النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
كتاب الزّكاة
الجمهور، بشرط الاتحاد في الأشياء التِّسع المذكورة في كتبهم. من الراعي والمَرْعى والمحلب
ومَنْ مَلك ثمانين شاةً ليس للساعي أن يجعلها نصابين، بأن يفرقها في مكانين، فمعنى: ((لا يُفرق بين مجتمع)) أنه لا
=
يفرق الساعي بين الثمانين مثلاً أو المائة والعشرين ليجعلها نصابين، وثلاثة. ((ولا يُجمع بين متفرق))، لا يجمع مثلاً
بين الأربعين المتفرقة بالملك، بأن تكون مشتركة ليجعلها نصابًا، والحال أن لكل عشرين. قال: ((وما كان بين
خليطين)) ... إلخ، قالوا: أراد به إذا كان بين رجلين - إحدى وستون - مثلاً من الإبل، لأحدهما ست وثلاثون،
وللآخر خمس وعشرون، فأخذ المُصَّدِّق منهما بنتَ لَبُون وبنت مخاض، فإنَّ كلَّ واحدٍ يرجعُ على شريكه بحصة ما
أخذه الساعي من ملكه زكاةً شريكه، والله أعلم. انتهى. (ص ٤٩٦ - ج١ ((فتح القدير))).
وفي ((المعتصر)) ص ٨٥- ح١: تنازعَ أهلُ العلم في المراد بهذا الحديث تنازعًا شديدًا. حكى المُزَني عن الشافعي
أن الشريكين اللذين لم يَقْسِما الماشية خليطان، وقد يكونان خليطين بتخالط ماشيتهما، من غير شركة، لكن لا
يكونان خليطين حتى يريحا ويسرحا ويحلبا ويسقيا معًا، وتكون فحولهما مختلطة، فإذا كانا هكذا صُدِّقا صدقةً
الواحدِ في كل حال، ولا يكونان خليطين حتى يحولَ الحولُ عليهما من يوم اختلطا، ويكونان مسلمين. وإن تفرقا
في شيء مما ذكرنا، قبل أن يحولَ الحولُ، فليسا بخليطين، ويُصْدَقان صدقة الاثنين.
ومعنى قوله: ((لا يفرق)) إلى آخره، لا يفرق بين ثلاثة خلطاء في عشرين ومائة، وإنما عليهم شاةٌ، لأنها إذا فُرقت
كان فيها ثلاث. ((ولا يُجمع بين مفترق))، رجل له مائة وشاة، ورجل له مائة شاة، فإذا زُكِيًا مفترقتين ففيهما شاتان،
وإذا جُمعتا ففيهما ثلاث شياه، فالخشية خشية الساعي، أن تقلَّ الصدقة، وخشية ربِّ المالِ أن تكثُرَ الصدقة.
قال الشافعي: ولم أعلم مخالفًا فيما إذا كان ثلاثة خلطاء، لو كانت لهم مائة وعشرون شاة، أخذت منهم واحدةً،
وصُدِّقُوا صدقةَ الواحِدِ، فنقَصُوا المساكينَ شاتين من مالِ الخُلطاء الثلاثة، الذين لو يُفرَّق مالهم، كان فيه ثلاث
شياه. لم يجز. إلا أن يقولوا: لو كانت أربعون بين ثلاثة كانت عليهم شاة، لأنهم صُدُّقوا الخُلطاء صدقةً الواحد،
وهكذا القول في الماشية كلها والزرع والحائط .
وأبو حنيفة وأصحابه يقولون في قوله: ((لا يُفرَّقُ بين مجتمع)): هو أن يكون للرجل مائة وعشرون شاة، فيكون فيها
شاة واحدة، فإن فرَّقها المُصَّدِّق فجعلها أربعين أربعين، كان فيها ثلاث شياه، ((ولا يُجمعُ بين مُفترِق)»، هو رجلان
يكون بينهما أربعون شاة، فإن جمعها كان فيها شاة، وإن فرقها عشرين عشرين، لم يكن فيها شيء.
قلت: فلو كانا متفاوضين لم يجمع بين أغنامهما؟ قال: نعم، لا يجمع بينهما، وهو قول سفيان الثوري. فالذي ذُكِرَ عن أبي
حنيفة والثوري دلَّ على أنهما لم يُرَاعِيا الاختلاط، ولكنهما يراعيان الأملاك، فدل هذا على أن ما ذكره الشافعي من أنه لا
يعلَمُ مخالفًا إذا كان ثلاثةٌ خُلطاء، إلى آخره، قد كان فيه من المخالفين لذلك القول مَنْ ذكرناه، فاندفع ما احتج به لمذهبه .
ثم إن الله تعالى ذَكَرَ الزكاة مثل ما ذكر الصلاة، والصيام، والحج، فقال: ﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [النور:
٥٦] ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ النَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥] و﴿عَلَى النَّاسِ حِجُّ أَلْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وكل ما افترض
من هذه الأشياء تبيَّن به كلُّ مكلف عمن سواه، من غير اختلاط، فكذا الزكاة. ودل على أن الحُكم للمِلك قولُه
تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] ... الآية. فإن أحدًا لا يَظْهرُ بمال غيره، بل بمال نفسه، فإن قيل: فما
معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان)»؟.
قلنا: يكون رجلان لهما مائة وعشرون شاة، لأحدهما ثلثاها، وللآخر ثلثها، فيحضر المُصَّدِّق فيطالبهما بصدقتها،
ولا يكون عليه انتظار قِسمتها بينهما، فيأخذُ منها شاتين، فيُعلم أنه قد أخذ من حصة صاحب الثمانين شاة وثلث
شاة - وهو الذي كانت عليه شاة واحدة - وأخذ من حصة صاحب الأربعين ثلثي شاة - وهو الذي كان عليه من
الصدقة شاة واحدة - فالباقي من حصة صاحبِ الثمانين ثمانٌ وسبعون شاة وثلثا شاة، والباقي من حصة صاحب
الأربعين إذا كان الراعي واحداً، والمراح واحداً، والدلو واحداً، فالرجلان خليطان، ولا تجب الصدقة على
الخليطين إلى تسع وثلاثين، وهذا أولى من التأويل الذي ذكرناه قبل.
=

١٢٢
كتاب الزّكاة
وغيرها، حتى لو كانت أربعون شاة لأربعين رجلاً، وكانت متحدة في الأشياء التِّسع تجبُ فيه
شاة واحدة أيضًا.
ثم اختلفَ هؤلاء في اشتراط النِّصاب لكلِّ وعدمهِ، فَتَفَاهُ الشافعي، كما عرفت من المثال
المذكور. واعتبره مالك، فلا يجب عنده في الصورة المذكورة شيء ما لم يكن عند كل منهما
نصاب تامٌّ. وأما عند الحنفية، فلا عبرة بالاتحاد في هذه الأشياء، ولا تأثيرَ له، وإنما الاعتبارُ
بالمِلك. ويُسمَّى الأول بخُلطَةِ الجِوار، فإِنها ليست بخُلطة في الحقيقة، وإنما اعتبرت من جهة
المكان، فنسبت إليه، وإنما تصح هذه الخُلطة عندهم عند الاتحاد في الأشياء المذكورة، ويُسمَّى
الثاني بخُلطةِ الشُّيوع، وهي الخُلطة بحَسَبِ المِلك، فإذا كانت لرجلين ثمانون شاة، وليست
بمتميزة في الأملاك، تجبُ فيها شاتان عندنا .
ونقَّح بعضهم الخلاف المذكور بأنَّ الزكاةَ عند الجمهور على القطائع، وعند الحنفية على
الملاك. وتمسك الجمهور بالحديث المذكور، فإنَّه يدل على أنَّ الجمعَ والتفريقَ بحَسَبِ المكان
مؤثرٌ، ولذا نهى عنهما. فأجاب عنه الحنفية، وقالوا: معناه عندنا: ((لا يجمع بين متفرق))، أي
وأما مالك فمذهبه في ذلك أنَّ تفسير قول عمر: ((لا يُفرق بين مجتمع))، أن الخليطين يكون لكل واحد منهما مائة
=
شاة وشاة، فيكون عليهما في ذلك ثلاث شياه، فإذا أظلهما المُصَّدِّق فرَّقا غنمهما، فلم يكن على كل واحد منهما
إلا شاة واحدة. فنهى عن ذلك. قال مالك في الخليطين: إذا كان الراعي واحداً والمراح واحدًا، والدلو واحدًا،
فالرجلان خليطان، ولا تجبُ الصدقة على الخليطين حتى يكونُ لكل واحدٍ منهما ما تجب فيه الصدقة.
تفسير ذلك: أنه إذا كان لأحدٍ الخليطين أربعون شاة، وللآخر أقل من أربعين شاة، لم يكن على الذي له أقل من
أربعين شاة صدقة، وكانت الصدقةُ على الذي له أربعون. وإن كان لكل واحد منهما من الغنم ما تجب فيه الصدقة
جميعًا، فكان لأحدهما ألف شاة أو أكثر، أو أقل، فما تجب فيه الصدقة، وللآخر أربعون شاة أو أكثر فهما خليطان
يترادان بينهما بالسوية على الألف بحصتها، وعلى الأربعين بحصتها - يعني من الزكاة - التي تجب فيها لو كانت
لواحد. وهذا مما لا إشكال فيه، لأنه لا يخلو من أحد وجهين:
إما أن تكون الخُلطة لها معنى، ويرجع الخليطان فيها إلى أن يكونا كالرجل الواحد، فيكون القول في ذلك ما ذهب
إليه الشافعي فيه، أو تكون الخُلطة لا معنى لها، ويكون الخليطان بعدها، كما كانا قبلها، فيكون على كل واحد
منهما في غنمِهِ ما يكون عليه فيها، لو لم يكن بينه وبين غيره فيها خُلطة، فيكون الأمر في ذلك كما قاله أبو حنيفة،
والثوري فيه. ثم يرجع إلى ما قد ذكره الشافعي في الخليطين، أنهما وإن عَرَف كل واحدٍ منهما ما له بعينه أن تكون
فحولهما واحدة، ومسرحهما واحدًا، وسقيُهما واحدًا، أنهما يكونان بذلك خليطين، فكان هذا مما لا نعقله، وكيف
يكونان خليطين، وكل واحد منهما بائنٌ بمالِهِ من مال صاحبه؟!
فإن قيل: فالخلطة في الفحول، وفي المراح، وفي الأشياء التي ذكرناها، قيل له: وهل الزكاة في تلك الأشياء؟ إنما
الزكاة في المواشي أنفسها، وليسا خليطين فيها، وقد تقدَّمَك وتقدَّمَنَا من أهل العلم مَنْ خالف ما ذهبتُ إليه فيه من
ذلك، ما روي عن طاوس، قال: إذا كان الخليطان يعرفان أموالهما فلا يجمع بينهما في الصدقة، فأخبر بذلك
عطاء، فقال: ما أراه إلا حقًّا، فلم يُراعيا في ذلك حلبًا، ولا فحلاً، ولا سقيًا، ولا مُرَاحًا، ولا دلوًا؛ ولا يقال:
ينبغي إذا لم يَعْرِفا مالَهما أن يُجمع بينهما في الصدقة، لأنه يحتمل أن يُجمع بينهما حتى يؤخذ أخذًا واحدًا، لم
يتراجعا بينهما في المأخوذ منهما، وبه نقول.
وراجع كلام ابن رشد من ((البداية)) من: ص ٢٢٥ إلى: ص ٢٢٦، فإنه أيضًا يحتوي على فوائد.

١٢٣
كتاب الزّكاة
باعتبار المِلك، فإذا كان المِلكُ متفرِّقًا لا يُجمع، كخمسٍ من الإِبل لرجلين، وحال عليها
الحول، فلا يجعلها المُصَّدِق كملك رجلٍ واحدٍ، لتجبَ عليه الصدقة، فحملوه على خُلطة
الشُّيوع.
١٤٥٠ - قوله: (خشية الصدقة)، والخشيةُ خَشْيتان: خشيةُ السَّاعي، وخشية المالك.
وكذلك النهيُّ نهيان: النهي عن جميع المتفرِّق، والنهيُ عن تفريق المجتمع، فحصل من ضربٍ
الاثنين في الاثنين أربعة أقسام: النهيُ عن جمع المتفرقٍ للساعي والمالك، وكذلك النهيُ عن
تفريق المجتمع لهما .
مثال الأول: كخمس من الإِبل بين اثنين، وحال عليها الحولُ، وأراد الساعي أن يأخذ
منها الصدقة، فجمع بين المِلكين، وعدَّهما كملكِ رجلٍ واحدٍ، ليس له ذلك.
ومثال الثاني: كثمانين من الغنم بين رجلين، فأراد أن لا تجب عليهما إلا شاة واحدة،
فجعل مِلكاهما كمِلك رجلٍ واحدٍ، لتتغيَّرَ الفريضةُ من شاتين إلى شاة واحدةٍ، ليس لهما ذلك.
ومثال الثالث: كان لرجلٍ واحدٍ ثمانون شاة، ـ أي مجتمعة - في مِلكِ رجلٍ واحد، وأراد
السَّاعي أنْ يأخذ منها شاتان، فَجعلها كأنها في مِلكِ رجلين ليس له ذلك.
ومثال الرابع: كان لرجل أربعونَ شاةً، فأراد أنْ لا تجبَ عليه الصدقةُ، فجعلها كأنها في
مِلك رجلين! ليس له ذلك. ولعلك علمتَ منه النهي في الحديث، يصلح أن يكونَ للساعي، أو
للمالك، أو لكليهما، على مختارِ الحنفية(١).
قوله: (وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية) أي إذا حضر الساعي بعد تمام
الحول، فإِنه يأخذُ الواجبَ من المجموع، ولا ينتظرُ تقسيمَهما، ولكن على الخليطين أنْ يتراجعا
بينهما بحَسَبِ الحساب. مثلًا: لو كان بين رجلين إحدى وستون إبلًا: ست وثلاثون سهمًا منها
لوا ١، والباقي للآخر، فجاء السَّاعي وأخذ بنتُ لَبُون ممن كان له ستٌّ وثلاثون سهمًا، وبنت
مَخَاض ممن كان له خمس وعشرون سهمًا، فإنَّهما يتراجعان بينهما، فإن كلَّ ما يأخذُه الساعي
يكون مشتركًا بينهما بهذه النِّسبة، فيجب على مَنْ له ستٌّ وثلاثون سهمًا أنْ يردّ خمسًا وعشرين
من بنتِ اللَّبُون إلى صاحبه، وكذلك يجبُ على صاحبه أن يردَّ ستًا وثلاثين سهمًا من بنت
المَخَاض إلى صاحبه. ولعلك فهمت منه أن التراجُعَ يستقيمُ على مذهبنا أيضًا .
وابن حزم لما لم يُدرك حقيقةَ مذهب أبي حنيفة رحمه الله زعم أن التراجعَ لا يَستقيمُ على
مذهبنا. بل أقول: إنه أصدقُ على مذهبنا، فإنَّ الزكاة عند الجمهور على القطائع، فالنصابُ في
(١) يقول العبد الضعيف: وتفصيلي الأمثلة أخذته من ((البدائع)). قال القاضي أبو بكر بن العربي: عندي أن المخاطبَ
الطائفتان جميعًا، فلا يحل لربِّ المال أن يُفرِّق غَنَمه من خليطِهِ لثقل الصدقة، أو يجمعها لذلك، ولا للساعي أن
يُفرِّق جملةً الغنم المجتمعة لتكثُرَ له الصدقة. يُبيِّنُ ذلك قوله في الحديث: ((مخافة الصدقة)). وقال أبو حنيفة
وأصحابه: المخاطَبُ الساعي، لأن الخُلطة عنده لا تؤثر. اهـ. قلت: وقد علمتَ أن الأمرَ خلافُ ما نسبَه
القاضي إلى إمامنا الأعظم.

١٢٤
كتاب الزّكاة
الصورة المذكورة عندهم واحدٌ، والواجبُ فيه عندهم الجَذَع، فيأخذه الساعي، ويرجع صاحب
الجَذَع على الآخر بقدر حصة، فإِن الجَذَعَ على هذا التقدير ليس مشتركًا بينهما لعدم الشركة
ملكًا، بل ذهبَ من واحدٍ منهما، فيرجع مالكه على صاحبه بقدر ما أدى عنه لا محالة، وحينئذ
لم يصدق التفاعل، فإِنه يقتضي الشركة في الفعل، ولا رجوعَ هُهنا. إلا من جانبٍ واحد، وهو
مالك الجَذَعِ.
أما على مذهبنا فالتفاعل على ظاهرها، كما علمت، فيلزمُ عليهم أن يأخذوا التفاعلَ
باعتبار اختلاف الأزمان، أي قد يرجع هذا على هذا، وقد يرجع ذلك على هذا، فإنَّ الواجبَ
الذي أخذه مالكٌ قد يكون مِلكًا لهذا، وقد يكون مِلكًا لذلك، وكل من يكون له الملك يرجع
على صاحبه، فاستقام التراجع على مذهبهم أيضًا. إلا أنه بنوع من التأويل، وهو صادق على
مذهبنا بدون كُلفة. وراجع الأمثلة من قاضي خان. وأما ما في الحواشي فهو مثال على مذهب
الشافعية .
والحاصل: أن الجمهور أخذوا القطعتين في خُلطة الجِوَارُ(١). والحنفيةَ حملوها على
خُلطة الشُّيُوعِ، فوقعوا في بُعدٍ من ألفاظ الحديث. فإنَّ الجمعَ والتفريقَ لا يتبادرُ منه إلا ما كان
بحسَبِ المكان، ولا يأتي هذا التعبير في الجمع والتفريق مِلكًا، فأقول: إن الجملة الأولى في
خُلطة الجوار، كما قالها الشافعية. والثاني: في خُلطة الشيوع، فَوَافقتُهم في التعبير، وخالفتهم
في المسألة، بأن النهي عن خُلطة الجِوَار عندهم لكونها مؤثرًا. وقلتُ: بل لكونها مفضيًا إلى
التخليط والتلبيس في الحساب، فإنَّ الشياه إذا كانت ترعى في مراعي مختلفة، فجمعها في مرعىٍ
واحد لا يُوجب ذلك تغييرًا في الفريضة أصلًا لكنه فعلُ لغوٍ لا فائدةَ فيه. نعم، ربما أمكن أن
يفضي إلى التخليط في الحساب، فنُهي عنه. وأما عند الجمهور فالنهيُ عنهما لكونهما مؤثرين في
تغيير الفريضة، على ما علمت تفصيلَه.
وأما الجملة الثانية فقد أخذتُها في خُلطة الشُّيُوع، وإنما حملني على هذا الفك تغاير
شاكلتي الجملتين، فإنَّ الظاهر أنه موضعُ الإِضمار، لمضي ذكر الخليطين قبل ذلك، فينبغي أن
يكون: وهما يتراجعان بالسوية، ولكنه وضع المُظْهَرَ موضع المُضْمَرَ، وعبَّر عنهما بالخليطين،
فاستبان لي أن الأولى في خُلطة الجِوَار، والثانية في خُلطة الشُّيُوع.
قوله: (قال طاوس وعطاء: إذا علم الخليطان أموالهما فلا يجمع مالهما) أراد به نفيَ
خُلطة الجِوَار، واعتبار الخُلطة باعتبار المِلك.
(١) قلت: ما كنتُ أفقه في العبرة بخلطة الجوار معنى، حتى رأيتُ القاضي أبا بكر بن العربي قرره في ((شرح الترمذي))
فحينئذ أدركتُ ما فيه من التفقه. قال: وقال أبو حنيفة: الخليط هو الشريك. وأما اجتماع الأموال مع انفصالٍ
الأملاك في الأعيان فلا تُراعى، وهي مسألة عسيرةٌ لا يفهمها إلا مَنْ لَحَظَ الأحوال، وراعى الألفاظ. وذلك أن
العادة جاريةٌ بين الناس بالاشتراك في الأملاك. وجارية في الاشتراك في المسارح والمساقي والمبارك، ثم اتفقوا
بالإجماع على الراعي والدلو وفي الفحل ... إلخ. وحينئذ ظهر أن عبرةَ هذه الخُلطة باعتبار جَرَيان العُرف بينهم،
وإلا فلا يظهر فيه معنى الخُلطة أصلًا .

١٢٥
كتاب الزكاة
قوله: (وقال سفيان: لا تجب حتى يتم لهذا أربعون، ولهذا أربعون) وهو وإن كان يحتملُ
الشرحين، فإنَّ بعض القائلين بخُلطة الجِوَار أيضًا شرطوا النِّصاب، فإنْ كان الواجبُ عنده في
الصورة المذكورة شاةً واحدةً، فهو مذهب الآخرين، وإن كان شاتين ففيه مُوَافقةٌ للحنفية، لكن ما
يظهر بعد التعمُّقِ فيما قاله الطحاوي في ((مشكله)) من مذهب سفيان: أن سفيانَ موافقٌ للحنفية،
فعليه ينبغي أن يُحمل كلامُه. وإليه ذهب البخاري وابن حزم، كما يظهر من كلام ابن رشد في
((قواعده)) ونقل العيني أيضًا عبارةً ابن حزم، إلا أنها غير مفصِحة (١).
(١) قِطعة من مذكرة الشيخ في نصاب الزكاة الإِبل، وبيان معاني الأحاديث للروية في هذا الباب؛ وتشييدُ مذهب
الحنفية، بحيث يزولُ عنه الارتياب، أتينا بها إتحافًا للعلماء المهرة، فليُراجعوا المظانَّ المذكور فيها، أما أنا فلم
أنتهز فرصةً لتفصيلها. قال الشيخ رحمه الله تعالى:
وعندي أن حديث علي عند أبي داود، وغيره مرفوعًا: ((فإذا زادت واحدة - يعني واحدة وتسعين - ففيها حقتان
طروقتا الفحل، إلى عشرين ومائة، فإن كانت الإِبل أكثر من ذلك، ففي كل خمسين حِقة))، صححه ابن القطان كما
في ((نصب الراية)) ص ٣٩٠ - ج١، راجع ((الهداية)) ص ٢٣٨- ج١ (طبع الهند)، راجع كلام البخاري في ((باب زكاة
الذهب والورق)» عند الترمذي، وراجع ما في ((الفتح)) ص ٣٦- ج١٢ من رواية البخاري في: ص ٤٣٨ - ج١؛
وتخريج البخاري لرواية عبد الله بن المثنى معارَضٌ بترك مسلم إياها لهذا الوجه، وليس الأمر كما ذكر في ((الفتح)
ص ١٥٠- ج٦، وإنما کان في الکتاب نصب الصدقات، وراجع «الكنز» ص ٣٠٥۔ ج٣، و ص ١٠٨٤- ج٢
(خ)، و((مقدمة التعليق الممجد)) ص ١٣، و((معاني الآثار)) من لا يقتل مسلم بكافر، و((الفتح)) ص ٥١٤ - ج٩،
وكلام ابن حزم في ((الجوهر)) ص ٢٩٠- ج١، وصححه ابن جرير، كما في ((الكنز)) ص ٣٠٧ - ج٣؛ وهذا الذي
أراده: ص ١٠٠ مسند ابن معين فيما يظهر، كما نقله المتقي: ص ١٨٧ - ج٣ حجة للحنفية في نصاب الإبل، ولذا
إنما اكتفى بخمسين، لأنه يستأنف عليه، والأربعون واقع في الطريق، والمعروف في الحساب هو الاستئناف في
الزائد، لا العودُ على ما قبله بالتغيير، كما قال به من أدارَ به على الأربعين مرة والخمسين أخرى انتقالاً .
وفيما قلنا انتهاء الحساب على خمسين كل مرة. ويقعُ أربعون في الطريق، وسكت عن ذكر الشياه، أو بنت
مخاض، إحالة على القياس بما تقدَّم في صدر الحديث. ووجه الكلام إلى الانتهاء إلى الحِقة، ونفي الجَذَّعة، وأنه
بعد ما دخل الواجبُ في التكرار، وهو بنتا اللَّبون والحِقتان، أي في إحدى وتسعين إلا عشرين ومائة، يستمر
التكرر، ويدور عليهما، بخلاف بنت المخاض، فلم تتكرر أولاً أيضًا.
فلا يقال: إنه دار عليها أيضًا، وإن وجبت في الاستئناف، فليس هذا إدارةٌ عليها، ويكون وجوبها في الاستئناف
النكتةِ أنْ يعودَ كلُّ واجب كان في الأول، حتى الشياه بخلاف طريقتهم؛ وهذه نُكتةٌ زائدة لنا عليهم. وكأن الحِقتين
وظيفة المائة في الأصل، ثم الاستئناف - ثم، وثم - والإدارة، فلما وصل إلى مائة عاد إلى الخمسين دائمًا، ولذا
أسقطَ بنتَ اللبون بعد مائة وعشرين، وليس في البقر إلا تَبِيعٌ، أو مُسِنّ من أول الأمر، فلذا أدير بعده عليهما،
بخلاف الإِبل، فتأمله حسنًا، وراجع المعارضة. وإذن ساوى شرحنا وشرحهم، ويراجع («البرهان».
وصرح به فيما وقف عليه ابن أبي شيبة، من طريق سُفيان، قال: إذا زادت الإِبل على عشرين ومائة يستقبل بها
الفريضة، ونحوه في ((الكنز)) ص ٣٠٦ - ج٣ عن ابن جرير (ق). وظاهر كلام الحازمي على ما نقله الزيلعي،
ص ٣٨٦: أنه جعل اللفظَ الأول المرفوع أنه من رواية سفيان، أي موقوفًا بهذا اللفظ، وليس عند ابن أبي شيبة
كذلك، فليراجع. وراجع حديث بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده، عند النسائي، وأبي داود، قال: سمعت النبي ◌َّة
يقول: ((في كل إبل سائمة في كل أربعين بنت لبون))، فإنه يدل على أن المرعى في نصاب الإبل أيضًا رُبع العشر
تقریبا، ویؤیدنا.
=

١٢٦
كتاب الزكاة
وراجع أيضًا مرسلَ الزهري من ((نصب الراية - في زكاة البقر)) ص ٣٨٧، ومن ((منتخب الكنز)) ص ٥٠٣ - ج٣،
=
ومن أصله: ص ٣٠٧ - ج٣، وص ٣٠٢ - ج٣، يدل على تعدد الصفات. ثم إن تصحيح ابن القطّان على قاعدته
في توثيق عاصم بن ضمرة، وعدم الإِعلال بالاختلاف في الوقف والرفع، ذكره في ((عقود الجواهر))، فراجع
التلخيص عليه، ومن باب ما يجب به القصاص، وراجع على رواية عمرو بن حزم بما يوافقهم كلام الشيخ
علاء الدين المَازدِيني في سليمان بن داود الخَوْلاني، وسليمان بن داود الخولاني الذي يروي عن عمر بن عبد العزيز
آخر ثبت، ذكره الطحاوي على خلاف مَنْ جعلهما واحدًا - وليس هو على رأي الطحاوي ههنا راوياً -، وراجع
((الميزان))، و((التهذيب)).
ورواية محمد بن عبد الرحمن الأنصاري أبي الرِّجَال كتاب عمرو بن حزم اضطربت. فعند أبي عبيد القاسم بن سلام
على ما ذكره الزيلعي: ص ٣٩٥. وعند الطحاوي يوافق مذهب مالك. وعند الدارقطني ما يوافق مذهب الشافعي،
ويبعدُ كلَّ البُعد أن يَهَمُ حماد بن سلمة في رواية كتاب عمرو بن حزم. فقد أخرج الطحاوي بعين هذا الإِسناد رواية
كتاب أبي بكر الصديق، ويحتمل إن كان بين كتاب عمر الفاروق، وكتاب عمرو بن حزم تفاوت لم ينقل فقد انتسخ
عمر بن عبد العزيز كتاب عمرو مع كتاب عمر، لما استخلف وانتسخ كتاب عمر لما أمرٌ على المدينة، وراجع ..
الصغير، ص ١٠٥. و((التلخيص)) ص ٣٤٥.
ورواية الدار قطني: ((فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبُون، وفي كل خمسين حِقة))، يُحمل
على ما حمل عليه؛ فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة، ففيها شاتان إلى مائتين: فإذا زادت واحدة إلى ثلاث مائة،
ففي كل مائة شاة، فقد ذكر نهاية بدون تغيير. وما أحسن قول ابن جرير: يتخير بين الاستئناف وعدمه، لورود
الأخبار بهما، نقله الخَطّابي. وغيره: وزيادة يونس في - كتاب عمر - عند أبي داود، وغيره. قال الترمذي: وقد
روى يونس بن يزيد، وغير واحد عن الزهري عن سالم هذا الحديث، ولم يرفعوه، وإنما رفعه سفيان بن حسين
رواية بالمعنى، ولا بد، فعند الدارقطني: وهذا كتاب تفسيرها ... إلخ. وكيف لا! وسفيان بن حسين أحاله على
كتاب أبي بكر، وليس فيه أثر من ذلك، وكذا زيادة أبي الرِّجَال في كتاب عمرو بن حزم، فاعلم ذلك والله أعلم ثم
إن عبد الله بن أبي بكر ضَعَّفه الطحاوي، ولعله عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، وهو من رجال
الصحيحين، فلذا تعجّبَ منه الحافظُ في بحث نِصَاب السَّرقة من ((الفتح))، ولكن الطحاوي قاله ناقلاً عن ابن عُيَّينة
في الزكاة، وفي أحاديث مسٌ الفرج. وراجع ((التاريخ الصغير)) ص ٣٥. وفي ((الفتح))، من باب دية الأصابع، قال
سعيد بن المسيب: حتى وَجَدَ عمر في كتاب الدِّيات لعمرو بن حَزْم: في كل إصبع عشر، فرجع إليه. اهـ . فدل
على تأخّر علمه عما في هذا الكتاب، فراجعه مع ما عنده عن ابن بطال: ص ٤١٦ - ج٢، وص ١٢٤ - ج١،
وص ٣١٥- ج١١.
وقد وقع في عدة رواياتٍ في ((الكنز)) وغيره تقديمُ حكم الخمسين على الأربعين، فيدورُ مع الخمسين كلما
استقام، مُنضمًا ومستأنفًا، بخلاف الأربعين، إذ ليس نهايةً إذا أُدير الحسابُ على الخمسين، بل سياقُه سياقُ
حديث بَهْز، عن أبيه، عن جده، وقد نَقَل في ((عمدة القاري)) تضعيف حديثهم عن ابن مَعين. وراجع تصحيحَ
حديث عمرو بن حَزْم من (شرح المنتقى)) ص ٢٠٠ - ج١. وما في ((التهذيب)) عن أحمد من تصحيحه يعارِضُه ما
في ((الميزان)) عن أبي زُزعة الدمشقي عنه، فتعارَض النقل عنه. وراجع ((التلخيص)) ص ٣٣٧، والإتحاف،
والحفاظ: ص ١٨٣ - ج١، وما حكم به ابن الجوزي من ((التخريج)): ص ٣٨٣- ج١. ولا تُؤخذُ صَدَقاتُهم إلا
في دورهم (د) تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم (حم ٥) (كنز)) ص ٢٥٧- ج٣، ص ٣٩٨، وراجع
((التخريج)) ص ١٠٣، وص ١٠٤.
ولفظ النِّسائي عن سُويد بن غَفَلَة، قال: أتانا مُصَدِّق النبي ◌ََّ، فأتيتهُ فجلست إليه، فسمعته يقول: «إن في عهدي =

١٢٧
كتاب الزّكاة
أن لا نأخذَ راضِعَ لبنٍ، ولا نجمعُ بين متفرِّقٍ ولا نفرقُ بين مجتمع))؛ وعند أبي داود: ((أن لا تأخذَ من راضعٍ لبنٍ،
==
ولا تجمعَ بين متفرّقٍ، ولا تفرّقَ بين مجتمع، وكان إنما يأتي المياه حين ترد الغنم، فيقول: أدُّوا صَدقاتٍ
أموالكم)). اهـ . وهذا عند ابن ماجه باللفظ المعروف، يُعَيِّنُ أنه مصروف إلى الساعي. وأن المراد أن يرادَ الموارد،
ويأمر بالأداء إياهم، ولا يفعل جمعًا ولا تفريقًا من عنده، خشيةَ أن يفوتَه أخذُ الزكاة، لا خشيةً القلة أو الكثرة.
ويراجع أيضًا حديث بَهْز بن حكيم عن جده عند النسائي وأبي داود: ((لا يفرق إبل عن حسابها)) و((شرح القاموس))
من - الشناق - ثم إن لفظ مالك في ((الموطأ)) وعند أبي داود في تفسيره يدلُ على أنه جعلَ كتابَ عمر موقوفًا عليه.
والحاصل: أنه لا يُجعلُ جمعًا ولا تفريقًا لحال الصدقة، كيلا يتضررُ المُلَّاك، وتبقى المواشي كما كانت، ويثِقُون
بقول المُلَّاك، ولا يكلِّفُونهم إفرازَ أموالهم.
ثم رواية الطحاوي عن عبد الله بن المبارك، عن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حَزْم الذي يظهرُ من ((التهذيب)»
و((الفتح)) ص ٤١٤ - ج١ أنه محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حَزْم، فيكون مرسلاً أيضًا. وقوله: ص ٤١٨ - ج٢:
وجده محمد بن أبي بكر، لعله غلطٌ من الناسخ، والصواب كما ذكره مَنْ بَعْدَ محمد بن عمرو بن حَزْمِ. وسياقُ
رواية معمر عن عبد الله بن أبي بكر سقط من نسخة الطحاوي، وقد أحالها في ((التخريج)) على ((مصنف عبد الرزاق))،
وعنه الدار قطني، أي في الدِّيات)) ص ٣٧٦، ولكن ليس فيه للنّصاب ذكرٌ. والله أعلم.
ثم ظهر من ((التلخيص)) ص ٣٣٦ أنَّ الصواب في عبارة الطحاوي عن عبد الله بن المبارك هكذا عنه عن معمر، عن
عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم. وقد وصله ابن إسحاق، كما في ((الكنز)) ص ١٨٦ - ج٣، ولكنْ لا ذكر
للمسألة الخلافية فيه. وقال في (الميزان)): من سليمان بن داود الخَوْلاني عن أبي حاتم، مع خلافه عنه في
((التهذيب)) من رأيه. وأنَّ ما ههنا قد يقال: قد كان يحيى بن حمزة قَدِم العراقَ، فيرونَ أن الأرقم نعتٌ، وأن الاسم
داود. اهـ .
وفي ((التهذيب)) من سليمان بن أرقم عن ابن حبان أنه سكن اليمامة، ومولده البصرة، اهـ. فإذن يلتبس بسليمان بن
داود اليمامي صاحب يحيى بن أبي كثير. وهو في ((الميزان)) إذ أنَّ ابن الأرقم أيضًا يَروي عنه، كما في ((التهذيب)).
ولا يبقى الفرقُ إلا بالكُنية، وسليمان بن داود الحرَّاني الذي ذكره الطحاوي، وفي كتاب ((الديات)) لأبي بكر
الضَّحاك: ص ٣٤، كذلك في ((اللسان)» ص ٩٠ - ج٣، والتخريج: ص ٩- ج١ لقبه: بومة وسليمان بن داود الرقي
الجَزّري آخر، كما أوضحه في ((اللسان)) لا الذي في حديث الصدقات، كما نقله في («الميزان» في الخولاني عن
أحمد، وخلافُه عن ابن عَدِي - . ووقع في نُسخة («الميزان)) سليمان بن أبي داود، ولعله من الناسخ كما يظهر مما
أحال به على ((سنن الدارقطني))، فيكون في النُسخة بحذف: ((أبي)) أولاً، وإثباته ثانيًا. وقال الدارمي: إنه من كتاب
عمر بن عبد العزيز: ص ٢٩٣. وراجع ترجمةً ابنه من محمد بن سليمان بن أبي داود من ((التهذيب)) وترجمة
حفيده: سليمان بن عبد الله بن محمد منه، فقد ذكر أن لقبه أيضًا بومة، وأيضًا ((سنن الدارقطني)): ص ١٦٦ ،
و ص ١٦٧.
والذي يظهرُ أن الراويّ في الصدقات هو الخَوْلاني، وهو صدوق، ولا يبقى الكلامُ إلا في أنه كان سليمان بن
أرقم في الأصل، وأما الحرَّاني فهو ضعيف، ويُحتمل أن يكونَ عند يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود
الخَوْلاني، وابن أرقم كليهما. وأما الحرَّاني فلا دَخْل له ههنا. وعلى ما ذكره الطحاوي ليس ههنا الخولاني، بل
هو آخر ليس من أصحاب عمر بن عبد العزيز. وينبغي أن يراجع ((الجواهر)) ص ٦٩، ولا بد. وراجع مسألة
العشرِ في القليل والكثير من ((الأتحاف)). ورواية أبي حنيفة فيه عن أنس، وأنه مذهب مُجَاهد، وإبراهيم
والزُّهري، وعمر بن عبد العزيز، ولكنَّ روايةً أبي حنيفة عن أنس إنما هي من طريق أبان بن أبي عيَّاش، كما في
((العقود)) وهو متروك.
=

١٢٨
كتاب الزّكاة
•
لكن في ((الكنز)) ص ٣٠٧ - ج٣ أن ابن جرير صححه من طريق قتادة عن أنس ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَتُكُمْ﴾ [البقرة:
=
٢٢٠]، وقوله تعالى ﴿وَإِنَّ كِرًا مِّنَ الْفُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤] كأنه تذييل، وأيضًا لا يخلُوان عن الخُلطة في بعض الأمور،
وإن لم يكونا شركاء - . والذي يظهر أن طاوسًا، وعطاء موافقان لأبي حنيفة في عدم اعتبار خُلطة الجِوَار. وما ذكره
في ((الفتح)) عن ابن جُرَيج: قلت لعطاء: ناس خُلطاء لهم أربعون شاة، قال: عليهم شاة. اهـ . فإنما يريد به قبل
القِسمة، نعم، لا يُشترط تمامُ النِّصاب لكلٍ كما اشترطه سفيان. وما في «العُمدة)) عن أبي محمد نقلاً عنهما، فمن
سَقَّم النُّسخة. وسفيان مع أبي حنيفة، كما فيها، وفي ((المعتصر))، وما عند الزُّزْقاني فقاصر، وعلى هذا، فالبخاري
مع أبي حنيفة، والله أعلم.
والظاهر أنه باعتبار الأمكنة، ولا أثرَ له؛ وأشبه نظيرٍ له حديث: ((لا جَلَبَ ولا جَنَب)). ثم جُملة الخليطين في خُلطة
الشيوع، ولذا غاير في العبارة، وإلا لأرجع الضمير. وبالجملة هي عنده على المُلَّك، وعندهم على القَطَائع. وإنما
قلنا: إن عطاءً يريدُ خُلطة الشيوع لقوله: ناس خلطاء، فجعلهم هم الخُلطاء، لا أنهم خلطوا أموالَهم؛ وكذلك في
الحديث. والتراجعُ عندهم يكون من أحد الشريكين، وإنما التفاعل باعتبار الحالات. وعند أبي حنيفة في حالةٍ
بالحساب، فهذا أصدقُ على مذهبه، لا كما زعَمه ابنُ جرير. ووافق ابنُ حزم أبا حنيفة رحمه الله، كما في ((بداية
المجتهد)» موضحًا، وليس الأمرُ كما ذكره الشيخ ابن الهُمَام: أن الجملةَ الأولى أيضًا باعتبار الأملاك، بل هو باعتبار
الأمكنة، كان الساعي يَقْدُم إلى المُلَّاك أن يفعلوا هذا، كي يرى القطائع عينًا، ولا يثقُ بقولهم عند الاجتماع في عدم
النِّصاب، أو المُلاك يفعلونه، ثم يُظهرون عدمه، وهو الأظهر. ثم إن الإدارة على الأربعينيات والخمسينيات عند
الشافعية نظيره الإدراك على الثلاثينيات والأربعينيات في البقر عندنا، بالعود على ما قبله، واستقامة الحساب كذلك
يشعر أنه المراد، وفيه أيضاً مداريتهما بخلاف قولنا: فإن فيه المدار على الخمسينيات، والأربعين، كما أنه بيَّن
خمس وثلاثين، وخمس وأربعين، فكان واقعًا في الطريق كذلك، وهو في الطريق إلى الخمسين، وإذا جعل
الخمسون مداراً لا يصلح أن يجعل أربعون كذلك، فإنه في الطريق بالنظر إلى كلا الأمرين، فكان هذا هو العذر في
عدم كونه مدارًا. ولعلهم يقولون: إن ذكر بنت اللَّبون - وترك بنت المَخَاض والشياه في حديثهم عندنا لإفادة أن
الواجبَ ربع العشر تقريبًا - . ثم إن لفظً كتاب أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، عند الطحاوي فيه ذكرُ
الخمسين قبل ذكرِ الإِعادة إلى أول فريضة الإِبل، وهو الاستئناف، فكان حقُّ هذا السياق أن الخمسينَ بالعودِ على ما
قَبْله، وأن الاستئنافَ، وهو لا بالنظر إلى ما قَبْله، بل بالنظرِ إلى نفسه زائدٌ على الأحاديث، فكان على هذا أنَّ هذا
الحديث مع غيره زائدٌ وناقص .
ولما كان الخمسون مع ما قَبْله سقط مدارية الأربعين، ونظيره الشياه، إذا زاد على مائتين إلى ثلاث مائة ثلاث شياه،
ثم في كل مائة شاة. فهذا مستقبل لا بالعود على ما قبله، ولكن الظاهر أن التعامل كان على كلا الوجهين. ونظيرُ
ترك بنت اللَّبُون من البيْنِ في الخمسين بعد المائة، كترك مائة وثمان وتسعين في الشياه إذا زادت على مائتين إلى
ثلاث مائة إلى أربع مائة. ثم إن الظاهر من مثل: فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل
خمسين حِقّة، كأن يريد به مستقبلاً، وكذا في حديثنا، وإنما عادوا على ما قبله لعلهم أنه أراد به جعلَ الحساب
واحدًا في المجموع، وإفادة كلية بعده، وتوزيعه على الأربعينيات والخمسينيات، كلا عندهم، أو على الخمسينيات
عندنا .
وكان يَشكل على المالك حفظُ الحسابين بعد ما كثرت؛ وإعطاء سلهم(*) في كلِ محفوظًا ومُشَاعًا. وعندنا إنما أوصل
إلى مائة وعشرين لأضعف الستين الذي فيه الحِقَّة، ولم يستقم ذلك في بنت اللَّبُون، من خمسة وسبعين في البداية،
وإن استقام في تسعين، وهو النهاية. ثم بعد مائة وعشرين إلى خمسين، أنه لا يستقيم توزيع المجموع إلا بذاكُ منضمًا
لا مُستأنفًا، والمنظور بعد العشرين ليس إلا خمسون انضمامًا. وليس بعد العشرين قصد الاستئناف، بل حال=

١٢٩
كتاب الزّكاة
٣٧ - بابُ زَکاةِ الإِبِلِ
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ.
١٤٥٢ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قالَ:
حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رُّضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ أَغْرَابِيًّا
سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَّهَ عَنِ الهِجْرَةِ، فَقَّالَ: ((وَيحَكَ، إِنَّ شَأْنَهَا شَدِيدٌ، فَهَل لَكَ مِنْ إِلِ تُؤَدِّي
صَدَقَتَهَا؟)) قالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَاعْمَل مِنْ وَرَاءِ البِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شِيئًا)).
[الحديث ١٤٥٢ - أطرافه في: ٢٦٣٣، ٣٩٢٣، ٦١٦٥].
١٤٥٢- قوله: (ويحك! إن شأنها - الهجرة - شديد) قال سِيبَوَيْه: إن الويلَ لمن يَستحِقُه،
وويحك لمن لا يَستحِقُه.
كسور. فهذا هو التخريج، ويؤخذ حكم الخمسين من رأس المائة بعد ما تم، لا من عشرين، وراجع ((المنتقى على
=
الموطأ)».
ثم عندهم ذكر مائة وعشرين نهاية، وإن كان ذهب بعضهم إلى أن الفرضَ هو الحقَّتان، بلا تغيير إلى ثلاثين لغرض
أن الطَّردَ إنما يستقيمُ بعده، ويصيرُ كلية، كما في الغنم من مائتين إلى ثلاث مائة شاتان، ثم في كل مائة شاة ذكر
الثلاث مائة لهذا. وعندنا ذُكر مائة وعشرين، لبيان أن بعده التوزيع على الخمسينيات، وأن الحِقَّة الثالثة ليست في
الثلاثين بعده، بل من مائة، ونهايته إلى خمسين بعده. فالعشرون بعد ما زادت على مائة وعشرين معتبر في الحِقَّنة
الثالثة لا الحِقَّتين الأوليين.
وتلخص أنه عندهم أيضًا بتوزيع المجموع. وعندنا كذلك، ثم عندنا لما وصل إلى تكرار الحقة، وانتهى إليها في
مائة وعشرين، أدار عليها بعده. وعندهم على فرضين تكرر ابنة اللبون الحقة. وفي الثلاثين بعد مائة وعشرين نظران
عندنا :
نظر في نفسه، فيثبت فيه الفرض إلى بنت مَخَاض، لا بنت اللبون، وحال الكسور فيه كالحال فيما بعده من
الكسور، فيندرِجُ في الجملة الثانية من رواية الطحاوي، وليس منويًا في الأولى.
ونظر من رأس المائة فَيثبت الحِقَّة بعد تمامه، وإنما بدا لي مائة وعشرين من تسعين، لأنه ضِعفُ ستين وخمس
وأربعينٍ وكان منه الحِقّة مفردًا، فأوصل إلى تكرارها في الضعف، بخلاف خمس وثلاثين، فإنَّ ضِعفه سبعون؛
ولعل عدم ذكر بنت المَخَاض في الاستئناف في حديث علي في ((الكنز)) ص ٣٠٦ - ج٣، لأنه ليس عنده في خمس
وعشرين، وليس فيه بنتا اللَُّون إنما هما بعد خمسٍ وسبعين إلى تسعين. وهذا هو الوجه في التوزيع. والإدارة بعده
عندنا. ولم يحصل نُكتة ذكر بنت اللَّبُون في حديثهم على تأويلنا، فهما وجهان في زكاة الإبل، وإذا وزع المالك
بعد الكثرة المجموعَ على الخمسين، فلو بقي كسَر في الآخر سهلُ حسابُه. ثم ظهر أنَّ بنتَ اللَّبُون قد دخلت في
حد التكرار أولاً أيضًا، بخلاف بنتِ المَخَاض، فذكرها دون بنتِ المخاض، وإن لزمت في الاستئناف، فليس ذلك
دُخُولاً في التكرار.
السَّلْهم: الضامِرُ والناقة من المرض: ثم إن هذه القطعة كانت على الهامش بحذاء هذه العبارة من غير تعيين،
(*)
فأدرجتُها في محل تناسبه على ما فهمت. وهكذا قطعتان غيرها في محل آخر. ووقت أخطاء في الاستنساخ
فأصلحتها على ما ظهر لي من الصواب، بتفكر طويل. ويا ليت الأستاذ الجامع أتعب نفسه قليلاً في تصحيح ما
استنسخه، ومقابلته بالأصل. فإنها مذكرة قيمة جدًا، تحتاج إلى عناية بالغة. (البنوري).

١٣٠
کتاب الزّكاة
واعلم أنَّ هذا الحديثَ صريحٌ في أنَّ الهجرة من دار الحرب إلى دار الإِسلام لا تجبُ
مطلقًا، وإن كانت عزيمةً إذا وُجِدَ دارُ الإِسلام على وجهه. أما القرآنُ فإِنَّه استمر بالذمِّ على
تاركها، وذلك لأن من دأب القرآن أنه إذا استحبَّ أمرًا استمر بمدحه، وكذا بالذم على تاركه.
نعم، يُومىُ إلى الجوازِ من عَرْض كلامه، كالهجرة، فإنَّه كرِه تركَهَا، فاستمر بالذم على مَنْ
تَرَكَها، ومع ذلك أشار إلى الجوازِ في قوله: ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقٌ فَدِيَةٌ
مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] فترشَّح منه أن المؤمنَ له أن يَمكُثَ في دار الحرب، فإنْ قُتِلَ،
ففيه الحكم المذكور، فالمقصودُ منه ذكر الكفارة، والمرموزُ جَوَازُ المُكْثِ في دار الحرب، وهذا
بخلاف دأب الحديث، فإنَّه قد يصرحُ بالجائزات أيضًا، وإن لم تكن مرغوبةً عنده.
قوله: (من وراء البحار) وهذا كقولنا في العُرف: (سات سمندريار).
٣٨ - بابُ مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِئْتِ مَخَاضٍ وَلَيسَتْ عِنْدَهُ
١٤٥٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ: أَنَّ أَنَسَا
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَتَبَ لَّهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَّةِ، الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ
رَسُولَهُ وَّرَ: ((مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ، وَلَيسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ،
فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَينٍ إِن اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا. وَمَنْ بَلَغَتْ
عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وَلَيسَتْ عِنْدَهُ الحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ
المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمَا أَوْ شَاتَينٍ. وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وَلَيسَتْ عِنْدَهُ إِلا بِنْتُ
لَيُونٍ، فَإِنَّهَا تُقَبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ، وَيُعْطِي شَاتَينٍ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْت
لَبُونٍ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ، وَيَعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أَوْ شَاتَينٍ.
وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ، وَلَيسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنَتُ
مَخَاضٍ، وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمَا أَوْ شَاتَينٍ)). [طرفه في: ١٤٤٨].
وقد مر أن المصنفَ جَوَّز الاستبدال بالقيمة، وأنه أخرجَ فيه عن الأنصاري، وهو عبد الله بن
المُثَنَّى - حنفيُ المذهب - ونُسِبَ إلى سوء الحفظ، وكان عنده حديث طويل في باب الزكاة،
فَبِسَطَ المصنف رحمه الله قِطعاته في هذا البابِ. ثم قيل: إنه لِمَ ذكر - بنتَ المَخَاض - في
حديثه؟ والجواب: أن المصنف قاسَهُ على بنتِ اللَّبُون، وإنما لم يُخرِّج حديث بنتِ المَخَاض مع
كونه عنده، كما في صدر الصحيفة، ليدل على أنَّ المسألةَ أعمُّ منه.
٣٩ - بابُ زَكَاةِ الغَنَمِ
١٤٥٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُثَنَّىِ الأَنْصَارِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قالَ:
حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّ أَنَسّا خَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَتَبَ لَهُ هذا
الكِتَابَ، لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَينِ :

١٣١
كتاب الزكاة
بِسْمِ اللهِ الََّرِ
هذهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ، الَّتِ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ وَسِ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَالتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا
رَسُولَهُ وَّةِ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلَيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ:
((في أَرْبَع وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا، مِنَ الغَنَمِ، مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا
وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاض أُنْثِى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ
وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتَّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَّةُ
الجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ - يَعْنِي -
سِتَّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمائَةٍ،
فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَىٍ عِشْرِينَ وَمائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ،
وَفي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعْ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَّةٌ، إِلَّا أَنْ
يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ. وَفِي صَدَقَّةِ الغَنَمِ: في سَائِمَتِهَا إِذَا
كانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمائَةٍ إِلَى مِائَتَينِ شَاتَانٍ،
فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيَ كُلِّ مائةٍ
شَاةٌ، فَإِذَا كانَتْ سَائِمَّةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً، فَلَيسَ فِيهَا صَدَّقَةٌ إِلَّا أَنْ
يَشَاءَ رَبُّهَا. وَفِي الرِّقَةِ رُبْعُ العُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيسَ فِيهَا شَيءٌ إِلَّا أَنْ
يَشَاءَ رَبُّهَا)). [طرفه في: ١٤٤٨].
٤٠ - بابٌ لاَ تُؤْخَذُ في الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ،
وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ، وَلاَ تَيْسٌ، إِلاَّ ما شَاءَ المُصَدِّقُ
١٤٥٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قال: حَدَّثَنِي أَبِيِ قالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ: أَنَّ أَنَسَّا رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ، الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ وَله: ((وَلَا يُخْرَجُ في
الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ، إِلَّا ما شَاءَ المُصَدِّقُ)). [طرفه في: ١٤٤٨].
٤١ - بابُ أَخْذِ العَنَاقِ في الصَّدَقَةِ
١٤٥٦ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح). وَقَالَ اللَّيثُ: حَدَّثَني
عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ
أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَاللَّهِ لَزَ مَنَعُونِيَ عَنَاقًا كانُوا
يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَسِهِ، لَقَاتَلتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. [طرفه في: ١٤٠٠].
١٤٥٧ - قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيتُ أَنَّ اللَّهَ شَرَحَ صِدْرَ أَبِي بَكْرٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالقِتَالِ، فَعَرَفتُ أَنَّهُ الحَقُّ. [طرفه في: ١٣٩٩].

١٣٢
كتاب الزّكاة
٤٢ - بابٌ لاَ تُؤْخَذُ كَرَائِمٌ أَمْوَالِ النَّاسِ في الصَّدَقَةِ
١٤٥٨ - حدّثنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعٍ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ، عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيِى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيَفِيّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَاَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّه لَمَّا بَعَثَ مَّعَاذَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَىِ الَيَمَنِ، قالَ: ((إِنَّكَ
تَقْدَمُ عَلَى قَوْمِ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلَيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ،
فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَذَ فَرَضَ عَلَيهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا الصَّلاةَ،
فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيهِمْ زَكاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى نُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا
بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ)) [طرفه في: ١٣٩٥].
٤٣ - بابٌ لَيسَ فِيما دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ
١٤٥٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
أَبِي صَعْصَعَةَ المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وَّ قَالَ: ((لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيسَ فِيما دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ
مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيسَ فِيما دُونَ خَمْسٍ ذُوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ)). [طرفه في: ١٤٠٥].
١٤٥٤ - قوله: (فإذا زادت على العشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين
حقة). واعلم أن الفريضة في مائة وعشرين، حِقتان بالإِجماع. ثم اختلفوا: فعندنا تُستأنَفُ
الفريضةُ - كما في الأول - إلى مائة وخمسين، إلا أنه لا تجبُ فيه بنتُ لَبُون وجَذَعة، ففي كل
خمسٍ شاة إلى مائة وخمس وأربعين مع الحقتين؛ فإذا صارت خمسًا وأربعين بعد المائة تجب
فيها حِقتان، وبنتُ مخَاض. وفي مائة وخمسين ثلاث حِقَاق، هذا هو الاستئنافُ الأول، ثم
تُستأنَفُ الفريضة، وتجبُ فيها بنتُ لَبُون أيضًا، على خلافِ الاستئناف الأول. ففي مائة وخمس
وسبعين ثلاث حِقَاق وبنت مَخَاض. وفي مائة وستٍ وثمانين ثلاث حِقَاق وبنتُ لَبُونَ.
وفي مائة وست وتسعين أربع حِقَاق إلى مائتين، ثم تُستأنَفُ الفريضة، كما بعد مائة
وخمسين، فتجبُ في كلِّ خمسٍ شاةٌ، فإذا صارت مائتين وخمسًا وعشرين، ففيها أربعُ حِقَاق
وبنتُ مَخَاض، وكذلك في ستٍ وثلاثين بنتُ لَبُون إلى ستٍ وأربعين، ثم إلى خمسين حِقّة، ففي
مائتين وخمسين خمس حِقَاق، وهكذا إلى ما لا نهاية له، فيدورُ الحسابُ على الخمسينيات،
وتجبُ في كل خمسين حِقَّة، وكذلك في كل أربعين بنت لَبُون، إلا أنها تجبُ على ستٍ
وثلاثين، وتبقى إلى ست وأربعين، فلا يدورُ الحسابُ عليه.
إذا علمتَ هذا، فاعلم أنَّه لا ريبَ في أن الحديثَ أقربُ إلى مذهب الأئمة الثلاثة، فإنَّ
الفريضة عندهم بعد مائة وعشرين تتغيرُ على كل أربعين إلى بنتِ لَبُون، وعلى كل خمسين إلى حِقّة،
فإذا صارت مائة وثلاثين تجبُ بنتا لَبُون وحِقَّة، لاشتمالها على أربعينتين وخَمْسِينة، ثم إذا صارت
مائة وأربعين تجبُ حِقَّتان وبنت لَبُون، لاشتمالها على أرْبعينَةٍ وخَمْسينتين، فإذا دار الحسابُ بعد

١٣٣
کتاب الزّكاة
مائة وعشرين على الأربعينيات والخمسينيات إلى الأبد، تبادر منه أن يكون هو مراد الشارع. نعم لو :
انقطع في موضع لكان محل رِيبة، فإذا استمرّ، ولم ينقطع في موضع، علمنا صحته. وأما على
مذهبنا فالحديث - وإن كان صادقًا أيضًا - لكنه على مذهبهم أصدق، والحقُّ أحقُّ أن يُتبع.
وتفصيله: أن قوله: ((في كل خمسين حِقَّة))، مطَّدٌ على مذهبنا أيضًا، إلا أن قوله: ((في كل
أربعين بنت لَبُون)) ينتقضُ في موضع - وهو الاستئناف الأول - لما عرفت أنها ليست عندنا في
الاستئناف الأول بنت لَبُون أصلًا، ثم إنها وإن كانت في الاستئناف الثاني لكنَّ الفريضةَ لا تدورُ
على الأربعين عندنا، فتجبُ بنت لَبُون من ستٍ وثلاثين إلى ست وأربعين، والأربعون واقع في
البَيْن، فقوله: ((في كل أربعين بنت لبون))، وإن صدق على مذهبنا أيضًا لكنه ليس بلطيف، لأنه
لا يظهرُ لتخصيص هذا العدد معنىّ، لكونها واجبةً فيما دونه، وفيما فوقه أيضًا؛ ويمكن أن
يُجاب عنه أن بيانَ النُّكتة ليس بضروري، وكفى له الصدق مطلقًا .
ألا ترى إلى قوله ◌َّ﴾ في نِصَاب الشِّيَاه: ((فإذا زادت، فثلاث شياه إلى ثلاث مائة))، مع أن
ثلاث مائة ليس بمدارٍ، لأن الواجبَ إلى تسع وتسعين، وثلاث مائة هو الثلاثُ بعينها، فكذلك
نقول في الأربعين، فإنَّ بنتَ اللَّبُون تذهب إلى ست وأربعين، فهذا صادقٌ، وإن لم تكن فيه
نُكتةٌ. فإن قلت: إن الحِقَّة عندنا تجبُ من ستٍ وأربعين إلى خمسين، فلم يبق في قوله: ((في كل
خمسين حِقّة)) أيضًا لطفٌ على مذهبنا، فلا بد له من نُكتةٍ. قلتُ: إن الأمرَ كما زعمت، فإن
الحِقَّة تجبُ من ستٍ وأربعين، وتذهب إلى خمسين، إلا أن الفريضةً لما كانت تعودُ من
الخمسين، أحال عليه، ليعلم محلُّ الاستئناف، فلطف على مذهبنا أيضًا .
نعم بقي شيءٌ في قوله: ((في كل أربعين بنتُ لَبُون))، فإنه وإن كان صادقًا على مذهبنا - كما
عرفتَه - لكنه لا لطفَ فيه، فقيل في جوابه: إنه ليس من الضروريات أن تذكرَ له نُكتَةٌ، وصِدْقُه
على مذهبنا يكفي للخروج عن عُهْدَةِ قولِه ◌َّيه، كما علمت آنفًا، على أنه لا دليل في قوله ◌َّ
على كونه مدارًا، ولذا تَرَكَ ذكرَه في بعض الروايات، واكتفى بالخمسين.
فأخرج الطحاوي في ((معاني الآثار)) وهذه صورة إسناده: حدثنا سليمان بن شُعيب - تلميذٌ
الإِمام محمد، ثقة - حدثنا الخَصِيبُ بن ناصح - فيه لِينٌ - حدثنا حمَّاد بن سَلمَة، قال: قلت
لقيس بن سعد - قاضي مكة -: اكتب لي كتاب أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم - قاضي
المدينة - فكتبه لي في ورقة، ثم جاء بها وأخبرني أنه أخذه من كتاب أبي بكر بن محمد بن
عمرو بن حَزْمُ(١)، وأخبرني أن النبي ◌َّرَ كتَبه لجده عمرو بن حزم في ذكر ما يخرج من فرائض
(١) وقال أبو الفرج: قال أحمد بن حنبل: حديث ابن حَزْم في الصَدَقات صحيحٌ. ومذهبُنا منقولٌ عن ابن مسعود
وعلي. وكفى بهما قُدوةً. وهما أفقهُ الصحابة، وعليّ كان عاملًا، فكان أعلمَ بحال الزكاة. وما رواه الشافعي قد
عملنا بموجبه، فإنَّا أوجبنًا في أربعين بنت لَبُون، وفي خمسين حِقَّة. فإنَّ الواجبَ في الأربعين ما هو الواجب في
ستٍ وثلاثين، والواجب في الخمسين ما هو الواجب في ست وأربعين. ولا يتعرَّضُ هذا الحديثُ لنفي الواجب
عما دُونه، فنوجِّههُ بما روينا. اهـ ... تبيين الحقائق. ص ٢٦١ - ج١. قلت: ولكن بين الصدق واللطف فرقٌ،
وقد أوضحه الشيخُ رحمه الله تعالى.

١٣٤
كتاب الزّكاة
الإِبل، فكان فيه: ((أنها إذا بلغت تسعين ففيها حِقَّتان، إلى أن تبلغ عشرين ومائة؛ فإذا كانت أكثر
من ذلك ففي كل خمسين حِقَّة، فما فَضَلَ فإنَّه يُعاد إلى أول فريضة الإِبل، فما كانت أقل من
خمس وعشرين ففيه الغَنَمُ في كل خمس ذود شاة)). اهـ .
ثم ساق إسنادًا آخر: حدثنا أبو بكرة: حدثنا أبو عمر الضرير: حدثنا حماد بن سلمة، ثم
ذكر مثله، فارتفع بهذا الإِسناد ما في الخَصِيب من الضَّعف، وكذلك عند أبي داود عن علي في
حديث صَدَقات الإِبل، فإن كانت أكثرَ من ذلك ففي كل خمسين حِقَّة، اهـ .
وذكر فيه للأربعين، كما في حديث الطحاوي؛ ثم أخرجَ أبو داود هذا الحديثَ بعينِهِ عن
حارث الأعور، وعاصم بن ضَمْرة .... إلخ. فصار عاصم مُتَابعًا للحارث، فارتفع الضَّعف
المذكور، لكون عاصم ثقةً. والبيهقي - وإن تصدى إلى الكلام في حَمَّاد بن سَلَمة - لكنه مدفوعٌ
بما ذَكَرنَاه، فيما أملينا على الترمذي، مع أنه أخرجه إسحاق بن راهويه في ((مسنده))، وأبو داود
في ((مراسيله))، كما في ((مشكل الآثار)).
وبالجملة فقد عُلم من هذين الحديثين أن العمود في الصدقة بعد عشرين ومائة، هو الإِدارة
بالخمسينيات، أما الأربعينيات فذَكَرَه في ذيل الحساب، لا لكونها مدارات. ولذا قد تُذْكر، وقد
تحذف. ونظيرُه قوله وَلجه في صدقة الغنم: ((إذا زادت على مائتين ففيها ثلاث شياه إلى ثلاث
مائة))، ويُتوهم منه أن الوظيفة الواجبةَ لعلها تنتهي إلى ثلاث مائة، مع أنها تبلغُ إلى تسع وتسعين
وثلاث مئة. فذكرُ ثلاث مائة ليس لكونها مدارًا، بل هو واقع في البين. إلا أنه لما كان عددًا
مُعتدًّا به ذكرها لذلك، ولأن طريقَ الحساب بالعشرات والمئات، وحذفِ الكسور. ولأنك قد
علمت فيما مرّ أن الفريضةَ تجبُ على عدد. ثم تذهب إلى عدد، لكنَّ العَمُود فيه يكون عددًا
معينًا. وينكشف ذلك في بعض الملاحظ، كما علمت في نُصُب الشياه، فإنه انكشف آخرًا أن
المدارَ والعددَ الأصلَ كان هو المائة، وإن تغيرت الفريضةُ في بعضِ المواضع قَبْلها وبَعْدها
أيضًا .
وهكذا نقول في نصاب بنت اللَُّون، فإنه في الحقيقة وظيفةُ الأربعين، وإن ابتدأت من ستٍ
وثلاثين، وانجرت إلى خمس وأربعين على ما علمته سابقًا. وهكذا الحِقَّة، فإنها وظيفةُ الخمسين
حقيقةً، ألا ترى أن الواجبَ في مائة وخمسين ثلاث حِقَاق بالاتفاق، وفي مائتين أربع حِقَاق،
وإن اختلفوا في التفاصيل.
والحنفية وإن خالفوا في الاستئناف، لكنه خَرَجَ من حسابِهم أيضًا أن المنظورَ في وجوب
الحِقَّة هو الخمسون، ولذا أوجبوا على مائة وخمسين ثلاث حِقَاق، لاشتماله على ثلاث
خمسينيات، وكذلك في المائتين أربع خمسينات، فانكشف منه أن الحقة، وإن وجبت من ستٍ
وأربعين، لكن العدد الأصلي هو الخمسون؛ وحينئذٍ لَطُف ذكرُ الخمسين على مذهبنا أيضًا،
وذلك لثلاثة وجوه :
الأول: لكون الخمسين موضعُ الاستئناف.
والثاني: كون دأب الحساب العدُّ بالعشرات، وترك الكسور.

١٣٥
كتاب الزّكاة
والثالث: فلكونه مدارًا، باعتبار كون الحِقَّة من وظيفة الخمسين في نظر الشارع، كالشاة
للمائة. إلا أن هذا النظر انكشف بعد المائتين. كما انكشف في الشياه بعد ثلاث مائة، وإن كان
هو المقصود من أول الأمر.
وبعد اللُّنيًّا والتي أن الحديثين حُجتان لنا، أما حديث علي عند أبي داود فَزَعَمه الشافعية أنه
حجة لهم، لإِدارته على الخمسينيات، فعدم ذكرِ الأربعينيات فيه عندهم محمول على الاختصار.
قلتُ: بل هو حجةٌ لنا، وتَركُ ذكرٍ الأربعينيات قصدي، لا لأنه مختصر من المطول، كما
فهموه. وذلك لأن التفصيل الذي رواه ابن أبي شيبة عن علي موافقٌ للحنفية قطعًا. فإذا علمنا
مذهبَه من الخارج، وجبَ علينا أن نحملَ مرفوعه أيضًا على ما اختاره في الخارج. نعم، لو لم
يثبت لنا مذهبه لكان للتأويل في مرفُوعِهِ مَسَاغٍ، وهو مذهب ابن مسعود، وإبراهيم النَّخعي - كما
في الطحاوي -، وسفيان الثوري - كما في كتاب ((الآثار)) - بسندٍ قوي.
ثم في حديث علي شيءٌ يخالفنا، وهو أنَّ في خمس وعشرين خمسةً من الغنم؛ مع أن
الواجبَ فيه بنتُ مَخَاض، فإن كان بالتقويم فلا بأس بها عندنا أيضًا، مع أنَّه تكلم فيه سفيان
الثوري(١)، وقال: إنه غَلَظٌ وَقَعَ من بعض الرواة، فإن عليًا أفقه من أن يقول هكذا. وحديث أبي
داود هذا وإن ترددَ بعض الرواة في وَقْفِهِ ورفعه، إلا أنه صحَّحَ رفعَه ابن القطان في كتاب ((الوهم
والإِیهام)).
وليعلم أنه يُعلم من البخاري أن عليًا كان عنده كتابٌ من رسول الله ◌َّ في أحكام الزكاة.
فإذا علمنا من الخارج مذهبه على وَفْقِ مذهب الحنفية، حكمنا برفعِهِ قطعًا، وأن مذهب الحنفية
على وَفْقِ كتاب رسول الله وَّر عنده. وإن استدلال الحنفية مذكور في البخاري، ويقضى العجب
من مثل الحافظ أنه نقل جميع قطعات هذا الكتاب، ولم يذكر ما كان فيه من أحكام الزكاة. وقد
يدورُ بالبال أنه أهمَلَه قصدًا، فإنَّ الصدقات فيه كانت موافقةً لمذهب الحنفية. وهذا من دأبي أَني
إذا لم أجد شيئًا في البخاري. ثم أجدُ تفصيلَه في الخارج بطريقٍ صحيح، أعزوه كُلَّه إلى
البخاري.
ولذا قلت: إن استدلال الحنفية من كتاب البخاري. واحتج الشافعية بما عند أبي داود (٢)
(١) قال أبو عُبيد: وقد حُكي عن سفيان بن سعيد أنه كان يُنكرُ أن يكون هذا من كلام علي، ويقول: كان أفقَه من أن
يقول ذلك. وحَكى بعضهم أنه قال: أبى الناسُ ذلك على عليّ. ص ٣٦٣ ((كتاب الأموال)).
فإن قلت: فماذا تصنعُ بما أخرجه أبو داود من التفصيل، ففيه: ((فإذا كان إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات
(٢)
لَبُون، حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة، فإذا كانت ثلاثين ومائة ففيها بنتا لبون وحِقَّة)»؟ فإنه يأبى جميعُ ما ذكرت.
وينحصرُ فيما رامه الشافعية. فالجواب عنه كما ذكره الشيخ: أن هذا التفصيل مخالفٌ لجميع الروايات في هذا
الباب، فهو مدرجٌ: والدليل عليه أنه أخرجه الدار قطني أيضًا ص ٢٠٩، وفيه: ((هذا كتاب تفسيره)) قلت: ونحوه في
كتاب ((الأموال)) ص ٣٦٠، وفيه: قال ابن شهاب: أقرأنيها سالمٌ بن عبد الله بن عمر: ((وهذا كتاب تفسيرها))،=

١٣٦
كتاب الزّكاة
من كتاب رسول الله وَّة عند آل عمر، وفيه عينُ ما اختارَه الشافعية من التفصيل (١). وكان
شيخُنَا مولانا محمود حسن يقول: إنه مُذْرجٌ من الراوي، ثم وجدتُ عند الدارقطني ما أحْكُمَ
رَأْيَه ودلَّ صراحةً على أنه مدرجٌ.
والفصل عندي في هذا الباب أن زكاةَ الإِبل قد أخذت بالنحوين. ومن المُحال أن يكون
علي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما قد أخذا الزكاة على مختارِ الشافعية وغيرهم بالكوفة.
ثم يكون أبو حنيفة اختارَ خلافَه، وهو بالكوفة أيضًا، فلا بد أن تكون الزكاةُ أُخِذت بالكوفة،
كما اختاره الحنفية، وبالمدينة كما اختاره مالك، وآخرون، فهما متواتران قطعًا، والرجل مخيرٌ
بينهما بأي نحو شاء أدَّاها. وإنما الخلافُ في الاختيار لا غير، هكذا صَرَّح به ابن جرير (٢) في
(تهذيب الآثار): هذا باب أخذ العَنَاق ... إلخ وقد علمت تفصيلَه فيما مر، وأنه جائز عندنا أيضًا
في بعض الصور، وهو فيما إذا ماتت الكبار، وبقيت الصغار فقط.
٤٤ - بابُ زَكاةِ البَقَرِ
وَقَالَ أَبُو حُمَيدٍ: قالَ النَّبِيُّ نَّه: (لأَعْرِفَنَّ، ما جاءَ اللَّهَ رَجُلٌ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ)).
ثم ذكر بعدَه هذا التفصيل، فدل على أنه ليس بمرفوع، بل فصَّلَه الراوي على ما فهم، مما يأتي في عامة الروايات:
=
((في كل أربعين بنت لَبُون، وفي كل خمسين حِقَّة))؛ وليس عنده في ذلك غير هذا القول. وقد علمت حاله، مع ما
سيجيء فيه عن أبي عبيد في ((الحاشية)) فانتظره، فإنه مهمٌ.
(١) قال أبو عبيد: فهذه ثلاثةُ أقوال:
أما القول الأول الذي ذكرناه عن علي أنه يستأنفُ بها الفريضة. فإنه قول يقول به أهل العراق، وبه كان يأخذ
سفيان. ثم فسره بعين التفسير الذي جاء في كُتُبنا، ثم قال: فهذا مذهب قول علي، وما يعمل به أهل العراق.
ثم قال: وأما حديث ابن شهاب: إنها إذا زادت على عشرين ومائة كانت فيها ثلاث بنات لَبُون، فإِنا لم نجد هذا
الحرف في شيءٍ من الحديث سوى هذا. ولا أعرف له وجهًا. وأخاف أن يكونَ غيرُ محفوظ، لأنه لم يجعله على
حساب أول الفرائض ولا على آخرها. ألا ترى أنها في الابتداء إذا كانت خمسًا وعشرين كانت فيها ابنة مَخَاض،
إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدةً انتقلت الفريضة بتلك الواحدة إلى السِّنِّ التي فوقها، فصار فيها ابنة لَبُون، ثم
أسنان الفرائض كلها على هذا؟. فذاك حساب أول الفريضة، فلو جعله عليه لكان يلزمه أن يكونَ في إحدى
وعشرين ومائة بنتا لَبُون وحِقَّة إلى ثلاثين ومائة، فهذا حساب أولها، وأما آخرها فإن في كل أربعين ابنة لَبُون، وفي
كل خمسين حِقَّة، فلو جعلها على هذا لكانت ثلاثُ بناتٍ لَبُون، إنما تجب في عشرين ومائة، لأن في كل أربعين
واحدة، وهذه قد زادت على العشرين والمائة، ثم لا أرى نقلها إلى السِّن التي فوقها، فليس هذا القولُ على حساب
أدنى الفرائض، ولا أقصاها.
وأما القول الثالث الذي في حديث حبيب أن الزيادة على عشرين ومئة لا شيء فيها حتى تبلغ ثلاثين ومائة، ثم يكون
فيها حينئذ بنتالبون وحِقَّة. فهذا هو القول المعمولُ به. إلى أن قال: هذا قول مالك. وأهل الحجاز. انتهى
ملخصًا. ص ٣٦٥ ((كتاب الأموال)).
(٢) قال الخَطَّابي في ((معالم السنن)) ص ٢١- ج٢: وقال محمد بن جرير الطبري: وهو مخيرٌ، إن شاء استأنف
الفريضة إذا زادت الإِبل على مائة وعشرين، وإن شاء أخرج الفرائض، لأن الخبرين جميعًا قد رويا. اهـ . ثم رد
عليه الخطابي. قلت: وهذا الأمرُ يُبنى على الأذواق والمختارات.

١٣٧
كتاب الزّكاة
وَيُقَالُ: جُؤَارٌ. ﴿ تَحَْرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]: أي تَرْفَعُونَ أَصْوَاتَكُمْ كما تَجْأَرُ البَقَرَةُ.
١٤٦٠ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصِ بْنِ غِيَاثٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ
المَعْرُورِ بْنِ سُوَيدٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: انْتَهَيتُ إِلَّى النَّبِيِّ ◌َ، قَالَ: ((وَالَّذِيَ
نَفْسِي بِيَدِهِ - أَوْ: وَالَّذِي لَّا إِلَّهَ غَيرُهُ؛ أَوْ كما حَلَفَ - ما مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِلٌ، أَوْ بَقَرٌ،
أَوْ غَنَمُ، لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إِلَّا أُتِيَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، أَعْظَمَ ماً تَكونُ وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُهُ
بِأَخْفَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، كُلَّمًا جازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضِى بَيْنَ
النَّاسِ)). رَوَاهُ بُكَير، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ.
[الحديث ١٤٦٠ - طرفه في: ٦٦٣٨].
ولم يكن عند المصنف في هذا الباب حديثٌ على شرطه، فأراد أن لا يخلو كتابَه من تلك
المسألة المهمة أيضًا، لأنه قد بَسَط فيه الفِقه أيضًا، فأشار إليها فقط، ومضى، ولله درُّه ما أدقّ
نَظَرَه.
٤٥ - بابُ الزَّكَاةِ عَلَى الأقَارِبِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِ: ((لَهُ أَجْرَانِ: أَجْرُ القَرَابَةِ وَالصَّدَقَةِ)).
١٤٦١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي
طَلَحَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: كانَ أَبُو طَلحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ
مالًا مِنْ نَخْلِ، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيهِ بَيرُحاءَ، وَكانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ
اللّهِ وَّهِ يَدْخُلْهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ ماءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هذهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُواْ
الْبِّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قَامَ أَبُو طَلحَةَ إلَى رَّسُولِ اللَّهِو ◌َلَ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿لَنْ ثَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِنَا تُحِبُّونَ﴾. وَإِنَّ أَحَبَّ
أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا، يَا رَسُولَ
اللَّهِ، حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (بَخْ، ذلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذلِكَ مالٌ رَابِحٌ،
وَقَدْ سَمِعْتُ ما قُلتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا في الأَقْرَبِينَ)). فَقَالَ أَبُو طَلحَةَ: أَفعَلُ يَا
رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلحَة في أَقارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. تَابَعَهُ رَوْحٌ. وَقَالَ يَحْيِى بْنُ يَحْیی
وَإِسْماعِيلُ، عَنْ مالِكِ: ((رَايِحٌ)). [الحديث ١٤٦١ - أطرافه في: ٢٣١٨، ٢٧٥٢، ٢٧٥٨، ٢٧٦٩،
٤٥٥٤، ٤٥٥٥، ٥٦١١].
اختار التعميم، ولم يُفَصِّل بين الأصول والفروع، وغيرهم. وعندنا لا تجوزُ على الأصولِ
والفروع. ولما لم يكن الحديث في الزكاة لم نحتجْ إلى جوابه. أما المصنفُ فطريقُه أوسعُ في
الاستدلال، كما علمت.
١٤٦١ - قوله: (فقسمها) ... إلخ، دل على أنها كانت صدقةً، ولو كانت وقْفًا لم
يقسمها .

١٣٨
كتاب الزّكاة
١٤٦٢ - حدّثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا محَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قالَ: أَخْبَرَنِي زَيدٌ، عَنْ
عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،َ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ يٍَّ فِي
أَضْحَىَ أَوَّ فِظْرٍ إِلَى المُصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَقَالَ: «أَيُّهَا
النَّاسُ، تَصَدَّقُوا)». فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ
أَهْلِ النَّارِ)). فَقُلنَ: وَبِمَ ذلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ((تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ما
رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ، أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ، مِنْ إِحْدَاكِنَّ، يَا مَعْشَرَ
النِّسَاءِ». ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمَّا صَّارَ إِلى مَنْزِلِهِ، جاءَتَْ زَينَبُ، أَمْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، تَسْتَأُذِنُ
عَلَيهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هذهِ زَيْنَبُ، فَقَالَ: ((أَيُّ الزَّيانِبِ؟)) فَقِيلَ: امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ،
قالَ: (نَعَمْ، اثْذَنُوا لَهَا)). فَأُذِنَ لَهَا، قالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ اليَوْمَ بِالصَّدَّقَّةِ، وَكانَ
عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ
عَلَيهِمْ! فَقَالَ النَّبِيُّ وَّ: (صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيهِمْ)).
[طرفه في: ٣٠٤].
١٤٦٢ - قوله: (زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم)، ولا بد للحنفية أن يحملوه
على التطوع، فإن الزكاةَ لا تصرفُ عندنا على مَنْ وَجَبت نفقتُه عليه.
٤٦ - باب لَيسَ عَلَى المُسْلِمِ في فَرَسِهِ صَدَقَةٌ
١٤٦٣ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قالَ: سَمِعْتُ سُلَيمَانَ بْنَ
يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مالِكِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ ((لَيْسَ عَلَى
المُسْلمِ فِي فَرَسِهِ وَغَلَامِهِ صَدَقَةٌ)). [الحديث ١٤٦٣ - طرفه في: ١٤٦٤].
٤٧ - بابٌ لَيسَ عَلَى المُسْلِمِ في عَبْدِهِ صَدَقَةٌ
١٤٦٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ خُثَيم بْنِ عِرَاكِ قَالَ: حَدَّثَني
أَبِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ. ح. وحَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ:
حَدَّثَنَا وُهَيبُ بْنُ خَالِدٍ: حَدَّثَنَا خُثَيمُ بْنُ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((لَيسَ عَلَى المُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ)). [طرفه في:
١٤٦٣].
واعلم أن الخيلَ إذا كانت تُعلفُ للركوب أو الحمل أو الجهاد، فلا زكاةً فيها إجماعًا،
وإن كانت للتجارة ففيها زكاة إجماعًا. وأما إذا كانت تُسامُ للدَّرِ والنَّسل - وهي ذكورٌ وإناث -
تجب فيها الزكاة، كذا في ((البدائع)).
ثم العبيد إذا كانوا للتجارة تجبُ فيهم الزكاة إجماعًا، فلا بد أن يرادَ من العبيد عبيدُ
الخِذمة عندهم أيضًا. قلتُ: فكما أنهم حملوا العبيد على الخدمة، كذلك حَمَلنا الفرسَ عليها

١٣٩
كتاب الزّكاة
أيضًا. وأخذ عمرُ زكاتَها، كما بينه الزَّيْلَعي (١). ووجه خفاءِ المسألة فيها أن الخيلَ كانت في
عهده ◌َ﴿ في غاية القِلَّة، حتى لم تكن في بدرٍ إلا ثلاثةُ أفراس، فأين كان لهم ما يَسُومونها
للنَّسل حتى تجب فيها الزكاة. مع أنَّ المأخوذَ منها ليس في حكم الزكاة عندنا من كل وجه، فله
أن يؤدي عن كل فرس دينارًا، أو يقومها، ثم يؤدي عنها زكاتَها بحسبها، بخلاف زكاةِ السوائم،
فإن المأخوذَ منها معينٌ من جهة الشرع. وكذا لا يُجبَرُ صاحبُها أن يدفعَ زكاتَها إلى بيت المال،
بخلاف زكاة السوائم، فإِنها حقُّه فقط، وليس له أن يدفعها بنفسه.
وبالجملة صارت المسألة فيها كالاجتهاديات، فمتى يردُ لفظُ الصدقة فيها نحملهُ على
الزكاة، ويحملونه على التطوع، وهذا هو صنيعنا وصنيعهم في أمثال هذه الأحاديث، وما ذلك
إلا لعدم انكشاف الحال.
٤٨ - بابُ الصَّدَقَةِ عَلَى اليَتَامى
١٤٦٥ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيِيٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيمُونَةَ:
حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ : أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُذْرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُحَدِّثُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َه
جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ: ((إِنِّي مِمَّا أَخافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي ما
يُفتَحُ عَلَيْكُمْ مِّنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا)). فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَو يَأْتِي الخَيرُ بِالشَّرِّ؟
فَسَكَّتَ النَّبِيُّ نََّ، فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأُنُكَ، تُكَلِّمُ النَّبِيَّ نَّهَ وَلَا يُكَلِّمُكَ؟ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ
عَلَيْهِ، قالَ فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ، فَقَالَ: ((أَينَ السَّائِلُ؟)) وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ فَقَالَ: ((إِنَّهُ لَا يَأْتِي
الخَيرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ، إِلَّ آكِلَةَ الخَضْرَاءِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ
خاصِرَتَاهَا، اسْتَقْبَلَتْ عَينَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ، وَبَالَتْ، وَرَتَعَتْ، وَإِنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلوَةٌ،
فَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ ما أَعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ - أَوْ كما قالَ النَّبِيُّ ◌َثَّ -
وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيرِ حَقِّهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ)). [طرفه في:
٩٢١].
وحاصلُ الحديثِ أن الخيرَ لا يترتبُ عليه الشر إذا استعمله بالمعروف، نعم، إن استعمله
لا على وجهه أنتجَ الشَّرَّ.
١٤٦٥ - قوله: (ما أعطى منه المسكين) أي ما دام يعطي المساكين من ماله.
(١) وقال أبو عمر بن عبد البر: الخبر في صَدَقة الخيل صحيح عن عمر. ومروان شَاوَرَ الصحابة، فروى أبو هريرة
قوله وَّر: ((ليس على الرجل في عبدِهِ، ولا في فرسِهِ صدقةٌ)) فقال مروان لزيد بن ثابت: يا أبا سعيد، ما تقول؟
فقال أبو هريرة: عجبًا من مروان، أحدِّثه بحديث رسول الله ◌َّر، وهو يقول: يا أبا سعيد، فقال زيد: صدق
رسول الله وَّر، وإنما أراد به فرس الغازي. اهـ. ثم قال الزَّيلَعي: ولا يؤخذ من عينها إلا برضاها، بخلاف سائر
المواشي ((التبيين)).

١٤٠
كتاب الزّكاة
٤٩ - بابُ الزَّكَاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالأَيَتَامِ في الحِجْرِ
قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ.
١٤٦٦ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ:
عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبِّ، امْرَأَةٍ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. قالَ: فَذَكَرْتُهُ
لإِبْرَاهِيمَ: فَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِي عُبَيدَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ، امْرَأَةٍ عَبْدٍ
اللَّهِ، بِمِثْلِهِ سَوَاءٌ. قالَتْ: كُنْتُ فِي المَسْجِدِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَجَ فَقَالَ: ((تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ
حُلِيُّكُنَّ). وَكَانَتْ زَينَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَيْتَامِ في حِجْرِهَا، قَالَ: فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ :
سَل رَسُولَ اللَّهِ وَّهَ: أَيُجْزِئُ عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيكَّ وَعَلَى أَيْتَامِي في حجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟
فَقَالَ: سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َهَ، فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ
عَلَى الْبَابِ، حاجَتُهَا مِثْلُ حاجَتِي، فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ، فَقُلْنَا: سَلِ النَّبِيَّ وََّ: أَيُجْزِىءُ عَنِّي
أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيتام لِي فِي حَجْرِي؟ وَقُلنَا: لَا تُخْبِرْ بِنَّا، فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ:
((مَنْ هُما؟)). قالَ: زَينَبُ،َ قال: ((أَيُّ الزَّيانِبِ؟)). قالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: ((نَعَمْ لَهَا
أَجْرَانٍ، أَجْرُ القَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ)).
١٤٦٧ - حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ
ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، قالَتْ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَىِّ بَنِي أَبِي سَلَمَةَ، إِنَّمَا
هُمْ بَنِيَّ؟ فَقَالَ: ((أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ، فَلَكِ أَجْرُ ما أَنْفَقْتِ عَلَيهِمْ)) [الحديث ١٤٦٧ - طرفه في:
٥٣٦٩] ..
٥٠ - بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَفِي الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُعْتِقُ مِنْ زَكاةِ مالِهِ، وَيُعْطِي في الحَجِّ.
وَقَالَ الحَسَنُ: إِنِ اشْتَرَى أَبَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ جازَ، وَيُعْطِي في المُجَاهِدِينَ، وَالَّذِي لِّمْ يَحُجَّ،
ثُمَّ تَلَا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾ الآيَةَ، في أَيُّهَا أَعْطَيْتَ أَجْزَأَتْ. وَقَالَ النَّبِيُّ وَِّّهَ: ((إِنَّ
خالِدًا اخْتَبَسَ أَذْرَاعَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ). وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي لَاسٍ: حَمَلَنَا النَّبِيُّ ◌َّرْ عَلَى إِبِلِ
الصَّدَقَةِ لِلحَجِ.
١٤٦٨ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَن الأَعْرَجِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ تَ﴿رَ بِالصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنّعَ ابْنُ جَمِيلٍ،
وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ! فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((ما يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ
كانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خالِدًا، قَدِ احْتَبَسٌَ أَدْرَاعَهُ
وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: فَعَمُّ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، فَهِيَ عَلَيهِ