النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١
كتاب الوتر
لم يَبْقَ نِزَاعٌ إلا في إطلاق لَفْظ الوجوب، وهذا كما ترى مما لا ينبغي فيه النزاع.
ثم الأفضل عندهم أَنَّ الوِتْر ثلاثٌ بتسليمتين، فإنْ كانت بتسليمةٍ فالأفضلُ أن تكون بقعدةٍ
على الأخيرة. فإن صلاها بقعدتين علىِ الثانية والثالثة مع تسليمةٍ واحدةٍ، فقيل إنه مَفْضولٌ،
وقيل: غير صحيح. ثم قالوا: إنه إن صلَّاها خمسًا فطريقُها أن يصليها بقعدةٍ على الأخيرة، أو
بقعدتين على الرابعة والخامسةِ، ثم إن شاءَ سَلَّم على الرابعة والخامسة فقط، وقِس عليها حالَها
إلى إحدى عشرةَ. وإن أَرَدْتَ أن تكتفي بواحدةِ الوِتْر فذا عندهم جائزٌ أيضًا .
أما عند مالك فظاهرُ موطئه أن الوِتْر ثلاثٌ بتسليمتين وجوبًا ولا تصح بواحدةٍ. وتأوَّله
الشارحون وقالوا معناه نَفْيُ الكمال، وذهبوا إلى استحباب الثلاثِ مع صحَّة الواحدة. وقريبٌ
منه مذهب أحمد رحمه الله تعالى.
قلتُ: لم يَثْبَتْ عن النبيّ ◌َ﴿ الاكتفاءُ بركعةٍ واحدةٍ قط بحيث لا يكون قَبْلَها شيءٌ ولا
بَعْدَها شيءٌ، كما أقرَّ به الشيخُ عمرو بنُ الصَّلاحِ. وكذا ليس عندهم للفَصْلِ بينَ ركعاتٍ الوتر
شيءٌ غير المُبْهَمَاتِ.
ولنا في كونها ثلاث ركعاتٍ وأن لا تسليمَ بينها صرائِح وضوامَر من النصوص. وأما
المصنّف رَحِمه الله تعالى فقد وَافَقَنَا في تَغَايُرِ الصلاتين. ولعلَّه وافقنا في الوجوب أيضًا، كما
سيجيء تقريره، وكذا في أنه ثلاثُ ركعات ولذا لم يُخرِّج في الباب الأحاديثَ التي تَدُلُّ على
كونِ الوِتْر خَمْسًا إلى ثلاثة عشرَ، نعم خالفنا في كونها بتسليمةٍ وجَزَم بكونها بتسليمتين. ثُمَّ لم
يستطع أن يستدلَّ عليه إلا بأثرٍ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه. فلنا أيضًا آثارٌ عن عمر،
وعليٍّ، وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم.
مع أن النصوص تدلُّ على بقائها في نظر الشارع بعد؟ ألا ترى كيف ردَّدت الأحاديثُ في وقت العشاء فجعل لها
نصفًا، وثُلثًا، وأكثر منه، وأقل على التوزيع في المُزّمل بصلاة الليل، فكأن وقتَ العشاء ينقسم بحَسَب صلاة الليل
إلى نصف، وثلث، وغيرهما، وعليه الترديد في نزول الربِّ تبارك وتعالى ففي حديث النصف، وفي آخَرَ الثُّلُث،
وتصدى فيه الناسُ إلى الترجيح، والصواب عندي أن الترديد فيه لمكان الترديد في صلاة الليل، فالنزول على أنحاء
نحو منه على النصف ونحو آخر على الثلث، وهكذا والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وبالجملة لَمَّا لم تُنْسخ صلاةٌ
الليل قلنا: إن أدناها الوِتْر، ولما كان طريقُه، ظنيًا قلنا بوجوبه. وأُورد عليه أن لفظ ((أَمَدّ» لو دل على كونٍ الوتر
واجبًا لوجب أن تكونُ سنةُ الفجر أيضًا واجبة، لأنه وَرَد فيها ذلك اللفظ بعينه. قلت: وهي كذلك عندنا في رواية
الحسن بن زياد. ثم رأيت فيه من ذلك السَّند بعينه لَفْظَ الوِتْر أيضًا مكانَ سُنة الفجر، فحكمت أنَّ هذا المضمون
إنما كان ورد في الوتر، فَتَوهَّم فيه بعضُهم ونَقَل سُنةَ الفَجْرِ مكانَ الوتر. وكتب الشيخُ عَلَمُ الدين السخاوي رسالة
مستقلة على فرضية الوتر، وعدَّة أسطرٍ منها منقولةُ على حاشية البحر وفيها إني نبأ الأمة أن الوتر فرض. ولنا ما
أخرجه أبو داود: ((الوِتْرُ حَقٌّ فَمَن لم يُوتِر فليس منا)). أما قوله ◌ِّرَ﴾ ((فأوتروا يا أهلَ القرآنٍ))، فالمراد منهم مَنْ
كان يَحْفَظُ القرآنَ دون المؤمنين، وإنما خُصُّوا بالخطاب لأن مشروعيةً صلاةِ الليل لتلاوةِ القرآن، فهي آكَدُ في
حَقُّهم. ومَنْ فَسَّرَهُ بالمؤمنين إنما حَمَله على ذلك أنه ظَنَّ أنه يُخالِفُ وجوب الوِتْر شيئًا، لأنه يدل على أَنَّ الوِتْر
ليس على عامتهم مع أن المرادَ من الوتر صلاةُ الليل كما يُرشد إليه عبارةُ إِسحاق عند الترمذي فافهم منه.
٤٨٢
كتاب الوتر
وفي ((المُدَونة)) من قِيام رمضان: أَنَّ آخِرَ ما صلَّى بها الوِتْر بعد التراويح ثلاثُ ركعاتٍ،
وعند الطحاوي: أنَّ عمرَ بن عبد العزيز أَثْبَتَ الوِتْر بالمدينة بقولِ الفقهاءِ ثلاثًا لا يُسلِّم إلا في
آخِرِهنَّ. وعنده عن أبي الزِّنَادِ عن السبعة: سعيد بن المسيَّب، وعروة بن الزُّبير، والقاسم بن
محمد، وأبي بكر بنِ عبد الرحمن، وخارجةَ بنِ زيد، وعبيد الله بن عبد الله، وسُلَيمان بن یَسَار،
في مشيخةٍ سواهم أَهلَ فِقْهٍ وصلاحٍ وفضلٍ، وربما اختلفوا في الشيء، فأخذ بقول أكثرِهم
وأفضلِهم رأيًا، فكان مِمَّا وَعَيْت عنهم على هذه الصفة: أن الوِتْر ثلاثٌ لا يُسلَم إلا في
آخَرِهنَّ ... إلخ. وفيه عبدُ الرحمن بن أبي الزِّناد، وفيه لَيِّن.
قلتُ: وعَلَّق عنه البخاري في الاستسقاء.
٩٩٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ:
((صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ
صَلَّى)). [طرفه في: ٤٧٢].
٩٩٠ - قوله: (صلاةُ الليلِ مَثْنَى مَثْنَى). واعلم أنه قد تكلَّمنا عليه مرةً في: بابِ الحِلَقِ في
المساجد، والآن سُنِح لنا أن نعود إليه ثانيًا مع إفادات جديدةٍ تركناها مِنْ قبلٍ. فاعلم أنَّ أَخْذُّ
المَثْنى في التعبير ليس لنكتةٍ فيها، بل التدرُّج من الأقل - إذا لَمْ يُدْر أنه كم يُصلَّى - طريقٌ فطري
أو هو لِدَفْع مضرةٍ في ذِكْر غيره من العدد. فإنه لو قال: صلاةُ الليل أربعٌ، لانحصرت صلاةٌ
الليل فيه، لكونِ هِذا العددِ أقلَّ من الأكثر، وأكثرَ من الأقلّ، فلا بد للتخصيص من نكتةٍ،
وحينئذٍ تبادر إلى الذُّهن اختصاصُ صلاةِ الليل به، ولا نحصر الوِتْر في الخَمْس، وقد مرَّ تقريره.
فإن قلت: إنَّ المثنويةَ إذا قامت بالسلام ثَبَتَ أنها ثلاثُ ركعاتٍ بتسليمتين. فترجَّح ما
ذهبوا إليه ولا سيما إذا كان هذا الحديثُ قوليًا، وخلافُهُ إِنْ ثَبَتَ فإنه فِعْلِيُّ، والقولي مقدَّم.
قلتُ: إما ترجيحُ القولِ على الفعل فلكون القولِ تشريعًا عامًا والفعل واقعة جزئية غير
معلومةِ الحال على الأَغْلَب، والأَمرُ ههنا بِالعكس. فإن فِعْلَه بَّرُ ههنا مدّةَ عُمره على الوَصْل
كما يرويه مَنْ رأَى وِتْرَه الدهر كلَّه. وهي عائشة رضي الله عنها، ومَنْ كَان ذهب لرؤية وِتره وهو
ابن عباس رضي الله عنه، لا يحكي إلا أنها ثلاث بسلام واحدٍ في آخِرِهنَّ. وأمَّا القول فَهو مُبْهَم
يحتمل الوُجُوهَ ولا يقولُ عاقلٌ بترجيح هذا النحو من الفِعْل على مِثْل هذا القول.
ثم اعلمٍ أَنَّ كلَّ أَمْرٍ حُمِل على خصوصيته بَّهُ لا بد أن يكونَ أفضلَ وأَخْرَى في باب
العبادات، فإنَّ اختصاصَ النبيِّ ◌َّ لا يكون إلا بما هو أَفْضَلُ، كالوصالِ وغيرِهِ، بخلاف نحوِ
الاستقبالِ والاستدبارِ. فإِنَّا لو حملناه على الخصوصيةِ لا يكونِ دليلًا على أفضليتِهِ، بل يجوزُ أنّ
يكون استقبالُهُ وَّر لكونِهِ أَشرفَ في نفسه من الكعبة، فانتفَتْ عِلَّة الكراهة وهي الاستهانة.
على أنه قد مر معنا أَنَّ مسألةَ صلاة الليلِ فيه تمهيدي. والمَسُوق له بيانُ نَضَد الوِتْر بصلاة
الليل، وأنه كيف يجعلُهَا آخِرًا؟ فهداه أنه يَجْعَلُهَا آخِرًا بأن يَضُمَّ معها واحدةً في الآخِرِ، فيصيرُ
٤٨٣
کتاب الوتر
ما قد صَلَّى مِنْ مَثْنَاه قبلَه، أو مجموع صلاة الليل وِتْرًا إن اعتبرناه على طريقِ صِفَةِ الشيء بحال
متعلقه، فبناؤه على أَنَّ الوِتْر ثلاثٌ، أما كونُهَا مفصولة بسَلام، فهو أَمْرٌ آخَرٌ لم يتعرض إليه في
هذا الحديث، ولا أُريد تَعَلِيمُهُ منه، وإنما عَلَّمه منه نَصْدَ الوِتْر بصلاةِ الليل، كما مر عن صحيح
مسلم - ص ٢٩٧ -: أنَّ سائلًا سأله: كيف أوتر صلاة الليل؟ وإذا لم يبين له عددًا لأنه في إبان
الصبح لا يدري كم يدرك من الركعات، بدأ من مثنى لأنها أقل، ولعله يكتفي بها فقط. فالتسليم
على كلِّ مَثْنى ليس مقصودًا، بل هو لِفَرْض أن صلاتَه هذا القدر فقط إن لم يدرك وقتًا بعدها، أو
يزيد عليها مَثْنَى أُخْرَى إن أدرك وقتًا، ثم إذا خَشِي الصبح يُبادر إلى الوِثْر. ولما كان الوِتْر مُركَّبًا
من مَثْنَى وركعة، فَصل الراوي مثناها في الذِّكْر فقط، ونَبَّه على أن حقيقة الإتيان قامت بواحدةٍ،
فهي في النظر فقط بيانٌ للإيتار لا للفَصْلَ في العمل أيضًا .
وبالجملة أنَّ المَثْنَويَّة عندنا قامت بالقعدة، وعند الشافعية بالسلام، فلزِمهم أن يقولوا
بالتسليم على مَثْنَى الوتر أيضًا. فثبتَ التسليمُ بين الركعتين، والركعة من الوتر بخلافِهَا عندنا،
فإنها باعتبار القعدة سواءٌ كان فيها التسليم أو لا، وهذا القَدْر قد بَيَّناه مِنْ قبل.
والآن نريد الخوض في لَفْظ: ((تُؤْتِرُ له مَا قَدْ صَلَّى)) أنه ما يفيد؟ وأنه ما الفَرْقُ بينه وبين
قوله: ((فأوتر بواحدة)). وقد وعدناك بيانَه مرارًا وأَوفيناه أيضًا، ولكنا نفيدك الآن فائدةً لم تكن
على خبرةٍ منها بعد.
فاعلم أنا قد مَهدنا مِنْ قبل أن الفِعْل المتعدي إذا اعتبرت فيه المعهودية يصيرُ لازِمًا،
وحينئذٍ يتعدى بحرف الجر، كقوله: قرأ الفاتحة، وقرأ بالفاتحة، ومسح رأسه، ومسح برأسه.
ومِنْ هذا الباب أَوْتَره وأوتر به. وحينئذٍ معنى قوله: أَوْتِر به أَن الواحدة هي الوِتْر المعهود عند
الشرع. ومعنى الإيتار بها أن يفعل بها فِعْل الوتر، وحينئذٍ يكون الحديثُ دليلًا على أن الوِتْر
ركعةً كما ذهب إليه الشافعية رحمهم الله تعالى.
قلتُ: وإن كان حقُّ اللفظ هو هذا، إلا أنَّه لما تبين لنا انتفاءُ كونِ الركعة صلاةً مُعتبرة من
جهة صاحب الشرع، تَرَكْنا تبادُرَه. فإن مِثْل تلك النِّكَات إنما يجري في القرآن للتيقُّنِ بِحِفْظ
اللفظِ. أما في الأحاديث فَلِفُشُوِّ الرواية بالمعنى، لا يُؤْمَنُ بِهَا أنه من لَفْظ النبيِّ ◌َِّ أو لا. ولنا
أن نعارِض بما في البخاري في عين هذا الحديث: ((تُوتِرُ لَهُ ما قد صَلَّى)) مكان ((أَوْتِرِ بواحدةٍ)»،
وهذا أَفْعَدُ على نَظَرِ الحنفية. فإنَّ الإيتار فيه على صرافة اللغة فلا بد أنْ يكون هناك مُوتِرًا -
بالفتح - يُؤْتَر بتلك الواحدةِ، وهو مَثْنَى بِنَصِّ الحديث، فخرج أَنَّ الوِتْر ثلاثٌ.
فإن قلت: إنَّ قوله: ((أَوْتِر بواحدةٍ)) كقولهم: أَنتِ واحدةٌ فهي للبينونة. وحينئذٍ تكونُ تلك
الواحدةُ منفصلةً من المَثْنَى الأخيرة أيضًا، كانفصالها عن سائر المَثْنَوياتِ وذلك بالتسليم، فيثْبُتُ
التَّسْلِيمُ بين الرَّكْعتين والركعة.
قلتُ: أولًا في تفتيش لفظ الواحدِ: أنه يستعملُ بمعنيين: الأول لمفتتح العدد، ويقابله
الاثنانِ والثلاثُ، وترجمته ((إيك)). والثاني بمعنى المنفرد. قال التِّبْرِيزي في شرح قول
الحماسي :
٤٨٤
كتاب الوتر
طاروا إليه زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانا
وترجمته «أكيلا))، فهذا يدل على الفصل: أَنَّ الوُحْدَانَ جَمْعُ الواحد بمعنى المنفرد، دون
الواحد بمعنى أوَّل العدد، وذلك لأنه فَهِم أن الواحد في سلسلة الأعداد لا يكون إلا واحدًا، أو
غيرُهُ إِمَّا يكون اثنين أو ثلاثًا إلى غيرِ ذلك، وهو سَهْوٌ عندي، لأن الاثنين يتركَّبُ من واحدٍ
وواحدٍ آخَر، وهكذا في الثلاث ثلاثُ وُحْدان، وعلى هذا القياس. ففي المائة مائة واحدة، لا
أن الواحد في سلسلة العدد هو الأول فقط. وحينئذٍ لا بأس لو كان الوحدان جَمْعًا للواحد الذي
في سلسلة الأعداد أيضًا. وحينئذٍ فالفَرْقُ أن الواحِد بمعنى المنفرد يعتبر فيه الانفراد عن الغير،
بخلاف ما في سلسلة الأعداد، فإنه لا يعتبر فيه ذلك. بل أقول: إن الواحدَ الذي لِمفتَتَح العدد
يقتضي تَحَقُّقَ ما سواه أيضًا، نعم الواحد بمعنى المنفرد ينافي ذلك. فتقول: أنا وحدي فعلت
كذا إذا فعلته بحيث لا يكون معك غيرُك، وحينئذٍ لا يجبُ أن يكون قولهُ: ((أوْتِر بواحدة)) دالاً
على أن تلك الركعة ليس معها غَيْرُها، بل يجوزُ أن تكونَ الواحدةُ فيه ما هو في مفتَتَح العدد،
بمعنى أنه أوتر بواحدةٍ من تلك الثَّلاث، وترجمته حينئذٍ ((إيك)) لا ((أكيلا)).
فإن قلتُ: إنَّ الواحدة مقابلة للمَثْنَى فتكون منفصلة بسلام كانفصالها. قلت: إن الواحدةَ لو
كانت مقابلة للمَثْنَى لكان الكلامُ هكذا: صلاةُ الليل مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيتِ الصُّبْحُ فواحدة.
وحينئذٍ استقامت المقابلةُ بين المَثْنَى والواحدةِ، وانساق إلى الذِّهن أن الأَمْرَ الذي قامت به
المَثْنَويةُ قامت به الوحدة أيضًا، وهو السلام، ولكن الشارع عَدَل عنه، وقابل بين المَثْنَى والإِيتار
بالواحدة لإفادة التفصِّي شيئًا فشيئًا، وحينئذٍ لا يتم ما راموه.
ثُمَّ إنَّ مما يَدُلُّك على أن الواحدةَ في مِثْله تتعلَّقُ بالأخيرة، ولا يجِبُ أن يكون حالُهَا مع
الأخير كحالها مع ما قَبْلها ما قال الفرَّاءُ: معي عشرةٌ فَأَخِّدْهُنَّ، أي اجعلهن أحدَ عشرَ، أي
بزيادةٍ واحدةٍ بعد العشرة. فدلَّ على تَعَلَّقِهِ بالأخير، وإنْ كان أثَرُهُ على ما قَبْلَه أيضًا. ونُقِل أن
ثالثَ ثلاثةٍ معناه جَاعِلُ الاثنين ثلاثًا بعد كونه معدودًا فيها. وحُكِي عن سيبويه في ثَالِث ثلاثةٍ
عشرةَ وجهان: بتنوين ثالث، وبدونها، أي مع الإضافة، ولذا ذكر له الرَّضِيُّ معنيين: الأول
الثالثةَ عشرةَ من ثلاثةَ عشرةَ، والثاني الثالثَ من ثلاثَ عشرةَ ودلَّ الأوّلُ على تعَلَّقِهِ بالأخير .
يعني تيره مير سي تيره تير هوان ياتيره مير سي تيسرا - ثُم قال الشافعية: معنى قوله: ((أوْتِر
بواحدةٍ)) أي مجموع ما صَلَّيْت قَبْلَه، فيكون حالُهَا مع المَثْنى الأخيرة كحالِهَا مع سائر
المثنويات، فهي منفصلةٌ بسلام. وقلنا: بل معناه: أَوْتِر بها الشَّفْعَ الأخيرةَ حقيقةً وإن انسحب
الحُكْم على ما قَبْلَها أيضًا حُكْمًا، على طريق صفة الشيء بحالٍ مُتَعلَّقِةٍ. والحديث يدل مَنْ حاقه
على أن الواحدة متعلقة بالمَثْنَى الأخيرة فقط، فالمعنى: أوتر بها الشفعَ الأخيرة، فإنَّ قوله وَكّ:
((واجعل آخِرَ صلاتِكَ وترًا)) صريحٌ في أنه أُريد بالإيتار المَثْنَى الأخيرة فقط، وهي آخِرَ صلاته.
وحينئذٍ تكون تلك وترًا حقيقةً، وسائرُ الصلاةِ وترًا على طور وَصْفِ الشيء بحالَ مُتَعلِّقِه، كيف
وأنَّه نَفْسَه قد وصف أوَّل صلاتِهِ بالمَثْنَوية فقال: ((صلاةُ الليل مَثْنَى مَثْنَى)) فهي مَثْنَى حقيقةً فلا
تكون وِتْرًا. كذلك وإنَّما تَصِحُ وِتْرِيتُهُ على طريق ما قلنا، فهي شَفْعٌ حقيقةً ووِتْرٌ مجازًا. وإذا
علمت أن حالَ المَثْنَى الأخيرةَ غيرُ حالٍ سائر المثنويات، لم يجب أن يكون حالُّهَا في الفصل
٠
٤٨٥
کتاب الوتر
عَمَّا قبلها كحالٍ سائر المثنويات، وجاز أن تكون المثنوياتُ كُلُّهَا مفصولةً بسلام، وتلك موصولة
بواحدة. وهذا معنى ما رواه ابن أبي شَيْبة - وصححه العِراقي - («صلاةُ المغربِ وِتْرِ صلاةِ النهار،
فأوتروا صلاةَ الليل)) لم يذهب فيه أحدٌ إلى أن صلاةَ المَغْرب أوترت النَهارِيَات كُلَّها. بل
المعنى أنها خرجت من بينها وِتْرًا بنفسها، وإن اتصفت النارياتُ بالوِثْرية، فعلى طور صِفة الشَّيء
بحال متعلَّقِه فليُقَس عليها حالُ الإيتار وظيفة الليل أيضًا. فليس معناه أن الواحدة جعلت مجموعَ
صلاةِ الليل وِتْرًا. فحالها مع المَثْنَى الأخيرة والتي قبلها سواء، بل معناه أنها مع المَثْنَى الأخيرة
خرجت وِتْرًا من بين سائر صلاة الليل.
والحاصل: أن النهاريات كما اختتمت بصلاةٍ وِتْرٍ كذلك أختموا صلاةَ الليلِ بالوتر، وعلى
الوتر - وبعبارةٍ أخرى - إن وِتْر النهار كما لم يكن مقومًا لسائر النهاريات، كذلك وتر الليل ليس
مقومًا لسائر ركعات الليل ليكون تَعَلَّقُه بالجميع سواء، بل معناه أن آخِرَ النهاريات صلاةُ وِتْرٍ
كذلك فلتكن صلاةُ الليل وترًا، لتصير الوظيفتان - أي وظيفة الليل والنهار - على شاكلةٍ واحدة.
وتتصف الوظيفتان بصفة الوترية فتجلبان معنى الأَحبِّية، ((إن اللَّهَ وِتْرٌ يحِبُّ الوِتْر)) فكان الإيتار
لمعنىّ والناسُ حملوه على معنىّ. فافهم ولا تعجل لتنجلي لك حقيقةُ الحال. وإنما تكلمنا عليه
الآن بحسَب أذواق العربية وإن كان الأَمرُ يبتني على ما ثبت عنه في الخارج ولا يبني ولا ينهدم
من الألفاظ شيء. وقد بقي بَعْدُ خبايا في زوايا الكلام، وفيه كلام أطول من هذا، وليراجع له
رسالتي (كَشْف السِّتر في مسألة الوِتْرِ))(١).
(١) واعلم أن الشيخ رحمه الله تعالى في عنفوان شبابه سئل عن قول النبيِّ ◌َّ في باب الوتر: ((لا تُوتِروا بثلاثٍ،
أوتروا بخمسٍ)) الحديث، بأنه دال على خلاف مذهب الحنفية صراحةً، فأجاب عنه بداهةً، ولما كان الاستفتاء
بلسان الهند أجابه أيضًا كذلك، وكنت أخذْتُ نقله على دأبي القديم بما أُظْفَر من كلامه، فرجعت إليه عند ترتيب
باب الوِثْر أيضًا فعجبت من فخامة معانيه، ودقّة مبانيه مع وجازة الألفاظ، فأردتُ أن أَزُقَّه إليك، وعندي رسالة
أُخرى أيضًا من الشيخ رحمه الله تعالى تتعلق بمسألةِ الوِتر، لكنها طويلةٌ لا تناسب موضوع الكتاب، فأُعَرِّبُ لك
ما كتبه على الحديثِ المذكور فقط.
واعلم أن الحديث ((لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس)) الحديثَ، لعلَّه أخذ في الاستفتاء من ((فتح الباري)).
و (تلخيص الجسر))، و((نيل الأوطار))، وحَمَل على ما حَمَل عليه الحافظ حيث قال: والجمع بين هذا وبين ما تقدم
من النهي عن التَّشَبُّه بصلاةِ المَغْرب أن يُخْمَّل النهيُ على صلاة الثلاث بتشهدين الخ. ولذا فهم أن جوابه على
الحنفية فقط، مع أن ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى من محمله بعيدٌ عن الصواب، لأن الحديث لم يَرِد في
مسألة التشهد أصلاً بل في بيان العدد وليس فيه إلا النهيُّ عن الاقتصار على الثلاث أنه لا بد أن تضم معها ركعتان
فصاعدًا، وإذَن يكون مَخْمولاً على الأفضليةِ بالإِجماع. فإِن ضَمَّ الركعتين فما زاد على الوِتْر ليس من الواجبات،
وإنَّما هو أَمْر استحبَّه الشّرع ويؤيدُه حديثُ: ((لا توتروا بثلاثٍ، أَوْتِروا بخمسٍ، أو سَبْع، ولا تشبهوا بصلاةٍ
المغرب)) اهـ. فإِنَّ الحُكْم في قوله: ((لا تشبهوا)) لا يزيد على الحُكْم بقوله: ((لا توتروا بثلاث))، بل الجملتانِ
بمعنى واحدٍ، لا أن الجملةَ الأولى في مسألة التشهد، والثانية في بيان العدد. فالثانية حَلَّت مَحَل العدد للأُولى
ومجموعُهما في بيانِ العدد لا غيرُ. والمعنى لا تُوتروا بثلاثٍ، لأنه يستلزم التشبُّه بصلاةِ المغرب ويتعيَّن هذا المرادُ
صراحةً مما رُوي: ((لا توتروا بثلاث تشبهوا بصلاة المغرب، ولكن أوتروا بخمس)) الحديث. فإنه صريحٌ في أنَّ
الحديثَ في بيان العدد دون التشهد. وهذا الحديثُ محمولٌ على الأفضلية بالإجماع كما قلنا. والمرادُ من الإجماع =
٤٨٦
كتاب الوتر
إجماعُ الأئمةِ المبتدعين. قال الحافظ رحمه الله تعالى ذيل شرح حديث: ((صلاةُ الليل مَثْنى مَثْنی)) الخ. واستدل به
=
على تعيينِ الشّفْع قبل الوِثر وهو عن المالكية بناءً على أنَّ قوله: ((ما قد صلى أي من النفل. وحَمَله مَنْ لا يشترط سَبْق
الشَّفْع على ما هو أعمُّ من النَّفْلِ والفَرْض، وقالوا: إنَّ سَبْق الشّفْع شَرْطٌ في الكمال لا في الصِّحة. انتهى. أما أن
الثلاثَ أَفْضَلُ من الواحدة فقد صرح به الشافعية بأنفسهم أيضًا. نعم الاختلاف إنما هو في التشهد، وليس بمذكور في
الحديث المذكور. ولو سَلْمنا أنَّ فيه تلك، أي مسألة التشهد، فللمعارضٍ أن يعارِضَه بحديثٍ آخر: مالك عن
عبد الله بن دِينار أن عبد الله بنَ عمرَ كان يقول: «صلاةُ المغرب وتْرُ صلاةِ النهار. قال الزرقاني: وهذا رواه ابن أبي
شَيْبَة مرفوعًا عن ابن عمرَ: أنَّ النبيِّ وَِّ قال: ((صلاةُ المغربِ وتُرُ النهار، فأوتروا صلاة الليل)). ولأحمد رحمه الله
تعالى عن ابن عمر أن النبي وَّه قال: ((صلاةُ المغربِ أوترت النهارَ، فأوتروا صلاةَ الليل)). قال الحافظ العراقي.
والحديث سنده صحيح اهـ. ورواه الدارقطني عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا أيضًا ولكن سنده ضعيف، وقال
البيهقي: الصحيح وَقْفُه على ابن مسعود رضي الله عنه. اهـ. ولكنَّ الإنصاف أن المراد منه أيضًا ليس هو التشبيه في
التشهد، بل وَجْه الشبه هو الايتارُ المجردُ لا غيرُ، والله أعلم. وبعد اللتيا والتي لما علمت أن الحديثَ إنما ورد في
بيان العددِ دون التشهد، علمت أنَّ جوابه ليس على الحنفية فقط، بل هم وغيرُهم فيه سواء.
على أنَّ الحديثَ المذكور يخالف ما رُوي في هذا الباب من الأحاديثِ القولية والفعلية، ولا أتذكر في الباب حديثًا
مرفوعًا قوليًا أو فعليًا يدلُّ على كَوْن الوِتْر ركعةً منفرِدةً مفصولةً بسلام بعد ثنتين إلا ما جاء من الإجمال. ولا
تَمَسُّك لهم في حديثٍ عائشةً وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، لما في حديث عائشةَ رضي اللَّهُ عنها على
اختلاف ألفاظه: ((يصلّي أربعًا فلا تسأل عن حُسْنِهِنَّ وطُولهنَّ. ثُم يصلّي أربعًا فلا تسأل عن حُسْنهن وطولهن ثُم
يصلّي ثلاثًا اهـ. وكذا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه أيضًا على اختلافِ ألفاظه عن حبيب بن أبي
ثابتٍ، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه عن عبد الله بن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما: أنه رقد
عند رسولِ اللهِ وَّ إلى أن قال: ثُم فَعَل ذلك ثلاثَ مراتٍ بستُ ركعاتٍ، كُلُّ ذلك يَسْتاك ويتوضأ ويقرأ هؤلاء
الآيات، ثم أَوْتَر بثلاثٍ. رواه مسلم، والنسائي في صلاة النبيِّي ◌َّ بالليل. وأما الثَّكلُّم في حبيب بن أبي ثابت
فغيرُ مَسْموعٍ. وأما حديثُ سَعْد بن هشام عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها فإِنْ ورد فيه: أنَّه كان يُصلِّي تِسْعَ ركعاتٍ
لا يَجْلِسُ بينها إلَّا في الثامنةِ، فيذكُر اللَّهَ ويَحْمَدُه ويَدْعُوهِ، ثُم يَنْهَضُ ولا يسلّم. ثُم يقوم فيصلِّي التاسعةَ، ثُم
يَفْعُد فيذكر اللَّهَ فيحمده ويدعوه، ثُم يسلِّم تسليمًا يُسْمِعُنا. ا هـ فقد ورد فيه غيرُ ذلك أيضًا كما عند النسائي
وغيره عن سَعْد بن هشام أنَّ عائشةَ رضي الله عنها حدثته: أن رسولَ اللَّهُ وَّر كان لا يُسَلّم في ركعتي الوِتْرِ، فإِنْ
كان الأَوَّلُ مع إجمالِهِ أقربَ إِليهم. فالثاني متعيِّنٌ لنا مع صراحته بنفي السلام بين الركعتين والركعة من الوِتْر.
ولما كان مَخْرَجُ الحديثين واحدًا لا بد أن يكون هذا التفصيلُ قاضيًا على ما في الحديث الآخر من الإِجمالَ،
ويبقى الوِتْرِ فيهما ثلاثًا لا غيرُ.
أما حديثُ أُمُّ سَلَمة قالت: ((كان رسولُ اللهِ بَّهُ يُوتِر بسبعٍ، أو خمسٍ لا يَفْصِل بينهن بتسليم. اهـ. ففيه بيانُ عدد
صلاة الليل أولاً. ومَرْجِع الضمير ليس إلاَّ ركعات الوِتْر منهن، سواء سميتَه استخدامًا أو شيئًا آخر. ويشهدُ له طريقٌ
آخرُ لتلك الروايةِ عند النسائي عنها قالت: ((كان رسولُ الله ◌َّهُ يُوتِر بخمسٍ وسبعٍ لا يَفْصِلُ بينهن بسلام ولا كلام.
اهـ. وحديث عائشةَ رضي الله عنها المارُّ آنفًا في نفي السلام أيضًا قرينةٌ عليه.
أَما حديثُ أبي أيوب: «مَنْ أحبَّ أن يُوتِرِ بخمس فليفعل، ومَنْ أحبَّ أن يوتِرَ بثلاثٍ فليفعل. ومَنْ أحبَّ أن يوتِر
بواحدةٍ فليفعل))، فلا يقومُ حجةً أيضًا لما في ((التلخيص))؛ وصَحَّح أبو حاتم، والذهبيُّ، والدارقطني في ((العلل))،
والبيهقي وغيرُ واحدٍ وَقْفَه، وهو الصواب اهـ. وَوَجْهُهُ ظاهِرٌ، لأنه لم تقع الركعةُ الواحدةُ مفصولةً بسلامٍ مرفوعًا
إلاَّ في تلك الروايةِ، والله تعالى أعلم.
٤٨٧
كتاب الوتر
وأما نحو حديث: ((صلاةُ الليل مَثْنَى مَثْنى، فإِذا خشي أحَدُكم الصُّبْحِ صلَّى ركعةً واحدةً تُوتِرُ له ما قد صلَّى» فلا
=
حُجَّةَ فيه أصلاً، لأن مَبْنَى الروايةِ المذكورةِ وأمثالِها على تحليل ركعاتِ الوِتْر الثلاثِ إلى المَثَنى والواحدةِ. فعدَّ
مثناها في طرف، وواحدتها في طرف آخر لمعانٍ واعتبارات سخت له. فهذا مَلْحَظ تعبيرٍ لا غيرُ. وقد وَرَد نحوُ
هذا التعبير في كلام الفصحاء والبلغاء أيضًا فقيل:
ثلاثَ شُخُوص كاعبان ومعصر
وكان مجني دونَ من كنتُ أتَّقي
فانظر كيف فَصَل الثلاثَ، وحَلَّله إلى الاثنين والواحد، أي الكاعبين والمعصر. وهكذا فليضمه في صلاةٍ الوِتْر،
فإِنَّ الراوي فَصَله إلى الركعتين والركعة، لأن السِّياقَ كان في عدد المثنويات، فلما نزل الراوي إلى بيانِ الوِتْرِ فَصَلَ
مَثْناه أيضًا لبيانِ أن الإيتار في الوِثْر قام بالركعةِ الواحدةِ. ويؤيِّدُه ما وقع عند أحمد وأبي داود من رواية عبد الله بن
أبي قيس عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها بلفظ ((كان يُوتِّر بأربع وثلاثٍ، وستٌّ، وثلاثٍ، وثمانٍ وثلاثٍ، وعَشْر،
وثلاثٍ، ولم يكن يُوتِّر بأكثرَ مِن ثلاثَ عشرةَ ولا أنْقَص مِن سَبْع)). قال الحافظ في ((الفَتْح)). وهذا أصحُ ما وَقَفْتُ
عليه من ذلك، وبه يُجْمعُ بين ما اختلف عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها مِن ذلك والله اعلم. وعند أبي داود عن
عروة عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها: ((أنَّ النبيَّ ◌ََّ كان يصلي ما بين أَنْ يَفْرُغَ من العشاءِ إلى الفَجْرِ إحدى عشرةَ
ركعةٌ، يُسلِّم من كُلِّ ركعتين)). وجعله الحافِظ رحمه الله تعالى فَاصِلاً في الفصل بين ركعاتِ الوِتْرِ مع أنه محمولٌ
على غير الشّفْع الأخيرة لما مر في رواية أبي داود عنها. ولما في رواية ابن هشام عن عُروةَ عنها: أَنَّ رسولَ اللَّهِ وَهُ
كان يصلّي من الليل إحدى عشرة ركعةً يُوتِّر فيها بواحدةٍ». الخ ففيها استثناءٌ للشّفْع الأخيرةِ مع أنه قد مَرَّ آنِفًا أن
الرواةَ قد فَصلوا الركعاتِ في تلك الروايات إلى الركعتين والركعة. كتحليل العقلاء بسيطًا مَخْضًا تحليلاً عقليًا، ولا
يكون ذلك قادِحًا في بساطته مغيّرًا لحقيقته، وإنما يكونُ ملحظُ تعبيرِ فقط. وعلى هذا لا يَضُرُّ الفَرْق بين قوله:
(يُوتِره))، و((يوتر به)) أيضًا. وظاهرٌ أن الوِثْرية إنَّما قامت في الحِسُّ من الركعةِ الأخيرة لا غيرُ وإِنْ كان مجموعُ
الثلاث صلاةً مستقلّةً عندنا، لكن لا حَجْر في التعبير إن بناه الراوي على الحِسِّ والإحساس. وأما روايةُ هشام عن
أبيه عنها: أنَّه كان يُوتِّر من ذلك بخمسٍ لا يجلس في شيءٍ من الخمس ركعات إلا في آخِرِهنَّ. رواه حمَّاد بن
سَلَمة، وأبو عوانة، وَوُهَيْب وغيرُهم. فَقَد قَدَح فيه الزُّزْقَاني نقلا عن ابن عبد البر حيث قال: وأكثرُ الحُفَّاظَ رَوَوْه
عن ابن هشام كما رواه مالك والروايةُ المخالفةُ له إنما حَدَّث بها عن هشام أَهْلُ العراق. وما حَدَّث به هشامٌ قبل
خُرُوجه إلى العراقِ اُصحُ عندهم ا هـ.
وإذا كان الأمرُ كذلك فقد كفينا عن عهدة الجواب على طريقٍ ضابطةِ المُحَدِّثين، وإلا فيمكنُ جوابُه أيضًا من غيرِ
تكلُّف، بأن المرادَ من الجلوس هو جلوسُ الفَراغ لا جلوسُ التشهُّدِ. وحاصله: أن النبيَّ ◌َّ كان يصلي صلاتَه
من الليل في سلسلة واحدةٍ حتى إذا بقيت خمسَّ مع الوِتْر مَكَث هنيةً، ثُم إذا أراد أن يُصلِّي ركعاتِ الوِتْر قام
وصلَّى ثلاثَ الوتر وركعتي التطوع بعدها بدون مُكْث بينهما، فإِذن المقصودُ منه بيانُ نفي الجلوس بين الوِتْر
ورَكْعَتَيه كما كان في السابق لا نَفْيُ السلام كما زعم. ففيه بيانٌ لحال الوِتْر وركعتي التطوع لا حالِ صلاةِ الليل
والوِتْر ومن ههنا عَلِمنا سُنة النبيِّ بَّهُ في هاتين الركعتين. فَمَن أرادَ أن يركَعَهما استُحب له أنْ لا يفصل بين وِتْره
وبين هاتين بِمُكْث، بل يصلِّيها في سلسلة واحدة.
والحاصل: أَنَّ النفي فيه لجلوسِ الفراغ دون الجلوسِ مُطلقًا، لمَا مَرَّ في الروايات المصدرة عنها .
بقي أن المتبادَر من الجلوس إلى جلوس في خلال الصلاةِ لا إلى جلوس الفراغ، فيكونُ حَمْلُه عليه حَمْلاً على
خلافِ المتبادر. فنقول: إنَّ هذا التبادُر إنَّما هو بَعْدَ تَقَرُّرِ العُرْف واشتهارُه عند الفقهاء. أما الحديث فإِنَّه يحمل
على صرافة اللغة دون العُرف الحادث. فإِنَّ الحديثَ لا يقتصر على بيانِ الفِقْه، بل في غيرِ هذا الباب أيضًا
كالسَّير وغيرِه.
=
٤٨٨
كتاب الوتر
٩٩١ - وَعَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَةِ وَالرَّكْعَتَينِ في الوِتْرِ،
حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حاجَتِهِ.
٩٩٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيمانَ، عَنْ كُرَيبِ:
أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيمُونَةَ، وَهيَ خالَتُهُ، فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضٍ وِسَادَّةٍ،
وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ،
فَاسْتَيقَظَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قامَ رَسُولَ اللَّهِ ◌َِ
إِلَى شَنِّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ قامَ يُصَلِّي، فَصَنَعْتُ مِثْلَهُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ،
فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي يَفْتِلُهَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ
رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ رَكْعَتَينٍ،ٍ ثُمَّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جاءَهُ المُؤَذِّنُ،
فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ. [طرفه في: ١١٧].
٩٩٣ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ سُلَيْمانَ قالَ: حَدَّثَنَيِ ابْنُ وَهْبٍ قالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو: أَنَّ عَبْدَ
الرَّحْمُنِ بْنَ القَاسِم حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ونَ: ((صَلَاةُ
اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً تُوتِرُ لَكَ ما صَلَّيتَ)). قالَ القاسِمُ:
وَرَأَيْنَا أُنَاسًا مُنْذُ أَدْرَكْنَا، يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ، وَإِنَّ كُلَّّ لَوَاسِعٌ، أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِشْيءٍ مِنْهُ
بَأْسٌ. [طرفه في: ٤٧٢].
٩٩٤ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ
أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلكَ صَلَاتَهُ، تَعْنِي
بِاللَّيلِ، فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذلِكَ قَدْرَ ما يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً، قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ،
وَيَرْكَعُ رَكْعَتَينٍ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ
لِلصَّلَاةِ. [طرفه في: ٦٢٦].
٩٩١ - قوله: (وعن نَافِع: أن عبد الله بنَ عمر كان يُسَلِّم بين الركعةِ والركعتين في الوِتْرِ،
حتى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ) قيل: إن ((حتى)) ههنا بمعنى ((كي))، وحينئذٍ لا يَدُلُّ على کَوْنِ التسليم
عادة له، وإنَّما معناه أنه كان يُسَلِّم عند سُنُوح الحاجة. وقيل: بل هي للترقي. فمعناه أن التسليم
أما ما عند الطحاوي عن سالم، عن ابن عمرَ؛ أَنه كان يَفْصل بين شَفْعه ووِثْره بتسليمةٍ وأَخبر أَنَّ النبيَّ ◌ِّ كان
=
يفعل. قال الحافظ: وإسنادهُ قويّ. فليس نَصًّا في المسألة المتنازَع فيها، ولا يُذْرَى أنه على أَيِّ شيءٍ استشهد بفعلٍ
النبيِّ بِّ فالعمل بهذا الإِبهامِ مع وجود الصرائح في المقام جمودٌ جامد، وعدولٌ عن سواءِ الصراط. يقول العبد
الضعيف: وإنَّما تَكلم الشيخ رحمه الله تعالى على هذه الأحاديث على طَوْرهم، لأنه أراد الإِجمال، والجواب
في الجملة، وإلَّا فتحقيقُه في بعض تلك الأحاديث يغايرُ ما ذكره. وقد ذكره مُفصَّلا فيما ألقى علينا في درس
الترمذي. وقد ذكرناه في موضعه. وإنَّما أردنا الآن تعريبَ هذا المختصر لكونه جامعًا للأحاديث العزيزة في
الباب مع الجواب عنها بأخصرَ وألطف وَجْهٍ فافهم.
٤٨٩
كتاب الوتر
كان من عادته، حتى أنه كان يتكلم بين الركعة والركعتين أيضًا، فهو لكمالِ الانفصال. وقد .
استدلَّ صاحبُ ((الْمُغني)) على كونها للترقي من قول الشاعر:
به الحالُ حتى صار إبليسُ من جُنْدِهِ
وكان امرؤٌ من جُنْدِ إبليس فارتقى
قلتُ: ولعل ((حتى للتَّرَقِّي)) هي ((حتى العاطفة)) للغاية كما في قولهم: مرض فلانٌ حتى لا
يرجونه، ومات الناسُ حتى الأنبياءُ، ومن جزئياته حتى للتَرّقي فاخترعوا لها اسمًا على حِدة،
وشرطوا لها شرائِطَ، ولذا احتاجوا إلى إثباتها. ولو قالوا: إنها هي العاطفة، وقد تفيد الترَّقي
أيضًا لما احتاجوا إلى تَجَشُّم الاستدلال، ولا وجه لإنكارها، وكيفما كان ثبتَ السَّلامُ عن ابن
عمر رضي الله عنه في الوسطَ.
قلتُ: ويَرْوي هذا الحديثَ آخَرُون أيضًا، ومذهبهم أن الوِتْر ثلاثٌ بسلام واحدٍ، فعلم أن
الحديث ليسَ نصًّا في الفصل، إنما هو اجتهادُهُ ثم إن مذهبَهُ نَقَضَ الوِتْر أيضًا، فهلاّ اختاروه
أيضًا مع أنه لم يذهب إليه من الفقهاءِ الأربعةِ أحدٌ.
وفي قيام الليل ما يدل على أنه كان يفعلُ ذلك من رأيه، وليس فيه عنده عنِ النبيِّ ◌َّ
شيءٌ. وهكذا لم يثبت عن النبيِّ ◌َ﴿ الكلامُ أيضًا قط، فهو أيضًا من اجتهاده، ثم إِنَّ ظاهر هذا
التعبيرِ الكلامُ بعد الركعة قبل الركعتين، ولم يختره الشافعيةُ رحمهم الله تعالى أيضًا. وقد يذهبُ
وَهْلي إلى أنه يمكن أن يكون كلامُهُ هذا بين الركعة الأخيرة من الوِتْر وركعتي الفَجْر. وقد ثبت
نَحْوُه عن عائشةَ رضي الله عنها وإن كان الظاهرُ منه ما اختاره الشافعية.
وليُعْلَم أن الحافظ رحمه الله بعد خَتْم باب التشهد نَبَّه على فائدة، وهي أنهم لم يختلفوا
في ألفاظ التشهد الأول إلَّا ما رُوي في ((مصنَّف)) عبد الرزاق عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان
يرى قولَهُ ((السلام عليك أيها النبي)) ... إلخ نَسْخًا للصلاة، ولفظه: ((وكان ابن عمر رضي الله
عنه يرى التسليمَ في التشهد نَسْخًا في الصلاة)). وصرَّح نافعٌ أن المرادَ به السلامُ عليك أيّها
النبيُّ ... إلخ.
قلتُ: ورأيت هذه الروايةَ بعينها عن سالم، عن ابن عمر رضي الله عنه في ((مصنِّف)) ابن
أبي شيبة أيضًا، ثم قال سالم: ((أما أنا فَأُسلِّم)). قلتُ: ومن ههنا عُلِم وَجْهُ اجتهادِ ابن عمرَ
رضي الله عنه في الكلام بين الركعة والركعتين من الوِتْر. فإنَّه إذا كان يرى النَّبِيَّ وَّر يسلم في
تَشَهّدِه وكان عنده نَسْخًا للصلاة، حَمَله على الفصل وأنه فَرَغ من صلاته .
ثُمَّ عند مالك في ((موطئه)) عن ابن عمر رضي الله عنه: «أنه كان يقرأ بالسلام في تَشَهُدهِ في
صلاته))، وهذا يُوجِب أن لا تصح صلاتُهُ على الفَرْض المذكور. فإنَّه إذا كان التسليمُ عنده نَسْخًا
فيلزَم أنه كان ينسخُ صلاتَه بالتسليم في التشهد، مع أن اختلافَه لو كان، لكان في ركعات الوِتْر
دون سائر الصلوات، فإنَّها متواترةٌ، فما لم يُفَصِّل مَاذَا كَانَ مَذْهَبُه؟ لا ينبغي التَّمَسُّك بحديثه.
على أنه قد تبيَّن عندنا مَنْشَؤُه، وهو أن الرواية في النوافل ليست عنده إلا بالمَثْنَى، فَجَعَل الوِتْر
أيضًا مَثْنَى وركعةً طردًا للباب، ولا يصِحُّ على طريقنا. وقد أوضحناه في تقرير الترمذي أبْسَط من
هذا .
٤٩٠
كتاب الوتر
ثم ههنا حديث في ((مستدرَك)) الحاكم عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: أنه كان يتكلم
بين الركعتين والركعة من الوِتْر، وهو صَعْبٌ جدًا، وقد كشف اللَّهُ علي سبحانه مرادَه بعد عشر
سنين ونَيِّف. وصورة الجواب: أَن الركعة هي واحدةُ الوِتر، أما الركعتان فهي سُنَّةُ الفَجْر،
والمقصودُ منه إثباتُ الكلام بين الوِتْر وسُنَّة الفجر. ولما كانت الواحدةُ ثالثةَ الوتر وذكرتها
بالواحدة تَبَادَرَ إلى الذُّهْن أنها ثالثةُ الوِتْر، والركعتان هما مثناه، مع أن الأمر ما قلنا، والدليلُ
عليه ما في ((الصحيحين)) عنها: أن النبيَّ ◌ٍَّ كان يحدِّثُها بعد الوتر إن كانت مستيقظَةً، ثم يُصلِّي
سُنَّةَ الفَجْرَ وسندُه وسَنَدُ حديث (المستدرَك)) واحدٌ، وتمامه في رسالتي ((كَشْف السِّتْر)).
فائدة
واعلم أن محمد بن نَصْر، ومحمد بن مُنذر، ومحمد بن خُزَيمة، ومحمد بن جَرِير يقال
لهم: المحمدون الأربعة. قيل: إنهم كانوا في أوَّلِ أَمْرِهم على مذهب الشافعية رحمهم الله
تعالى، ثُمَّ صاروا مُستقلِّين بالاجتهاد.
قوله: (قال القاسِمُ: ورأينا أُنَاسًا مُنْذُ أَدْرَكْنَا يُوتِرُون بثلاثٍ، وإنَّ كُلَّ لَوَاسِعٌ، وأرجو أن لا
يكونَ بشيءٍ منه بأسٌ) وكلام قاسم هذا صريحٌ في علم العامة أنه كان بالثلاثٍ، وهو تابعيٌّ فقيه.
وأما رأيه فعلى رأي الحافظ جوازُها بالركعة أيضًا، لأنه حَمَلُهُ على كونها واحدة أو ثلاثًا .
قلتُ: ولِمَ لا يجوزْ أن يكون مرادُهُ التعميمَ في الثلاثِ والخَمْس وغيره، بأن تكونَ
الركعتان أو أزيد قُبيل الثلاث، ولا سيما ما مر معنا عن الطحاوي من مذهبه في هذا البابَ، فإن
كان مذهبُهُ هو الثلاثَ - كما هو ظَاهِرُ لَفْظِ الطحاوي - تَعَيَّن أن التخييرَ منه في الثلاثِ، وفي ما
فوقه لا فيما دونَ الثلاثِ، كما فَهِمه الحافظ رحمه الله تعالى.
قوله: (فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذلك قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحدُكُمْ خمسينَ آيَة) ... إلخ فهذه السجدةُ في
داخل الركعات لا أنها خارج الصلاة بعد الوتر، كما شاع في بعض البلاد. وفي ((المنية)): أنها
بِذْعَةٌ. وترجم عليها النَّسائي. قلتُ: وكان المناسبُ أن لا يترجم عليها، لأنها لم يَظْهَر بها
العملُ. وكذلك فَعَل النسائي في حديث: ((فأَذِّنا فأقيما)» فترجم بتعدد الأذان في السفرِ، ولم
يذهب إليه أحدٌ. وقد مرَّ الكلام فيه.
٢ - بابُ سَاعاتِ الوِتْرِ
قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَوْصَانِي النَّبِيُّ ◌َّهِ بِالوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ.
٩٩٥ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ قالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ،
قالَ: قُلْتُ لابْنِ عُمَرَ: أَرَأَيتَ الرَّكْعَتَينِ قَبْلَ صَلَاةِ الغَدَاةِ، أُطِيلُ فِيهِمَا القِرَاءَةَ؟ فَقَالَ: كانَ
النَّبِيُّ ◌َّه يُصَلِّيَ مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ، وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَينِ قَبْلَ صَلَاةِ الغَدَاةِ،
وَكَأَنَّ الأَذَانَ بِأُذُنَيهِ. قالَ حَمَّدٌ: أَي سُرْعَةً. [طرفه في: ٤٧٢].
٩٩٦ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ قالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قالَ: حَدَّثَني
٤٩١
كتاب الوتر
مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: كُلَّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، وَانْتَهى وِتْرُهُ إِلَى
السَّحَرِ .
والكلُّ ثابت، واستقرت عادتُهُ على الآخِر وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يوتر أول
الليل لعدّم اعتماده على نفسه وعمر رضي الله تعالى عنه في آخر الليل. وعند أبي داود حذر
هذا، وقوَّى هذا.
٣ - بابُ إِيقَاظِ النَّبِيِّ ◌ََّ أَهْلَهُ بِالوِتْرِ
٩٩٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى قالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
عائِشَةَ قالَتْ: كانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ، مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ
أَيقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ. [طرفه في: ٣٨٢].
دلَّ على تَغَايُرِ الصلاتين قطعًا .
٤ - بابٌّ لِيَجْعَل آخِرَ صَلاَتِهِ وِتْرًا
٩٩٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيدِ اللّهِ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِّ نَّه قالَ: ((اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيلِ وِتْرًا)).
٩٩٨ - قوله: (اجْعَلُوا آخِرَ صلاتِكُمْ بالليل وِتْرًا) وهذا دليلٌ على أن الوِتْر ثلاثٌ إنْ جعلت
((الآخِر)) مفعولَه الأول، ((والوِتْر)) مفعوله الثاني. ولو جعلت ((الآخِر)) ظرفًا (والوِتْر)) مفعولَه الأول
لم يحصل منه هذا المُرَادُ.
٥ - بابُ الوِتْرِ عَلَى الدَّابَّةِ(١)
٩٩٩ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قالَ: حَدَّثَني مالِكٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
(١) قلت: وتكلم عليه ابن العربي لكن أغلاط الكاتب منعتني من الانتفاع به، فأذكر لك شيئًا نسبت ذكره في أول
أبواب الوتر، قال ابن العربي في ((العارضة)) ص (٢٤١) ج (٢) اختلف الناسُ فيما شرع فقال أبو حنيفة رحمه الله
تعالى: شرع أربعة أنواع فرض ستة واجبة، وستة غير واجبة، وقال الشافعي رحمه الله تعالى: شرع ثلاثة:
فرض، وسنة، ونافلة ... وقال علماؤنا: شرع أربعة: فرضًا، وسنة واجبة، ورغيبة، ونَفْلًا، وهذه اصطلاحاتٌ
لم يجىء على لسانِ الشرع إلا بعضُها فلا يُبنى عليه حُكُم. قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: الفرضُ ما ثبتَ
بكتاب الله، والسُّنة ما فعله رسولُ اللهِ وَّرَ في جماعةٍ كالوِتْر، والنَّفْل ما وعد بالثواب على فِعْله، والرغائب ما أكَّد
الثناءَ عليها وخَصَّها بالذِكْر من بين أقرانها، كركعتي الفجر عندنا. قلت: وفي العبارة قلق مع ما فيه من التقسيم،
وإنما نقلت العبارة المذكورة لتعلم أن اختلافَ الأئمة في الواجبات مع الحنفية يجري في مواضع، وذلك في
بعض المواضع يرجع إلى اختلاف الاصطلاح فقط، كالوتر كما أومأ إليه الشيخ رحمه الله تعالى في مواضع،
فليعلمه ولا يجعله من باب الاختلاف في المسألة.
٤٩٢
کتاب الوتر
بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَقَال سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلتُ فَأَوْتَرْتُ، ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلتُ: خَشِيتُ الصُّبْحَ فَنَزَلِتُ فَأَوْتَرْتُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَيسَ لَكَ في
رَسُولِ اللهِ وَلِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ فَقُلتُ: بَلَى وَاللَّهِ، قالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللّهِ بَلَ كَانَ يُوتِرُ عَلَى
البَعِيرِ. [الحديث ٩٩٩ - أطرافه في: ١٠٠٠، ١٠٩٥، ١٠٩٦، ١٠٩٨، ١١٠٥].
قال الحافظ: ولولا أنَّ البخاري ترجم بهذه لدلَّ على اختيارِه وجوبَ الوِتْر، لأن صنيعَ
تراجِمِه يشيرُ إلى الوجوبِ، ولكنه لما جَوَّزَ الوِتْر على الدَّابة عُلِم أنه لم يذهب إليه.
قلتُ: بل هذا الاحتمال قائمٌ بعد، لجواز أن يكون البخاريُّ يختارُ جواز أداءِ الواجب على
الذَّابة. فإنه لا نصَّ فيه، وهو مختارٌ في مسائله، ولا يلزم من عدم اختيار الحنفية والشافعية
رحمهم الله تعالى تلك المسألةَ أن لا يختارها البخاريُّ أيضًا. أما ابن عمر رضي اللهُ عنه فالجوابُ
عنه عندي أنه مِمَّنْ لَمْ يكن يُفَرِّق بين الوِتْر وصلاةِ الليل، وكان يُطْلِقُ الوِتْر على المجموع. فيمكن
أن يكونَ ما ذكره مِنْ وِتْره على الدَّابة هي صلاةَ الليل، وما ذكره عند الطحاوي أنه كان ينزل لها هي
وِتْر الحنفية، وبه يَحْصُلُ الْجَمْعُ بين الروايتين. وعن ابن عمر رضي الله عنه آثارٌ عديدةٌ في
(النزول)) عند محمد في ((مُوّئه))، وفي إسناده محمدُ بنُ أَبَان بن صالح وهو مُتَكلَّم فيه، وباقي
الإسناد صحيحٌ. وقد ثبت له النزولُ عن غيرٍ واحدٍ منهم مع عمرَ رضي الله عنه أيضًا، وهو في
((المصنَّف)) لابن أبي شيبة. ولفظه: ((كانوا يَنْزِلُون على الأرْضِ للوِتْر)).
٦ - بابُ الوِتْرِ في السَّفَرِ
١٠٠٠ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قالَ: حَدَّثَنَا جُوَيرِيَةُ ابْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ قالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َلَهِ يُصَلِّي في السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، يُومِىءُ
إِيمَاءً، صَلَاةَ اللَّيلِ إِلَّ الْفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ. [طرفه في: ٩٩٩].
ولم يكن عنده حديثٌ في قنوت الوِتْر، فأخرج قنوتَ النازلة إشارةً إلى قنوتِ الوِتْر، وهو
عندنا في جميع السَّنة، ولا قنوتَ في الفجر. أما عند الشافعي رحمه الله تعالى فهو في الفَجْر
في السَّنَة كلُّها، وفي الوتر في آخِرِ رمضان. ثم القُنوتُ الراتبةُ قبل الركوع عندنا. وأما قنوتُ
النازلة فيجوز قَبْلَه وبعدَه، والظاهر أن الأوْلَى بعده.
١٠٠١ - قوله: (قَنَت بعدَ الرُّكوع يسيرًا) وهو في قصة أصحاب بئر مَعُونة حين بعث سبعين
نَفَرًا واسْتُشْهد منهم تسعةٌ وستّون، فقنت فيها أربعينَ يومًا، أو شهرًا: هكذا شَكَّ فيه الراوي.
٧ - بابُ القُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ
١٠٠١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ أَيّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قالَ: سُئِلَ
أَنَسِ: أَقَنَتَ النَّبِيُّ وَِّ فِي الصُّبْحِ؟ قالَ: نَعَمْ. فَقِيلَ لَهُ: أَوَقَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ؟ قالَ: قَنَتَ
بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا. [الحديث ١٠٠١ - أطرافه في: ١٠٠٢، ١٠٠٣، ١٣٠٠، ٢٨٠١، ٢٨١٤، ٣٠٦٤،
٣١٧٠، ٤٠٨٨، ٤٠٨٩، ٤٠٩٠، ٤٠٩١، ٤٠٩٢، ٤٠٩٣، ٤٠٩٤، ٤٠٩٥، ٤٠٩٦، ٦٣٩٤، ٧٣٤١].
٤٩٣
كتاب الوتر
١٠٠٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قالَ: حَدَّثَنَا عاصِمٌ قالَ: سَأَلتُ
أَنَسَ بْنَ مالِكِ عَنِ القُنُوتِ، فَقَالَ: قَدْ كانَ القُنُوتُ. قُلتُ: قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ قالَ:
قَبْلَهُ. قالَ: فَإِنَّ فُلَانَا أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قُلتَ: بَعْدَ الرُّكُوعِ! فَقَالَ: كَذَبَ،َ إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ
اللَّهِوَهِ بَعْدَ الرّكُوعِ شَهْرًا، أُرَاهُ كانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمُ القُرَّاءُ، زُهَاءَ سَبْعِينَ رَجُلًا، إِلَى
قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينُّ دُونَ أُولئِكَ، وَكَانَ بَينَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَمِ عَهْدٌ، فَقَنَتَ رَسُولُ
اللَّهِّ ◌َهِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيهِمْ. [طرفه في: ١٠٠١].
١٠٠٢ - قوله: (قلت: قَبْل الرُّكوع أو بَعْدَه) ولعل هذا قنوتُ الراتبة وهو في الوتر عندنا،
وفي الفجر عند الشافعية رحمهم الله تعالَى.
قوله: (فقال: كَذَبَ) ... إلخ. وهذا قُنوت النازلة.
وحاصله: أن النبيَّ وَّهِ لم يَقْنُت للنازلةِ إلَّا شَهْرًا بعد الركوع - قال الحافظ: معناه لم
يقنت متواليًا - أما الرَّاتِبة فَقَنَتها قبل الركوع. وقال النيموي في ((آثار السنن)): إنها في الوِتْرِ.
قلتُ: وليس في لفظ الحديث أنها في الوتر، فتكون عندنا في الوِتْر، وعند الشافعية
رحمهم الله تعالى في الفجر.
قوله: (إلى قوم مُشْرِكِينَ دونَ أُولئك) يعني أن النبيَّ ◌َلِّ لم يكن بَعَثَ هؤلاء إلى أولئك
الذين عَدُروا، لأنه كان بينهم وبينه وَّرِ معاهدةٌ، وإنما كان بَعَثَهم إلى قومٍ مشركين، ولكنْ غَدَرَ
أولئك .
١٠٠٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ التَّيمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ،
عَنْ أَنَسٍ قالَ: قَنَتَ النَّبِيُّ وَّهِ شَهْرًا، يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ. [طرفه في: ١٠٠١].
١٠٠٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قالَ: حَدَّثَنَا خالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ
أَنَسٍ قالَ: كانَ القُنُوتُ في المَغْرِبِ وَالفَجْرِ .
١٠٠٤ - قوله: (عن أنس قال: كان القُنوت في المَغْرِب والفَجْر) قال أحمد: إن القنوتَ
في الْمَغْرِب نادرٌ. قلتُ: وذلك لكون الركعة الأخيرة فيها سرًا، فإن يَقْنُت فيها يقنت جهرًا،
والجهر في السرية غيرُ معروفٍ، وإنْ أسرَّ به يبقى القوم غافلين لا يدرون ما يفعلُ إمامُهُم. ثم لم
يَكْتُب أحدٌ منهم أنه كيف قَنَت في السِّريَّة. ولعلَّه قرأه جهرًا. وأما في رمضان في الوِتْر فلما كان
بعد الجهر يَعْلَمُ القومُ أَنه قانتٌ فيقنتون لأنفُسِهم أيضًا .
بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الرَّحَيَةِ
١٥ - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ
١ - بابُ الاسْتِسْقَاءِ، وَخُرُوجِ النَّبِيِّ ◌َِّ في الاسْتِسْقَاءِ
١٠٠٥ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ
تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ قالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ وَلَّهَ يَسْتَسْقِي، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ. [الحديث ١٠٠٥ - أطرافه في:
١٠١١، ١٠١٢، ١٠٢٣، ١٠٢٤، ١٠٢٥، ١٠٢٦، ١٠٢٧، ١٠٢٨، ٦٣٤٣].
قال صاحب ((الهداية)): الاستسقاءُ عندنا دعاءٌ واستغفار. فتوهمَّ منه بعضٌ نَفْيَ الصلاةِ
رأسًا، مع أنه قال بُعَيْده: ((قلنا: إنه فَعَله مرةً وترَكه أخرى فلم يكن سنةً))، فخرج أنه أنكر السُّنية
دونَ الجواز. وقد حققه المحقق ابنُ أمير الحاج وبسطه جدًا .
قلتُ: والسرُّ فيه أن الاستسقاء على أنحاء: بِرَفْع الأَيدي في عامَّة الأحوال، ودُبُر
الصلوات، وفي المُصَلَّى، وفيه التفاصيل والخلاف. ويُشترط له الإمامُ الأكبر فَحُكْم الإمام على
المجموع، فلم يَسَع له الحُكْمُ بالسُّنية. وأفرز الشافعي رحمه الله تعالى الثالث فقط، فوَسِعه
ذلك، ونظيره الوِتْر على ما مَرَّ. فمن حَكَم على المجموعِ حَكُم عليه بالسُّنية، ومن أفرز القِطعةَ
الأخيرةَ منه حَكَم بالوجوب، ونحوه الجماعة فَمَنْ حَكَمْ على مجموع ما ورد فيها من الأوامر
وأَعْذَار الترك حَكَم بالسُّنية، ومن نظر إلى الأَوامر فقط حَكُم بالوجوب. وقد مرَّ تقريره.
ويقرأ فيها سرًا، ولا تُسنُّ الخطبة، ولصاحبيه خلافٌ فيهما، والعمل على مَذْهب
الصاحبين. ويستحبُ تحويلُ الرِّدَاء للإمام عندنا دون القوم كما في ((فتح القدير)). والنفي في
المتون محمولٌ على نَفْي الوجوب. راجع تفصيله في شَرْحِ ((المِنية)) لابن أمير الحاج.
ونقل الشيخ شمس الدين السَّرُوجي في ((شرح الهداية)) رواية وجوب العيدين والكسوف
ووجوب الاستسقاء بأمر الإمام، وقد صرح الحموي في حاشية الأشباه أن الصوم يجب بأمر
القاضي وحينئذٍ لو أمر بالاستسقاء يجب أيضاً وبه أفتى النووي أي بالوجوب بأمر الإمام كما في
((شرح الجامع الصغير))، وكان العلماء خالفوه في زمنه وقد تحقق عندي أن فتاوى الحموي تكون
أكثرها مأخوذة من النووي، وقد مرّ مني عن قريب أن الوجوب من جهة أمر الإمام عارضي
يقتصر على زمان إمارته فهو وجوب وقتي ومن هذا الباب حرمة الدخان كما قاله المناوي؛ فإذا
مات الأمير انتهت الحرمة وعادت الحلة على الأصل وهذا كله في الأمور الانتظامية أما في
الأمور الشرعية فلا دخل لأمر الإمام فيها، ثم إن أمر الخلفاء الأربعة فوق أمر الأمير وتحت
التشريع فيتبع بهم في بعض الأمور الانتطامية كالتشريع كالجماعة في التراويح وأرى كثيراً من
٤٩٤
٤٩٥
كتاب الاستسقاء
الأمور الانتظامية فعلها عمر رضي الله عنه في زمنه ثم الحنفية جعلوها مذهباً وعاملوا معها ما
يعامل مع الشرعيات ونظائرها توجد في المذاهب الأربعة وهكذا ينبغي لقوله ◌َّل: ((اقتدوا بالذين
من بعدي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما)) ولعل منصبهم بين بين ومر الرازي على تفسير آية
الإطاعة ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ ثم فسر أولي الأمر بالإجماع وفسره في الآية الثانية ﴿لَعَلِمَهُ
الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمُّ﴾ أنه أبو بكر رضي الله عنه مع أنه لم يكن خليفة في حياته ولا حاكماً.
٢ - بابُ دُعاءِ النَّبِيِّ ◌ََّ: ((اجْعَلهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ))
١٠٠٦ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَنْج
عَيَّشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجَ
المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَظْأَتَكَ عَلَى مُضَرَّ، اللَّهُمَّ اجْعَلَهَا سِنِينَ كَسِنِيَ
يُوسُفَ)). وَأَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قالَ: ((غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ)). قالَ ابْنُ أَبِي
الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ: هذا كُلُّهُ في الصُّبْحِ. [طرفه في: ٧.
١٠٠٦ - قوله: (أجعلها سِنينَ كَسِنِي يوسفَ عليه السَّلام). وهذا ضدُّ الاستسقاء، وهو
دعاءُ القَحْط، فظهرت المناسبة. وفي إسناد عبد الرحمن بن أبي الزِّنَادِ. وهذا هو الراوي في
إسناد الطَّحَاويِّ في فَتْوى الفقهاء السبعة: على كونِ الوتر ثلاثًا لا يُسَلِّم إلَّا في آخِرِ هِنَّ.
قوله: (هذا كلُّه في الصُّبْحِ) أي مع الجهر، كما سيجيءُ في التفسيرِ .
١٠٠٧ - حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ قالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي
الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌ِ لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ
إِذْبارًا، قال: ((اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ)). فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيءٍ، حَتَّى أَكَلُوَاَ
الجُلُودَ وَالمَيتَةَ وَالجِيَفَ، وَيَنْظُرَّ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخِانَ مِنَ الجُوعِ. فَأَتَاهُ أَبُو
سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِم، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَّكُوا، فَادْعُ
اللَّهَ لَهُمْ. قالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ (٤) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ
عَلَيِّدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ اُلْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٠ - ١٦]. فَالبَْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ مَضَت الدُّخانُ،
وَالبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَآيَةُ الرُّومِ.
[الحديث ١٠٠٧ - أطرافه في: ١٠٢٠، ٤٦٩٣، ٤٧٦٧، ٤٧٧٤، ٤٨٠٩،
٤٨٢٠، ٤٨٢١، ٤٨٢٢، ٤٨٢٣، ٤٨٢٤، ٤٨٢٥].
١٠٠٧ - قوله: (إدبارًا) (روكردانی).
قوله: (الدُّخان) (دهند).
قوله: (فقال: يا محمَّدُ) ... إلخ لأنه كان مُسْتَجَابَ الدعوات فيما بينهم أيضًا.
قوله: (فقد مضت الدخان) ... إلخ والمرادُ من الدُّخَان عند الجمهور ما هو من أشراط
الساعة، وبعدها الساعة بمائة سَنة فخرج الجوابُ عن الآية التي أوردها ابنُ مسعود رضي الله
٤٩٦
كتاب الاستسقاء
عنه. وهي: ﴿إِنَّكُرْ عَّيِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]. نعم لو قامت الساعة بعد الدُّخَان بدون فاصلة لَوَرَدَتْ
الآيةُ على الجمهورِ .
فائدة :
واعلم أنه إذا تَعَارَض العمومان القطعيَّن في جزئي ولا يُدْرَى أنه يَدْخُل في أيِّ العمومين،
يتردّد فيه النظر. ومن ههنا اندفع ما عُرِضَ للمعتزلةِ في القول: بالمنزلة بين المنزلتين. فإنهم
جَعَلُوا ارتكابَ المعصية نَقْصًا في إذعانه، وقد مرَّ تفصيله في كتاب الإيمان.
٣ - بابُ سُؤَالِ النَّاسِ الإِمامَ الاسْتِسْقَاء إِذَا قُحِطُوا
١٠٠٨ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيِبَةَ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ:
ثِمَالُ اليَتَامى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ
وَأَبْيضُ يُسْتَسْقَى الغَمامُ بِوَجْهِهِ
[الحديث ١٠٠٨ - طرفه في: ١٠٠٩].
١٠٠٩ - وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ: حَدَّثَنَا سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ: رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ،
وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِّ ◌َهِ يَسْتَسْقِي، فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ:
ثِمَالُ اليَتَامى عِضْمَةٌ لِلأَرَامِلِ
وَأَبْيضُ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ. [طرفه في: ١٠٠٨].
١٠١٠ - حدّثنا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ قالَ:
حَذَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُثَنَّى، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ
الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ
إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيْنَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ.
[الحديث ١٠١٠ - طرفه في: ٣٧١٠].
١٠١٠ - قوله: (اللهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إليك بِنَبِيِّنَ {﴾﴾ ليس فيه التوسُّلُ المعهودُ الذي يكون
بالغائب حتى قد لا يكون به شعورٌ أصلًا، بل فيه توسُّلُ السَّلف، وهو أن يُقَدِّم رجلًا وذا وجاهةٍ
عند الله تعالى ويأمرَه أن يدعو لهم، ثم يحيل عليه في دعائه، كما فُعل بالعبَّاس رضي الله عنه
عَمِّ النبيِّ وَ﴾. ولو كان فيه توسُّلُ المتأخرين لما احتاجوا إلى إِذْهَاب العبّاس رضي الله عنه
معهم، ولكفى لهم التوسُّل بنبيهم بعد وفاتِه أيضًا، أو بالعباس رضي الله عنه مع عدمٍ شهوده
معهم .
وهذا النحو جائزٌ عند المتأخرين وَمَنَع منه الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى وإني متردِّدُ
فيه، لأنه أَتى بعبارةٍ عن الإِمام من ((تجريد القُدوري)) أن الإقسام على اللهِ بغير أسمائه لا يجوزُ،
فتمسَّك بنفي الإِقسام على نفي التوسل. فإن كان التوسُّل إقْسَامًا فالمسألة فيه كما ذهب إليها ابن
1
٤٩٧
كتاب الاستسقاء
تيمية رحمه الله تعالى، وإن لم يكن إقْسامًا يبقى جائزًا. وأما التمسُّك بقوله وَله: ((إنَّما تُرْزَقُون
بِضُعفائِكم))، فليس بناهضٍ، لأنه ليس على التوسل، بل معناه أن الله تعالى يرزُقُكم برعايةٍ
الضعفاءِ، والرعاية لكونهم فيكم لا للتوسل اللساني فقط: اللهم ارزقنا بوسيلةٍ فلان.
وصِفَةُ استسقاءِ العباس، ما أخرجه الحافظ رحمه الله تعالى: ((اللهم لم يَنْزل بلاءٌ إلا
بذنبٍ، ولم يُكشف إلا بتوبةٍ، وقد توجَّه القومُ بي إليك لمكاني من نَبِيِّك، وهذه أيدينا إليك
بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغَيْثَ)) اهـ.
٤ - بابُ تَحْوِيلِ الرَّدَاءِ في الاسْتِسْقَاءِ
١٠١١ - حدّثنا إِسْحَاقُ قالَ: حَدَّثَنَا وَهْبٌ قالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي
بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّ اسْتَسْقَى فَقَلَبَ رِدَاءَهُ. [طرفه
في : ١٠٠٥].
١٠١٢ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي
بَكْرٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّدَ بْنَ تَمِيمٌ يُحَدِّثُ أَبَاهُ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ خِرَجَ إِلَى
المُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكَعَتَينٍ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ
ابْنُ عُيَينَةَ يَقُولُ: هُوَ صَاحِبُ الأَذَانِ، وَلكِنَّهُ وَهْمٌ، لأَنَّ هذا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيدِ بْنِ عَاصِمٍ
المَازِنِيُّ، مازِنُ الأَنْصَارِ. [طرفه في: ١٠٠٥].
٥ - بابُ الاسْتِسْقَاءِ في المَسْجِدِ الجَامِعِ
١٠١٣ - حدّثنا مُحمَّدٌ قالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضِ قالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مالِكِ يَذْكُرُ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ بَابِ
كانَ وُجاهَ الْمِنْبَرِ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَهِ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللهِوَ لَ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، هَلَّكَتِ المَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ
اللَّهِ وَهِ يَدَيْهِ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقَنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا)). قالَ أَنَسّ: وَلَا وَاللَّهِ، ما
نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ، وَلَا قَزَعَةٍ، وَلَا شَيْئًا، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلع مِنْ بَيتٍ وَلَا دَارٍ .
قالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْشَرَتْ ثمَّ أَمْطَرَتْ.
قالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا. ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذلِكَ البَابِ فِي الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ،
وَرَسُولُ اللَّهِ وَه قائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ،
وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا. قالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِيَدَيهِ، ثُمَّ قالَ: ((اللَّهُمَّ
حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكامِ وَالجِبَالِ وَالظُّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ)). قالَ:
فَانْقَطَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي في الشَّمْسَِ. قالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلَتُ أَنَسًا: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ قَالَ:
لَا أَدْرِي. [طرفه في: ٩٣٢].
٤٩٨
كتاب الاستسقاء
قوله: (والانتهاك) من النَّهْك وهو التذليل. وفي التصريف: أَنَّ كلَّ كلمةٍ تكون فاؤها نونًا
لا يأتي منها الافتعال.
١٠١٣ - قوله: (وانقطعتِ السُّبُّلُ) لأن المواشي إذا هَلَكَتْ انقطع السَّفَر.
قوله: (آكَام) (هيله) ظِراب (وه هيله جولمبا جلا كيا هو) أودية (جو كهرى جكه هو).
٦ - بابُ الاسْتِسْقَاءِ في خُطْبَةِ الجُمُعَةِ غَيرَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ
١٠١٤ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، مِنْ بَابٍ كانَ نَحْوَ دَارِ القَضَاءِ،
وَرَسُولُ اللَّهِِّ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ قائِمًا، ثُمَّ قالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا. فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ نَِّ يَدَيهِ، ثُمَّ قالَ:
((اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا)). قالَ أَنَسٌ: وَلَّا وَاللَّهِ ما نَرَى في السَّمَاءِ مِنْ
سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ، وَما بَينَنَا وَبَيْنَ سَلع مِنْ بَيتٍ وَلَا دَارٍ. قالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ
مِثْلُ التِّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشْرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ، فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سنًّا،
ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذِلِكَ الْبَابِ في الجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ قائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قائِمًا،
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الأُمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا. قالَ:
فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِةٍ يَدَيهِ، ثُمَّ قالَ: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلِّينَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكامِ
وَالظَّرَابِ، وَيُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ)). قالَ: فَأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي في الشَّمْسِ.
قالَ شَرِيكُ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ، أَهُوَ الَرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ فَقَالَ: ما أَدْرِي. [طرفه في: ٩٣٢].
٧ - بابُ الاسْتِسْقَاءِ عَلَى المِنْبَرِ
١٠١٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ قالَ: بَينَما رَسُولُ
اللَّهِ ◌َِّ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِذْ جاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَحَطُ المَطَرُ، فَادْعُ اللَّهَ
أَنْ يَسْقِيَنَا. فَدَعا، فَمُطِرْنَا، فَمَا كِدْنَا أَنْ نَصِلَ إِلى مَنَازِلِنَا، فَمَا زِلنَا نُمْطَرُ إِلَى الجُمُعَةِ
المُقْبِلَةِ. قَالَ: فَقَامَ ذلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اذْعُ اللَّهَ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنَّا .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا)). قالَ: فَلَقَدْ رَأَيتُ السَّحَابَ يَتَقَّعُ يَمِينًا
وَشِمالًا، يُمْطَرُونَ وَلَا يُمْطَرُ أَهْلُ المَدِينَةِ. [طرفه في: ٩٣٢].
٨ - بابُ مَنِ اكْتَفَى بِصَلَةِ الجُمْعَةِ فِي الاسْتِسْقَاءِ
١٠١٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ
قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَّةِ، فَقَالَ: هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ. فَدَعا، فَمُطِرْنًا
مِنَ الجمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ، ثُمَّ جاءَ فَقَالَ: تَهَذَّمَتِ البُيُوتُ، وَتَفَطَّعَتِ السُّبُلُ، وَهَلَكَتِ
٤٩٩
كتاب الاستسقاء
المَوَاشِي، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكُهَا. فَقَامَ وَه فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ عَلَى الآكام وَالظُّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ
وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ)). فَانْجَابَتْ عَنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ. [طرفه في: ٩٣٢].
١٠١٤ - قوله: (مِنْ بابٍ كان نحوَ دارِ القَضَاءِ) وهذا تعريف بأمرٍ في زمنِ الرَّاوي، وإنما
سُمِّي دار القضاء، لأن عمر رضي الله عنه كان أَوْصَى ابنه أن يؤدى دَيْنه بِبَيْعِ مالِه، فكانت تلك
الدارُ بيعت لقضاءِ دَيْنه، ومنه سُمِّيت دارَ القضاءَ، لا مِنْ قضاء القاضي.
٩ - بابُ الدُّعاءِ إِذَا تَقَطَّعَتِ السُّبْلُ مِنْ كَثْرَةِ المَطَرِ
١٠١٧ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قالَ: حَدَّثَنِي مالِكٌ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِي نَمِرٍ ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ لَه، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ
المَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ وََّ، فَمُطِرُوا مِنْ جُمُعَةٍ إِلَى
جُمُعَةٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَفَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَتِ الْبُيوتُ، وَتَقَطَّعَتِ
السُّبُلُ، وَهَلَكَتِ المَوَاشِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ: ((اللَّهُمَّ عَلَى رُؤُوسِ الجِبَالِ وَالآكامِ،
وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، ومَنَابِتِ الشَّجَرِ)). فَانْجَابَتْ عَنِ المَدِينَةِ انْجَيَابَ الثَّوْبِ. [طرفه في: ٩٣٢].
يعني أن المطرَ رَحْمةٌ، فهل يدعو لإِمْساكِهِ؟
١٠ - بابُ ما قِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ
لَمْ يُحَوِّل رِدَاءَهُ في الاسْتِسْقَاءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ
١٠١٨ - حدّثنا الحَسَنُ بْنُ بِشْرِ قالَ: حَدَّثَنَا مُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ
إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا شَكا إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ هَلَاَكَ المَالِ، وَجَهْدَ
العِيَالِ، فَدَعا اللَّهَ يَسْتَسْقِيَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَلَا اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. [طرفه في:
٩٣٢].
يعني أن التحويل يكون بالمُصَلَّى وهو الاستسقاء الكامل، أما ههنا فإنه كان في الخطبة
فلم يستقبل القِبلة أيضًا، فأين يكون التحويل؟
١١ - بابٌ إِذَا اسْتَشْفَعُوا إِلَى الإِمامِ لِيَسْتَسْقِيَ لَهُمْ لَمْ يَرُدَّهُمْ
١٠١٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ أَنَّهُ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّه فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ، فَدَعَا اللَّهَ فَمُطِرْنَا مِنَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ،
فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ نَّةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، وَهَلَكَتِ
المَوَاشِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((اللَّهُمَّ عَلَى ظُهُورِ الجِبَالِ وَالآكامِ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ
الشَّجَرِ)). فَانْجَابَتْ عَنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ. [طرفه في: ٩٣٢].
٥٠٠
كتاب الاستسقاء
١٢ - بابٌ إِذَا اسْتَشْفَعَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ عِنْدَ القَحْطِ
١٠٢٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ، عَنْ سُفيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ وَالأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي
الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: أَتَيتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ إِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَؤُوا عَنِ الإِسْلَامِ، فَدَعا
عَلَيهِمُ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا، وَأَكَلُوا المَيتَةَ وَالعِظَامَ، فَجَّاءَهُ أَبُو
سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا مُحمَّدُ، جِئْتَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِم، وَإِنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا، فَادْعُ اللَّهَ تَعَالى،
فَقَرَأَ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (﴾ [الدخان: ١٠]. ثُمَّ عادُوا إِلَى كُفِرِهِمْ،
فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ اٌلْبَطْشَةَ الْكُبْرَ﴾ [الدخان: ١٦] يَوْمَ بَدْرٍ. قالَ: وَزَادَ أَسْبَاطٌ،
عَنْ مَنْصُورٍ: فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ فَسُقُوا الغَيْثَ، فَأَظْبَقَتْ عَلَيهِمْ سَبْعًا، وَشَكا النَّاسُ كَثْرَةَ
المَطَرِ، قالَ: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَينَا)). فَانْحَدَرَتِ السَّحَابَةُ عَنْ رَأْسِهِ، فَسُقُوا النَّاسُ
حَوْلَهُمْ. [طرفه في: ١٠٠٧].
واعلم أن الحديث يَتَضَمَّن قِطْعتين: فَقِصَّة قريش في مكة، وأما ما يذكُرُه بعد قوله: ((وَزَادَ
أَسْبَاطٌ)) فقصَّتُه بالمدينة. قال الدِّمياطي: إن هذا الخلط من جانب المصنّف رحمه الله تعالى،
فإنه لو كان في متن حديث واحدٌ لحملناه على أنه من أحَدٍ رواته، ولكنَّ المصنف رحمه الله
تعالى زاد ههنا قطعةً من عندِ نَفْسه، مع أنه لا حاجةَ إليها، وهي قوله: ((وزاد أَسْبَاطٌ)) ... إلخ،
فإذن هو من جانب المصنّفِ رحمه الله تعالى. وتَصَدَّى الحافظ رحمه الله تعالى لجوابه، وحَمَلَه
على تعدد الواقعة .
قوله: (فانحدرت السحابة) (بادل أتركيا).
١٣ - بابُ الدُّعاءِ إِذَا كَثُرَ المَطَرُ: حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا
١٠٢١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ، عَنْ ثَابِتٍ،
عَنْ أَنَسِ قالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَة، فَقَامَ النَّاسُ فَصَاحُوا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، فَخَطَ المَطَرُ، وَاحْمَرَّتِ الشَّجَرُ، وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ، فَادْعُ اللَّهَ يَسْقِيْنَا. فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ
اسْقِنَا)) مَرَّتَينٍ، وَايمُ اللَّهِ، ما نَرَى في السَّمَاءِ قَزَعَةً مِنْ سَحَابٍ، فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ وَأَمْطَرَتْ،
وَنَزَلَ عَنِ الَمِنْبَرِ فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ، لَمْ تَزَل تُمْطِرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا، فَلَمَّا قَامَ
النَّبِيُّ نَّهَ يَخْطُبُ صَاحُوا إِلَيْهِ: تَهَذَّمَتِ الْبُيُوتُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يَحِسْهَا عَنَّا .
فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، ثُمَّ قالَ: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا)). فَكَشَطَتِ المَدِينَةُ، فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ
حَوْلَهَا، وَلَا تُمْطِرُ بِالمَدِينَةِ قَظْرَةٌ، فَنَظَرْتُ إِلَى المَدِينَةِ وَإِنَّها لَفِي مِثْلِ الإِكْلِيلِ. [طرفه في:
٩٣٢].
١٤ - بابُ الدُّعاءِ في الاسْتِسْقَاءِ قائِمًا
١٠٢٢ - وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيم، عَنْ زُهَيرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ