النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب الجنائز
عليه بالصحة، ولم يَرَ أنها تخالِفُ صحيح البخاري، ومحملها أن الراوي تسامح فيها، فَعَدَّ
مجموعَ الثياب التي أُتِي بها لِكَفَنِهِ وَهِرَ وإنْ كان كُفِّن في بعضها. ففي الروايات(١): أنهم أتوا
بِحُلَّة ليُكَفَّنَ فيها، فلم يناسِبْها الصحابة. وكذا في الرواية: أَنَّ مولاه شقران قد كان ألقى قطيفته
تحته لل على غفلة من الصحابة رضي الله عنه، فلما استشعروا بها أمروا بها فأُخْرِجت، وقيل:
بقيت تحته ټٹ :
وأُلقِيتْ في قبره قَطِيفةٌ وقيل: أُخْرِجت وهذا أَثْبَتُ
وكذلك يمكن أنْ يكونوا أَتَوا بقميصٍ فلم يناسبوه أيضًا. ومن ههنا اختلف في التعبير،
فمن نظر إلى الأثواب التي جيء بها للكفنَ عَدَّها سبعًا، كما في ((الكنز)). ومَنْ نظر إلى الأثوابِ
التي كُفِّن النبيَّ ◌ََّ فيها عَدَّها ثلاثًا، كما في البخاري، وتلك أنظارٌ تَصِحُ كلَّهَا .
فائدة :
واعلم أنَّ الرافضي عند علماء الجرح والتعديل، مَنْ سَبَّ الصحابةَ رضي الله عنهم، ومَنْ
كان حُبُّه مع أهل البيت أَزْيَدَ كان يُسمُّونَه شِيعيًّا، ولم يكن العرف عندهم كما شاع الآن، فإنَّ
الشيعيّ والرافضي عندنا واحد. فإذا ظهر عندهم من حال أحد أن وجهته إلى أهل البيت رموه
بالشِّيعية وغيرها، وليس بشيءٍ فإِنَّا إذا فتشنا عن حاله لا نجده إلَّا نَاصِحًا لله ولرسوله، فليتنبه.
ولا ينبغي أن يتأثر من جرحهم إذا ثبت عنده حال رجل بخصوصه من عِلْمه ودِينه، كأبي حنيفة
ومحمد رحمهما الله تعالى، فإنه قد بلغ عندنا عِلْمُه وحالُهُ على ضوء الشمس في رابعةِ النهار،
واختبرناه بكل ما يمكن، فما وجدناه إلا تِبْرًا أحمر، فلا نتأثر فيه بما قيل. وقال: نعم مَنْ لم
يبلغ عندنا حالُهُ وَفَضْله إلا جمليًا، فلا سبيل لنا إليه إلا بالاعتماد على ما قالوا: ولا يحسبن
جاهلٌ أو متجاهل أني أُهْدِر علمَ الجرح والتعديل، أو استخفُّ به، فإنه هو المحك. ولكن أُنبِّه
الممارِسَ المزاولَ للفن، فإنه يَمُرُّ عليه مِثْلُ ذلك كثيرًا، فيرى من رجالِ البخاري منْ لم يخلصوا
من الجرح. ثُمَّ يقلق في مكانه، وتضطرب نَفْسُهُ. أليس قد أقرَّ الحافظ رحمه الله تعالى أن
التعصُّب بالمذاهب أيضًا دخل في هذا الباب؟ ثُمَّ الناس أيضًا على أنحاء: بين شديدٍ ولين، فلا
سبيلَ إلى الفصل إلا التجربة والممارسة والتفطن لما قالوا، والتنبه على ما فعلوا، وذلك كله
للمشتَغِل العاني دون المستريح المجاني، فإنه ليس له إلا الاتباع، ولا عبرة برأيه في هذا
الباب، بل لا حَقَّ له أصلًا فاحفظه.
وسائرُ الرّوايات مُضطرب. وقد صَحَّ عن عائشة رضي الله عنها أنه بعد ما حول تكفينه في الجِبّرة، نزعت، وفي
=
((الصحيح)): أَنَّ الأَثوابَ كانت من كُرْسُف. اهـ. قلت: ولعلك عَلِمت منه أن كَوْنَ القميصِ الذي مات فيه رسولُ
اللَّهِ مَّلِّ مِن كَفَنِهِ ليس ببعيد، فإِنَّ له رواية أيضًا وإنْ لم تكن قويةً.
(١) فعند ابن ماجه في حديث فقيل لعائشة رضي الله عنها: أنهم كانوا يَزْعَمُون أنه قد كان كُفُّن في حِبَرَة، فقالت
عائشةُ رضي الله عنها: قد جاؤوا بِيُرْد حِبَرة فلم يكفنوه. اهـ وهو عند الترمذي أيضًا.

٢٢
كتاب الجنائز
٢٤ - بابُ الكَفَنِ وَلاَ عِمَامَةٌ
١٢٧٣ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَني مالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نََّ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيسَ فِيهَا
قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. [طرفه في: ١٢٦٤].
خالفَ فيهِ مالكاً رحمهُ اللَّهُ ونفَى العمامة.
٢٥ - بابُ الكَثَنِ مِنْ جَمِيعِ المَالِ
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعِمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَقَتَادَةُ. وَقالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: الحَنُوطُ
مِنْ جَمِيعِ المَالِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يُبْدَأْ بِالكَفَنِ، ثُمَّ بِالدَّينِ، ثُمَّ بِالوَصِيَّةِ، وَقَالَ سُفْيَانُ: أَجْرُ
القَّبْرِ وَالغُسْلِ هُوَ مِنَ الكَفَنِ .
١٢٧٤ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ المَكِّيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ
أَبِيهِ، قالَ: أُتِيَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمًا بِطَعَامِهِ، فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ
عُمَيرٍ، وَكَانَ خَيْرًا مِنّي، فَلَمَّ يُوجَدْ لَهُ ما يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّ بُرْدَةٌ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ، أَوْ رَجُلٌ آخَرُ،
خَيرٌ مِنِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ ما يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّ بُرْدَةٌ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا
في حَيَاتِنَا الدُّنْيا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي. [الحديث ١٢٧٤ - طرفاه في: ١٢٧٥، ٤٠٤٥].
٢٦ - بابٌ إِذَا لَمْ يُوجَدْ إِلاَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ
١٢٧٥ - حدّثنا محمد بْنُ مُقَاتِل: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِطَعَامِ، وَكانَ
صَائِمًا، فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيرٍ، وَهُوَ خَيرٌ مِنِّي، كُفِّنَ في بُرْدَةٍ: إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ
رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطَِّ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ. وَأُرَاهُ قالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ، وَهُوَ خَيرٌ مِنِّي، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ
الدُّنْيَا ما بُسِطَ، أَوْ قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا ما أُعْطِينَا، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ
لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ. [طرفه في : ١٢٧٤].
وهو كَفَنُ ضرورة، وهو بما قدر، فإن لم يوجد إلَّا رِدَاء، إن غطى به الرأس انكشفت
الأقدام، وإن غُطّيت الأقدام انكشفت الرأس، ينبغي أن يُعطى الرأسُ ويجعل على قدميه الإِذْخِر،
كما في الباب الآتي.
٢٧ - بابٌ إِذَا لَمْ يَجِدْ كَفَنَا،
إِلاَّ ما يُؤَارِي رَأْسَهُ أَوْ قَدَمَيهِ، غُطِّي بِهِ رَأْسُهُ
١٢٧٦ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: حَدَّثَنَا
شَقِيقٌ: حَدَّثَنَا خَبَّابٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َّ نَلتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ

٢٣
كتاب الجنائز
أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلٍ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيرٍ، وَمِنَّا مَنْ
أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ، فَهُوَ يَهْدِبُهَا، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ ما نُكَفِّنُهُ إِلَّا بُرْدَةً، إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا
رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ◌َلِ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ،
وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيهِ مِنَ الإِذْخِرِ. [الحديث ١٢٧٦ - أطرافه في: ٣٨٩٧، ٣٩١٣، ٣٩١٤، ٤٠٤٧،
٤٠٨٢، ٦٤٣٢، ٦٤٤٨].
٢٨ - بابُ مَنِ اسْتَعَذَّ الكَفَنَ في زَمَنِ النَّبِيِّ وَِّ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيهِ
١٢٧٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبي حازِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ امْرَأَةً جاءَتِ النَّبِيَّ ◌ِّهِ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ، فِيهَا حَاشِيَتُهَا، أَتَدْرُونَ ماً
البُرْدَةُ؟ قالُوا: الشَّمْلَةُ، قالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا
النَّبِيُّ وَّهِ مُخْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ فَقَالَ: اْسُنِيهَا، ما
أَحْسَنَهَا، قَالَ القَوْمُ: ما أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ ◌َلَهِ مُحْتَاجًا إِلَيهَا، ثُمَّ سَأَلتَهُ، وَعَلِمْتَ أَنَّه
لَا يَرُدُّ! قالَ: إِنِّي وَاللَّهِ، ما سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهَا، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي. قَالَ سَهْلٌ: فَكانَتْ
كَفَنَهُ. [الحديث ١٢٧٧ - طرفاه في: ٢٠٩٣، ٥٨١٠، ٦٠٣٦].
٢٩ - بابُ اتَّبَاعِ النِّسَاءِ الجَنَائِزْ
١٢٧٨ - حدّثنا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خالِدٍ، عَنْ أُمِّ الهُذَيلِ، عَنْ أُمِّ
عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَّتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. [طرفه في: ٣١٣].
١٢٧٨ - قوله: (نُهِيْنَا عن اتِّباع الجنائز، ولم يُعْزَم علينا) ... إلخ. كيف أشارت إلى
المراتب في النهي، فدلت على أنه ليس بنهي عَزْم وإن كان مطلوبًا، وتلك المراتب لا يُدْرِكُهَا
العلماء، ومنهم مَنْ لا يكاد يفهمه، فسبحانَ اللَّهِ ما أعلم وأَزكى نساء زمانه بَّهِ، حيث سبقوا
على أُولي العِلْم ببركة صُحبة نبيِّنَا وَلِ.
تنبيه: قد سبق معنا فيما مرَّ أنَّ لَفْظَ الاتباع بمادتِه أَقْرَبُ إلى الحنفية، وأَعْدَلُ الأقوال
عندي أن لا يُؤخذ بالألفاظ بتلك الشدة. فإنَّ رعايةً الحقيقة والأَخْذَ بها بهذه المثابةِ، إنما يليقُ
بِشَأْنِ القرآن العزيز، فلا ينبغي الجمودُ عليه في باب الأحاديث، ولا تُبنى عليه المسائل فإن
الاتباع في العُرف يُستعمل في الأمور الحِسيّة والمعنوية كليهما. ويطلق على المشي مع أحدٍ
مطلقًا، تقدم أو تأخر. وحينئذٍ لا يكون لفظُ الاتِّباع دليلًا لنا وإن صَلَح لغةً.
قوله: وفيها روايتانِ عن إمَامِنا نقلهما الشَّامي: الأُولى إجازتُهَا للرِّجَال فقط، والأخرى
الإجازةُ مطلقًا. والمختار عندي الجَمْع بينهما على أنهما ليستا روايتين عن الإمام رحمه الله،
بل هما وجهتين لروايةٍ واحدةٍ في الحقيقة، فظنَّ أنهما روايتان مستقلتان. ولذا تصدَّى الشامي
إلى الترجيح. والأمر عندي أن تقسم على التارات والحالات، فإن كانت صابرةً لا يُخْشى

٢٤
كتاب الجنائز
منها الجزع وهَتْك الحدود جاز لها أن تَخْرُج، وإلَّا لا. بقي السَّفَر إلى المزارات والمقابر
كيف هو؟ أقول: يجوزُ للمقابر المُلْحَقة بالإجماع. وتُستحب زيارةُ النبي ◌ََّ بالتواتر. وأمَّا ما
سواها من المقابر فلا نَقْل لَهَا عندي من الأئمة، نعم نُقولُ من المشايخ، فلذا أَكُفُّ عنه
اللِّسَانَ.
٣٠ - بابُ حَدِّ المَرْأَةِ عَلَى غَيرِ زَوْجِهَا
١٢٧٩ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلقَمَةَ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: تُؤُفِّيَ ابْنٌ لِأُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الثَّالِثُ، دَعَتْ
بِصُفْرَةٍ فَتَمَسَّحَتْ بِهِ، وَقَالَتْ: نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إِلَّا بِزَوْج. [طرفه في: ٣١٣].
١٢٨٠ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسى قالَ: أَخْبَرَنِي
حُمَيدُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةٍ أَبِي سَلَمَةَ قالَتْ: لَمَّا جاءَ نَعْيُ أَبِي سُفيَانَ مِنَ الشَّأُم، دَعَتْ
أُ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِصُفْرَةٍ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ، فَمَسَحَتْ عارِضَيْهَا وَذِرَاعَيهَا، وَقَالَتْ:
إِنِّي ◌ُنْتُ عَنْ هذا لَغَنِيَّةٌ، لَوْلَا أَنِّي سَمِغَتُ النَّبِيَّ ◌َ يَقُولُ: ((لَا يَحِلُّ لإِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
وَعَشْرًا)). [الحديث ١٢٨٠ - أطرافه في: ١٢٨١، ٥٣٣٤، ٥٣٣٩، ٥٣٤٥].
١٢٨١ - حدّثنا إِسْماعِيلُ: حَدَّثَنِي مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ
عَمْرِو بْنِ حَزْمِ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: دَخَلتُ عَلَىَ
أُمِّ خَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وََّ، فَقَّالَتَّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ يَقُولُ: ((لَا يَحِلُّ لإِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)).
[طرفه في: ١٢٨٠].
١٢٨٢ - ثُمَّ دَخَلتُ عَلَى زَينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ
فَمَسَّتْ، ثُمَّ قالَتْ: ما لِيٍ بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَّلَ عَلَى الْمِنْبَرِ:
((لَا يَحِلُّ لإِمْرَأَةٍ تُؤْمِن بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِ أَرْبَعَةَ
أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)). [الحديث ١٢٨٢ - طرفَه في: ٥٣٣٥].
واعلم أن الإحداد بالموتِ متفقٌ عليه عند جميع الأئمة، أما في الطّلاق فهو عند الحنفية
فقط، وهو مختار النَّخَعِي أيضًا. وهذا النَّخَعي من أساتذةِ إمَامِنَا رحمهما الله. ثُمَّ إنَّه يجِب لحقّ
الزَّوْج، ويجوز لغيره أيضًا ثلاثة أيام عند محمد رحمه الله وعليه الاعتماد عندي، وإن كان في
الكُتُب عدمُ الجواز.
واعلم أن هناك فائدة ينبغي أن تحفظَها ولا تَنْسَها، وهي أن الفقيه الغَيْرَ المُحَدِّث إذا رأى
في الفِقْه سكوتًا عن أمرٍ ربما يَحْمِله على النَّفي فيصرِّح به، فيجيء المتأخِّرُ ويظن أنه منقولٌ عن
أئمتنا فيتضرر به، فإنه قد يخالِفُ صريحَ القرآن. فيجب على الفقيه أن يشتغل بالحديث والقرآنِ

٢٥
كتاب الجنائز
أيضًا لتبقى مراعاتُهُما بمرأى عينيه. ومَنْ لا يشتغلُ بالحديث فإنه لا يحصلُ له علم بكثيرٍ من
المسائل التي تتعرض لها الأحاديث ولم يتعرض لها فقهاؤنا، وذلك لعدم كونها من موضوع
فَنِّهِم. وقد مرَّ معنا التنبيه في الأوائل أن التقليدَ لا يحكم إلا بعد النظر إلى الأحاديث. وكذا
الأحاديث لا يستقِرُّ مرادُهَا عندنا إلا بعد النَّطر إلى أقوال السَّلَفِ، فمن أراد أن يحصلَ له عِلْمُ
السَّلَف فليَجْمَعِ بين الأَمْرَين.
١٢٧٠ - قوله: (جَاء نَعْيُ أبي سُفْيَانَ) وهو والدُ أُمِّ حبيبة.
قوله: (حينَ تُوفِي أَخُوها) قال الحافظ رحمه الله: إنَّ الذي مات بالحبشةِ مات على
النصرانية فلا معنى للإِحداد عليه، والآخَرُ بقي بعدها حَيًّا، فعلى مَنْ كانت تحد. ثُم أجاب مِنْ
عنده: أن الذي أرادَتْ عليه الإِحْدادِ هو الذي مات على النَّصْرَانية، ولا بأس به فإنَّه أُمْرٌ فِظْريّ.
أقول: ولا تَعَرُّضَ إليه لعدم بناءِ مسألة عليها، نعم مَنْ أَراد أن يضعَ شَرْحًا على البخاري فعليه
أن يدخلَ في تلك المباحث.
٣١ - بابُ زِيارَةِ القُبُورِ
١٢٨٣ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌َلَهَ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: ((اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي)). قالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي،
فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفُهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ◌َ، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ ◌ِهِ، فَلَمْ
تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَغْرِفِكَ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى)). [الحديث
١٢٨٣ - أطرافه في: ١٢٥٢، ١٣٠٢، ٧١٥٤].
٣٢ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ نَّ: ((يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيهِ))
إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُوَأْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َلِ: «كُلَّكُمْ رَاعٍ
وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)). فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ، فَهُوَ كما قالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: ﴿وَلََّ
تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ - ذُنُوبًا إِلَى ﴿حَمْلِهَا لَا
يُحْمَلِ مِنْهُ شَيءٌ﴾ [فاطر: ١٨]، وَما يُرَخَّصُ مِنَ البُكاءِ في غَيرِ نَوْحِ. وَقالَ النَّبِيُّ ◌َّ: (لَا
تُقْتَلُ نَفسٌ ظُلْمًا إِلَّا كانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا)). وُذلِكَ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ
القَتْلَ.
١٢٨٤ - حدّثنا عَبْدَانُ وَمُحَمَّدٌ قالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا عاصِمُ بْنُ سُلَيمَانَ،
عَنْ أَبِيِ عُثْمانَ قالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَهُ النَّبِيِّ ◌َِ
إِلَيهِ: إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَائْتِنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِىءُ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: ((إِنَّ لِلَّهِ ما أَخَذَ وَلَّهُ ما
أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلِ مُسَمَّى، فَلْتَصْبِرْ وَلَتَحْتَسِبْ)). فَأَرْسَلَتْ إِلَيهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا،

٢٦
كتاب الجنائز
فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجالٌ، فَرُفِعَ
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ نَّ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقٌّعُ، قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قالَ: كَأَنَّهَا شَرٌّ، فَفَاضَتْ
عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ما هذا؟ فَقَالَ: ((هذهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ في قُلُوبٍ
عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)). [الحديث ١٢٨٤ - أطرافه في: ٥٦٥٥، ٦٦٠٢، ٦٦٥٥،
٧٣٧٧، ٧٤٤٨] .
١٢٨٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عامِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيحُ بْنُ سُلَيمانَ،
عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالُ: شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللّهِ وََّ،
قالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ وََّ جالِسَ عَلَى القَبْرِ، قالَ: فَرَأَيتُ عَيْنَيهِ تَدْمَعَانٍ، قَالَ: فقَالَ: ((هَل
مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟». فَقَالَ أَبُو طَلحَةَ: أَنَا، قالَ: ((فَانْزِل)). قالَ: فَنَزَلَ في
قَبْرِهَا. [الحديث ١٢٨٥ - طرفه في: ١٣٤٢].
١٢٨٦ - حدّثنا عَبْدَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيج قالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيكَةَ قالَ: تُؤُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّهُ بِمَكَّةَ، وَجِثْنَا لِنَشْهَدَهَا،
وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا، أَوْ قالَ: جَلَسْتُ
إِلَى أَحَدِهِمَا، ثُمَّ جاءَ الآخَرُ فُجَلَسَ إِلَى جَنْبِي، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا،
لِعَمْرِو بْنِ عُثْمانَ: أَلَا تَنْهِى عَنِ الْبُكاءِ؟ فإِنَّ رَسُولَ اللَّهِنَّهِ قالَ: ((إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءَ
أَهْلِهِ عَلَیهِ)).
١٢٨٧ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَدْ كانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ بَعْضَ
ذلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ فَقَالَ: صَدَرْثٌ مَعَ غُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَكَّةً، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، إِذَا
هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ، فَإِذَا
صُهَيَبٌ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيبٍ فَقُلتُ: ارْتَحِل، فَالحَقِ أَمِيرَ
المُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ، دَخَلَ صُهَيبٌ يَبْكِي، يَقُولُ:" وَاأَخَاهُ، وَاصَاحِبَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا صُهَيبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ تَّمَ: ((إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضٍ
بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ))؟ [الحديث ١٢٨٧ - طرفاه في: ١٢٩٠، ١٢٩٢].
١٢٨٨ - قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فَلَمَّا ماتَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ذَكَرْتُ
ذلِكَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا،َ فَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، واللَّهِ ما حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِنَّهِ: إِنَّ
اللَّهَ لَيُعَذِّبُ المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيهِ، لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِنَ ◌ّ قالَ: ((إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الكافِرَ عَذَابًا
بِبْكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)). وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ القُرْآنُ: ﴿وَلَا نَزْرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عِنْدَ ذلِكَ: وَاللَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى. قَالَ ابْنُ أَبِي
مُلَيكَةَ: واللَّهِ ما قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا شَيئًا. [الحديث ١٢٨٨ - طرفاه في: ١٢٨٩،
٣٩٧٨].

٢٧
كتاب الجنائز
١٢٨٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجَ
النَّبِيِّ ◌َةِ، تَقولُ: إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ فَلْ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا، فَقَالَ: ((إِنَّهُمْ
لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتْعَذَّبُ في قَبْرِهَا)) [طرفه في: ١٢٨٨].
١٢٩٠ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، وَهُوَ
الشَّيبَانِيُّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أُصِيبٌ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، جَعَلَ صُهَيبٌ
يَقُولُ: وَاأَخَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قالَ: ((إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكاءٍ
الحَيِّ)»؟ [طرفه في: ١٢٨٧].
واعلم أنَّ في مسألة البابِ خلافًا بين عائشةَ وابنِ عمر رضي الله عنهما. فقالت عائشةٌ
رضي الله عنها: إن الميت لا يعذب ببكاء الأهل، فإنه من فعلهم فلا تزره نفس الميت وابن عمر
رضي الله عنه يثبته. وأجابت عائشة رضي الله عنها عَمَّا رِواه ابنُ عمرَ رضي الله عنه، بأنه سها
فيه، فإنَّها كانت واقعة جزئيةً لا مرأة يهوديةٍ وكانت تُعذّب، فجعلها ابنُ عمرَ رضي الله عنه
ضابطةً كليةً للمسلمين وغيرهم. قال العلماء: إن تخطئتَها ليس بذاك، فإنَّه رواه غيرُهُ أيضًا فلا
يمكن الوَهْم من كُلُّهم. وقد ذكر العلماءُ للحديث سبعةً وجوه سَرَدَها الحافظ رحمه الله واختار
منها البخاريُّ رحمه الله: أن العذابَ فيما كان النَّوْحُ من سُنَّتِهِ، وأَمَّا إذا لم يكن مِنْ سُنَّته فإنَّه لا
يُعذّبُ.
وحاصِلُهُ: أنه قسم على الحالات، فجعل بَعْضَه حرامًا، وبعضَه جائزًا، والذي هو حرامٌ
هو أن يَرْضَى به الميتُ فيكون رضاؤه بالبكاءِ سببًا لعذَابِهِ. ولفظ ((البَعْض)) في الحديث أيضًا يَدُلُّ
على أن بَعْضَه جائزٌ كما سيجيء، واستدل عليه بآيةٍ وحديث.
وحاصله: أنَّ الإنسانَ مأمورٌ بإصلاح نَفْسه ورعيته، فيُؤاخَذُ بتركِ إصلاح نَفْسِهِ ورعيتِهِ معًا .
وأما إذا نهاهم عن البكاءِ ثُمَّ فعلوه بعد موته فله ضابطةٌ أُخْرَى، وهي كما ذكرت عائشةُ رضي الله
عنها. وهذا الذي عُني بالتقسيم على الأحوالِ. وتفصيلُهُ أَنَّ الشَّرْعَ كما يُؤاخِذ المباشِرَ كذلك قد
يؤاخذ المُسَبِّب أيضًا، وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزْرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ﴾ [الأنعام: ١٦٤] لا يُخَالِفِ أَخْذَ
المسبِّب فإنَّ التسبيبَ أيضًا مِنْ فِعْلِهِ كالمباشَرَة، فلم يكن مِنْ وِزْرِ الآخَر بل وِزْر نَفْسِهِ والمرءُ
يُؤاخَذُ به لا محالة إلا أنَّ المُؤاخَذَةَ في المباشِر مطلقٌ، وفي مؤاخذة المسبِّب تفصيلٌ، وهو
الذي رُوعي في قوله ◌َِّ: ((لا تُقْتَلُ نَفْسٌ)) ... إلخ. ففيه المؤاخذةُ مِن المُسبِّب.
فإذا عَلِمت أَنَّ الشَرْعِ وَرَد بِأَخْذِ المباشِر والمُسَبِّب كِلَيْهِمَا فالطَّرْد على واحدٍ منها وتَرْك
الآخَرِ حَمَقٌ قَطْعًا. ولكن يجري في مِثْله التَّقْسِيم على الحالات. ولذا قلت فيما مَرَّ: إِنَّ الشَّرْعَ
نَصَب القواعِدَ، وقد يَصْدُق على جزئي واحدٍ قواعدُ شَتَّى وحينئذٍ يتعِسَّر إدخالُهُ في واحدٍ منها
وَتَرْك التجاذب، فيحتاجُ إلى النَّظر في أَنَّ هذا الجزئي بأيِّ القواعد أَقْرَب فيلحق بها، ويقسم
بينها. وهذا التقسيمُ الصحيحُ هو وظيفةُ المُجْتَهِد، وهو على نحو ما قال الدَّوَّاني: إنَّ أُلوفًا من

٢٨
كتاب الجنائز
الكلياتِ تَصْدُق في مَحَلِّ فيصيرُ مجموعُهَا جزئيًا .
والجواب الثاني: أن التعذيب عبارةٌ عن تعييرِهِ بما أَثْنُوا عليه بعدَهُ، كقول الملائكة لأبي
موسى الأشعري عند الترمذي: ((أهكذا كنت؟)) حين غُشِي عليه وناحَت عليه زَوْجَتُهُ. وأَرْجَحُ
الأجوبةِ عندي ما ذكره ابنُ حَزْم رحمه الله: إنَّ أهلَ الجاهليةِ كانوا يَذْكُرونَ في النياحةِ أفعالَ
الميت التي تكونُ مِنْ أَعْظَم الكبائرِ وموجِبات النار، نحو قولهم: إنَّك قاتَلْتَ فُلانًا فلم تَتْرُك
منهم أحدًا، وأَغَرْتَ على فَلانٍ إلى غير ذلك من الشائع. وكانوا يذكرونها افتخارًا وَمَدْحًا
للمَيِّت على ظَنِّهم الفاسدِ. وكانت تلك الأشياءُ كُلَّها من أفعالِ الميت، فكان العذابُ من أَجْل
أفعالِهَا لا من أجل البكاء. ويوضِّحُهُ ما عند المُصَنِّف رحمه الله في الصفحة الأخرى: إنَّ الميتَ
يُعذّبِ في قَبْره بِما نِيح عليه، وما نِيح هو معاصِيه بِعَيْنها التي اقترفها وليست مِنْ فِعْل غيره.
وهذا أَغْجَب الشُّروح إليّ.
١٢٨٤ - قوله: (فَلْتَصْبِر) وفي بعضِ الروايات: ((فلتصبري)) وفيه دليلٌ على أنَّ ((اللام)) قد
تَدْخُل على الأَمْر الحاضِر أيضًا، كما قالَه الكُوفيون خلافًا للبَضْرِيِّين.
قوله: (تُقْسِمُ عَلَيْهِ) وهو من باب إبرار المُقْسِم فلو كان من لفظها: أَنَّها تُقْسِم عليك أَنَّك
لتأتِيَنَّهَا، لا يكونُ واحِدٌ منهما حالِفًا. وإنْ كان: أني أحلِفُ أَنَّك لتأتيني، يصيرُ المتكلِّم به
حالِفًا، ويُستحب إبراره للآخَر. وترجمته في الهندية تقسم عليه آي (واسطه ديتي هين) قال
الحافظ رحمه الله تعالى: ثُمَّ بقي هذا الولد حيًّا إلى زمنٍ مع التصريح بدخولهِ في النَّزْع.
قلتُ: وينبغي أن يُعدَّ هذا من مُعجزاتِهِ وَّرَ. والعَجَب من السُّيوطي رحمه الله تعالى أنه
تَمسَّك فيه بروايةٍ تكاد تكونُ موضوعةً، ولو أتى بهذه لكان أحسن، نعم ينبغي للطبيبِ أن يَبْحَث
في أنه هل يمكنُ عَوْدُ الروحِ بعد الدخول في النَّزْع أم لا؟ فإن أُمكن فلا يخلو إما أنَ يَطَّرد ذلك
أو لا. وعلى الثاني تكونُ معجزةً، وعلى الأول لا تكون معجزةً لدخوله تحتَ الضابطةِ الطبية.
وأما إذا كان لا يمكنُ العَوْدُ أصلًا فهو معجزةٌ مُظْلقًا. والذي يظهر من كُتب الطبِّ أن الطّبْع إذا
صار مغلوبًا في البحران يرجِعُ إلى القلبِ كليلًا، فإذا رجع إليه قَوِي لكونِ القَلْب مَعْدَن الحياة
فيكتسب منه قوةً وجعل يدافِعُ المرضَ حتى يدفَعَه. فهذا يدلُّ على أن العوْدَ بعد النَّزْعِ ممكنٌ وإن
لم يكن مُطَّرِدًا فيكونُ معجزةً في هذه المادة. وقد قال لي بعضُ أقاربي: إني دخلت في النَّزْع
مرةً، فرأيتُ أن شيئًا ينزع من قدمي، فإذا بلَغ إلى السُّرّةِ تَفَلَّت وبلغ إلى مَوْضِعه كالبرق، ولم
أزل أَحُسُّ كذلك حتى بَقِيتُ حيًّا .
١٢٨٥ - قوله: (لَمْ يُقَارِف) والمقارفة الإتيان بما لا ينبغي (ناشايان كام). قال الشارحون
رحِمهم الله تعالى: إنَّ عثمانَ رضي الله عنه كان قد جامع بَعْضَ جِوارِيه في تلك الليلة وله العُذْر
أيضًا، فإنَّ مَرَضَها لما طال وتمادَى ولم يكن يخطر بِبَالِهِ أنها تُتُوفَّى في هذه الليلة اشتغل بِمِثْلِهِ،
ولكنَّه لما كان مُشْعِرًا بِغَفْلَتِهِ في عدم إقامته بحقِّ التمريض أظهر عنه المَلالَ. ونقل الحافظ
رحمه الله تعالى في تفسيره عن الطحاوي: لم يُقاول الليلةَ ثُمَّ رَدَّ علیه.
قلتُ: ليس مَا ذَكَرِه الطحاوي روايته ولا بَدلًا عن اللفظ، بل أراد الطحاويُّ رحمه الله

٢٩
كتاب الجنائز
تعالى بيانَ المراد. وحاصله: أن تلك الواقعةَ لما لم تَثْبُت بالروايةِ فلا حاجةً إلى التزامها .
ويمكن أن يكونَ اشتغل بالتحديث والمقاولةِ مع كونه لا ينبغي له في مِثْل هذا الأوان، فَكَرِهَهُ
النبيُّ بِّه. نعم لو ثَبت في رواية أنه كان جَامع لكان لالتزامِه وَجْه. أمَّا إذا لم يَثْبُت فلا حاجةً
لنا إلى تقديرِهَا مِنْ أجل لَفْظ المقَارَفة هكذا يعلم بالمراجعة إلى مُشْكِله (١).
(١) قلت: قال علي القاري في ((شرح الشمائل)) في ((جامع الأصول)): لم يقارف أي لم يُذْنب ذنبًا. ويجوز أن يراد
الجِماع فكنَّى عنه. وقيل: هو المعني في الحديث. ويؤيدُه ما في ((النهاية)): قَارَف الذنب إذا داناه، وقارف
امرأته إذا جامعها. ومنه الحديث في دَفْن أُم كُلثوم: ((منْ كان مِنْكم لم يقارف أهلَه الليلةَ فليدخل قبرَها)).
والحاصل: أن قوله: ((لم يقارف)) بالقاف والراء والفاء من المقارَفة على صيغة المَبْنِي للفاعل، وأنَّ المفعول هنا
محذوفٌ وهو الذنب، أو امرأته وأهله، وقد زاد ابنُ المبارك عن فُلَيح: أراه يعني الذنب. ذكره البخاريُّ تعليقًا .
ووصله الإِسماعيلي. وحُكي عن الطحاوي أنه قال: لم يقارِف تصحيفٌ، والصواب لم يقاول، أي لم ينازع غيرَه
في الكلام لأنهم يكرهون الكلامَ بعد العشاء. كذا ذكره العسقلاني. انتهى ما ذكره القاري.
ثم في شَرْحها للمحدِّث عبد الرؤوف المُنَاوي:
وزَعْمُ الطحاوي: أن يقارف معناه لم ينازع غيرَه في الكلام لكراهة الكلام بعد العشاء بعيدٌ متكلّف. وما تقرر مِنْ أن
معنى يقارِف يجامع هو ما في ((النهاية))، وتبعوه، لكن في ((جامع الأصول)) أن معناه يُذْنب. وهو ما رواه البخاري
عن ابن المبارك عن فُلَيح تعليقًا، ووصله الإسماعيلي. ورواه أحمدُ عن شُرَيح بن النعمان عن فُلَيح أيضًا. ويرجّح
الأَول روايةُ البخاري أيضًا في «تاريخه الأَوسط))، والحاكم: ((لا يدخل القبرَ أحدٌ قارَف أهلَه البارحة)». فتنحى
عثمان، على أن تَغوى أن معناه لم يقارف ذنبًا في غاية البعد إذ لا وَجْه لتخصيصه بالليلة، وقد قال ابن حَزْم:
معاذ الله أن يتبجح أبو طلحة عند المصطفى بأنه لم يذنب، نعم ما عُزي لعثمان ظاهر إن صحَّ ذلك عنه، وإلاَّ فَوَجْه
المنع أن الحديث العهد بالجماع قد يتذكّر ذلك فيذهل عما يُطلب من الإلحاد وأحكامه. انتهى. وفي ((عمدة
القاري)»: ((حُكي عن الطحاوي أنه قال: لم يقارِف تصحيف، والصواب لم يقاول، أي لم ينازع غيرَه الكلام، لأنهم
کانوا یکرهون الحديث بعد العشاء. اهـ.
قلت: وقد راجعت ((مُشْكِل الآثار)» للطحاوي فلم أجد فيه دَغْوى التصحيف كما يُحكى عنه. غير أني ما تفقهت
كلامه فأنا آتيك أولًا بعبارته من مُشْكِله لتفكر فيها، ثُم من عبارة ((المعتصر)) للقاضي أبي المحاسن يوسف بن
موسى الحنفي لتستعين بها على فَهْم كلام الطحاوي، ثُم أذكر لك بعض ما فهمت من كلامه، قال الطحاوي
فوجدنا المقارَفة قد تكون من المقاولة، وقد تكون من غيرها من الإصابة، واستحال عندنا أن يكون أراد بذلك
الإِصابة، لأنها مَنْ يصيبها مِنْ أهله غيرُ مذمومة. وقد تكون مِن المقاولة مذمومة، وكان الذين كان إليهم مرمة
قَبْرها وإدخالها فيه من ذوي أرحامِها المحرمات، ولا نعلم كان منهم حينئذٍ حاضرُ غير رسولِ اللهِ بَلَّه لأنه
أبوها، وغير عمه العباس بن عبد المطلب، وغير مَنْ كان يمسها منه رحم محرم من قِبَل أمها وهو أخوها لأمها
هند بن أبي هالة التميمي، ومَنْ عسى أن يكون بينهما وبينه حُرْمةٌ برضاع. فكان هؤلاء أولى الناسٍ بإِدخالها
قبرَها، واحتمل أن يكون فيهم سوى رسولِ الله ◌َّ مَنْ كان بينه وبين أهله مقارَفة لم يحمدها رسولُ الله ◌َّ فلم
يحب لذلك أن يتولى من ابنته إلا مَنْ لم يكن ذلك منه إلخ. وفي ((المعتصر)) في إلحاد المرأة في باب الجنائز.
قال: والمقارَفة قد تكون من المقاولة المذمومة، وقد تكون من غيرها من الإصابة، واستحال الثاني لأن إصابة
الرجل أهلَه غيرُ مذمومة، فيحتمل أنه وَلَ عَلِمِ ممن كان يصحُّ له دخولُ قبرها مِن ذوي محارمها أنه جرى بينه وبين
زوجته في تلك الليلة مقارفَة من القول مذمومة فكره أن يتولى إدخالَ ابنته في قبرها، وأما ما فيه مِن قول الراوي
فلم يدخل زوجها. يعني قبرها، فإِن ذلك حَمَله قومٌ على أنه يحتمل أنه كان بينه وبينها قبل وفاتها في تلك الليلة
هذه المقارفة. وهم الذين يذهبون إلى أنَّ للزوج غَسْلَ زوجته بعد وفاتها وإدخالها قبرها، ومذهبُنا أنه لا يغسلها =

٣٠
كتاب الجنائز
مسألة
يجوزُ للأجانب إنزالُ الميتِ في القبر عند الحاجة، وإن كان الأَوْلَى هو الزَّوْج والأقارب.
قوله: (قد كان عُمرُ رضي اللَّهُ عنه يقولُ بَعْضَ ذلك) وكأنَّ ابنَ عباس رضي الله عنه لم
يُسَلِّم عذابَ الميتِ بِيُكَاءِ الحيِّ.
قوله: (صَدَرْتُ مَعَ عمرَ رضي اللهُ عنه) وهذا آخِرُ حجة، ثم استُشْهِد بَعْدَهُ.
قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَيزيدُ الكافِرَ عذابًا) ... إلخ. وهذا مضمونٌ آخَرُ غير ما مرَّ. وفيه: أنَّ
العذابَ عليه من معاصيه، ولكنَّ اللَّهَ يزيدُهُ عذابًا من نياحَتِهم وقد أخَذَهُ القرآنُ أيضًا في مواضعَ.
ونَبَّه ابنُ المنير على أنَّ مِنْ سُنَّة اللَّهِ تعالى أن العبدَ إذا ازداد في الكفر يزادُ عليه بعضُ الكفر
نكالًا. ومنه قوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّأْ﴾ [البقرة: ١٠] فاقترفوا الكُفْرَ هؤلاء من عِنْد أَنْفُسِهم
فَعُوقِبُوا بِكُفْرٍ آخَرَ من عنده تعالى.
٣٣ - بابُ ما يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى المَيِّتِ
وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيمَانَ، ما لَمْ يَكُنْ نَفْعٌ أَوْ
لَقْلَقَةٌ. وَالنَّفْعُ: التُّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ، وَاللَّقْلَقَةُ: الصَّوْتُ.
١٢٩٩ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ المُغِيرَةِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َِ يَقُولُ: ((إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيسَ كَكَّذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ
لانقطاع ما كان بينهما في حياتها بوفاتها، ثم ذكر الجواب عما رُوي في أبي طلحةً أن النبيَّ ◌َّ أمره أن ينزل في
=
قبرها فقال: ((هذا مما يبعد، لأن أبا طلحة لم يكن من محارمها، اللهم إلا أن يكون لم يحضر قبرها حينئذٍ من
ذوي محارمها غيرُ رسول الله ◌َّ فاحتاج إلى معونته)). فاتسع له ما يتسع للأجنبي انتهى بتلخيص.
قلت: ولعله قسم المقاولةَ باعتبار الجنس، فإِنها إذا اشتملت على ما لا ينبغي تكون مذمومةً، بخلاف مقارَفة
الأهل فإِنَّها غيرُ مذمومة مطلقًا، وإِذَن حاصِله على مذهب الطحاوي رحمه الله تعالى أن النبيَّ ◌ٍَّلم يأمر أحدًا
مِمن حضر من ذوي محارمها، لأنه عَلِم من حالهم تلك المقارَفة، وأما زوجها فلم يكن له أن يدخل قبرها
لانقطاع الزوجية عنده فصار كالأجنبي وأما حاصله على مذهب غيره ممن لا يرون ذلك، فلعله عَلِم مِنْ حاله
أيضًا تلك المقاولة المذمومة فنهاه لذلك، وإِن جاز له إِدخالُها، لكنه أحبَّ لابنته أن يدخلها مَن يكون أبعدَ من
تلك المقارفة أيضًا. قلت: وسيجيء عن الشيخ رحمه الله تعالى في باب الدفن بالليل أن الشيخ رحمه الله تعالى
رَدَّ على مَنْ ظن انقطاع الزوجية بعد الوفاة، وها هو ذا قد صرَّح به الطحاوي رحمه الله تعالى. وكونه مذهبًا فلا
أدري ماذا أراد الشيخ رحمه الله تعالى. هل خالف الطحاوي رحمه الله تعالى في المسألة أم غَلِطت أنا في النقل
عنه، والله تعالى أعلم.
واعلم أن كلام الطحاوي المذكور ليس في معنى المقارفَة قصدًا، وإنما مرَّ عليه الطحاوي في ذيل الكلام،
وإنما مقصوده ههنا البحثُ عن إدخال الميت في القبر إذا كان امرأة: مَنْ يقدَّم فيه، ومَنْ يجوز له، ومَنْ لا يجوز؟
وذكر العيني رحمه الله تعالى عن بعضهم أنه إنما عيّن أبا طلحة لأن ينزل في القبر، لأن ذلك كان صنعتَه.
وفي ((الاستيعاب)) في ترجمة أُمِّ كلثوم: استأذَن أبو طلحة أن يَنْزل في قبرها فأذن له. ا هـ مختصرًا.

٣١
كتاب الجنائز
كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلَيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َُّ يَقُولُ: ((مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ
بِمَا نِیجَ عَلَیهِ)).
١٢٩٢ - حدّثنا عَبْدَانُ قالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
المُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَّا، عَنِ النَِّّ وَّه قالَ: ((المَيِّثُ يُعَذَّبُ في
قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ)). تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَىِ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بَنُ زُرَيع قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا
قَتَادَةُ. وَقَالَ آدَمُ، عَنْ شُعْبَةَ: ((المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِيُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ)). [طرفه في: ١٢٨٧].
((مِنْ)) ههنا أيضًا تبعيضيةٌ عندي، وذلك لأنه لا بد كون بَعْض مراتبِ النياحة تحت الجواز
وإن لم نَقْدِر على تحديدها، لما قد ثَبَت عن النبيِّ بَّهِ الإغماضُ عن بَعْضِهَا كنياحةٍ أُمِّ الأَخِ
لجابر رضي اللهُ عنه حين استُشهِد. وفي البخاري: أنَّ امرأةً بايعت النبيَّ ◌َّه وترخّصَت فيَ
النياحة مرةً قضاءً عَمَّا كانت عليها من نياحةٍ في الجاهليةِ. فأجاز لها النبيُّ نَّهِ. واضطَّرَبَ فيه
الشارحون، والصواب ما ذكره القرطبيُّ رحمه الله تعالى أنه لا بُدَّ مِنْ إقامةِ المراتب، والتحديد
يَتَعَسَّر في مسألة. ولذا صَرَّحِ السَّرَخْسِي رحمه الله تعالى: أنَّ المسألةَ فيه عندنا أن يُفوَّضَ إلى
رأي المُبْتَلَى به. لا أريدُ به فَتْحَ بابِ النياحة، ولكن أريدُ فيه المستثنياتِ.
ثم لا بدَّ مِنْ الفَرْق بين الإغماضِ والرضاء. فالذي أقول هو الإغماضُ في بعض الأحيان
مع إظهار عدم الرضاءِ منها، وهو الذي أرادَهُ النبيُّ نَّ في الباب الآتي فلم تبك، أو لا تبكي،
فما زالت الملائكةُ تُظِلُّه، ففيه عَدَمُ الرضاء مع الإِغْماض.
٣٤ - بابٌ
١٢٩٣ - حدّثنا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللّهِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ قالَ: سَمِعْتُ
جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ قَدْ مُثِّلَ بِهِ، حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ
يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ وَّةِ، وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبًا، فَذَهَبْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ، فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ
ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهَ فَرُفِعَ، فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ،
فَقَالَ: ((مَنْ هذهِ؟)) فَقَالُوا: ابْنَةُ عَمْرٍو، أَوْ: أُخْتُ عَمْرٍو، قالَ: ((فَلِمَ تَبْكِي؟ أَوْ: لَا تَبْكِي،
فَمَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ)). [طرفه في: ١٢٤٤].
وظنيٌّ أنَّ المصنّف رحمه الله تعالى يريدُ أن يشيرَ إلى المُسْتثنياتِ، إلّا أنَّه لم يتكلّم بها
لكونها غيرَ مُنضبطةٍ، فدلَّ على أن تَرْك الترجمةِ قد يكونُ لهذا المعنى أيضًا .
٣٥ - بابٌ لَيسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ
١٢٩٤ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ اليَامِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ◌َّه: ((لَيسَ مِنَّا مَنْ لَظَمَ الخُدُودَ،
وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعا بِدَغْوَى الجَاهِلِيَّةِ)). [الحديث ١٢٩٤ - أطرافه في: ١٢٩٧، ١٢٩٨، ٣٥١٩].

٣٢
كتاب الجنائز
ومعناه على المَشْهُور ليس على طريقتِنَا وسُنَّتِنَا. وكان سُفيانُ(١) الثوريُّ يمنع عن تأويلهِ
ويقول: إنَّ مِثْلَ هذا الحديث ينبغي أن يترك على ظاهرِهِ ولا يُؤوَّل، فإنَّه يخف منه الوعيد.
والمقصودُ زَجْرُ الناسِ عنه والتخفيفُ يَخُلُّ به .
٣٦ - بابٌ رَثَى النَّبِيُّ ◌َ لِّ سَعْدَ ابْنَ خَوْلَةَ
١٢٩٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عامِرِ بْنِ
سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانَ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ يَعُودُنِي عامَ حَجَّةٍ
الوَدَاعِ، مِنْ وَجَعِ اشْتَدَّ بِي، فَقُلتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي
إِلَّ ابْنَّةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَي مالِي؟ قالَ: ((لا)). فَقُلْتُ: بالشَّظَّرِ؟ فَقَالَ: ((لَا)). ثُمَّ قَالَ:
(«الثَّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ، أَوْ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عالَةً
يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَّةً تَبْتَغِيِ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى ما تَجْعَلُ فِي
فِي امْرَأَتِكَ)). فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفَ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: ((إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ
عَمَلًا صَالِحًا إِلَّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفِعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ
بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لكِنِ البَائِسُ
سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ)). يَرْنِي لَّهَ رَسُولُ اللّهِ وَّرِ أَنْ ماتَ بِمَّةَ. [طرفه في: ٥٦].
١٢٩٥ - قوله: (عَامِ حَجَّةِ الوَدَاعِ) ويقول بعضُهُم عامَ الفَتْح، فهو مِن اختلافِ الرواة.
قوله: (يَتَكَفَّفُونَ) (اته يسارين).
قوله: (إلَّا أُجِرْتَ بِهَا) وترشَّحَ منه أنه لَعله تَطُولُ حياتُهُ ولا يموتُ في هذا المَرَضِ. ولذا
سأل عنه فقال: ((يا رسولَ الله أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟)) كأنه يستخبرُهُ عن حياته وموته، ولكنَّ
النبيَّ ◌َّ لم يجبه صراحةً. والمرادُ من التخليف على هذا التقدير بقاؤه وحياتُهُ. ويمكنُ أن
يكونَ مرادُهُ: أَنَّك تذهبُ إلى المدينةِ وأصحابُكَ معك ذاهبون، أفأَتخلَّفُ عنهم فلا أَقْدِرُ على
الذَّهَاب معك؟ فالتخليفُ إذن بمعنى بقائه بمكةً وعدم ذهابه معه. وكأنه يستخبرُه عن هجرتِهِ هل
تَتِمُّ أوَ لَا؟ فإنَّ الصحابةَ رضي الله تعالى عنهم كانوا يَعُدُّون الموتَ في غيرِ دَارِ هِجْرَتِهِم نَقْصًا .
ويؤيده قوله وَلّ: ((إنك لن تُخَلَّف)) ... إلخ يعني إنك إن بقيتَ ههنا ولم تَبْلُغ إلى المدينةِ فلا
بأس، فإنَّك إن تعمل عملًا صالحًا فَنَفْعُهَا نائلٌ إياكَ لا محالة، فهذا القَدْرُ من المنفعةِ حَاصِلٌ لك
بمكةَ أيضًا .
قوله: (لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ)(٢) أي تَطُول بك الحياةُ. أشار فيه إلى بقائِهِ وحياتِهِ وانتفاعِ
(١) قلت: ذكره الترمذي رحمه الله تعالى في أبواب البرِّ والصلة. اهـ.
(٢) قال القاضي أبو المحاسن في ((المختصر)) في وصية سعد ص (٢٧٢): الأصح أن ذلك كان عامَ الفتح لا عام
حجة الوداع، خلافًا لمالك رحمه الله تعالى. ومعنى قوله: لَعَلَّك أَنْ تُخلَّفَ هو ما روى عن بُكَيْر بن الأَشَجّ =

٣٣
كتاب الجنائز
المؤمنين وَتَضَرُّرِ الأعداء، فوقَع كما أَخْبر فكان فاتحًا. فإن قلت: إنَّ التخلُّفَ في الأول كان
بمعنى التخلف عن الذَّهَاب معه دون الحياةِ. وههنا بمعنى الحياةِ، فهو فَكٌّ في النِّظَام. قلتُ:
وهذا البحثُ يناسِبُ مرتبةَ القرآن، أمَّا الحديثُ فلا يُشددُ فيه بذلك.
قوله: (اللهم أَمْضٍ لِأصحابي) ... إلخ. وفيه دليلٌ على أن الوفاةَ في غير دار الهجرة
كانت تُعَد نَقْصًا ولو كاَنَ بِأَمْرِ سماوي. قلتُ: ولكنَّ هذا النقصَ يكون تكوينيًا. أعني به أن
شاكلةَ حَشْرِ أهل المدينة لَّعلّها تغايرُ شاكلَةَ حَشْرِ أهل مكة، فالله تعالى يَذْري ما الفرق بين
الْحَشْرَين. وبالجملةِ مَنْ مات بمكَّةَ لا يُحْشَر كَحَشْر أهلِ المدينة، وهذا الذي عنيت بالنقصِ
التكويني.
قوله: (يَرْئي) أي يرق له. وفي اللغة فَرْق بين قولِهِ رَثَاهُ ورَثَى لَهُ.
. ٣٧ - بابُ ما يُنْهِى مِنَ الحَلقِ عِنْدَ المُصِيبَةِ
١٢٩٦ - وَقالَ الحَكَمُ بْنُ مُوسى: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ جابِرٍ :
أَنَّ القَاسِمَ بْنَ مُخَيمِرَةً حَدَّثَهُ قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: وَجِعَ
أَبُو مُوسى وَجَعًا، فَغُشِيَ عَلَيهِ، وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيهَا
شَيْئًا، فَلَمَّا أَفاقَ قالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِىءَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ وَيِّ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ بَرِىءَ
مِنَ الصَّالِقَةِ، وَالحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ.
و ((من)) ههنا تبعيضية أيضًا. فلو احتاج عند المصيبةِ إلى الحَلْق جاز، والحلقُ عند
المصيبةِ رائجٌ في كُفَّار أهل الهند إلى يومنا هذا.
٣٨ - بابٌ لَيسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ
١٢٩٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِّ ◌َ قَالَ: ((لَيسَ
مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعا بِدَغْوَى الجَاهِلِيَّةِ)). [طرفه في: ١٢٩٤].
١٢٩٧ - قوله: (ودعا بِدَعْوَى الجَاهِلِيةِ) أي يقولُ بِقَوْلٍ عُرِفَ في أهل الجاهلية في مِثْل
هذا الموضع .
٣٩ - بابُ ما يُنْهِى مِنَ الوَيلِ وَدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ المُصِيبَةِ
١٢٩٨ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((لَيسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ
قال: سألت عامِرَ بنَ سعد عن معناه فقال عامر: أمِّرْ سعدٌ على العراق، فقتل أقوامًا على الردّة فضربهم، واستتاب
=
قومًا كانوا يسجعون بسجع مُسَيْلمة الكذَّاب فانتفعوا به.

٣٤
كتاب الجنائز
الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَغْوَى الجَاهِلِيَّةِ)). [طرفه في: ١٢٩٤].
ولا ريبَ في جوازٍ الويل في بعض المواضع، فإنَّه قد وَقَع في التنزيل أيضًا. نعم يمنع عنه
عند بَعْض الاحتفافات فاستقام التبعيضُ، واعتبرَ المصنِّفُ رحمه الله تعالى في مِثْل هذه التراجم
أولًا ما ينهى عامًّا. ثم بَيَّن ما كان منه ممنوعًا بمن التبعيضية. وهو الذي أجابه الجاربردي في
الفَرْق بين قوله تعالى: ﴿فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، وقوله: فأتوا من مثله بسورة، فإن
المطلوبَ فيه هو الإتيان بهذا القدر من أوَّل الأَمْر، لا تخصيص بعد تعميم. وهذه فروق يعتبرُهَا
البليغُ ويشمئز منها البليدُ.
٤٠ - بابُ مَنْ جَلَسَ عِنْدَ المُصِيبَةِ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ
١٢٩٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قالَ: سَمِعْتُ يَحْيِى قالَ:
أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ قالَتْ: سَمِعْتُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا جاءَ النَّبِيَّ ◌َ قَتْلُ ابْنِ
حارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةً، جَلَسَ يُعْرَفُ فِيِهِ الحُزْنُ، وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِّرِ الْبَابِ، شَقَّ
البَابِ، فَأَتَاهُ رِّجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَّهَبَ، ثُمَّ أَتَاهُ
الثَّانِيَّةَ: لَمْ يُطِعْنَهُ، فَقَالَ: ((انْهَهُنَّ)). فَأَتَّهُ الثَّالِثَةَ، قالَ: وَاللَّهِ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَزَعَمَتْ
أَنَّهُ قالَ: ((فَاحْثِ في أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ)). فَقُلتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ، لَمْ تَفْعَل ما أَمَرَكَ رَسُولُ
اللَّهِ وَهِ، وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللَّهِ وَ مِنَ العَنَاءِ. [الحديث ١٢٩٩ - طرفاه في: ١٣٠٥، ٤٢٦٣].
١٣٠٠ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا مُحَمْدُ بْنُ فُضَيلٍ: حَدَّثَنَا عاصِمُ الأَحْوَلُ، عَنْ
أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ شَهْرًا، حِيَنَ قُتِلَ القُرَّاءُ، فَمَا رَأَيتُ رَسُولَ
اللَّهِ وَِّ حَزِنَ حُزْنًا قَطْ أَشَدَّ مِنْهُ. [طرفه في: ١٠٠١].
يعني يجوزُ للمُصَابِ أن يجلِسَ في ناحيةِ البيتِ ولا يُعَدّ ذلك مِنَ الجاهلية.
١٢٩٩ - قوله: (لما جَاءَ النبيَّ وَلَ قَتْلُ ابنِ حَارِثَةَ) . . إلخ أي لما جاء القاصِدُ بِنَعِيهِ، فهذا محاورة.
قوله: (فَاحْثُ في أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ) لم يُرِد به الحقيقة، ولكنَّها كلمةٌ جرت في العُرْف عند
الكراهةِ لشيءٍ. وقد مر معنا التنبيه على أنه يُستفاد من هذا الحديث إباحةُ بعضٍ مراتبِ النِّياحة مع
بقاء الكراهة، وهي التي أشار إليها بقوله: ((فاحْثُ في أفواههن)) ... إلخ. فذَقه ولا تعجل ولله دِرِ
عائشة رضي الله عنها أنها قد فهمت حقيقة الكلام حيث قالت: فقلت : - أي في نفسي - أَرْغَم اللَّهُ
أَنْفَك لم تفعل ما أَمرَك رسولُ اللّهِ ﴿﴿ ولم تترك رسولَ اللَّهِ وَ﴿ مِنِ العناءِ، أي لو كنتَ قعدت في
بيتك ولم تُواجِه رسولَ الله { * بما يكرُهُه كان أحسنَ لك، فلا أَنَّك تفعلُ ما يَطِيب بنفسه، ولا
تمتنِعُ عما يكرهُه. فهذا كله يأتي في محل الكراهةِ مع إمكانِ الإِغماض عنها. وهذا الذي أرادَتْ
مِنْ قولها: ((ولم تترك رسول الله ( 8)) ... إلخ. أي إذا كان بكاؤهُنَّ في حدِّ الإغماض، فلك أَنْ لا
تُخبر به رسول الله﴿ فتدعهن وبكاءهن. ولكنَّك لا تَقْدِر أن تفعلَ ما أُمِرت به، ولا تَرْجِعُ عن
إخبَارِهِ أيضًا. ولو كان بكاؤهن حَرامًا ونياحةٌ ممنوعةٌ لما جاء مِثْل هذا التعبيرِ. فافهمه وفكّر فيه

٣٥
كتاب الجنائز
ساعةً تجد المعنى ما قلنا إن شاء اللَّهُ تعالى. وقيل: إنَّ المرادَ منه حقيقتُهُ كما كان عمر رضي الله
عنه يفعله. وهو عند البخاري رَحِمه الله تعالى في باب البكاء عند المريض (١).
ثم إنَّ مسألةَ العلماءِ في مَنْع الصلاة على غيرِ الأنبياء إنَّما هي عِنْد ذِكْرِ اسمِهِم عُرْفًا وشعارًا.
والأحاديثُ إنَّما جاءت في حاجاتٍ خاصَّة. وفي هذه الصِّيغة فيها نِكات خاصَّة: ففي الأموات أنهم
مِنْ أهل الصلاة، أي أداء صلاة الجنازة عليهم، فإذا فاتت تُدُورِكت بالدعاء بِلَفْظِ الصلاة، مع أنه في
أكثر الألفاظِ من ◌َفْظ الراوي في الحديث الفعلي، ومِنْ فِعْل الملائكة فلا يُقَاس عليه. وفي مُنْتَظِر
الصلاةِ أنه في الصلاةِ حُكمًا، والجزاء من جنس العمل. راجع ((العمدة)) (ج ٧٠١/٢).
وفي الزكاةِ أنها قرينةُ الصلاةِ فإذا أَتَى بها أُثِيب بالصلاة، وهي له زكاةٌ ورحمةٌ. وكذا في
الصوم، مع أنَّ المُفْطِر للصَّائم في حُكْمه، وراجع المناسبة بينها وبين العيادة. وفي قصة امرأة
جابر التي حكاها الحافظ كانت اقترحت بهذا اللفظ فدعا لها به. وهكذا في الصفِّ الأول صَلَّت
عليهم الملائكةُ، فَصَلَّى عليهم النبيُّ وَّ كما عند («ابن أبي شيبة)) (ص٢٥٣). وكذا في آيةٍ تلاها
عُمُرُ عند البخاري في الصَّبْر عند الصدمةِ الأُولى. وراجع ما في ((النهاية)) عن الخطّابي في مادة
الصلاة والتي ظهر من روايات ((الدر المنثور)) تحت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَبِكَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيَّ﴾
[الأحزاب: ٥٦] أنَّ الصلاةَ في كُلِّها بمعنى ((نماز))، ثُمَّ هي أقسامٌ، وعليه ما في ((الكنز)) وعليه ما
في ((الزُّرْقاني على المواهب)) من صلاة الجنازةِ عليه ◌َِّ عَنْ عَليّ. ((والقول البديع)) (ص ٨)
وراجع ما في: ((نزول الأبرار)) (ص ١٢٣) عن الحافظ ابن القيم.
وقال في ((عروس الأفراح)) (ص١٣٩): وقال سيبويه في باب ما ينتصِبُ على المدح: إنَّ
الحمدَ لا يُظْلَقُ تعظيمًا لغير اللَّهِ تعالى. وذكر في باب آخر: أنه يُقال: حمدتُهُ إذا جزيتُهُ على
حَقِّه. وهذا الكلام هو التحقيق اهـٍ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَالطَّيْرُ صَفَتٍ كُلُّ قَدْ عَلِمَ صَلَائَهُ وَتَسْبِحَهُ﴾ [الآية: ٤١] اهـ. من سورة النور وكلام ابن القيم في
(القول البديع)) (ص٤٣) هذا وقد صار شِعارًا للأنبياء فَيُترك لِغَيْرِهم مُطلقًا. ويحتمل أن يكونَ
لَفْظُ الصلاةِ لا يخلو عن معنى الثناء والشكر بمعنى ((درود)» إن لم يكن في كلُّها بمعنی نماز. وما
ذكرناه من وَجْه الترك هو في ((القول البديع)) (ص ٤٢) عن البيهقي.
ولما كان فيه معنى الثناء والتعظيم لا مطلقُ الدعاء اقتصر على مَوْرد النَّص ومَنْ يستحِقُه
به. وهو في ((القول البديع)) (ص ٤١) عن الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى وهذه اللعنة والعياذُ
بالله العليِّ العظيم وهذا أَوْجَهُ وراجع سياق ((مسلم)) (ج ١٢٩/٢).
واعلم أنَّ الملائكةَ تساعِدُ بني آدم فيما يحتاجُ إليها من جوابٍ، أو تأمين على دُعائه، أو
إذا احتاجوا إلى ثالثٍ، وهو في كتاب الأيمان (ص١٠٦) وتُسلِّم على بني آدم إذا لَقِيتهم، فإن
رَدُّوا عليك رَدَّت عليك وعليهم الملائكة. وراجع ((الروض)) (ج١٦٩/١). وعند الترمذي (ج١/
(١) قلت: وفكرت فيه حتى فهمته وذُقْته فلا تمترن به. ويَذَلْت الجُهْدَ في تفهيمه وإن لم أتمكن من الإفصاح عنه كما
أريد لقصور عربيتي، فعليكم أن تمعنوا أنظارَكم فإِنه لِعِلْمٍ عندي، ولذا نَبَّهْتُ عليه، والله الموفق. اهـ.

٣٦
كتاب الجنائز
٩٣): لَيُصلُّون على مُعَلِّم الناسِ الخيرَ. وذلك لأنَّ صلاتَهم هي كذلك. وفي ((العلو)) للذهبي
(ص١٢٠) وهو في ((الحصن)) عند ابن ماجه لا الصحيح: ((أكل طعامَكُم الأبرارُ، وأفطرَ عندكم
الصائمون، وصلَّت عليكم الملائكةُ وذَكَرَكُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عنده)). ولم أجد اللفظ الأخير في ذوق
((ونزل الأبرار)) إلا في لفظ ((مسلم)): ((لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يذكرون اللَّهَ إلّ حَفَّتْهُمُ الملائكة)). اهـ.
٤١ - بابُ مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ المُصِيبَةِ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبِ القُرَظِيُّ: الجَزَعُ: القَوْلُ السَّيِّئُ وَالّنُّ السَّيِّىءُ. وَقالَ يَعْقُوبُ
عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَنِّى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].
١٣٠١ - حدّثنا بِشْرُ بْنُ الحَكَم: حَدَّثَنَا سُفيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
أَبِي طَلحَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مالِكِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: اشتكى ابْنٌ لأَّبِي طَلحَةَ، قالَ:
فَمَاتَ وَأَبُو طَلحَةَ خَارِجٌ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ ماتَ، هَيَّأَتْ شَيْئًا، وَنَخَّتْهُ فِي جانِبٍ
البَيتِ، فَلَمَّا جاءَ أَبُو طَلَحَةَ قالَ: كَيفَ الغُلَامُ؟ قَالَتْ: قَدْ هَدَأَتْ نَفسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ
اسْتَرَاحَ. وَظَنَّ أَبُو طَلحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ. قَالَ: فَبَاتَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ
أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ ماتَ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ وَّهَ، ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ وَلَ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وََّ: ((لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَّكُمَا فِي لَيَلَتِكُمَا)). قالَ سُفيَانُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ:
فَرَأَيتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ، كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ القُرْآنَ. [الحديث ١٣٠١ - طرفه في: ٥٤٧٠].
أي وبَثَّه إلى اللَّهِ كما في الآية.
قوله: (الجَزَع: القَوْلُ السَّيِّيءُ) أراد به تحديدَ الجَزَع الممنوع، ولكنه أين يحصل، ولا
ينفع فيه غيرُ الوجدانِ الصحيح. فإنه هو الفَارِقُ بين جَزَعٍ وَجَزَع .
١٣٠١ - قوله: (أخبر النبيُّ ◌َّ بما كان منهما) أي سَخِطَ أبو طلحةَ على امرأتِهِ حيث لم
تخبرْهُ بوفاةٍ ابنه حتى جامعها في الليل. فقصَّ القِصَّة على النبيِّ مَ ﴿ فدعا النبي ◌َّ لهما بما
صَبَرَت ولم تَجْزَع .
٤٢ - بابُ الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى
وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نِعْمَ العِذْلَانِ، وِنِعْمَ العِلَاوَةُ: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُمْ مُصِيبَةٌ
أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَتِكَ هُمُ
قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ (9َ)
اٌلْمُهْتَدُونَ
(٥٧) ﴾ [البقرة: ١٥٦ - ١٥٧]. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةَّ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا
٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥].
عَلَى الْخَشِعِينَ
١٣٠٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ قالَ: سَمِعْتُ
أَنَسَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قالَ: ((الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأَولى)). [الحديث ١٣٠٢ -
أطرافه في: ١٢٥٢، ١٢٨٣، ٧١٥٤].
وقد مَرَّ في حديث: ((الأعمالُ بالنياتِ)) عن الشافعيّ رحمه الله تعالى أن المصائب

٣٧
كتاب الجنائز
مُكفِّراتٌ مطلقًا، صبر عليها أو لم يَصْبِر، لكونها تعذيبًا، ولا فرق فيه بين الصَّبر وعَدَمِهِ، نعم
يُحْرَمُ من تضاعُفِ الأُجور.
قوله: (أولئِكَ عليهم صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهم ورحمةٌ) وفيه دليلٌ على جوازٍ لَفْظِ الصلاةِ على غير
الأنبياء عليهم السلام أيضًا، ونُقِل عن الفقهاءِ الأربعةِ قَصْرُها على الأنبياء عليهم السلام إلَّا
بوساطَتِهم. أقول: وهو الذي ينبغي عليه العملُ، وإلَّا فيتساهلُ الناسُ فيه فيستعملونَها في كلِّ
مَوْضع. نعِم لا بد للتَّفَصِّي في الآية من حيلة. وما قيل إنَّ الصلاةَ فيها بمعنى الرحمةِ فليس
بشيءٍ، فإنَّ الكلامَ في لَفْظ الصلاةِ بأيِّ معنىّ (١) كان.
٤٣ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَلِّ: ((إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ))
وَقَالَ ابْنُ عَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِّوَّ: ((تَدْمَعُ العَينُ، وَيَحْزَنُ القَلبُ)).
(١) يقول العبد الضعيف: والذي تَحَصَّل لي في هذا الباب مِمَّا فَهِمته من كلام العلماء وتقرير شيخنا رحمه الله
تعالى: أَنَّ لَفْظَ الصلاةِ له معنيان: الأول: بمعنى الرحمةِ، وذا لا يختص بأحد، والثاني: الصلاةَ التي تختصّ
بالأنبياء وصارَت شعارًا فيهم، وذا لا يجوز إطلاقُها على أحدٍ غيرِهم إلَّا تبعًا، قال الخطَّابي: وفيه دليلٌ على أنَّ
الصلاةَ التي هي بمعنى الدعاء والتبريك يجوز أن يُصلَّى بها على غيرِ النبيّ ◌َ﴿ فأما الصلاة التي هي تحيةٌ لِذِكْر
رسولِ اللَّهِ وَِّ فإِنَّها بمعنى التعظيم والتكريم، وهي خِصِّيصًا له لا يشاركه فيها إِلَّا آلِهِ. اهـ. ((معالم السنن)).
ولما كان لفظُ الصلاةِ يَشْمُلُهما، جاز للقرآن والنبيِّ ◌ََّ أَن يستعمِلها. قال ◌َله: ((اللهم صلِّ على آل أبي أَوْفى))
نعم للأُمة حَظٌ من كمالات أنبيائهم فصلَّى عليهم بما يليق بشأنهم، وصلَّى اللَّهُ تعالى عليهم أيضًا فقال: ﴿أُوْلَكَ
عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِن زَّيِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]. فإِن قلت: أَنَّ تقابلَ الصلاةِ بالرحمة يقتضي أن تكونَ الصلاةُ غيرَ
الرحمة وألَّ يفوتُ التقابلُ.
قلت: ولعلَّ اللَّهَ تعالى أرادَ أن يَمُنَّ عليهم بحظٍ مِنْ هذا اللفظِ أيضًا فجعلها شِعارًا للأنبياءِ، ووَصفًا للأُمم. وهي
عندي كالإِسلام. فإِنَّه لَقَبٌ لنا مع إطلاقهِ في سائر الأمم، وكم مِن فرقٍ بينهما. وهذا كلَفْظِ النبيِّ ◌َّزه، فإِنَّه يصِح
إطلاقُه لغةً على الكفارِ أيضًا، لأنه من النَّبأ. ويُحجّر عليهم وعلى سائر الناسِ من حيثُ كونه لقبًا. ثُمَّ لما اشتهر
ذلك اللقبُ في الأنبياء خاصَّة أَوْهم إطلاقُه على الغير نبوتَه، فحُجِر حَسْمًا للمادة. وكذلك لّفْظ: ((الصلاة)) لما
اختصَّ من حيثُ الشعاريةُ بالأنبياء عليهم السلام وإنْ عَمَّ من حيثُ المعنى، ناسبَ أن يُحْجَر عنه لأَنَّا لو استعملناه
فيما بيننا لانعدمَتْ شعاريتُه، وإنَّما صحَّ من جهةٍ صاحب النبوةِ، لِعِلْمه بمكان إطلاقه مع قِلّة ورودِه عنه أيضًا،
فاللفظ إذا دار بين النبيِّ والأمة، فإطلاقه مِن صاحب النبوة صحيحٌ لكونِهِ مراعيًا للحدود. وأما الأُمة فيليقُ
الحَجْرُ عليهم لتجاوز عامتهم عن الحدود وعدم معرفتِهم المَحَل من غير المُحَلّ فيفضي إلى التعميم مطلقًا،
وينعدم الاختصاصُ، والذي يتلخص منه أمران:
الأول: أنَّ الصلاةَ لما عُرفت لقبًا في الأنبياء عليهم السلام، وعرفت فيها الشّعارية حُجِر إطلاقُها ننْ غير صاحب
النبوة، لتوهُّم بطلانَ الاختصاص مع جوازها في حدِّ نفسها. فيرد إطلاقُها من صاحب النبوة من حيثُ الجواز،
ويُحجر من الأمة من حيث إفضائه إلى انتفاء الشعاريّة. والثاني: أن اللفظَ مختصّ بالأنبياء عليهم السلام بمعنىّ،
ويعم بمعنىّ. وهذا التمييز إنّما يحصل من صاحبٍ النبوة وغيره لا يفرق بينهما، فيقضي إطلاقُ مطلق اللَّفظ على
الغيرِ مع انتفاءِ التميز بين المَعْنَيين وقد مرَّ عن الشيخ رحمه الله تعالى: أن الصلاةَ تُقَابل اللعنة، وهما مَحْجورٌ
إطلاقهما على أحدٍ بخصوصِهِما لكونهما في طرفي نقيض من الخير والشر، فيختص بصاحب النبوةٍ لدرايته المَحَلَّ
من غيرِ المُحَل، دون الأُمة. والله تعالى أعلم بالصواب.

٣٨
كتاب الجنائز
١٣٠٣ - حدّثنا الحَسَنُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ: حَدَّثَنَا قُرَيشٌ، هُوَ
ابْنُ حَيَّنَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: دَخَلنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَ
عَلَى أَبِي سَيفِ القَينِ، وَكانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ وَ إِبْرَاهِيمَ
فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلنَا عَلَيهِ بَعْدَ ذلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللّهِ وَه
تَذْرِفَانٍ، فَقَالَ لَّهُ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: ((يَا
ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهاَ رَحْمَةٌ)). ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ بَّهِ: ((إِنَّ العَينَ تَدْمَعُ، وَالقَلبَ يَحْزَنُ،
وَلَا نَقُولُ إِلَّا ما يَرْضَي رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ)). رَوَاهُ مُوسى، عَنْ
سُلَيْمانَ بْنِ المَغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َلّ.
١٣٠٣ - قوله: (إنَّا بِفِرَاقِكَ يا إبراهيمُ لمحزونونَ) اعلم أنَّ حَرْفَ النِّدَاء في لغةِ العربِ
ليس للخِطَاب كما فهم، ولذا سَمَّى علماء المعاني قولهم: ((أيها العصابة)) اختصاصًا. وفَضَّل
ابنُ الحاجب أيضًا بين حَرْف النَّذْب وحَرْف النِّدَاء إن جَعَلَهُمَا صاحبُ ((المُفصّل)) واحدًا. وقد
ثَبَت عن الصحابة رضي الله عنهم قولهم: ((السلامُ عليك أيها النبيُّ)) بلا نكير. ومن هذا الباب
قولُ النبيِّ بَّة: (يا إبراهيم)) لابنهِ المَيِّت، فلا بأس به، ويقول حسان رضي الله عنه في قصيدته:
وجاهك يا رسولَ الله جاه
(فائدة) واعلم أن الوظيفة المعهودة ((يا شيخ عبد القادر يا جيلاني شيئًا لله)) إن حملناها
على الجواز فلا رَيْب أنه لا أجر فيها أصلًا. فإنَّ الأَجْر ينحصِرُ في ذِكْر الله تعالى والصلاةِ على
النبيِّ وَِّ. أما ذِكْرُ سائر الأسماءِ فلا أَجْرَ فيه وإنْ نَفَع شيئًا كالرُّقَى.
قوله: (ِئْر) يقال لِزَوْج المُرْضِعة أيضًا. والمشهور أن عُمرَه إذ ذاك كان ثمانيةَ عشرةَ
شَهْرًا. وقيل: سنتين. فلو صحَّ لدلَّ على مذهب أبي حنيفةَ رحمه الله تعالى في الرَّضاعةِ، فإنَّ
مدتَها عنده سنتان وستةِ أشهر، فتكون المرضعة له لأَجْل تكميلِ مدةِ رِضاعَتِهِ .
٤٤ - بابُ البُكَاءِ عِنْدَ المَرِيضِ
١٣٠٤ - حدّثنا أَصْبَغُ عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ قالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ
الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: أَشْتَكِى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَّهُ،
فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ◌َِّ يَعُودُهُ، مَعَ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ
مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيهِ، فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ، فَقَالَ: ((قَدْ قَضى؟))
قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَكِى النَّبِيُّ ◌َيهِ فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ بُكاءَ النَّبِيِّ ◌َِبَّكَوْا، فَقَالَ:
((أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعَ العَينِ، وَلَا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلكِنْ يُعَذِّبُ بِهِذا - وَأَشَارَ
إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيهِ). وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
يَضْرِبُ فِيهِ بِالعَصَا، وَيَرْمِي بِالحِجَارَةِ، وَيَحْثِي بِالتُّرابِ.

٣٩
كتاب الجنائز
٤٥ - بابُ ما يُنْهَى عَنِ النَّوْحِ وَالبُكاءِ، وَالزَّجْرِ عَنْ ذلِكَ
١٣٠٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
سَعِيدٍ قالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ قالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ: لَمَّا جَاءَ قَتْلُ
زَيدِ بْنِ حارِثَةَ، وَجَعْفَرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، جَلَسَ النَّبِيُّ وَ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ، وَأَنَا
أَطَّلِعُ مِنْ شَقِّ البَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، وَذَكَرَ بُكاءَهُنَّ،
فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَى، فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ
الثَّانِيَةَ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتى، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْتَنِي، أَوْ غَلَبْتَنَا، الشَّكُّ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ
حَوْشَبٍ، فَزَعَمَتْ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قالَ: ((فَاحْثُ في أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ)). فَقُلتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ،
فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهَ مِنَ العَنَاءِ. [طرفه في: ١٢٩٩].
١٣٠٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ
مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ◌َّهِ عِنْدَ الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نُنُوحَ،
فَمَا وَفَتْ مِنَّ امْرَأَةٌ غَيْرُ خَمْسِ نِسْوَةٍ: أُمِّ سُلَيم، وَأُمِّ العَلَاءِ، وَابْنَةٍ أَبِي سَبْرَةَ امْرَأَةٍ مُعَاذٍ،
وَامْرَأَتَينٍ. أَوِ ابْنَةٍ أَبِي سَبْرَةَ، وَامْرَأَةٍ مُعَاذٍ، وَأَمْرَأَةٍ أُخْرَى. [الحديث ١٣٠٦ - طرفاه في: ٤٨٩٢،
٧٢١٥].
١٣٠٦ - قوله: (فما وَفَتْ مِنَّا امرأةٌ) أي ما وَفَتْ حَقَّ الوفاء، وإلَّ فالتعميمُ لا يستقيمُ في
حَقِّ الصحابياتِ رضي الله عَنْهن.
٤٦ - بابُ القِيَامِ للجَنَّازَةِ
١٣٠٧ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِم، عَنْ
أَبِيه، عَنْ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ)) .
قَالَ سُفيَانُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَبِيه قَالَ: أَخْبَرَنَا عامِرُ بْنُ رَبِيعَة، عَنِ
النَّبِّ ◌َُّ. زَادَ الحُمَيدِيُّ: ((حَتى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ)). [الحديث ١٣٠٧ - طرفه في: ١٣٠٨].
كان النبيُّ ◌َّهِ يقومُ لها في أول أَمْرِهِ، ثُمَّ تَرَكِ (١) واختلف الصحابةُ رضي الله عنهم في عّة
قِيَامِهِ. فقيل: إنَّها كانت جنازَةَ يهودي، فَكَرِه أن تَعْلُو رأسَه. وقيل كان تعظِيمًا للملائكةِ. وقيل:
تعظيمًا لأَمْرِ المَوْت كما يَظْهَر مِنْ لَفْظِهِ: ((أَليست نَفْسًا)). واذَّعَى الطحاوي النَّسْخ بما عند أبي
داود، وفيه: ((أنَّ حَبْرًا من اليهودِ جاءه وقال: ونَحْن نقومُ لها أيضًا. فَتَرَك النبيُّ :﴿ِ القيامَ لَهَا)).
وأقول: إنَّه كانَ ثُمَّ تُرك، وأكفَّ اللِّسَانَ عن لَفْظِ النَّسْخِ. وَتَرْكُهُ هو المَرْوِيّ عن محمدٍ رَحِمَه الله
(١) وعن عليٍّ رضي الله تعالى عنه أنه كان يعمل بالتوراةٍ على عادتِه فيما لم يَنْزِل فيه شريعته، ثُم نسخ كذا يعلم من
الطحاوي - ص (٢٨٣) ج ١ -.

٤٠
كتاب الجنائز
تعالى. ثُمَّ إنَّ الظاهِرَ أن قيامَه كان حُرمةً للميت. والله تعالى أعلم.
٤٧ - بابٌ مَتَى يَقْعُدُ إِذَا قامَ لِلجَنَازَةِ
١٣٠٨ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نِافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا عَنْ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قالَ: (إِذَا رَأَىَ أَحَدُكُمْ جَنَازَةً، فَإِنْ
لَمْ يَكُنْ ماشِيَا مَعَهَا فَلَيَقُمْ حَتَّى يُخَلِّفَهَا، أَوْ تُخَلِّفَهُ، أوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهُ)). [طرفه
في: ١٣٠٧].
١٣٠٩ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيه
قالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ، فَأَخَذَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِيَدِ مَرْوَانَ، فَجَلَسَا قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ،
فَجَاءَ أَبُو سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَخَذَ بِيَدِ مَرْوَانَ فَقَالَ: قُمْ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ هذا أَنَّ
النَّبِيَّ وَّةُ نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ. [الحديث ١٣٠٩ - طرفه في: ١٣١٠].
وقد عَلِمت أن الأَمْر بالقيام كان في زمنٍ، فلمَّا تُرِك القيامُ تُرك الأَمْر به أيضًا. ونُقِل عن
بعض الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يَأْمُرُّون فيما بعد أيضًا. ولعلَّه لم يَبْلُغْهُمْ خَبَرُ التَّرْكِ
فَجَرُوا على أَمْرِهِم الأَوَّلِ.
١٣٠٩ - قوله: (لقد عَلِم هذا) ... الخ، وكان قد نَسِي ثُم تَذَكَّر. ثُم إنَّ القِيام للميتِ يدلُ
على أنَّ اتِّبَاعَ الجنازةِ لأَجْل التعظيم لا للاستشفاع. فإِنْ كان كذلك فالمشيُ خَلْفَها أَفْضِلٌ، وإنْ
كان للاستِشْفاع فأمامَها، لكونِهِ مَحلِّ الشافِع.
٤٨ - بابُ مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلاَ يَقْعُدْ
حَتَّى تُوضَعَ عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ فَإِنْ قَعَدَ أُمِرَ بِالقِيَام
١٣١٠ - حدّثنا مُسْلِمٌ، يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: حدّثنا يَحْيَى، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ ◌َّ قالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ
فَقُومُوا، فَمَنْ تَّبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ)). [طرفه في: ١٣٠٩].
٤٩ - بابُ مَنْ قامَ لِجَنَازَةٍ يَهُودِيٌّ
١٣١١ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَم،
عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهِ عِنْهُمَا قالَ: مَرَّ بِنَا جَنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ ◌َ وَقُمْنَا،
فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ؟ قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا)).
١٣١٢ - حدّثنا آدَمُ قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ
الرَّحْمُنِ بْنَ أَبِي لَيلَى قَالَ: كانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيِفٍ، وَقَيِسُ بْنُ سَعْدٍ، قَاعِدَينِ بِالقَادِسِيَّةِ،
فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ فَقَاما، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، أَي مِنْ أَهْلِ الذَّمَّةِ،