النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ كتاب سجود القرآن وإسنادُهُ ضعيفٌ. ثم رأيت هذه الحكايةَ في ((تاريخ ابنَ معِين))، فإنه ذكرها في أوله وبدأ كتابَه بها . وأما ثالثًا: فلم لا يجوز أن يكون المرادُ من الغَرَانِيقِ الملائكةَ، ولا سيما إذا وَصَفَهم اللَّهُ تعالى بالأجنحةِ. وكذلك الغُرْنُوق طائرٌ، وحينئذٍ فالملائكة أَشْبَهُ منها بالنسبةِ إلى الأصنام، فأولى أن يكونوا هم المرادين بها، فلما تلاها النبيُّ وَّر وصفًا لهم، حملوه على أنها صِفَةٌ لأَصْنَامِهم. ثم رأيتُ حكايةً في ((معجم البلدان)) لياقوت الحَمَوي تحت لفظ: اللاّتِ والعُزَّى والمناة، ولم أرَها في غيره، أن وظيفةَ قريش في الجاهلية كانت: واللاتِ والعُزَّى تلك الغرانيقُ العُلَى ... إلخ. [النَّجْم: ٢٠] أيضًا فإنهم ومن هنا انكشف مدلول آخَر في قوله: ﴿وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىّ تكلَّمُوا فيه حتى كاتب فيه ابنُ المُنَيِّرِ وابنُ الحاجب، وصَنَّف محمدُ بنُ إسحاق رسالةً في ترديد تلك القصّة التي عند المفسرين. ومحمد بن إسحاق هذا معاصرٌ، للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وضَعَّفَهُ الناسُ، والعجبُ منهم أنَّه إنْ أتَى بالضِّعَاف في باب المغازي جعلوا يُجَرِّحُونه، والدَّار قطني يأتي بالمختلَطات في بابِ الأحكام ثُم يبقى إمامًا، وقد طالع أحمدُ رحمه الله تعالى گُتُبَهُ ومع ذلك لا یرضی عنه. والحاصل: أنه لا بُعْد في أن يكونَ أحدٌ منهم قرأ تلك على طَوْر وظيفتِهِ عند تلاوة النبيِّ وَّه سورةُ النجم، ثُم وقع النَّاسُ في الغلط، ولا حاجة إلى التزام ما التزموه. أما تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَّآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن ◌َّسُولٍ وَلَا نَبٍِّ إِلَّ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْفَى الشَّيَّطَانُ فِىِّ أُمْنِّيَّتِهِ ﴾ [الحج: ٥٢] فسيجيءُ تَحْقِيقُه على وَجْه ألطف إن شاء الله تعالى(١) . ٣ - بابُ سَجْدَةٍ صَ ١٠٦٩ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو النُّعْمَانِ قالَا: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ (١) يقول العبد الضعيف: وهذه القصةُ تدلُّ على وُجوب السُّجود في النجم، لأن الراوي يقول في هذا الشيخ: فرأيتُهُ بعد ذلك قُتِل كافرًا، ولو كانت سُنة لما بلغ شُؤمه هذا المَبْلغ. وبلغني عن مولانا شيخ الهند رحمه الله تعالى كلامٌ في سياق تغليطِ القصةِ المذكورة - ما ألطفه - وهو: أن سجودَهم لو كان للَّاتِ والعُزَّىَ لاستحقوا بها النَّكالَ، مع أنها عُدَّت بركةً لهم، حتى أنَّ مَنْ لم يسجد لها قُتِل كافرًا عند مسلم. فَدَلَّ على أن تلك السجدةَ لم تكن منهم تعظيمًا لأصنامهم، بل كان اتِّبَاعًا للنبيِّ وََّ، وقد حَققَ الشاه وليُّ الله رحمه الله تعالى أنهم طاوعوه لكونهم مقهورين فيها لسجودِ النبيِّ ◌َلتر . قلتُ: وهو على حَدِّ قوله تعالى: ﴿فَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ مُجَّدًا﴾ [طه: ٧٠] أي كأنّهم دُهِشُوا من معجزته، وغُلِبوا من شَوْكَتها حتى خرجوا عن طَوْعهم ولم يبق لهم سبيلٌ إلا إلى السجود، فسجدوا خارِّين على جباههم قائلين: ﴿َمَنَّا بِرَبِّ هَرُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠] ويؤيدُهُ ما روى ((البزَّار)) بإسنادٍ صحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ((أن النبيَّ ◌َّ كُتِيت عنده سورةُ النَّجم، فلما بلغَ السجدةَ سجد وسجدنا معه، وسجَدَتِ الدَّوَاةُ والقلمُ)). وعند الدَّارقطني: ((الجنُّ والإنْس والشَّجَر))، فإن التَّعَرُّضَ إلى سجدةِ الجمادات يَدُلُّ على نُذْرَةِ نَفْيها، فإنَّ سجودَها غريبٌ جِدًّا فذكره لغرابته، وإِذْن صَرْفُه إلى السجودِ المعهودِ بَعِيدٌ جدًا. ٥٢٢ كتاب سجود القرآن عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: ﴿مْ﴾ لَيسَ مِنْ عَزَائم السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيتُ النَّبِيَّ ◌َِّ يَسْجُدُ فِيهَا. [الحديث ١٠٦٩ - طرفه في: ٣٤٢٢]. ٤ - باب سَجْدَةِ النَّجْمِ قالَّهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ. ١٠٧٠ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرَ قالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِزْ قَرَأْ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ بِهَا، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ القَوْمِ إِلَّا سَجَدَ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ كَفَّ مِنْ حَصَّى، أَوْ تُرَابٍ، فَرَفَعَهَ إِلَى وَجْهِهِ، وَقالَ: يَكْفِينَي هذا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كافِرَاً. [طرفه في: ١٠٦٧]. عن ابن عباس رضي اللَّهُ عنه قال: ((ليس من عزائم السجود، وقد رأيتُ النبيَّ ◌ِّ. يَسْجُدُهَا)). وأخرجه النَّسائي: أنَّ النبيَّ نَّ سَجَد ص فقال: ((سَجَدَها داودُ توبةً، ونحنُ نَسْجُدُهَا شُكْرًا)). وروى البخاريُّ عن العَوَّامِ قال: ((سألتُ مجاهِدًا عن السجدة في ص. قال: سئل ابنُ عباس فقال: ﴿أُوْلَِّكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِّةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وكان ابن عَبَّاس يَسْجُدُ فيها)) أهـ (١). قال الزَّيْلَعي: إنَّ حديثَ ابن عباس بَعْدَ النَّظَرِ إلى طُرُقه أولى أن يكونَ لنا، فإنه ذُكِرَ فيه سجودُ النبيِّ وٍَّ لها، ثُمَّ تَلَا الآيةَ المشيرةَ إلى الإتيان بها، وأَمَر بالسجودِ بتلاوتها، وسجدها بنفسه. فدلَّ على أنه ذهب إلى السجود فيها . ومعنى قوله: ((ليست من عزائم السُّجُودِ)) أي نسجُدُها شُكْرًا فقط لا توبةً كما سجدها داود. ومعنى: ((سَجَدَهَا تَوْبَةً)) أنه سجَدها لِتقرُّرِ سَبَبِهَا في حقُّه عليه الصلاة والسلام، بخلافها في حَقِّنا، فنحن نسجدُهَا شُكرًا لما أنعم اللَّهُ على داودَ عليه الصلاة والسلام بالغفران. فإذن هو بيانٌ لحقِيقَتها لا لِحُكْمِها. وأما حُكْمُهَا فكما وَصَفَه مِنْ فِعْلِ النبيِّ ◌َ(٢) إياها. وأيضًا يمكنُ أن (١) وأَضْرَحُ منه سياقُهُ عند الطحاوي: أَخبرنا العَوَّام بنُ حَوْشَب قال: ((سألت مُجاهداً عن السجود في ص، فقال: سألت عنها ابنَ عباس رضي الله تعالى عنه فقال: اسجُد في ص، فَتَلا على هؤلاءِ الآياتِ من الأنعام: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدٌِ﴾ [الأنعام: ٨٤-٩٠] فكان داودُ ممن أُمِرِ نَبِيُّكُمْ وَلِ أَنْ يُقْتَدَى به اهـ. (٢) يقول العبد الضعيف: وبلغني عن مولانا شيخ الهند رحمه الله تعالى أنَّ قول ابنِ عباس رضي الله عنه يَدُلُّ من حيثُ المفهوم أنَّ سائرَ السجودِ من عزائمها. قلتُ: وعند الطحاوي عن علي رضي الله عنه: عزائم السجود: ((ألم تنزيل، وحم، والنَّجم، واقرأ باسم رَبِّك)) ... إلخ. فدلَّ هذا على تقسيم السجود في أَذْهانهم. وثانيًا: أن ما ذَكَرَهُ شيخُ الهند رحمه الله تعالى من مفهوم حديث ابن عباس رضي الله عنه هو بعينهِ منطوق حديثٍ عليٍّ رضي الله عنه. ٥٢٣ كتاب سجود القرآن يكونَ مرادُهُ عدم لزوم السجود خاصة، بل تتأدَّى بالرُّكوع أيضًا، لما في الآيةِ مِنْ ذِكْر الرُّكوع فقال: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]. وفي ((الفتاوى الظهيرية)): أنَّ سجدة التلاوةِ تتأدَّى عندنا بالركوع، سواءٌ تليت في الصلاة أو خارجِهَا. وهو المختار عندي، وعليه عملُ السَّلف وإن لم يكن في عامَّة كُتُبِنَا. ففي ((المُصنَّفِ)) لابن أبي شَيْبَةَ: أن السَّلَف إذا كان أحدُهم يقرأُ القرآنَ ويَمُرُّ على آيةِ سجدةٍ، يركعُ في الطريق)). فدلَّ على ما قلنا. وقد تمسّك الحنفيةُ على تلكِ المسألةِ بتلك الآية، حيث ذُكِر فيها الرُّكوعُ بَدَل السجود. وأَقرَّ به بعضُ المفسرِّين وإن ردَّ عليه الشيخ ابنُ الهُمَام. وهذا الاستدلالُ ناهضٌ عندي، واعتراض الشيخ ابنِ الهُمَام رحمه الله تعالى ساقط كما سنقرره. ثم إنَّه لا سجدَة في ((ص)) عند الشافعية، وعندهم في ((الحجِ)) سجدتان(١)، وعندنا في ثُمَّ إِنَّ مَنْ لم يَسْجُذها لا يدل على كونها سُنةً عنده، لما روى الطحاوي: أَنَّ ابنَ الزُبير رضي الله عنه قرأ السجدةَ = فلم يسجد، فقيل له: (مَا مَنَعَك أن تَسْجُدَ؟ فقال: إذا كنتُ في صلاةٍ سجدتُ، وإذا لم أكن في الصلاةِ فإنّي لا أَسْجُد)) - بالمعنى .. فهذا أيضًا نظرٌ، يعني الفَرق في تلاوتها وخارجها كما اختاره أَحمد رحمه اللَّهُ تعالى، ثُمَّ يُعْلَم مِنْ بعض الرواياتِ الْفَرْقُ بِقَصْدِها وعدمِه وإنْ لم يكن مُعتبرًا عندنا، فعند الطحاوي رحمه الله تعالى: أن سلمانَ مَرَّ بقوم قد قرأوا بالسجدةِ، فقيل: ((ألا تسجد؟)) فقال: ((إنَّا لَمْ نَقْصِد لها))، ويمكن أن يكون هو مَرْجِعَ قول عمر رضي الله عنه: ((إنَّ اللَّهَ لم يكتُبْهَا علينا إلا أنْ نشاء)). فلتُرَاع هذه الأمورُ، ولا ينبغي أن يُحكم بالسّنِّية نظرًا إلى مَنْ لم يأت بها إجمالاً مع بقاءِ احتمالٍ وجوبها على الفَوْر عنده، أو على الثَّراخي، فإنه مرحلةٌ أُخْرى. وعند أبي داود في سجدتي الحجِّ مرفوعًا: ((ومَنْ لم يسجُدْهَما فلا يقرأهُما))، فدل على التأكد، هذا في الوجوب والسُّنية، أما مسألةُ أعدادِ آياتِ السجودِ فمسألةٌ أُخْرَى. (١) قال صاحب (الهداية)): والسجدةُ الثانيةُ في الحجِّ للصلاة عندنا. وفي ((الكفاية)): ومذْهَبُنَا رُوي عن ابن عباس رضي اللَّهُ تعالى عنه، وابن عمر رضي الله تعالى عنه، قالا: ((سجدةُ التلاوة في الحج هي الأُولى، والثانية سجدةُ الصلاة، حيث قرن به، وقال: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ [الحج: ٧٧] والسجدةُ المقرونةُ بالركوع سجدةٌ الصلاة. قلتُ: وقد تعقَّب عليه ابنُ القيِّم من وجوه: منها أن السجدةَ المقرونةَ بالعبادةِ لما لم يدل على كونِهَا سجدة الصلاةِ فكذلك المقرونةُ بالرُّكوع أيضًا . قلتُ: ولقائل أن يقول بالفرق: إن السجدةَ المقرونةَ بالرُّكوع لا تكونُ إلا في الصلاةِ، بخلاف المذكورة مع العبادة. كقوله تعالى في النَّجم: ﴿فَهُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُواْ﴾ (﴾﴾ [النجم: ٦٢] فإنَّ العبادة أوسعُ من السجودِ وغيره فلا تستلزمُ السجدةَ. ومنها أن أكثر السجدات المذكورة في القرآن متناولةٌ لسجودِ الصلاة، فإن قوله تعالى: ﴿وَلِِّ يَسْبُدُ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرَهَا﴾ [الرعد: ١٥] يدخلُ فيه سجودُ المصلين قَطْعًا ... إلخ. وجوابُهُ أنه فَرَّق بين كونِه متعدِّدًا وبين كونه داخلاً في عموم السجود، فالمقرونةُ بالركوع هي التي في الصلاةِ فتختصُّ بهما، بخلاف غير المقرونة فلا تختصُّ كذلك. وبالجملة الإيراداتُ كُلُّهَا من بابِ التضييق في محل الاستدلال، مع أن أكثرَ الاستدلالات من القرآن تكون على نحو إيماءٍ ومناسبات، وقلَّما يكون أن يَردِ النَّصُّ متعيّنًا لواحدٍ، وإنما شأنُهُ أرفع وأرفع، فَيَرِدُ محتمَلاً للمَحَامِلِ، غير أن بعضَها أَقْرَبُ من بعض، فمن كان في يديه ظاهرُ النصّ فهو الأَسْعد به. = ٥٢٤ كتاب سجود القرآن ((الحجِّ)) سجدةٌ واحدةٌ. وعند أحمد رحمه الله تعالى فيها سجدتان وفي ((ص)) أيضًا سجدةٌ، فازداد عددُ السجدات عنده. وأنكر مالكٌ رحمه الله تعالى أن يكونَ في المُفَصل سجدة. قلتُ: تَعَدُّدُ السجودِ في الحج محمولٌ عندي على تعدُّدِ القراءة، فإنهم لما اختلفوا في مَوْضِع السجود في سورةٍ باعتبار اختلافِ القراءةٍ، كما عند الطحاوي، فأيُّ بُعْد لو التزمنا تَعَدُّدَ آياتها باختلاف القراءة أيضًا. فيمكن أن تكونَ سجدةً واحدةً باعتبار قراءةٍ وسجدتين باعتبار قراءةٍ أخرى. ٥ - بابُ سُجُودِ المُسْلِمِينَ مَعَ المُشْرِكِينَ، وَالمُشْرِكُ نَجَسٌ لَيسَ لَهُ وُضُوءٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَسْجُدُ عَلَى وُضُوءٍ. ١٠٧١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ سَجَدَ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ، وَالجِنُّ وَالإِنْسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَيُّوبَ. [الحديث ١٠٧١ - طرفه في: ٤٨٦٢]. ولعله اختارَ أداءَ السجود بدون طهارة. وذهب إليه الشَّعْبِيُّ من السَّلَفِ، واستدل بسجود المُشْرِكِين، فإنهم نَجَس وليس لهم وضوءٌ، ثُمَّ سَجَدُوا على سجودِ النبيِّ ◌َّ والمسلمين. قلتُ: والجواب عنه سَهْلٌ، فإنه لا دليلَ على عبرةِ سجودِهم أيضًا، بل الراوي لما لَمْ يجد لَفْظًا عَبَّرَ عن خُرورهم على جباههم بالسجود وإن لم يكن سجدة فِقْهًا. وفي قول البخاري رحمه الله تعالى دليلٌ على ما مر معنا أن النجاسةَ في المُشْرِكِ فوقَ نجاسةِ الاعتقاد. أما الجواب عن أثر ابن عمرَ رضي الله عنه: فأولًا: إنه أثرٌ لم يَشَّبِعْه الصحابةُ رضي الله عنهم. وثانيًا: في الهامش: ((على وضوء)) بحذف ((غير))، فتردَّد النَّظرُ في مذهبه. ثُمَّ التفقه له لو كان اختارَ أداءَ السجودِ على غير وضوءٍ أنها عبادةٌ على اللِّسَان لا على الجَسَد، والعبادةُ على اللِّسَانِ أذكارٌ ولا وضوءَ فيها، ولخفاءِ معنى الصلاةِ فيها. وراجع الهامش. ٦ - بابُ مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَسْجُدْ ١٠٧٢ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيع قالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ قالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ خُصَيفَةَ، عَنِ ابْنِ قُسَيطٍ، عَنْ عَطَّاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ زَيدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَزَعَمَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ: ﴿وَالنَّجْرِ﴾ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. [الحديث ١٠٧٢ - طرفه في: ١٠٧٣]. وبالجملة ليس الاستدلالُ منه من باب الانحصار فيما قلنا، بل من باب كونِنَا أسعدَ بالقرآنِ، وهذا يطّرِدُ في جميع = المواضع. ومن العجائب ما ذكره ابنُ حَزْم قال: إنَّ ثانيةَ الحج لا نقولُ بها أصلاً في الصلاة، وتَبْطُل الصلاةُ بها، يعني إذا سجدت، قال: لأنها لم تصحّ بها سُنةٌ عن رسول الله وَّةٍ ولا أُجْمِع عليها، وإنما جاء فيها أَثَرّ مُرْسَلٌ، والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٢٥ كتاب سجود القرآن ١٠٧٣ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ قالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيطٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ زَيدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َّ: ﴿وَالنَّحْمِ﴾، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. [طرفه في: ١٠٧٢]. ظاهرُ الروايةِ أنها تَجِب على التراخي، وفي الرواية الشاذَّة كما في ((التاتار خانية)) أنها على الفور. وعندي كلاهما صحيحٌ، فإن اعتمد على نَفْسه فكما في ظاهر الرواية، وإلا فكما في ((التاتار خانية)). ولا رَيْب في أن عظمةَ كلامِه تعالى تَقْتَضي أن تُسجد على الفور، فإنه كآداب المَلِك عند الحضور في مجلسه، وتلك الآدابُ تجب عند الحضور بدون تراخ، فكذلك ينبغي أنَ يسجُدَ عَقِيبَ التلاوةِ أو السَّمَاعِ بلا تَوَقُّف. ولعلَّ تَعَدُّدَ الرُّكوع في صلاة الكسوف أيضًا من باب أداءِ آداب الحضرةِ الإلهِيَة المتجلية إذ ذاك، فهذا هو الأصل، نعم لو تَرَاخى فيها لا تفوتُ عنه. ١٠٧٢ - قوله: (أَنَّه قَرَأَ على النبيِّ نَّهِ: ﴿وَالنَّجْرِ﴾ فلم يَسْجُدْ فِيها). قلت: عدمُ سجودِه على الفورِ لا يوجِبُ عدمَ السجودِ فيها رأسًا. ثُم إنَّ زَيْدَ بنَ ثابتٍ لما كان فيه بمنزلةِ الإمام ولم يَسْجُد هو لِعُذْرٍ لم يَسْجُد النبيُّ وَّرَ أيضًا. وقال الشيخ ابنُ الهُمَام رحمه الله تعالى: إنَّ رَجُلًا لو قَرَأَ سجدةً على قوم، يستحبُّ لهم أن يجعلوا فيها صورةً للصف ويجعلوا التَّالي إمامًا إلَّا أنه لا يتقدمهم، لعدم كَوْنِ الجماعةِ حقيقةً. وخرج منه أن التالي لو سجدَها يتأكَّدُ الوجوبُ في حقِّ السامعين أيضًا. وإن أشَّرها هو تتأخّر عن القومِ أيضًا(١). ٧ - بابُ سَجْدَةٍ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ ١٠٧٤ - حدّثنا مُسْلِمٌ وَمَعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قالَا: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قالَ: رَأَيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ جَ﴾ [الانشقاق: ١]. فَسَجَدَ بِهَا. فَقُلتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَلَمْ أَرَكَ تَسْجُدُ؟! قالَ: لَوْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ وَّهُ يَسْجُدُ لَمْ أَسْجُدْ. [طرفه في: ٧٦٦]. تَعْرِيضٌ (٢) بالمالكية، لأَنَّه ليس عندهم في المُفَصَّلات سَجْدَةٌ. (١) يقولُ العبدُ الضعيف: ويَشْهَدُ له ما عند البخاريّ رحمه الله تعالى بعد عدة أحاديثَ، عن ابن مسعود: أن غلامًا قرأ عليه سجدة. فقال له: ((أسجد فإنَّك إمَامُنَا)). فأمَرَه بالسجودِ أولًا وأَظْلَق عليه الإمام. وكذا يُبْنَى عليه ما عن ابن عمرَ رضي الله تعالى عنه بعده مرفوعًا: ((كان النبيُّ وَ يَقْرَأَ علينا السورةَ فيها السجدة، فيسجدُ ونَسْجُد)). اهـ. فجعله إمَامًا من حيث كونهم ساجدين بسجوده وَّل . (٢) قال الشاه وليُّ الله رحمه الله تعالى في ((تراجم البخاري)): إن السجود عند مالك رحمه الله تعالى أَرْبَعَ عشرةَ سجدةً، والثَّلاث في المُفَصَّل غيرُ مؤكّدةٍ عنده، والبواقي مؤكّدة، وهذا اشتهر عند الناصر أنَّ السَّجدات عنده إحدى عشرةً سجدةً اهـ. قلتُ: وهو في الموطأ حيث قال (ص ٧٢)، قال مالك: الأُمْرُ عندنا أن عزائمَ سجودٍ القرآن إحدى عشرةً سجدةً ... إلخ. قال الباجي: إنَّ مالِكًا رحمه الله تعالى لم يمنع السجودَ في المُفَصَّل، وإنما يمنعُ أن يكونَ من العزائمِ. اهـ. ٥٢٦ كتاب سجود القرآن ٨ - بابُ مَنْ سَجَدَ لِسُجُودِ القَارِىءِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِتَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ، وَهُوَ غُلَامٌ، فَقَرَأَ عَلَيهِ سَجْدَةٌ، فَقَالَ: اسْجُدْ، فَإِنَّكَ إِمامُنَا فِيهَا . ١٠٧٥ - حدّثنا مُسَدَّدْ قالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كَانَ النَّبيُّ وَ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ، حَتَّى ما يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعَ جَبْهَتِهِ. [الحديث ١٠٧٥ - طرفاه في: ١٠٧٩.١٠٧٦]. أي يُستحبُّ أن يجعلوا الصف عند أداء السجود، كما مرَّ عن ابن الهُمام رحمه الله تعالى ويشيرُ إليه قوله: ((إنَّك إمامُنا)). ٩ - بابُ ازْدِحامِ النَّاسِ إِذَا قَرَأَ الإِمامُ السَّجْدَةَ ١٠٧٦ - حدّثنا بِشْرُ بْنُ آدَمَ قالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ قالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كَانَ النَّبِيُّ بَّهِ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ، فَزْدِّحِمُ، حَتَّىَ ما يَجِدُ أَحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا يَسْجُدُ عَلَيهِ. [طرفه في: ١٠٧٥]. ١٠ - بابُ مَنْ رَأَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُوجِبِ السُّجُودَ وَقِيلَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ: الرَّجُلُ يَسْمَعُ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَجْلِسْ لَهَا؟ قالَ: أَرَأَيتَ لَوْ قَعَدَ لَهَا؟ كَأَنَّهُ لَا يُوجِبُهُ عَلَيهِ. وَقَالَ سَلمَانُ: مَا لِهذا غَدَوْنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَهَا. وَقالَ الزُّهْرِيُّ: لَا يَسْجُدُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، فَإِذَا سَجَدْتَ وَأَنْتَ في حَضَرٍ فَاسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، فَإِنْ كُنْتَ راكِبًا فَلَا عَلَيكَ حَيثُ كانَ وَجْهُكَ. وَكَانَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ لَا يَسْجُدُ لِسُجُودِ القَاصِّ. اختار مذهبُ الجُمهور أنها سُنةٌ. وقيل لِعِمْران بن حُصَين: ((الرَّجُلُ يَسْمَعُ السجدةَ ولم يجلس لها، قال: أرأيت لو قعد لها))، وجوابُ ((لو)) محذوفٌ، أي لا يجبُ عليه شيءٌ: فإذا لم يجب على المستمع القاعدِ لها، فَعَدمُهُ على السَّامِع غير القاعد لها بالأَوْلى. قوله: (كأَنَّه لا يُؤْجِبه) هذا فَهْمٌ مِنَ البخاري. ويمكن أن يقال: إن لفظه مُبْهَم، فاحتمل أن يكون معنى قوله: ((ولم يَجْلِس لها)) أي سمِع آيَةَ السجدة فذهب مارًّا ولم يجلس لها، ففيه نَفْي الجلوس، وهو ليس بواجبٍ عندنا أيضًا. نعم تجِب على ذِمَّته ويؤديها متى وَجَد فُرصةً. والصريحُ فيما أراده البخاري رحمه الله تعالى ولم يكن لها جَالِسًا، ثُم الأَقْرَبُ أَنَّ الأَخْذَ بهذه الشِّدَّةِ في باب العربية إنما يُنَاسِبُ في القرآنِ العزيز، أو الأَحاديث التي تُعَيَّنُ كونُها مرويةً باللفظ لا غَيْرِ. قوله: (وقال سَلْمَان: ما لهذا غَدَوْنَا) كان سلمانُ رضي الله عنه خَرَج من صلاةِ الصُّبْحِ، فجعل قاصٌّ يَقُصُ، فحدَّثَتِ به نَفْسُهُ أنه لا يجلس له. فتلا آيةَ السجدة ليجب عليه المُكْثُ لها، ٥٢٧ كتاب سجود القرآن فقال سَلْمانُ: ((ما لهذا غدونا)). أي إنَّما غَدَوْنِا لأَجْل الصلاةِ. وقال عثمان: إنما السجدةُ على مَنْ اسْتَمَعها. وظاهرُهُ أنه ذَهَب إلى السنية. أما فَرْقُ السماع والاستماع فغيرُ متأتٍ عندي، لكونه من الأمور القلبية، كقوله تعالى: ﴿فَأُسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] مع أَنَّه لا يستمِعُ إلَّا مَنْ شاء الله . قوله: (لا يَسْجُدُ لِسُجُودِ القَاصِّ) وفي الفِقه: أن فقيراً لو ذكر اسمَ اللَّهِ على عادتِهِم عند السؤال، لا يُنْدَبُ للسامع أن يقول: جَلَّ ذِكْرُهُ أو نحوُهُ، بخلافِ ما لو سمعه من غيرهِ فإنَّه يُنْدِبُ له أن يقول كلمة مشعرة بالتعظيم، كما يُنْدَبُ الصلاةُ عند سماعِ اسمِ النبيِّ وَّرِ. قلتُ: بل يُنْدِبُ عند السماع من سائلٍ أيضًا. ١٠٧٧ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى قالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيجِ أَخْبَرَهُمْ قالَ: أَخِبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيكَةَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ التَّيِمِيِّ، عَنَّ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الهُدَيرِ التَّيمِيِّ - قالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَانَ رَبِيعَةُ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ - عَمَّا حَضَرَ رَبِيعَةُ مِنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: قَرَأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ بِسُورَةٍ النَّحْلِ، حَتَّى إِذَا جاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَّ، وَسَجَدَ النَّاسِ، حَتَّى إِذَا كانَتِ الجُمُعَةُ القَابِلَةُ، قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إِذَا جاءَ السَّجْدَةَ، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ. وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَزَادَ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ. ١٠٧٧ - قوله: (عَمَّا حَضَرَ) قال الحافظ رحمه الله تعالى: متعلِّقٌ بقوله: أخبرني، أي أخبرني راوٍ عن عثمانَ، عن رَبِيعَةَ عن قِصَّةٍ حُضُورِهِ مَجْلِسَ عمرَ رضي الله تعالى عنه. قوله: (وَزَاد نافِعُ عن ابنِ عمرَ رضي اللَّهُ تعالى عنه: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ علينا السُّجُودَ إلَّا أَنْ نَشَاءَ) قال الحافظ رحمه الله تعالى: أي زاد نافعٌ في مَقُولةٍ عمرَ رضي الله تعالى عنه. وقال العَيْني رحمه الله تعالى: في مقولةِ ابن عمر رضي اللَّهُ تعالَى عنه. قلتُ: وقِصَّةُ عمرَ رضي الله عنه هذه أقوى ما يُمكنُ أن يُحتجَّ به على سُنِّيةِ السجودِ، فإنه تلا سورةَ النَّمل يومَ الجمعة فسجد لها مرةً، ثُمَّ لم يَسْجُد لها في الجمعة التالية، ثُمَّ قال: ((إنَّما نَمُرُّ بالسجودِ فَمَنْ سجد فقد أصاب، وَمَنْ لم يسجد فلا إِثْم عليه)). وذلك بِمَحْضَرٍ من الصحابة رضي الله عنهم، ولم أَرَ عنه جوابًا شَافيًا بعدُ، وما فتح الله عليّ أنه تبين لي أن الأسوةَ لعمرَ رضي الله عنه في صنيعه في السجود - في جُمعةٍ دون جمعة - ما عند أبي داود عن أبي سعيد الخُذْري أنه قال: ((قرأ رسولُ اللَّهِيل) وهو على المنبر ((ص))، فلما بَلَغ السجدةَ نزل فَسَجَد وسجد الناسُ معه، فلما كان يومٌ آخَر قرأها، فلما بلغَ السجدةَ تَشَزَّنَ الناسُ للسجود، فقال رسول الله وَّله: ((إنما هي تَوْبَةُ نَبِيٍّ، ولكني رأيتُكُمْ تَشَزَّنْتُم للسجودِ، فنزل فَسَجَدَ وسَجَدُوا)) اهـ. فخرج منه وَجْهُ اجتهاد عمرَ رضي الله عنه في ذلك. قوله: (وإنْ كان سجودُهُ في ((الثَّمل))، وسجودُهُ وَّر في (ص))) فهذا هو الذي دعا عمرَ ٥٢٨ كتاب سجود القرآن رضي الله عنه إلى سجودِهِ في جُمْعةٍ دون أخرى، فإنَّه اتَّبع فيه ما كان عنده من أُسْوَةِ النبيِّ وَّ. وقد ثبت عندنا أن النبيَّ نَّه كان التزمَ السجودَ فيها بعده، وكان يسجدُها. وإذن لم يَبْقَ قلقٌ فيما فَعَلَه عمرُ رضي الله عنه، فإنه حكايةٌ لِفِعْله حين كان لا يرى السجودَ فيها عزيمةً، كما أخرج أحمدُ رحمه الله تعالى في ((مسنده))، والحاكم في ((مُسْتدركِه))، والمُنْذِرِي في ((الترغيب)) وقَوَّاه عن أبي سعيد الخُذري رضي الله عنه هذا أنه قال: ((رأيتُ رؤيا: إنِّي أَكْتُبُ سورةَ ((ص))، فلما بَلَغْتُ السجدةَ رأيتُ الدَّوَاةَ والقلمَ وكُلَّ شيءٍ يَحْضُرُني انقلبَ ساجِدًا. قال: فَقَصَضْتُهَا على رسولِ اللهِ وَّ، فلم يَزَل يَسْجُدُ بِهَا)) اهـ. ونحوه عند ابنٍ كثير في ((تفسيره). وعند البيهقي (فَغَدَوْتُ على رسول الله بِّهِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَمَر بالسجودِ فيها)). اهـ. ففيه دليلٌ على أنه كان في أوَّل أُمْرِه يرى فيها رُخْصَة، ثم لما رأى أبو سعيد رضي الله عنه رؤياه أَمَر بالسجودِ فیھا . والحاصل: أنه قد تبين عندنا مأخذ فعل عُمر رضي الله عنه، وانكشفَ وَجْهُه، وهو أنه كان فيما كان السجودُ رخصةً، فإِذَا عَزَمَ الأَمْر تَحتمَ بالسجود (١). ويمكنُ أن يقال: إن النفي راجِعٌ إلى القيد، والمعنى أَنَّ السجدةَ ليست واجبةً بِعَيْنهَا، فمن لم يسجد فلا إثم عليه، لأن الرُّكوعَ أيضًا ينوب عنها، وهو روايةٌ عندنا في خارج الصلاة أيضًا، كما في ((الفتاوى الظهيرية)). وذكر الإمام الرازي في تفسيره: أنَّ أبا حنيفة رحمه الله تعالى استدل عليه من قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]. وفي ((فتح الباري)): أنَّ بعضَ السَّلَف أنكروا سجدة ((ص))، لعدم كونٍ لَفْظِ السجود في آيتها . قلتُ: وإذن ذَهَب بعضُ السَّلف إلى نَفْي السجود رأسًا نظرًا إلى لَفظ الركوع، فإثبات السجودِ فيها مع التزام أدائها بالركوع أَهْوَنُ. وحينئذٍ معنى ما رواه ابن عمر رضي الله عنه: أنَّ اللَّهَ لم يَفْرِض السجودَ إلا أنْ نشاءَ، أي لم يَفْرِض علينا السجودَ بِخُصُوصه، بل كفى عنه الرُّكوعُ أيضًا، إلّا أن نشاءَ السجدةَ فنأتي بها . ١١ - بابُ مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ في الصَّلاَةِ فَسَجَدَ بِهَا ١٠٧٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قالَ: سَمِعْتُ أَبِي قالَ: حَدَّثَنِي بَكْرٌ، عَنْ (١) يقول العبد الضعيف: فإن قلت: فهل كل الصحابةُ رضي الله تعالى عنهم الحاضرون كُلُّهم لا يَدْرُون أنه أوجبها من بعد فاتبعوه في ذلك؟ قلتُ: والذي عُلِم من حالِ الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم لم يكونوا ينازعون أحدًا في المسائل الاجتهادية، وكان يعملُ كلٌّ منهم على تحقيقه في بيته. نعم مَنْ لم يكن عنده من جهة صاحب الشرع قدوةٌ كان يَرْجعُ إلى واحدٍ منهم ويتبعه فيه. فلو كان عمرُ رضي الله تعالى عنه ذهب إلى عدم وجوب السجود، فله فيه مأخذ من النبي بَّه ومن اتَّبعه فله فيه أسوةٌ، وأي أسوة تأسَّى بها. وكذا مَنْ ذهب إلى وجوبِ السجود فله في ذلك قدوةٌ من القرآنِ، والنبيِّ بَّهِ وسَلَف من أصحابه رضي الله تعالى عنهم. فإنْ شِئت فاجعله جوابًا مستقلًا لسائر الاجتهاديات عند الخلاف. ومن نظائره جواب ابن عباس رضي الله تعالى عنه لإيتار معاويةً رضي الله تعالى عنه بركعةٍ: دَعْه فإنَّه قد صَحِب النبيَّ ٥٢٩ كتاب سجود القرآن أَبِي رَافِعِ قالَ: صَليتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ، فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَُّ اُنْشَقَّتْ ﴿﴾ فَسَجَدَ، فَقُلتُ: مَا هذهِ؟ قالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلفَ أَبِي القَاسِم ◌ََّ، فَلَا أَزَالُ أَسجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلقَاهُ. [طرفه في: ٧٦٦]. ١٢ - بابُ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا لِلسُّجُودِ مِنَ الزِّحَامِ ١٠٧٩ - حدّثنا صَدَقَةُ قالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يَقْرَأُ السُّورَةَ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ، فَيُّسْجُدُ وَنَسْجُدُ، حَتَّى ما يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ. [طرفه في: ١٠٧٥]. لو قرأ الإمامُ آيَةَ السجدة، ثُمَّ ركع واجتزأ بركوعِهِ عن السجود، فَسَدت صلاةُ القوم في بعض الصُّور، كما في ((القِنية)). وقال المخدوم الهاشم رحمه الله تعالى: إنَّ تفرداتِه غيرُ مقبولةٍ، لأنه معتزليُّ الاعتقاد وإن كان حنفيَّ المذهب. وقد استمدَّ كتابه من نحو خمسةَ عشرَ كتابًا من كُتُب المعتزلة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ ١٨ - كِتاب تقصير الصَّلاَةِ ١ - بابُ ما جاءَ في التَّقْصِيرِ، وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ ١٠٨٠ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عاصِم وَحُصَينٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: أَقامَ النَّبِيُّ نَّهِ تِسْعَةً عَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةً عَشَرَ قَصَرْنًا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا. [ الحديث ١٠٨٠ - طرفاه في: ٤٢٩٨، ٤٢٩٩]. ١٠٨١ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرِ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ أَبِي إِسْحَاق قالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِّ ◌َ لٍ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فكانَ يُصَلِّ رَكْعَتَينِ رَكْعَتَينٍ، حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ. قُلْتُ: أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيئًا؟ قالَ: أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا. [الحديث ١٠٨١ - طرفه في: ٤٢٩٧]. قال الحافظ رحمه الله تعالى في هذه الترجمةِ إشْكَالٌ، لأن الإقامةَ ليست سببًا للقَصْر، ولا القَصْرَ غايةُ الإِقامة. فقيل: إنه انقلب اللَّفْظُ. والمعنى: كم يَقْصُر حتى يقيمَ؟ وقيل: كم مدة يقيم حتى يَقْصُر، وعددُ الأيام المذكورة سببٌ لمعرفةِ جوازِ القَصْر فيها . واعلم أنه لم يبلغ حديثٌ مرفوعٌ في تحديد مدةِ القَصْر إلى مَرْتبةِ الصحة، وحديث ابن عباس رضي الله عنه في فَتْح مكةَ ومدة الإقامة فيه تسعةً عشرةً(١)، على اختلافٍ فيه، وحديث (١) يقول العبد الضعيف: وقد اختلفت الرواياتُ في قيامه ◌َّ في فتح مكة: ففي رواية كما في البخاري. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه عند أبي داود: ((تِسْعَ عشرةَ))، ففي رواياته اختلافٌ. وعند أبي داود من حديثِ عِمْران بنِ حُصَين: ((ثماني عشرة ليلةً))، وله من طريق: ((خَمْسَ عشرةَ)). قال الحافظ رحمه الله تعالى: وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف بأنَّ مَنْ قال: ((تِسْعَ عشرةَ)) عدَّ يَوْمَي الدخول والخروج، ومن قال: سبع عشرة حذفهما ومَنْ قال: ((ثماني عشرة)) عَدَّ أحدهما وأما رواية: ((خَمْسَةً عَشَرَ)) فضعَّفها النووي في ((الخُلاصة)) وليس بجيد، لأن رواتها ثِقَاتٌ لم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النَّووي من رواية عِرَاك بن مالك عن عبيد الله كذلك. وإذا ثَبَت أنها صحيحةٌ، فليحمل على أن الراوي ظَنَّ أن الروايةَ: ((سَبْعَ عشرةَ)) فحذف منها يومَي الدخول والخروج، فذكر أنها خَمْس عشرةَ اهـ. قلتُ: وحالُهم في فتح مكة كان بين أن يُفْتَحَ لهم فيقروا، وبين أن يكونَ غيرَ ذلك فيضروا، وكذلك لم يكن لهم نيةٌ بعد الفتح أيضًا، لأنه لم يكن لهم بعد الفَتْح في المقام بها غَرَضٌ، إلا أنهم أقاموا بها قَدْر ما يَفْرُغُون عن حوائجهم، بخلاف حالهم في حجة الوداع، فإنهم كانوا جازمين بتلك المدة، لأنهم وَرَدُوا بها للحجِّ وسافروا له، فقد عزموا لها مِنْ قبل. وقد سمعت بعضه من الشيخ رحمه الله في درس الترمذي. ٥٣٠ ٥٣١ كتاب تقصير الصلاة أنس رضي الله عنه في حَجَّة الوداع ومدة الإقامة فيها . ٢ - بابُ الصَّلاَةِ بِمِنَى ١٠٨٢ - حدّثنا مُسَدَّدْ قالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ قالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ بَّهُ بِمِنَّى رَكْعَتَينٍ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَمَعَ عُثْمانَ صَدْرًا مِنْ إِمارَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا. [الحديث ١٠٨٢ - طرفه في: ١٦٥٥]. ١٠٨٣ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قالَ: سَمِعْتُ حارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ◌َّه آمَنَ ما كانَ، بِمِنِى رَكْعَتَينٍ. [الحديث ١٠٨٣ - طرفه في: ١٦٥٦]. ١٠٨٤ - حدّثنا قُتَيبَةُ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ قالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: صَلَّى بِنَا عُثْماَنُ بْنُ عَفََّنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمِنَّى أَرْبَعَ رَكْعَاتٍ، فَقِيلَ ذلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهُ بِمِنْى رَكْعَتَينٍ، وَصَلَّيَتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمِنِّى رَكْعَتَينٍ، وَصَلَّيتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمِنَّى رَكْعَتَينٍ، فَلَيْتَ حَظّ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ. [الحديث ١٠٨٤ - طرفه في: ١٦٥٧]. ٣ - بابٌ كَمْ أَقامَ النَّبِيُّ ◌َّ فِي حَجَّتِهِ ١٠٨٥ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قالَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ قالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ البَرَّاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ لََّ وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ، يُلَبُّونَ بِالحَِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُجْعَلُوْهَا عُمْرَةً، إِلَّا مَنْ مَعَهُ الهَذْيُ. تَابَعَهُ عَطَاءٌ عَنَّ جابِرٍ . [الحديث ١٠٨٥ - أطرافه في: ١٥٦٤، ٢٥٠٥، ٣٨٣٢]. قال: ((صليتُ مع النبيِّ نَّ ركعتين بمنى، وأبي بكر وعمرَ، وعثمانَ رضي الله عنهم صدرًا من إمارته. ثُمَّ أَتَمَّهَا . واعلم أن القَصْر رخصةٌ عند الشافعية، وعزيمةٌ عندنا. قال الحافظُ ابنُ تيميةَ رحمه الله تعالى: والذي عَلِمْنَاه مِنْ سُنة رسولِ اللهِ وَّرَ هو القَصْرُ لا غير، وهو مذهبُ أبي بكر وعمرَ رضي الله عنهما، وكذلك مذهب عثمانَ رضي الله عنه فوافقنا في المسألة. وأما إتمامُه فليس بناءً على جوازِ الإِتمام، بل بناء على التأويل. وقد نُقِلَ على وجوهٍ عند الطحاوي وأبي داود، وتكلّم فيها الحافَظُ رحمه الله تعالى فَذَكَر أنها لا تُوجِبُ الإِتمام. قلتُ: وسها الحنفيةُ حيث أضاعوا وقتَهم في الجواب عن تلك التأويلات. فإنه لو كان فيها قَلَقٌ لكان في تأويل عثمانَ رضي الله عنه. أما مسألة القَصْر والإِتمام فلا أثر لها فيها، فإنه لم يَتِم إلا بالتأويل، فَمَن كَانَ لا يرتضي بها فلينازع مَنْ كان أَتَّمَّ بتلك التأويلاتِ إن كان له هِمَّةٌ ٥٣٢ كتاب تقصير الصلاة لمقاومته، وليس لهم حَقٌّ علينا، فإنَّا لم نَقُل بجواز الإِتمام بتلك التأويلات. وقد غالط فيه بعضٌ من الشافعية، وغَلِظ فيه بعض من الحنفية، فجعل يتكلمُ في الجواب عما أوردَهُ، ولم يَدْرِ أن مسألةَ وجِوبِ القَصْر غير مسألة جواز الإِتمام بتأويل دون تأويل. وليس للشافعيةِ في جواز التقصير إلَّا مَا عند الدار قطني عن عائشةَ رضي الله عنها أنها قَصَرَتْ في فتح مكةٍ وَأَتَّمَّ النبيُّ ◌َلِ﴾ ، فلما أَخْبِرَتْهُ قال: أَحْسَنْتِ. قال ابن تيمية: وهو موضوع .. قلتُ: كلا لا أَزْيَدَ من أن يكون معلولًا، كما قال به ابنُ كثير، لأنها لم تكن في هذا السَّفَر مع النبيِّ ◌َ﴿، كما قال به محمد بن إسحاق في سيرته. ونَقَل تلك العلةَ عند المِزِّي في رواية النسائي فاستحسنها. وأيضًا فيه: ((كان يَقْصُر ويتِمُّ، ويُفْطِرُ ويَصُومُ)). وإسنادُهُ مستقيمٌ. والجواب عندي أن هذا التحسينَ من باب عدم التعاقب على أمرٍ ماضٍ سبق عنها قبل الاستفسار مِنَ النبيِّ وَّرَ، فإنها لو كانت في هذا السَّفَر لكانت تابعةً، فلعلَّهاَ نَوَتَ الإِقامةَ فَأَتَمَّت ولم تدر أن نيةَ الإِقامةِ إنما تعتبرُ من المتبوع دون التابع، فإذا رَدَّت الأَمْرَ (١) إلى النبيِّ وََّ لم يعاقِبْها عليه، وكأنه أَغْمَضَ عَمَّا فعلَتْه وهي غيرُ عالِمة. وأُجيب عن الثانية أنَّ فيها تَصْحيفًا، والصحيح أن الضمائرَ فيها للمؤنث. أي تَقْصُر وتُتمم ... إلخ فهو حكايةٌ عن فِعْل عائشةَ رضي الله عنها. وقيل: يَقْصُر أي في السفر. ويتِمُّ أي في الحَضَر، أو يَقْصُر في السفر إذا لم يَنْو الإِقامة ويتِمُّ إذا نواها. وبالجملة لما لم يَثْبُتِ الإِتمامُ في السَّفَر إلَّا عن عثمانَ وعائشةَ رضي الله عنهما، وهو أيضًا بالتأويل، ثبت أن المَذْهَبَ مَذْهَبُ الحنفية رحمهم الله تعالى، وإليه ذهب الجمهور. ولذلك لما بلغ إتمامُ عثمانَ رضي الله عنه عَبْد الله بن مسعود رضي الله عنه استرجع، كما في الحديث الآتي. فإن قلت: لَمَّا كان مذهبُ ابن مسعود رضي الله عنه كما وصفت، فَلِمَ ائتم به وصَلَّى خَلْفَه أربعَ ركعاتٍ؟ على أنه يثبتُ عنه جوازُ اقتداءِ المفترضِ خَلْفَ المتنفل. فإنَّ عثمان رضي الله عنه حينئذٍ متنفِّلٌ في الشَّفْع الأخير عنده، وهو باطِلٌ عندكم . قلتُ: هذه المسألةُ مُجْتَهَدٌ فيها، والاقتداء في جِنْسِ هذه المسائلِ يجوزُ من واحدٍ لآخَر، كما في ((الدر المختار)) عند تعديد الواجبات، فَصَرَّح في ضِمْنَه: أنَّ المتابعةَ تَصِحُّ عندنا في الاجتهادات كلّها. وأَوْضَحَهُ الشَّافعيُّ رحمه الله تعالى، ونقله الحافظ ابن تيمية عن الأئمة الأربعة. قلتُ: فهذا بابٌ عندنا وسيعٌ، فيتَّبع الإمام في رَفْع اليدين والتأمين أيضًا لو اتفق الاقتداء (١) قلتُ: ولو كان الإتمام مُسْتَحْسَنًا كما يُشْعِرُ به اللفظُ لأَتَمَّ بها النبيُّ ◌َّهِ، بل لو كان جائزًا لم يَتْرُكه إلا أَنْ يَفْعَلَه ولو مرةً مع أنه لم يَثْبُت عنه أصلًا. ثم أقول: إن في نَفْس قولها: ((أتممت وقصرت)) استغرابٌ منها، كأَنَّها لم تكن عَالِمة من قبل، فإذا عَلِمْت أَخْبرتِ النبيَّ ◌َّ لِتَعْلِم نوعَ خلافٍ لما قَصَرت فيه، على حَدِّ قَوْل الصِّديق الأكبر رضي الله تعالى عنه: واللَّهِ إِنَّا لنجدُ مِثْله، حين قال له حَنْظَلَةُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، فذهبًا إلى النبيِّ وَّةِ إلى آخِر القصة. ولذا حَسَّنَها النبيُّ وَِّ كي يسكن فؤادُه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اَلَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] ... إلخ. ليس فيه تَشْجِيعٌ على المعاصي، بل فيه تسكينٌ لِمَن بَلَغ حاله القنوط بعد الإسراف، فافهم. ٥٣٣ كتاب تقصير الصلاة بالشافعي رحمه الله تعالى. وقد قدمنا الكلام فيه مبسوطًا. ويَدُلُّ عليه أن الخليفةَ هارون الرشيد اقتصد مرةً فقام إلى الصلاةِ ولم يتوضأ، فاقتدى به أبو يوسف رحمه الله تعالى وما ذلك إلا لكون الاقتداء جائزًا، ولولا ذلك لما كان أبو يوسف رحمه الله تعالى ليقتدي به فإنه أَوْرَعُ من ذلك، كما في ((البحر الرائق)»: أنه كان يبكي عند نَزْعه، فسأله الحاضرون عن بكائِه، فقال: إنما أبكي من أجل ما قَصرتِ في قضائي عن هارون الرشيد، فإنه وذميًا ترافعا إليّ مرةً في أَمْرٍ فلم أعبأ بالأميرِ لكونه أميرًا، ورَكَنْتُ إلى الذِّمي. فَمَنْ كان بكاؤه لهذا، كيف يُظنُّ به أن يكون اقتدى بالخليفة مع عدم جوازه عنده؟ فإنه إذا لم يعبأ به في القضاء، فما في الاقتداء. ثُمَّ لو تكلَّم إمامٌ شافعي لا يجوز الاقتداء به عندي، وذلك لأن نَقْض الطهارة من خارج غير السبيلين مختلفٌ فيه اختلافًا فاشيًا بين الصحابة رضي الله عنهم، بخلاف مسألة الكلام، فإنه لا دليلَ له عندهم غيرُ واقعة مُبْهَمة لا يُذْرَى مُسْتقرُّها ومستودَعُها فافترقا . قوله: (آمَنَ ما كَانَ) وصيغةُ التفضيل بينهما مضافٌ إلى المصدر، فتكون مَصْدرًا على ضَابِطَتهم لكونها جزءًا من المضاف إليه فلا يصح حَمْلُهَا. قلت: ولكنَّ السيد الجُرْجَاني صَرَّح في ((حاشية المتوسط)): أَنَّ الفِعْل بعد دخول حروفِ المَصْدر لا يَنْسلخ عن معناه بالكلية، ولا يأخذ جميعَ أحكام المصدر. وقر مر معنا الفرق في قوله: أعجبني أن يقوم زيدٌ، وقوله: ((قيامُ زيدٍ. ثم إنَّه إشارةٌ إلى آية القرآن وهي: ﴿إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ١٠١]، وأنها في قَصْر الهيئة لا فِي قَصْر العدد، وقد مَرَّ البحثُ فيه. ٤ - بابٌ فِي كَمْ يَقْصُرُ الصَّلاَةَ وَسَمَّى النَّبِيُّ ◌َُّ يَوْمًا وَلَيْلَةً سَفَرًا وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَقْصُرَانِ وَيُفطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَهيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا . ١٠٨٦ - حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ قالَ: قُلتُ لأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قالَ: ((لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ ثَلَاثَةً أَيَّامٍ إِلَّا مَعَ ذِيّ مَحْرَمٍ))؟ [الحديث ١٠٨٦ - طرفه في: ١٠٨٧]. ١٠٨٧ - حدّثنا مُسَدَّدْ قالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قالَ: ((لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَّ مَعَ ذِيّ مَحْرَمٌ)). تَابَعَهُ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ. [طرفه في: ١٠٨٦]. ١٠٨٨ - حدّثنا آدَمُ قالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لا يَحِلُّ لإِمْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيس مَعَهَا خُرْمَةٌ)). تَابَعَهُ يَحْيِى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَسُهَيلٌ، وَمَالِكَ، عَنِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ٥٣٤ كتاب تقصير الصلاة ومسافةُ القَصْر في المذهب مسيرةُ ثلاثة أيام ولياليها. ثُمَّ حَوَّلُوها إلى التقدير بالمنازل، فاختلفوا فيه على أقوال: منها ستةَ عشرَ فَرْسخًا. كل فَرْسخ ثلاثةُ أميال، فتلك ثمانيةٌ وأربعونَ مِيلًا، كما في الحديث. وبه أُفتي لكونه مذهبَ الآخَرِين. وهي عند الظاهري على اللغةِ، فكلُّ ما يطلقُ عليه السَّفَر لغةً تكون مسافةُ القَصْرِ عنده. قوله: (وسَمَّى النبيُّ نَ ◌ّهر يومًا وليلةً سفرًا) يعني جَعَله من جزئيات السَّفَر لا أنه قصره عليه. ولعل المصنف رحمه الله تعالى أرادَ الإِطلاق في السَّفَر كمذهب داود الظاهري. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفيه ما يدلُّ على اختياره أن أقلَّ مسافةِ القَصْر يومٌ وليلةٌ ولما لم يكن عند المصنف رحمه الله تعالى في القَصْر والإِتمام حديث، أخرج له حديثَ الحجّ والسفر للحاجات العامة، كقوله: ((لا تُسَافِر المرأةُ ثلاثًا))، فإنه لم يقع في مسألةِ الإِتمام والقَصْر، بل وَرَدَ في سَفَر الحاجات، واختلفت فيه الروايات. وفي بعضها: مَسيرةُ يومٍ ولَيْلَة، وهو عندي مُخْتَلِفٌ باختلاف الأحوال، والأحاديث في هذا الباب صُدِّرَت عن حضرة الرسالة تارةً كذا، وتارةً كذا، وليست محمولةً على اختلافِ الرواة. وفي كُتب الحنفية عَامَّةً عَدَمُ جوازٍ السَّفَر إلا مع مَحْرَم. قلتُ: ويجوزُ عندي مع غير مَحْرم أيضًا بِشَرْط الاعتماد والأَمْن من الفتنة. وقد وَجَدْتُ له مادةً كثيرةً في الأحاديث(١) أما في الفِقْه فهو من مسائل الفِتن. ٥ - بابٌ يَقْصُرُ إِذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَخَرَجَ عَلِيُّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَقَصَرَ وَهُوَ يَرَى الْبُيُوتَ، فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ: هذهِ الكُوفَةُ، قالَ: لَا، حَتَّى نَّدْخُلَهَا . ١٠٨٩ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيسَرَةَ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ ◌ََّ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيفَةِ رَكْعَتَينٍ. [الحديث ١٠٨٩ - أطرافه في: ١٥٤٦، ١٥٤٧، ١٥٤٨، ١٥٥١، ١٧١٢، ١٧١٤، ١٧١٥، ٢٩٥١، ٢٩٨٦]. ١٠٩٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَت: الصَّلَاةُ أَوَّلُ ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الحَضَرِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلتُ لِعُرْوَةً: ما بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قالَ: تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمانُ. [طرفه في: ٣٥٠]. وهو المسألة عندنا . (١) يقول العبد الضعيف: منها أَمْرُ النبيِّ نََّ أَبَا العاص أَنْ يُرْسِل زينب رضي الله عنها مع رَجُلٍ لم يكن لها مَحْرمًا، ومجيء عائشةَ رضي الله عنها في قِصَّة الإفْك. ٥٣٥ كتاب تقصير الصلاة ١٠٨٩ - قوله: (وبِذِي الحُلَيْفَةَ رَكْعَتَيْن) أي قَصَر فيها وقد خَرَج للحجِّ، لا أنه قَصَد ذا الحُلَيفة وقَصَر فيها . ٦ - بابٌ يُصَلِّي المَغْرِبَ ثَلَاثًا في السَّفَرِ ١٠٩١ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ مَّ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ في السَّفَرِ، يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ. قالَ سَالِمٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَفعَلُهُ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيرُ. [الحديث ١٠٩١ - أطرافه في: ١٠٩٢، ١١٠٦، ١١٠٩، ١٦٦٨، ١٦٧٣، ١٨٠٥، ٣٠٠٠]. ١٠٩٢ - وَزَادَ اللَّيْثُ قالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قالَ سَالِمٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَجْمَعُ بَيْنَ المِغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالمُزْدَلِفَةِ. قَالَ سَالِمٌ: وَأَخَّرَ ابْنُ عُمَر المَغْرِبَ، وَكانَ اسْتُصْرِخَ عَلَى امْرَأَتِهِ صَفِيةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيدٍ، فَقُلتُ لَهُ: الصَّلَاة، فَقَالَ: سِرْ، فَقُلتُ: الصَّلَاةَ، فَقَالَ: سِرْ، حَتَّى سَارَ مِيلَينٍ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ قالَ: هَكَذَا رَأَيتُ النَّبِيَّ ◌َلَ يصَلِّي إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيرُ. وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َـهَ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيرُ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّىٍ يُقِيمَ الْعِشَاءَ، فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَينِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَ العِشَاءِ، حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيلِ. [طرفه في: ١٠٩١]. ونقل العَيْنِي أَنَّ ابن دِخْية المغربي - وهو مِنْ حُفَّاظ الحديث - أفتى بِقَصْرِ المَغْرِب أيضًا ولم يذهب إليه أَحَدٌ. وقد كَشَفَت عن مَنْشٍَ غَلَطه في رسالتي ((كشف الستر)» من أواخرها، وخلاصته: أن منشأه ما رُوي عن أبي موسى الأشعري - كما في الهامش - أنه سَلَّم في الْمَغْرِب بين شَفْع المغرب وركعتها. فأخرجه الهَيْئَمي في سجود السهو، وأشار إلى أنه سَبَق منه التسليمُ سهوًا، لا أنه كان بناءً على القَصْر في الْمَغْرِب. وهذا هو منشأ غَلَط ابن دِحْية، وهو كثيرُ الغرائب فاعلمه. ١٠٩٢ - قوله: (وأَخَّر ابنُ عُمَر الْمَغْرِب، وكان استُصْرِخَ على امرأَتِهِ) ... إلخ. واختلف الرواة في بيان تأخيره تلك الليلة: ففي بعض الروايات أنه نزل بعد غيبوبة الشَّفق. وجمع بين المغرب والعشاء. وفي بَعْضٍ أَنَّه أَخَّرَ الْمَغْرِب إلى رُبُع الليل. والصواب عندي أنه واقعةٌ واحدة، وهي على وجهها عند أبي داود وفيه: ((حتى إذا كان قبل غيوبِ الشفق نَزَل فَصلَّى المغربَ، ثم انتظرِ حتى غاب الشَّفَقُ فَصَلَّى العشاءَ، ثم قال: إنَّ رسولَ اللَّهِ نَ ◌ّهِ كان إذا عَجِل به أَمْرٌ صَنَع مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتُ)). اهـ. وحَمَله الحافظ رحمه الله تعالى على تَعَدُّد الواقعة، وهو بعيدٌ عندي، بل هو واقعةٌ واحدةٌ اختلف فيها الرواةُ من حيث المبالغةُ في بيانِ التأخيرِ والجمع فيها على عين مذهب الحنفية رحمهم الله تعالى. وفيها تفسيرٌ لِجَمْع النبيِّ ◌َّ﴿ أيضًا أنَه كيف كان. وما يدلُّك على أنها واقعةٌ واحدةٌ ما عند أبي داود، لم يُرَ ابنُ عمَرَ رضي الله تعالى عنه جَمَع بينهما إلَّا تلك الليلة، يعني ليلة اسْتُصْرِخَ على صفیةَ رضي الله ٥٣٦ كتاب تقصير الصلاة تعالى عنها. وعن مكحول عن نافع أَنَّ ابنَ عمرَ رضي الله تعالى عنه فَعَل ذلك مرةً أو مرتين - بالشَّكِ .. وقد ذَكَرَ القاضي أبوِ الوليد الباجي: أن في لفظ الجَمْع إيماءً إلى أن الجَمْع كان صُورِيًا. وإلَّا فالأَظْهرُ أن يقال: صَلَّى الْمَغْرِبَ في وقت العشاء، ولكنه عدل عنه إلى لَفْظ الْجَمْع إفادةً لتأخير الصلاة الأُوْلى، وتعجيل الثانية، والجَمْع في وَقْتَيْهِما. ٧ - بابُ صَلَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّوَابِّ، وَحَيثُما تَوَجَّهَتْ بِهِ ١٠٩٣ - حدّثنا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى قالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: رَأَيتُ النَّبِيَّ ◌َّه يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. [الحديث ١٠٩٣ - طرفاه في: ١٠٩٧، ١١٠٤]. ١٠٩٤ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قالَ: حَدَّثَنَا شَيبَانُ، عَنْ يَحْيى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ: أَنَّ جابرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّرَ كَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ وَهُوَ رَاكِبٌ فِي غَيْرِ القِبْلَةِ . ١٠٩٥ - حدّثنا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قالَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ قالَ: حَدَّثَنَا مُوسى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ قَالَ: كانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَيُوتِرُ عَلَيهَا، وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيِّ بََّ كَانَ يَفْعَلُهُ. [طرفاه في: ٤٠٠، ٩٩٩]. والاستقبالُ شَرْطٌ عند التحريمة عند الشافعي رحمه الله تعالى، ومُستحبٌ عندنا. وعند أبي داود (ص ١٧٣) باب التطوع على الراحلة: ((أنَّ رسولَ اللَّهِ نَ﴿ كان إذا سَافرَ فأراد أن يتطوَّعَ، استقبل بناقَتِهِ القِبْلة فَكَبَّر، ثُم صَلَّى حيث وَجَّهَهُ رِكَابُه)). اهـ. وَحَمَلَهُ ابنُ أميرِ الحاجِّ على الاستحباب. ٨ - بابُ الإِيمَاءِ عَلَى الدَّابَّةِ ١٠٩٦ - حدّثنا مُوسى قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِم قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارِ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُصَلِّي فيّ السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ أَينَما تَوَجَّهَتْ، يُومِىءُ. وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ وََّ كَانَ يَفْعَلُهُ. [طرفه في: ٩٩٩]. وهو المسألة عندنا، فإنه لا يَقْدِرُ عليها إلَّا على الإيماء. ووسع أزيد منه، فراجع مسائل طهارة السَّرْج ونجاسته في الفِقْه. ٩ - بابٌ يَنْزِلُ لِلمَكْتُوبَةِ ١٠٩٧ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرِ قالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَّ عامِرَ بْنَ رَبِيعَةً أَخْبَرَهُ قَالَ: رَأَيتُ رَّسُولَ اللَّهِ نَّهِ وَهُوَ عَلَى ٥٣٧ كتاب تقصير الصلاة الرَّاحِلَةِ يُسَبِّحُ، يُومِىءُ بِرَأْسِهِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ وَ يَصْنَعُ ذلِكَ في الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ. [طرفه في: ١٠٩٣]. ١٠٩٨ - وَقالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَني يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمٌ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ مِنَ اللَّيلِ وَهُوَ مُسَافِرٌ، ما يَُّالِيَ حَيثُ مَا كانَ وَجْهُهُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهَ يُسَبِّحُ عَلَىَ الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا المَكْتُوبَةَ. [طرفه في: ٩٩٩]. ١٠٩٩ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ ثَوْبانَ قالَ: حَدَّثَنِيٍ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهكانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ المَشْرِقِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ المَكْتُوبَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. [طرفه في: ٤٠٠]. وهو المسألة عندنا وعندهم إلَّا إذا كان وَحَلٌ لا يمكن السجود على الأرض، فإنَّه يصليها على دابته، أو كان مطلوبُهُ ((نحو المشرق)) ولم تكن قِبْلته في تلك الجهة. ١٠ - بابُ صَلَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الحِمَارِ ١١٠٠ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ قالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قالَ: اسْتَقْبَلنا أَنَسَا حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّأْمِ، فَلَقِينَاهُ بِعَينِ الثَّمْرِ، فَرَأَيتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَوَجْهُهُ مِنْ ذَا الجَانِبِ - يَعْنِي عَنْ يَسَارِ القِبْلَةِ - فَقُلتُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ القِبْلَةِ؟ فَقَّالَ: لَوْلَا أَنِّ رَأَيتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِِّ فَعَلَهُ لَمْ أَفعَلهُ. رَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِّ ◌ََّ. ترجم أولًا بالصلاة على الدابة مطلقًا، ثم توجَّه إلى الحمار خصوصًا لكونه حرامًا . واختلف العلماءُ في ثبوتِ الصلاة على الحمارِ عن النبيِّ بَّةٍ، مع اتفاقهم على جوازِ الصلاة عليه. وأما ترجمةُ المصنّف رحمه الله تعالى فبناؤها على أَثر أنس رضي الله تعالى عنه. وإنما كان أنسُ ذهب إلى الشام ليشكوَ لِعبدِ المَلِك مما يلقاه من الحَجّاج. ١١ - باب مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ في السَّفَرِ دُبُرَ الصَّلاَةِ وَقَبْلَهَا ١١٠١ - حدّثنا يَحْيى بْنِ سُلَيمانَ قالَ: حَدَّثَني ابْنُ وَهْبٍ قالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَنَّ حَفصَ بْنَ عاصِم حَدَّثَهُ قال: سَافَرَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ، فَلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ فِي السَّفَرِ، وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ الَّهِ أُسْوَّةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. [الحديث ١١٠١ - طرفه في: ١١٠٢]. ١١٠٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ عِيسى بْنِ حَفصٍ بْنِ عاصِم قالَ: حَدَّثَني أَبِي: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِيَّ السَّفَرِ ٥٣٨ كتاب تقصير الصلا عَلَى رَكْعَتَينٍ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذلِكَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. [طرفه في: ١١٠١]. وفي نسخة: وقبلها، واختلفوا فيه، فقيل: لا يتطوع أصلًا لا قبل المكتوبة ولا بَعْدَها، لأَنَّ المكتوبة إذا قُصِرت في السفر، فَتَرْك التطوع أَوْلى. وقيل: يُصلِّي البعدية دون القَبْلية. وذلك لأنَّ القبلية كانت تُؤذَّى في البيت، بخلاف البعدية فكانوا يَرَوْنه يصليها فلم يَسَع منهم نَفْيُها (١)، بخلاف القَبْلية فإنهم إذًا يَرَوْه يصلِّيها حملوها على التَرْك. وقيل: بالفرق بين النهارية والليلية، فيصلِّي التهجُّد فقط. وقال محمد بن الحسن رحمه الله تعالى: يَتْرُكُهَا إن كان سائرًا، ويصلِّيها إن كان نازلًا. وَمَنْ ذهب إلى إتيانِ الرواتب في السَّفَر قال: إن الرواتِبَ كانت من أَصْلِها منحطة عن المكتوبات، ولا تضاهيها، فلا يلزم بالقَصْر في المكتوبات تَرْك التطوع. فلو قلنا بإتيانها مع القَصْر في المكتوبات لم يلزم الخُلْف. قلتُ: وقد روى ابنُ أبي ليلى عند الترمذي مرفوعًا: ((أن ابنَ عَمرَ رضي الله تعالى عنه صلَّى مع النبيِّ لنَّ الظّهر في السفر ركعتين، وبعدها ركعتين)). قال أبو عيسى. وسَمِعْت محمدًا يقول: ما روى ابنُ أبي ليلى حديثًا أعجبُ إليَّ من هذا، فلا ينبغي إنكارُها مطلقًا، نعم لم يثبت عنه السُّننُ في الصِّحاح. والعمل عندي على ما قاله محمدُ بن الحسن رحمه الله تعالى. قوله: (﴿أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ﴾﴾ [الأحزاب: ٢١] أي فِعْلًا وتركًا. والأُسْوة صفةٌ مشبَّهة، وترجمته (بيشوا). فهو من باب التجريد على حَدِّ قوله: لقيت من فلانٍ بحرًا. فالبحر مأخوذ منه، والاثنينية ههنا تخييلية بأخذ الشيءٍ من ذلك الشيء بعينه . ١١٠٢ - قوله: (صَحِبْتُ رسولَ اللَّهِ وَ﴿ فكان لا يزيدُ في السَّفَر على ركعتين وأبا بكر وعمرَ وعُثْمَانَ كذلك) وإنما لم يذكر عليًا لأنه بعد البَيْعة ذهب إلى الكوفة، فأين كان يَصْحبه! ثُم الظاهر أنَّ قول ابن عمر رضي الله تعالى عنه هذا في بيان القَصْر لا في بيان تَرْك السُّنَن. ١٢ - باب مَنْ تَطَوَّعَ في السَّفَرِ في غيرِ دُبُرِ الصَّلوَاتِ وَقَبْلَها وَرَكَعَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ في السَّفَرِ ١١٠٣ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرَ قالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيلَى قالَ: ما أَنْبَأ أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ نَّهِ صَلَّى الضُّحى غَيرُ أُمِّ هَانِىٍ، ذَكَرَتَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َُّ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ في بَيتِهَا، فَصَلَّى ثَمَان رَكَعَاتٍ، فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. [الحديث ١١٠٣ - طرفاه في: ١١٧٦، ٤٢٩٢]. ١١٠٤ - وَقالَ اللَّيثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ: أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ◌ََّ صَلَّى السُّبْحَةً بِاللَّيلِّ فِي السَّفَرِ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. [طرفه في: ١٠٩٣]. (١) هكذا وَجَدْت في تذكرتي، وفي النفس منه بعض حزازة. ٥٣٩ كتاب تقصير الصلاة ١١٠٥ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بَيْ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيثُ كانَ وَجْهُهُ، يُومِىءُ بِرَأْسِهِ، وَكانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. [طرفه في: ١٠٩١]. وهذه النسخةُ هي الأرجح، وتُشْعر بأن نَفْي التطوع في السفر عنده محمولٌ على ما بعد الصلاة خاصَّةً، فلا يتناولُ ما قبلها وما لا تعلق له بها من النوافل المطلقة، كالتهجد والوِتْر، والضحى. والفَرْق بين ما قَبْلها وما بَعْدَها أن التطوعَ قَبْلَها لا يُظنّ أنه منها، لأنه يَنْفَصِل عنها بالإِقامة وانتظار الإِمام غالبًا ونَحْوِ ذلك، بخلاف ما بعدها فإنَّه في الغالب يتصل بها، فقد يظنُ أنه منها: كذا قال الحافظ رحمه الله تعالى. وفي بعض النُّسخ: في غير دُبُر الصلاةِ وقبلها وهو مرجوح(١)، فصلَّى ثماني ركعات. وعند أبي داود تصريحٌ بالسلام فيها على كل ركعتين. واختلفوا ((أنها كانت شُكْرًا)) للفتح وصادفت وَقْت الضحى، أو كانت صلاةَ الضُّحَى المعروفة. ١١٠٤ - قوله: (صلَّى السُّبْحَةَ بِاللَّيْل) هذه هي الليلية، وهي ثابتةٌ كثيرًا . ١٣ - بابُ الجَمْعِ فِي السَّفَرِ بَينَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ ١١٠٦ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالِعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيرُ. ١١٠٧ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنِ الحسَينِ المُعَلِّم، عَنْ يَحْيِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَّا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إِذَا كَانَ عَلَىْ ظَهْرِ سَيرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ. ١١٠٨ - وَعَنْ حُسَينٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ المَغْرِبِ وَالعِشِّاءِ فِي السَّفَرِ، وَتَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ وَحَرَبٌ عَنْ يَحْيِى، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ أَنَسٍ: جَمَعَ النَّبِيُّ ◌َِّ. [الحديث ١١٠٨ - طرفه في: ١١١٠]. واعلم أن المصنف رحمه الله إمَّا جَنَح إلى الجمع صورةً أو الجمعِ فِعْلًا على اصطلاحنا، أو لم يَحْكُمْ فيه بجانب، لأنه إمَّا ترجم بعينٍ لَفْظِ الحديث، وهذا يُشْعِر أَنَّه لا يريدُ فيه فَضْلًا وإلَّا لزاد لفظًا يتعينُ به مرادُهُ في موضع الخلافِ، أو ترجم بالتأخير. وقد مَرَّ أن عُنوانَ تأخير صلاةٍ إلى صلاة أقربُ بِنَظَر الحنفية. ثُمَّ إنَّ البخاري صوَّبَ جَمْع التأخير وعلَّل جَمْعَ التقديم، فبوَّب (١) يقول العبد الضعيف: وفي تذكرة عن الشيخ رحمه الله تعالى عندي وهو الراجح، فتردد النظر في ذلك ولم يحصل لي جزم بجانبٍ، لأن قول البخاري رحمه الله تعالى في الترجمة: ((وركع النبي صلّ في السفر ركعتي الفجر يومئذٍ ((النسخة الأولى، والحديث المترجم له يدل على النسخة الثانية، أي على ثبوت التطوع وغيرهما، ثم الترجمة الأولى سلبية وهذه إيجابية، وفيهما نسختان بزيادة: وقبلها فيهما، فلتحرر النسختان ومآلهما . ٥٤٠ كتاب تقصير الصلاة بتأخير الظهر إلى العصر، ولم يبوِّب بتقديم صلاةٍ إلى صلاة. وقد صرَّح المالكيةُ أن الْجَمْعَ في التأخير فِعْلِيٌّ فقط، وفي التقديم وقتي، فَثَبت نَفْيُ جمع التقديم وقتًا من كلام البخاري رحمه الله تعالى، ونَفْيُ جمع التأخير وقتًا من تصريحٍ المالكية، وهو مذهب الحنفية أن الجَمْعَ عندهم فِعْلٌ فقط، كما عرفت. وقد مر معنا أن الجَمْع عندي محمولٌ على اشتراك الوقت فإنَّ المِثْل الأول للظهر خاصَّة، والثالث للعصر كذلك، والثاني مشترٌَ يصلح لهما، إلَّا أن المطلوبَ هو الفَصْل، ويرتَفِع ذلك في السَّفر والمرض. وقد ذكر الطحاوي رحمه الله تعالى جماعةً من السَّلَف ذهبوا إلى اشتراك الوقت. قلتُ: ولا أحسبُهم إلا أنهم يكونون قائلين بالفَصْل بين الصلاتين في غير السَّفَر والمرض وإنْ ذهبوا إلى اشتراك الوقت، وهو معنى الموقوف كما مَرَّ. ثم ما هذا التأخير في التزام اشتراك الوقت، ألا ترى أنهم يكتبون وقتًا في صَدْر الباب، ثُمَّ يَقْسِمُونه إلى مستحبٍ وغيره، وقَسَمه الشافعيةُ إلى خمسةٍ، كما مرَّ. فإذا قالوا في صدر الباب: إنَّ وقت العصر إلى غروب الشمس، ثُمَّ صرحوا أن آخِر وقتها مكرُوهٌ تحريمًا، فأيُّ بُعْدٍ في تقسيم المِثْل الثاني بأنه وَقْتُ الظهر والعَصْر معًا، فهو وَقْتُ الظهر ويصِحُّ فيه العَصْرُ أيضًا، فإنَّه أيضًا قِسْم. وبه يَنْحَلُّ حديثُ حَمنة رضي الله عنها في باب الحيض، وفيه أنه أَمَرَها أن تَجْمَع الصلاتين في غُسْل، فإنَّه ينبني على اشتراك الوقت عندي كما مر، ولا سيما إذا رواه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى في ((مسند)) أبي عَروبة الحَرَّانِي - تلميذ الطحاوي -: فلا يقالُ: إنه اختار نَقْضَ طهارة المعذور بخروج الوقت، وهو لا يَذْري هذا الحديثَ، بل قالها وهو يعلم أن حَمنة رضي الله عنها قد أُمِرَت أن تَجْمَع بين الصلاتينِ في غُسْل، وإذن وَجَب أن يكونَ اختار اشتراك الوقت، وجوَّز الوَصْلِ للمعذور مع مطلوبيةِ الفَصْل لغيره. واعلم أنَّ أوَّل مَنْ دَوَّنِ مذاهبَ الصحابة رضي الله عنهم الطحاوي رحمه الله تعالى فَصَنَّف كتابه ((اختلاف العلماء))، ثُمَّ محمد بن نصر، وابن جرير، وابن المُنْذر بعده، ثم أبو عمرو خامس خمسة. والناسُ بعدَهم تَبَع لهم في هذا الباب، ولذا يُعتمد على الطحاوي رحمه الله تعالى في هذا الباب ما لا يُعْتَمدُ على غيرهِ. ١٤ - بابٌ هَل يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ إِذَا جَمَعَ بَينَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ ١١٠٩ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ إِذَا أَعجَلَهُ السَّيرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ صَلَاةَ المَغْرِبِ، حَتَّى يَجْمَعَ بَينَهَا وَبَينَ العِشَاءِ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَفْعَلُهُ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيرُ، وَيُقِيمُ المَغْرِبَ فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ، فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ يُسَلُّمُ، وَلَا يُسَبِّحُ بَيْنَهَا بِرَكْعَةٍ، وَلَا بَعْدَ الْعِشَاءِ بِسَجْدَةٍ، حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيلِ. [طرفه في: ١٠٩١].