النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
كتاب الجنائز
خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيدُهَا، وَلَا تُلتَقَطُ لُقْطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ)). فَقَالَ
العَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِلَّ الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ: (إِلَّ الإِذْخِرَ)). وَقالَ أَبُو هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهُ: ((لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا)). وَقَالَ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ
مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وََّ: مِثْلَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ
ابْنِ عُبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لِقَينِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ. [الحديث ١٣٤٩ - أطرافه في: ١٥٨٧، ١٨٣٣،
١٨٣٤، ٢٠٩٠، ٢٤٣٣، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٣١٨٩، ٤٣١٣].
وقد عرفت أن أحكام لقطة الحل والحرم عندنا سواء وإنما زيد الاستثناء لمزيد الاعتناء به.
٧٧ - بابُ هَل يُخْرَجُ المَيِّتُ مِنَ القَبْرِ وَاللَّحْدِ لِعِلَّةٍ؟
١٣٥٠ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ
اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِوَّهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بَعْدَ ما أُدْخِلَ حُفرَتَهُ، فَأَمَرَ
بِهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيهِ، وَنَفَثَ عَلَيهِ مِنْ رِيقِه، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكانَ
كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا. قالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ قَمِيصَانِ،
فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلْبِسْ أَبِي قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلدَكَ. قالَ سُفيَانُ:
فَيَرَوْنَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ قَمِيصَهُ، مُكَافَأَةٌ لِمَا صَنَعَ. [طرفه في: ١٢٧٠].
١٣٥١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ: حَدَّثَنَا حُسِينٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ،
عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ، دَعَانِيَ أَبِي مِنَ اللَّيلِ، فَقَالَ: ما أُرَانِي إِلَّا
مَقْتُولًا فِي أَوَّلٍ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصَحَابِ النَّبِيِّ ◌َّهِ، وَإِنِي لَّا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيرَ
نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ وَسِهِ، فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا، فَاقْضٍ، وَاسْتَوْصٍ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا. فَأَصْبَحْنَا، فَكَانَ
أَوَّلَّ قَتِيلٍ، وَدُفِنَ مَعْهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ
سِتَّةِ أَشْهُرِ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْم وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً، غَيرَ أُذُنِهِ. [الحديث ١٣٥١ - طرفه في: ١٣٥٢].
١٣٥٢ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللّهِ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ ابْن أَبِي
نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِّي رَجُلٌ، فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي
حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَجَعَلتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ. [طرفه في: ١٣٥١].
وَكرِهِ الحنفيةُ إخراجَه إِلَّا لحاجةٍ شديدةٍ، حتى قالوا إنَّه لا يُخْرَجُ وإن سقط القَبْرُ.
١٣٥١ - قوله: (لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌّ دعاني أبي) وكان جابرُ رضي الله عنه حينئذٍ لم يَبْلِغِ
الحِنْثَ فلم يدخل في الحَرْب. قوله: (فإِذا هو كيوم وَضَعَتْه) وراجع ما عند مالك في
((موطئه))(١) .
(١) أخرج مالك في الدَّفْن في قبر واحدٍ من ضرورة: أن عَمرو بنَ الجَمُوح وعبد الله بن عمرو الأنْصاريين ثُم =

٦٢
كتاب الجنائز
قوله: (هُنَيَّةٌ غَيْرَ أُذُنِهِ) والصحيحُ ((غير هُنَيَّةٍ من أُذْنِه)).
٧٨ - بابُ اللَّحْدِ وَالشَّقِّ فِي القَبْرِ
١٣٥٣ - حدّثنا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ
شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:
كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَجْمَعُ بَيْنَ رَجَلَينٍ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: (أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟)) فَإِذَا
أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ، فَقَالَ: ((أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ)). فَأَمَرَ
بِدَفيِهِمْ بِدِمِائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلُهُمْ. [طرفه في: ١٣٤٣].
إن كان المرادُ من الغيرِ بني إسرائيل فالحديثُ يدلُّ على مزيدٍ تأكيد اللحد، وإن كان
المرادُ أَهْلَ مكةَ فَيَخِفُّ الأَمْرُ.
٧٩ - بابٌ إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ، هَل يُصَلَّى عَلَيهِ، وَهَل
يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الإِسْلاَمُ؟
وَقَالَ الْحَسنُ، وَشُرَيحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَقَتَادَةُ: إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُما فالوَلَّدُ مَعَ المُسْلِم.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَعَ أُمِّهِ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَبِيه عَلَى دِيَنٍ
قَوْمِهِ. وَقالَ: (الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى)).
يعتبر عندنا بإسلام الصبيِّ المُميِّز ولا يُعتبر بارتداده، وعند الشافعيةِ رحمهم اللَّهُ تعالى لا
يُعتبر بإِسلامه أيضًا. وكنتُ أَتحيرُ أنَّهم ماذا يقولونَ في إسلام عليٍّ رضي الله عنه، فإِنَّه أسلم
صبيًّا يدلُّ عليه قولُه :
لقد سَبَقْتُكُم على الإِسلام ظُرًّا
ثم رأيت في ((السنن الصُّغْرى)) للبيهقي: وفيه أن الأحكام قبل الخَنْدَق كانت منوطةً
بالتمييز وبعدَه نِيطَتْ بالبلوغ. وعليٍّ رضي اللَّهُ عنه في مَنْ دَخل في الإِسلام قَبْل الخندقِ، فظهر
الجوابُ عنه. ثُم إنَّ المسألةَ فيمَنْ كان أبواه كافرَيْنِ. أَما إذا كان أبواه مُسلِمَيْن فلا اختلاف
فيه. وشَنَّع بعضُهم على الحافظ ابن تيميةَ رحمه الله تعالى بأنه لا يعتبِرُ إسلامَ عليٍّ رضي الله
عنه .
قلت: لم أجِدْه في تصانِيفه. ثُم رأيتُ الشِّبلي نسبَ إلى الحافظ ابن تيميةَ رحمه الله تعالى
السلميين كانا قد حَفَر السَّيْلُ في قَبْرَيْهما، وكان قبراهما مما يلي السيل، وكانا في قبرٍ واحدٍ وهما ممن استُشْهِد يومَ
=
أُحد فحفر عنهما ليغيَّرا مِن مكانهما فوُجِدا لم يتغيَّرا كأَنَّهما ماتا بالأمس. وكان أَحَدُهما قد جُرح فوضعَ يَده على
جُزْجِه فدفن وهو كذلك، فأميطت عن جُزْحه ثُم أُرْسِلت فَرَجعت كما كانت. وكان بين أُحُدٍ ويوم حَضَرهما ستٌّ
وأربعُونَ سنةً، وأجاب ابنُ عبد البرِّ رحمه الله تعالى بتعدُّد القِصَّة، كذا في ((المُحَلَّى)). اهـ.

٦٣
كتاب الجنائز
أنه قائلٍ بإِسلام مَن صَدَّق النبيَّ والقرآنَ وإن بقي على اليهودية. ولم أجِدْه أيضًا في تصانيف ابن
تيميةُ رحمه الله تعالى، ولعلَّه أيضًا افتراءٌ عليه.
قوله: (وكانَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنه مع أُمِّهِ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ) لأَنَّ أُمَّه أسلمت مِن قبل،
حتى قيل: إنها أسلمت بعدَ خديجةَ رضي الله عنها، ولم يكنِ العباسُ أظهرَ إسلامَه بَعْدُ. فكان
ابنُ عباس رضي الله عنهما مع أُمِّه وكانت خيرَ الأَبوينِ دِينًا .
قوله: (الإِسلامُ يَعْلُو ولا يُعْلَى) هذا باعتبار التشريع ظاهرٌ، وأما باعتبارِ التكوين ففيه
تفصيل .
١٣٥٤ - حدّثنا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي
سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ ◌َُّ في
رَهْطِ قِبَلَ ابْنِ صَيَّدٍ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، عِنْدَ أُظُم بَنِي مَغَالَةَ، وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ
صَيَّادِ الخُلُمَّ، فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ وَهَ بِيَدِهِ، ثم قَالَ لِابْنِ صَيَّادٍ: («تَشْهَدُ أَنِّي
رَسُولُ اللَّهِ؟)) فَنَظَرَ إِلَيهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ. فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ
لِلَبِّ وَِّ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللّهِ؟ فَرَفَضَهُ وَقَالَ: ((آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ). فَقَالَ لَهُ وَّ: ((ماذَا
تَرَى؟)) قالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((خُلِّطَ عَلَيكَ الأَمْرُ)). ثُمَّ
قالَ لَهُ النَّبِيُّ وَّهِ: ((إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيثًا)). فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُ. فَقَالَ: ((اخْسَأُ،
فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ)). فَقَالَ عُمِرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ)). [الحديث ١٣٥٤ .
أطرافه في: ٣٠٥٥، ٦١٧٣، ٦٦١٨].
١٣٥٤ - قوله: (أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسولُ اللَّهِ) وغرَضُ المصنِّف رحمه الله تعالى أن ابنَ صَيَّد لو
شَهِدَ برسالَتِه، لحَكُم عليه بالإِيمان، مع كونه صبيًّا إذ ذاك.
قوله: (فقال عمر رضي اللَّهُ عنه دَعْني يا رسولَ اللَّهِ أَضرِبْ عُثْقَه ... ) إلخ. وإنَّما لم يذره
النبيُّ ◌َ﴿ فيقتله، لأنه كان حينئذٍ صبيًّا كما في الحديث. والوَجْه الثاني ما بيَّنه بنفْسِه الشريفة:
وهو أنَّه: ((إنْ يكن هو فلن تُسلَّط عليه)). وفيه سرٌ عظيم ينبغي الاطلاع عليه:
فاعلم أنَّ التكوينَ قد يناقِضُ التشريعَ، لأن التكوِينَ ليس تحتَ التكليفِ. فلو انكشفَ
التكوينُ على أَحَدٍ لا يتغيَّرُ به التشريعُ أصلًا، فلو كُشِفَ لأَحَدٍ أنَّ فلانًا يُخْتم له على الكفر -
والعياذ باللهِ لا يجوزُ له أن يُعامل معه معاملةَ الكفار في الحالة الراهنة. وهو الذي عَرَض لعليٍّ
رضي اللَّهُ عنه حين سألِه ابنُ الكواء: أنه يُفتح له أو لا؟ قال: لا. قال: فَلِمَ تُحارِب إذَن؟ قال:
إِني مأمورٌ. يعني به أنَّ التكوينَ وإن كان جرى بالهزيمة إلَّا أَنَّ التشريعَ على مكانه لا يتغيرُ به،
كما لو لم يُكْشَف علیه.
فلا ينبغي لأَحَدٍ أن يعملَ بالتكوينِ إِلَّا للنبيِّ خاصَّةٌ، فإِنَّه قد يأخذُ جِهَ التكوينِ أيضًا كما
أخذ في قَتْل الدجّال. وهو الذي راعاه في قِصَّة رَجُلِ اعترضَ على تقسيم رسولِ الله وَّه فقال:

٦٤
كتاب الجنائز
هذه قسمةُ لم يُرَد بها وَجْهُ اللَّهِ - والعياذ بالله - ولما قال عمرُ رضي الله عنه: دَعْني أَضْرِبْ عُنُقَ
هذا المنافق. قال: ((لَعلَّه يخرجُ من ضِئضِىءٍ هذا رجالٌ يقرؤونَ القرآن لا يجاوزُ حناجِرَهم». فلم
يقتله، والسِّرُّ فيه أنَّ النبيَّ ◌َِّ إذ يخبرهم بأمر بنفسه يناسِب له أن يراعيه، فإِنه إِذا أخبرَ أن عيسى
عليه السلام يَقْتُلُ الدجَّالَ(١) يناسِب له أَن لا يتولى قَتْلَه بنفسه، وإِذا أخبر أنه يخرج منه قومٌ كذا،
ناسب له أن لا يستبيحَ بَيْضَتَهُم. فهذا عملٌ بالتكوين وذا لا يناسبٍ إِلَّا للنبيِّ خاصَّةً.
قوله: (آمَنْتُ باللَّهِ ... ) إلخ. وإِنَّما لم يتوجه لجوابه صراحةً تصغيرًا لأَمْرِهِ، وتَوجَّه إلى
ما يليقُ بِشَأنِه على حَدِّ قوله تعالى: ﴿وَمَا لِىَ لَآَ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَبِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (®)﴾ [يس: ٢٢].
قوله: (يَأتيني صَادِقٌ وَكَاذِبٌ ... ) إلخ. وهذا هو شأنُ الكُهان.
(١) وهناك خبرٌ غريبٌ أخرجه الحافظ العيني في ((شَرْح البخاري)) قال في ذَيْل كلامه على وحدة الدجّال المعهود وابن
صَيَّاد:
والثاني: مما يُستنبط منه ومن غيره من الأحاديث الواردة في هذا الباب هو: أَنَّ ابن صَيَّد إذا كان هو الدجّال كيف
كان حالُه حتى بقي إلى وقت خروجه في آخر الزمان؟ قال صاحب ((زهرة الرياض)): رأيتُ في ((أمالي)) القاضي
الإمام أبي بكر محمد بن علي بن الفَضْل الورنجري بإسناده عن أبي هريرة قال: ((بينا رسولُ اللَّهِ بَلِّ يُصَلِّي صلاةَ
الداةِ - هكذا في الأصل، ولعل الصواب: الغداة - فلمَّا سَلَّم استقبَل أصحابَه بِوَجْهِه يحدّثُهم إذ أقبلَتْ صيحةٌ شديدةٌ
بناحيةِ اليهود، وما سمِعنا صيحةً أشدَّ منها، فأرسل رجلاً ليأتينا بالخبر. قال: فما مكث حتى رجع وقد تغيَّر لونُه،
فقال: يا رسول الله أَما عَلِمت أنَّ البارحةَ ولِد ولدٌ في اليهود، وأنه غَضِب وتَزَبَّد حتى امتلأ البيتُ منه. وقد ضَمَّ أُمَّه
مع سريرها إلى زاوية البيت، ورَفَع السقف على حيطانها، وهم يخافونه. فاسترجع النبيُّ بَلِّ ثم قال: ((أخاف أنه
دجالٌ))، فلما مضت سبعةُ أيام قال النبيُّ ◌ََّ لأَصحابه: أَلا تمضون بنا إلى هذا المولود. فإذا الدجالُ على رأسٍ
نخلةٍ يلتقطُ رُطبًا ويأكلُه، ولَه همهمةٌ شديدةٌ وأُمه جالسةٌ في أَصل النَّخْلة، فلما رأتِ النبيَّ ◌َّ نادته: يا ابن
الصائد، هذا محمدٌ قد أقبل. قال: فسكَت وترك الهمهمة. قال: فرجع النبيُّ ◌َّ ونزل الدجّال من النخلة، واتّبع
النبيَّ ◌َّه وقال النبيُّ ◌َيرٍ لأصحابه: اسمعوا إلى مقالته وأنا أَسأله. ثم قال: ((أَتشهد أني نبيِّ))؟ وقال له الدجّالُ:
◌َتَشْهد أَنِّي نبيٍّ؟ ثُم رجع النبيُّ ◌ََّ مع أصحابه. قال: فقامَ عمرُ رضي اللَّهُ عنه فضرب بالسيفِ على هامتِهِ، فنبا
السيفُ كأنه قد ضُرب على حَجَر. ثم رجع السيف فَشَجَّ رأْس عمر. قال: فوقع عمرُ صريعًا جريحًا يسيل الدمُ من
رأسه. قال: وقام الدجّال على رأسه يسخرُ به ويستهزىء به حتى ورد الخبرُ إلى رسولِ اللهِ إِ لَ، فقامَ النبيَُِّل
مُسرعًا حزينًا حتى أتى إلى عمرَ رضي الله عنه. فقال: ((ما الذي دعاك إلى هذا))؟ فأخبره بما جرى فقال النبيُّ ◌َلّ:
يا عمرُ إِنك لن تستطيع أن ترد قضاء الله تعالى. قال: فوضع النبيُّ وَّرِ يدَه المباركةَ على رأسٍ عمرَ رضي الله عنه
فدعا اللَّهَ فالتحمَ الجُزْعُ بإذن الله تعالى. وقال عمر: يا رسولَ الله وَددت أن يرفعه الله تعالى فقال النبيُّ ◌َليل:
((أَتُحِبُّ ذلك))؟ قال: نعم. قال: ((اللهم افعل)) فنزل جبريلُ عليه الصلاة والسلام في قطعة مِن الغمام كشِبْه التُّرس،
فنزل على رأس الدجّال وهو جالسٌ في وسط اليهود فأخذ بناصيتِه وجَذَبه عن ظهر الأرض وأُمُّه وأبوه وقومُه
ينظرون إليه ويبكون عليه، فرفعه جبرائيلُ عليه الصلاة والسلام فألقاه إلى جزيرة في البحر إلى قومٍ تميمِ الذَّاري إلى
رسول الله وَّةٍ، وأخبره بخبرِهِ. وأخرج مسلمٌ حديثًا طويلاً عن فاطمةً بنتِ قَيْس وكانت من المهاجرات الأول،
وَفيه: أن تميمًا الداري كان رجلاً نصرانيًّا فبايع وأسلم. وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدُثُكم عن المسيح
الدجّال: حدثني أنه ركب في سفينةٍ بحريّةٍ مع ثلاثين رَجُلاً من لَخْم وجُذَامٍ، فَلَعِب بهم الموجُ شهرًا في البحر، ثُم
ارموا إلى جزيرةٍ في البحر الحديث. وفيه خبرُ الدجال ودابة الجساسة. وقال البيهقي: مَنْ ذهب إلى أن ابن الصيَّاد
غيرُ الدجال احتج بحديثٍ تميم الدَّاري في قصة الجاسّة، ((عمدة القاري)).

٦٥
كتاب الجنائز
قوله: (خُلِّطْ عَلَيْكَ الأَمْرُ) وهذا أصلٌ عظيمٌ أن لا تَخْليطَ في أنباءِ المرسلين، بخلاف
الدجاجِلَةِ والكهانِ، فإِنَّهم يَخْلِظون بين الحقِّ والباطل.
قوله: (هو الدُّجُّ) واتفق الشارِحون على أنه كان خبأ له الآية: ﴿يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ
◌ُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]. ثُمَّ قيل: إنه اطلع عليه لاستراقها إبليس، وإلقائها عليه. قلت: لا حاجةً
إلى هذا العُذْر، بل الكَهَانَة قد تكون فِظْريةٌ كما ذكره ابن خَلْدُون. ثم ذَكَرَ العلومَ التي لها دَخْلٌ
في اكتساب المغيبات. فالأنبياءُ عليهم السلام يُوحَى إليهم، والكُهان أيضًا تلقى في نفوسهم
أشياءُ ناقصةٌ غير أنه لا يوثَقُ بها لبناءٍ أَكْثَرِها على الكذب، بخلاف أنباء المرسلين، فإِنَّهم
يَحْكُون عن الأَصْلِ، فلا تحتمل الكَذِبَ أصلًا. ومرَّ عليه الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى وقال:
المرادُ به أني أرىَ شيئًا كالدخان، وفي الحديث: ((أن عَرْشَ إبليسَ على الماء، فلعلَّه رأى شيئًا
عليه عَرْشُ إبليس. قلت: وتجلَّى الربُّ جلَّ مَجْدُه لما كان في الضبابة جعل يَحْكي عنه وجلس
في الدُّخِّ فإِنه أيضًه كالضبابة.
قوله: (إِنْ يكن هو ... ) إلخ. وفي ((الفتح)) روايةٌ أنَّ قَتْله قَدَرٌ على يَدِ المسيح عليه
السلام. وهذا الآخر الزنيم لعين القاديان يَزْعُم أن النبيَّ بَّر لم تُكْشف عليه حقيقةُ الدَّجَّال كما
هي - والعياذ بالله، ولا يَدْري أن قولُهُ: إن يكن هو ليس للشك بل هو على حد قوله: ﴿إِن كَانَ
لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَنَا أَوَّلُ الْعَلِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، وإنما يخرجُ التعبيرُ هكذا حيثُ يقصد إبرازُ الجزء
الواحد على طريق الضابطة الكلية، فتأتي فيه العبارةُ كما ترى. أو كقوله في المُحَدَّث: ((إنْ يكن
من أمتي أَحَدٌ فَعُمَر)) - أو كما قال-، ويجيءُ تحقيقُه إن شاء الله تعالى.
وفي البخاري تَصريحٌ بأنه كان يَعْلم أنَّ ابِن صَيَّاد لم يكن الدجَّالَ الأكبرَ، كما في
الجهاد. وفي ((مصنف عبد الرزاق)): ((أيُّها الناسُ إنَّ ابنَ صَيَّاد ليس الدجّال الأكبر)) - وفيه قال:
أكثرَ الناسُ في مُسَيْلمةَ قبل أن يقولَ رسولُ الله وَّر فيه شيئًا. فقال رسول الله رَّة: إنَّه كَذّابٌ بين
ثلاثينَ دجالًا، يخرجون بين يَدَي المسيح)). فالثلاثون مقيّدُون بهذا القيد، ويمكن أن يكونَ بعده
عليه الصلاةُ والسلام أيضًا دَجَّالون آخَرُون. وحينئذٍ لا تعارض بين الأحاديثِ المتعارضة في عدد
الدَّجَاجِلَة. فإِنَّ بعضَها فيمَن يظهَرُون قَبْله عليه الصلاة والسلام.
قوله: وآخرون فيمن يخرجون بعده والأمر عند الله تعالى ((يختل)) داؤ كرنا .
١٣٥٥ - وَقَالَ سَالِمُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمِرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ
رَسُولُ اللَّهِنََّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ، وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنٍ
ابْنِ صَيَّدٍ شَيْئًا، قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ◌َهَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، يَعْنِي فِي قَطِيفَةٍ لَّهُ
فِيهَا رَمْزَةٌ أَوْ زَمْرَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادِ رَسُولَ اللَّهِ وَّةَ، وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوع النَّخْلِ، فَقَالَتْ
لإِبْنِ صَيَّادٍ: يَا صَافِ - وَهُوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ - هذا مُحَمَّدٌ نَّهِ، فَثَارَ ابَّنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌ََّ: ((لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ)). وَقالَ شُعَيبٌ فِي حَدِيثِهِ: فَرَفَضَهُ، رَمْرَمَةٌ أَوْ زَمْزَمَةٌ. وَقَالَ
عُقَيَلٌ: رَمْرَمَةٌ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: رَمْزَةٌ. [الحديث ١٣٥٥ - أطرافه في: ٢٦٣٨، ٣٠٣٣، ٣٠٥٦، ٦١٧٤].

٦٦
كتاب الجنائز
١٣٥٥ - قوله: (لبين) ليس معناه أنه بَيَّن بلسانه، بل غرضُه أَن لو تَرَكْته لانكشف أَمْرُه.
١٣٥٦ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهُوَ ابْنُ زَيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ نََّ فَمَرِض، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ◌َّهَ يَعُودُهُ،
فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: ((أَسْلِمْ) فَنَظَرَ إِلَى أَبِيه وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَّهُ: أَطِعْ أَبَا
القَاسِمِ نَّ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ وَّهُ وَهُوَ يَقُولُ: ((الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ)).
[الحديث ١٣٥٦ - طرفه في: ٥٦٥٦].
١٣٥٦ - قوله: (فقال: أَطِع أبا القَاسِم، فَأَسْلَم) ولعلَّه لم يبلغ الحُلْم إذ ذاك. ولما أَسْلَم
قبل أن يُغَرْغِر اعتُبر إسلامُه .
١٣٥٧ - حدّثنا عَليُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَاَنُ قالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ ابْنَ
عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، أَنَا مِنَ الوِلدَانِ وَأُمِّي مِنَ
النِّسَاءِ. [الحديث ١٣٥٧ - أطرافه في: ٤٥٨٧، ٤٥٨٨، ٤٥٩٧].
١٣٥٨ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ: قالَ ابْنُ شِهَابٍ، يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ
مُتَوَفَّى وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِظْرَةِ الإِسْلَامِ، يَدَّعِي أَبَوَاهُ الإِسْلَامَ، أَوْ أَبُوهُ
خاصَّةً، وَإِنْ كانَتْ أُمُّه عَلَى غَيَرِ الإِسْلَامِ، إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّيَ عَلَيهِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى
مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يُحَدِّثُ: قَالَ
النَّبِيُّ ◌ََّ: ((ما مِن مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِظْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كما
تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَل تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعاءَ؟)). ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الآيَةَ. [الحديث ١٣٥٨ - أطرافه في: ١٣٥٩، ١٣٨٥،
٤٧٧٥، ٥٦٩٩].
١٣٥٩ - حدّثنا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو
سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((ما مِنْ مَوْلُودٍ
إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةَ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كما تُنْتَجُ البَهِيمَة بَهِيمَةً
جمعاءَ، هَل تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟)). ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿فِطَرَّتَ اللَّهِ الَّتِى
فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيَلَ لِخَلْقِ اللَّهِّ ذَلِكَ الْذِيْنُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]. [طرفه في: ١٣٥٨].
حديث أبي هريرة في أن: ((كلَّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ)»
واعلم أنَّ الحديثَ المذكورَ لم يَزَلْ معركةً من زمنِ الأئمة، حتى سُئل عنه عبدُ الله بنُ
المبارك، ومحمدُ بن الحسن. ونَقل أبو عبيد (١) - وهو تلميذُ محمد - كلماتٍ عن شيخه في شرح
(١) قلت: وقد نَقَّله الطحاوي في ((مُشْكِله)) بعد سرد عدة روايات في هذا الباب. فأنا أُلخّصُ لك أولًا من رواياته، ثُم =

٦٧
كتاب الجنائز
هذا الحديث ينبغي أن يراعيها الباحِثُ أيضًا. وبحث عليها الحافِظُ ابن القيم رحمه الله تعالى
في ((شفاء العليل)) على نحو ثماني وريقاتٍ، وجزم بأن المرادَ مِن الفطرة الإِسلامُ. وادَّعَى أنه
آتيك بكلامه بدون زيادةٍ ولا نقصان. قال عن ابن شهاب: أَنَّ أبا سَلَمة بن عبد الرحمن أخبره أن أبا هريرة قال: ((ما
=
مِن مولودٍ يولّدُ على الفطرة»، ثم يقول: اقرؤوا ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ
اُلْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣]. ثم أخرج عن الحسن قال: أنبأ الأسودُ بن سَريع قال: كنّا في غزاة لنا، فَأَصَبْنا وقَتَلنا من
المشركين حتى بلغ بهم القَتْلُ إلى أن قتلوا الذُّرِّيّةَ. فقال رسولُ الله ◌َّ: ((ألا لا يقتلن ذرية ألا لا يقتلن ذرية)».
قيل: لم يا رسولَ الله؟ أليسوا أولادَ المشركين. قال: ((أوليس خياركم أولاد المشركين))؟. ثم أُخرج عن الحسن
عن الأسود عن رسول الله وَّر قال: ((كل نسمةٍ تُولَدُ على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها
وينصِّرانها)).
قال أبو جعفر: فتأمَّلنا ما قيل في تأويل هذا الحديث فوجدنا عليَّ بن عبد العزيز قد أجاز لنا عن أبي عبيد القاسم بن
سلَّم، قال: سألت محمد بن الحسن عن تَفْسِيره يعني حديث أبي هريرة الذي ذكرناه في أول هذا الباب - فقَالَ:
كان ذلك في أوَّلَ الإِسلام قبل أن تَنْزل الفرائض. وقبل أن يُؤمر المسلمون بالجهاد. قال أبو عبيد: كأَنَّه يذهبُ إلى
أنه لو كان يولَدُ على الفِطْرة، ثُم مات قبل أن يُهَوِّداه أَبواه وينصِّراه ما ورثاه، لأنَّه مسلمٌ وهما كافران. ولما جاز مع
ذلك أن يسبي، فلما نزلت آياتُ الفرائض وجرت السنن بخلافِ ذلك، دلَّ على أنَّه مولودٌ على دِينِهما.
قال أبو عبيد: وأما عبدُ الله بنُ المبارك فبلغني أنه سُئل عن تأويله. فقال: تأويلهُ الحديثُ الآخَر: أَنَّ النبيَّبَّ سُئِل
عن أطفال المشركينَ، فقال: ((اللَّهُ أَعلم بما كانوا عاملين)). يذهبُ إلى أنهم يولدون إلى ما يصيرون إليه من إِسلام
أو كُفْر فَمنْ كان في عِلم الله عز وجل أنه يصير مسلمًا فإِنَّه يُولد على الفِطْرة. ومَنْ كان عِلْمُه فيه أنه يصير كافرًا
يموت كافرًا. قال أبو عبيد: فأحدُ التفسيرين قريبٌ من الآخر.
قال أبو جعفر: فتأملنا ما ذكرناه عن مُحمد بن الحسن رحمه الله تعالى مما جنح إليه أبو عبيد، فوجدنا في حديث
الأسود أنه كان في غزواتِ رسول الله ◌َّر التي هي الجهاد. ثم لما اختلفوا في معنى هذا الحديث على قد ما
ذكرنا، وقالوا في تأويله ما قد وصفنا بعد أَنْ جعلنا كله حديثًا واحدًا، وأثبتنا فيه قوله ◌َّه، فما يزال عليها حتى
يُعْرِب عنه لِسَانُه، اعتبرنا ما جاء في ذِكْر الفِطْرة فِي كتاب الله عز وجل، فوجدنا اللَّه عز وجل قد قال في كتابه:
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]. أي خالق السموات والأرض. قال: وكذلك حدثنا ولاد النحوي عن
المصادري، عن أبي عبيد وقال عز وجل: فيه ﴿وَمَا لِيَ لَّ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِ﴾ [يس: ٢٢] أي خلقني وقال عز
وجل: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَهًا﴾ [الروم: ٣٠] أي ملة اللَّهِ التي خلق الناس عليها قال: وكذلك أيضًا:
حدثنا ولاد النحوي عن المصادري، عن أبي عبيد في أشياء. من هذا المَعْنى. وكانت الفِطْرَةُ فِطْرَتَين: فطرة يرادُ
بها الخِلقة التي لا تعبد معها التعبد المستحَقْ بِفِعْله الثواب. والمستوجَبِ بِتَرْكِه العقابَ. فكان قوله ◌َّ: ((كل
مولود يُولد على الفِطْرة))، يريدُ الفِطرة المتعبد أهلها المثابون والمعاقبون. فكان أهلها الذين هم كذلك ما كانوا غير
بالغين مما خُلِق للعبادة كما قال عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (6)﴾ [الذاريات: ٥٦]، وإن كانوا
قبل بلوغهم مرفوعًا عنهم الثواب والعقابُ، غير أنهم إذا عبرت عنهم ألسنتهم بشيء من إِيمان أو من كُفْر كانوا من
أهله، وإِنْ كانوا غيرَ مثابين على محموده وغيرَ معاقبين على مذمومه، كما قال بُّهَ: ((فما تزال عليها حتى يُعْرِبَ
عنها لسانُها)) ولذلك قَبِل بَّ إسلامَ مَنْ لم يبلغ وأَدخله في جملة المسلمين. وفي ذلك ما يُوجب خروجَ مَنْ كان
من المسلمين بالردّة في تلك الحال من الإِسلام حتى يستحق بذلك المَنْع من أبويه المسلمين. وقال وَّة: ((فَأَبواه
يهودانِه، أو ينصّرانِه، أو يشركانه)). أي بتهويدهما أو تنصيرهما، أو تشريكهما، فيكون سببًا إن كان أبواه حُرِّين،
ومأخوذًا بعد بلوغه عاقلاً بالجزية إِن كان أبواه ذمِّيين. فهذا عندنا تأويلُ ما قد ذكرنا. والله سبحانه وتعالى نسأله
التوفيق. ا هـ.

٦٨
كتاب الجنائز
هو عُرْف القرآنِ والحديث.
وحينئذٍ حاصل الحديث: أن كلَّ مولودٍ ولو كانت في بيت كافر فهو محكومٌ عليه بالإِسلام
عنده حتى يتكلمَ، أو يبلغَ الحِنْث، كذا يُستفاد من حديث ((مسلم)). فإِن قلتَ: فما بال صِبيان
المشركين الذين ماتوا في صِباهم لا يصلَّى عليهم، فإِنَّهم حينئذٍ مُسلمون.
قلتُ: لأنَّ هذا الحديث وَرَد في النجاة وعدمِها، فهو من باب الآخرة دون أحكام الدنيا،
فلا يصلَّى عليهم في الدنيا، ويُحكم عليهم بالإسلام باعتبار الآخرة، وينجون من عذاب الله.
واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَاْ لَا نَبْدِيَلَ لِخَلْقِ الهَّ ذَلِكَ الْذِيرُ
اَلْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] حيث جعل فيه الفطرة دينًا. قلتُ: ليس فيه ما ادَّعاه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةً
الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] ذلك الدِّين القيِّم. فجعل فيه الأمْرَ التكويني وهو
كونُ عِدّة الشهور اثنا عشرَ شهرًا دينا، وحكم بأن النسأة خلافُ الدَّين. فالصوابُ عندي أنَّ
الفِطرة من مقدِّمات الإسلام لا عَيْنه. فهي جِبِلَّة متهيئةٌ لقبولِ الإسلام(١) وبعبارةِ أُخْرى هي
استعدادُ في الولد له بُعْد من الكفر وقُرْب من الإسلام. وبعبارةٍ أُخْرَى هي عبارةٌ عن خلوِّ بُنيتِهِ
عَمَّا يَحُثُّهُ على الكُفْرِ.
وحينئذٍ حاصلُ الحديث: أنَّ الوَلَد المولودَ مِنْ بطن كافرٍ ليس في بُنْيتِهِ جزءٌ من الكُفْر.
ولولا القوادِحُ والموانِعُ لبقي أَقْرَبَ إلى الإيمان، وأَقْبَل له، وليس فيه حُكْم بالإسلام، وأي
فائدة في الحُكُم بِالإسلام، ثُمَّ الحُكُم باليهوديةِ والنَّصرانية بعد بُرْهة. وهذا الاستعدادُ القريبُ
هو الذي سمَّاهُ اللَّهُ دِينًا في قوله: ﴿فِطْرَتَ الَّهِ الَِّى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ إلخ وفي الحديث(٢) أيضًا
ما يدلُّ على هذا المعنى، فإنَّ النبيَّ ◌َّهِ سَمِعَ في سَفَر صوتَ راعٍ يقولُ: اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ
فقال: على الفطرةِ، فإنَّها كلمةٌ يعتقِدُ بها العرب أيضًا. ولما شَهِد بَالتوحيد والرسالةِ قال خرج
من النار. فتبيَّن أنَّ الفِطْرةَ غيرُ الإيمان. فإنَّه لم يَحْكُم عليه بالنجاةِ اللازمة للإيمان ما لم يَسْمع
منه الشهادتينٍ مع حُكْمه عليه بكونِهِ على الفِطْرة. فالفطرةُ شيءٌ لا يوجِب النجاةَ، بخلافٍ
الشهادتين فهي مقدِّمةٌ للإيمان، كالأمانة فإنها ليست بإيمانٍ أيضًا، بل مقدمةٌ له وهي عبارةٌ عن
عَدَم خداع أحدٍ، ومنه اشتقَّ الإيمانُ وهو معنى قوله: ((لا إيمانَ لِمَنْ لا أمانةً له)). وهو المرادُ
بقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] ... إلخ وقد قررناه فيما سبق.
فإن قلت: إن الفطرة إذا كانت عبارة عن الجبلة المذكورة وجب أن يكون أعداد المسلمين
أزيد من أعداد الكفار مع أن الأمر بالعكس. قلت: أما سمعت منا فيه قيد انتفاء الموانع
والقوادح فكثرة إعدادهم لكثرة الموانع فإذا كثرت الموانع تخلف عنه ترتب النتائج.
(١) ففي ((المُحَلَّى)): أن المرادَ بالفِطْرَة الحالة والهيأة المهيأة لِمعرفةِ الخالق وقَبول الحقُّ واختيارِ دينِ الإِسلام، لما
رُكُب فيهم من العقول التي يتمكنون بها مِن الهُدَى لو نظروا إِليها نظرًا صحيحًا لاستمروا على لزومِها.
(٢) أخرج ((مسلم)) عن أنس في حديث أنه سمع رجلًا يقول: اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ فقال رسولُ الله ◌َّ: «على الفِطْرة))،
ثُم قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّهُ. فقال رسولُ الله ◌َّ: ((خَرَجْت من النار. فنظروا إليه فإذا هو راعِي مِعْزی».
اهـ.

٦٩
كتاب الجنائز
فسبب الإسلام وإن وجد إلا أن المسبب لم يوجد لأجل المانع لا أن الفطرة لم تكن سبباً
إلا ترى في الأدوية كيف يتخلف عنها فوائدها لأجل هذه الموانع، فإن قلت: إنَّ الفظْرةَ إذا لم
تكن عينَ الإسلام لم يكن في الحديث مَذْحُ الإسلام، مع أنَّ المسوقَ له ذلك. قلت: كيف لا؟
مع دلالته على أنه ليس في فِطرةِ الإِنسان شيءٌ يخالِفُ الإِسلام، أو يَجُرُّه إلى الكُفْر: بل فيها ما
يَبْقى به أَقْرَبَ إلى الإِسلام وأَقبلَ له، لولا العوائقُ فهو مَذْحٌ عَظِيم. وهو معنى قولهم: إنَّ
الإِسلام دينٌ فِظْري، فإِنْ قلت: إنَّ الفِظْرة إذا كانت عبارةً عن الاستعداد فهو الطّرفان فما بقي
مَدْحُ الإِسلام.
قلت: بلى ولكنَّ استعدادَ الإِسلام قريبٌ، واستعدادَ الكُفْر بعيدٌ لكونِه من جهة الموانع.
فهو مَدْحٌ للإِسلام أي مدح، ولا سيما إذا استدل عليه بِتَمْثيل البهيمة، فإِنْ قلت: فما معنى
قوله ◌ََّ: ((إِنَّ الشقاوةَ والسعادةَ في بَطْن الأم)) - بالمعنى -، وقول الخَضِر عليه السلام: ((طبع
یوم طبع كافرًا».
قلت: إن الشقاوةَ والسعادةَ أقربُ إلى التقدير، وهو نحوٌ من عِلْمه تعالى، فيُقَدِّر ما يقدر
باعتبارِ ما يؤولُ إليه الحالُ من الكفر والإيمان، والفِطرةُ أقربُ إلى الحسِّ على ما عرفت: أنها
عبارةٌ عن خُلُوِّها عما يحضُّه على الكُفْرِ وعدم اشتمالِها على جُزء من الكُفْرِ والإِيمان حِسًّا،
فليس في بُنيتِه ومادتِهِ ما يوجِبُ الكُفْر، وبعبارةٍ أُخْرى أنَّ الْفطرة تلبس بهيئةٍ لو استُبقي عليها لم
يَعْدِل إلى الكُفْرِ فَخُلُوّه عن الكُفْرِ مُظْلقًا هو المسمَّى بالفِظْرة، وهو المقدمةُ للإِسلام، وهذا أَمْرُ
غير التقدير، بخلاف الشقاوةِ والسعادةِ، فإنَّها عبارةٌ عمَّا عَلِمه اللهُ مما يأتيه بعد البلوغ من حسنة
أو سيئة، فإِن أحسنَ إِسلامه يُقَدَّرُ له السعادةُ، وإن أساء تُقَدَّرُ له الشقاوةُ، فهما يجتمعان مع
الفِطْرةِ على حَدٍّ قولهم: إنَّ في الهَيُولَى استعدادًا لجميع صُوَر النوعيةِ، مع أنها لا تتناوبُ عليه
إلا صورةً بعد صورة، وتكونُ كلُّ منها معدةً للأُخرى، ولا يمكنُ اجتماعُهَا لتضادها، فإنَّها
جواهرُ عندهم. والجواهر عندهم متضادةٌ فلا يمكن تواردها إلَّا بالتناوب، كالماء فإنه يتكون من
هواء، فما دام اتصفَ بالصورةِ المائية لم يمكن أن يتصفَ بالصورةِ الهوائية، إلّا أن فيه استعدادً
بعيدًا لتلك الصورةِ أيضًا. فإذا سخن الماءُ ازدادَ فيه استعداد الصورةِ الهوائية شيئًا فشيئًا، فإذا تمَّ
استعدادُهَا ترك الصورةَ الأُولى وتلبّس بالأُخرى.
ولي فيه نَظْم :
كتكريرِ لَفْظِ بلا فائده
ولادَ الوليد على فِظْرةٍ
عرا عن الكُفْرِ أو زائده
فأبدوا قيودًا وأبديتُهُ
يعني به أن الفطرةَ بمعنى الخِلْقة لغةً، فلا فائدة في ذِكْرِهَا بدون قَيْد، فإنَّه على وزان
قولهم: ((كلُّ مولودٍ يُخلق على الخِلْقة)) ولا معنى له، فلذا أبديتُ فيه قَيْدًا ليكونَ مُفِيدًا، وهو
الخِلْقَةُ المتهيأةُ للإِسلام والخاليةُ عن الكُفْرِ.
كجرةِ تُكْسَرُ من صدمة
وإلَّا فتبقى مدى زاهده

٧٠
كتاب الجنائز
فالفِطْرة كالقارورة إن حَفِظتها من التصادم تبقى في يدكٍ سالمةً أبدَ الدهر، وإن تغافلت
عنها تَتَكَسّر بأدنى صَدْمة تُصِيبُهَا .
ثم ذكر الشيخُ الفَرْقَ بين الفطرةِ والشقاوة. فقال:
فكان الشقيُّ على فِظْرةٍ وأمَّا الشقاءُ ففي عائده
فالشَّقْيّ أيضًا كان على الفِظْرة في بدءِ أمره، لكنَّه لما لم يَحْفَظهَا وغيرها صار مَلُهُ إلى
الشقاوةِ، فالفِطْرة لا تناقِضُ الشقاوةَ، ألا ترى أن الحديثَ بنفسه حَكَم على كلِّ مولودٍ بالفِظْرة،
ثُمَّ ذَكَرَ شقاوتهم وهو اليهودية والنصرانية، فدل على أنَّ الشقاوةَ لا تصادِم کونَه على الفِطْرة
فافهم. وقد نبهناك فيما مرَّ أن التعدية في العربية هل ثبتت على طريق الفارسية أيضًا أم لا؟ بأن
تدل على تسخيرِ أحدٍ بذلك الفعلِ واستعمالِهِ به، كما إذا أَمَّن عند المالكيةِ (جب آمام آمين
كهلواوى). قال أبو حَيّان: إنَّ تعدَيةَ الأفعالِ مطردٌ والتفعيل سماعي. وقال بعضهم: إنهما
مُطردان. وقال آخرون: إنهما سماعيان، ولكن ينبغي أن يُنْظر في معنى التعدية ماذا أرادوا به
والذي أرى أنَّ التعديةَ بهذا المعنى ليس عندهم إلَّا ما مرَّ في قوله: ((لم يغسلهم)) من التفعيل،
وكذا في قوله: ((يُهوِّدانه وينصِّرانِه)) فلينظر فيه .
وحينئذٍ فحاصل الحديث: أنَّ كلَّ مولودٍ يولَدُ على الفطرة باعتبار الأَصْل. وأمَّا يهوديتُهُ
ونصرانيتُهُ فباعتبار جَعْل الوالدين وتغييرِهم خَلْقِ الله وَمَسْخهم فِظْرَتَه لا باعتبار الأصل، فإنْ قُدِّر
ذلك حتى آلَ إليه الحالُ سُمِي بالشقاوةِ.
فإن قلت: إنَّ الفطرةَ إذا كانت مقدِّمة للإيمان دون الإيمان بعينه، لم يتناسب مقابلَتُهُ
بالأديان كاليهودية والنصرانيةِ، فدلَّ على أنها عينُ الإِسلام، لأنَّه أيضًا دِيْنٌ فَصَحَّ التقابل. قلت:
بل التقابل صحيحٌ على ما قلت أيضًا، لأن المعنى أن الولد كان قريبًا من الإسلام، فَضَبَّع
والداه فِظْرَته فأضاعوه، وأيّ شيءٍ أضاعوا. فإن قلت: إن الحديث يقتصر حينئذٍ على أحكام
الدين غيرت فطرتهم. وأما من استمروا على فِظْرتهم كَذَرَاري المسلمين فلا يكونُ لهم فِيْهِ
حُكْم.
قلتُ: بلى، ولكنَّ الحديثَ لم يُسقِ لهم، وإنما سِيق لِمَنْ صاروا إلى الكُفْر بعد التبديل
كما ترى في المُشَبَّه به، ففيه أيضًا بيانُ المُغَيِّراتِ. وحينئذٍ تَبيَّن لك أنه لا ينبغي فيه ذِكْر
الإسلام، فإنَّه ليس من المُغَيِّرات.
قوله: (﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾﴾ [الروم: ٣٠] نهى في صورة الخَبَر. والمعنى أنَّ عَدَم التبديلِ
كان الدِّينَ القَيِّم ولكن الناس يشاقونه ويخالفونه، وإلّا فالتبديل مُشَاهد. فإن قلت: يلزمُ على ما
اخترتَ مِنْ تفسير الفطرةِ نجاةُ أولاد المشركين كافَّةً، فإنَّهم ماتوا على الفِظْرة قبل طُرُو التبديل.
قلتُ: النجاة تدورُ على الشقاوةِ والسعادةِ وهي في عِلْم الله لا على الفِطْرة فقط، وإن
كانت الفطرةُ دخيلةً أيضًا إلَّا أنَّ المدار على الشقاوةِ والسعادة السابقتين على الفطرة لما قد
علمت أنهما من التقدير، وهو نَحْوٌ من العِلْم السابق على الكل. ولذا ذكر في الحديث إنتاج

٧١
كتاب الجنائز
الحيوان، وكونه سليمًا وهذا كله في الْخِلْقة ولم يذكر القَدَر فاعلمه.
ومنهم مَنْ قال: إن الفطرةَ هي قولهم: قالوا: بلى. قلتُ: إنْ أرادوا به القَصْر عليه فليس
بجيدٍ، وإن أرادوا أنه أيضًا من جزئيات الفطرةِ فصحيحٌ. فإنَّ الإنسانَ مفطورٌ على الإقرار
بالربوبية، وفيه أقوالٌ أُخَرُ ذكرها الشارحون فراجعها. وسيجيء البحثُ على نجاتهم وعدمِها
فيما يأتي والله تعالى أعلم.
٨٠ - بابُ إِذَا قَالَ المُشْرِكُ عِنْدَ المَوْتِ: لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ
١٣٦٠ - حدّثنا إِسْحاقُ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحِ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قالَ: أَخبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ لَّمَّا حَضَرَتْ أَبَا
طَالِبِ الوَفَاةُ، جاءُهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي
أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرة، قالَ رَسُولُ اللَّهِِّ لأَبِي طَالِبٍ: ((يَا عَمَّ، قُل: لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً
أَشْهَدُ لَّكَ بِهَا عِنْدَ اللّهِ). فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ
مِلَّةِ عَبْدِ المُطَلِبِ؟! فَلَمْ يَزَل رَسُولُ اللَّهِنَّهُ يَعْرِضُهَا عَلَّيهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلكَ المَقَالَةِ، حَتَّى
قالَ أَبُو طَالبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةٍ عَبْدِ المُطَلِبِ. وَأَبِى أَنْ يَقُوَّلَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَِّ: ((أَمَا وَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أَنْهَ عَنْكَ)). فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ:
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٣] الآيَةَ. [الحديث ١٣٦٠ - أطرافه في: ٣٨٨٤، ٤٦٧٥، ٤٧٧٢، ٦٦٨١].
ويعتبر فيه إذا قالها قبل النَّزْع، فإن دخل في الغرغرة فهو إيمانٌ اليأس، وهو غير معتبر عند
الجمهور. ونُسِب إلى الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى أنَّه اعتبر إيمانَ فِرَعون. قال الشَّعْرَاني:
وهذا مدسوسٌ والشيخُ رحمه الله تعالى بريءٌ منه.
قلتُ: بل هو مختارُ الشيخ رحمه اللهُ تعالى وليس بمدسوسٍ، وقد نَقَل بحرُ العلوم في
((شرح المثنوي)) عباراتٍ عديدة للشيخ رحمه الله تعالى تدلُّ على هذا المعنى. ومرادُ الشيخ
رحمه الله تعالى عندي أن قوله بتلك الكلمةِ اعتبر من حيثُ كونه إيمانًا، لا من حيث كونهُ
توبةً.
وليُعلم أنَّ في قِصَّة فرعونَ إِشْكَالًا وهو: أنَّ في الحديث: أن فرعونَ لما أرادَ أنْ يقول:
لا إله إلا الله، دسَّ جبِرائيلُ عليه السلام في فِيه الطّينَ كي لا تدرِكَه الرحمةُ. وهو في الظاهر
رضاءٌ بالكُفْرِ نعوذُ باللَّهِ من ذلك. وأجاب عنه الشيخ الألوسي رحمه الله تعالى في ((تفسيره)).
وحاصله: أنَّه يجوزُ التمني بموتٍ كافرٍ شديدٍ في الكُفْر إذا كان المسلمون يتأذون منه. ونقله عن
(مبسوط)) خَوَاهِرَ زَادَه روايةً عن أبي حنيفةً رحمه الله تعالى.
قلتُ: بل المسألةُ موجودةٌ في نَفْس القرآنِ. قال تعالى حكايةً عن موسى عليه الصلاة
والسلام: ﴿رَبَّنَا أَطْمِسِْ عَلَّ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨].
ثُمَّ إنَّ ظاهرَ القرآن أنَّه تكَلَّم بتلك الكلمةِ وإنَّما لم تُعتبر منه لكونِهِ إِيمانَ اليائس، وإنَّما خشي

٧٢
كتاب الجنائز
جبرائيلُ عليه السلام نظرًا إلى سعَة رَحْمَتِهِ تعالى، فإنه أَمكن أن يُغْفَر له خَرْقًا للعادة. ثُم أقول:
إن الكلمة التي قالها فِرعون وهي: ﴿ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ، بَنُواْ إِسْرَّهِلَ﴾ [يونس: ٩٠]
لا تتعينُ إيمانًا في حال الاختيار أيضًا إلاّ أن ينوي بها ذلك. فإنَّه أحاله على بني إسرائيل، فإنْ
أراد بتلك الجملةِ إيمانَه فذاك، وإلّا فتحتَمِل معانٍ أُخرى أيضًا .
وكتب السُّيوطي رحمه الله تعالى رسالةً في تأييد الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى. وَرَدَّ عليه
القاري رحمه الله تعالى وسمَّاهَا: ((فِرّ العَوْن من مُدَّعي إيمانِ فرعونَ))، وقد شدَّد في اسمه جدًا.
فإن قلت: وعلى هذا ينبغي أن يُعتبر إيمانُ قوم يونس عليه السلام أيضًا، فإنَّه كان عند مشاهدةٍ
العذاب. قلتُ: أمَّا أولًا: فلأنَّهم قد استثناهم القرآنُ بِنَفْسه فلا يقاس عليهم. وأما ثانيًا:
فبالفَرْق بينهم وبين فرعونَ، فإنَّه آمن حينَ أحاط به عذابُ الاستئصال، وهؤلاء آمنوا بمجردٍ
الرؤية قَبْلَ أن يدخلوا في العذابِ. وسيجيءُ تحقيقُ الكلام في التفسير أبسط منه.
٨١ - بابُ الجَرِيدِ عَلَى القَبْرِ
وَأَوْصى بُرَيدَةُ الأَسْلَمِيُّ أَنْ يُجْعَلَ في قَبْرِهِ جَرِيدَانٍ. وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ فَقَالَ: انْزِعُهُ يَا غُلَامُ، فإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ. وَقَالَ
خارِجَةُ بْنُ زَيدٍ: رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّنٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الَّذِي
يَئِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، حَتَّى يُجَاوِزَهُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكيمٍ: أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ ،
فَأَجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ، وَأَخْبَرَنِي عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيهِ.
وَقالَ نَافِعٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَجْلِسُ عَلَى القُبُورِ .
١٣٦١ - حدّثنا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ
طَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ بََّ: أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَينٍ يُعَذَّبَانِ فَقَال:
((إِنَّهُمَاَ لَيُعَذَّبَانِ، وَما يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُما فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ
فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ)). ثُمَّ أَخَدَ جَرِيدَةَ رَْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَينِ، ثُمَّ غَرزَ فِي كُلِّ قَبِرٍ وَاحِدَةً،
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: (لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيِسَا)). [طرفه
في : ٢١٦] ..
والجريد هو الغُصْن التي جردت عنها أورَاقُهَا. وفي ((الدر المختار)): إنَّ إنباتَ الشجرةِ
مُسْتحبٌّ. وقال العيني رحمه الله تعالى: إن إلقاءَ الرياحين ليس بشيءٍ، ولم يَمْنع عن إنباتِ
الشجرةِ. وفي ((العالْمكِيرية)): أنَّ إلقاءَ الرياحين أيضًا مُفِيد: قلتُ: والاعتماد على ما ذكره
العيني (١).
(١) يقول العبد الضعيف، وهذا كلُّه إذا لم يبالغ فيه الناسُ، فإِذا بالغوا فيه وتجاوزوا حدودَ اللَّهِ ينبغي للعالم أن يَمْنعَ
عنه. فإِنَّ مادة البِذْعة لا تكون إلا أمثالَ هذه الأمور. ويتعلق به ما في العيني: أَنَّ ضَرْبَ الفُسطاط إنْ كان لغرضٍ
صحيح كالتستر من الشَّمْسِ مثلًا للأحياء لا لإِظلال الميت فقط جاز. اهـ.

٧٣
كتاب الجنائز
قوله: (أَشَدَّنا وَثْبَةُ الَّذِي يَغْبِ قَبْرَ عثمانَ بن مَظْعون رضي الله تعالى عنه). قيل: يُفْهم منه
أَنَّ قَبْرَ عثمانَ رضي الله عنه كان مرفوعًا ولم يكن لاصِقًّا بالأرض. قلتُ: لم لا يجوز أن يكونوا
يثبون في الطُولِ لا في العرض؟ ولو فَرَضْنا أنَّ هؤلاء الصبيانَ كانوا صغارًا فيتعذَّرُ عليهم الوُثوبُ
عرضًا أيضًا. قال الشيخ ابن الهُمام رحمه الله تعالى: كُره أَنْ يُرْفَعِ القَبْرُ فَوْقَ شِبْرِ.
قوله: (فَأَجْلَسَنِي على قَبْر) والجلوسُ على القَبْر مكروهٌ تحريمًا عند ابن الهُمَام رحمه الله
تعالى كما في ((الفتح))، وتنزيهًا كما في ((الطحاوي))، واختار الطحاوي أن النهي عنه فيما إذا
جلَس للبَوْل والغائط، وإلَّ فلا. قلتُ: بل النهيُ مطلقٌ، فالجلوس عليه خلافُ الأولى.
قوله: (وكان ابنُ عمرَ رضي اللَّهُ تعالى عنهما يَجْلِسُ) إلخ ... المرادُ الاتكاءُ دونَ
الجلوس عليه .
٨٢ - بابُ مَوْعِظَةِ المُحَدِّثِ عِنْدَ القَبْرِ، وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ
﴿يَوْمُ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [المعارج: ٤٣] الأَجْداثُ: القُبُورُ. ﴿بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤]:
أُثِيرَتْ، بَعْثَرْتُ حَوْضِي أَي جَعَلتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ. الإِيفَاضُ: الإِسْرَاعُ. وَقَرَأَ الأَعْمَشُ:
﴿إَِ نُصُبٍ﴾: [المعارج: ٤٣] إِلَى شَيءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إِلَيهِ، وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ، والنَّصْبُ
مَصْدَرٌ. ﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] مِنَ القُبُورِ. ﴿يُِّلُونَ﴾ [يس: ٥١] يَخْرُجُونَ.
١٣٦٢ - حدّثنا عُثْمانُ قالَ: حَدَّثَنِي جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيدَةَ، عَنْ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعَ الغَرْقَدِ، فَأَتَانًا
النَّبِيُّ ◌َةِ، فَقَّعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكْسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ:
((ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، ما مِنْ نَفسِ مَنْفُوسَةٍ، إِلَّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَتْ
شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً)). فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدعُ العَمَلَ؛ فَمَنْ
كانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ
الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ قَالَ لَّه((أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُون لِعَمَلِ
السَّعَادِةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ)). ثُمَّ قَرَأَ: ((﴿فَمَا مَنْ أَعْطَى وَنَّقَى
((
٥
[الليل: ٥] الآيَةَ. [الحديث ١٣٦٢ - أطرافه في: ٤٩٤٥، ٤٩٤٦، ٤٩٤٧، ٤٩٤٨، ٤٩٤٩، ٦٢١٧، ٦٦٠٥،
٧٧٥٢].
يعني أنَّ الموعظةَ ليست من الأذكار والأشغال المكروهة عند القبر.
١٣٦٢ - قوله: (بَقِيعِ الغَرْقَد) أي مَقْبرة أَهْلِ المدينة، وهو غيرُ بَقِيعِ المُصَلَّى.
قوله: (مِخْصَرَة) من الخاصرة.
قوله: (مَنْفُوسَةٍ) ولا يدرى أن روح طبي أَوْ غيره ولا ريب في كونِ الروح الطبية منفوخةً،
أما الروحُ المجردةُ فليست بمنفوخةٍ، بقي البَدَنُ المِثالي فلينظر فيه.

٧٤
كتاب الجنائز
((كلُّ مُيسَرٌ لِما خُلِقٍ له))(١) وهذه الجملةُ جزيلةُ المعنى فليُمْعَنِ النَّظرُ فيها. وحاصل
الجواب: أن الإنسان مختارٌ في عالم الشهادة، ومجبورٌ بالنَّظر إلى عالم الغيبِ الذي تحقَّق
بالأدلةِ السمعية، وإلَّا فنحن مختارون في العالم المشهور قطعًا، ولا خبرَة لنا بعالم غيرِهِ.
فافعلوا الخير وامتنعوا عن الشرِّ في موطن الاختيار. فإن المسبوقَ بالخير لا يأتي مَنْه الشرُّ
والمسبوقُ بالشر لا يأتي منه الخيرُ أصلًا، ولا يُيسر للسعيدِ إلَّ الأعمالُ الصالحةُ، وللشقيِّ إلا
الأعمالُ الطالحةُ. فقولُكُم: ((أفلا ندع العمل في غير محلِّهِ، فإنكِمِ إن سَبَق لكم الخيرُ لا يُيسر
لكم إلا هو، فإِيَّاه تعملون. وكذا إن قُّدِّر لكم الشرُّ لا ييسر لكم إلَّا هو، ففيه تقتحمون. فليس
الخيرُ والشرُّ من عندِ أنفسكم وإنما استُعملتم به فعملتُم. وهذه الجملُ بهذه السذاجةِ لا يمكنُ أن
تخرج إلا من صاحبِ النُّبوةِ.
٨٣ - بابُ ما جاءَ في قاتِلِ النَّفْسِ
١٣٦٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع: حَدَّثَنَا خالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ
ثَابتِ بْنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِّ وََّ قالَ: ((مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيرِ الإِسْلام، كاذِبًا
مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كما قالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفسَّه بِحَدِيدَةٍ، عُذِّبَ بِهِ في نَارِ جَهَنَّم)). [الحديثَ ١٣٦٣ -
أطرافه في: ٤١٧١، ٤٨٤٣، ٦٠٤٧، ٦١٠٥، ٦٦٥٢].
١٣٦٤ - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حازِمِ، عَنِ الحَسَنِ: حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في هذا المَسْجِد، فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِلَُّ
قالَ: ((كَانَ بِرَجُلِ جِرَاحٌ قَتَلَ نَفسَهُ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وجلَّ: بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيهِ
(١) قال العيني رحمه الله تعالى:
فإِن قلت: إذا كان القضاءُ الأَزْلي يقتضي ذلك، فلم المدحُ والذمُّ والثواب والعقاب؟ أجيب: بأَنَّ المدحَ والذمَّ
باعتبار المحلية لا باعتبار الفاعلية. وهذا هو المرادُ بالكسب المشهور عن الأشاعرة، وذلك كما يمدح الشيءُ ويذم
بحسنه وقُبْحه وسلامتِه وعاهتِه، وأما الثواب والعقاب فكسائر العادِيَّات، فكما لا يصح عندنا أن يقال لم خلق الله
تعالى الاحتراقَ عقيبَ مماسته النارَ ولم يَحْصُلِ ابتداءً، فكذا ههنا.
وقال الطيبي: الجواب من الأسلوب الحكيم، منعهم ◌َّ عن الاتكالِ وتَرْكُ العمل، وأمَرَهم بالتزام ما يجبُ على
العبد من العبودية وإياكم والتصرفَ في الأُمور الإلهية، فلا تجعلوا العبادةَ وتَرْكَها سببًا مستقلاً لدخول الجنة والنار،
بل إنها علاماتٌ فقط.
وقال الخطابي: لما أخبر رَّ عن سَبْق الكتاب بالسعادةِ، رام القومُ أن يتخذوه حُجَّةٌ في تَرْك العمل، فأعلمهم أن
ههنا أمرين لا يبطل أحدُهما الآخرَ. باطن: هو العلةُ الموجبة في حُكْم الرُّبُوبيَّة. وظاهر: هو التتمةُ اللازمةُ في حقِّ
العبودية، وإنما هو أَمارةٌ مخيلة في مطالعة عِلْم العواقب غيرُ مفيدةٍ حقيقةً. وبيَّنَ لهم أن كلاَّ ميسَّرٌ لما خُلق له،
وأن عَمّله في العاجل دليلُ مصيرِه في الآجِلِ، ولذلك مَثّل بقوله تعالى: ﴿وَمَّا مَنْ أَعْطَى وَتََّ ﴾﴾ الآيةَ [الليل: ٥].
ونظيرُه الرزقُ المقسومُ مع الأمر بالكَسْب، والأجلُ المضروبُ مع التعالج بالطبّ، فإِنَّك تجدُ الباطنَ منهما على
موجبه، والظاهر سببًا مخيلاً. وقد اصطلحوا على أنَّ الظاهِرَ منها لا يُتْرك للباطن. اهـ.

٧٥
كتاب الجنائز
الجَنَّةَ)). [الحديث ١٣٦٤ - طرفه في: ٣٤٦٣].
١٣٦٥ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((الَّذِي يَخْنُقُ نَفسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي
يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّار)). [الحديث ١٣٦٥ - طرفه في: ٥٧٧٨].
وفي فِقْه الحنفية لا يُصلِّي عليه العلماء، ومَنْ صار مُقْتَدًى للناس - بالفتح - وهكذا قاتل
الوالدين والباغي، لأنه لم يبق من تعزيرِهم عندنا شيءٌ غير الصلاة، فليس عليهم تعزير.
١٣٦٣ - قوله: (ومَنْ حَلَف بملةٍ غيرِ الإسلام) .. إلخ. وصورته أن يقول: إنْ فعل كذا فهو
يهوديٌّ، أو نصراني، وهو عندنا يمينٌ منعقِدٌ، فإن حَنِث كفر. وقد صرَّح سيبويهِ أن الشرطِ
والجزاء أيضًا يُسمَّيانِ حَلِفًا. فإن فَعَله وهو يدري أنه يصيرُ به يهوديًا صار كافرًا، وإلَّا فلا، إلَّا
أنه تَبْقَى الشَّناعةُ على حالِهَا. والصورة الثانية: أن يجعلها محلوفًا به، فيقول باليهودية
والنصرانية: لأفعلن كذا، وحينئذٍ معنى قوله: ((كاذبًا)) أنه ليس في قلبِهِ تعظيمُها، إلَّا أنه تكلّم بما
دلَّ على التعظيم.
١٣٦٤ - قوله: (بَدَرَني عبدي): أي صورةً، وإلا فهو مَيِّتُ على أَجَلِه.
قوله: (وعُذِّب بها في نارٍ جَهِنَّم). وفيه زيادة أيضًا وهي: خالدًا مُخَلَّدًا فيها)). وعلَّل
الترمذي هذا اللفظَ في ((جامعه)) ولاَ وَجْه له. إِلّ أنَّ قاتلَ النَّفْس ليس له الخُلودُ إجماعًا،
فاضْطُر إلى التأويل. قلت: وليس مرادُ الحديثِ تخليدَه بعد الحَشْر كما فُهِم، بل معناه أنه
يُعَذّب به إلى الحَشْرِ، كذلك فالتخليد راجِعٌ إلى القيد، أي التوجاء والخنق والطعن مثلًا، أي
لا يزال يَفْعلُ هذه الأفعالَ ما دام يكونُ في جهنّم، وليس راجِعًا إلى المُكْث في النَّار ليلزم
خلودُه في النَّار، إنَّما هو خلودُ الفِعْل ما دام في النَّار، فافهمه. وقد شيَّدْناه بنظائره كما سيجيء.
٨٤ - بابُ ما يُكْرَهُ مِنَ الصَّلاَةِ عَلَى المُنَافِقِينَ وَالإِسْتِغْفَارِ للمُشْرِكِينَ
رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ.
١٣٦٦ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيِثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ قالُ: لَمَّا
مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنَ سَلُولَ، دِّعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ لِيُصَلِّيَ عَلَيهِ، فَلَّمَّا قَامَ رَسُولُ
اللَّهِ وَّهِ وَثَبْتُ إِلَيهِ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيّ، وَقَدْ قالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا
كَذَا وَكَذَا؟ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِنَّهِ وَقَالَ: ((أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ)). فَلَمَّا أَكْثَرْتُ
عَلَيهِ، قالَ: ((إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ
عَلَيْهَا)). قالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِن ◌َِّ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَّلَتِ
الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَة: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَىَ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّتَ أَبْدًا﴾ إلى: ﴿وَهُمْ فَسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]

٧٦
كتاب الجنائز
قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. [الحديث
١٣٦٦ - طرفه في: ٤٦٧١].
١٣٦٦ - قوله: (خُيِّرْتُ). وقد علمت أنه مِن باب تَلَقّي المخاطَب بما لا يَترقَّب.
قوله: (﴿وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾﴾ [التوبة: ٨٤] واستنبط منه الحافظ ابن تيميَّة رحمه الله تعالى أنَّ
القِيام على القَبْر جائِزٌ في نَظَر القرآن، ولذا نهى عنه، فثبتت زيارةُ القُبور في حوالي بلده.
٨٥ - بابُ ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى المَيِّتِ
١٣٦٧ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهيبٍ قالَ: سَمِعْتُ
أَنَسَ بْنَ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: مَرُوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيَهَا خَيرًا، فُقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
((وَجَبَتْ)). ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيهَا شَرًّا، فَقَالَ: ((وَجَبَتْ)). فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ: مَا وَجَبَتْ؟ قالَ: ((هذا أَثْنَيْتُمْ عَلَيهِ خَيرًا، فَوجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهذا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا،
فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ في الأَرْضِ)). [الحديث ١٣٦٧ - طرفه في: ٢٦٤٢].
١٣٦٨ - حدّثنا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيدَةَ،
عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ اَلِخَطَّابِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ، فَأَثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيرًا، فَقَالَ عُمرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :
وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخرَى فَأَثْنِيَ على صَاحِبِها خَيرًا، فَقَالَ عُمَرُ رضي اللَّهُ عَنْهُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ
مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأَثْنِيَ عَلى صَاحِبِها شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ: فَقُلتُ: وَمَا وَجَبَتْ
يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلتُّ كما قالَ النَّبِيُّ وَّةَ: ((أَيُّمَا مُسْلِمٍ، شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيرِ، أَدْخَلَهُ
اللَّهُ الجَنَّةَ)). فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قالَ: ((وَثَلَاثَةٌ)). فَقُلْنَا: وَاثْنَانٍ؟ قالَ: ((وَاثْنَانٍ)). ثُمَّ لُمْ نَسْأَلُهُ
عَنِ الوَاحِدِ. [الحديث ١٣٦٨ - طرفه في: ٢٦٤٣].
وفائدة الثَّناء على الميتِ لو كانت لكانت أنا. ويعلم من ((الفتح))(١) أنَّ فيه سببيَّة أيضًا.
(١) أخرج الحافظ برواية أحمد، وابن حِبَّان، والحاكم رحمهم الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: ما
من مسلمٍ يموتُ فيشهد له أربعةٌ من جيرانه الأَدنين أنهم لا يعلمون منه إلَّا خيرًا قال الله تعالى: ((قد قَبِلْتُ قَوْلكم
وغفرت له ما لا تعلمون)). قلت: ففيه دليلٌ على أنه سبحانه وهو أَحكمُ الحاكمين قد يعامِل عبادَه حسب ما تقوم
عليهم الشهادةُ عنده. فعلى المرءِ أن يُجامل الناسَ في حياته ليشهدوا له بعدَه بالخير. وقد نقل الحافِظ رحمه الله
تعالى زيادةً في رواية أَنس رضي الله تعالى عنه وهي: ((إِنَّ لله ملائكةٌ تَنْطِقُ على ألسنة بني آدم بما في المرءِ من
الخير والشَّرِّ فدلَّ على أن تلك الشهادةَ تكون على نحو إلهام من الملائكة. وهذا الذي أراده أَهْلُ العُرْف من
قولهم: ع: ((زبان خلق كونقاره خدا سمجهو)) ولعل قوله ◌َّهُ: ((أَنْتُم شهداءُ اللَّهِ في الأَرْض مُقْتَبسٌ من قوله
تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْتَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] فإِذا اعتُبرت شهادتُهم في غيرهم
فكيف لا في أنفسهم. ولذا نهى النبيُّ بَّ عن ذِكْر مساوىءَ الموتى. بالجملة ليس الحديثُ من باب التشريع، =

٧٧
كتاب الجنائز
ففيه روايةٌ أنهم إذا أثنوا على عَبْدٍ يقول لهم اللَّهُ تعالى: ((إنكم أثنيتُم مَبْلَغ عِلْمِكم، فاذهبوا فقد
فَعَلْتُ حَسَب ثنائِكم، وتجاوزتُ عَمَّا جَهِلتم - بالمعنى .. وهو الذي يترشّحُ مِن قوله في الحديث
الآتي: ((وَجَبَتْ)). وكِيف ما كان لا ريبَ في كونِ ثناءِ الناسِ أمارةً حسنةً للمَيت كما يُعلم مِن
قوله: ((أنتم شُهَدَاءُ اللَّهِ في الأرض)). فإِنَّ الشهادةَ تكونُ علىَ أَمْرِ ماضٍ، فكأنَّ الخيريةَ تقدَّمت،
وهؤلاء شهدوا بها فقط، وليس فيها لشهادَتِهم فقط دَخْلٌ.
٨٦ - بابُ ما جاءَ فِي عَذَابِ القَبْرِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذِ اٌلَِّمُونَ فِى غَمَرَتِ الْوَّتِ وَالْعَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيَدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمٌ
أَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ اُلْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣]. الهُون: هُوَ الهَوَانُ، وَالهَوْنُ: الرِّفقُ. وَقَوْلُهُ جَلَّ
ذِكْرُهُ: ﴿سَنُعَذِبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَاقَ
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ
٤٥
بِكَالٍ فِرْعَوْنَ هُوَهُ الْعَذَابِ
[غافر: ٤٥ - ٤٦] .
٤٦
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ
١٣٦٩ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلقَمَةَ بْنِ مَرْئَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ
عُبَيْدَةَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ بَلَّ قالَ: ((إِذَا أُقْعِدَ المُؤْمِنُ فِي
قَبْرِهِ أُتِيَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدَا رَسُولُ اللَّهِ، فَذلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ
الَّذِيَنَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾)) [إبراهيم: ٢٧]. [الحديث ١٣٦٩ - طرفه في: ٤٦٩٩].
١٣٦٩م - حذّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهِذَا، وَزَادَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ نَزَلَتْ فِي عَذَابِ القَبْرِ.
١٣٧٠ - حدَّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حِدَّثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَني أَبِي، عَنْ
صالِحٍ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ قالَ: الطَّلَعَ النَّبِيُّنَّهَ عَلَى أَهْلِ
القَلِيَبِ، فَقَالَ: (وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟)) فَقِيلَ لَهُ: أَتَدْعُو أَمْوَاتًا؟ فَقَالَ: ((ما أَنْتُمَ
بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ)). [الحديث ١٣٧٠ - طرفاه في: ٣٩٨٠، ٤٠٢٦].
١٣٧١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه،
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: إِنَّمَا قالَ النَّبِيُّ ◌َّه: ((إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآن أَنَّ ما كَنْتُ
أَقُولُ حَقٌّ)). وَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْنَى﴾ [النمل: ٨٠]. [الحديث ١٣٧١ - طرفاه في:
٣٩٧٩، ٣٩٨١].
بل من باب التكوين. فالله سبحانه لا يَنْطِقُ لسانًا ولا يُلْهِم قلبًا إلا بما جرى فيه من الشقاوة والسعادة. وهذا إذا لم
=
تختلف فيه فإِذا اختلف، فلعلَّ العبرةَ للأعدل والأَزكى كما كان في الدنيا، والله تعالى أعلم: وهذه جُملٌ ذكرتها
على نحو ما حدثت بها نفسي عند تسويدِ هذه الأوراق، فإن كانت صوابًا فمِن اللَّهِ، وإلاَّ فمني ومن الشيطان.

٧٨
كتاب الجنائز
١٣٧٢ - حدّثنا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنِي أَبِيٍ، عَنْ شُعْبَةَ: سَمِعْتُ الأَشْعَثَ، عَنْ أَبيه،
عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَّابَ
القَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ نَّ عَنْ
عَذَابِ القَبْرِ، فَقَالَ: (نَعَمْ، عَذَابُ القَبْرِ)). قَالَثَ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَمَا رَأَيتُ
رَسُولَ اللَّهِ ◌ََّ بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. زَادَ غُنْدَرٌ: ((عَذَابُ القَبْرِ
حَقٌّ)). [طرفه في: ١٠٤٩].
١٣٧٣ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيمانَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قالَ: أَخْبَرَنِيِ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا تَقُولُ:
قامَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ خَطِيبًا، فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا المَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذلِكَ ضَجَّ
المُسْلِمُونَ ضَجَّةً. [طرفه في: ٨٦].
١٣٧٤ - حدّثنا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيد: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَِّ قالَ: ((إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ في
قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانٍ، فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ: ما
كُنْتَ تَقُولُ في هذا الرَّجُلِ؟ لِمُحَمَّدٍ بََّ، فَأَمَّ المُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ،
فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَفْعَدَِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَفْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُما جَميعًا)).
قالَ قَتَادَةُ وَذُكِر لَنَا: أَنَّهُ يُفسَحُ في قَبْرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثٍ أَنَسٍ، قالَ: ((وَأَمَّا المُنَافِقُ
وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: ما كُنْتَ تَقُولُ في هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِيّ، كُنْتُ أَقُولُ ما يَقُولُ لهُ
النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيتَ وَلَا تَلَيْتَ، وَيُضْرَبَُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةٌ، فَيَصِيحُ صَيحَةً
يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيه غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ)).
وهو ثابتٌ عند أهل السنَّة والجماعة كافةً بالتواتر. وما نُسِب إلى المعتزلةِ أنهم يُنْكِرون
عذابَ القَبْر فلم يثبت عندي إلا عن بِشْر المَرِيسي وضِرار بنِ عمروٍ. وبِشْرٌ كان يختلف إلى دَرْس
أبي يوسف رحمه الله تعالى، فلما بلغه من شأن بِشْر قالَ: إني لأَصْلِينَّك ـ وكَان قاضيًا - فَفَرَّ
المَرِيسي خائفًا، ثُم رَجَعَ بعد وفاته. أما ضِرارًا فلا أَعْرف مَنْ هو.
والحاصل: إِنه لم يثبتْ عندي ما نسبُوه إلى المعتزلةِ. أما أهلُ السُّنة والجماعةِ فلهم فيه
قولان: قيل: العذاب بالرُّوح فقط. وقيل: بالروح والجسدِ معًا. ومالٍ إلى الأَوَّل الحافظ ابنُ
القيِّم رحمه الله تعالى. والأقرب عندي هو الثاني وذهب الصوفيةُ إلى أَنَّه على الجسد المثالي،
وهو أكثف من عالم الأرواح، وألطفُ من عالم الأجساد.
فالحاصل: أن شيئًا من العذاب يَبْدأ من القبر، ثم يَتِم العذابُ عند دخوله في جهنّم، كما
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. قال الشيخ الأكبر
رحمه الله تعالى: إنَّ آلَ فرعونَ غيرُ فرعونَ. والأَمْرُ بإِدخال النارِ للآلِ دونَ فِرْعونَ. قلت: صنیعُ

٧٩
كتاب الجنائز
القرآن أنه يَذْكُر الآلَ ويريد مع ما أُضِيف إليه اختصارًا. وكان في الأصل هكذا. أدخلوا فرعونَ
وآَلَه أشدَّ العذاب، فلفَّهما في لفظ واحدٍ وقال: ((آل فرعون»، فافهم.
قوله: ((غدوًا وعشيًا)) وهذا في القبر.
٨٧ - بابُ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ
١٣٧٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَّ عَوْنُ بْنُ
أَبِي جُحَيفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عازِبٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قالَ: خَرَجَ
النَّبِيُّنَّهِ وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا، فَقَالَ: ((يَهُودُ تُعَذَّبُ في قُبُورِهَا)). وَقَالَ
النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا عَوْنٌ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِّ ◌َ .
١٣٧٦ - حدّثنا مُعَلَّى: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ، عَنْ مُوسِى بْنِ عُقْبَةَ قالَ: حَدَّثَتْنِي ابْنَةُ خالِدِ بْنِ
سَعِيدِ بْنِ العَاصِ: أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ◌َّهِ وَهُوَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. [الحديث ١٣٧٦ - طرفه
في: ٦٣٦٤].
١٣٧٧ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يَدْعُو: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ
القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ الَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ)).
قوله: (ومن فِتْنِةِ المَسِيحِ الذَّجَّال) وفي ((البدور السافرة) مرفوعًا أَنَّ مَنْ كان دَخَل في قَتْل
عثمانَ فإِنَّه يؤمنُ بالدجال فيَ قبره. ولو صحَّ عند المحدثين لِدلَّ على أنَّ أَثرَ فتنةِ الدجال يَبْلغ
إلى القبور أيضًا. وحينئذٍ تَظْهَرُ للتعوُّذِ منه نكتةٌ أخرى. ثُمَّ إِنَّ هذا الابتلاء إنما يكونُ من آثارِ
معاصيه التي اقترفها في الدنيا .
٨٨ - بابُ عَذَابِ القَبْرِ مِنَ الغِيبَةِ وَالبَوْلِ
١٣٧٨ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَن الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاؤُسٍ: قالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَرَّ النَّبِيُّ نَّهِ عَلَى قَبْرَينِ، فَقَالَ: ((إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبانِ
في كَبِيرٍ)). ثُمَّ قالَ: ((بَلَى، أَمَّا أَحَدُهُما فَكَانَ يَسْعىَ بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الآخرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ
مِنْ بَوْلِهِ)). قالَ: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَظْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَينٍ ثُمْ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُما عَلى قَبْرِ، ثُم
قَالَ: ((لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا ما لَمْ يَيْبَسَا)). [طرفه في: ٢١٦].
٨٩ - باب الْمَيِّتِ يُعْرَضُ عَلَيهِ مَفْعَدُهُ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ
١٣٧٩ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قالَ: حَدَّثَنِيِ مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ سِّ قالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا ماتَ، عُرِضَ عَلَيْهِ مَفْعَدُهُ بِالغَدَاةِ

٨٠
كتاب الجنائز
وَالعَشِيِّ، إِنْ كانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أهلِ النارِ
فَيُقَالُ: هذا مَفْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). [الحديث ١٣٧٩ - طرفاه في: ٣٢٤٠، ٦٥١٥].
٩٠ - بابُ كَلاَمِ المَيِّتِ عَلَى الجَنَازَة
١٣٨٠ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا
سَعِيدِ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بِ: ((إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ، فَاحْتَمَلَهَا
الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كانَتْ صَالِحَةً قالتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وَإِنْ كانَتْ غَيرَ
صَالِحَةٍ، قَالَتْ يَا وَيَلَهَا، أَينَ يَذْهَبُوُنَ بِهَا، يَسْمَعُ صَّوْتَهَا كُلُّ شَيءٍ إِلَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ
سَمِعَهَا الإِنْسانُ لَصَعِقَ)). [طرفه في: ١٣١٤].
أي التابوتِ.
٩١ - بابُ ما قِيلَ في أَوْلاَدِ المُسْلِمِينَ
قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِّ وََّ: ((مَنْ ماتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا
الحِنْثَ، كانَ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ، أَوْ دَخَلَ الجَنَّةَ)).
١٣٨١ - حدّثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيبٍ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((ما مِنَ النَّاسِ مُسَلِمٌ يَمُوتُ لَهُ
ثَلَاثَةٌ مِنَ الَوَّلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلَّا أَذْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ)). [طرفه في:
١٢٤٨].
١٣٨٢ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّهُ سَمِعَ البَرَاءَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا في
الجَنَّةِ)). [الحديث ١٣٨٢ - طرفاه في: ٣٢٥٥، ٦١٩٥].
وانعقد الإِجماع على نجاةٍ أولادِ المسلمين. وقال مولانا النانوتوي رحمه الله تعالى: إن
مُقتضَى الأدلةِ التوقُّفُ فيهم أيضًا. أَمَّا أولادُ المشركين فتوقّف فيهم أبو حنيفةَ رحمه الله تعالى.
وصرَّح النَّسفيُّ في ((الكافي)): أن المرادَ منه نجاةُ بَعْضِهم وهلاكُ بَعْضِهم لا عدمُ العِلْم. وهو
مذهبُ مالِك كما صرَّح بهِ أبو عمرو في ((التمهيد)). وهو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى كما
صرح به الحافظ. وعن أحمد رحمه الله تعالى فيه روايتان: إحداهما بالتوقف على وَفْق
الآخرين، والأُخرى بالنجاةِ. واختار الثانيةَ ابنُ القيِّم رحمه الله تعالى في ((شفاء العليل)).
وسيجيء تفصيلُ المذاهب في الباب التالي.
٩٢ - باب ما قِيلَ في أَوْلاَدِ المُشْرِكِينَ
١٣٨٣ - حدّثنا حِبَّانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ