النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١
كتاب الزّكاة
صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا)). تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ:
(هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا)). وَقَالَ ابْنُ جُرَيجٍ: حُدِّثْتُ عَن الأَعْرَجِ: بِمِثْلِهِ.
أي فكذلك الرِّقاب، بأن يؤدي عنه بدَل الكتابة، أو يعينَ عليه. والغارم: المديون، بشرط
أن لا يكون عنده نِصاب. وعند الشافعي هو الذي تحمَّلَ غَرَامةً، وإن كان له مال. ويُعلم من
كلام ((البدائع)): أن تفصيل الشافعية محتملٌ عندنا أيضًا، فلتراجع عبارته .
واختلف أئمتنا في تفسير (في سبيل الله)، فقيل: مُنْقَطَع الغُزَاة؛ وقيل: مُنقَطَع الحجاج.
والمراد منه عند البخاري جميع أبواب الخير، ولا يشترط فيهم الفقرُ عندنا أيضًا، ولا يُشترط
عنده التمليك في الزكاة أيضًا. ولذا جوز الإِعتاق عن مال الزكاة، وعندنا يشترط التمليك. وفي
((البحر)) إن المراد من الإِطعام في القرآن هو الإِباحة، ومن التصدُّقِ التمليكُ. وراجع الفرقَ بين
الإِباحة والتمليك من ((شرح الوقاية)) - من باب التيمم والعارية.
قوله: (في أيها أعطيت) ... إلخ، وهو مذهب الحنفية، فلا يُشترطُ عندنا صرفُها إلى
جميع الأصناف.
قوله: (عن أبي لاس، حملنا النبي وَّر على إبل الصدقة للحج)، قلنا: إن كان أُعطي لهم
للركوب فقط، فذا جائز عندنا أيضًا، وإن كان ملَّكَهم، فراجعْ له الفِقه، فإِنه صحيحٌ أيضًا على
مذهب أحد صاحبيه. والظاهرُ أنَّ فيه تمليك المنفعة دون العين.
١٤٦٨ - قوله: (ما ينقم ابن جميل) أي ما يُكْرِه أو (سكوابرانهين معلوم هوتا).
وقصته أن النبي ◌َّ كان دعا لسَعةِ ذات يده، - وكان في بؤسٍ وشدَّةٍ - فأغناه اللهُ تعالى ببركة
دعائه ◌َله، فكان يحضُر الجماعةَ ما دامت سارحته وَسِعتها المدینة، فلما کثرتْ من ذلك جعل یسكُن
البادية، وترك الجماعةَ، وكان يحضُر الجمعة فقط، فلما صارت أكثرَ من ذلك تركَ الجمعة أيضًا،
حتى إذا جاءه ساعي رسول الله وسلّم يطلبُ زكاةَ ماله، قال: إني لأراها جِزْيٌ، فمنع النبيُّ ◌َّ أن
تؤخذَ منه الزكاة، فلم تؤخذ منه حتى لم يأخذ منه الخلفاء أيضًا رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
قلتُ: وكان ينبغي لابن جميل أن يؤديَ زكاتَه بنفسه، وإن كان الخلفاء لم يأخذوها منه، رجاءً
من الله أن يتوب عليه. فإِن عدم قَبُوله ◌َّ زكاتَه إنما كان لأمر تكويني، ولا يرتفع عنه التشريع. وقد
قدَّمنا التنبيه على أن التشريعَ لا يرتفعُ بحال، وإن انكشف التكوين. وأجد أن بعضهم(١) لُعن من لسان
(١) ولم أتحقق عن الشيخ شيئًا في هذا البعض من هو، غير أني وجدتُ رجلًا قال النبي ◌َّر في حقه: ((بئس ابن
العشيرة، وأخو العشيرة))، أخرجه الترمذي في ((الشمائل)) وغيره. وفي ((المواهب اللدنية)) أن الرجل هو عُيَيْنة بن
حصن الفَزَاري، وكان يقال له: الأحمقُ المُطَاعِ، كذا فسَّره به القاضي عياض، والقرطبي، والنووي. وفي (التنبيه
من شرح مُلا عبد الرؤوف المُنَاوي على الشمائل)) قال القرطبي: في هذا الحديث إشارةٌ إلى أن عُيينة خُتِمَ له
بسوء، لأن المصطفى ذمه وأخبر بأن من كان كذلك كان شر الناس. ورده الحافظُ ابن حجر بأن الحديث ورد
بلفظِ العمومِ، وشرطُ من اتصف بالصفةِ المذكورةِ أنْ يموتَ على ذلك. وقد ارتدَّ عُيينة، ثم أسلم، كما مر. وهذا
أيضًا يكفي لإيضاح ما قاله الشيخ إن شاء الله تعالى ((جمع الوسائل)).
١٤٢
كتاب الزّكاة
صاحب الوحي، ثم آلَ أمرُهم إلى الخير آخرًا، فلعله يتوبُ فيتوبُ الله علیه.
قوله: (فأغناه الله ورسوله)، ونسبة الإِغناء إلى الرسول لههنا على طريق المجاورة فقط،
فإِن المباشر حقيقةً هو الله تعالى، ورسولُه مسبِّبٌ فقط. إلا أنه يُسامَحُ في العرف، فيسندُ الفعل
إلى المسبِّب، كالمُبَاشر، فهذه دقيقةٌ ينبغي أن لا يُغْفَل عنها. وقد نَبَّه عليها القرآن أيضًا، وهو
قوله تعالى ﴿لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُلْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] حيث لم ينه عنه ابتداءً، حتى إذا رأى
في إطلاق هذا اللفظ مضرةً، من حيث إن اليهود كانوا يلوون ألسنتهم فيه، نهى عنه. فالمسألة في
إطلاق الألفاظ التي يكون لها وِجْهةٌ من الجَوَاز أن يُغمضَ عنها ما لم تقع منه مضرةٌ. وهذا كما
ترى في نسبة الإِغناء إلى رسول الله وَّر، فإِنه إن أوْهَمَ نسبتُه إليه على طريق الحقيقة فهو ممنوعٌ
قطعًا، وإن لم يبالغ فيه الجهلاء، وأطلقوه على وجهِهِ فهو جائزٌ ولا ريب، كيف! وقد وقع في
الحديث ونحوه لفظ: يا رسول الله.
قوله: (وأما العباس) قيل: إن العباس إنما أنْكَرَ الزكاة لأنه أحسَّ ترفعًا في كلام عمر. أما عمر
فإن كان عمر، لكنَّ العباسَ كان عمَّ رسول الله ◌ََّ، وإنما عم الرجل صِنْو أبيه، فَكَرِه منه الكلام.
وحينئذٍ معنى قوله: (ومثلها معها)(١) إنكم تزعُمون أنه ينكرُ الزكاةَ، وأنا ضامنٌ له أنه يُعطي
لكم زكاته مرَّتين. وقيل: إنه لم يُنكر الزكاةَ، ولكنه يَّر كان يستوفي منه الزكاة لسنتين، فأنكرها،
(١) قلت: أخرج أبو عُبيد في ((كتاب الأموال)) ص ٥٨٩، فقال - أي ابن عباس -: ((قد عَجَّتُ لرسول الله وَّر صدقَة
سنتين))، فرفعه عمر إلى رسول الله وَّر، فقال: ((صدق عمي، قد تَعَجَّلنا منه صدقة سنتين)). ثم أخرج هذا اللفظ،
أي: ((فأما العباس فصدقتُه عليه، ومِثْلُها مَعَها)). قال أبو عُبيد: فهذا يبيِّنُ لك أنه قد كان أخرها عنه، ثم جعلها
دَيْنًا عليه يأخذُه منه. فهو في الحديث الأول قد تَعجَّل زكاتَه منه، وفي هذا أنَّه أخرها عنه. ولعل الأمرين جميعًا
قد كانا. انتهى ملخصًا. ص ٥٩٣.
وفي ((التعليق الصبيح)) قال أبو عُبيد: تأويلُه أنَّ رسول الله وَّهُ أخر زكاةً تلك السنةِ لعباس، والسنة الثانية، لأن ما
يؤذَّى في السنة الثانية زكاةُ السنتين الماضيتين. لما رأى احتياجَ العباس، وضيق يده.
وقوله: ((عليَّ))، يعني أنا ضامنٌ بوصولِ هذه الزكاة من العباس إلى المستحقين. وقيل: تأويلُه أنه عليه الصلاة
والسلام أخذ زكاة سنتين من العباس قبل وُجُوبها، فلما طلب الساعي الزكاةَ من العباس، فقال رسول الله وَّةُ: ((قد
وصلت إليَّ زكاتُه)). اهـ. ثم نقل عن التُّورِيِشْتِي احتمالاً آخر، وهو أنه يحتملُ أن النبيِّ ◌َّ استسلف منه مالاً ينفقه
في سبيل الله، ثم يحتسب له من الصدقة عند حلولها.
وقوله: ((مثلها))، أي في كونها فريضةً عام آخر. ولم يرد به المثلية في الأسنان والمقادير، فإن ذلك يتغيّرُ بزيادةٍ
المال ونُقصانه، ولا يعرف ذلك إلا بعد دخول عام آخر ... إلخ.
أما قوله ◌َّزَ في خالد)) ((فقد احتبس أدْرَاعه وأعبُدَه في سبيل الله)) فقال أبو عُبيد: إن فيه ثلاث سُنن:
إحداهن: أنها مثلُ قِصة العباس في تقديم الزكاة.
والثانية: أنَّه قَبِلَ الأدْرَاعِ، والأعبُدَ عِوَضًا من الزكاة، لأن العبيدَ والدروعَ لا زكاة فيها. فقد عُلم أنَّه أخذَهَا مكان صدقةِ
المواشي أو غيرها، كأخذ المالِ مكانَ غيره من الصدقة، إذا كان ذلك أوفقُ بالمأخوذ منه، وأصلحُ للمأخوذ له .
والثالثة: أنه جعل صدقَتَه كلّها في السبيل وحده، ولم يفرّقْها في الأصنافِ الثمانية، فرضي بذلك رسول الله ◌َّر،
وحسَّنه. انتهى ملخصًا: ص ٥٩٣، وص ٥٩٤.
١٤٣
كتاب الزّكاة
لأن زكاتَه كانت دينًا على بيت المال، ثم طلب عمر منه الزكاة. ثم إنهم قالوا: إن النبي ◌َّ- كان
يستقرضُ منه زكاته، ويصرِفها في المصارف الأخرى التي كانت على بيت المال. فإِذا جاء فيه
مالٌ كان يؤدي منه عما صرَفَه من الزكاة.
ولذا أفتيتُ لأصحاب المدارسِ أنْ يصرفوا مالَ الزكاة الذي عندهم في غير مصارفها دَيْنًا
عليهم، فإِذا جاء عندهم مالٌ في ذلكَ المصرفِ يؤدُّوه عما صَرَفُوه من مال الزكاة.
٥١ - بابُ الاسْتِغْفَافِ عَنِ المَسْأَلَةِ
١٤٦٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سعِيدِ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ نَاسًاَ مِنَ الأَنْصَارِ، سَأَلُوا رَسُولَ
اللَّهِ وَيِ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ ما عِنْدَهُ، فَقَالَ: (ما يَكُونُ عِنْدِي مِن
خَيرٍ فَلَنْ أَذَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَغْفِفِ يُعِقَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ
اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءٌ خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ)). [الحديث ١٤٦٩ - طرفه في: ٦٤٧٠].
١٤٧٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَهِ قَالَ: ((وَالَّذِيَّ نَفسِي بِيَدِهِ،َ لِأَنْ يَأْخِّذَ
أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ)).
[الحديث ١٤٧٠ - أطرافه في: ١٤٨٠، ٢٠٧٤، ٢٣٧٤].
١٤٧١ - حدّثنا مُوسى: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الزُّبَيرِ بْنِ العَوَّامِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نَيهِ قالَ: ((لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزَمَةِ الخَطَبِ عَلَىَ
ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَّعُوهُ)).
[الحديث ١٤٧١ - طرفاه في: ٢٠٧٥، ٢٣٧٣].
١٤٧٢ - حدّثنا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ
الزُّبَير، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: أَنَّ حِكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ
فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلتُهُ فَأَغْطَانِي، ثُمَّ سَأَلتُهُ فَأَغْطَانِي، ثُمَّ قالَ: ((يَا حَكِيمُ، إِنَّ هذا المَالَ
خَضِرَةٌ حُلوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةٍ نَفْسٍ بُورِكَ لَّهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ
فِيهِ، وكَانَ كالَّذِيٍ يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ،َ اليَدُ العُليَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفَلَى)). فُقَالَ حَكِيمٌ:
فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا، حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا .
فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى العَطَاءِ فَيَأْبِى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ دَعاةً لِيُعْطِيَهُ فَأَبِى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أَشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ
عَلَى حَكِيمٍ، أَنِّي أَغْرِضُ عَلَيهِ حَقَّهُ مِنْ هذا الفَيءٍ، فَيَأْبِى أَنْ يَأْخُذُّهُ. فَلَمْ يَرْزَأُ حَكِيمٌ أَحَدًا
١٤٤
كتاب الزّكاة
مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ حَتَّى تُوُفِّيَ. [الحديث ١٤٧٢ - أطرافه في: ٢٧٥٠، ٣١٤٣، ٦٤٤١].
٥٢ - بابُ مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ شَيئًا مِنْ غَيرِ مَسْأَلَةٍ
[الذاريات: ١٩ ]
١٩
وَلاَ إِشْرَافِ نَفْسٍ ﴿وَفِّ أَوَلِهِمْ حَقٌ لِلِسَآَبِلِ وَالْمَحْرُمِ (
١٤٧٣ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ سَالِم:
أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَّا قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ يُعْطِيْنِي
العَطاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفقَرُ إِلَيهِ مِنِّي، فَقَالَ: ((خُذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هذا المَالِ
شَيءٌ، وَأَنْتَ غَيرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وَما لَا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفسَكَ)). [الحديث ١٤٧٣ -
طرفاه في: ٧١٦٣، ٧١٦٤].
٥٣ - بابُ مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا
١٤٧٤ - حدّثنا يَحْيى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيِثُ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرِ قالَ: سَمِعْتُ
حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّه:
((ما يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلَّ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ)) .
١٤٧٥ - وَقالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فَبَيْنَا
هُمْ كَذلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ بِمُوسى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ وَلَ)). وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ
قَالَ: حَدَّثَني ابْنُ أَبِيٍ جَعْفَرٍ: ((فَيَشْفَعُ لِيُقْضِى بَيْنَ الخَلقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَّ بِحَلقَةٍ
البابِ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا محمودًا، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الجَمْعَ كُلُّهُمْ)). وَقالَ مُعَلَّى: حَدَّثَنَا
وُهَيْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي الَّزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ: سَمِعَ ابْنَ
عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا،َ عَنِ النَّبِيِّ وََّ: في المَسْأَلَةِ. [الحديث ١٤٧٥ - طرفه في: ٤٧١٨].
٥٤ - بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿لَا يَسْلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] وَكَمِ الغِنَى
وَقَوْلِ النَّبِيِّ وَِِّّ: ((وَلَا يَجِدُ غِنَى يُغْنِيهِ)). لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ
أُحْصِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ،
عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣].
١٤٧٦ - حدّثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِیادٍ قالَ:
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قالَ: ((لَيسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الأُكْلَة
وَالأُكْلَتانِ، وَلكِنِ المِسْكِينُ الَّذِي لَيسَ لَهُ غِنَّى، وَيَسْتَحْبِي، أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلحافًا)).
[الحديث ١٤٧٦ - طرفاه في: ١٤٧٩، ٤٥٣٩].
١٤٥
كتاب الزكاة
١٤٧٧ - حدّثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ،
عَنِ ابْنٍ أَشْوَعَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: حَدَّثَني كاتِبُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى
المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيّ ◌َ، فَكَتَبَ إِلَيهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َِلـ
يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ)). [طرفه في: ٨٤٤].
١٤٧٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيرِ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
صَالِحِ بْنِ كَيسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: أَعْطَى
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ رَهْطَا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، قَالَ: فَتَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ مِنْهُمْ رَجُلًا لَمْ يُعْطِهِ،
وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ يَّهِ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلتُ: مَا لَكَ عَنْ قُلَانٍ، وَاللَّهِ
إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنَا؟ قالَ: ((أَوْ مُسْلِمًا)). قالَ فَسَكَتُ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أَعْلَمُ فِيهِ، فَقُلتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، ما لَكَ عَنْ فَلَانٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنَا؟ قَالَ: ((أَوْ مُسْلِمًا)). قالَ: فَسَكَتُّ
قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أَعْلَمُ فِيهِ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ما لَكَ عَنْ فُلَانٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ
مُؤْمِنًا؟ قالَ: ((أَوْ مُسْلِمًا)). يَعْنِي: فَقَالَ: ((إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ،
خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ في النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ)). وَعَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالحِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ
قالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ هذا، فَقَالَ في حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ وَّه بِيَدِهِ، فَجَمَعَ بَيْنَ
عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قالَ: ((أَقْبِل أَي سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ)). قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ:
﴿فَكُبْكِبُواْ﴾ [الشعراء: ٩٤]: قُلِبُوا. ﴿مِّ﴾ [الملك: ٢٢]: أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ
عَلَى أَحَدٍ، فَإِذَا وَقَعَ الفِعْلُ، قُلتَ: كَبَّهُ اللَّهُ لِوَجْهِهِ، وَكَبَيْتُهُ أَنَا. [طرفه في: ٢٧].
١٤٧٩ - حدّثنا إِسْماعِيل بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَني مالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ قالَ: ((لَيسَ اَلْمِسْكِينُ الَّذِيَ
يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ، تَرُدُّهُ اللَّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالثَّمْرَةُ وَالثَّمْرَتَانِ، وَلكِنِ المِسْكِينُ الَّذِي لَا
يَجِدُ غِنَّى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفطِنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ)). [طرفه في: ١٤٧٦].
١٤٨٠ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: حَدَّثَنَا أَبُو
صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌ََّ قَالَ: ((لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، ثُمَّ يَغْدُوَ - أَحْسِبُهُ
قالَ - إِلَى الجَبَلِ، فَيَحْتَطِبَ، فَيَبِيعَ، فَيَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ)). قالَ
أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَكْبَرُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَهوَ قَدْ أَدْرَكَ ابْنَ عُمَرَ. [طرفه في: ١٤٧٠].
قال السيوطي: معناه لا يسألونَ الناسَ فيُلحِفُوا إلحافًا، يعني به أن المدحَ ليسٍ على عدمِ
سؤالهم المقيد بالإِلحاف. فإِن السؤالَ منفيُّ عنهم رأسًا، ولكن من عادة الإِنسان أنَّه إذا سألُ
وسأل، فإنَّ سؤاله ينتهي إلى الإِلحاف لا محالة. وقال الشيخ ناصر الدين بن المُنَيِّر: إن القيدَ
لمزيد التقبيح على نحو قوله: ﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَا﴾ [النور: ٣٣] وقوله: ﴿لَا
تَأْكُلُواْ الرِّبَوَأْ أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣٠].
١٤٦
كتاب الزّكاة
وفي ((الكنز)) أن السؤالَ حرامٌ على مَنْ كان عنده قوتُ يوم وليلة. وراجع أقسامَ الغنى من
(البحر)). وقد اختلفت الروايات فيه عند الطحاوي. والفصلُ عندَي أنه يختلِفُ باختلافِ الأحوال
والأشخاص، وليست فيه ضابطةٌ كُليةُ، وبهذا يحصلُ الجمع في جملة الروايات في ذلك.
قوله: (يحسبُهم الجاهلُ أغنياءَ من التَّعقُّف) والتفعُّلُ للتكلف، وليس على معنى أنَّهم
يتكلفونَ فيه، فإنه مذمومٌ، بل على معنى أنهم ليسوا بأغنياء في الحقيقة، ولكنهم يتكلّفُون
ويَظهرُون كأنهم أغنياء تَعفّفًا عن السؤال.
١٤٧٨ - قوله: (والله إني لأراه مؤمنًا) ... إلخ، وهو على حدٍّ قولِ عائشة لولدٍ ماتَ من
الأنصارَ: ((عصفورٌ من عصافير الجنة))، وقد قررناه في مواضع.
٥٥ - بابُ خَرْصِ التَّمْرِ
١٤٨١ - حدّثنا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يحيى، عَنْ عَبَّاسٍ
السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيدِ السَّاعِدِيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قالَ: غَزَوْنَا مَعَ الَنَّبِيِّ وَ غَزْوَةَ تَبُوكَ،
فَلَمَّا جاءَ وَادِيَ الْقُرَى، إِذَا امْرَأَةٌ في حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ وَ لأَصْحَابِهِ: ((اخْرُصُوا)).
وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ وَيَ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لَهَا: ((أَخْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا)). فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ
قالَ: ((أَما إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلَيَعْقِلُهُ)).
فَعَقَلْنَاهَا، وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَأَلقَتْهُ بِجِبَلٍ طَيِّىءٍ. وَأَهْدَى مَلِكُ أَيلَةً لِلَِّيِّ ◌َةُ
بَغْلَةً بَيضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ، فَلَمَّا أَتَّى وَادِيَ القُرَى قَالَ لِلمَرْأَةِ: (كَمْ
جاءَتْ حَدِيقَتُكِ؟)) قَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقِ، خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((إِنِّي
مُتَعَجِّلٌ إِلَى المَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فَلَيَتَعَجَّل)). فَلَمَّا - قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً
مَعْنَاهَا - أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قالَ: ((هذهِ طَابَةُ)). فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قالَ: ((هذا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا
وَنُحِبُّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟)) قالُوا: بَلَى، قالَ: ((دُورُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دُورُ
بَنِ عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ، أَوْ دُورُ بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، وَفي كُلِّ دُورٍ
الأَنْصَارِ؛ يَعْنِي خَيرًا)). [الحديث ١٤٨١ - أطرافه في: ١٨٧٢، ٣١٦١، ٣٧٩١، ٤٤٢٢].
١٤٨٢ - وَقَالَ سُلَيمَانُ بْنُ بِلَالٍ: حَدَّثَنِي عَمْرٌو: ((ثمَّ دَارُ بَنِي الحَارِثِ، ثُمَّ بَنِي
سَاعِدَةَ)). وَقَالَ سُلَيمانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قالَ: ((أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)). وقالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: كُلُّ
بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حائِظٌ فَهَوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيهِ حائِظٌ لَمْ يُقَلِ حَدِيقَةٌ.
واعلم أن السَّلاطين كانوا يَبعثُون أمينًا لهم - يُسمَّى الخَارِصُ - إلى أصحابِ النخيلِ، لِيَحْزِرَ
ثمارهم، ثم يُخلِّي بينهم وبين ثمارهم، فإذا بلغ وقت الجُذَاذ، يستوفي منه بحساب ما خَرَصَ.
والنفعُ فيه أن لا يخونَ فيها أصحابَ المال، فيتضرَّر منه بيت المال، وأن يبقى المالكون
في فُسحة من الإِنفاق كيف شاؤوا، فكان ذلك أيسرُ لبيت المال والمالكين جميعًا. واعتبره
١٤٧
كتاب الزّكاة
الحنفية أيضًا (١)، إلا أنهم لم يجعلوه حجةً ملزمةً، وإليه ذهب مالك. فإنْ وقع الاختلافُ بين
الخارِصِ والمالِك لا يُقضى عليه بقولِ الخارصِ فقط .
فإن قلت: فأيُّ فائدةٍ في الخَرْص؟ قلتُ: الفائدةُ ما قد علمتَه آنفًا من اليُسر للجانبين. ومن
سوءِ بعض عباراتٍ أصحابِنا، نُسبَ إلينا عدمُ اعتباره مطلقًا، وليس بصواب، فإن الأحاديثَ قد
وردت به صراحةً. وجعل الشافعيُّ قولَ الخارص حجةٌ إن ظهرَ خلافُه بعد الكيل. ولهم في
التَّضمِين قولان: التضمين، وعدمه، والأظهرُ هو الأول. قلتُ: وعلى الثاني لم يبق بيننا وبينهم
کثیرُ فرقٍ.
والحاصل: أن الخَرْصَ ليس أمرًا فاصلاً عندنا. والنفعُ فيه أن يبقى للمالكين تذكارًا
للخرص، فلا يرزأوا حق الفقراء. والذي يدل على أن الخرصَ تخمينٌ فقط، قوله وَّة
للخارصين: ((دعوا الثُّلُثَ، فإن لم تدعوا الثلث، فدعوا الربع))، فدل على أنه أمرٌ تقريبيُّ فقط.
وليس من اللازم أن يكون ما خَرَصه صحيحًا، فإن الإِنسانَ قد يغلطَ في الحزْرِ، فأمرهم أن
ينقِصُوا منه الثلث أو الربع، لئلا يتضرَّرَ به المالكون. ولو كان أمرًا فاصلًا لما ردد بالثلث أو
الربع، فإن الثلث قد يزيد على الربع بمقدارٍ كثير، فالاستثناء بالترديد مع التفاوتِ الفاحش بين
الثلث والربع، يدلُّ على أنه أمر تخمينيٌّ لا غير. وقد اختلف الناسُ في شرح الجملة المذكورة
على أقوال، وجرَّها كلٌّ منهم إلى مذهبه. وقد ذكرناها مع ما لها وما عليها في أمالي ((جامع
الترمذي)» .
١٤٨١ - قوله: (فألقته بجبل طيىء)، وفي الشروح: إنه لم يمت، ولقي النبيَّ بَّه بعد ما
رجع.
قوله: (إني مُتعجل إلى المدينة)، لا يريد به السرعة في السير، بل الذهابَ من أقرب
الطريقين .
قوله: (هذا جبل يحبنا) ... إلخ، فيه دليلٌ على أنَّ في الجمادات أيضًا شعورًا. ثم إن
أُحدًا من الجنة، وأن عَيْرًا من جهنم. وظني أنه إذنْ لا يكونُ يسبِّحُ، وقد رأيت في رواية أنَّ
النبيِ وَل﴾ مرّ على الجندان - جبل بناحية مكة - فقال: ((سبق المفردون)) وكنت أتفكّرُ في معناه،
وأنه لم قال هذا عند هذا الجبل؟ حتى رأيت في ((الوفا)) للسَّمْهُودي، أنه كان يشير إلى قولٍ
شاعر :
(١) قال الخَطَّابي: رُوي عن الشَّعبي أنه قال: الخَرُصُ بدعةٌ. وأنكرَ أصحابُ الرأي الخَرْصَ ص ٤٤ - ج٢. وقال
القاضي أبو بكر بن العربي: اتفق أبو حنيفة وأصحابه على أن الخرصَ بدعةٌ، وأُعجِبُوا لمساعدة الثوري لهم على
ذلك، مع معرفته بالسنن، وتمكّنِهِ في بحبوحةِ الأخبار.
قلت: ولم أر كونِه بدعةً مرويًا عن أبي حنيفة في كُتُبٍ أصحابِنا. نعم، في العيني: أنه مكروهٌ عند أئمتنا، وكذا في
بعض الكتب أنه باطلٌ، ومنشأه عبارةُ الطحاوي. ولله درُّ الشيخ حيث نقّح مذهب أبي حنيفة على طورٍ لم يبق فيه
مخالفةٌ للأحاديث، ولا لكلامِ نَقَلَةِ المذهب. وإنما تعرِفُ قدْرَه بعدما ترجعُ إلى كتب أصحابنا فترى فيها اختلافًا،
مع مخالفتها لظاهر الأحاديث، وحينئذ فتشكُرَه شكرًا جزيلاً.
١٤٨
كتاب الزّكاة
وقبلنا سَبَّحَ الجُودِيُّ، والجند
ثم إن التسبيحَ أفضلُ من كلمة التوحيد، من جهة أنَّ الله تعالى يسبح أيضًا. وفي ((الكنى))
للُّولابي عن عطاء: أن الله تعالى يصلي، وصلاته: سُبُّوحٌ قدوسٌ، سَبَقتْ رحمتي غضبي.
٥٦ - باب العُشْرِ فِيما يُسْقَى مِنْ ماءِ السَّمَاءِ وَبِالمَاءِ الجَارِي
وَلَمْ يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ في العَسَلِ شَيئًا .
قوله: (ولم ير عمر بن عبد العزيز في العسلِ شِيئًا) ولنا في وجوب العشر مرسلٌ جيدٌ،
أخرجه الزَّيلعي. وما عند أبي داود: ((في كلٌّ عَشْرة أَزُقِّ زِقٌّ)) ... إلخ - بالمعنى -.
١٤٨٣ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ
يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قالَ:
((فِيما سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ، أَوْ كانَ عَثَرِيًّا، العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بالنَّصْحَ نِصْفُ العُشْرِ)).
قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هذا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ، لأَنَّهُ لَّمْ يُوقِّتْ في الأَوَّلِ، يَغْنِي حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ : ((فِيما
سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ)). وَبَيَّنَ في هذا وَوَقَّتَ، وَالزِّيادَةُ مَقْبُولَةٌ، وَالمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَّى المُبْهَمِ إِذَا
رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ، كما رَوَى الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِلَمْ يُصَلِّ في الكَعْبَةِ، وَقَالَ بِلَاَلٌ:
قَدْ صَلَّى، فَأُخِذَ بِقَوْلِ بِلَالٍ، وَتُرِكَ قَوْلُ الفَضْلِ.
١٤٨٣ - قوله: (وكان عثريًا)، وهو من العثور، وهو الشجر الذي لا يحتاج إلى سَقْيٍ، بل
يشربُ الماءَ بعروقِهِ، كالشجر على شطّ الأنهار.
١٤٨٣ - قوله: (قال أبو عبد الله: هذا تفسير الأول) ... إلخ. وحاصل ما ذكره المصنفُ
أنَّ حديث ابن عمر مبهمٌ، ليس فيه بيانٌ للنِّصاب، وحديث أبي سعيد الآتي حديث مفسرٌ لما فيه
من بيان النصاب. وأرادَ من الحديثِ المبهم الحديثَ العام، ومن المفسر الحديثَ الخاص. فإِذا
تعَارض الخاصُّ والعام، والمبهم والمفسرَ، يحملُ المبهمُ على المفسر، والعامُّ على الخاص،
لما في المفسرِ والخاص زيادة ليست في المبهم والخاص. والأخذ بالزائد فالزائد أولى. وقلنا
في المسألة الأصولية: إن العام والخاص إذا تعارضا، فإن كان الخاص مؤخرًا متراخيًا يُجعل
ناسخًا للعام بقدر ما تناوله الخاص، ويبقى العامُّ محكمًا في الباقي، وإن لم يُدر التراخي، أو
التاريخ يعطى له حكم التعارض، ويصار إلى الترجيح. وأقول في مقابلة تعبيرهم: إنَّا نُعطي كلَّ
ذي حقٍ حقَّهُ، كما أنهم يأخذون بالزائد فالزائد. قال الشوكاني: لما تعارض الأمر بالإنصات
والقراءة أخرجنا الفاتحة عن حكم الإنصات، وأبقينا حكمه فيما بقي. قلتُ: لما تعارض الأمران
أخرجنا المقتدي عن حكم القراءة، فأخذناه بحَسَب الأشخاص، كما أخذه الشوكاني باعتبار
القراءة .
١٤٩
كتاب الزّكاة
٥٧ - بابٌ لَيسَ فِيما دُونَ خَمْسَةٍ أَوسُقِ صَدَقَةٌ
١٤٨٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيِى: حَدَّثَنَا مالِكٌ قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ،
عَنِ النَّبِّ وَِّ قالَ: ((لَيَسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ صَدَقَّةٌ، وَلَا فيِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ الإِبِلِ
الذَّوْدِ صَدَقَةٌ، وَلَا في أَقَلَّ مِنْ خَمْسٍ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ)). قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هذا تَفْسِيرُ
الأَوَّلِ إِذَا قالَ: ((لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقِ صَدَقَةٌ)) لِكَوْنِهِ لَمْ يُبَيّنْ، وَيُؤْخَذُ أَبَدًا في العِلمِ بِمَا
زَادَ أَهْلُ الثَّبَتِ أَوْ بَيِّنُوا . [طرفه في: ١٤٠٥].
واعلم أنَّ النَّصاب شرط في السوائم والنقدين إجماعًا .
أما الزرعُ والثمارُ ففيهما أيضًا نصابٌ عند الثلاثة، وأما عند الإمام أبي حنيفة ففي قليلها
وكثيرها العُشر، وهو ظاهر القرآن. كما علمته من قبل، وأقر به ابن العربي. وبذلك عملَ الخليفة
العَدْل عمر بن عبد العزير، فكتب إلى عُمَّاله أن يأخذوا العشر من كل قليل وكثير، كما أخرجه
الزيلعي، فدل على أنه جرى به التعامل. وهو مذهب مجاهد، والزهري، وإبراهيم النَّخَعي، كما
في ((فتح القدير)) أيضًا.
وأما قوله وَله: ((ما أخرجته الأرض ففيه العشر)) فهو للإمام أبي حنيفة خاصة، لا يشاركه
فيه أحد. فإذا شهدَ لنا ظاهر القرآن، والحديثُ الصريح، وتعامل السلف، لم يبق ريبٌ في
ترجيح مذهبنا .
أما وجه قوله ◌َّر في حديث أبي سعيد: ((ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة)) فهو عندي
محمولٌ على العَرِيّة، كما سنفصله.
قال ابن الهمام: تعارض فيه العام والخاص في مِقْدَار خمسة أوْسق، ولا ريب أن
الاحتياط بالإِيجاب، فقلنا به. وقال صاحب ((الهداية)): إن الحديث ورد في زكاة التجارة دون
العشر، وذلك لأنهم كانوا يتبايعون بالأوْسَاق، وقيمةُ الوَسْق يومئذ كانت أربعين درهمًا، فيكون
قيمة خمسة أوسق مائتي درهم، وهو نصاب الزكاة. وحاصله أنهم نقلوا حديثَ التجارة إلى باب
آخر، فَحدَثَ التعارض، مع أن الحديث العام كان في العشر، وذلك في زكاة التجارة، فلا
تعارض أصلًا .
وقال الشيخ بدر الدين العيني في ((شرح البخاري)): إن المراد من الصدقة، الصدقاتُ
المتفرقة، وهي من الحقوق المنتشرة التي قد تجبُ في الأموال سوى الزكاة، فالحديث عنده ليس
من باب العُشر. كما حمل عليه الجمهور، ولا من باب الزكاة، كما قال به صاحب ((الهداية))،
بل من باب الحقوقِ المنتشرة. وحاصله أن تلك الحقوق لا تؤخذُ ممن كان عنده هذا المقدار.
قلتُ: ويرد على هذه الأجوبة كُلُّها ما عند الطحاوي ص ٣١٥ - ج١: ((ما سقت السماء،
أو كان سَيْحًا، أو بَعْلًا ففيه العُشر إذا بلغ خمسة أوْسق)) ... الحديث؛ وإسناده قوي. وفيه
سليمان بن داود، وليس بابن أرقم الذي هو ضعيف، بل هو رجل آخر صَرَّح به أبو بكر بن
١٥٠
كتاب الزّكاة
عاصم الظاهري في ((كتاب الديات)). فإِنه يدلُّ على أن الحديثَ في العشر لا في الصدقات
المتفرِّقة، كما ذهب إليه العيني. ولا من باب التجارة، كما اختاره صاحب («الهداية».
والذي وضح لدَيّ في هذا المطلب أنه محمولٌ على العَرِيَّة، وتفصيلُه ينبني على مقدمةٍ،
وهي أن زكاةً السَّوائم، والخارج من الأرض من حقوق بيت المال، فيأخُذَها الساعي ويرفعها
إليه، وليس لأصحاب الأموالِ أن يدفَعُوها إلى المساكين بأنفسهم. أما زكاةُ الثمارِ الرَّظْبة فيلزم
من كُتُب الحنفيةِ أنَّه يجوزُ دفعُها للمالكين أيضًا، ولا يجب دفعُها إلى بيت المال، وإن لم
يكتُبُوه، بشكل المسألة، فإِنها مما يَتَسَارِعُ إليه الفساد، فيتعسَّر حملُها إلى بيت المال، أو يتعذر،
فيصرفها المالك في مصارفها بنفسه. كما قال الشيخ ابن الهمام في قوله وَ ير: ((ليس في
الخضراوات صدقة)) .
إنَّ النفي فيه محمول على صدقةٍ تُرفع إلى بيت المال، فلا دليلَ فيه على نفي الصدقة رأسًا .
فخرجَ منه أن المسألةَ فيما يتسارعُ إليه الفساد، أن لا ترفعَ زكاتُه إلى بيت المال، بل يؤديها
صاحبها بنفسه. وفيه إشارة إلى أن إطلاقَ الصدقة في عُرفهم كان على صدقة تُرفع إلى بيت
المال. وأما ما كان يصرِفه الرجل بنفسه فلم تكن تُسمَّى صدقة، وهذا عرف معقول. فإِن بيتَ
المال إذا لم يأخُذْها وتركها إلى المالكين لينفقوها في سُبُل الخير كيف شاؤوا، صارت في نظره
كأن لم تكن، لم يبق له عنها بحث. فهي عفو بمعنى عدم أخذها منهم، لا بمعنى عدم الوجوب
رأسًا .
كيف! والله سبحانه قد أوجب فيه العُشرَ عندنا. وبعبارة أخرى أنه إذا لم تظهر، لوجوبها
ثمرةٌ لبيت المال صارَ كأنه لم يجب في نظره، فصحَّ التعبيرُ بالعفو مرة، ونفي الصدقة أخرى.
ومن ههنا ظهر لك شرح آخر لقوله ◌َّر: ((عَفَوت عن صدقةِ الخيل)»، فلعله لم يرد بذلك نفيَ
الزكاة رأسًا، بل عدم وجوب أدائها إلى بيت المال على شاكلة الأموال الباطنة، فصار عفوًا بهذا
المعنى .
إذا علمت هذا، فاعلم أن العربَ قد جرت عادتهم بأنهم كانوا يُعيرون أشجارًا للفقراء
ليأكلوا من رطبها، فأباح لهم الشرع أن يفعَلُوها في خمسة أوسق، ثم أمر عامِليه أن لا يأخذوا
منها شيئًا، لأنه يُؤدي إلى تثنية الزكاة في سنة. أو امتناع الناس عن الإِنفاق بأنفسهم، وكان مما
لا بُد لهم بحَسَب عاداتهم، فعفى عنهم لهذا. وحينئذٍ صَارت شاكلتُه شاكلة قوله ◌َّرُ: ((عفوت
عن صدقة الخيل))، وقوله ◌َّر: ((وليس في الخضراوات صدقة)) على شرحنا. فإنَّ الزكاةَ في كلها
منفية باعتبار رفعِها إلى بيت المال، لا لعدم وجوبها .
بقي مطالبة البرهان، على أن تلك الخمسة هي التي في باب العَرِيَّة، أو غيرها، وأنَّ عدمَ
أخذ الزكاة من هذه الخمسة لكونها عَرِيَّة، أو لعدم وجوب الزكاة فيها. فأقول وبالله التوفيق: أما
إن خمسة أوْسُق هذه هي التي فيها العَرِيَّة، فلما أخرجه الطحاوي: ص ٢١٢ عن أبي هريرة
مرفوعًا ((أنَّ النبيَّ ◌ََّ رخص في بيع العَرَايا في خمسة أوْسُق، أو فيما دون خمسة
أوسق)) ... إلخ، فلما رأيتُ أنه رخص فيه بالعَرِيَّة في هذه الأوسق، ثم رأيت في باب الزكاة
١٥١
كتاب الزّكاة
تلك بعينِها لم توجب فيها صدقة، قلتُ: ما بالُ هذه اعتبرت في الموضعين: خمسة ههنا،
وخمسة هنالك؟ وحينئذ تَحدَّس لي أنَّ بينهما ربطًا لا محالة، أَوْجَب الرُّخصةَ فيها في
الموضعين .
ولم أزلْ أتفكّر فيه حتى ظهر لي أنَّ الشرعَ لما رخصه بالعَرِيَّة في تلك المِقْدَار بنفسه نظرًا إلى
أنه يتصدق فيها بنفسه، وجب له أنْ يُخففَ الصدقة عنها، كي لا يؤدي إلى تثنية الزكاة في سنة
واحدة. وحينئذٍ حكم ذِهني أن خمسةً أوْسُق في باب الزكاة هي التي رِخِصَ فيها في البيوع. ومن
ههنا ظهر وجهُ اختلافهم في وجوب العشرِ في خمسةٍ أوسقٍ، وذلك أنَّ صدقَتَها لمّا لم تكن ترفعُ
إلى بيت المال حمله بعضهم على نفيها في هذا المقدار مطلقًا، وحمل بعضهم على أنَّ صدقَتَها وإن
لم تُرفعْ إلى بيت المال، لكنها لم تخل عن إيجاب حق، قالوا بالعشر، كالحلب يوم ورود
المواشي، تركه الشارع إلى حسبة المالكين، ولم يدخل فيه. فكذلك الصدقة في خمسة أوْسُق.
ثم لم أزل أطلب له نقلًا، فوجدت في ((كتاب الأموال)) لأبي عبيد(١) أن الخمسة في باب
الزكاة هي خمس العَرَايا، فلله الحمد على التَّوَاردِ.
وأبو عُبيد هذا تلميذُ محمد، ومعاصرٌ لأحمد، وابن مَعِين.
ثم إنهم إن اختلفوا في تفسير العَرِيَّة، فذلك بحثٌ آخر يجيءُ في موضعه. فثبت الأمر
الأول.
وأما إن التخفيف فيها نظرًا إلى كونها عَرِيَّة لا لنفي الزكاة رأسًا، فقد كشفه ما عند
الطحاوي: ص ٣١٥ عن مكحول بإِسناد جيد مرسلًا: «خففوا في الصدقات، فإنَّ في المال
العَرِيَّة، والوصية))، وهو في ((مراسيل أبي داود))، و((التمهيد)) لأبي عمرو، إلا أنَّ لفظ أبي داود:
((الواطئة))، وأبي عمرو ((الوطية))، بدل ((الوصية))، وهي ما تَطَأَّه الأرجل، ولعل الصواب، كما في
((المراسيل)). فدل على أنَّ أمرَ التخفيف في الصدقات لم يكن، لأنه لا زكاةَ فيها، بل لكونها
العَرِيَّة فيها، وبه أمر الخلفاء أيضًا، كما أخرجه البيهقي (٢) أن أبا بكر، وعمر رضي الله عنهما
(١) قال أبو عبيد: ذيل تشييد تفسير الشافعية أن له شاهدين، فذكر أحدهما أن توقيته ور ذلك، وتركه الرخصة في
خمسةٍ أوسق يبين لك أنَّه إنما أَذِنَ في قدرٍ ما لا يلزمه الصدقة، لأن سنته أن لا صدقة في أقل من خمسة أوسق،
وأن لا صدقة في العَرَايا، فهذه تلك بأعينها، والحديث يصدق بعضه بعضًا، إلخ. ص ٤٨٩ ((كتاب الأموال)).
(٢) قلت: وأخرج الطحاوي في باب الخرص عن سعيد بن المسيب، قال: بعث عمر بن الخطاب سهلَ بن أبي خيثمة
يَخرصُ على الناس، فأمره إذا وجدَ القوم في نخلهم أن لا يَخْرصْ عليهم ما يأكلون، فدلَّ على أنَّه لا زكاة في
هذا المقدار، بمعنى كونِهِ مشغولاً بحاجتهم، ومن حاجاتهم العَرِيَّة، فرفعت عنها الصدقة أيضًا، بمعنى أنها لا
تؤخذ منهم وفي ((كتاب الأموال)) ص ٤٨٧ عن مكحول، قال: كان رسول الله وَّ إذا بَعَثَ الخَرَّاص، قال:
((خففوا، فإنَّ في المال العَرِيَّة والوطية))، وعن الأوزاعي، قال: بلغنا عن عمر بن الخطاب، قال: ((خففوا على
الناس في الخرص، فإن في المال العَرِيَّة والواطئة، والأكلة)) قال أبو عُبيد: وفي بعض الحديث الوَطأة، وبعضهم
يقول: الوطئة، فأما الوطئة فليس بشيء، وأما الواطئة والوطأة فهما جميعًا السَّابلة، سموا بذلك لوطئهم بلاد
الثمار مجتازين. وقوله: والأكلة: هم أرباب الثمار، وأهلوهم من لصق بهم، فكان معهم.
١٥٢
كتاب الزّكاة
كانا يأمران سُعاتهما، أن لا يخرُصُوا خُمس العَرَايا. وبمثله شرحوا ما عند أبي داود: ص ٢٢٦ :
(إذا خَرَصتُم فجُزوا ودعوا الثُّلث، فإنْ لم تدعوا الثلث فدعوا الربع)). ونقل الخَطّابي أنه قال في
(شرحه)): إن معناه أن اتركوا لهم ذلك ليتصدقوا منه على جيرانهم، ومن يطلب منهم، لا أنه لا
زكاة عليهم في ذلك. اهـ .
فلما جاز لهم أن يحملوا رفعَ الصدقةٍ عن الثلث والربع، رعاية لهم ليتصدقوا على
الجيران، لا لانتفاء الزكاة فيها، جاز لنا أيضًا أن نحملَ نفي الصدقة في خمسةٍ أوْسُق لمعنى
العَرِيَّة، لا لعدم الزكاة فيها. والعَرِيَّة عندنا أيضًا تصدقٌ على الفقراء، فإِن هم جوَّزوا التخفيف
في الثلث الذي أمكن أن يزيد على خمسة أوسُقٍ بمرّات، فقد جوّزناه في أقل منه، فلم جلبوا
علينا؟
وحينئذٍ خرج جزءُ الجواب من نفس الحديث، أعني كونَ تلك الخمسة من العَرِيَّة، وأن
نفَي الصدقة عنها نظرًا إلى العَرِيَّة، وهذا ما كنا نريده.
ومحصل الجواب أن النفي في حديث أبي سعيد ليس لثبوت النِّصاب في الثمار، وأن
خمسة أوسق تبقى في ناحية بيته، لا تجبُ عليه فريضة الله، بل لأنه يتصدَّقُ فيها بنفسه، فلا
تُؤخذ منه صدقة ترفعُ إلى بيت المال. وأما حديث ابن عمر فبيانٌ للواجبِ في نفس الأمر، سواء
رُفع إلى بيت المال، أو أمر بأدائه بنفسه، فلا تعارض أصلًا.
ثم إني تمسكتُ للمذهب بما عند الطحاوي: ص ٢١٣ بإِسناد قوي، ولم أر أحدًا
منهم تمسك به عن جابر بن عبد الله: ((أن رسول الله وَ ل﴿ رخص في العَرِيَّة في الوَسْق،
والوَسْقين، والثلاثة، والأربعة؛ وقال: في كل عشرة أقناء قنو، يُوضع في المسجد
للمساكين)). اهـ. والقِنْوُ: العِذْق بما فيه من الرطب. ومرادُه عندي أن النبيَّ وَّ إنما
أجاز بالعَرِيَّة إلى أربعة أوْسُق. وأما المسألة فيما زاد فهي كما ذكرها فيما بعد، أعني
إيجاب العُشر، حتى أوجب في عشرة أَقْنَاء قِنوًا. وحينئذ صار الحديثُ صريحًا فيما رامه
الحنفية .
وإنما لم يتمسك به الطحاوي، ولم يخرجه في باب الزكاة لأنه يمكن أن يكون الأمرُ بوضع
الأَقْنَاء من تلك الأَوْسُق التي أجاز فيها بالعَرِيَّةِ، وحينئذ لا يكون القِنْو زكاةً، وعشر إيل من
العرية. وأما ما قررت من المراد، فالاستدلال منه قائم.
ثم إن الحديث أخرجه ابن أبي شيبة متنًا وسندًا في ((مصنفه))، ومر عليه الحافظ في
موضعين، ولم ينقله بتمامِهِ، بل قال بعد قطعة منه ... الحديث. وأنا أعلمُ ما يريدُ، ولعله تفطّنَ
أن الجملة الأخيرةَ تنفعُ الحنفية، فأراد أن يتركّهم في غَفْلة. وقد جربتهُ مِرارًا في مثل هذه
المواضع. وهذا الحديث أخرجه أبو داود: أيضًا في باب حقوق المال إلا أن لفظه: ((أمر من كل
جاز عشرةٍ أوسقٍ من التمر بقِنْوٍ يعلق في المسجد للمساكين)). اهـ. فانقلب منه مرادُه، ولم تبق
١٥٣
كتاب الزّكاة
لنا منه حجة، وغَلِطَ المحشون في شرحه. قلتُ: وينبغي الاعتماد على لفظ الطحاوي،
والمصنف (١)
.
٥٨ - بابُ أَخْذِ صَدَقَةِ الثَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ
وَهَل يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فَيَمَسُّ تَمْرَ الصَّدَقَةِ
١٤٨٥ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الأَسِدِيُّ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ
طَهْمَانَ، عَنْ مُحمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُّرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ يُؤْتَّى
بِالتَّمْرِ عِنْد صِرَامِ النَّخْلِ، فَيَجِيءُ هذا بِتَمْرِهِ وَهذا مِنْ تَمْرِهِ، حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ
تَمْرِ، فَجَعَلَ الحَسَنُ وَالحُسَينُ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّهُمَا يَلعَبَانِ بِذَلَكَ الثَّمْرِ. فَأَخَذَ أَحَدُهُما تَمْرَةً
فَجَعَلَهَا في فِيهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وََّ فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ، فَقَالَ: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ
مُحَمَّدٍ نََّ لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ؟!))
نُقِلَ عن أبي حنيفة أنَّ حق الفقراء يتعلقُ عند بُدُو الصلاح(٢). وعن أبي يوسف: أوان
الحصاد. وعن محمد: بعد الحصاد، وهو ظاهر القرآن، قال تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ
حَصَادِهِ،﴾ [الأنعام: ١٤١]، ولعل المصنفَ مال إلى مذهب الإمام، حيث جعل الاستيفاءَ عند
الحصادِ وصِرَام النخل، وذكر الوجوبَ في تراجم أخرى. وليس مراده أن الوجوبَ أيضًا حين
صِرَامِ النخل، بل الوجوبُ قَبْله، نعم، الاستيفاء عند الحصاد.
قوله: (وهل يترك الصبي) ... إلخ، وهذا إنجاز على ما مرّ من اصطلاحنا.
(١) قلت: وحاصل المَقَام أنَّ الشرعَ لما عَفى عن الخيل لكونها قليلةً إذ ذاك، أو ترك زكاتَها إلى المالكين لمعنى
يعلمه، وعن الخَضْراوات لأنها مما يَتَسارعُ إليه الفساد، فيتعذر حملُها إلى بيت المال، عفى عن خمسةٍ أوْسُق
أيضًا، لأنه لا بد لأصحاب النخيل أن يتصدقوا في الموسم. فإنهم يردُ عليهم الصادرُ والوارد، ويزورهم الأحباء،
ويأتيهم الفقراء، فمكَّنَ لهم في تلك المقدار أن يصرفوها في نحو هذه المصارف، ولا يكونوا في ضِيق من
الإِنفاق، فإنَّ الدينَ يُسرٌ. وإنَّما خصَّص لهم خمسةَ أوْسُقٍ لكونها محل العَرِيَّة، فرخص في البيوع والزكاة معًا، أما
إن العَرِيَّة ماذا هي؟ فسيأتي، والله أعلم.
(٢) قال القاضي أبو بكر بن العربي في ((تفسيره)): اختلف العلماء في وجوب الزكاة في هذه الأموال النباتية على ثلاثة
أقوال:
الأول: أنها تجب وقت الجُذَاذ، قاله محمد بن سلمة.
الثاني: أنها تجبُ يوم الطيب، لأن ما قبل الطيب يكون علفًا، لا قوتًا ولا طعامًا، فإذا طابت، وكان الأكل الذي
أنعم الله به، وجبَ الحقُّ الذي أمر الله به.
الثالث: أن يكون بعد تمام الخَرْص، قاله المُغيرة، لأنه حينئذ يتحقّقُ الواجبُ فيه من الزكاة، فيكون شرطًا
لوجوبها. أصلُه مجيء الساعي في الغنم. ولكل قول وَجْه، كما ترون. لكن الصحيح وجوبُ الزكاة بالطيب، لما
بينا من الدليل، وإنما خَرَصَ عليهم ليعلم قدر الواجِبِ في ثمارهم.
١٥٤
کتاب الزّكاة
٥٩ - بابُ مَنْ بَاعَ ثِمَارَهُ أَوْ نَخْلَهُ أَوْ أَرْضَهُ أَوْ زَرْعَهُ،
وَقَدْ وَجَبَ فِيهِ العُشْرُ أَوِ الصَّدَقَةُ، فَأَذَّى الزَّكَاةَ مِنْ غَيرِهِ،
أَوْ بَاعَ ثِمَارَهُ وَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الصَّدَقَةُ
وَقَوْل النَّبِيِّ وَّهِ: ((لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا)). فَلَمْ يَحْظُرِ البَيعَ بَعْدَ
الصَّلاحِ عَلَى أَحَدٍ، وَلَمْ يَخُصََّ مَنْ وَجَبَ عَلَيهِ الزَّكاةُ مِمَّنْ لَمْ تَجِبْ.
١٤٨٦ - حدّثنا حَجَّاجٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ
عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَهَى النَّبِيُّ وَّهَ عَنْ بَيعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَكَانَ إِذَا سُئِلَ
عَنْ صَلَاحِهَا، قالَ: ((حَتَّى تَذْهَبَ عاهَتُهُ)). [الحديث ١٤٨٦ - أطرافه في: ٢١٨٣، ٢١٩٤، ٢١٩٩،
٢٢٤٧، ٢٢٤٩].
١٤٨٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَني خالِدُ بْنُ يَزِيدَ،
عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَباحٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَهَى النَّبِيُّ ◌َُِّّ عَنْ بَيْعٍ
الثِّمارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا. [الحديث ١٤٨٧ - أطرافه في: ٢١٨٩، ٢١٩٦، ٢٣٨١].
١٤٨٨ - حدّثنا قُتَيِبَةُ، عَنْ مالِكِ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ
رَسُولَ اللّهِ وَ ﴿ نَهى عَنْ بَيعِ الثِّمارِ حَتَّى تُزْهِيَ. قالَ: حَتَّى تَحْمَارَّ. [الحديث ١٤٨٨ - أطرافه
في: ٢١٩٥، ٢١٩٧، ٢١٩٨، ٢٢٠٨].
واعلم أن هذه الترجمةَ مشكلةٌ. والمرادُ من النخل هي التي عليها الثمار، ومن الأرض هي
التي عليها الزرع، لأن الصدقةً لا تجبُ في نفس النخل والأرض. وقوله: ((أو باع ثماره، ولم
تجب فيه الصدقة)) تعميم بعد تخصيص. والحاصل: أن المالكَ إن باع ثمارَه، أو زرعَه. فقط،
أو مع النَّخيل والأرض معًا، فهو جائز مطلقًا. سواء باعها بعد ما وجب فيه العُشر أو قبله، لأن
النبيَّ ◌ََّ لم يمنع أحدًا عن بيع ثماره، أو زرعه بعد بدوِّ الصلاح، ولم يفرق بين مَنْ وَجَبتْ عليه
الصدقة، وبين من لم تجب، فدل على أنه جائزٌ مطلقًا .
نعم، إذا باع بعد ما وجب فيه العُشر يؤدي العشرَ من غيره لا محالة، فإِنَّها قد بِيعت، وقد
تعلقت الزكاة بذمتِهِ، فيُعطي قيمَتَها قدر العُشر من عنده. وقد علمتَ أن الاستبدال بالقيمة جائزٌ
عنده. ولعلك علمتَ أنَّ هذه الترجمةَ أليقُ بالبيوع، وإن أمكن دَرْجُها في الزكاة أيضًا .
ثم الإِشكالُ فيها أنه لا يدري ماذا أراده المصنف من قوله: ((فقد وجب))؟ هل أراد
الوجوب باعتبار النصاب، أو باعتبار الوقت؟ وعلى الأول معناه: أن الثمارَ أو الزرع كانت أزيدَ
من خمسة أوْسُق، فوجب فيها العُشر، لوجود نصابه، لأنه لا زكاة عنده فيما دونها. وعلى الثاني
معناه: حان وقت أداء الصدقة.
ويتردد مثله في قوله: (أو باع ثِمَارَه، ولم تجبْ فيه الصدقة))، أي عدم وجوب الصدقة،
لكونها لم تبلغ مِقْدَار النصاب، أو لعدمِ حُلول أجل الصدقة.
١٥٥
كتاب الزّكاة
وكذا لا يَدري ماذا أراد من لفظ الصدقة بعد العشر؟ هل هو تفنُّنٌ في العبارة فقط، أو
المراد منه الصدقة المتفرقة؟ والذي يظهر أن الواجبَ في المسألة المذكورة، وإن كان هو العُشر،
لكنه أراد إدراجَ الصدقةِ المتفرِّقةِ في الثمار أيضًا، فلفها في لفظ الصدقة.
قوله: (ولم يخصّ) ... إلخ، هذا اللفظُ قد يُستعمل فيما يكون مختارًا ومطلوبًا، وقد
يُستعمل فيما يكون متروكًا، ولا يصحُّ هذان المعنيان ههنا. وقد استعملَهُ المصنفُ فيما مر.
وفيه: لم يخصَّ المذهب ... إلخ، وكذا في موضع من الصيام، والخُمس والوقف، فأردت أن
تبقى شاكلتُه في جميع المواضع سواء. فأخذته بمعنىّ ((لم يفرق))، فإنَّه يمشي في سائر المواضع.
١٤٨٦ - قوله: (نهى النبي ◌َّر عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها) ... إلخ، واعلم أن البيعَ
على رؤوس الأشجار إما يكون بشرط القطع، وهو جائزٌ بلا خلاف، بَدَا صلاحُها، أو لم يَبْد،
وعلى الثاني وإن لم يَصْلُح لأكله، لكنه يكون عَلَفًا لدوابه. أو يكون بشرط التَّرك، وذا لا يجوز
عندنا مطلقًا. وأما الشافعي فجوَّزه بعد بُدُو الصلاح لا قَبْله(١)، فَعمِلَ بمنطوقِ الحديث، ومفهومُه
يكونُ بشرط الإِطلاق، فهو جائزٌ عندنا مطلقًا. لكن يجبُ القطعُ على المشتري إذا طالَبَه البائع .
ولعلك علمتَ منه أنَّ الحنفية لم يعتبروا قيدَ - قبل البدو وبعده - مع كونه في أكثر الأحاديث. فإن
قلتَ: إنَّ الشافعية أيضًا لم يعتبروه فيما باعَه بشرط القطع، فلزمَ عليهم ما يلزمُ علينا. قلتُ:
كلا، لأن هذه الصورةَ خارجةٌ عن قضية الحديثِ، لكونها مُستثناةً عقلًا. والاستثناءُ العقلي لا
يورثُ الظنية في الباقي. ألا ترى أنه إذا باعَ بشرطِ القطع لم يبق فيه محلٌ للنزاع، أما إذا باعه
بشرط الإِطلاق فهذا راجع إلى الأول. فإنه وإن سكت عن ذكر القطع، لكنه إذا أمَرَه يجبُ عليه
القطعُ في الحال، فصار في حكمه. وفي ((الهداية)) أنه جائزٌ بعد البدو، وعند مشايخ بلخ، لا
قبله، وعليه يُحمل الحديث.
بقي البيعُ بشرطِ التَّرك، ففيه ربا، مع أن النبيَّ ◌ٍَّ قد نهى عن بيع وشرط. والحاصلُ أنَّ
البيعَ بشرط القطع مستثنىّ عقلًا. ويشرط التركِ ممنوع، للنهي عنه، فلم يبقَ إلا بالإِطلاق. واعتُبر
فيه تفصيلُ الْبُدُو وعدمه عند مشايخنا ببلغ أيضًا، فهو محملُ الحديث. لأن البيعَ بالشرطين
الأولين نادرٌ، فلا يُحملُ الحديث إلا على ما يكثُر وقوعُه، وهو بشرط الإِطلاق. وقد تكلم فيه
ابن الهُمَام في ((الفتح)) فراجعه، فإنَّه جيّد جدًا. وسنعود إلى تقريره في موضع آخر أيضًا إن
شاء الله تعالى.
٦٠ - بابٌ هَل يَشْتَرِي صَدَقَتَهُ
وَلَا بَأُسَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَةٍ غَيرِهِ، لأَنَّ النَّبِيَّ بَ إِنَّمَا نَهى المُتَصدِّقَ خاصَّةً عَنِ
الشِّرَاءِ، وَلَمْ يَنْهَ غَيرَهُ.
(١) قال ابن بَطَّال: غرضُ البخاري الرد على الشافعي، حيث قال: يُمنع البيعُ بعد الصلاح، حتى يؤدي الزكاة منها .
فخالف إباحة النبي ◌َ اهـ. ((عمدة القاري)).
١٥٦
کتاب الزّكاة
١٤٨٩ - حدّثنا يَحْيى بْنُ بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَالِمٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ غْمَرَ بْنَ الخَطَّابْ تَصَدَّقَ
◌ِفَرَسٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَوَجَدَهُ يُبَاعُ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ◌َ فَاسْتَأْمَرَهُ فَقَّالَ: ((لَا
تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ))، فَبِذلِكَ كانَ ابْنُ عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَا يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ
إِلَّا جَعَلَهُ صَدَقَةً. [الحديث ١٤٨٩ - أطرافه في: ٢٧٧٥، ٢٩٧١، ٣٠٠٢].
١٤٩٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
أَبيه قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: حَمَلتُ عَلَى فَرَسَ فيِ سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ
الَّذِي كانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ وَِّ فَقَالَ:
((لَا تَشْتَرِ، وَلَا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَم، فَإِنَّ الْعَائِدَ في صَدَقَتِهِ كالعَائِدِ في
قَيْئِهِ)). [الحديث ١٤٩٠ - أطرافه في: ٢٦٢٣، ٢٦٣٦، ٢٩٧٠، ٣٠٠٣].
وهو جائزٌ في الفقه، وإنما نَهى عنه الحديث، لأنه لا يخلو عن نحو مُرَاعاة من الموهوب
له، فيصيرُ له المَثَلُ السَّوْء، وهو - العَودُ في القيء - .
والحاصل أن الشرعَ لا يحملُ المراعاةَ فيما وهبَهُ بنفسه، بنحو قوله: ((لا تَعُدْ في
صدقتك)) .... إلخ، وإنما نهاه النبي ◌َّر عن شراء فرسه الذي كان تصدق به، لأنه ظن أنه يبيعه
برُخْصٍ، فاستُحِبَّ له أنْ يعملَ بما هو أولى وأحرى. وإن جاز شراؤه. أما شراء الثالث، فلا
ريبَ في جَوَازه.
ثم اعلم أن الرجوعَ عند عدم الموانع السبعة، وإن جاز قضاءً، لكنه مكروهٌ تحريمًا، أو
تنزيهًا دِيَانة، ولا بدَّ لجوازِهِ: إما القضاء، أو رضا الموهوب له، فإذا لم يرض به الموهوبُ له،
ولم يكن القضاءُ. لم يجز الرجوع مع انتفاء الموانع السبعة أيضًا، كما في ((الكنز)). والمفتون
غافلون عنه، فيفتون بحكم القضاء، ولا يدرون أنه لا يجوز لهم إلا الإفتاء بالديانات، كما علمتَه
في کتاب العلم مفصلاً .
٦١ - بابُ ما يُذْكَرُ في الصَّدَقَةِ لِلنَّبِيِّ وَلِه
١٤٩١ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أَخَذَ الحَسَن بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا
في فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وََّ: (كَخْ كَخْ)) لِيَظْرَحَهَا، ثُمَّ قالَ: ((أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ
الصَّدَقَةَ؟)). [طرفه في: ١٤٨٥].
واعلم أنَّ الصدقاتِ النافلة يجوزُ دفعُها إلى آل النبي ◌َّهَ، وإن تردد ابن الهُمَام، والزَّيْلعي
في النافلة أيضًا. ثم آل النبي ◌َّ عندنا: آل عباس، وحَمْزة، والحَارث، وآل جعفر، وعلي.
وحمزةُ وإن لم يكن له ولدٌ ذَكَرٌ، لكن لفظ الآل ليس عندهم منضبطٌ كل الانضباط، فيطلقُ عليه
١٥٧
کتاب الزّكاة
أيضًا. فأخذوا من الأعمام ثلاثةً، واثنان من أبناء العمِّ. وأما عند الشافعية: فهم كل بني هاشم،
وبني عبد المطلب(١) .
ونقل الطحاوي عن ((أمالي أبي يوسف)): أنه جاز دفعُ الزكاة إلى آل النبيِّ وَّر عند فُقدان
الخُمُس، فإنَّ في الخُمُس حقَّهم، فإذا لم يوجد، صح صرفُها إليهم. وفي (البحر)) عن محمد بن
شجاع الثّلْجي عن أبي حنيفة أيضًا جوازه. وفي ((عقد الجيد)) أن الرازي أيضًا أفتى بجوازِه.
قلتُ: وأخذُ الزكاةِ عندي أسهلُ من السؤال، فأفتي به أيضًا(٢).
٦٢ - بابُ الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ
صَلى الله
وسيتم
١٤٩٢ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ:
حَدَّثَنِي عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: وَجَدَ النَِّّ وَِّ شِّاءةً
مَيْتَةً، أُعْطِيَتْهَا مَوْلاةٌ لِمَيُمُونَةَ مِنَ الَصَّدَقَّةِ، قالَّ النَّبِيُّ وَِّ: ((هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِدِدِهَا؟)). قالُوا:
إِنَّهَا مَيتَةٌ؟ قالَ: ((إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا)). [الحديث ١٤٩٢ - أطرافه في: ٢٢٢١، ٥٥٣١، ٥٥٣٢].
١٤٩٣ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ
عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلِعِثْقِ، وَأَرَادَ مَوَالِيْهَا أَنْ يَشْتَرِعُوا
وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لِلنَّبِيِّ وَِّهِ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((اشْتَرِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ
أَعْتَقَ)). قالَتْ: وَأَتِيَ النَّبِيُّ ◌َ بِلَحْم، فَقُلتُ: هذا ما تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: ((هوَ
لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ)). [طرفه في: ٤٥٦].
ذهب جماعةٌ إلى أنه لا يجوزُ التصدُّق على جميع أزواج النبيِّ وَّر. وقال الآخرون: بل
من كانت من بني هاشم فقط، وهي زينبُ بنت جَحْش. وحينئذٍ لا إشكال في قوله: ((أعطيتها
مولاةً لميمونَةً من الصدقة))، فإنها لم تكن هاشميةً، فتجوز الصدقة على مولاتها. ثم إن النِّسبة قد
تكون ولاءً، وقد تكون نَسَبًا. واشتهرَ الوَلاءُ فيما بينهم، حتى لا يكاد يتميَّزُ بين الولاء والنسب.
(١) قال الحافظ العيني: إن آل النبي ◌َّل بنو هاشم خاصة. عند أبي حنيفة، ومالك. وعند الشافعي: هم بنو هاشم.
وبنو المطلب؛ وبه قال بعض المالكية . اهـ .
(٢) نقل العيني عن الأصطّخْري أيضًا: أنهم إن مُنِعُوا الخُمُس جاز صرفُ الزكاةِ إليهم. وروى ابن سَمَاعة عن أبي
يوسف: أن الزكاةَ من بني هاشمٍ تحلُّ لبني هاشم ولا تحلُّ لهم من غيرهم. وفي ((الينابيع)): يجوزُ للهاشمي أنْ
يدفعَ زكاتَه للهاشمي عند أبي حنيفة، ولا يجوز عند أبي يوسف. وفي ((جوامع الفقه)» يُكره للهاشمي عند أبي
يوسف خلافًا لمحمد. وروى أبو عصمة عن أبي حنيفة جوازَ دفعِها إلى الهاشمي في زمانِهِ. قال الطحاوي: هذه
الرواية عن أبي حنيفة ليست بالمشهورة. وفي ((المبسوط)»: يجوزُ دفع صدقة التطوُّعِ والأوقاف إلى بني هاشم،
مرويٍّ عن أبي يوسف، ومحمد في ((النوادر)). وفي ((شرح مختصر الكرخي - والأسبيجابي -، والمفيد)): إذا سموا
في الوقف. وفي ((الكرخي)) إذا أُطلِقَ الوقَفُ لا يجوزُ، لأن حكمُهُم حكم الأغنياء. وفي «شرح القُدُوري)»:
الصدقةُ الواجبة: كالزكاةٍ، والعُشرِ، والنذور، والكفارات لا يجوز لهم، وأما الصدقةُ على وجه الصِّلَةِ والتطوُّع
فلا بأس ... إلخ: ((عمدة القاري)).
١٥٨
كتاب الزّكاة
فيقال: فلان هاشميٍّ، مع كونِهِ هاشميًا ولاء. وكذا يقال في النسب أيضًا: هاشميٍّ، فتشْتَبِهُ
الأنساب کثیرًا .
١٤٩٢ - قوله: (هلا انتفعتم) ... إلخ، يدل على أنَّ الجِلدَ يظْهُر بعد الدبغ، خلافًا
لمالك.
٦٣ - بابٌ إِذَا تَحوَّلَتِ الصَّدَقَةُ
١٤٩٤ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللّهِ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع: حَدَّثَنَا خالِدٌ، عَنْ حَفْصَةَ
بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ ◌َيهِ عَلَى عَائِشَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالَ: ((هَل عِنْدَكُمْ شَيءٌ؟)). فَقَالَتْ: لَا، إِلَّ شَيءٌ بَعَثَتْ بِهِ إِلَينَا نُسَيبَةٌ
مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثْتَ بِهَا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: ((إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا)). [طرفه في: ١٤٤٦].
١٤٩٥ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ مُوسى: حَدَّثَنَا وَكِيعُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ أَتِيَ بِلَحِم تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: ((هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ،
وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ)). وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَنْبَأَنَاً شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةً: سمِعَ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ.
[الحديث ١٤٩٥ - طرفه في: ٢٥٧٧].
وقد مر أن تبدُّلَ المِلك لا يوجبُ تبدلًا في العين دائمًا، فللفقيه أن ينظرَ فيه، ويضعَ له
ضَابطةً.
٦٤ - بابُ أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنَ الأَغْنِيَاءِ، وَتُرَدَّ في الفُقَرَاءِ حَيثُ كانُوا
١٤٩٦ - حدّثنا مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحاقَ، عَنْ يَحْيِى بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صِيفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:
قال رَسُولُ اللّهِ لَّه لِمَعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، حِينَ بَعَثَهُ إِلىَّ الِمَنِ: (إِنَّكَ سُتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابِ،
فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى: أَنَّ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ،َ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ
أَطَاعُوا لَكَ بِذلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَِ عَلَيهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ،
فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيِهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ
فَتُرَدُّ عَلَّى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ،
فَإِنَّهُ لَيْسَ بَينَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ)). [طرفه في: ١٣٩٥].
واعلم أن نقل الزكاةِ عندنا إنما هو عند كون أقاربه خارِجَ بلدِهِ، وإلا فالصرفُ على أحوجِ
بلدِهِ أولى. أقول: مسألة الحنفية هذه إنما تمشي في الأموال الباطنة، أما الأموال الظاهرة فيأخذٌ
زكاتَها الساعي، ولكن السُّعاة كانوا قد يصرفونها أيضًا إلى فقراء البلد. ثم لا يدرى أن المسألة
عندهم كانت كذلك، أي جوازُ صرفٍ زكاة تلك الأموال أيضًا على أهل البلد، أو كان الولاة
يُرَخصُونَهم خاصة.
١٥٩
كتاب الزّكاة
واعلم أنَّ المصنفَ موافِقٌ لنا في مصارف الصدقات، وحُجَج الخصوم فيها ضعيفةٌ جدًا،
وليس عندهم إلا المشي على القواعد فقط.
٦٥ - بابُ صَلَةِ الإِمَامِ، وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ
وَقَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَِّبِهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].
١٤٩٧ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى
قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ صِّلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ))، فَأَتَاهُ أَبِي
بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى)). [الحديث ١٤٩٧ - أطرافه في: ٤١٦٦، ٦٣٣٢،
٦٣٥٩].
قوله: (وصل عليهم)، وفيه الصلاة على غير الأنبياء عليهم السلام أيضًا. وضيَّقُوا في
إطلاقها حملة المذاهب الأربعة، وإليه ذهب ابن العربي، والقاضي عياض، مع أنهما يأخذان
بظاهر القرآن. ومثله في ((الفتح)) عن ابن عباس، أي ينبغي أن لا تستعملَ الصلاةُ فيما سوى
الأنبياء عليهم السلام. قال المُفْتُون: ويُمنع عن إطلاقها، لأن الصلاةَ صارت شعارًا للروافض،
فإنهم يصلون على آل النبيِّ أَثّل .
قلتُ: بل لأن الصلاةَ فيها معنى التعظيم والتوقير بغايته، على عكس اللعنة، فإنَّ فيها معنى
التحقيرِ والإِبعادِ عن رحمة الله. ولا نعلمُ مَنَ يستحقُّ التوقيرَ بهذا اللفظ ممن لا يستحقه، فهو
وإن كان سائغًا من حيث كونه دعاء، لكنه لا يجوزُ من هذه الحيثية. بخلاف صاحب الوحي،
فهم جَعَلُوه من باب اختلاف عصر وزمان، وجعلتُه من باب اختلاف دليلٍ وبُرْهان. وذلك لأن
القرآنَ إذا أُورِدَ بإطلاقها، لم يناسب بشأنه أن يحملَ على اختلاف عصر وزمان. وقد مرّ الكلامُ
فيه مرةً فراجعه .
٦٦ - بابُ ما يُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَيسَ العَثْبَرُ بِرِكازٍ، هُوَ شَيءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ. وَقَالَ
الحَسَنُ: في العَنْبَرِ وَاللَّؤْلُؤِ الخُمُسُ، فَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّنَّهُ فِي الرِّكَازِ الخُمُسَ، لَيسَ في
الَّذِي يُصَابُ في المَاءِ.
١٤٩٨ - وَقالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهَ: ((أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَغْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنَّ
يُسْلِفَهُ أَلفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيهِ، فَخَرَجَ في الْبَحْرِ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَقَّرَهَا، فَأَدْخِّلَ
فِيهَا أَلِفَ دِينَارٍ، فَرَمى بِهَا في البَحْرِ، فَخَرجَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ أَسْلَفَهُ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ، فَأَخَذَهَا
لأَهْلِهِ حَطَبًا - فَذَكَرَ الحَدِيثَ - فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ)). [الحديث ١٤٩٨ - أطرافه في: ٢٠٦٣،
٢٢٩١، ٢٤٠٤، ٢٤٣٠، ٢٧٣٤، ٦٢٦١].
١٦٠
كتاب الزّكاة
ولا خُمُس فيه عندنا أيضًا، ونقلَ فيه المصنفُ آثارًا متعارضةً، لعدم الفصل عنده. ثم قيل:
إن العنبرَ روثُ الثور البحري. وقيل: إن الشمع تأكله دابته، فلا ينهضم، ويخرج كما هو. وإنما
أتى المصنفُ بقصة بني إسرائيل في هذا الباب، لذكر معاملة البحر فيه لا غير.
٦٧ - بابٌ في الرِّكازِ الخُمُسُ
وَقالَ مالِكٌ وَابْنُ إِذْرِيسَ: الرِّكازُ دِفِنُ الجَاهِلِيَّةِ، في قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الخُمُسُ، وَلَيسَ
المَعْدِنُ بِرِكازٍ، وَقَدْ قالَ النَّبِيُّ نَّهِ فِي المَعْدِنِ: ((جُبَارٌ، وَفِي الرِّكازِ الخُمُسُ)). وَأَخَذَ
عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنَ المَعَادِنِ، مِنْ كُلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةً. وَقَالَ الحَسَنُ: ما كانَ مِنْ رِكازٍ
في أَرْضِ الحَرْبِ فَفِيهِ الخُمُسُ، وَما كانَ في أَرْضِ السِّلم فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ وَجَدْتَ اللَّقَطَةٌ
في أَرْضِ العَدُوِّ فَعَرِّفهَا، وَإِنْ كانَتْ مِنَ العَدُوِّ فَفِيهَا الخُمُّسُ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: المَعْدِنُ
رِكازٌ مِثْلُ دِفنِ الجَاهِلِيَّةِ، لأَنَّهُ يُقَالُ: أَرْكَزَ المَعْدِنُ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيءٌ، قِيلَ لَهُ: قَدْ يُقَالُ
لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَيءٌ، أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا، أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ: أَرْكَزْتَ. ثُمَّ نَاقَضَ، وَقالَ: لَا
بَأُسَ أَنْ يَكْتُمَهُ فَلَا يُؤَدِّيَ الخُمُسَ.
١٤٩٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مِالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ
المُسَيَّبِ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وََّ قالَ: ((العَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالِثْرُ جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكاز الخُمُسُ)).
[الحديث ١٤٩٩ - أطرافه في: ٢٣٥٥، ٦٩١٢، ٦٩١٣].
والركاز عندنا يُطلق على الدَّفين، والمخلوق في الأرض سواء. نعم، المَعْدِن والكنز
متقابلان، فالمَعْدِن ما خُلِق في الأرض، والكنز ما دُفن فيها. والخُمُس عندنا فيهما، إلا في
دفائن أهل الإِسلام، فإنَّ حكمَها حكم اللقطة. وقال الشافعي: الركاز هو الدفين. ولا خُمُس
عنده في المَعْدِن. واحتج بقوله {َّ: ((المَعْدِنُ جُبَار، وفي الرِّكَاز الخمس)) فإنَّه صريحٌ في كون
المعدن غير الركاز، فهما شيئان.
والوجه عندنا أنَّه إذا حَكَمَ على المعدن بكونه جُبَارًا، تُؤُهُّم منه كون المالِ الخارج منه
أيضًا جُبَارًا، لا شيء فيه، فقال: ((وفي الرِّكاز الخمس))، ففي الأول بيانٌ لحكم المحلِّ، أي إن
حَفَرَه أحدٌ فمات فيه لا شيء له. وفي الثاني بيانٌ للحالِ، أي ما خرج منه. وإنَّما لم يكتف
بالضمير تعميمًا للمسألة، فإن الركاز عامٌ، كما علمته. قلت: ولمّا كان مناط الخمس في دفائن
الجاهلية، كونها في حكم الغنيمة (١)، وذلك متحقِّقٌ في المَعْدِن أيضًا. فإنَّ أراضي الكفار إذا
(١) قال أبو عُبيد: وكذلك هو عندي في النظر أن يكون بالمغنم أشبهُ منه بالزرع، لأنه وإن كان يتكلَّفُ فيه الإنفاق،
والتغرير بالنفس، فكذلك مجاهدةُ العدو. بل الجهاد أشدُّ وأَعظمُ خطرًا. وقد جعل الله في الغنيمة منهم الخُمُس،
فأدنى ما يجب في المَعْدِن أن يكون مثل ما ينال من العدو ... إلخ، ((كتاب الأموال)) ص ٣٤١.