النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ كتاب التهجّد تحقيق ما يستفاد من ترديد القرآن في صلاة الليل في سورة الزمل واعلم أن هذه الآيةَ جَعَلت الثُّلُثَ الأوَّل للعشاء خاصةً، والنُّلُثَ الآخِر لصلاةِ الليل خاصةً. ثُمَّ جعَلَت السُّدُسَ الأَوْسَطَ صالحًا لهما (١). فإن صَلَّى فيه العشاء صار النِّصفُ لها، وإن صَلَّى فيه صلاةَ الليل صار الثُّلُثَانِ لها. ثُمَّ جُعِلَتِ النِّصْفَ دعامةً في هذا التقسيم، أي ينبغي لك يا محمدُ أن يكونَ النَّصْفُ بِمَرأَى عَيْنَيك حتى تَقْسِمَ ليلَك بين العِشَاءِ وصلاةِ الليل بِحَسَبه. ولذا قال الفقهاء: إنَّ تأخيرَ العِشَاء بعد النّصْف مَكْروةٌ تنزيهًا أو تحريمًا على القولين. والمختارُ عندي الأوَّل، كما هو عند الطَّحَاوي. فإن زِدْت عليه شيئًا فلك فيه خيرٌ، وإن انتقَصْت منه فلا بأسَ عليك. فأنت في الصُّوَر كُلُّها على خِيّرة بعد أن يكون النِّصْفُ ملحوظًا في ذِهْنِك، ولذا جاء التعبيرُ في النَّصِّ كما رأيتَ مردِّدًا (٢). (١) قلت: وهذا هو تحقيقُ الشيخ رحمه الله تعالى في مسألة المواقيت: فإِنَّ المِثل الأَوَّل مُخْتصِّ بالظُهر، والثالث بالعَصْر، والثاني صالِحٌ لهما. وقد تقدَّم بيانُه. (٢) يقول العبدُ الضعيف: وتفصيله على ما أتذكر وأفهم والله تعالى أعلم أَنَّ المأمورَ به في صَدْر المُزَّمِّل هو القيامُ مطلقًا، لم تُذْكر له صورةٌ وتفصيل، وهو قوله تعالى: ﴿فِ اَلَيْلَ إِلَّا قِيلًا ﴾﴾ [المزَّمِّل: ٢]، ثم فَصَّله إلى النِّصفِ وغيرِه، وهو مُؤذَّى البَدَل. فإن قلت: إن المتبادر مِن قوله: ﴿ثِّ اَلَّيْلَ﴾ استيعابه. قلت: معناه عندي: قُم في الليل، فَعَدَّى الفِعْل بواسطة حَرْفِ الجَرِّ فلا يقتضي الاستيعابَ، كما ذكر الفقهاءُ الفَرْق بين قوله: أنتِ طالقٌ في غدٍ، وأَنْتِ طالقٌ غدًا، من حيثُ إِنَّ الأَوَّل لا يقتضي الاستيعابَ فيكون الغَدُ ظرفًا، والثاني يقتضي ذلك، فيكونُ مِعْيارًا. فتصح نيةُ آخر النهار في الصورة الأولى دون الثانية. وهذا هو المختار عندي وإن ذهب النحاةُ إلى عَدَمِ الفَرْق بين الصُّورتين. فإِنَّ قلت: إذا استثنى القليل من الليل بقي أكثرُه مأمورًا بالقيام به على كلٍ حال، سواءٌ ذهبْتَ مذهبَ النحاة أو الفقهاء، ولم تظهر لتقدير ((في)) قلت: بل استثناءُ القليل على معنى: أنَّك أيها المزمِّل إن اجتهدت في القيام، فذهبت به إلى الليلِ أَكْثَرِهِ، فِصَّةٌ قليلةٌ منه لا بد عليك أن تَتْرُكها. فالمقصود هو المستثنى. ولا تُضْغ إلى ما قيل: إنَّ الاستثناءَ لا يكون مقصودًا، فإِنَّ الواقع أولى بالاتِّباع. وإِذَن المطلوبُ استثناءُ القليلِ والتخييرُ فيما بقي. فإِن شِئتَ أن تقومَ به قُمت، وإِنْ أَرَدْت أن تَتْرِكَ بَعْضَه تَرَكُت. والحاصل: أن المأمورَ به في أَوَّل المُزِّل شيءٌ يصِحُّ أن يَنْقَسِم إلى ثلاثٍ صور - وهو بعض الليل: فإما أَنْ تجعلَه نِصْفًا فتصلِّي فيه صلاةَ الليل وحينئذٍ يَبْقَى النَّصْفُ الآخَرُ للعشاء، أو تَنْقُصَ منه قليلًا، وتتدرج فيه حتى تجعلَ صلاةَ ليلِكَ في الثُّلْكِ الآخِرِ، أو تزيدَ على النِّصْفِ فتجعلَ الثُّلُئين لصلاةِ الليلِ على هذا النَّحْو فَأَنْتَ على خِيرَةٍ من ذلك كُلِّه. وليس المراد من قوله: ﴿أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِلَا﴾ [المزَّمْلِ: ٣] الثُّلثُ، ومن قوله: ﴿أَوَ زِدْ عَلَّهِ﴾ الثلثان ضربةً واحدةً بل القِلَّة تتدرَّجُ شيئًا فشيئًا، حتى يكونَ المَحَطُّ الثُّلُثَ، أو الثُّلْثين، فيستقِرِ الأوَّلُ على الثُّلُث والثاني على الثلثين ولذا لم يعبر بالثلث فيها أو الثلثين من أول الأمر فإن الأوساط من النصف إلى الثلث والثلثين كثيرةٌ يتدرَّجُ إليها المُصَلِّي حَسَب إرادته، ويجعل صلاةَ ليلةٍ في أيُّها شاء. وكذلك المرادُ من قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هو الثلث على هذا الطريق، وهو وَقْتُ العشاء. ومِن ههنا يَجْعَلُه الرواةُ وقتًا للعشاء، فيذكرون لها الثلث في أكثر الرواياتِ، لكونه متعيّنًا من النَّصِّ وَقْتًا للعِشاءِ. وهو وَقْتُها المُستحبُّ. ثم لَزم من التقسيم أَن يبقى لها مِن الثُّلُثِ الأوسطِ سُدُسًا أَيضًا، فيصير لها النّصْف. وإذ قد علمت أَنَّ المقصودَ من صدر المزمل استثناءُ القليل على كل حال، علمتَ أن حَقَّ العِشاء في نَظَر الشارع هو الثُّلْثُ، ولذا استثناه مِن الليل ولم يَرْض أن تكونَ صلاةٌ لَيْلِه فيه. وإن أراد الاجتهادَ فإِنَّ وقتها بعد وقتٍ العشاء، واستثنى القليل من اللَّيل= ٥٦٢ كتاب التهجّد قوله: (وَطَأَ مُواطأة). قلتُ: والتفسيرُ في غَيْرِ مَوْضِعه. والذي يلائِمُهُ هو تفسيرُ الوطاء به. فإنَّ الوِطَاء - بالكسر - معناه المواطأة والموافقة، أي ما يخرجُ من اللسانِ يوافِقُه القَلْبُ. أما الوَطاء - بالفتح - فمعناه وَطأ الشيء أي دَاسه. ومن العجائب أنَّ المشهورَ في كُتب التجويدِ من قراءة حَفْص هو الوِطَاء - بالكسر - مع أن قراءةَ أِهِلِ الهند هوِ الوَطَاء - بالفتح: وهُم يقرؤون قِراءَةً حَفْص، فلا أدري من أين اشتهر هذا. ولَعَلَّكَ عَلِمْت أنَّ ابنَ عباس رضي الله تعالى عنه إِنَّمَا فَسَّر قراءةَ الكسر دون الفتح. ١١٤١ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيدٍ : أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّهِ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصِومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، وَلَا نَائمًا إِلَّ رَأَيتَهُ. تَابَعَهُ سُلَيمَانُ وَأَبُو خالِدِ الأَحْمَرُ، عَنْ حُمَيدٍ. [الحديث ١١٤١ - أطرافه في: ١٩٧٢، ١٩٧٣، ٣٥٦١]. ١١٤١ - قوله: (يُقْطِرُ منْ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لا يَصُومَ مِنْهُ). ولَمَّا لم يُوَاظِب النبيُّ صلَّ في باب الصيام والصلواتِ على عادةٍ كلية، لا باعتبارِ حِصَص الليل، ولا باعتبارِ المِقْدَار، بقي تعبيرُ الرواةَ عن وظائفِه كما ترى، فاعلمه. ١٢ - بابُ عَقْدِ الشَّيطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ ١١٤٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ قالَ: ((يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قافِيَةِ رَأْسٍ أَحَدِكِمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيِكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارِقُدْ، فَإِنِ اسْتَيقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتَ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا لِأَجْلِها. وإنما عَبَّر عن الثُّلُث بالقليلِ لكونه قليلاً بالنسبةِ إلى الثُّلُثين، ولأن استثناءَ القليلِ يبدأُ من القِلّة في أجزاء = الثُّلث، وينتهي بالثُّلُث، فَأَرادَ أن يتدَرَّج فيه المُصَلِّي ويجعلَ عشاءه في أيّ جزء منه شاء. فإِن أَراد الفَضْلِ أَخَّرَها إلى الثُّلث كما بينه النبي ◌َِّ في غير حديث: (لولا أن أَشُقَّ على أُمتي لأَمَرْتُهم بالسُّواك عند كلِّ وضوء ولأَخّرتُ العِشاءَ إلى ثُلُثِ الليل)). نعم بعد ذلك له فُسْحةٌ إلى النّصْف. وبالجملة جَعَلَت المزمِّلُ الثُّثَ للعشاء، والُّلثَ والثلثين لصلاةِ الليل، والسُّدسَ الْتُحِقِ بالعشاء مَرَّةً وبصلاةِ الليل أخرى. ومِن ههنا انْحَلَّتِ عُقْدَة لم تَحُلَّها أَنامِلُ الأَنظارِ، وكلَّت عن دَرْكِها الأفكارُ، وهي أن المأمورَ به في صَدْرٍ المزمِّل إذا كان قيامُ الليلِ كلّه تقريبًا، كيف صَحَّ وقوعُ الصُّوَر الثلاث بدلاً عنه؟ وهذا جذْرٌ أصم لا يَنْطِقُ بالجواب، ولا يسمع. وقد اضطرب له المفسرون، والحلَّ ما عرفت. يقول العبد الضعيف: وكُلُّ ذلك حَكْيتُه على لسانِ الشيخ رحمه الله تعالى. وقد كان الشيخُ رحمه الله تعالى تكلّم في حَلْه في مواضع، إلا أني لم يَخضُر لي الآن إلاَّ موضعٌ واحدٌ، فأتيت به على ما فهمتَه بعد تَفَكُّر بالغ مني، وسأعود إليه إن شاء الله تعالى إِنْ وجدتُ تفصيلَه في موضعٍ آخر. وأرجو مِن اللَّهِ تعالى أن يكونَ العودُ أَحمدَ، والله تعالى أعلم. ٥٦٣ كتاب التهجّد طَيِّبَ النَّفسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ)). [الحديث ١١٤٢ - طرفه في: ٣٢٦٩]. وفي ((الفتح)): أَنَّ الشيطانَ يأتي بِحَبْلٍ طَوِيلٍ، ثُمَّ يَنْفِثُ فيه يقول: عليك لَيْلٌ طَوِيلٌ ... إلخ، ويَعْقِد عُقدة. قلتُ: وَلَعَلَّ حَبْلَه هذا مَنْ عَالمَ الِمِثَالِ. وَتَفَظَّن الحافِظُ رحمه الله تعالى من هذا العَقْد أنه مُشيرٌ إلى وجوبٍ صلاةِ الليل شيئًا، فإنَّ حقيقةَ النَّفْلية لا يليق بها العَقْدُ، فاحتال لِدَرء الوجوب وقال: إنَّ هذا الَعَقْدَ فِيمَن نام عن صلاةِ العِشَاء. وسيجيء ما فيه عندي. ١١٤٢ - قوله: (فَذَكَرَ الله) ... إلخ. وهذه الأذكارُ مما جاء قَبْل الوضوءِ عقيبَ النوم، كالحمد الذي مَرَّ في أَوَّل التَّهَجُّد. قوله: (نَشِيطًا) (سبك جان - هلكى طبيعت). ١١٤٣ - حدّثنا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَام قالَ: حَدَّثَنَا إِسْماعيلُ قالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجاءٍ قالَ: حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِّ وَّرَ فِي الرُّؤْيَا، قالَ: ((أَمَّا الذي يُتْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ القُرْآنَّ فَيَرْفِضُهُ، وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتوبَةِ)). [طرفه في : ٨٤٥]. ١١٤٣ - قوله: (أَمَّا الذي يُتْلَغُ رَأْسُهُ) ... إلخ. واعلم أنَّ الذِي نام عن صلاتِهِ في الليلِ وَرَد فيه ثلاثةُ ألفاظ: العَقْدُ على القَفَا، وثَلْغُ الرأس، والبَوْل في الأذن. والدليل على الوجوب هو الثاني فقط، بخلاف الأَوَّل والثالث، فإنَّهما مَضَرَّتَان كَوْنِيَّتَان. وذلك لأنَّ ثَلْغَ الرأسِ عذابٌ من جهةِ اللَّهِ سبحانه وتعالى. فَصَلَحَ حُجَّةٌ على الوجوبِ، بخلاف العَقْد والبول فإنَّهما ضَرَرانِ من جهة الشيطان كَوْنًا، أي يسقط هو عليه، فلا يثبت منه الوجوبُ. فإن الشيطانَ في سجيته عداوةُ الإنسان، فيراقبه في الأحوال كلِّها حتى يُفْسِد عليه طعامَه، وشرابَه ونومَه، وأَمْرَه كُلَّه، فإذا وَجَد موضِعًا يمكنُ أن يُفْسِده، لم يُفلِته حتى يُفْسِدَه، فلم يكن من نوع العذاب. ألا ترى أنَّ الجُنُب لو نام على حالِهِ، ولم يَغْتَسل ومات على جنابته لا تحضُرُه الملائكة. فهذا ضَررٌ عظيم له، إلا أنه لا يثبتُ به الوجوبُ حتى جاز له أن ينامَ على جنابته وإنْ كُرِهِ. وقد علمت فيما مَرَّ أَنَّ الحِلَّ والحُرمة والإيجاب والنهي إنما تَثْبُت بِتَوجّهِ الخطابِ من صاحبِ الشرع ولا دَخْل فيها للأنظار المعنوية، بمعنى أنها لا تدورُ عليها، وإن كان المأمورُ به مما ينبغي أن يكونَ حَسنًا، وكذلك المنهي عنه قَبِيْحًا، ولكن ليس كلُّ قبيحِ منهيا عنه، ولا كُلُّ حسن مأمورًا به. والتفصيل قد سبق غير مرة. ثم قوله في حديث سَمُرَةَ - مرفوعًا - الآتي ((وينامُ عن الصلاة المكتوبةِ)) دليلٌ على أنَّ ثَلْغَ الرأس جزاءٌ لِتَرْكُ المكتوبة دون صلاةٍ الليل. وهذا الذي حَمَل الحافِظُ رحمه الله تعالى على تأويل السابق. فلا يقومُ حجةً على وجوبٍ صلاةِ الليل، فيخالفُ ما قَرَّرتُ سابقًا . قلتُ: بل الثَّلْغُ جزاءٌ لِتَرْكِهِ صلاةَ الليل. وإنَّما جاء ذِكْر تَرْكِهِ المكتوبة في السياق لكونه تَرَكَها أيضًا، وذلك لأن هذه الرواية تأتي في الجنائز أيضًا في صَدْر الجزء السادس من الصحيح (ج١٨٥/١) والراوي اقتصر فيها على تَرْكُ القرآنِ فقط، ولم يذكر تَرْك المكتوبةِ. فظهر به ٥٦٤ كتاب التهجّد المناط. وإنَّ ذِكْر المكتوبة كان في ذيل تقبيحه. ففيها: ((والذي رأيتُهُ يَشْدَخُ رأسَه فرجلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ القرآن، فنام عنه بالليل، ولم يَعْمَل فيه بالنهار، يفعل به إلى يوم القيامة)) ... إلخ فَتَرْكُ المكتوبةِ جريرةٌ عظيمةٌ، إلا أن هذا الجزاءَ المخصوص لِرَفْض القرآن، وله المدخل فيه خاصَّةً. ولذا ترى يذكُر معه تَرْكَ المكتوبةِ تارةً، ولا يذكُر أخرى. وهناك أتى الحافظ (١) رحمه الله تعالى برواية: ((إنَّ الشيطانَ يأتي بحبل في سبعينَ ذراعًا. فَيَنْفُثُ فيه: عليك ليلٌ طويل)). فيفوتُ عنه وِتْرُهُ - بالمعنى. وفيها لفظُ الوِتْر، فهذا يفيدُ الحنفية رحمهم الله تعالى. فإن قلتُ: الذي نام بعد ما صلَّى العشاءَ فذلك رجلٌ نام على خير، فَلِم مَكَّنَ اللَّهُ تعالى منه الشيطانَ؟ قلتُ: ومِثْلُه يَرِد على طَعَامٍ مَنْ ترَك التسميةَ أيضًا. والوجه أنَّ في مِثْلِهِ وَرَدَ التقبيحُ من الشارع فَحَسْب، أما بابُ الإِيجابِ فَأَمْرٌ آخَر. ثم إنَّ البخاري أخرجه في باب تعبير الرؤيا (ج ١٠٤٣/٢) وفيه في ذلك الرجل: ((إنا أَتينا على رجلٍ مُضْطَجِعٍ، وإذا آخَرُ قائمٌ عليه بصخرةٍ» ... إلخ. وفي صدر الجزء السادس: ((مضطجعٌ علىَ قَفَاه)). وإنما عُذِّب مُضْطَجِعًا على قَفَاه، لأنه كان نامَ عن قرآنه كذلك. ولَمَّا كان القرآنُ في الرأسِ، ثَلَغْ رأسَه جزاءً من جِنْسٍ عَمَلِهِ. فَذِكْرِ الثَّوْمِ عنه بالليل، وتَرْك العملِ به في النهار يؤيده أيضًا، فإنَّ الصلواتِ سواءٌ كانتَ ليليةً أو نهاريةً تَرْكُهَا سواء، فَلَا دَخْلَ لليليتَها في ثَلْغ الرأس، فالعذابُ بِتَرك المكتوباتِ على تَرْك الليلية والنهاريةِ سواء، فلا تَظْهر لِذِكْر الليل فائدة. على أن ثَلْغَ الرأسِ لا يناسِبُ جزاءً لِتَرْكِ الصلاةِ بخلاف تَرْكُ القرآن. فهو جزاءٌ لِتَرْكِ القرآنِ قطعًا، ولأجله شُرِعَت صلاةُ الليلِ، وهو الذي يَتَرشَّح من قوله: ﴿وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ تَّرِيلًا﴾ [المزمل: ٤] فالمأمورُ به هو القرآنُ والصلاة لأَجْلِ ترتيلِ القرآنِ فيها. ولذا خَصَّصَ أَهْلَ القرآنِ بمزيدِ التأكيدِ بها وقال: «فأوتُرُوا يا أهلَ القرآنِ». والحاصل: أنَّ المقصودَ أولًا هو حِفَاظةُ القرآنِ وهي أَوْكَدُ على الحِفَاظِ. ثُمَّ عمَّت الوظيفةُ لسائر الناسِ، ووجب الوتر في صلاة الليل على مَنْ حَفِظَ القرآن ومَنْ لم يَحْفَظه . ١٣ - بابٌ إِذَا نَامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيطَانُ في أُذُنِهِ ١١٤٤ - حدّثنا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وَائِلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌ََّ رَجُلٌ، فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائمًا حَتَّى أَصْبَحَ، ما قامَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((بَالَ الشَّيْطَانُ في أُذُنِهِ)). [الحديث ١١٤٤ - طرفه في: ٣٢٧٠]. وبوله أَخَفُّ من الوعيد وأَرْفع من التقبيح. فأشدُّهَا الَّلْغُ، ثُمَّ البول، والعقد أخفُّهَا. وبالجملة هو ضررٌ كونيٌّ لا يقومُ حجَّةً على الوجوب وإن استشعر الحافظ رحمه الله تعالى منه الوجوبَ، ثُمَّ رام عنه التفصيِّ بوَجْهٍ مَرَّ ذِكْرُهُ. (١) أخرج الحافظ رحمه الله تعالى عن سنن سعيد بن منصور بسند جيد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه: ((ما أصبح رجلٌ على غيرِ وتْر إِلَّا أصبح على رأسِه جُرِيرٌ قَدْرَ سبعينَ ذراعًا)). اهـ . - ص ١٧ ج ٣ -. ٥٦٥ كتاب التهجّد ١١٤٤ - قوله: (ذُكِرَ عند النبيِّ نَّهِ رجلٌ) ... إلخ. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهو ابنُ مسعود رضي الله تعالى عنه. قلت: بل هو رجلٌ آخَرُ، ولو كان هو لما أخفى اسمه، كما صرح به في رواية أُخْرى، وقال: وبال الشيطانُ مرةً في أُذُنِ صاحبِكم، يعني نَفْسه بالمعنى. ١٤ - باب الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيلِ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَنُوْ قَلِيلًا مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (٣)﴾: أَي ما يَنَامُونَ ﴿وَبِالْأَسْحَارِ * [الذاريات: ١٧ - ١٨]. هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ١١٤٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْن مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُوَنِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ))؟ [الحديث ١١٤٥ - طرفاه في: ٦٣٢١، ٧٤٩٤]. ١٥ - بابُ مَنْ نَامَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَحْيَا آخِرَهُ وَقَالَ سَلمَانُ لأَبي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَمْ، فَلَمَّا كانَ مِنْ آخِرِ اللَّيلِ، قالَ: قُمْ، قالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((صَدَّقَ سَلِمَانُ)) . ١١٤٦ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. وَحدَّثَنِي سُلَيمانُ قالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ قالَ: سَأَلتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَيفَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ◌َِّ بِاللَّيلِ؟ قالَتْ: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ، وَيَقُومُ آخِرَهُ، فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ وَتَبَ، فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ، وَإِلَّا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ. قوله: (مَنْ يَدْعُوني) ... إلخ. وهذا النِّدَاءُ عندما يَنْزِلُ الربُّ تبارك وتعالى. وفي ((الفتح)) - في المجلد الأخير - نَقْلاً عن البيهقي: أن الأئمةَ الأربعةَ اتفقوا على أنَّ النزولَ لا يَكْتَنِهُ معناه، ونؤمنُ به كما هو، ولا نَبْحَثُ عن كيفُ. فراجعه فإنَّه مهم، لأنَّ البخاريَّ رَمَى محمدًا رحمه الله بالجَهْمِيَّة وقال: إنَّه جَهْمِي. مع أن محمدًا صرَّح بنفسه: أنَّ الاستواءَ على العرش وَنَحْوَهُ مَعْلومٌ وكَيْفَهُ مَجْهولٌ. ثُمَّ إنَّ الرواةَ اختلفوا في وقت النزول، ومال الحافظ رحمه الله إلى الترجيح. قلتُ: بل الكلُّ صحيحٌ، ولعل النزولاتِ متعددةٌ، وتنوُّعُهُ بِحَسَب ترديدِ القرآن(١) في وقتٍ صلاةِ الليل من النِّصْف وغيرِهِ، وإنما خُصَّ الليلُ بالنزولِ لكونه فَارِغًا من الشُّغْل بغيرِ الله تعالى. (١) قلت: وفي تقرير الفاضل عبد العزيز شيء حَسَنٌ غير أَني ما دَريتُ حقيقَتُهُ وإِنْ فهمْتُ بعضَه. قال ما تعريبه: إن الترديدَ في النزول، وكذا الاختلافَ في ليلة القدر يُبنى على اختلافِ البلاد. فكما أَنَّ النصفَ في بلدةٍ يكونُ ثُلُثًا باعتبارٍ بلدةٍ أُخرى، كذلك اختلاف التاريخ. فلا ينبغي التأويلُ في واحدٍ منها وليتْرُكْها على ظواهِرِها فلينظر فيه فيمكنُ أَن تختلفَ ليلةُ القَدْر باختلاف التاريخ في البلدان، كاختلاف حِصَص اللَّيل باعتبارها . ٥٦٦ كتاب التهجّد ثم إنَّ النزولَ في لسان الصوفية رحمهم الله تعالى عبارةٌ عن نَحْو تَجَلِّ من الله سبحانه وتعالى. وسيمُرّ عليك كلماتٌ في تفسير التجلِّي، وهو أَشْكلُ المسائلِ عند الصوفية. وهو مخلوقٌ عندهم وصورةٌ من صُورِ الأفعال الإلهية، تُنْصَبُ بين العبدِ ورَبِّه لمعرفتِهِ تعالى، ويُنْسب إليها ما يُنْسَب إليه تعالى مع كونه مُنْفَصِلًا عنها . واعلم أنَّ المتكلمينَ على طائفتين: طائفةٌ تُسَمَّى بالأشعرية، وهم المنسوبون إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري. وتَبِعَه أكثرُ الشافعية والمالكية رحمهم الله. وطائفة ثانية تُسَمى بالماتريدية، وهم المنسوبون إلى الشيخ أبي منصور الماتريدي. وكان الشيخانِ معاصرين، وأبو منصور كان أصغرَهما وتبعه أكثرُ الحنفية. وليس الخلافُ بينهما إلَّا في نزر مِنْ مسائلَ ذكرَها العلماءُ. فذهَبَتِ الأشاعرةُ إلى أَنَّ الله تعالى قديمٌ وكذا صِفَاتِهِ السَّبْع. وأما نحو الترزيق والإحياء والإماتةِ فَسَمَّوها صفاتِ أفعال، وهي عندهم اعتبارات وإضافاتٌ لا أنها صفاتٌ حقيقيةٌ زائدةٌ على الذَّات. فالخلق باعتبارِ إضافته إلى الرِّزْق يُسمَّى ترزيقًا وهكذا، وتلك الإضافةُ حادثةٌ ليست قائمةً بالباري تعالى. قلتُ: ولا دليلَ عندهم على ذلك، فإنَّ للقدرةِ والإرادة أيضًا تعلّقًا بالحوادثِ ولم يذهب أحدٌ إلى حُدُوثها . وأما الماتريدية فقسموا الصفات إلى صفات ذاتية: وهي ما يُوصَفُ بها تعالى ولا يوصف بضِدِّهَا كالعلم والقدرة، وإلى صفاتٍ فعليةٍ: وهي ما يوصَفُ بها تعالى وبأَضْدادها كالإحياء والإماتة، فإنَّ اللَّهَ تعالى يُوصَف بالإحياءِ والإماتة معًا. فصفاتُ الفِعْل عندهم أيضًا قديمةٌ، كالصفات الذاتية. ولم أجد هذا التعريفَ في كُتُب الكلام، نعم هو في ((الدر المختار)) من كتابٍ الأيمان. ثُمَّ نحو الإحياء وغيرهِ عند هؤلاء راجع إلى صِفةٍ حقیقیة سَمَّوها بالتکوین، واختارها البخاريُّ أيضًا. فصفةُ التكوِين اسمٌ لصفةٍ كليةٍ تحتها جزئياتٌ، كالترزيق، والتصوير، والإحياء، والإماتة، وهي قديمةٌ. أقول: إنَّ ههنا أمورًا غير هذه تُنْسَبُ إلى الباري تعالى، كالنزول إلى السماءِ وغيره وأُسميهِ أَفْعَالًا وليس نوعُهُ قديمًا، بل كُلُّهَا حوادثُ. وهي عند الماتريدية حادثةٌ مخلوقةٌ للباري تعالى. وأما على مَشربِ الحافظ ابن تيميةَ رضي الله عنه فالصفاتُ الحادثةُ قائمةٌ بالباري وليست بمخلوقةٌ. فإنه لا يرى بقيام الحوادث بالقديم بأسًا. ويدَّعِي أنَّ ذلك هو مذهبُ السَّلَف، ويُنكر استحالةَ قيامِ الحوادثِ بالقديم. وفَرَّقَ بينَ الحادثِ والمخلوق: بأنَّ المخلوقَ يُظْلَقُ على المنفصل، فسَائِرُ العالم حادثٌ ومخلوقٌ، بخلافِ الصفات فإنَّها حادثةٌ وليست بمخلوقٍ لقيامها بالباري تعالى. قلتُ: وتساعِدُهُ اللغةُ. فإنَّه يُقالُ: إنَّ زيدًا مُتَّصِفٌ بالقيام، ولا يقالُ إنَّه خالقٌ له، فكذلك يقالُ: إنَّ اللَّهَ تعالى مُتَّصِفٌ بالنزول ولا يقال: إنه خَالقُ له. وإليه جَنَح البخاريُّ رضي الله تعالى عنه وصرَّح أنَّ الله تعالى مُتَّصِفٌ بصفاتٍ حادثةٍ، غير أنَّ الشارحين أوَّلُوا كلامه. ٥٦٧ کتاب التهجّد قلتُ: ورُوي عن الأئمةِ الثلاثة بسندٍ صحيح في كتاب ((الأسماءِ والصفات))؛ مَنْ قال: إنَّ القرآن مخلوقٌ فهو كافرٌ، ففيه دليل على أنهم قالوا بحُدُوث الكلام اللفظيّ، وأنكروا كونَه مخلوقًا. فإنَّ الكلامَ النفسيَّ قَدِيمٌ، واللفظيَّ حادثٌ عندنا، وسيأتي تفصيله في آخر الكتاب. ١٦ - بابُ قِيَامِ النَّبِيِّ نَُّ بِاللَّيلِ في رَمَضَانَ وَغَيرِهِ قال عامَّة العلماء: إنَّ التراويحَ وصلاةَ الليل نوعانِ مختلفان. والمختار عندي أنهما واحدٌ وإن اختلفت صفتاهما، كعدم المواظبة على التراويح، وأدائها بالجماعة، وأدائها في أول اللَّيل تارةً وإيصالها إلى السَّحَر أُخرى. بخلاف التهجّد فإنه كان في آخر الليل ولم تكن فيه الجماعة. وجَعْلُ اختلافِ الصفات دليلًا على اختلاف نوعيهما ليس بجيِّدٍ عندي، بل كانت تلك صلاةً واحدةً، إذا تقدَّمت سُمِّيت باسم التراويح، وإِذا تأخّرت سُمِّيت باسم التهجّد، ولا بِدْعَ في تسميتها باسمين عند تغايُرِ الوَصْفَين، فإنَّه لا حَجْر في التغاير الاسمي إذا اجتمعت عليه الأَمةُ. وإنَّما يثبتُ تغايُرُ النَّوْعَيْن إذا ثَبَت عن النبيِّ ◌ََّ أنه صلى التهجُّدَ مع إقامَتِهِ بالتراويحِ. ثُمَّ إِنَّ محمدَ بنِ نَصْر وَضَعَ عدَّة تراجِمَ في قيام الليل، وكتب أنَّ بعض السَّلَف ذهبوا إلى مَنْع التهجُّد لِمَن صلَّى التراويح. وبعضُهم قال بإباحة النَّفْل المطلق فدلَّ اختلافُهُم هذا على اتحادِ الصلاتين عندهم. ويؤيده فِعْل عمرَ رضي الله تعالى عنه، فإنَّه كان يصلِّي التراويحَ في بيته في آخِر الليل، مع أنه كان أَمَرَهم أن يؤدُّوهَا بالجماعةِ في المسجد، ومع ذلك لم يكن يدخُل فيها. وذلك لأنه كان يَعْلم أَنَّ عملَ النبيِّ ◌َ﴿ كان بأدائها في آخِرِ الليل، ثُمَّ نَبَّهَهُمِ عليه قال: ((إنَّ الصلاةَ التي تقومون بها في أول الليل مفضولةٌ عمَّا لو كُنتم تقيمونَها فِي آخِرِ اللَّيل)). فجعلَ الصلاةَ واحدةً، وفَضَّل قيامَها في آخِرِ الليلِ على القيامِ بِهَا في أوَّلِ اللَّيل. وعامَّتُهُم لما لم يُدْرِكوا مُرَادَه جَعَلُوه دليلًا على تَغَايُرِ الصَّلَاتَيْنَ وزعموا أنهَما كانتا صَلَاتَيْن. ثُمَّ إنَّ التراويحَ لم يَثْبُت مرفوعًا أَزْيَدُ من ثلاثَ عشرةَ ركعةً إلا بطريقٍ ضَعِيفٍ. لا أقول: إنَّها لم تكن في نفس الأمر، بل إنَّما أنكِر النَّقْل عنه بطريق صحيح، فبقي الحالُ مستورًا فيما زاد. فجاز أن يكونَ صلَّاها بالعددِ المشهور، وجاز أن يكونَ اقتصر على هذا القَدْر فقط، إلَّا أن الثابتَ عَنه هو ثلاثَ عشرةَ. نعم اتفقوا على ثُبُوتها عشرينَ ركعةً عن عمر رضي الله عنه، وخَفَّف في القراءة، وكافأها بازدياد الركعاتِ فجعلها عشرينَ مكانَ العَشَرةِ. وهو الذي أراده الراوي عند مالك رحمه الله تعالى في ((مُوظّئه)) (ص ٤٠) وكان القارىء يقرأُ بسورة البقرة في ثماني ركعات، فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعةً رأى الناسُ أنه قد خَفَّف اهـ. وفي ((التاتارخانية)) (١): سأل أبو يُوسُف أبا حنيفةَ رحمهما الله تعالى: هل كان لعمرَ رضي (١) وفي ((البحر الرائق)) نقلًا عن ((الاختيار)): أَنَّ أَبا يُوسف سأل أبا حنيفةَ عنها. وما فعله عمر رضي الله عنه فقال: التراويحُ سُنَّةٌ مؤكدةٌ، ولم يخرِّجه عمرُ رضي الله عنه من تلقاءِ نَفْسه ولم يكن فيه مُبتدِعًا. اهـ. وفي («تاريخ الخلفاء)) ((أنَّ عمرَ رضي الله عنه كَتَب في السَّنة الخامسةَ عشرةَ أَنْ تقامَ التراويحُ عشرينَ ركعةً. وفي ((فتح القدير)»: أَنَّ الثمانية منها سُنَّةٌ مؤكدةٌ وما بقي فمستحبٌ، ونحوه في ((المِرْقاة)) و((البحر)). ٥٦٨ كتاب التهجّد اللَّهُ عنه عَهْدٌ من النبيِّ وَّرَ في عشرينَ ركعةً؟ فقال له أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لم يكن عمرُ رضي الله عنه مُبْتَدِعًا. وبقي الوِتْرُ ثلاثَ ركعاتٍ كما كان. ثُمَّ إنَّ أئمةَ المذاهبِ الأربعة قَلَّدُوه على كونِ التراويح عشرينَ ركعةً. وَمَنْ زاد عليها جعلها نَفْلًا مُطلقًا وحالًا انفراديًا يصلِّيها الرَّجُلُ لنفسِه. أمَّا العِشرون فوضَعُوا لها الجماعةَ. ١١٤٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدٍ بِنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَيفَ كانّتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: ما كانَ رَسُولُ اللَّهِ لَّه يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَل عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُوْلِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلِ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَينَيَّ تَنَامانِ وَلَا يَنَامُ قَلِي)). [الحديث ١١٤٧ - طرفاه في: ٢٠١٣، ٣٥٦٩]. ١١٤٧ - قوله: (يُصلِّي أربعًا) ولا دليلَ فيه للحنفيةِ في مسألةِ أفضليةِ الأَرْبع، فإنَّ الإِنْصافَ خيرُ الأَوْصاف. وذلك لأنَّ الأَرْبع هذه لم تكن بسلامٍ واحدٍ، بل جمع الراوي بين الشفعين لِتَنَاسِبِ بينهما، نحو كونِهما في سلسلةٍ واحدةٍ بدون جلسة في البين، كالترويحة في التراويح، فإنَّها تكونُ بعد أربع ركعات. هكذا شرحه أبو عُمر في ((التمهيد)). وتشهدُ له روايةٌ صريحةٌ في ((السنن الكبرى))(١) للبيهقي: ((يصلِّي أربعًا ثُمَّ يتروح)) ... إلخ. والحافظ رضي الله تعالى عنه مَرَّ عليه في موضعين ورآه كالجائزاتِ، وأخفى به صوتَه لأنه عَرَف أنه يفيدُ الحنفيةً شيئًا، وقد عَلِمْتَ أنَّ عَمَلِهِ وَّ إذا ثَبَت في الخارج بالتسليم بَيْنَهما، فلا تَمسُّك في هذا الإِجمال. قوله: (ثُمَّ يصلِّي ثلاثًا) ولفظ ((ثُمَّ)) للتراخِي، وكانت هذه الثلاثُ بسلام واحدٍ عندي. ولو ثَبَتِ عندي سلامُهُ بََّ بعد ركعتي الوِتْر لَحَمِلْتُ هذه الثلاثَ على التسليمتينّ أيضًا كما قلتُ في الأَرْبع ولكنَّه ◌َّر لم يَرْكع بركعةٍ واحدةٍ قط، فلم تحتملِ التسليمَ في البين. والله يعلم أني لا أتبع الهوى. ولكني حكمت بما أراني ربي وهو العليم الخبير. قوله: (تَنَامُ) إلخ .. ولعلها لم تعلم بعادتها في الوتر، فسألت عن نَوْمه قبل الوِتْر، فإنه (١) قلت: وهذا صورةٌ إسنادها: أنبأ أَبو علي الرُّوذَبَاري بطُوس: أَنبأ أبو طاهر المحمد آباذي: حدثنا السري بن خزيمة: حدثنا الحسن بن بِشْر الكوفي: حدثنا المعافى بن عمران، عن المغيرة بن زياد المَوْصلي، عن عطاء، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: ((كان رسولُ الله ◌ََّ يصلي أربعَ ركعاتٍ في الليل، ثُم يتروح، فأطال حتى رحمته. فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله قد غفر اللَّهُ لك ما تَقَدَّم من ذنبك وما تَأَخَّر، قال: أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟)). قال البيهقي تفرَّد به المغيرةُ بن زياد، وليس بالقويّ. وقوله: (ثُم يتروَّح))، إن تَبَت فهو أَضْلٌ في تَروُح الإِمام في صلاة التراويح. والله أعلم - ص (٤٩٧) ج٢ -. قلتُ: لا بأس بضعف الرواية، فإنها تَكْفي لتعيين أَحَدٍ المحتملات . ٥٦٩ کتاب التهجّد يخاف منه الفوات. فأجاب أنه تنام عيناهُ ولا ينامُ قَلْبُه، فلا يخافُ الفواتَ منه إن شاء الله تعالى. ثُم إنَّ صلاتَهُ وَّر في الليل أيضًا كانت بعد النَوْم، إلَّا أن مَحَظّ سؤالِها هو الوِتْرُ فقط. ١١٤٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ قالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عائشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: ما رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌ََّ يَقْرَأُ فِي شيءٍ مِنْ صَلَاةٍ اللَّيلِ جالِسًا، حَتَّى إِذَا كَبِرَ قَرَأَ جالِسًا، فَإِذَا بَقِيَ عَلَيهِ مِنَ السُّورَةِ ثَلاثُونَ أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً قامَ، فَقَرَأَهُنَّ ثُمَّ رَكَعَ. [طرفه في: ١٨ ١١٤٨ - قوله: (وإنَّ عينيَّ تَنَامَانِ) إلخ. وعندي هذه حكايةٌ عن حالته في اليقظة (١) وإن كان الناسُ حَمَلُوها على النوم. أعني أنَّ للأنبياءَ عليهم السلام عند التفاتهم إلى عالم القدس حالةً في اليقظة لا تعبر إلا به كما في ((تنوير الحوالك)) للسّيوطي رحمه الله في قصة الأذان عن عبد الله بن زيد: أنه رأى المَلَكَ يؤذِّن بين النوم واليقظة. وسمَّاه نحوًا مِنْ الكشف. وذكر الشيخُ الأكبرُ رحمه الله تعالى أنَّ ما يراه العوامُ في المنام يراه الأولياء في اليقظة فإذن هو أَمْرُ معنويُّ فهو في حالَي اليقظة والنوم سواء. ١٧ - بابُ فَضْلِ الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَفَضْلِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الؤُضُوءِ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ ١١٤٩ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ نَصْرِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي حَيَّنَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ: ((يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجى عَمَلٍ عَمِلتَهُ في الإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيكَ بَينَ يَدَيَّ فيِ الجَنَّةِ)). قالَ: مَاَ عَمِلتُ عَمَلًا أَرْجِى عِنْدِي أَنِّيَّلَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا في سَاعَةِ لَيلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيتُ بِذْلِاءَ. الظُّهُورِ ما كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: دَفَّ نَعْلَيكَ، يَغْنِي تَحْرِيكَ. وهذه الترجمة أليقُ بأبوابِ الطهارة، إلا أنَّ المصنِّفَ وَضعها في الصلاة لكونه بصدَدِ إثبات تحية الوضوء. ثم إنَّ إدامة الطهور سميت بسلاح المؤمن، لأن الشيطانَ يأنس من النجاسات والألواث، ويَنْفِرُ من الطهارة. ولأنَّ المرءَ يأمن بَعْدَها عن فواتِ الصلاة: باللَّيل والنَّهار. ووَسَّع الشافعيةُ رحمهم الله تعالى فيها حتى أَجازوها في الأوقاتِ المكروهةِ أيضًا. (١) قال ابن العربي في ((العارضة)) ص (٢٢٩) ج ٢: (وهذا) بيانٌ لخروجِه ◌َّر من جملةِ الآدميين في أنَّ نومَهُ ويقظَّتَهُ سواءٌ في حِفْظ حاله، وصيانةٍ عبادته. وذلك أنَّ النومَ آقَةٌ يُسَلِّطُهَا اللَّهُ على العبد يخلعُ فيها السلطنةَ التي للنَّفْس على البدن، فيستريح من خدمتها في أغراضِها ويقطعُ تلك العَلاقة التي بينهما، فيبقى البدنُ مستريحًا، حتى إذا شاء اللَّهُ ربط العَلاقة باليقظة، ورَدَّ الاستشعارَ كما كان. فَأَخْبَرِ النبيّ ◌ََّ أنَّ النومَ إنَّما يَحُل عينه لا قلبه، فإِنَّ أحوالَه محفوظةٌ عنده، لا خصيصةً خُصَّ بها كما بيناه. اهـ. قلت: لا ريبَ أن القاضي أوْضَحَه على أَبْدَعَ وَجْهٍ غير أن ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى أَحْسَن منه عندي، فإِنه على تقريرِه تندفِعُ عنه الإيراداتُ بأسْرِها من نومه في ليلة التعريس، ونحوه والله أعلم. ٥٧٠ كتاب التهجد وأما المصنّفُ رحمه الله تعالى فلم يوسِّع هذا التوسيعَ، حيث حجر عن مطلقِ الصلاة عند طلوع الشمس، وألَان الكلامَ فيما بعد العَصْر وبعد الصُّبْحِ. وقد علمتَ التفاصِيلَ فيما مَرَّ . ١٨ - بابُ ما يُكْرَهُ مِنَ التَّشْدِيدِ في العِبَادَةِ ١١٥٠ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَينِ، فَقالَ: ((ما هذا الحَبْلُ؟» قالوا: هذا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ لَّمَ : ((لا، حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلَيَقْعُدْ)) . ١١٥١ - قال: وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عِنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالَتْ: كانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنَ بَنِي أَسَدٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِِّ، فَقَالَ: ((مَنْ هذهِ؟)). قُلتُ: فُلَانَةُ، لَا تَنَامُ بِاللَّيلِ، فَذُكِرَ مِنْ صَلَاتِها، فَقَالَ: ((مَهْ، عَلَيْكُمْ ما تُطِيقُونَ مِنَ الأَعْمَالِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَّمَلُّوا)). [طرفه في: ٤٣]. قالت طائفةٌ مِمَّن ادعوا العملَ بالحديثِ مِنْ غيرٍ عِلْم وعمل: إنَّ الاجتهادَ في العبادة [الذَّاريات: ١٧]. كيف بِدعَةٌ. قلت: فأين هم من قوله تعالى: ﴿كَانُواْ قَلِيلًا مِنَ الَّلِ مَا يُهْجَعُونَ وَصَفَهم بالاجتهاد. ومِثْلُهُ غيرُ قليلٍ في القرآن، ودَغْوَى النَّسخِ جَهْلٌ. وقد ورد في فَضْل إكثارِ العبادةِ والاجتهاد في العمل غَيْرُ واحَدٍ مِن الأحاديث، مع الترغيبِ في القَصْد فِي العمل. وهذا الباب إنما يُشْكِلُ جَمْعُهُ على مَنْ لا يُرْزَقُ فَهْمًا سليمًا . واعلم أن وراء ذلك سرًا، وهو أنَّ الله تعالى خَلَق الناسَ على طبائعَ مختلفةٍ: فمنهم: مَنْ يكون قوِيَّ الهِمَّة قَوِيَّ العَمَل، فيعملُ بِأَخْذِ العزائم ويُعْرِضُ عن الرُّخَص، يُحِبُّ أن يستغرق أوقاتِهِ كلّها في طاعة الله عز وجل، ويُنْفِقُ ماله حتى يقومَ وما عنده شيءٌ ويُغازي في سبيله حتى يَفْقِد نَفْسِه ومالَه. لكنَّ هؤلاء قليلون لو شِئت لعددتُهم على الأصابع. ومنهم مَنْ هو دون ذلك، فلا يستطيعُ أن يسيرَ سَيْرَه فيطلب في الدِّين فسحةً ورخصةً، وعلى قَدْر كل منهم جاءت الأحكامُ. غيرَ أنَّ عامةَ الناسِ كما قد سُيِّرت يَضْعُفونَ عن الأحكام الصعبةِ، فجاءت عامةُ أحكام الشرع أيضًا تُبنى على اليُسْر. ففرَضَ عليهم في اليوم والليلةَ خَمْسَ صلواتٍ فحسب. وأَبيَح لهم جَمْعُ قِنطار من الأموال بعد أداءِ الزكاةِ، وجُعِلَ لأنفسِهم وأعينِهِم وزوَّارهم حَقٌّ، فلم يَرغَبوا إلا بصوم داودَ. ولما كان خيرُ الأعمالِ ما ديم عليه نُهوا عن الإِكثارِ في العبادةِ والاجتهاد في العمل فوقَ ما يُطِيقُون، لئلا يَفْتُروا، فإنَّ إثْرَ كلِّ شرة فترة. كيف وقد كان مُعَلِّمًا للأجلافِ والأَعرابِ، فشرَع لهم من الدِّين ما تَيسَّر لهم، ولم يكلِّفْهم إلا بما يُطِيقون، ولم يرغِّبْهمٍ إلَّا بما تُرجى الإدَامةُ منهم عليه، فقال: ((لن يشادَّ الدِّينَ أَحدٌ إلَّا غَلَبَه)). أو كما قال - أي كأنَّ في الدِّين أحكامًا لو شاء ٥٧١ كتاب التهجّد الرَّجلُ أن يأخِذَ بِكُلِّها عَجَز، فسدِدُوا وقارِبُوا، فكان هذا ضربًا من التعليم، ونحوًا من البيان، ولا يريدُ به الذَّمَّ على مَنْ جعل نَفْسه لله وجعل دُنْياه وراءَ ظهره. فدع العباراتِ وخُذْ بالمرادِ، فإنَّ ذلك سبيلُ السداد. ومَنْ لا يراعِي أساليبَ الكلامِ يختبِطُ بكلِّ وادٍ. مِنْ أجلِ ذلك خَبَطُوا فِي مراد غير واحدٍ من الأحاديث: منها ما في ((المشكاة)): ((إذا سلط عليكم أمراءُ ظلمةٌ فلا تدعوا عليهم وأصلحوا أنفُسَكم، فإنَّكم كما تكونون كذلك يُؤمَّرُ عليكم» . - بالمعنى - فسبق إلى بعضِ الأوهام أَنَّ في الحديثِ نهيًا عن الدعاء على الأمراء ولو كانوا ظالمين، ولم يفقهوا أنه ضَرْبٌ من البيان، ونَوْعُ من العُنوان فقط. والغَرَضُ منه توجِيهُ الناسِ إِلى أَمْرٍ أَهمَّ منه. فإنَّ الإنسانَ في سجيته أَنه إذا ابْتُلِي بِأَمْثَالٍ تلك المظالم يذهل عن أحوالٍ نَفْسه، ويجعلُ الدعاءَ على الظالم وظيفتَهُ. فَوَجَّهه الشَّرْعُ إلى أَمْرٍ قد يكونُ غَافِلًا عنه في هذا المَوْضِعِ مع كونه أَهَمَّ، وهو إصلاحُ أحوالِ نَفْسِهِ أيضًا. وعلَّمهم أنَّ الاشتغالَ بإِصلاحِ أعمالهم أَقْدَمُ وأَهَمُّ من الدعوة عليهم فقط. فإنَّها ماذا تُغني عنهم إذا كانوا مشغوفين بالأهواء واللذائذ، فأَوْلى لهم بهذا العذاب، ثُمَّ أولى لهم. فالأصلُ النافع لهم أَنْ يقدِّمُوا ما ذهلوا عنه رَأْسًا إلى إصلاح النَّفْس، وأن يُؤخّرُوا ما جعلوه بمرأى أعينهم، أي الدُّعاء عليهم. فالحديث لم يَرِد في ذمِّ الدعاءِ عليهم، بل في ذَمِّ ذهولِهم عما كان أنفعَ لهم وأهمَّ، وكان ذلك نَحْوَ تعبيرٍ لهم لهذا المَقْصدِ في غاية الفصاحة والبلاغة فلم يدرِكوه، وعَضُّوا بالألفاظ فلم يُوَفَّقوا لإِدراك المراد. وذلك لأنَّ فيه تنزيلَ شيءٍ ليس له عبارةٌ في نَظَرِ الشَّارعِ مَنْزِلَةَ العدم. وإنَّما احتاجَ إلى هذه العنايةِ لعبادتِهم بتلك الجهةِ، وذهولِهم عن الأهمِّ الأَقْدَم. ومن هذا الباب ما روي فِيمَن صلَّى التهجّدَ ثُمَّ تَرَكَه أَنَّه لو لم يُصلِّه لكان أَحْسَنَ بالمعنى جَعَلَه الناسُ أيضًا معركةً لِيَحْثِهم في فَضْل مَنْ تهجَّدَ ثُمَّ تَرَكه، ومَنْ لم يتهجَّد رأسًا، وما ذلك إلَّا لعدم عنايتهم بأنحاء الكلام، وفَهْم المَرَام. ولو تَفَخَّصُوا فيه لعلموا أن في الحديثِ تأكيدًا أكيدًا للتهجّد، وليس فيه المفاضلة بين هذين، ولا حرف. فهو كقول الأستاذ لتلميذه عند تأديبه: لو أنك ما تعلمت كان خيرًا لك، فكما أن كلَّ أحَدٍ يعلم أنه ليس فيه تحريضٌ على عدم تَعَلُّمِه، بل فيه تأكيدٌ لِتَعَلُّمِ حَق التعلم. كذلكِ في قَوْل النبيِّ ◌َ﴿ ليس فيه بيانُ المفضوليةَ مَّنْ تهجَّد ثم تركه، بل فيه ترَغِيبٌ وتحريضٌ لِمَن أَدَامَ عليه، وتعنِيفُ وتعبيرٌ على مَنْ صَلَاهُ ثُمَّ تَرَكَه. ومِنْ هذا القبيل قولهُ مَّه: ((مَثَلُ أُمّتِي كَمَثَلِ الْمَطَر، لا يُدْرِى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَم آخِرُهُ)). فحمله بَعْضُ مِنَ الكبار على ظاهره، وجَوَّز فَضْلَ بَعْضٍ مِّنْ يأتي من أمته على بعض الصحابة رضي الله عنهم، مع أَنَّه ضَرْبُ مَثَلٍ لِبيانِ الخيريةِ في جميع أُمَّتِهِ على حَدِّ قوله: تَشَابه يومًا بأسُهُ ونوالُهُ فما نحن ندرِي أيّ يوميه أَفْضَلُ وما منهما إلَّا أَغَرِّ مُحَجَّلُ أيوم نداه الغُمْر أم يوم بأسِه وبالجملة كثيرًا ما يُساق الحديثُ على مجرى محاوراتِ الناس ومخاطباتهم. ومَنْ يذهلُ عن أساليب الكلام وأنواع الخطابات يَعَضُّ بالألفاظ، فيقع في الأغلاط. فإنَّما عَنَى من النَّهي ٥٧٢ كتاب التهجّد عن الإِكثار في العبادةِ الاقتصادَ في العَمَل، لئلا يكونَ من بابٍ طَلَبِ الكُلِّ فَوْت الكُلِّ، وأَمْعِن النظر في قوله: ((إنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حتى تَملُّوا)) تجد المعنى فيه ما ذكرنا، فافهم واستقم (١). ثُمَّ في الحديث: ((أنَّ النبيَّ وَّ كان له خشبٌ يتكىءُ عليه في الصلاة إذا عَيي)). فثبت منه جوازُ الاتكاء في النافلة، وبه قلنا. وفيه ما يدُلُّ على طولٍ قيامِه أيضًا. ١٩ - باب ما يُكْرَهُ مِنْ تَرْكِ قِيَامِ اللَّل لِمَنْ كانَ يَقُومُهُ ١١٥٢ - حدّثنا عَبَّاسُ بْنُ الحُسَينِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَشِّرٌ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ ح. وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَ الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَني يَحْيِى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قالَ: حَدَّثَني أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْروٍ بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَهِ: (يَا عَبْدَ اللَّهِ، لا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيلَّ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ)) . وَقَالَ هِشَامٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي العِشْرِينَ قَالَ: حدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيِى، عَنْ (١) يقول: العبد الضعيف: والذي فَهمته من تقريره هذا أنه كم من أشياءَ يحبُّها اللَّهُ تعالى ثم لا يأمرُ بها بل ينهى عنها لمصلحةٍ، كما أن كثيرًا من الأشياء تكونُ مبغوضةً عند الله تعالى ثُم لا يَنْهى عنها. أما الثاني فكالطلاق، فإِنه أبغضُ المباحاتِ عند الله تعالى ومع ذلك أباحَه تعالى ولم يحرِّمه على الناس لمصلحةٍ، فإِن الرجل قد يحتاج بل قد يضطرُ إلى التفريقِ فجعل له سبيلًا، وهو الطلاق، وكالغناء حيث كانت جاريتان تغنيان بين يَدَي النبيِّ لَّه وهو متغشٍ وَجْهه بثوبه. ففي تغشِّيه أيضًا بيانٌ لعدم رضائه، وفي عدم نَهْيه صراحةً تقريرٌ لإباحته في الجملة، وتقريره في موضعه مشهورٌ وسيرد عليك بَعْضُه في هذا الكتاب أيضًا إن شاء الله تعالى. وأما الأَوَّلُ فَكَصَوْم الذَّهر وخَتْم القرآن في ليلةٍ مثلًا، فإنه لا ريب في كونهما عبادتَين، غير أن الشرع لم يحرض عليهما بل نهى عنهما، وفي هذا الباب صوم الوصال وإحياء الليالي فإنه مما تضعف عن حَمْلِه بُنيةُ البشر، فإِنَّ الإِنسانَ خُلِق ضعيفًا. ولذا كان بناء الدِّين على اليُسْر، نعم يُعلم من عَرْض كلامه كونُ تلك الأشياءِ واقعةً في أقصى مراتب الرضاء، ولذا كان بعضُ الصحابة رضي الله عنهم يواصلُ، كعبد الله بن الزُّبير، وأبي بكر رضي الله عنهما. وجَعَل صوم الذَّهر مجعل المشبه به في الفَضْل فقال: ((صُم مِن كل شَهْر ثلاثةً، فإِذا أنت قد صُمْتَ الدَّهْر)). أو كما قال: ألا ترى أن الله تعالى لم يجعل الوضوءَ فَرْضًا عند كلِّ صلاة، لكنَّ ابن عمر رضي الله عنه كان يرى أن به قوةً فكان يتوضأ لكل صلاة. وقال النبيُّ نَّه: ((لولا أن أَشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسِّواك)). وكذلك غَضِب النبيُّ ◌ََّعلى الأَقْرع بن حابِس حين قال في الحج: ((أفي كلِّ عام يا رسولَ الله؟ ثُم قال: لو قلت نعم لافترض عليكم ثُم لم تستطيعوا)). أو كما قال ثُمَّ حَرَّض على ذلك أيضًا في غيرٍ واحدٍ من الأحاديث، فقال: ((تابعوا بين الحجِّ والعُمْرةِ)). فلا ريبَ أن الحجَّ في كلِّ سنةٍ عبادةٌ عظيمة. وكذلك صومُ الدَّهر وأخواته إلا أنَّه نهى عنها لأن الزمان زمانُ نزول الوحي، والناس في شَغَف بالعبادة غير مفترين. فلو أقرَّهم على ذلك لأمكن أن يُفْتَرض عليهم فيضعفوا عن حَمْله. كما أنه لم يخرج إليهم بعد الليلة الثالثة في قصة صلاته في رمضان خشيةَ أن تُكْتَب عليهم. وهذا الذي عناه عمرُ رضي الله عنه - والله تعالى أعلم .: أَنَّ النبيَّ ◌ِ لَكان يُحِب الجماعةَ فيها، ثُم تركها لمصلحةٍ. ولما ارتفعت خشيةُ الافتراض بعده أعادَها إلى هيئتها التي عَلِم من حُبِّ النبيِّ ◌َّ إِيَّاها كما فعلته الأُمة في صوم التاسع والعاشر. وكما فعله عبدُ الله بن الزُّبير رضي الله عنه في جَعْل البابين للكَعْبة المشرَّفة. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٧٣ کتاب التهجّد عُمِرَ بْنِ الحَكَمِ بْنِ ثَوْبانَ قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ: مِثْلَهُ. وَتَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَة، عَن الأَوْزَاعِيِّ. [طرفَه في: ١١٣١]. ٢٠ - بابٌ ١١٥٣ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ عَمْرِو، عَنْ أَبِي العَبَّاسِ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيلَ وَتَصومُ النَّهَارَ؟)) قُلتُ: إِنِّي أَفعَلُ ذلِكَ. قالَ: ((فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلتَ ذلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ، وَنَفِهَتْ نَفسُكَ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ حَقًّا، فَصُمْ وَأَفِطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ)). [طرفه في: ١١٣١]. وفيه محمد بن مقاتِل، وهو تلميذُ ابن المبارَك من الحنفيةِ، كذا قاله الحافظ ابنُ تيميةً رحمه الله تعالى. ١١٥٣ - قوله: (هَجَمَتْ عَيْنُك) أن کھین دهنس جائينكى. قوله: (نَفِھَتْ نَفْسُك) نفس جور هوجا ویکا . وحاصلِ الكلام: أنَّ الكمال ليس في الاجتهاد فقط، بل في رعاية الحقوقِ ومراعاةٍ الجوانب. فعَلَّمه أن يعملَ بما هو الأعلى والأَوْلى. ومن الطبائع النازلة مَنْ يَعُدُّ الكمالَ في سهر الليالي وصيامِ الدَّهْر فقط وإن فاتَت عنه الحقوقُ. ٢١ - بابُ فَضْلٍ مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيلِ فَصَلَّى ١١٥٤ - حدّثنا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قالَ: حَدَّثَني عُمَيرُ بْنُ هَانِىءٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بَنُ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَّ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَّا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، الحَمْدُ للَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعا، اسْتُجِيبَ لهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ قُبِلَتْ صَلَاتُهُ)). ١١٥٥ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرٍ قالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الهَيْثَمُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ يَقْضُّصُ في قَصَصِهِ، وَهُوَ يَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ أَخَا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ)). يَعْنِي بِذلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ : إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ سَاطِعُ وَفِينَا رَسُول اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ بِهِ مُوقِئَاتٌ أَنَّ ما قالَ وَاقِعُ إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضَاجِعُ أرَانَا الهُدَى بَعْدَ العَمى فَقُلُوبُنَا يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ , ٥٧٤ كتاب التهجّد تَابَعَهُ عُقَيلٌ. وَقَالَ الزُّبَيدِيُّ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ وَالأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ١١٥٦ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافَعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ النَّبِّ ◌ََّ كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ، فَكَأَنِّي لَا أُرِيدُ مَكَانًا مِنَ الجَنَّةِ إِلَّ طَارَتْ إِليهِ، وَرَأَيتُ كَأَنَّ اثْنَيْنِ أَتَيَانِي، أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَتَلَقَّاهُمَا مَلَكٌ فَقَالَ: لَمْ تُرَعْ، خَلِّيَا عَنْهُ. [طرفه في: ٤٤٠]. ١١٥٧ - فَقَصَّتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ◌ََّ إِحْدَى رُؤْيَايَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َيِّ: ((نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ)). فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُصَلِّي مِنَ اللّيلِ. [طرفه في: ١١٢٢]. ١١٥٥ - قوله: (وفِينَا رَسولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ) ... إلخ. وتفصيلُ الواقعة أن عبد الله ابِنَ رَوَاحَةً جامع مرةً أَمَّة مِنْ إِمائه، فغارت عليه زوجتُهُ وأرادت أن تقتُلَه، فأنكر عبدُ الله أن يكونَ جامعها. وقال: إنِّي أقرأُ القرآنَ. فأنشأ هذه الأبياتِ بداهةً. ولم تكن تعلمتِ القرآنَ فحسِبَتهُ قرآنًا. فقالت: صَدَّقْت كلامَ اللَّهِ وكذَّبْتُ عيني. ولما بلغَ النبيَّ وَلِّ قِصَّتَهُ ضَحِك. أخرجها الدار قطني مفصلة (١). قلتُ: وفيها حُجَّةٌ على شهرةٍ أَمْر الجُنُب عندهم بأنه لا يقرأ القرآنَ، حتى كان يعرِفُه مَنْ قرأ القرآنَ، ومَنْ لم يقرأ، وقد مر معنا الاستدلال بها على خلاف البخاري رحمه الله تعالی . ١١٥٦ - قوله: (كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ) إلخ. أي مكان الجناحين. قوله: (أَنْ يَذْهَبا بي إلى النار) أي لإراءة شأنِها . (١) أخرج الدار قطني ص (٤٤) ج ١ - عن سلمة بن وَهْرام، عن ◌ِكْرمة قال: كان ابنُ رواحةَ مُضطجِعًا إلى جَنْب امرأتِهِ. فقام إلى جاريةٍ له في ناحيةِ الحُجْرة فوقع عليها. وفَزْعَت امرأتُه فلم تجدْهُ في مضجعه. فقامت وخرجت فرأتْهُ على جاريتِهِ، فرجعت إلى البيت فأخذت الشفرة، ثُم خرجت. وفَرَغْ فقام، فلقيها تَحْمِل الشفرةَ فقال: مَهْيَم، فقالت: مهيم، لو أدركتُك حيث رأيتُك لوجأتُ بين كتفيك بهذه الشفرةِ. قال: وأين رأيتِني؟ قالت: رأيتُكَ على الجاريةِ فقال: ما رأيتِني، وقد نهى رسولُ اللَّهِ وَ لِ أَنْ يقرأَ أحدُنا القرآنَ وهو جُنُب. قالت: فاقرأ فقال: أتانا رسولُ اللَّهِ يَثْلُو كتابَه إذا انشق معروفٌ من الفَجْر ساطع به موقناتٌ أَنَّ ما قال وَاقِعُ أرانا الهُدَى بعد العَمى فقلوبُنا يَبيتُ يجافي جَنْبَهُ عن فراشِه إذا استثقلتْ بالمشركين المَضَاجِعُ فقالت: آمنتُ بالله وكذَّبْتُ البَصَر. ثُم غَدا على رسول الله ◌ِلَ فَأَخْبَرَه، فَضَحِك حتى بدت نواجِذُه ◌َِّ ... إلخ. قلت: وسَلَمة بن وَهْرامٍ وَثَّقه ابنُ مَعين، وأبو زُرْعة. وضَعَّفه أبو داود كما في هامشه. ٥٧٥ كتاب التهجّد ١١٥٨ - وَكَانُوا لَا يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ◌َيَّ الرُّؤْيَا: أَنَّهَا في اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ في العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلَيَتَحَرَّهَا مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِر)). [الحديث ١١٥٨ - طرفاه في: ٢٠١٥، ٦٩٩١]. والرَّجُل إذا تعارَّ مِن الليل يسبقُ منه اللَّغَطُ والسُّخْط فأَصلحه الشَّرْع وجَعَل مكانَه هذا الذِّكر. ١١٥٨ - قوله: (قد تَواطَأتْ في العَشْر الأواخِرِ) أي في كونِ ليلةِ القَدْر فيها. واعلم أَنَّ الشَّارِحين جُمْلَتهم ذهبوا إلى أنَّ القيامَ المشروعَ لحال ليلة القَدْر إنَّما هو فِي أَوْتارِ العَشْر الأواخِر فقط. وقد تبينَ لي كَوْنُهُ في جميع العَشْرِ وإن كانت ليلةُ القَدْر في الأَوتار فقط. ولذا سُنَّ الاعتكافُ في العَشْرِ كُلِّها، وهو مرادُ الأحاديث عندي إن شاء الله تعالى وإن لم يذهبْ إليه أحدٌ ثُم لا يخفى عليك أني لا أخالفهم في باب المسائل بحيث يُوجِب اختلافًا في عملٍ أو اعتقادٍ، وإنما أَذكرُ التوجيهاتِ والمحامِلِ للأحاديثِ على نحو ما يُفْهِمِني رَبِّي. فلا تِرِم بي أني أخالِفُ السَّلفَ أو أساميهم في شيء. فإِنَّ المُعْتَقَد ما اعتقدوه، والسبيلَ ما سَلَكُوه، والأحكامَ ما أسَّسوها، والفروع ما فرعوها. بيد أنَّ الرجلَ إِذٍ يَسْنَح له أَمْرٌ مما لا يجب فيه تقليدُهم يبوح به. وبعد فما أُريدُ منه إلا الإصلاح ما استطعت وإنما المَقْبُوحِ مَنْ خالفهم في مسائلهم، أو اخترع سُنَّة غَيْرَ سُنَّتهم، أو نهج غَيْرَ منهجهم. فذلك أَمْرٌ مما نستعيذُ منه بربِّنا الكريم . ٢٢ - بابُ المُدَاوَمَةِ عَلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ ١١٥٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَني جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مالِكِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: صَلَّى النَّبِيُّ وَِّ العِشَاءَ، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، وَرَكْعَتَيْنِ جالِسًا، وَرَكْعَتَينٍ بَيْنَ النِّدَاءَينِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا أَبَدًا. [طرفه في: ٦١٩]. ومَنْ ههنا ذهب الحَسَن البصري رحمه الله تعالى إلى وجوبها، وهو رواية عن أبي حنيفةَ رحمه الله تعالى أيضًا . قوله: (ثمان ركعات) والعجب من الراوي حيث ترك فيه ذِكْرَ الوِتْر مع كونِه دعامةً في أحاديث صلاة الليل. وهو مذكورٌ عند أبي داود في هذه الرواية بعينها: ((وركعتين جالسًا)). وهاتان الركعتان ليستا عند البخاريّ رحمه الله تعالى في غير هذا الموضع. ولكنَّه لم يترجم عليهما لأنه لم يذهب إليهما. وتردّد فيها مالك رحمه الله تعالى أيضًا كما مرّ، مع أن الأحاديثَ قد صحّت فيهما. بقي أن الجلوسَ فيهما اتفاقي أو قصدي؟ فاختار النووي رحمه الله تعالى الأول. وعندي المختار هو الثاني لأنهما لم تَثْبُتا عنه قائمًا قط. فَحَمْلُ فِعْله في جميع عُمُرِه على الاتفاق مما يصادِمُ البداهةَ، وإذن هو قَصْدي، وقد مَرَّت نكتتُه مِن قبل . ٥٧٦ کتاب التهجّد ١١٥٩ - وقوله: (ولم يَكُنْ يَدَعْهُما) ولم يَثْبُت(١) عندِ ركعتي الفَجْر في غزوة تبوك حِين أَمَّهُ عبدُ الرحمن بنُ عوف. قلت: وهو يفيدُنا، فنحن نقول: لعلَّه صَلَّاهُما بعد الطلوع. ٢٣ - باب الضِّجْعَةِ عَلَى الشَّقِّ الأَيَمَنِ بَعْدَ رَكْعَتَى الفَجْرِ ١١٦٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قالَ: حَدَّثَنَي أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ عروَةَ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيمَنِ. [طرفه في: ٦٢٦]. نسب إلى إبراهيم النَّخَعِيِ أنه ذهب إلى كونِها بدعةً، قلت: مرادُه التوغلُ والمبالغةُ فيها كالاضطجاع(٢) في المسجد، فإِنَّه ◌َّرَ كان يضطجِعُ في بيته، قال الشافعي رحمه الله تعالى: إنَّه كان للفَصْلِ، فلو جاء أَحدٌ إلى المسجدِ حصل الفَصْلُ أيضًا. وبالجملةِ هو جائزٌ وليس مطلوبًا إلا أن يفعلَها اتِّباعًا له وَلّ . . ٢٤ - باب مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَينِ وَلَمْ يَضْطَجِعْ ١١٦١ - حدّثنا بِشْرُ بْنُ الحَكَم: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قالَ: حَدَّثَنَي سَالِمٌ أَبُو النَّصْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهَ كَانَ إِذَا صَلَّى، فإِنْ كُنْتُ مُسْتَيقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلَّا اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ. [طرفه في: ١١١٨]. وكَرِهَهُ الحنفيةُ رحمهم الله أيضًا. حتى قال بعضهم: إنه لو تكلم بعد سُنَّة الفجر يعيدُها . ورأيت في ((المدونة)) أن مالِكًا رحمه الله تعالى بعد سُنَّةِ الفَجْر لم يكن يَنْحَرف عن القِبْلةِ حتى يصلِّ الفَرْض، ولم يكن يتكلم بينهما. وقد مر معنا أنه أَمْرٌ مطلوبٌ بلا مرية، إلا أنه لا وَجه لعدم الجواز فتذكره. نعم لا قياسَ على كلامِ النبيِّ نَّ فإِنَّ أفعالَه كلَّها كانت عِبادةً. ٢٥ - باب ما جاءَ في التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى وَيُذْكَرُ ذلِكَ عَنْ عَمَّارٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَأَنَسٍ، وَجابِرِ بْنِ زَيدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . (١) قلت: روى أبو داود ص (٢١) في باب المسح على الخفين في قصة إمَامَتِه: فلما سَلَّم قام النبيُّ وَّ فَصَلَّى الركعةَ التي سبق بها ولم يزد عليها شيئًا، وحَمَله أبو داود على نفي سجدتي السَّهْو. وحينئذٍ ليس فيه ما ذكره الشيخ. وحَمَله الشيخُ رحمه الله تعالى على نفي سُنة الفجر. وحينئذٍ فيه دليلٌ على أنها لا تُقْضى بعد صلاةِ الفَجْر قبل الطلوع، لأنَّ النبيَّ ◌ََّ لم يَقْضِهِما. (٢) قال ابن المَلَك: هذا أَمرُ استحبابٍ في حَقِّ مَن تهجَّد بالليل. وفي ((المِرقاة)): فينبغي إِخفاؤه وفِعْلُه في البيت لا في المسجد على مَرأى الناس. ونقل ابن العربي في ((العارضة)) ص (٢٣٠) ج ٢: إِنَّ أَحمد بنَ حنبل رحمه الله تعالى مع مواظبتِه على قيام الليل كان لا يَفْعَله ولا يمنعُ مَنْ يفعلهُ. وكان يكرهُها ابنُ عمر رضي الله عنه وجماعةٌ من الفقهاء، وبلغني عن قومٍ لا معرفةً عندهم أنَّهم يوجبونَها. وليس له وَجْهٌ، لأنَّ النبيَّ ◌َّهِ إنما رأتْهُ عائشةُ رضي اللَّهُ عنها يَفْعَلْهُ ولم يرَهُ غَيْرُهَا. ولو رآه عَشْرَةٌ في عشرةٍ مواطنٍ ما اقتضى ذلك أن يكونَ واجبًا في كل موطن اهـ. ٥٧٧ کتاب التهجّد وَقَالَ يَحْيِى بْنُ سَعِيدِ الأَنْصَارِيُّ: ما أَدْرَكْتُ فُقَهَاءَ أَرْضِنَا إِلَّا يُسَلِّمُونَ في كُلِّ اثْنَتَينِ مِنَ النَّهَارِ . اختار مذهب الشافعي رحمه الله تعالى. واختار الطحاوي رحمه الله تعالى مَذْهب الصاحبين، وهو الأَقْوى دليلًا عندي. ثم اعلم أن اختلافَ أفضليةِ الأربع والمَثْنَى فيمَن أراد أَنْ يصلِّي الأربعَ فما فَوْقها أنه بسلامٍ واحدٍ أو بسلامين. أَمَّا مَنْ أراد مِن أول الأمر أن لا يأتي إلا بِشَفْع فقط فلا اختلاف فيه. وحينئذٍ فَتَمَسُّك المصنّف رحمه الله تعالى بنحو تحيةِ الوضوءِ، وصلاةِ الاستخارة وغيرِها في غيرِ مَوضعه، فإِنَّه مِمَّا لا نِزَاع فيه لأحد. قوله: (وقال يَحْيَى بِنُ سَعِيدٍ): وهو تابعي صغير قاضي المدينة. قلت: وعن يحيى بنِ سعيدٍ هذا ما يعارضُه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه بسندٍ صحيح: ((أنه رآه يصلّي أربعًا قبلَ الظهر بسلام واحدٍ». وعن عائشةَ رضي الله تعالى عنها - في البخاري - في باب الركعتين - ص ١٥٧ ج ١ - قبل الظهر: ((أَنَّ النبيَّ ◌َِّ كان لا يَدَعُ أَرْبعًا قبل الظُّهْر)). وهو عندي بسلام واحد. وأقرَّ ابنُ جرير أنَّ أكثرَ عملِهِ نَّر كان على الأربع. قلت: وقد ثَبَت عنه ◌َِّ الركعتان قبلها أيضًا، فإِنكارُه شطط. وقولها: ((كان لا يدع)) إلخ لا ينفي ما قلنا، لأن هذا التعبيرَ يُستعمل فيما يغلِبُ وجودُه أيضًا، فالاستمرارُ فيه عُرْفِي: ومِنَ النَّاسِ مَنْ جِعلَهُ دليلًا على نَفْي الركعتين، فاضطر إلى حَمْلِ أحاديثِ الركعتينِ على صلاةٍ أُخْرى غير سُنةِ الظهر. والأقربُ عندي أنه ثَبت عنه كِلا الأَمْرين، وأنه كان الأَكثرُ هَو الأَرْبعَ، كما أقَرَّ به ابنُ جَرِیر رحمه الله تعالی. ١١٦٢ - حدّثنا قُتَيبَةُ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي المَوَالِي، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ المُنْكَدِرٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَاَ قالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ يُعَلِّمُنَا الإِسْتِخَارَةَ في الأُمُوَرِ كُلُّهَا، كما يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ، يَقُولُ: ((إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ، فَليَرْكَعْ رَكْعَتَينٍ مِنْ غَيرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ ليَقُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَّا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّمُ الغُيُوبِ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةٍ أَمْرِي، أَوْ قالَ: عَاجِلٍ أَمْرِي وَآَجِلِهِ، فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكُ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلُّمُ أَنْ هذا الأَمْرَ شَرِّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعاقِبَةٍ أَمْرِيٍ، أَوْ قالَ: في عاجِلٍ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاصْرِفِهُ عَنِي وَاصْرِفني عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيرَ حَيْثُ كانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ. قالَ: وَيُسَمِّي حاجَتَهُ)). [الحديث ١١٦٢ - طرفاه في: ٦٣٨٢، ٧٣٩٠]. ١١٦٣ - حدّثنا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعيدٍ، عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيرِ، عنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيمِ الزُّرَقِيِّ: سَمِعَ أَبَا فَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيّ الانْصَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَلّهِ: ((إِذَا دَخُلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَينِ)). [طرفه في : ٤٤٤]. ٥٧٨ كتاب التهجّد ١١٦٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ رَكْعَتَينِ ثُمَّ انْصَرَفَ. [طرفه في: ٣٨٠]. ١١٦٥ - حدّثنا ابْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقِيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: صَلَّيتُّ مَعَ رَسُوَّلِ اللَّهِ نَّهِ رَكْعَتَينِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنٍ بَعْدَ الظّهْرِ، وَرَكْعَتَينِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، وَرَكْعَتَينٍ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَينِ بَعْدَ العِشَاءِ. [طرفه في : ٩٣٧]. ١١٦٦ - حدّثنا آدَمُ قالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قالَ: سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ وَهُوَ يَخْطُبُ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِمامُ يَخْطُبُ - أَوْ: قَدْ خَرَجَ - فَلَيُصَلِّ رَكْعَتَينٍ)). [طرفه في: ٩٣٠]. ١١٦٧ - حدّثنا أَبُو نُعَيمِ قالَ: حَدَّثَنَا سَيفُ بنُ سليمانَ المكيُّ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: أُتِي ابْنُ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا فِي مَنْزِلِهِ، فَقِيلَ لَهُ: هذا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ دَخَلَ الكَعْبَةَ. قَالَ: فَأَقْبَلتُ، فَأَجِدُ رَسُولَ اللّهِ وَلَ قَدْ خَرَج، وَأَجِدُ بِلالًا عِنْدَ البَابِ قائمًا، فَقُلتُ: يَا بِلَالُ، صَلِى رَسُولُ اللَّهِ وَيَ في الكَعْبةِ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلتُ: فَأَينَ؟ قَالَ: بَينَ هَاتَينِ الأُسْطُوَانَتَينِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى رَكْعَتَينٍ فِي وَجْهِ الكَعْبَةِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قالَ أَبُو هُرِيرَةً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَوْصانِي النَّبِيُّ ◌َ بِرَكْعَتَّي الضُّحى. وَقَالَ عِتْبَانُ: غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللّهِ وَيِّ، وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَعْدَ مَا امْتَذَّ النَّهَارُ، وَصَفَفنَا وَرَاءَهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَينٍ في وَجْهِ الكَعْبَةِ. [طرفه في : ١١٦٧]. ١١٦٢ - قوله: (فَلْيَرْكَع رَكعتَين مِن غَيْرِ الفَرِيضَةِ) وهي صلاة الاستخارة، وقد عَلِمت أنها لا تقومُ حُجةً على الحنفية رحمهم الله تعالى أصلاً، وكذا الأبواب بعده كلّها، فإِنَّه فيما أُريدَ فيه الركعتانِ مِن بدء الأمر إِلَّ في بعضِ المواضع، وسيجيء. قوله: (عَاجِل أَمْري وآجِلِه) إلخ. والمشهور الآن أن يجمع بين الألفاظِ الخمسة. (ويُسَمِّي حَاجَتَه)). وهذا أصلُ ما يكتبون الأسماء في العُوَذَة. ثُمَّ إنَّ الموعودَ(١) بعدها أنَّ اللَّهَ تعالى يَقْدِرُ (١) واعلم أنه قد نَبَّه العلماءُ قديمًا وحديثًا على أنه لا يُشترط في الاستخارةِ أَنْ يرى المستخيرُ رُؤيا أَو يكلِّمه مُكلم، أو يُلقي في روعه شيءٌ. ولكنَّ اللَّهَ تعالى يُحدثُ في قلبه جنوحًا وميلًا إلى جانبٍ، يَنْشَرِحُ بعده صَدْرُه، ويستقرُّ عليه رأيُه فيختارُ الجانِبَ الذي إليه عَظْفُه ومَيْلُه. ثم إنَّ المرَء ربما لا يجدُ في نَفْسه جنوحًا ولا انشراحًا إلى جانبٍ بَعْدَ الاستخارات أيضًا، وحينئذٍ ماذا يفعل؟ فهذه عُقدةٌ لم يَحُلّها العلماءُ، ولم يتعرض لها الفضلاءُ، وبعبارةٍ أُخرى أَنه قد يُتوهّم من كلماتِ القَوْمِ أنَّ في حديثِ الاستخارة وَعْدًا بِجُنوح القَلْب وميلانِه إلى جانِب، مع أن المستخيرَ قد يفقِدُه أيضًا ولا يجد فيه مَيلًا إلى جانب أصلًا، فإِذَن ماذا يكون مرادُ الحديث؟ ولعُمْري كانت تلك داءً ما كنت أجد له رُقيا، إذ كنت جالسًا يومَ الجمعة إلى حضرةِ الشيخِ المُفَسِّر المحدِّث علامة العصر = ٥٧٩ کتاب التهجّد له الخَيْرَ، وذلك كان دعاءه. لا أَنَّه یری رُؤيا، أو يُكلِّمه مُكلِّم وإن أمكن ذلك أيضًا . مولانا الهمام شِبير أحمد متعنا اللَّهُ بطولٍ بقائه على مرور الليالي ومضي الأيام. فرأيتُه يَفِيضُ العلومَ على مَنْ = حضر من العلماء على دأبه بعد الجُمعات، فكان من حديثه يومئذٍ تلك المسألةُ فخاضَ فيها وأطال الكلامَ وأسهب، فوجدت منه لعطشي ريًّا، ولدائي دواءً، ولصدري شفاء، فأردت أن أبلغ مِن كلماتِه تلك إلى مَنْ لم يحضروه، فإِنَّ للغائبِ على الشاهد حقًّا، فَربَّ مُبلِّغ أوعى من سامع. ولعلّه يكون من المئين واحدٌ قد عني بتلك المعضلة وقاساها، فينظر إلى تلك الكلمات ويقدر قدرها ويصلني ولو بفاتحة الكتاب، فإِنَّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها. فها أنا ذا أقولُ على ما فهمت مِن كلامه وَوَعَيْت عنه، أنه لا وَعْد في الحديث بجنوح القلب ولا بالانشراح، ولو كان كذلك لَعَلَّمه فيه أن يدعو رَبَّه بأن يصرِفَ اللَّهُ قلبه إلى الأَصْلحِ وليس فيه ذلك. والذي فيه دعاؤه أن يَصْرِفَ عنه السوء هو، ويَقْدِرُ له الخيرَ هو حيث كان. ومعنى قوله: واصرفني عنه، أي فيما كان له جنوح إليه وطمع فيه. ومعنى قوله: واصرفه عني، أي إذا لم يكن له ذلك. فالصَّرْف والتقدير كلاهما من فِعل الجَبَّار يفعل هو كيف يشاء، أمَّا فِعْل العَبْد فليس إلا الدعاء. ثم التقدُّم إلى أيّ جانبٍ شاء، فإِنَّ فيه يكون خيرُهُ بمعنى أنه لا يوفق ولا ييسر له إِلاَّ جانب الخير. فكأنَّ دعاءَ الاستخارة عَمَلٌ يُوجب له الخير تکوینًا . وبالجملة أَنَّ المستخير لما أَسْلَم نَفْسَه للَّهِ. وفوَّض أَمْرَه إليه، واستقدر بقُدْرَتِهِ، ورضي بخيرَتِهِ، ودعاه أن يُنْقِذه من الشّرّ واستوكفه الخير، قَبِل اللَّهُ عز وجل ذلك مِنْه فَقَدَّرَ له الخَيْرِ وأعاذَه من الشرِّ وسَّتَره في كنفه، وحينئذٍ ما يُفْعَلُ بعده لا يكون إِلاَّ خيرًا وإن تقدَّم إليه عن كره في باطنه. ولما كان ذلك قولاً يستغرِبُه العلماء أتى بمأخذه أيضًا. ففي ((طبقات الشافعية) من خاتمة المجلد الخامس ص (٢٥٨) ج ٥ عن الشيخ كمال الدين أَنَّه كان يقول إِذا صلَّى الإنسانُ ركعتي الاستخارة لأَمْر فليفعل بعدها ما بدا له سواء انشرحَتْ نَفْسُه له أم لا، فإِنَّ فيه الخيرَ وإِنْ لم تَنْشَرح له نَفْسُهُ، وليس في الحديث اشتراطُ انشراحِ النَّفْس. اهـ. وإِليه إِشارةٌ في كلام عز الدين بن عبد السلام. فراجع الجزء الثالث عشر من ((الفتح)) من الدعوات. ثم انتقل الشيخ دام ظِلُه إلى بيان أسرار هذا الدعاء مع وَجَازته. فذكر فيه كلامًا عن الحافظ ابن تيمية، نقلَهُ تلميذه في الجزء الثاني من ((مدارج السالكين)) في فصل: ((درجة الرضاء)) - ص (٦٨) - ثُم شَرَحه أحسنَ شَرْح، قال: كان شيخُنا رضي الله تعالى عنه يقول: المقدورُ يكتنفُه أمران: التوكُّل قبله، والرضاء بعده، فمن توكّل على اللَّهِ قبل الفعل، ورضي بالمقتضى له بعد الفِعل فقد قام بالعبوديةِ اهـ. وهذا معنى قولِ النبيِّ ◌َّ في دعاء الاستخارة: ((اللهم إني أستخيرُك بِعِلْمِك، وأستقدِرُك بِقُدْرَتِك وأسألُك من فَضْلِك)) فهذا تَوكُلٌ وتَفْوِيضٌ. ثُمّ قال: ((فإِنك تَعْلَمُ ولا أعلم، وتَقْدِرُ ولا أَقْدِرُ، وأَنْتَ عَلَّمُ الغيوب)) فهذا تبرؤٌ إلى اللَّهِ مِنَ العِلْم، والحَوْل، والقوة، وتَوسُّلٌ إليه سبحانه بصفاتِهِ التي هي أحَبُّ ما توَسَّل إليه بها المتوسلون. ثُمَّ سأل ربَّه أن يقضي له ذلك الأمرَ إن كان فيه مصلحتُه عاجلاً أو آجلاً. وأن يَصْرفه عنه إِنْ كانَ فيه مضرّتُه ثُمَّ رضُني به)). فقد اشتمل هذا الدعاءُ على هذه المعارف الإلهية والحقائق الإِيمانية، التي من جملتها التوكُّلُ والتفويض قبل وقوع المقدور والرضاء بعده. وهو ثمرةُ التوكّل إلخ. قلت: ولما عَلِمت مِن كلام الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى أن في دعاء الاستخارة تعليمًا لأصل التوكل، وترغيبًا لتحصيل أعلى مدارِجه عَلِمت أن مَنْ دعا بهذا الدعاء، فقد تؤثّل ﴿وَمَنْ يَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ؟﴾ [الطلاق: ٣]. وحينئذٍ ظهر لك السّرُّ في تقدير الخير للمستخير تكوينًا فإِنَّ التكلُّم بتلك الكلمات وإن كان هينًا، لكنَّ القيامَ بحقٌّها لا يتيسر إلا لِمَن يَسَّره اللَّهُ، نعم عظم الجزء بعظم البلاء. لكنَّ الله سبحانه بِمَنْه وفَضْله قد قَبِل مِنَّا التكلمَ بها فقط، ونرجُو منه أن يعاملنا بعده بما يُعامِلُ به مَنْ يقومون بحقّها، وللأرض مِن كَأسِ الكرامِ نصیب . ٥٨٠ کتاب التهجّد ثُمَّ البخاريّ رحمه الله تعالى خَرَّجَ لِمُدَّعَاه حديثَ تحيةِ المسجدِ. وقد عَلِمت أنها خارِجةٌ عن مَوْضع النِّزاع. وكذا صلاته بَّرَ في بيت أنس رضي الله تعالى عنه فإنه قد كان أراد الركعتين فقط من بدء الأمر، وكذا الركعتانِ قبل الظهر أو بعدها فكلُّها مما لا يصلُح حجةً على الحنفية. نعم أخرج البخاري في ذلك حديثًا قَوْليًا أيضًا من أبواب الجمعة، وفيه: ((إذا جاءَ أَحَدُكم والإِمامُ يَخْطُب، أو قد خرج، فليصلِّ رَكْعَتين)). وقد أشبعنا الكلام فيه مِن قَبْل، مع التنبيه على أنَّ الدارقطني لم يتكلم في مَوْضِعِ من متون البخاري إلا في هذا المَوْضِعِ، وقال: إنَّه كانَ في الأَصل قِصَّةُ سُلَيك، فأخذ منهاً الراوي المسألةَ ورواها بالمعنى، وجعلَها حديثًا قوليًا . قلت: ولم يَتَنَّه الدار قطني إلى أنَّ الإِمامَ الهُمام البخاري أيضًا مُطَّلِعٌ على هذه العلة، ولذا لم يُخرِّجْه في أبواب الجمعة مع اختيارِهِ مسألة الحديث، وأتى به في غير بابه، وتمسك به على مسألة أخرى. وما ذلك إلا أنه تَفَظّن لِعِلَّته. وهو صنيعُه في غير واحدٍ من المواضع فإِنَّه بَوَّبَ فيما مرَّ، وأخرج له حديثَ الركعتين بعد الوِثْر جالسًا، ولم يُترجم عليه بالمسألة الصريحة، وهي الركعتان بعد الوِتر جالِسًا. وذلك لأَنِّي قدَ جَرَّبت مِن عادات البخاري أنَّه إذٍ يَظهَرُ له التردُّدُ في لفظٍ من ألفاظ الحديث لا يترجم عليه خاصَّةً ويترجِم على سائرِ ألفاظهِ. وكأنَّه بهذا الطريق يشيرُ إلى تركُّدِه في ذلك اللفظ. هذا وإنْ لم يتنبّه له أَحَدٌ، لكنه هَو التحقيقُ إن شاء اللَّهُ تعالى فاحفظه . ٢٦ - باب الحَدِيثِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ ١١٦٨ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدّثَنَا سُفيَانُ: قَالَ أَبُو النَّصْرِ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيِّ وََّ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَينِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيقِظَةً حَذَّثَنِي، وَإِلَّ اضْطَجَعَ. قُلْتُ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَرْوِيِهِ: رَكْعَتَي الفَجْرِ؟ قالَ سُفْيَانُ: هُوَ ذَاكَ. [طرفه في: ١١١٨]. ١١٦٨ - قوله: (فَإِنْ كُنْتُ مستيقِظَةً حَدَّثَني) إلخ. وقد مَرَّ معنا أنه ثَبتَ الكلامُ بعدها ولا وَجْه لِعَدَم الجوازِ مع أنَّ المطلوبَ التحرُّزُ عنه. ولنا آثارٌ في ((المصنَّف)) لابن أبي شيبةَ رحمه الله تعالی . قوله: (فإِنَّ بَعْضَهُم يَرْوِيِه: رَكْعَتَي الفَجْر؟) وحاصله أنه سُئِل عن لَفْظ عائشةَ رضي اللَّه تعالى عنها أَنَّه بدون الإضافة أو مع الإِضافة؟ فأجاب سفيانُ أَنه بالإضافة، ويُستفاد من بعض الألفاظ أَنَّ فيه اضطرابًا آخَر: وهو أن المتبادَر من ركعتي الفجر فَرْضُهَا، وقد أردتُ مِنْ سُنَّتها فاستعصوا به التلامذةُ من شُیوخِھم. ٢٧ - باب تَعَاهُدِ رَكْعَتَي الفَجْرِ، وَمَنْ سَمَّاهُمَا تَطَوُّعًا ١١٦٩ - حدّثنا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، عَنْ عَطَاءٍ،