه في: ١١٩٦].
١٨٨٩ - حدّثنا عُبَيدُ بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َ﴿ِ المَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، فَكانَ
أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الحُمَّى يَقُولُ:
كُلُّ امْرِىءٍ مُصَبَّحٌ في أَهْلِهِ وَالمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
٣١٩
كتاب فضائل المدينة
وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أَقْلَعَ عَنْهُ الحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ يَقولُ:
بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلٌ
أَلَا لَيتَ شِعْرِي هَل أَبِيثَنَّ لَيلَةً
وَهَل يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ
قالَ: اللَّهُمَّ العَنْ شَيبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، كما أَخْرَجُونَا مِنْ
أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الوَباءِ. ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرِ: («اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةً أَوْ
أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في صَاعِنَا وَفي مُدِّنَا، وَصَحِّحْهَا لَنَا، وَانْقُل حُمَّاهَا إِلى الجُحْفَةِ)).
قالَتْ: وَقَدِمْنَا المَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ، قالَتْ: فَكانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلًا، تَعْنِي ماءً
آجِنًا. [الحديث ١٨٨٩ - أطرافه في: ٣٩٢٦، ٥٦٥٤، ٥٦٧٧، ٦٣٧٢].
١٨٩٠ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ خالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي
هِلَالٍ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً في
سَبِيلِكَ، وَاجْعَلَ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ وََّ. وَقَالَ ابْنُ زُرَيعٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ
زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَّا قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ:
نَحْوَهُ. وَقَالَ هِشَامٌ، عَنْ زَيدٍ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ حَفصَةً: سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
١٨٨٩ - قوله: (يرفع عقيرته) ... إلخ، وهي في الأصل صوت الجرح، ثم استعمل في
صوت الجريح، ثم في الصوت مطلقًا .
قوله: (شامة، وطفيل)، وفي كتب ((غريب الحديث)) إنَّا كُنَّا نراهما جَبَلين، ثم تبين أنهما
عينان، قاله الخَطَّابِي (١) .
قوله: (ماء آجنا) أي ماء متغيرًا متعفنًا، فدل على أنهم أيضًا كانوا عارفين بأصول الصحة.
قوله: (عن عمر قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك {قَل$)(٢).
هذا آخر كتاب الحج، والحمد لله على ما أنعم
(١) قلت: وفي تذكرة عندي عن الشيخ بعكسه، وهكذا يقع التقديمُ والتأخير في الكتابة، ومن جُبِلَ على الطعن لا
يُراعيه، فيرمي به الشيخ، مع أنَّه يكون من الكاتب، ثم يظن أنه من المحققين مع أنَّه حُرِم عن التمييز بين خطأ
الشيخ، والكاتب، فهداه الله، ولكن يا أخي عليك أنْ تأخُذَ بما صفا، ودع ما كدر، ولا تَعْجل بأخذ زلات
الناس، فإنَّه غرورٌ لا غير.
(٢) وأقول: اللهم هذه دعوة مستجابةٌ من خليفة خليفة حبيبك النبيِّ الأمي، فأنا أيضًا أدعوك بها، فاستَجب لي، ولا
تجعلني أشقى خلقك، اللهم اجعل حُبَّك أحبُّ الأشياء إليَّ، واجعل بلدة رسول أحبُّ البلاد إليَّ، ولا تُمني حتى
أكون بها، فإِنها بلدة يحبها رسولك، وتحبها لرسولك، وأنا أحبُّها لحبِّك إياها لرسولك، وحب رسولك إياها،
فتوقّني وأنا بها، فقد أممتك برجائي فلا تخيبني، اللهم هذه دعوة راج، دعاك بها، فاقبلها فإِنك قديرٌ، وتيسيرُ كل
عسيرٍ عليكَ يسيرٌ، بحرمة سيد الأنبياء البشير النذير، وآله الأزكى والأطهر من الماء النمير، استجب لي يا خبير يا
بصير، آمين آمين آمين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
٣٠ - كِتَابُ الصَّوْمِ
١ - بابُ وُجُوبٍ صَوْمٍ رَمَضَانَ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
﴾ [البقرة: ١٨٣].
٨٣
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
١٨٩١ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ طَلِحَةَ بْنِ عُبَيدِ اللَّهِ: أَنِ أَعْرَابِيًّا جاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ اَلِ ثَّائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالٌ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، أَخْبِرْنِي ماذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: ((الصَّلَوَاتُ الخَّمْسُ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ
شَيْئًا)). فَقَالَ: أَخْبِرِنِي ما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ: ((شَهْرَ رَمَضَانَ إِلَّا أَنْ تَّوَّعَ
شَيْئًا)). فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ فَلَهِ بِشَرَائِعِ
الإِسْلَام، قالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالحَقِّ، لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيُّ
شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَيِ: ((أَفَلَحَ إِنْ صَدَقَ))، أَوْ: ((دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ)). [طرفه في: ٤٦].
١٨٩٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهِمَا قالَ: صَامَ النَّبِيُّ ◌َِّ عاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلمَّا فُرِضُ رَمَضَانُ تُرِكَ. وَكانَ
عَبْدُ اللَّهِ لَا يَصومُهُ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ. [الحديث ١٨٩٢ - طرفاه في: ٢٠٠٠، ٤٥٠١].
١٨٩٣ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سعِيدٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ: أَنَّ عِرَاكَ بْنَ
مالِكٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ عُرْوَةً أَخْبَرَهُ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ
عاشورَاءَ في الجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَ بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، وَقَالَ رَسُولُ
اللّهِ الَِّ: (مَنْ شَاء فَلَيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاء أَفَطَرَ)). [طرفه في: ١٥٩٢] ..
ذهب عامةُ المفسِّرين إلى أن تلك الآيات نزلت في شهر رمضان، وعندي لا مِسَاسَ لها
برمضان، وإنما هي في الأيام البِيض وعَاشُورَاء، وكانت فريضةً قبل رَمَضَان. ولذا قال: ﴿أَيَامًا
مَعْدُودَاتٍ﴾ فتعبيرُه بالأيام أدَلُّ وأصْدَقُ على تلك الأيام من رمضان، كما يَشْهَدُ به الذَّوْقُ
الصائبُ. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنَكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي من لم يَصُمْ
تلك الأيام لمرضٍ أو سَفَر، فعليه أن يَقْضِيهَا من غير تلك الأيام. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ
طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وفي قراءة (يُطوّقُونَه)) وهذا الحكم أيضًا يتعلَّق بالأيام البيض، ولا
تعلّق له برمضان.
٣٢٠