النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب الجنائز
جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِِّ عَنْ أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ؟
فَقَالَ: ((اللَّهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)) [الحديث ١٣٨٣ - طرفه في: ٦٥٩٧].
١٣٨٤ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيِبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ
اللَّيِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: سُئِلَ النَّبِيُّ ◌ََّ عَنْ ذَرَارِيِّ المُشْرِكِينَ؟
فَقَالَ: ((اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كانُوا عامِلِينَ)) [الحديث ١٣٨٤ - طرفاه في: ٦٥٩٨، ٦٦٠٠].
١٣٨٥ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى
الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ، هَل تَرَى
فِيهَا جَدْعاءَ؟)). [طرفه في: ١٣٥٨].
واعلم أنهم اختلفوا في أولاد المشركين: فَنُقِل عن أبي حنيفة رحمه الله التوقُّفُ. وصَرَّح
النسفيُّ في ((الكافي)): أن المرادَ بالتوقف في الحُكْم الكلي، فبعضُهم ناجٍ وبعضُهم هالكٌ، لا
بمعنَى عدمِ العِلْم أو عدم الحُكْمِ بشيءٍ. وهو مذهب مالك، صرَّح به أبو عمرو في ((التمهيد)).
وإليه ذهبَ الشافعي كما صرَّح بهَ الحافظ. وعن أحمد روايتان. واختار الحافظ ابنُ القيِّم النجاةَ
كما في ((شفاء العليل))، وهو الذي نَسَبه إلى ابن تيميةَ. ولكنَّ المنقولَ عنه عندنا هو التوقُّفُ كما
في ((فتاواه)).
فلا أدري أتعددت الرواياتُ عنه، أو وقع منه في النَّقْلِ سَهْوٌ؟ وذَهَب الحمَّادانِ،
والسُّفْيانانِ، وعبدُ اللَّهِ بن المُبارك، والأَوْزَاعيُّ، وإسحاق بن رَاهُويه كلّهُم إلى التوقُّف. ثم جاء
الأشعرِيُّ واختار النجاةَ. ثُم جاء الشافعية واختاروا قول الأشعريِّ وشهروه، ونوَّهُوا بِذِكْره،
حتى إِنَّ النوويَّ لم يَنْقل فيه مذهبَ الشافعيِّ وتَرَكَ ذِكْرِه رأسًا، واختار النجاةَ تَبَعًا للأَشعريِّ.
وإليه ذهب الحافظ وعزاه إلى البخاريِّ رحمهما الله تعالى أيضًا. والذي عندي أنه وافق
المتوقّفين كما يُعلم من كتاب القَدَرِ. وعند ابنِ كثير في سورة ((بني إسرائيل)): أَنَّ مذهبَ
الأشعريِّ أيضًا هو التوقُّفُ. وإذن لا أدري كيف نُقِل عنه قولُ النجاة. ولا أَقَلَّ مِن أنه تعارُضُ
النَّقْل عنه. هذا في ذَرَارِي المُشْرِكِين. أما ذَرَاري المسلمِين فَمُقْتَضَى الدليلِ أَن يُتوقَّفَ فيهم
أيضًا إلا أن الإِجماع قد قام بنجاتِهم. وحينئذٍ معنى قوله: ((اللهِ أَعلمُ بما كانوا عاملين)) في حَقِّهم
أنه قد شاءَ عَمَلَ الخيرِ منهم وسبق ذلك منهم. فهو إبهامٌ في اللَّفْظ مع التَّعْيين في الخارج.
١٣٨٤ - قوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ بما كانوا عَامِلين). قلتٍ وهذا نَصِّ في الباب الذي لا مَهْرب
عنه ولا مَعْدِلَ. فإِنَّ النبيَّ ◌َّرَ سُئِلَ عنهم، ثُم أجابهم بالتوقُّف فيهم. فالمسألة هي التوقُّف، وما
يُخالِفُه من المُبهَمات ينبغي تأويلُه قطعًا. وأَوَّله مَنِ اختار النجاةَ بتأويلِ رَكِيكِ لا يُعبأ به، فقال:
إِنَّ الحديثَ أَحالهم على العمل، وإذا لم يوجدْ منهم عملُ الشَّرِّ فينجوّن لا محالةَ. قلت: كلا،
بل الحديثُ أحالَ على العِلْم بالعمل دونَّ العَمَلِ نَفْسِه. فهذا الحديثُ يقطع عِرْقَ العمل.
فإِنْ قلت: إِنَّ المُمهّدَ في الشَّرْعِ أنَّ الهلاكَ والنجاةَ يدوران على العمل. قلت: فَمَنْ قال

٨٢
كتاب الجنائز
لك هذا؟ بل كما أنَّ النجَاةَ بالعملِ ضابطةٌ في العاملين، كذلك النجاةَ أو الهلاكَ بالاستعدادِ
ضابطةٌ أُخرى. وهذا فِيمَن لم يُدْرِكَوا زَمَنَ العملِ. وأيُّ بُعْدٍ في تَرتُّب الثمرةِ على الاستعداد،
فَمَن يكون فيه استعدادُ الخيرِ ينجو، ومَنْ يكون فيه استعدادُ خلافِهِ يَهْلِك، فالفَضْلُ كما يكونُ
بالعمل كذلك يكونُ بما سَبَق في علم الله. وكذلك ينبغي أن يكونَ، فإِن العمل إنما يكون مِمَّن
أدركوا زمانَه. وأما مَنْ لم يدرِكوا زمانَه فليس فيهم إِلَّ الاستعدادُ، وما علمه الله منهم فعليه
الفَصْلُ فافهم، ولا تعجلُ فإِنَّ على أَثَرِ عَجَلةٍ كَبْوةٌ. على أنَّه ذكر في ((الفتح)) امتحانُ أهلِ
الفَتْرة والمجانين، فيقال لهم: أن ألقوا أَنْفُسَكم في النار، فمن يَفْعل ينجُو، ومنْ يأبى يَهْلِك.
فكذلك يمكنُ أن يكونَ للصبيان أيضًا عملٌ في المَحْشَر يُناط به هلاكُهُم ونجاتُهم، والله
أعلم.
٩٣ - بابٌ
١٣٨٦ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حازِم: حَدَّثَنَا أَبُو رَجاءٍ، عَنْ
سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبِ قالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا صَلَّى صَلَاةَ، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: ((مَنْ رَأَى
مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟)) قالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ: ((ما شَاءَ اللَّهُ)). فَسَأَلْنَا يَوْمًا فَقَالَ:
((هَلْ رَأَىِ أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟)) قُلنَا: لَا، قالَ: ((لكِنِّي رَأَيتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَينٍ أَتَيَانِيٍ فَأَخَذَا
بِيَدِي، فَأَخْرَ جَانِي إِلَى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جالِسٌ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلَّوبٌ مِنْ
حَدِيدٍ)). قالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسى: ((إِنَّهُ يُدْخِلُ ذلِكَ الكَلُّوبَ في شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ
قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذلِكَ، وَيَلتَئِمُ شِدْقُهُ هذا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، قُلتُ: مَا
هذا؟ قالا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلِ مُضْطَجِع عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى
رَأْسِهِ بِفِهْرٍ، أَوْ صَخْرَةٍ، فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَّهُ تَدَهْدَهَ الحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيهِ لِيَأْخُذَهُ،
فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هذا، حَتَّى يَلَتَئِمَ رَأْسُهُ، وَعادَ رَأْسُهُ كما هُوَ، فَعَادَ إِلَيهِ فَضَرَبَهُ، قُلتُ: مَنْ
هذا؟ قالا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ، أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ
نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا، حَتَّى كادّ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رجالٌ
وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلتُ: مَنْ هذا؟ قالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى أَتَّيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمِ فِيهِ
رَجُلٌ قائِمٌ، عَلَى وَسْطِ النَّهَرِ - قَالَ يَزِيدُ وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ: وَعَلَى شَطّ
النَّهَرِ - رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِيِ فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمى
الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيثُ كانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جاءَ لِيَخْرُجَ رَمی فِي فِيهِ بِحَجَرٍ ،
فَيَرْجِعُ كما كَانَ، فَقُلتُ: ما هذا؟ قالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَّةٍ
خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا شَيخٌ وَصِبْيَانٌ، وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ،
بَينَ يَدَيهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بِي في الشَّجَرَةِ، وَأَدْخَلَانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَظْ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا
رِجالٌ شُيُوخٌ، وَشَبَابٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا، فَصَعِدَا بِيِ الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي
دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفضَلُ، فِيهَا شُيرٌ وَشَبَابٌ، قُلتُ: طَوَّفْتُمانِي اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِي عَمَّا

٨٣
كتاب الجنائز
رَأَيِتُ، قالا: نَعَمْ، أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ، يُحَدِّثُ بِالكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى
تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالذِي رَأَيتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ، فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ
القُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيلِ، وَلَمْ يَعْمَّل فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيتَهُ في
الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَذِي رَأَيتَهُ في النَّهَرِ آكِلُو الرِّبا، وَالشَّيخُ فَي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ
عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ، وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ
الأُولَى الَّتِي دَخَلتَ دَارُ عامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هذهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهذا
مِيكائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ، قالا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ،
قُلتُ: دَعَانِي أَدْخُل مَنْزِلِي، قالا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلُهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلتَ أَتَيتَ
مَنْزِلَكَ)). [طرفه في: ٨٤٥].
أحال الفَصْل إلى الناظرين ولم يترجم بشيءٍ، وذَكَر مادته فقط.
١٣٨٦ - قوله: (والصِّبْيانُ حَوْلَه فأولادُ النَّاس) ومِن هنا فَهِم الحافظُ أَنَّ البخاريَّ رحمه الله
تعالى اختارَ النجاة، لأَنَّ أولادَ الناس الذين حَوْلَه لا يكونون إِلَّا مَنْ هو ناج.
أقول: وفي لفظٍ آخَر من هذه الرواية: أنَّ هؤلاء الصبيانَ كانوا بعضَهم لا كُلَّهم. فلم تثبتٍ
النجاةُ مطلقًا، ولا كلام في نجاةِ البعض، وإنَّما الكلامُ في نجاة الكُلِّ. وذا يثبتُ لو ثَبَت كونُ
مَنْ حوله کلھم، ولم يثبت.
١٣٨٦ - قوله: (وَيَلْتَئِم شِدْقُهُ) وهكذا يَصْنع به إلى يوم القيامة. وهو معنى قوله: ((خالدًا
مخلدًا)) على ما مر معنا تحقِيقه ولم يدركِ الناسُّ مرادَه فاضطروا إلى إِعِلالٍ وتأويلٍ.
فائدة :
واعلم أَنَّ أَقْرِبَ نظيرٍ لِعذابِ القَبْر عندي ما يحُسُّه المرء في رؤياه. والعذاب اسمٌ لنَوْعِ مِن
الإِدراك والإِحساس، ولا يكون إِلَّ حِسِّيًا في العالم الّذي يكون فيه. فإِنَّ ما يراه صاحبُ الرؤيا
فهو حسيٍّ في حقه وإن لم يكن في حقٌّنا. كذلك العذابُ أيضًا حسيٍّ في حقِّ مَنْ يعذِّب وإنْ لم
يكن في حَقِّ مَنْ هو ليس في عالِمه. لا أريد به أن العذابَ خياليٍّ فقط، فإِنَّه زندقةٌ وإلحاد،
ونعوذُ بالله العظيم من الزَّيْغ وسوءِ الفَهْم.
١٣٨٦ - قوله: (شَيْخٌ وصِبْيانٌ). قلت: ولا دليلَ فيه على الاستغراقِ مع التصريح بلفظ:
((أَكْثَرَ الصِّبْيان)) في هذه الرواية بعينها. وهل أَدْرَكْت مرادَه؟ فاسمع: إنّ معناه أَني رأيتُ عنده من
الصِّبيان ما لم أَرَ مِثْلَهم في موضِعٍ من تَظْوافي هذا. وقد فَهِمه الطَّيبيُّ ولم يُذْرِكه الحافظ
رحمه الله تعالى، وإنَّما كان هؤلاء عندَه لكونهم على الفِطْرَةِ. ولإِبراهيمَ عليه الصلاة والسلام
مزيدُ اختصاصٍ بها، حتى يقال للحنفية دينُ الفِظْرة، ألا ترى أنه كيف أجاب أباه ((آزَرَ)) مِن فطرتِه
مع كونِه صبيًا إذ ذاك. فلما ظهرَ له مزيدُ اختصاص بالفِظْرة ناسبَ أن يكونَ مَنْ ماتوا على الفطرةِ
عنده .

٨٤
كتاب الجنائز
٩٤ - بابُ مَوْتِ يَوْمِ الاثْنَينِ
١٣٨٧ - حدّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ، عَنِ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالَتْ: دَخَلتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ
النَّبِيَّ ◌َّةَ؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِّيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. وَقالَ
لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمِ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ فَ؟ قَالَتْ: يَوْمَ الاثْنَينِ. قالَ: فَأَيُّ يَوْم هذا؟ قالَتْ:
يَوْمُ الاثْنَينِ. قالُ: أَرْجُو فِيما بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيلِ. فَنَظَرَ إِلَىَ ثَوْبٍ عَلَيْهِ كانَ يُمَرَّضُ فِيهِ، بِهِ
رَدٌْ مِنْ زَغْفَرَانٍ، فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هذا، وَزِيدُوا عَلَيهِ ثَوْبَينٍ، فَكَفِّنُونِي فِيهَا. قُلتُ: إِنَّ
هذا خَلَقٌ؟ قالَ: إِنَّ الحَيَّ أَحَقُّ بِالجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلمُهْلَةِ. فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى
أَمْسِى مِنْ لَيلَةِ الثُّلَاثَاءِ، وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ. [طرفه في: ١٢٦٤].
قال السيوطي رحمه الله تعالى: إنه أفضلُ الأيام للموت، لأَنَّ النبيَّ ◌ََِّ تُوُفِّي فيه وإن كان
أفضلُ الأيام مطلقًا هو الجمعةَ.
٩٥ - بابُ مَوْتِ الفَجْأَةِ؛ البَغْتَةِ
١٣٨٨ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ قالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِّ بَيَّ: إِنَّ أُمِّي افتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا
لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَل لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). [الحديث ١٣٨٨ - طرفه في:
٢٧٦٠].
واعلم أن موتَ الفَجْأةِ مما وَقَع منه الاستعاذةُ في الأحاديث، ومع ذلك هو موتٌ
الشهادةِ. فهو مما يليقُ منه الاستعاذةُ من جهة أنَّ المرءَ لا يَقْدِر فيه على الوصية وغيرها مما لا
بُدَّ له منه. وإذا أصيبَ بها بسببٍ سماويٍّ فإِنَّه موجب للشهادة كرامةً من اللَّهِ. ولا يحسبنَّ رجلٌ
أَنَّ كل ما يوجِبُ الشهادةَ يكونُّ مطلوبًا لا محالةَ. فإِنَّ ما لا يكونُ مطلوبًا قد يوجِب الشهادةَ
كموت الفجأة(١).
(١) قلت: وذلك لأنَّ مِن حُسْن فَهْم المرءِ أن لا يسألَ التعرض للبلايا، فإِنه حَمَقٌ، ومَنْ يستطيع أن يصبرَ عليها، فإِنْ
يصاب بها على ضَعْفِه، عليه أن يرضى بقضاءِ ربِّه ليُجَازى بالشهادةِ أو نحوها وذلك تَفَضَّلٌ منه تعالى. فعلى
الإنسان أن يسألَ الفَضْلَ دون البلايا، ولذا وَرَد في الحديث أن: ((لا تسألوا اللَّهَ الصَّبْرِ، فإِنَّه سؤالٌ بالبلايا،
ولكن اسألوا اللَّهَ العافيةَ)). وبالجملة الشهادةُ مقصودةٌ، والموت وسيلةٌ. والسؤال إنما يليقُ بالمقاصِد دون
الوسائل، فإِنَّها لا تَنْحَصِر في سببٍ معيَّن، فالمناسِبُ لحالِ ضَعْف البَشَر لا يُعرِّضَ نفسَه للشدائد، ويسألَ اللَّهَ
العفو والعافية. ونظيره ما أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: ((من قَدَّم ثلاثةً لم يبلغوا
الحِنْث كانوا له حِصْنًا حصينًا)» ... إلخ. فهل يتمنى بموت أولادِهِ إِحرازًا لهذا الفضل أَحدٌ إِلَّا مصابٌ أو
مجنون. فموتُ الأولاد موجِبٌ للأجر البتة، موتُ الفَجْأة، ولكنه ليس یُتَمَنَّی به، وبالجملة تلك مصائبُ لذاتِها
وإنما يترتب عليها الأجر بعد الصبر. فهي حسن لغيرِه لا لنفسه، فينبغي أن يتعوذ منها قبل الابتلاء بها، ويسألَ =

٨٥
كتاب الجنائز
وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
صَذ الله
وستكم
٩٦ - بابُ ما جاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ◌َ
﴿فَقْرَهُ﴾ [عبس: ٢١] أَقْبَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا جَعَلتَ لَهُ قَبْرًا، وَقَبَرْتُهُ: دَفَنْتُهُ. ﴿كِفَانًا﴾
[المرسلات: ٢٥]: يَكُونُونَ فِيهَا أَحْيَاءَ، وَيُدْفَنُونَ فِيهَا أَمْوَاتًا .
١٣٨٩ - حدّثنا إِسْماعِيلُ: حَدَّثَنِي سُلَيمانُ، عَنْ هِشَامٍ. ح. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ
حَرْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُوِ مَرْوَانَ يَحْيِى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ، عَنْ هِشَام، عَنَّ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ:
إِنْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ لَيَتَعَذَّرُ في مَرَضِهِ: ((أَيْنَ أَنَا اليَوْمَّ؟ أَينَ أَنَا غَدًا؟)). اسْتِبْطَاءً لِيَوْم
عائِشَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي، قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَدُفِنَ في بَيْتِي. [طرفه في: ٨٩٠].
١٣٩٠ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ
عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: ((لَعَنَ اللَّهُ
اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)). لَوْلًا ذلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ، أَوْ
خُشِيَ، أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَعَنْ هِلَالٍ قَالَ: كَنَّانِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَلَمْ يُولَّدْ لِي.
حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّشٍ، عَنْ سُفْيَانَ
التَّمَّارِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِّ ◌َِِّ مُسَنَّمًا .
حدّثنا فَرْوَةُ: حَدَّثَنَا عَلِيٍّ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: لَمَّا سَقَطَ عَلَيهِمُ الحَائِطُ
في زَمانِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، أَخَذُوا فَي بِنَائِهِ، فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ، فَفَزِعُوا، وَظَنُّوا أَنَّهَا
قَدَمُ النَّبِيِّ ◌َِّ، فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذِلِكَ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ: لَا وَاللَّهِ، مَا هِيَ قَدَمُ
النَّبِّ ◌َّزَ، مَا هِيَ إِلَّا قَدَمُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. [طرفه في: ٤٣٦].
١٣٩١ - وَعَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّهَا أَوْصَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
الزُّبَيرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَا تَدْفِي مَعَهُمْ، وَادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي بِالْبَقِيعِ، لَا أُزَكَّى بِهِ أَبَدًا .
[الحديث ١٣٩١ - طرفه في: ٧٤٢٧].
١٣٩٢ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ: حَدَّثَنَا حُصَيِنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيمُونٍ الأَوْدِيِّ قالَ: رَأَيتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: يَا عَبْدَ
اللَّهِ بْنَ عُمَرَ،َ اذْهَبْ إِلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَاَ، فَقُل: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ
عَلَيكِ السَّلَامَ، ثُمَّ سَلَهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعُ صَاحِبَيَّ، قَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، فَلأُوثِرَنَّهُ اليَوْمَ
عَلَى نَفسِي، فَلَمَّا أَقْبَلَ، قَالَ لَهُ: مَا لَدَيكَ؟ قالَ: أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قالَ: ما
الصبرَ بعده على سنة المصائب. والسؤال بالعافية هو الذي يليق بِضَعْف بُنْيَةِ البَشَر. نَبَّه عليه الشاه عبد القادر قدس
=
سره في فوائده، فراجعه عند قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنَّا يَدْعُونَنِيّ إِلَيْهٌ﴾ [يوسف: ٣٣]
فإِنَّه لطيفٌ جدًا.

٨٦
كتاب الجنائز
كانَ شَيءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذلِكَ المَضْجَعِ، فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي ثُمَّ سَلِّمُوا، ثُمَّ قُل: يَسْتَأْذِنُ
عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَاذَّفِنُونِي، وَإِلَّا فَرُدُونِي إِلَّى مَقَّابِرِ المُسْلِمِينَ. إِنِّي لَا
أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهِذا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُؤُفِّيَ رَسُولُ اللّهِ بَّهَ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ،
فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الْخَلِيفَةُ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَسَمَّى عُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَطَلحَةً،
وَالزُّبَيرَ، وَعَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ عَوْفٍ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ. وَوَلَجَ عَلَيهِ شَابٍّ مِنَ الأَنْصَارِ،
فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بِيُشْرَى اللَّهِ، كَانَّ لَكَ مِنَّ القَدَم في الإِسْلَام ما قَدْ عَلِمْتَ،
ثُمَّ اسْتُخْلِفِتَ فَعَدَلتَ، ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هذا كُلِّهِ. فَقَالَ: لَيَتَنِيَ يَا ابْنَ أَخِي وَذلِكَ كَفَافًا، لَا
عَلَّيَّ وَلَا لِي، أُوصِي الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ،
وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا، الَّذِيِنَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ، أَنْ يُقْبَلَ
مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ◌َِّ، أَنْ يُوفَى لَهُمْ
بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ. [الحديث ١٣٩٢ - أطرافه في:
٣٠٥٢، ٣١٦٢، ٣٧٠٠، ٤٨٨٨، ٧٢٠٧].
وهو مسلم كما هو مذهبُ الحنفية.
١٣٩١ - قوله: (لا تَدْفِّي) لأَنَّ قُدِّرَ أن يُدْفَنَ فيه عليه الصلاة والسلام.
١٣٩٢ - قوله: (فإذا قُبِضْتُ فاحْمِلُوني) - وذلك لأنه يمكنُ أن تكونَ إجازتُها في حياته
رعايةً له، ولا تكون عن صميم قلبٍ، فإِذا مات لم يَبْق هذا الاحتمالُ، فأمر أن يستأذنوا مرةً
أُخرى.
قوله: (تبوؤوا الدَّارَ والإِيمان) يعني إيمانَ بين هكاناليا، أي صار مكانُهم ومستقرُّهم
الإِيمانَ. هذا هو المرادُ، ولا استعارةَ فيه كما زعموا .
٩٧ - بابُ ما يُنَّهِى مِنْ سَبِّ الأَمْوَاتِ(١)
١٣٩٣ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا قالَتْ: قالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((لَا تَسُبُّوا الأَمَّوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفضَوْا إِلَى ما قَدَّمُوا)). وَرَوَاهُ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ القُدُّوسِ، عَنِ الأَعْمَشِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الأَعْمَش. تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ
(١) قلت: وقد يَخْطُر بالبالِ أن النهي عن سَبِّ الأموات من باب تهذيب الأخلاق. وقد كان النبيُّ وََّ بُعث ليُتَمِّم
مكارم الأخلاق وليس السبُّ بعد الموتِ من الأخلاق الحسنة في شيءٍ. وإِذَن يشتركُ فيه المؤمنُ والكافرُ فإِنَّ
الرَّجُلَ إِذا أَفْضَى إلى ما قَدَّم ولم تَبْقَ له معاملةٌ معنا فحينئذ لا يناسِب لنا أن نقعَ فيه، وحينئذٍ لا يكون في ذِكْر
مساوئهم بأسٌ إذا دعت إليه حاجةٌ. فالتعميم فيه ليس مقصودًا ليُشْكِل التخصيصُ، وإنما هو من الأمورِ التي لا
يُقْصَد تعميمُها في ذِهْن المتكلّمٍ من بدء الأَمْر، والله تعالى أعلم بالصواب.

٨٧
كتاب الجنائز
الجَعْدِ، وَابْنُ عَرْعَرَةَ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ. [الحديث ١٣٩٣ - طرفه في: ٥٦١٦].
لا بأسَ بِسَبِّها إِنْ كان مِن أَشْقَى الخَلْقِ، كأَبي لَهَب. ولذا بَوَّب بعده: باب شِرَار الموتى.
والله تعالى أعلم بالصواب.
٩٨ - بابُ ذِكْرِ شِرَارِ المَوْتَى
١٣٩٤ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةً،
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: قَالَ أَبُو لَهَبِ، عَلَيهِ لعْنَةُ اللَّهِ،
لِلنَّبِّ ◌َّهِ: تَّبًّا لَكَّ سَائِرَ الَيَوْمِ، فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ بَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ
.. [الحديث ١٣٩٤ -
أطرافه في: ٣٥٢٥، ٣٥٢٦، ٤٧٧٠، ٤٨٠١، ٤٩٧١، ٤٩٧٢، ٤٩٧٣].

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
٢٤ - كِتَابُ الزَّكَاة
١ - بابُ وُجُّوب الزَّكَاةِ
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوْ الضَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ: يَأْمُرُنَا
بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَّةِ وَالعَفَافِ.
١٣٩٥ - حدّثنا أَبُو عاصِم الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيِى بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيِفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَّعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ بَعَثَ
مُعَاذَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: ((إِذَعُهُمْ إِلَى شَهَادَةٍ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ
اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افتَرَضَ عَلَيهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كُلِّ
يَوْم وَلَيَلَّةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افتَرَضَ عَلَيهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ،
تُؤْخَّذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فَقَرَائِهِمْ)). [الحديث ١٣٩٥ - أطرافه في: ١٤٥٨، ١٤٩٦، ٢٤٤٨،
٤٣٤٧، ٧٣٧١، ٧٣٧٢].
١٣٩٦ - حدّثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ،
عَنْ مُوسى بْنِ طَلحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ وََّ: أَخْبِرْنِي
بِعَمَلِ يُدْخِلُنِي الجَنةَ. قالَ: مَا لَهُ مَا لَهُ؟ وَقالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: «أَرَبِّ ما لَهُ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَّا
تُشْرِكْ بِهِ شَيئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ)). وَقَالَ بَهْزٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُوِهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُمَا سَمِعًا مُوسى بْنَ طَلحَةَ، عَنْ أَبِي
أَيُّوبَ بِهذا. قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَخْشى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ غَيرَ مَحْفُوظِ، إِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو.
[الحديث ١٣٩٦ - طرفاه في: ٥٩٨٢، ٥٩٨٣].
١٣٩٥ - قوله: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله) واختلف في أنَّ الكفار مخاطبون
بالفروع، أم لا، مع الاتفاق على أن ثمرته لا تظهر إلا في الآخرة، فلا قضاء عليهم للصلوات
والصيام الماضية عند المثبتين أيضًا، وتمسك النافون بهذا الحديث، فإن النبيَّ وَلّ أمر معاذًا أن
يدْعُوهم إلى الفروع، بعد أداء الشهادة والإِيمان. وليس بصحيح، فإنَّ ترتيبَ التعليم عند الفريقين
كذلك، فيكون تعليمُ الإِيمانِ أولًا، ثم الأعمال ثانيًا. وقد مرّأن المختار عندي أنهم مخاطبون
بالفروع، اعتقادًا وأداءً، وتظهر ثمرته في الآخرة.
٨٨

٨٩
كتاب الزّكاة
قوله: (تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)، تمسّك به ابن الهُمَام على أن الفقراءَ
مصارفُ الزكاة، لا مستحقوها، ولذا لم يُفضِّل بين صِنفٍ وصنف. وراجع ((شرح الوقاية)). وهو
وإن كان أصوليًا، لكنه ليس كابن الهُمَام، فإنه أحذقُ منه، لكنَّ كلامَه هنا صواب، فراجعه.
الصواب: أنها فُرضت بمكة، إلا أن نَصْبَ النُّصُب والمقادير كان بالمدينة، ونحوها صدقة
الفطر، والجمعة، فكلها فُرِضتْ بمكة. ثم فُصِّلت بالمدينة، لا كما في ((الدر المختار)): أنها
فُرضت بعد الهجرة بالمدينة.
قوله: (قال ابن عباس). وكان المصنفُ أخرَجَه نحوه في أوائل الصلاة أيضًا. وغرضُه أن
الصلاة والزكاة كانتا في جميع الأديان السماوية، نعم اختلفت طُرُقها وتفاصيلها .
١٣٩٧ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا
وُهَيبٌ، عَنْ يَحْيِى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّنَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ
أَغْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ نَه فَقَالَ: ذُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلتُ الجَنَّةَ. قالَ: ((تَعْبُدُ اللَّهَ لَا
تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ المَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّيِ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ)). قالَ:
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هذا. فَلَمَّا وَلَّى، قالَ النَّبِيُّ وَه: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى
رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَلَيَنْظُرْ إِلَى هذا)).
حدّثنا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيى، عَنْ أَبِي حَيَّنَ قالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َهُ
پِهذا .
١٣٩٧ - قوله: (لا أزيد على هذا)، وفي بعض الألفاظ: ((لا أتطوع»، كما أخرجه
المصنفُ في الصوم، وفي ((المستدرك)): ((هل قبلهنَّ شيء أو بعدهنّ))؟، قال: ((افترض الله صلاة
خمسًا)) - بالمعنى -، وقد مرّ محملُه عندي، أنه محمولٌ على خصوصيته.
١٣٩٨ - حدّثنا حَجَّاجٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ
عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: قَدِمَ وَفَدُ عَبْدِ القَيسِ عَلَى النَّبِيِّ نَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
إِنَّ هِذَا الحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ، قَدْ حَالَتْ بَينَنَا وَبَينَكَ، كُفَّارُ مُضَرَ، وَلَسْنَا نَخْلُصُ إِلَيكَ إِلَّا في
الشَّهْرِ الحَرَّامِ، فَمُرْنَا بِشَيءٍ نَأْخُذُهُ عَنْكَ وَنَدْعُو إِلَيهِ مَنْ وَرَاءَنَا. قالَ: ((آمُرُكُمْ بِأَرْبَع،
وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعِ: الإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَشَهَادَةٍ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ - وَعَقَدَ بِيَدِهِ هَكَذَا - وَإِقَامِ
الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ. وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْذُّبَّاءِ، وَالحَنْتَم،َ
وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَقَّتِ)). وَقَالَ سُلَيمَانُ وَأَبُو النُّعْمَانِ، عَنْ حَمَّدٍ: ((الإِيمَانُ بِاللَّهِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا
إِلهَ إِلََّ اللَّهُ)). [طرفه في: ٥٣].
١٣٩٨ - قوله: (شهادة أن لا إله إلا الله) وعقد بيده، والعقدُ دلَّ على أن ذكرَ الشهادة ليس
للاستئناف، بل معدودٌ من الأربعِ الموعودة. وقد مرّ تفصيله في كتاب الإِيمان.
١٣٩٩ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ

٩٠
كتاب الزّكاة
الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قالَ: لَمَّا تُؤُنِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ وَكَانَ أَبُو بَكَرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ،
فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَيفَ تُقَاتِلُ النَّاسِّ وَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ
النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَّهَ إِلَّ اللَّهُ، فَمَنْ قالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مالَهُ وَنَفِسَهُ إِلَّ بِحَقِّهِ،
وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ؟)). [الحديث ١٣٩٩ - أطرافه في: ١٤٥٧، ٦٩٢٤، ٧٢٨٤].
١٤٠٠ - فَقَالَ: وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ،
وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهُ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَوَاللَّهِ ما هوَ إِلَّا أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَرَفتُ
أَنَّهُ الْحَقُّ. [الحديث ١٤٠٠ - أطرافه في: ١٤٥٦، ٦٩٢٥، ٧٢٨٥].
١٣٩٩ - قوله: (كفر من كفر) ... إلخ، نقل النَّووي عن الخَطَّابي(١) أن الارتدادَ قد كان
(١) واعلم أني كنت أردت أن أعلِّق تلك الحاشية فيما مر، وقد كانت مهمةً لأن الخَطَّبي وبعضًا آخرين قد ذكروا: أن
الارتداد بعد وفاة النبي ◌َّر قد كان عم بلاد العرب كلها، وكان في ذلك مضرةً للدين لا تخفى. وكان الشيخ
رحمه الله تعالى نبّهنا على ذلك أيضًا، غير أني لم أنتهز فرصةً لمراجعة الكتب، فلم يتفق لي تعليقها على محلها،
فخطر ببالي الآن أن أضعها في بدء الزكاة، فأنا آتيك أولًا بما ذكره الخَطّابي في ((معالم السنن»، ثم نذكر لك ما
حققه ابن حزم في ((الملل والنحل))، ليتبينَ لك الغلطُ من الصواب، وينفصل القِشرُ من اللباب.
قال الخَطّابي: ومما يجب تقديمه في هذا أن يعلم أن أهلَ الرِّدة كانوا صنفين:
صِنفّ منهم ارتدوا عن الدين، ونابذوا الملة، وعادوا إلى الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله: ((وكفر من كفر
من العرب)) وهذه الفرقة طائفتان:
إحداهما: أصحاب مُسيلمة، من بني حَنِيفة، وغيرهم الذين صدَّقوه على دعواه في النبوة، وأصحابُ الأسود العَنْسي،
ومن كان من مستجيبيه من أهل اليمن وغيرهم، وهذه الفرقة بأسرها منكرةٌ لنبوةِ محمد ريَّ، مدعيةٌ النبوةَ لغيره. فقاتلهم
أبو بكر رضي الله عنه حتى قتل الله مُسيلمة باليمامة، والعنسي بصنعاء، وانقضت جموعُهم، وهلك أكثرهم.
والطائفة الأخرى: ارتدوا عن الدين، وأنكروا الشرائع، وتركوا الصلاة والزكاة وغيرهما من جماع أمر الدين، وعادوا إلى
ما كانوا عليه في الجاهلية، فلم يكن يُسجَدُ لله سبحانه على بسيط الأرض إلا في ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد
المدينة، ومسجد عبد القيس بالبحرين، في قرية يقال لها: جُواثًا، ففي ذلك يقول الأعور الثريني، يفتخر بذلك:
والمنبرانِ، وفصلُ القول في الخُطُب
والمسجدُ الثالثُ الشرقي كان لنا
إلا بطيبةً والمحجوم ذي الحُجُب
أيامٌ لا منبر في الناس نعرفُه
وكان هؤلاء المتمسكون بدينهم من الأزد محصورين - بجُواثا - إلى أن فتح الله على المسلمين اليمامة. فقال
بعضهم، وهو رجل من بني بكر بن كلاب، يستنجدُ أبا بكر رضي الله عنه:
وفتيان المدينة أجمعينا
ألا أبلغ أبا بكر رسولا
قعود في - جواثا - محصرينا
فهل لكمُ إلى قوم كرام،
وماء البدن، يغشى الناظرينا
كأن دماءهم في كل فج،
وجدنا النصر للمتوكلينا
توكلنا على الرحمن، إنا
=

٩١
كتاب الزّكاة
عمَّ بلادَ العربِ كُلَّها. وهذا النقلُ فضلًا عن كونه مضرًا، خلافُ الواقع. وقد مر مني عن ابن
حَزْم: أنه لم يرتدَّ إلا شِرْذِمةٌ قليلةٌ منهم، نعم قالوا: لا نؤدي الزكاة إلى أبي بكرٍ رضي الله عنه،
فقال بعضهم: إن أمر الدعاء كان مختصًا بالنبيِّ وَّ، كما في قوله تعالى: ﴿خُذُّ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةٌ
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وليس ذلك لأحدٍ بعدَه، ومن تكونُ صلاتُه سكنًا
لهم بعده؟ .
والحاصل: أنهم أبَوْا أن يؤدوا زكاة أموالهم إليه، وأن يجعلوه أميرًا، بل قالوا: منا أمير،
=
والصِنف الآخر هم الذين فَرَّقوا بين الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة وأنكروا فرضَ الزكاة، ووجوب أدائها إلى
الإِمام، وهؤلاء على الحقيقة أهلُ بغي، وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان، خصوصًا لدخولهم في غِمار
أهَلِ الرِّدة، فَأُضيفَ الاسمُ في الجملةِ إلى الردة إلى آخره.
قال الخطّابي: وفي أمر هؤلاء عَرَضَ الخلافُ، ووقعت الشبهة لعمر رضي الله عنه، ثم ذكر من خلافهم ما كان،
وهذا كما ترى.
فالصواب أن الارتدادَ لا يظهرُ إلا في طوائف، كما حققه ابن حَزْم في ((الملل والنحل)) وهذا الذي يعلقُ بالقلب، ثم
إني قلَّبتُ الأوراقَ لهذا النقل، وحدَّقتُ الأحدَاقَ فلم أجده إلا بعد مكابدةٍ شديدةٍ فخذه راضيًا مرضيًا، وأشركني في
الدعوات :
قال أبو محمد علي بن حزم في - الكلام في بعض اعتراضات للنصارى - من الجزء الثاني، من كتابه ((الملل والنحل))
ص ٦٦: ومن انقسام العرب، ومَنْ باليمن من غيرهم أربعةُ أقسام إثْرَ موته عليه الصلاة والسلام:
فطائفةٌ ثبتتْ على ما كانت عليه من الإِسلام، لم تبدل شيئًا، ولزمت طاعةً أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وهم
الجمهور والأکثر.
وطائفة بقيت على الإِسلام أيضًا، إلا أنهم قالوا: نقيم الصلاة، وشرائع الإِسلام، إلا أنَّا لا نؤدي الزكاة إلى أبي بكر
رضي الله عنه، ولا نعطي طاعةً لأحد بعد رسول الله ◌َيَّة، وكان هؤلاء كثير، إلا أنهم دون من ثبت على الطاعة.
•بين هذا قول الحُطَيئة العَبسي:
فيا لهفنا ما بال دين أبي بكر؟!
أطعنا رسول الله إذا كان بيننا
فتلك لعمر الله قاصمة الظهر،
أيورثها بكرًا - إذا مات - بعده؟
وأن التي طالبتم، فمنعتُم
لكالتمر، أو أحلى لديَّ من التمر
يعني الزكاة، ثم ذكر القبائل الثابتة على الطاعة، فقال:
فبإِست بني سعد، وأستاه طيىء
وبإِست بني رودان حاشا بني النضر
قال أبو محمد: لكن والله بأستَاءِ بني النّضر، وبأستِ الحُطَيئة، حلت الدائرة، والحمد لله رب العالمين.
وطائفة ثالثة أعلنت بالكفر والرِّدة، كأصحابُ طُليحة، وسجاح، وسائر من رتد، وهم قليل بالإضافة إلى مَنْ ذكرنا،
إلا أن في كل قبيلة من المؤمنين مَنْ يقاومُ المرتدين، فقد كان باليمامة ثُمَامة بن أثال الحنفي في طوائف من
المسلمين، محاربين لمُسيلمة. وفي قوم الأسود أيضًا كذلك. وفي بني تميم، وبني أسد الجمهورُ من المسلمين.
وطائفة رابعة توقفت، فلم تدخل في أحد من الطوائف المذكورة، وبقوا يتربصون لمن تكون الغَلَبة، كمالك بن
نُوَيْرة وغيره، فأخرج إليهم أبو بكرِ البُعوث، فقُتِلَ مُسيلمة، وقد كان فيروز، وذا ذوية الفارسيان الفاضلان رضي الله
تعالى عنهما قتلا الأسود العَنْسي، فلم يمض عام واحدٌ حتى راجع الجميعُ الإِسلام، أولهم عن آخرهم، وأسلمت
سجاح، وطُليحة، وغيرهم. وإنما كانت نزغةٌ من الشيطان كنار اشتعلت فأطفاها الله للوقت.

٩٢
كتاب الزكاة
ومنكم أمير، فيكون لكل قبيلة أمير، وتؤدي الزكاة إليه، وهذه بغاوة لا ارتداد. فالصواب أنه لم
يرتدَّ منهم إلا بعضُ من لحق بمُسيلمة، وإنما أجمل فيه الراوي، لأن محطّ كلامِهِ، بیان ما جرى
بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، لا بيان تفاصيلهم، فلفَّه في قوله: ((كفر من كفر)).
ثم حاصل مناظرتهم على ما نقَّحها القوم أن عمر رضي الله عنه حمل قوله إنَّر: ((حتى
يقولوا لا إله إلا الله على العموم، فلا يجوزُ قتال من قال ذلك كائنًا من كان، وفهمَ أبو بكر
رضي الله عنه أن الامتناعَ عن أداءِ الزكاة أيضًا يُحلُّ القتلَ، لقياس جامع بين الامتناع عن الزكاة،
والامتناع عن الشهادة.
ومَلحظهما عندي أرفعُ من مصطلحات الفِقه، وقد مرّ منه شيء، والتفصيل في رسالتي
(إكفار الملحدين في شيء من ضروريات الدين)). ثم إن تأخّرَ عمر رضي الله عنه لم يكن لعدم
تنقيح مناط التكفير عنده، كيف! وقوله: ((من فرق بين الصلاة والزكاة)) يدل صراحةً على أن تركَ
الصَلاة كان من مُوجبات القَتْل عندهما بالاتفاق، فإن إكفارَ مَنْ أنكر ضروريات الدين من
ضروريات الدين، وليس معنى قول عمر رضي الله عنه: ((حتى يقولوا: لا إله إلا الله)): إن
السيف يرفعُ عنهم بعد تلك الكلمة، وإن أنكروا شيئًا من ضروريات الدِّين، وهل يقوله إلا
مصاب، فكيف بعمر رضي الله عنه!
ولكنه كان لمَا أشرنا إليه من قبل، فتذكره: ((لو منعوني عَنَافًا)) قيل: إنه لا يؤخذُ في باب
الزكاة إلا الثَّنيّ، فما معنى قوله: ((عناقًا))؟ فإنه اسم لما أتى عليه أربعة أشهر، نعم يضم عند
تكميل النصاب، فقيل في جوابه: إن ((لو)) لههنا للفرض. وقيل: إن الكبار إذا ماتت قبل حَوَلان
الحول، وبقيت الصغار، ففيها ثلاث روايات عن إمامنا: الأولى: سقوط الزكاة عنها، والثانية :
الأخذ بواحد منها، وحينئذٍ صح أخذ العَنَاق أيضًا، والثالثة: أنه يجب عليه الثَّنِيّ، ويؤديه بعد
الشراء. ثم في بعض الألفاظ: ((لو منعوني عقَالًا)). بدل: ((العَنَاق)). فقيل: هو على المبالغة.
وقيل: كان من عاداتهم أنهم إذا أَعطُوا السِّنَّ الواجب أعطوا معه حَبَلَه أيضًا. فإِعطاء العِقَال،
وإن لم يذكر في الفقه، إلا أن عُرْفَهم كان كذلك. وقيل: العِقَال: اسم لزكاة السَّنَّة. وقيل: يُطلق
العِقَالُ على العُرُوض أيضًا، فهو مقابل للنقد :
أَتانا أبو الخَطَّابِ يضرِبُ طَبْلَه
وَرُدّ ولم يأخذ عِقَالًا ولا نَقْدا
٢ - بابُ البَيعَةِ عَلَى إِيتَاءِ الزَّكاةِ
﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الضَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَنُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].
١٤٠١ - حدّثنا ابْنُ نُمَيرٍ قالَ: حَدَّثَني أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ، عَنْ قَيسِ قالَ:
قالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: بَايَعْتُ النَّبِيَّي ◌َّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنَّصْحِ لِكُلِّ
مُسْلِمٍ. [الحديث ١٤٠١ - طرفاه في: ٥٧، ٥٢٤].
٣ - بابُ إِثْمِ مانِعِ الزَّكاةِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ

٩٣
كتاب الزّكاة
فَبَشِرْهُم بِعَذَابٍ أَلِ ﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِ نَارٍ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ
٣٥)﴾ [التوبة: ٣٤ _ ٣٥].
وَغُهُورُهُمِّ هَذَا مَا حِكَنَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُمْ تَكْثِرُونَ لَّ
واعلم أن الزكاة في الفقه: في السوائم، ومال التجارة، والنقديْن، فحسب. فاعتبروا النمو
بنحويه: أعني حقيقة، أو تقديرًا. فالنقد هو النَّماء كله، بخلاف العُروض، فليس النماء فيه إلا
بنية التجارة، وهو النماء الحكمي. ويُعلم من الأحاديث أنَّ في المال حقوقًا واجبةً أخرى، إلا
أنها منتشرة، كما يدل عليه قوله: ((ومن حقها أن تُحلبَ على الماء))، وبوّب عليه الطحاوي
أيضًا .
والعلماء بحثوا في وجوب حقِّ غير الزكاة، فأنكره الأكثرون، وهو عندي ثابت، إلا أنه
غير متعيّن، فهو إما من ملحقات الزكاة، أو يجبُ عند الحوائج، ولو ادَّعيت أن إطلاقَ الزكاة
إنما كان على مجموع ما عليهم من الزكاة، وتلك الحقوق، فلا بعد أيضًا .
ثم إنهم ماذا يقولون في الآيات التي نزلت في الزكاة بمكة، مع اتفاقهم على أن الزكاة
فرضت بالمدينة؟ وهل المخرَجُ عنها إلا بأنها كانت منتشرةً بمكة، وأُطلق عليه لفظ الزكاة، ثم
ماذا يقولون في الآيات التي وردت في ذم البخل؟، وهل البخلُ يقتصرُ على عدم أداء الزكاة، فإن
كانت الزكاة واجبة بمكة، وأُطلقتْ على الحقوق المنتشرةِ أيضًا، وكان البخلُ على عرْفهم لا
على منع الزكاة فقط، ثبت أنَّ في المالِ لحقوقًا سوى الزكاة أيضًا، أي الزكاة المصطلحة، وأن
الامتناعَ عن تلك الحقوق أيضًا بخل، وجالبٌ للوعيد، وحينئذٍ يَخرُجُ غير واحدٍ من الآيات عن
التأويل، ولم تبق حاجةٌ إلى حملها وقصرِها على منع الزكاة فقط (١).
١٤٠٢ - حدّثنا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ: أَنَّ عَبْدَ
الرَّحْمُنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِّعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
(تَأْتِي الإِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيرِ ما كانَتْ، إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُّهُ بِأَخْفَافِهَا ،
وَتَأْتِي الغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيرِ ما كانَتْ، إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا ،
وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا))، قالَ: ((وَمِنْ حَقِّهَاَ أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاء)). قالَ: ((وَلَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ
القِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا،
قَدْ بَلَّغْتُ، وَلَا يَأْتِي بِبَعِيرٍ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغاءٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ
لَكَ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُ)). [الحديث ١٤٠٢ - أطرافه في: ٢٣٧٨، ٣٠٧٣، ٦٩٥٨].
١٤٠٢ - قوله: (شاة يحملها على رقبته)، وهو السنة في السارق في بلدتنا، فإنه يُجاء به
(١) يقول العبد الضعيف: وهكذا فعلوا في لفظ الإِنفاق، فقصروه على الزكاة فقط، مع أنَّ اللفظ عامٌ لجميع سُبُلٍ
الخير، وليس مدح المؤمنين في قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ﴾ على أداءِ الزكاة فقط. وهل كان فيهم من
وجبت عليه الزكاة إلا قليل؟، بل على الإِنفاق في سُبُل الخير كلها. ويقابله الإمساك، وهو المسمى بالبُخل،
فالإنفاق والإِمساك على طرفي نقيضٍ من الذمٍ والمدح، لا اختصاص لهما بمنع الزكاة وأدائها .

٩٤
كتاب الزّكاة
يحملُ على رأسه مالُه الذي سرقَه. ويُحتملُ أنْ تكونَ تلك الشاةُ والإِبل مما لم تؤد زكاته، أو من
الخيانة والسَّرقة. والمصنفُ أخرج بعده حديثَ النقديْن، وهذا في السوائم. وظني أن المعاصي
تركبُ العاصي يوم القيامة، كما أنها ركبتْه في الدنيا، تذهب به إلى أين شاءت، وكذلك
الطاعات، تنقلبُ له مراكبَ يركبُها، كما أنها ركبت عليه في الدنيا، فساقته حيث شاءت، وهو
تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١].
١٤٠٣ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِيِ صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرِيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
قالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه: ((مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمَّ يُؤَدِّ زَكاتَهُ، مُثِّلَ لَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ،
لَهُ زَبِيَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِ مَتَيْهِ - يَعْنِي شِدْقَيِهِ - ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مالُكَ، أَنَا
كَنْزُكَ))، ثمَّ تَلَا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] الآيَةَ. [الحديث ١٤٠٣ - أطرافه في:
٤٥٦٥، ٤٦٥٩، ٤٩٥٧].
١٤٠٣ - قوله: (مُثِّل له يوم القيامة ماله شُجاعًا)، لعل بين المال والشجاع مناسبةٌ، فإنَّ
الحيات توجد كثيرًا على الكنوز المدفونة، واشتهر ذلك عند أهل العرف أيضًا اشتهارًا لا يسع
إنكاره. ولعل المال لهذه المناسبة ينقلبُ حيةً في المحشر له زَبِيبتَان. وسمعت عن ثقةٍ أنَّ في
العرب حيةً تكون على رأسها قرنان، ويمكن أن تكون الزَّبِيتَان هما هذان القرنان (أنا مالك) هذا
هو التمثيل: كقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًا﴾ [مريم: ١٧] ففيه تمثَّل الملك(١).
٤ - بابٌ ما أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيسَ بِكَنْزٍ
لِقَوْلِ النَّبِيِّ بَّهُ: (لَيسَ فِيما دُون خَمْسَةٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ)).
١٤٠٤ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ بْنِ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ خالِد بْنِ أَسْلَمَ قالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ أَغْرابِيٌّ:
أَخْبِرْنِي قَوْلَ اللَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:
٣٤]. قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهَا فَوَيلٌ لَهُ، إِنَّمَا كانَ هذا
قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلأَمْوَالِ. [الحديث ١٤٠٤ - طرفه في: ٤٦٦١].
١٤٠٥ - حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ: أَخْبَرَنَا شُعَيِبُ بْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: أَخْبَرَنِي
يَحْيِى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ يَحْيِىِ بْنِ عُمَارَةَ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ يَحْيِى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي
الحَسَنِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: «لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ
أَوَاقٍ صَدَقَّةٌ، وَلَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ)).
[الحديث ١٤٠٥ - أطرافه في: ١٤٤٧، ١٤٥٩، ١٤٨٤].
(١) يقول العبد الضعيف: وتبين منه أنَّ في التمثَّل تتغيرُ الصورة مع بقاءِ الذات بعينها.

٩٥
كتاب الزّكاة
١٤٠٦ - حدّثنا عَلِيٍّ: سَمِعَ هُشَيمًا: أَخْبَرَنَا حُصَينٌ، عَنْ زَيدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: مَرَرْتُ
بِالرَّيَذَةِ، فَإِذا أَنَا بِأَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقُلتُ لَهُ: ما أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هذا؟ قالَ: كُنْتُ
بِالشَّأُمِ، فَاخْتَلَفَتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، قالَ مُعَاوِيَةُ: نَزَلَتْ في أَهْلِ الِكِتَابِ، فَقُلتُ: نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ،
فَكَانَ بَيْنِي وَبَينَهُ في ذلكَ، وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّهُ يَشْكُونِي، فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ
أَنِ اقْدَم المَدِينَةَ، فَقَدِمْتُهَا، فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذلِكَ، فَذَكَرْتُ
ذَلِكَ لِعُثْمَانَ، فَقَالَ لِي: إِنْ شِئْتَ تَنَخَّيتَ فَكُنْتُ قَرِيبًا، فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هذا المَنْزِلَ،
وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ. [الحديث ١٤٠٦ - طرفه في: ٤٦٦٠].
١٤٠٧ - حدّثنا عَيَّاشٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا الجُرَيرِيُّ، عَنْ أَبِي
العَلَاءِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيسٍ قَالَ: جَلَسْتُ. ح. وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ
الصَّمَدِ قالَ: حَدَّثَنِي أَبِّي: حَدَّثَنَا الجُرَيْرِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلَاءِ بْنُ الشِّخِّيرِ: أَنَّ الأَحْنَفَ بْنَ
قَيْسٍ حَدَّثَهُمْ قالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَلإٍ مِنْ قُرَيْشِ، فَجَاءَ رَجُلٌ، خَشِنُ الشَّعَرِ وَالِيَابِ وَالهَيئَةِ،
حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قالَ: بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمِى عَلَيهِ فَي نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ
يُوضَعُ عَلَى حَلَّمَةٍ تَذْىٍ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضٍ كَتِفِهِ، وَيوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى
يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةٍ ثَذْبِهِ، يَتَزَلَزَلُ. ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَىَ سَارِيَةٍ، وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَا لَا
أَدْرِي مَنْ هُوَ، فَقُلتُ لَهُ: لَا أُرَى القَوْمَ إِلَّ قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلَتَ؟ قالَ: إِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
شيئًا -
١٤٠٨ - قالَ لِي خَلِيلِي، قالَ: قُلتُ: مَنْ خَلِيلُكَ؟ قالَ: النَّبِيُّ وَّهِ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ ،
أَتُبْصِرُ أُحُدًا؟)) قالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ، وَأَنَا أُرَىْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِهُ
يُرْسِلُنِي في حاجَةٍ لَهُ، قُلتُ: نَعَمْ. قالَ: ((ما أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، أُنْفِقُهُ كُلَّهُ، إِلَّا
ثَلَاثَةَ دَنَانِيرٌ)). وَإِنَّ هُؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ، إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا، لَا وَاللَّهِ، لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا، وَلَا
أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ، حَتَّى أَلقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ. [طرفه في: ١٢٣٧].
قيل: إن النبيِ وَّر قبل نزولِ النُّصُب والمقادير، كان يوظف عليهم قِطعة من المال حسب
الحاجة، وكانت تصرفُ في مهمات الإِسلام، فلما جاء الله بتفاصيل الزكاة، وافترضت عليهم،
وَسَّع لهم في هذه الأموال، هكذا يُعلم من كلام ابن عمر رضي الله عنه.
ثم الناسُ في تفسير الكنز على أنحاء، فقال معاوية رضي الله عنه: إن الكنز هو المال الذي
لم تؤد زكاته. وقال أبو ذر رضي الله عنه: إن المال الفاضل عن حاجته كنزٌ مطلقًا، سواء أُدِّيَ
زكاته، أو لا. وأقول اتباعًا لبعض السلف: إنه اسم للمال الذي لم تؤد زكاته، ولا الحقوق
المنتشرة فيه. والأقرب عندي أن يفوضَ تفسيرهُ إلى العرف، ويترك إلى رأي المبتلى به.
وترجمته : خزانة.

٩٦
كتاب الزّكاة
ولا يمكنُ تحديدُه أصلًا، كلفظ التبذير، والإِسراف، والتوكل، كلها مما يعلمها أهل
العرف، ويتعسرُ حدودها، ولا أعرف زمانًا من عهد النبوة افترض عليهم صرْفَ جميعِ المال، إلا
أنه إذا لم يكن يبقى في بيت المال شيءٌ، ودعت الحاجة، فحينئذٍ يجبُ عليهم أن ينَفَقوا بكل ما
يمكن، وهذه المسألة إلى الآن، فالوعيد في النص عندي منصرفٌ إلى كل ما يُطلقون عليه كنزًا
في العرف، ولعله هو مذهب أبي ذر رضي الله عنه. وأتردّدُ فيما يُنقل عنه. والله تعالى أعلم
بحقيقة الحال.
ويُحكى أن أبا ذر رضي الله عنه لما احتُضِرَ، جعلت امرأتُه تبكي، فسأل عن بكائها،
فقالت: إني أبكي لأنك ممن صحب رسول الله وَّه وتموت الآن، ولا أجد ما أكفّنُك فيه،
فقال: إذا متُّ، فاطلُعي على تلول، وناد بذلك، يعينُك أحدٌ فطلعت، فإذا هي بقافلةٍ فيها ابنُ
مسعود رضي الله عنه، فلما أخبرَ الخبرَ بكى، وأعطى عِمَامته، فكانت كفنه رضي الله تعالى
عنه .
٥ - بابُ إِنْفَاقِ المَالِ في حَقِّهِ
١٤٠٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ،
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ يَقُولُ: ((لَا حَسَدَ إِلَّ فِي اثْنَتَينِ:
رَجَل آتَّاهُ اللَّهُ مالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا
وَيُعَلِّمُهَا)). [طرفه في: ٧٣].
١٤٠٩ - قوله: (لا حسد) ... إلخ. وتأويله مشهورٌ قلتُ: ولا أجد شيئًا أربى
وأنمى من العِلم، فإنه يحملُ إلى الآفاق في زمنٍ يسيرٍ .
٦ - بابُ الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ
لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ﴿صَلْدًا﴾ [البقرة:
٢٦٤] لَيسَ عَلَيهِ شَيءٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وَاِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤] مَطَرٌ شَدِيدٌ، وَالطَّلُّ: النَّدَى.
قوله تعالى: (﴿لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾)، ولما كانت الصدقات تحبط بهذين نبّه
عليهما القرآن.
٧ - بابٌ لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ:
وَلاَ يَقْبَلُ إِلَّ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ
﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنِ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذَىُّ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَلِيمٌ
لِقَوْلِهِ :
[البقرة: ٢٦٣].

٩٧
كتاب الزّكاة
فإنَّ الله طيبٌ يحبُّ الطيِّبَ، وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ
وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَعَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بَِاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيَةٍ﴾ [البقرة:
٢٦٧] نعم، سبيل المال الخبيث، وإن كان هو التصدق، لكنه لا يُؤْجَرُ عليه، وإن أُجر على
الفعل - أي امتثال أمر الشارع - .
٨ - بابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ
لِقَوْلِهِ: ﴿وَيُرْبِىِ الضَدَقَتِّ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَئِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا
هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٦ - ٢٧٧] ..
١٤١٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرِ: سَمِعَ أَبَا النَّصْرِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ، هُوَ ابْنُ عَبْدٍ
اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ
اللّهِ وَلَّ: ((مَنْ تَصُدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كُسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّ الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ
يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كما يُرَبِّيَّ أَحَدُكّمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَل)). تَابَعَهُ
سُلَيمانُ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ. وَقَالَ وَرْقَاءُ: عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،َ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ. وَرَوَاهُ مُسَّلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَزَيدُ بَنُ أَسْلَّمَ، وَسُهَيلٌ، عَنْ
أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ. [الحديث ١٤١٠ - طرفه في: ٧٤٣٠].
باب فضل الصدقة من كسب
٩ - بابُ الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّدِّ
١٤١١ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حارِثَةَ بْنَ وَهْبِ
قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّ يَقُولُ: ((تَصَدَّقُوا، فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمانٌ، يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِّهِ
فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لَقَبِلِتُهَا، فَأَمَّا الَيَوْمَ فَلَا حاجَةَ لِي
بِهَا)). [الحديث ١٤١١ - طرفاه في: ١٤٢٤، ٧١٢٠].
١٤١٢ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ◌َّةِ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّىٍ يَكْثُرَ فِيكُمُ الَمَالُ،
فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ، فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا
أَرَبَ لِي)). [طرفه في: ٨٥].
١٤١٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم الثَّبِيلُ: أَخْبَرَنَا سَعْدَانُ بْنُ
بِشْرِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُجَاهِدٍ: حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ الطَّائِيُّ قالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حاتِم رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ، فَجَاءَهُ رَجُلَانٍ، أَحَدُهُما يَشْكُو العَيلَةَ، وَالآخَرُ
يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ: فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيكَ إِلَّا قَلِيلٌ،

٩٨
كتاب الزّكاة
حَتَّى تَخْرُجَ العِيرُ إِلَى مَكَّةَ بِغَيرٍ خَفِيرِ، وَأَمَّا العَيلَةُ: فَإِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ
أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ، ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَينَ يَدَي اللَّهِ، لَيْسَ بَينَهُ وَبَينَهُ
حِجَابٌ، وَلَا تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مالًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، ثُمَّ
لَيَقُولَنَّ: أَلَمْ أُرْسِل إِلَيْكَ رَسُولًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّ النَّارَ، ثُمَّ
يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلَّ النَّارَ، فَليَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ
فَبِكْلِمَةٍ طَيِّبَةٍ)). [الحديث ١٤١٣ - أطرافه في: ١٤١٧، ٣٥٩٥، ٦٠٢٣، ٦٥٣٩، ٦٥٤٠، ٦٥٦٣، ٧٤٤٣،
٧٥١٢].
١٤١٤ - حدّثنا مُحمَّدُ بْنُ العَلَاءِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرِيدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ
أَبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمانٌ، يَطُوفُ الرَّجُلُ
فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَب، ثمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ
امْرَأَةً يَلُذْنَ بِهِ، مِنْ قِلَّةِ الرِّجالِ، وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ)).
قوله تعالى: (ويربي الصدقات)، يعني أن الله يمحقُ رِبَاكم، ويعطي الرِّبا من جانبه على
صدقاتكم، وهو إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله تعالى، فإن كنتم تحبون الربا، فخذوه
عني، وتصدقوا في سبيلي وفسره العامةُ: أن الله تعالى لا يُبارِكُ فيما أخذتموه من الربا، وإنما
يبارِكُ لكم فيما أنفقتم في سبيل الله. وليس بجيد عندي، بل مخُّ الآية هو النهي عن الربا
المعروف، والحثُّ على أخذ الربا من عنده تعالى، فمن أخذه من الله فسيأكله رَغيدًا، ومن أخذه
من الناس يقع في نهر الدم، ثم لا يقدرُ أن يخرج منه إلى قيام الساعة.
ومما ينبغي أن لا يُذْهِلَ عنه أن نَظْم القرآنِ لا يؤدي المرادَ فقط، بل ينبّهُ على الحقائق،
ويرمُزُ إليها، فعلى المترجم له بلغةٍ أخرى أن يراعي ذلك النظم، ثم ينظرُ إلى لغة أخرى، أنها
هل تؤدي مُؤدَّاه أو لا، ومَنَ لا يبالي بذلك ربَّما يُغيرُ المراد، حتى يوجبُ تغييرَ تلك الحقائقِ
المرموزِ إليها؛ وإنما تُحس مضرَّتَه عند إلحاد ملحد. كما وقع في لفظ: التوفي والخلو، فإن
الناس تسامحوا في بيان معناهما، فانبعث أشقاهم، وجعل يدَّعي أنه المسيح الموعود، بئست أمِّ
ولدته، ویا لیتها لم تلذه.
قوله: (والله لا يحبُّ كلَّ كفارٍ أَثيم) ودلالته على رفع الإِيجاب الكلي، مع أن المرادَ منه
السَّلبُ الكلي. وتعرَّض إليه التَّفْتَازاني في ((المُطَوَّل)) فلم يؤد حقه(١).
١٤١٠ - قوله: (كما يُربي أحدكم فلوه)، ذكر فيه صورة التَّضعيف، يعني أنك إذا أنفقت
في سبيل الله درهمًا، فالله تعالى يُربيه لك حتى يكون رَباه أضعافًا مضاعفة، فيضعفه شيئًا فشيئًا
حتى يبلغَ يوم الحشر إلى هذا القدر، فهو كتربية الفَلُو، لا أنه يُضعَّف لك دُفعة واحدة، فافهمه،
(١) يقول العبد الضعيف: ولا أذكر عن الشيخ رحمه الله تعالى فيه شيئًا، فلعلي نسبتُه أنا، أو لم يذكره هو، ومضى.
والله تعالى أعلم.

٩٩
كتاب الزّكاة
فإن تشبيهات الأنبياء عليهم السلام ليست بهينة، بل تبني على الحقائق، فهذه هي الحقيقةُ التي
أُريدت أن تكشفَ بها، ولعلك تفهم الآن ما لطف قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِىِ
كُلِّ سُتْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] فكما تتدرج الحبة الواحدة إلى هذه الحَبَّات، كذلك صدقتُك
تربى من عند الله، وتكون أضعافًا مضاعفةً، حتى تبلغَ نهايته بقدر الإِخلاص، إلى ما شاء الله أن
تبلغ .
١٠ - بابٌ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقُّ تَمْرَةٍ وَالقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أُبْغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِينًا مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ، وَإِلَى
قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ [البقرة: ٢٦٥ - ٢٦٦].
١٤١٥ - حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيُّ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمَّا نَزَّلَتْ
آيَةُ الصَّدَقَةِ، كُنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَّتَصَدَّقَ بِشَيءٍ كَثِيرٍ، فَقَالُوا: مُرَاءٍ، وَجاءَ رَجُلٌ
فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا، فَنَزَلَتَّ: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطّوْعِينَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] الآيَةَ. [الحديث ١٤١٥
- أطرافه في: ١٤١٦، ٢٢٧٢، ٤٦٦٨، ٤٦٦٩].
١٤١٦ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ يَحْيى: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي
مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانَ رَسُوَّلُ اللّهِ بِ﴿ إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَّةِ، اَنَّطَلَقَ أَحَدُّنَا
إِلَى السُّوقِ، فَيُحَامِلُ، فَيُصِيبُ المُدَّ، وَإِنَّ لِيَعْضِهِمُ اليَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ. [طرفه في: ١٤١٥].
١٤١٧ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ
اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ قالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حاتِم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَُّ
يَقُولُ: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)). [طرفه فيّ: ١٤١٣].
١٤١٨ - حدّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ
قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالَتَ:
دَخَلَتِ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَّهَا تَسْأَلُ، فَلَمَّ تَجِدْ عِنْدِي شَيئًا غَيرَ تَمْرَةٍ، فَأَعْطَيتُهَا إِيَّاهَا،
فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْتَتَيْهَا، وَلَمْ تَأْكُلِ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ وَّهَ عَلَيْنَا فَأَخْبَرْتُهُ،
فَقَالَ: ((مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هذهِ البَنَاتِ بِشَيءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ)). [الحديث ١٤١٨ - طرفه
في : ٥٩٩٥].
قال بعضهم: معناه أن اتقوا النار، وإن بقي عليكم شِقُّ تمرة لأحد من ذوي الحقوق،
فأدوه أيضًا، فإن هذا القدرَ من الحقوق أيضًا يوجب النار، فاتقوها بأدائه. وقيل: إن النار إنما
وجبت لأجل المعاصي، فخلصوا أنفسَكُم منها، ولو بشق تمرة، فإن التَّصدقَ بمثلِهِ أيضًا

١٠٠
كتاب الزّكاة
ينفعكم. فالموجبُ للنارِ في الصورة الأولى إمساكُ شقِّ التمرة، والنجاة بأدائها. والموجب لها
في الصورة الثانية معاصيه التي اقترفها. وشقُّ التمرة لتخليص نفسه عنها .
فالحاصل أن فيه أن التصدق بمثل هذه مفيدٌ لدفع النار، وليس فيه أن عدمَ التصدق به
يُوجب النار، وبينهما بَوْن بعيد(١) فبكلمة طيبة (شرافت كا كلمه)، يعني: كلمة الشرافة.
قوله: (وتثبيتًا من أنفسهم) (ثابت قدمى. جى كى حوصله وإلا أندرسي دكماكاتا نهين)
تحامل: حمل الوقر بالمشقة.
١١ - بابٌ أَيُّ الصَّدَقَةِ أفضَلُ، وَصَدَقَةُ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ
لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَا رَزَقَْكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠]
الآيَةَ. وَقَوْلِهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْتَكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّ بَيْعٌ فِيهِ﴾ [البقرة:
٢٥٤] الآيَةَ .
١٤١٩ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ:
حَدَّثَنَا أَبُوِ زُرْعَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّنَ﴿ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قالَ: ((أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشى الفَقْرَ
وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الخُلقُومَ، قُلتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كانَ
لِفِلَانٍ)). [الحديث ١٤١٩ - طرفه في: ٢٧٤٨].
أي الحريص على المال. واعلم أن القياسَ يقتضي أن لا تعتبرَ الوصيةُ أصلًا، لأنه لمّا
أشرَف على الموت خَرَجَ المالُ عن مِلْكِهِ، وتحوَّل إلى مِلك الورثة، لكن الشرعَ منَّ علينا،
فاعتبرها في الثلث، فهي من المَبَرَّات لا غير.
١٢ - بابٌ
١٤٢٠ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ◌َِّ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ وَِّ: أَيُّنَا أَسْرَعُ
بِكَ لُخُوفًا؟ قالَ: ((أَْوَلُكُنَّ يَدًا)). فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَها، فَكَانَتْ سَوْدَةٌ أَظْوَلَهُنَّ يَدًا،
فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ، وَكانَتْ تُحِبُّ
الصَّدَقَةً.
١٤٢٠ - قوله: (أينا أسرعُ بك لحوفًا)، كأنهنَّ كلهنّ كنَّ على طمعٍ من أن يلحقْنَه أولًا .
(١) يقول العبد الضعيف: وبمثله أجيبَ في حديث تخليل الأصابع: ((خللوا أصابعكم، كي لا تخللها نار جهنم)) فإنه
يُشعر بالوجوبِ. والجواب: أن فيه أن التخليل يدفعُ النار، لا أن عدم التخليل يوجب النار. ليفيد الوعيد، ولا
يلزم من كونِ التخليل دافعًا للنار كونه واجبًا، فإن المستَحَبات أيضًا تدفع النار، فشِقُّ التمرة لا يجبُ إنفاقه، فإن
أنفقته يدفع النار عنك إن شاء الله تعالى. هكذا ذكره الشيخ ابن الهُمام رحمه الله على ما أذكر.