النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
كتاب الجمعة
فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما)). والتفصي عن القول مُشْكِل فإِنه تشريع، أما الواقعة فيمكنُ
حَمْلُها على الأعذار، فمنها ما عند النِّسائي في (كبراء)»: أنَّ هذا الرجلَ دخَل بِهِيئةٍ رَتَّةٍ ولم تكِن
عليه ثيابٌ، فأراد النبيُّ وَّةٍ أن يتصدَّقَ عليه الناسُ فَرَغَّبهم فيه، فَأَمَرَه بالصلاة ليرى الناسُ هيأَته
البذة فتصدقوا عليه. هكذا في ((المسند))، و((صحيح ابن حِبَّان))، والطحاوي. وبَوَّب عليه
النسائيُّ بالحَثِّ على الصدقة، إشارة إلى ما هو الأَهم في قِصَّته.
فإِن قلت(١): لو كان كما قلتم لَمَا أمره بالركعتين في الجمعة الأخرى، وفي التي بعدَها
أيضًا، فهل كان يريد الإِراءة كلَّ مرة؟ وإِذن لا يكون المقصودُ إلا تَحْرِيضَه على تحية المسجد،
والتصدُّق عليه يكون تَبَعًا. قلتُ: وفي الجمعة الثالثة تَرَدَّدَ الراوي. ولا بُعْد في الجُمُعتين أن
يكون أَمْرُه لذلك، وعند ابن حِبَّان فيه زيادة وهي: ((لا تَعُودن لِمِثْل هذا». اهـ. فحملوها على
النَّهي عن تَرْك هاتين الركعتين. قلتُ: بل هو نَهْيٌ عن الإِبطاءِ عن الجمعة وحُضُوره في وقت
الخطبة حتى لزِمه إمساكُها، فهو كقوله لأبي بَكْرة رضي الله عنه حين بادر إلى إِذْرَاك الرُّكوع:
(زادك اللَّهُ حِرْصًا ولا تَعُد)). وقد اختلفوا في شَرْحه أيضًا كما مرّ.
ثم عند مسلم - ص ٢٨٧ - أَنه جاء ورسولُ اللهِلَّهِ قاعِدٌ على المِنْبر، فدلَّ على أنه لم يكن
دَخَل في الخُطبة بَعْدُ، بل كان يريدُ الخطبة سيما على مذهب الشافعية، فإِن القِيام من شرائط
الخطبة عندهم. فلزِمهم أن يقولوا إِنَّه لم يكن دَخَل في الخطبة .
وتمسك الشيخ العيني رحمه الله تعالى برواية النسائي، وليس فيه ما رامه فلا يتم التقريب،
(١) قال الشيخ رحمه الله تعالى: والوَجْه أن التحريضَ على الصَّدقة وقَعَ في الجمعتين إلا أنه كان التحريضُ في
الجُمعة الأُولى لأجله خاصَّة، وفي الجمعة الأُخرى كان لرجلٍ آخر. فلما حَرَّض النبيُّ وَِّ على الصَّدقة، نَبَذْ
هذا الرجلُ أيضًا أحدَ ثَوْبيه اللذين كان أعطيهما في الجُمعةِ الماضية. فردَّ النبيُّ نََّ ثوبَه ولامه على تَصَدُّقِه. فإِنَّ
خيرَ الصدقة ما كانت عنِ ظَهْرٍ غَنِي هذا ما سمعناه منه في درس الترمذي. قلتُ: يَرد على الشافعية أن هذا الرَّجُل
لما جاء في الجمعة الأُولى قعد، فقال له النبي ◌َّ: ((قُم فاركع)). هكذا عند ((مُسلم)). فأجابوا عنه أنه كان
جاهلًا عن المسألةِ، والجهل عندهم عُذْرٌ، فصحَّت له تحيةُ المسجد بعد الجلوس أيضًا. ثُم ورد عليهم تكرُّر
القصة، فإِنَّه إن كان جاهلاً في أول مرةٍ فقد عَلِمهما بعد تعليمه وحينئذٍ كيف جلس في الجمعة الثانية أو الثالثة
أيضًا؟، فأجابوا أنه نسي والناسي عندهم كالجاهل، والغرضُ منه أن قِصة التكرُّر ترِدُ علينا وعليهم لا أنَّا منفردون
فیه.
ثم جوابُنَا في تأويلها أَوْجَهُ من جوابهم، فإنك تعلمُ أن عُذْر النّسيان مما يحتاج إلى دليل، وهلا يقال: إنها كانت
سنةً قَبْلِيةً للجمعة، فإِنَّ السؤال والجواب إنما يناسِبُ عنها، فإنها آكَدُ من تحية المسجد التي لا تزيد على
الاستحباب مع أنها لا تفوتُ بالجلوس مع تأييده بِلَفْظ قبل أن تجيء، بل أقول: إنَّ سؤالهِّهِ بعدما جاء الرجلُ
وقَعَد بين يديه لا يكون إلا عن صَلاتِهِ قبل المجيء، ولا يناسب عن الصلاة قبل القعود، فإِنه كان بمرأى عينيه،
وقد شاهده أنه لم يَزِد على أنه قد جاء وقَعَد. وحينئذٍ لا يلائمهُ السؤالُ بأنك ركعتَ ركعتين قبل أن تَجْلِس، بل
سؤاله إنما يليقُ به: أنك هل صليت قبل أن تجيء إلى المسجد؟ ففيه تأييدٌ للفظ ابن ماجه. لأن صلاتّه كانت
سُنَّة قَبْليَّة لا تحية المسجد إلا أن يقال: إن النبيَّ ◌َ﴿ لم يَرَه حتى جاء الرَّجُل وقعد، فلما رآه النبيُّ ◌َّ قال ما
قال. قلت: كيف ولم يكن المسجدُ مُتَّسِعًا كذلك ولم يكن النبيُّ ◌َّ دَخل في الخطبة على لَفْظ (مسلم)).

٤٤٢
كتاب الجمعة
ولذا عَدَلْت عنه إلى حديث مسلم. وبه يَتم مقصوده إن كان غرضُه أنه ◌َّر لم يكن دخَل في
الخطبة، وإن كان مقصودُه أنه كان بدأَ الخطبةَ إلا أنه أمسك عنها (١). فله ما عند الدَّارقطني: أنهـ
كان أمسك عن خطبته. وهو مرسَلٌ جيد، وهو صَرِيح في أنه كان دخل في الخطبة، إلا أنهـ
أمسكها ريثما صلى الرجل صلاته وحَثَّ فيه على التصدق عليه، ولا يُذْرَى أنه استأنفَ خطبته
بعده، أو بَنَى عليها، والظاهر الأول.
بقي أنه هل يجوز للإِمام أن يتكلم في الخطبة؟ فالأحسن عندي أن لا يوسع فيه. وينبغي
أن يُقْتَصر على النبيِّ نَّه وإن صَرَّح الشيخ ابنُ الهُمام رحمه الله تعالى بجوازه عند الحاجة(٢).
ثم إنه ما الدليل على كونها تحيةً المسجدِ كما فهموه؟ لمَ لا يجوز أن تكون سنةً قَبْلِيةً
للجمعة؟ فعند ابن ماجه بِسَندٍ قويٍّ: ((أصليتَ الركعتين قَبْلِ أن تجيءَ))؟ ومعلومٌ أن تحية المسجدِ
لا تكون إلا بعد المجيء. ولذا أخرجه الزَّيلَعي في السُّنة القَبْلِيَّة، وحَكَم عليه أبو الحجاج
(١) قلتُ: فإِن شئت أن تجمع بين الألفاظ المختلفة في ذلك فقل: إنَّ النبيَّ ◌َّهُ كان قاعِدًا على المِنْبَر ويريدُ أن
يخطُب. إذ جاء الرَّجُلُ فرآه في هيئةٍ، بذةٍ فأمسك عن الخطبة وجعل يُحَرِّضُ الناسَ. وبذلك يَحْصُل الجمعُ بين
الأحاديث. فإِنَّ ما عند مسلم بيانٌ لأول حاله، والإِمساك عند الدار قطني عبارةٌ عن إمساكه عن الشُّروع في
الخطبة. ومعنى قوله وهو يَخْطُب، أي أنَّه يريد أن يخطب. وهذا مجازٌ واسِعٌ. هكذا جَمَعَ الشيخُ رحمه الله
تعالى في درس الترمذي.
قلتُ: وقد نُوقش أنَّ الصلاةَ بعد خروج الإِمام مكروهة عند أئمتنا. فالتأويلُ المذكورُ لا يجدي نَفْعًا. والجواب:
(٢)
عندي والله تعالى أعلم بالصواب: أن وَضْعَ مسألتنا فيما يوجِبُ الاشتغالَ بالصلاة إِخلالٌ في فرْض الاستماع،
كما يُشْعِر به تَعْلِيلُهم. قال الزَّيْلَعِي في ((شرح الكنز)) في تعليل مذهب الصاحبين: لهما أن الكراهيةَ للإِخلال
بفَرْضٍ الاستماع ولا استماع ههنا - أي في الكلام -، بخلاف الصلاة، لأنها تمتد ثُم قال من جانب الحنفية في
عَدَمِ الفَرْق بين الكلام والصلاة، إنَّ الكلامَ قد يمتدُّ فأشْبه الصلاة. اهـ. فدل على أَنَّ وَضْع المسألة فيما أخل
الكلام أو الصلاة في فَرْض الاستماع، وحيث لا إِخلالَ لا منع أيضًا. وليس في قصة الحديث شيءٌ من ذلك،
فإِن النبيَّ ◌َ﴿ كان قاعدًا للخُطبة ولم يَخْطب بعد على لفظ ((مسلم)) أو أَمْسَكَها - على لَفْظ الدار قطني - ثُم أَمَرِه
بالركعتين، وأيًّا ما كان، فلم يوجد منه الإِخلال ولا كان خشيةً لكونه أَمْسَكَ خُطبته لأَجْل ذلك. وأَوْضَحُ منه لَفْظُ
أحمدَ رحمه الله تعالى كما في العيني قال: ((قُم فَصَلِّ، ثم انتظره حتى صلَّى))، فَفَرْقٌ بين مَنْ امسك له الإمامُ
خطبتَهُ، ثم أَمَرَهُ بالركعتين بنفسه، وحرَّضَ الناسَ ليتصدقوا عليه، وبين مَنْ جاء والإمامُ يَخْطُب. فلم يُلْق لقوله
بالًا. وجعل يُقَدِّمُ وظيفته، واشتغل بالركعتين، فأين هذا مِن ذاك ولعل هذا هو الذي أراده القاضي أبو بكر بن
العربي في ((شَرْح الترمذي)) حيث قال ما معناه: أَنَّه لما تَشَاغل النبيُّ ◌َّه بمخاطبة سُلَيك سقط عنه فَرْض
الاستماع، إذ لم يكن منه حينئذٍ خطبةٌ لأجلِ تلك المخاطبة. وزعم أنه أقوى الأجوبة.
وإنما وضعوا المسألةَ في الصلاة والكلام عند خروج الإِمام، لأنه لا يليق اليوم لأحد أن يُمْسِك خطبته. والشيخ ابنُ
الهُمام رحمه الله تعالى وإنْ صرَّح بجواز الكلام عند الحاجة إلا أني لا أرى أن يجيز بمجموع ما ورد في قصة
سُلَيك رضي الله عنه. والشيخ قدس سره قد ضيَّق في الكلام أيضًا وقصره على النبيِّ نَّ ولم يناسب التوسيع.
وبالجملة لما أمن الرَّجُل من الإِخلال بالاستماع فقد انتفى عنه سببُ الكراهة وجازت له الركعتان مع قعود الإمام
على المِنْبر أما اليوم فإِنَّ الإمام يخرج للخطبة ولا يُمهل أحدًا أن يصلّي شيئًا ولا ينتظر له، فتحقق الإخلال، فظهر
الجواب عن الشبهة إن شاء الله تعالى ولم يخالِفْ شيئًا مما في كُتُبنا ولله الحمد.

٤٤٣
كتاب الجمعة
المِزّي الشافعي وابن تيمية بكونه تَصْحِيفًا من الكاتب. والصواب: (قبل أن تَجْلِس)).
قلتُ: كيف يُحْكم عليه بالتَّضْحِيف مع أن الإِمام الأَوْزاعي، إِسحاق بن راهويه رحمهما الله
تعالى بَنَيا عليه مذهبهما، فذهبا إلى أنه يصليهما في البيت وإلَّ ففي المسجد، وإن دخّل الإِمام
في الخطبة. وقد مرَّ معنا أن الحديث إذا ظهر به العملُ انقطع عنه الجدل. ثم رواية جابر
رضي الله عنه وِمَذْهبُه كما في جزء القراءة أنه كان يصلِّي بهما في المسجد وإنْ خطب الخطيب،
وإن كان قَدْ صلَّى في البيت.
وهذا يدل على صِحَّة لفظ: ((قبل أن تجيءَ))، لأن قوله ذلك ناظر إلى لفظ: ((قبل أن
تجيء)»، يعني به أنه لا يقتصر عليهما في البيت، بل يصلِّيهما في المسجد أيضًا على سُنَّة
سليك، وإن لم يكن مذهبه كمذهبنا .
ثمَّ سؤالُه عن الركعتين إنما يتأَتَّى إذا كان عن السُّنةِ القَبْلية، أما عن تحية المسجد فإِنه
حَضَر بمرأَى عينيه ولم يُصَلِّ فما معنى السؤال؟ اللهم إلا أن يقال إِنه لم يقع بصرُه عليه ابتداءً،
فإِذا رآه سئل عنها. وأَوَّله الحافظ بأن المرادَ منه قَبْل أن تجيءَ من ذلك المكان إلى هذا
المكان، فإِذن السؤالُ عن الصلاة في المسجد دون البيت. قلتُ: وهو غَنيُّ عن الردِّ. بقي
القول: فجوابه أن الدَّار قطني (١) تَتَبَّعَ على ((الصحيحين)) في عدة مواضعَ، وتتبّع على البخاري في
(١) قلت: وقد أخرج له الحافِظُ رحمه الله تعالى متابعًا فانتفى التفرُّدُ وارتفع الشذوذُ، ولكن مَعَ ذلك لا يبلغ ما هو
المشهور فيه، أعني كونه قصة سليك رضي الله عنه. ثُمَّ جاء بعض الرواة فذكر معها الحديثَ القولي أيضًا في
سلسلة واحدة. أعني أنه كان عنده قِصَّةُ سُلَيك رضي الله عنه، وكان قد بلغته تلك الروايةُ بالمعنى أيضًا، فحمله
على أنه حديثٌ فألحقه بها على نحو استدلال، لا أنهما حديثان مستقلان ونظيرُه أيضًا في الأحاديث: فإِنَّ الرواةَ
يكون عندهم حديثٌ ثم يستشهدون عليه من آيته في سنن واحدٍ، ويُتوهم منه أنه مرفوعٌ مع أنه لا يكون غيرُ خَفي
حلى الممارس. وكذلك قد يكون عندهم حديثان من باب واحد أو من بابين ثم يروونه في سلسلة واحدة ويتوهم
منه كونه حديثًا واحدًا ويُفْضِي إلى الاضطراب. ونظيرُه حديثُ عُبادة، فإِنه روى قصة المنازعة، ثُم ذكر معها
حديث: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))، مع أنه كان حديثًا مستقلًا، وتقريرُه وتحقيقُه في مَوْضِعه
معلوم، وهكذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه في سؤال تلميذه إني أكونُ وراء الإِمام فقرأعليه: ((قسمتُ الصلاةَ
بيني وبين عبدي نِصْفين فإِنَّهم اتفقوا على أنهما حديثان)).
وبالجملةَ مَنْ يُجَرِّب تصرفات الرواة لا يستبعد ما قلنا، وبعدُ فليس في مِثْل تلك الأمور إلاَّ حُكُم الوُجْدان، وهو
القول الفَصْل عند الاختلاف، ويؤيدُه ما ذكره أبو الوليد بن رشد أن قوله ◌ٍَّ: «إذا جاء أَحَدُكم والإِمامُ يَخْطب)» ...
إلخ. أخرجه ((مسلم)) في بعض رواياته. وأكثر رواياتِه أنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَمَرِ الرَّجُلَ الدَاخِلَ أَن يَزكع، ولم يقل: إذا جاء
أحدكم)) الحديث. فينظر إلى هذا الخلاف في أنه هل تقبل زيادةُ الراوي الواحد إذا خالفه أصحابهُ عن الشيخِ الأوَّل
الذي اجتمعوا في الرواية عنه أم لا؟ اهـ. ((بداية المجتهد)).
ثم القرينةُ عليه أن النبيَّ ◌َِّ لو كان قاله في تلك القصة فَلِم أمسك الخُطبة إِذن؟ فإِنَّ سُنَّة التحية حينئذٍ أن تُؤدّى
خلال الخُطبة أيضًا، فلا حاجة إلى الإِمساك مع ثبوتِه قطعًا. فاتَّضح بِفِعْل النبي ◌ِِّ نفسه وأَمْرِهِ بالإنصات أَنَّ حال
الإِمام مع المستمعين على أَحَد هذين الوَجْهَين: إِمَّا أن يَقْطع المستَمِعُ صلاتَه أو يُمسِك الإِمامُ خُطْبتَه، ولذا لما أَمَر
النبيُّ ◌َِّ سُلَيْكًا رضي الله عنه أن يصلّي الركعتين أَمْسَك خُطبتَه. ولما كان مِن سُنَّة الإِمام يومَ الجُمعة أن يَخْطب، =

٤٤٤
كتاب الجمعة
نحو مائة موضع ونَيِّف، وكلها في الأسانيد إلا هذا الحديث فإِنه تكلم فيه في المتن. وقال: إن
أَصْلَه ((واقعة)) جعَلَه الراوي ((ضابطة)). فالصواب أنه مُدْرَج من الرَّاوي.
قلتُ: ويؤيده صنيعُ البخاريّ، فإِنه أخرجِ هذا القول مِرارًا ثُمَّ يُترجِم عليه بهذه المسألةِ مع
أنه اختارها، فلو كان القول هو الأصل عنده لأخرجه البتة لكونه صريحًا فيما ذهب إليه، لكنه لم
يُخَرِّجه في أبواب الجمعة، وتمسك به في مسألة أخرى، وهي مثنوية الصلاة مع أن لها أحاديثَ
أخرى أصرَحُ منه عنده، والذي سيق له الحديث هو الركعتان عند الخطبة. فَتَرْك التمسك منه على
مسألةٍ مذكورة صراحةً والتمسُّك على مسألةٍ ضمنيةٍ دليلٌ واضحٌ على أنه لم يثبت عنده القولُ،
ولكنه واقعةٌ كما قال الدارقطني.
وقد تحقق عندي أن من عادة البخاري أن الحديث إذا كان صحيحًا عنده في نفسه، وتكون
فيه مسألة لا يقوم هذا الحديثُ حجَةً عليه لأمرٍ سَنَح له، لا يترجم على هذا الجزء وعلى هذه
المسألة.
ثم أقول: إن السُّنَّة لو كانت جَرَت بهذا القول وإن الداخل في المسجد يصلِّي تحية
المسجد، وإن خطب الإِمام، فلم أمسك النبيُّ وَّر عن خطبته كما مرَّ عن الدارقطني، فإِذا نظرنا
إلى فِعْله ◌َغير أنه لم يكن دَخَل في الخطبة على لفظٍ مُسلم، أو دخلها ثُمّ أمسك عنها على ما
عند الدارقطني عَلِمنا شَرْعَ قولِهِ من فِعْله ◌ََّ، وهو أَنَّ المراد من قوله: ((والإِمام يخطُبُ)) أي كاد
أَمَرَ الناسَ أن يقطعوا كلامَهم وصَلاتَهم لئلا يكونَ الإِمامُ خطيبًا لمن لا يستمعون لكلامِه. وهذا ظاهرٌ وليس يدخل
=
فيما قلنا إنَّ الإمساك كان للتحريض. فإن ذلكَ أيضًا سببٌ، بل هو السبب. ولكنّي أقول: إنَّ في إباحتِه للصلاةِ
نظرًا إلى سكوته عن الخطبة أيضًا. فافهم ولا تُسرع في الردِّ والقبول. وقد سمعتُ بعضه من شيخي.
بقي القول، أي الحديث القولي فقط، فلم يخلص عن اضطراب، فإِنَّ ألفاظَه تُشعِر بأنه مأخوذٌ من ألفاظ القصة
لتقاربها من ألفاظ القصة جدًا. فإِذا كان نحو الدار قطني عَلَّله، ونحو البخاري أشار إليه، فلا أَقَلَّ من أنه يُورثُ شبهةً
في كونِه مَرْويًّا بالمعنى. والحافظ رحمه الله تعالى وإنْ أخرج له متابعًا فذلك وإنْ رَفَعَ التفرُّدَ لكن احتمال الرواية
بالمعنى قائمٌ بَعْدُ، ثم الشيخ رحمه الله تعالى عَدَل عن هذا الجواب لذلك، وذهب إلى أنهُ يروى بالشك: والإِمامُ
يخطب تارة، أو قد خرج أخرى.
وظاهرٌ أن الإِمام إذا كان في إِبَّانِ الخروج يَسَعُ له أن يأتي بالركعتين، ويتجوز فيهما.
ثُم إنك تعلم أنَّ مسائلَ الأئمة تكونُ ملائمةً ومتناسبة فيما بينهما، ولا تكون من باب الجَمْع بين الضب والنون.
فالشافعي رحمه الله تعالى لما خَفّف أَمْر الإنصات في الخطبة، خفف الاستماع في الصلاة أيضًا. وحينئذٍ ساغ أن
يوسّع بهاتين الركعتين أيضًا، بخلاف الحنفية. فإِنَّهم ضَيَّقُوا في تلك المواضع كلْها، فلا يليق لهم التوسيعُ بهما،
ولا يأتي هذا على مسائلهم، وهو الملحَظ في اختيار صفة صلاة الخوف، فإن الأحاديثَ صحَّت فيها على الوجوه
كلّها، لكنَّ الحنفية اختاروا منها ما لا يخالفُ مَوْضِعَ الإِمامة وإن احتاج إلى الحركات الكثيرة والشافعيةُ لم يبالوا
بذلك فجوزوا تَقَدُّمَ فراغ المقتدي عن إمامه. فاختاروا صفةً ناسبت مسائلهم. وهكذا صنيعُنا وصنيعُهم في مِثْل هذه
الأبواب. فليس هذا أوَّل قارورةٍ كُسرت ليتعجّب منه. ومن هذا الباب الفاتحةُ، ورَفْع اليدين في صلاة الجنازة،
فمن اختارهما في الصلاة المُطْلَقة اختارهما في صلاة الجنازة أيضًا كالشافعية ومَنْ تركهما في المُطْلقَة تركهما في
صلاة الجنازة أيضًا. فتلك سلسلةُ المسائل فتدبر وأمعن النظر فيه، والله تعالى أعلم.

٤٤٥
كتاب الجمعة
أن يخطب، ولا بِذْع في إطلاق ((خطب)) إذا كان بصدد الخُطبة ولم يبق منه غيرُها، على أن عند
مسلم - ص ٢١٧ -: ((إذا جاء أحدُكم وقد خَرَج الإمامُ)) إلخ فدل على أن الأمر فيما لم يخطب
بَعْدُ وهو بصدد أن يخطُب.
وهذا يدلك ثانيًا على أن المرادَ من قوله: ((خطب)) أي قارب الخُطبة وبلغ مَوْضِع الخُطْبة.
وفي بعض اللفظ عند البخاري ص ١٥٦ -: ((والإِمام يخطُبُ، أو قد خَرَج))، وليس فيه ((أو))
عندي للتنويع بل للشك من الراوي، فما دام لم ينفصل لفظُ النبيّ وََّ لا تُبنَى عليه المسألة.
وهو كذلك بالشك عند أبي داود أيضًا .
وقد سَلَك الطحاوي في جوابه مَسْلَكًا آخر وهو إقامة المعارضة بنحو ما رُوي في
((الصحيح)): ((أن رجلًا شَكًا إِليه القَخْط وهو يَخْطِب، فاستسقى له ولم يأمُرْه بأداء تحية
المسجد)). وكذلك جاء عنده رجل آخر يسألهُ عن حاجته، فأمره أن يَقْعُد ولم يأمُرْه بالركعتين (١).
٣٤ - بابُ رَفعِ اليَدَينِ في الخُطْبَةِ
٩٣٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ. وَعَنْ
يُونُسَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ قالَ: بَينَمَا النَّبِيُّ بَّهَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الكُرَاعُ، وَهَلَكَ الشَّاءُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا. فَمَدَّ يَدَيهِ وَدَعا. [الحديث
٩٣٢ - أطرافه في: ٩٣٣، ١٠١٣، ١٠١٤، ١٠١٥، ١٠١٦، ١٠١٧، ١٠١٨، ١٠١٩، ١٠٢١، ١٠٢٩، ١٠٣٣،
٣٥٨٢، ٦٠٩٣، ٦٣٤٢].
واعلم أنه ثبت كراهةٌ رَفْع الأيدي في الخطبة. وحَمَله العامة على أن هذا الرَّفْع كان
للتفهيم، كما شاع الآن في الخطباء والواعظين، أنهم يحرِّكُون أيديهم للتفهيم. فلعلَّه فَعَلُه بِشْرٌ
وكرهه الناس. وقالوا: إن النبيَّ ثَّه لم يكن يزيد على الإشارة بالأصابع.
قلتُ: والأرجح عندي أن تلك الإشارة كانت للدعاء للمؤمنين، فإنه مسلوك في الخُطبة
فأنكروا عليه، لأن النبيَّ نَّه لم يكن يَرْفَعُ له إلا أصبُعُه المباركة. هكذا شَرحه البيهقي، ونقله
شارح الإحياء في ((الإتحاف)).
(١) قلتُ: وقد تكلم عليها القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى في ((شرح الترمذي)) وتمسَّك للمذهب بثلاثة
وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾. الثاني: بقوله ◌َّرُ: «إذا قلتَ لصاحبك يومَ
الجمعة والإِمامُ يخطُب أنْصِت فقد لَغَوْت. الثالث: بوجه فِقْهي. ثم أجاب عن قصة سُلَيك من أربعة أوجه
الأول: بإقامة المعارضة. والثاني: بكونه يحتمل أن يكون في وقتٍ كان الكلام مباحًا فيه في الصلاة، فيكون
مباحًا في الخطبة. الثالث: وهو أقوى الوجوه عنده - أن النبيَّ ◌ََّ كَلَّم سُلَيْكًا وقال له: صلِّ، فلمَّا كَلَّمه وأمَره
سقط عنه فَرْضُ الاستماع. الرابع: أن سُلَيكًا كان ذا بذاذة فأراد أن يرى الناس حاله. هذا ملخص ما قال في
(«العارضة)) ص (٣٠٢) ج ٢ - ولم نشتغل بتفصيل هذه الأجوبة وذِكر ما فيها مخافةً الإطناب، وقد كان الشيخ
رحمه الله تعالى يَرُدُّ على بعضها، ولا أتذكرها بالتفصيل.

٤٤٦
كتاب الجمعة
قلتُ: ويؤيده ما عند مسلم - لقد رأيت بِشْرَ بن مروان يومَ الجمعة يرفعُ يديه - أي للدعاء -
وأصْرَحُ منه ما عند الترمذي ففيه: وبِشْرُ بن مروانَ يخطُبُ، فرفع يديه في الدعاء. وإنما حَمَله
النَّاسُ على تحريك الأيدي، لخمول هذا النوع. والطريق المعروف في الدعاء الآن رَفْعِ الأيدي
كلتيهما. ثُمَّ تَتَبَّعْتُ ذلك أنَّ الدعاء هل يكون بِرَفْع الأصبع؟ ففي ((الدُّر المختار)) عن ((القُنية)) في
باب صفة الصلاة: والإشارة لِعُذْرٍ كَبرد يكفي فجوِّز بالإشارة عند العذر، كأنه اختصار من رَفع
الأيدي. وفي ((البحر)): أن الدعاء على أربعة أنحاء: دعاء رَغْبة، ودعاء رَهْبة، ودعاء تَضَرّع،
ودعاء الخفية، وجعل الدعاء برفع الأصبع من الضَّرْب الأول.
((وفي البحر)) في باب الوتر عن مولى أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه كان يرفَعُ يديه في
القنوت للدعاء، وتارة يكتفي بالأصبع أيضًا. ونُسِب ذلك إلى إمامنا أيضًا. ثم إنهم لا يكتُبون أن
تلك الإشارة تكون بِظَهْر الأصبع أو ببطنها .
قلتُ: إن كانت اختصارًا من الدعاء، فالأَظْهر أنها تكونُ ببطنها. وإن كانت للتفهيم وغيره
فهو مُخيّرٌ فيه إن شاء فَعَل بالّهر أو بالبَظْن.
قوله: (فَمَدَّ يَدَيْه ودَعًا) وهذا كان كهيئةِ الدعاء المعروف.
٣٥ - بابُ الاسْتِسْقَاءِ في الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ
٩٣٣ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قالَ: حَدَّثَنَا أبو الوَلِيد قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو قالَ:
حَدَّثَني إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ قالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ
عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَّةِ، فَبَيْنَا النَّبِيُّ ◌َِّ يَخْطُبُ فِي يَوْمَ جُمُّعَةٍ، قَامَ أَغْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، هَلَكَ الَمِّالُ وَجاعَ العِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفِعَ يَدَيهِ، وَما نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً،
فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، ما وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِل عَنْ مِنْبَرِهِ
حَتَّى رَأَيتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَهِ، فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذلِكَ، وَمِنَ الغَدِ وَبَعْدَ الغَدِ،
والَّذِي يَلِيهِ، حَتَّى الجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَقَامَ ذلِكَ الأَغْرَابِيُّ، أَوْ قالَ غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، تَهَدَّمَ البِنَاءُ وَغَرِقَ المَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيِهِ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا)).
فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلَّا انْفَرَجَتْ، وَصَارَتِ المَدِينَةُ مِثْلَ الجَوْبَةِ، وَسَالَ
الوَادِي قَنَاةُ شَهْرًا، وَلَمْ يَجِىءُ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّ حَدَّثَ بِالجَوْدِ. [طرفه في: ٩٣٢].
وهو ثلاثة أقسام: الدعاءُ له بعمد الصلواتِ الخَمْس، وفي الأوقات سوى الخَمْس،
والصلاة له. واختلفوا في النوع الأخير.
قوله: (الكُرَاعِ) يُطلق على كلِّ ذات قوائم أربع ولا سيما الخيول.
٩٣٣ - قوله: (جَوْد) هو المطر الذي تكون قطراتُه كبيرة. وفي ((فتح الباري)) أنه قال بعد ما
مطرت السحاب: ((لو كان أبو طالب حيًا لقرَّت عيناه، فإنه كان يُستسقى بوجهه في زمن صِبَاهُ.
وفيه قال :

٤٤٧
كتاب الجمعة
وأبيضُ يُسْتَسْقَى الغمامُ بِوَجْهِهِ ثمال اليتامى عِصْمَةٌ للأَرَامِلِ
فقال النبيُّ نَّه: ((مَنْ ينشدنا قصيدته هذه؟ فقام عليٍّ رضي الله عنه من ساعته، لأن أبا
طالب كان أباه فجعل ينشد له بيتًا فبيتًا)). فَلما عَلِمْت من إعجاب النبيِ وَّرُ قصيدتُهُ ونَعْتُه
بالاستسقاء. نظمت فيه قصيدةٌ أيضًا بالفارسية وَوَصَفَته فيها بذلك، وأوَّلُهَا :
باران صفت وبحر سمت ابر مطيري
اي آنكه همه رحمت مهداة قديري
... إلخ الأبيات.
قوله: (اللهم حَوَالَيَنَا وَلَا عَلَيْنَا) قال الطّيبي: إنَّ الواو ههنا للتعليل كما في قولهم: تجوعُ
الحُرَّةُ ولا تَأْكُلُ بثدييها .
٣٦ - بابُ الإِنْصَاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمامُ يَخْطُبُ
وَإِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ: أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَا. وَقَالَ سَلَمَانُ عَنِ النَّبِيِّنَّه: ((يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ
الإِمامُ)).
٩٣٤ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرِ قالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلِ، عنِ ابْنِ شِهَابِ قالَ:
أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وََّ قَالَ: ((إِذَا قُلتَ
لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، وَالإِمامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ)).
قوله: (فَقَدْ لَغَا) وهو على اللغة، أي اشتغل بما لا يعنيه، فإنه كان تكفيه الإشارة. وقد مرَّ
عن الشيخ ابن الهمام رحمه الله تعالى أنه يجوز للإمام عند الحاجة دون القوم. وفيه حكاية عن
المثنوي: «صلى ثلاثةُ رجالٍ وكانوا حمقاءَ، فَتَكَلَّم أحدُهم في الصلاة. فقال له الآخَرُ وهو
يصلِّي: إنَّ الكلامَ في الصلاةِ مُفْسِدٌ)). فقال الثالث: فَشُكرًا لله حيثُ لم أتكلم)).
٣٧ - بابُ السَّاعَةِ الَّتي في يَوْمِ الجُمُعَةِ
٩٣٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِنَّهَ ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: ((فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُّسْلِمٌ،
وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا، إِلَّا أَغْطَاهُ إِيَّاهُ))، وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلْلُهَا. [الحديث ٩٣٥
- طرفاه في: ٥٢٩٤، ٦٤٠٠].
واختلفوا في تعيينِها، وبقائها، ورَفْعها على عدة أقوال ذكرها الحافظ رحمه الله في
((الفتح))، ولا نطوّل الكلام بذكرها: فذهب أحمد وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى إلى أنها بَعْد
العصر. قال أحمد: وأكثرُ الأحاديث إلى أنها بعد العصر. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: إنَّها
من الخُطبة إلى الصلاة. واحتج بحديث أبي موسى الأشعري. وعَلَّلَهُ أحمد رحمه الله تعالى
وأشار إليه البخاري أيضًا. وعَدَّها الشاه وَلِيُّ الله رحمه الله تعالى من ساعات الإجابة في هذا
اليوم، وإن كانت الموعودة هي ما بعد العصر، وهو جَمْع حَسَنٌ.

٤٤٨
كتاب الجمعة
قلتُ: والظاهر أنها بعد العصر والموعودة هي هي، وفيها خُلِق آدم عليه السلام. وفي
الأحاديث في فَضْل الجمعة أنه خُلِقٍ فيها آدمُ. ولما كان الفَضْلُ فيها من جهة خَلْق آدم عليه
السلام، ناسب أن تكون تلك الساعةُ هي ساعةً خَلْقِهِ فإن قيل: لما كانت تلك الساعةُ لأجل يوم
الجمعة، والبركةُ فيها من جهة الصلاة، فينبغي أن تكون متقدمةً عليها أو معها، لا بعدها. فإن
المقصود مُتأخّر .
قلتُ: بل هي كالوقوفِ تُقَدَّم على طواف الزيارة، مع أن المقصود هو هذا الطواف. وعند
أبي داود: ((أن ابتغوا تلك الساعةَ في آخِر ساعاتِ العصر)). وحَسَّنه المُنْذري، وعلَّله الحافظ
رحمه الله تعالى. وَقَدْ أَجَبْتُ عنه. وفيها مذاكرة بين عبد الله بن سَلام وأبي هريرة رضي الله
تعالى عنهما ذكَرَها الترمذي وابن ماجه. وفيها قال عبد الله بن سَلَام: هي بعد العصر إلى أن
تَغْرُبَ الشَّمْسُ. فقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: ((فكيف تكون بعد العَصْرِ وقد قال
رسول الله ◌َّهُ: لا يوافِقُها عبدٌ مُسلم وهو يصلِّي، وتلك الساعةُ لا يُصلَّى فيها؟ فقال عبدُ الله بن
سلام: ((أليس قد قال رسول الله وَّهُ: ((مَنْ جَلَس مجلِسًا ينتظرُ الصلاةَ فهو في الصلاة)). قال:
بلى. قال: ((فهو ذاك))(١) .
وعُلم منه أن عبدَ الله بن سلام أجابه بنوع تأويل، وحَمَل قوله: ((وهو يُصَلِّي)) على انتظار
الصلاة، فإن الصلاةُ حُكْمًا. ويُتَوهَّم من ابن ماجه أن هذا التفسير مرفوعٌ، والصواب أنَّه مُذْرج،
فلا تَغْفُل وقد تنخَّيت عنه. وعندي معنى قوله: ((وهو قائم يُصلِّي)) وهو ثابتُ القدم في صلاته
حيث يداومُ ويحافظ عليها. فذلك الوَعْدُ لِمَنْ كان يصلِّي الصلاة والجُمُعات، ويقومُ بِحَقِّها لا
لِمَنْ تغافَل عنها وجعلها وراءَ ظهره، حتى إذا حضرتِ الجمعةُ وأدركَ تلك الساعةَ طَمِع في أن
يَحْصُل له ذلك الأَجْرُ. ثُمَّ رأيتُ نحوه عن كَعْب الأحبار عند ((شارح الإحياء)) وفي التوراة أن
تلك الساعةَ بعد العَصْر. وهو الصَّواب عندي.
٩٣٥ - قوله: (وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا). ولذا قلتُ: إن حديثَ أبي داود يَدُلُّ على التأخير
الشديد في صلاةِ العَصْر.
٣٨ - بابٌ إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنِ الإِمامِ
في صَلَّةِ الجُمُعَةِ، فَصَلَةُ الإِمامِ وَمَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ
٩٣٦ - حدّثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرِو قالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُصَينٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي
الجَعْدِ قالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: بَينَما نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّوَلَه، إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ
تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالتَفَتُوا إِلَيهَا حَتَّى ما بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ وَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ هذهِ
الآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَمْوَّا أَنفَضُوْاْ إِلَيْهَا وَتَرَّكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]. [الحديث ٩٣٦ - أطرافه
في: ٢٠٥٨، ٢٠٦٤، ٤٨٩٩].
(١) قلتُ: وهذا يفيدُنا في الأوقاتِ المكروهة حيث قال أبو هريرة رضي الله عنه: وتلك الساعةُ لا يُصلَّى فيها.

٤٤٩
كتاب الجمعة
ولا تَصِح الجمعةُ عند الشافعي رحمه الله تعالى إلا إذا كان القومُ أربعين رجلا. وعندنا
تَنْعَقِدُ الجمعة بأربعةٍ مع الإِمام. وفي رواية: بثلاثة، فإن نفروا بعد التحريمة فهل يتم ظهرًا أو
جمعة؟ راجِعْهُ في الفقه.
قوله: (﴿وَتَرَكُوكَ قَيِمًا﴾﴾ [الجمعة: ١١] فإن قلت: كيف وهم أتقى الناسِ في الأَرَضِين
وأزهدُهم بعد الأنبياء والمرسلين؟ قلتُ: والجواب كما في ((التوشيح)) للسيوطي(١): أن الخُطبة
في الجمعة كانت على شاكلة العيدين بعد الصلاة، ثم قدِّمت عليها. فلعلهم حَمَلوا استماعَها
على الاستحباب، وظَنُّوه كسائر الخُطَبِ، ولم يَرَوْهُ عزيمةً عليهم، ولا سيما إذا كان عند
النَّسائي: أنَّ النبيَّ ◌ٍَّ كان ينادي بعد العيدين أَنْ: ((مَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَمْكُثَ فَلْيَمْكُثِ، وَمَنْ شاء
أن يذهبَ فليذهب)). وتَرَدَّد فيه الحفاظُ فَدَلَّ على التوسيع في خطبة العيدين. وفي ((الدرِّ
المختار)). أن استماع جميع الخطب واجب.
قلتُ: ولا يناسِبُ هذا التوسيع، بل ينبغي أن يُفَصَّل في الأمر. أما قوله في البخاري:
((ونحن نصلِّي))، فهو على نحو تجوُّز من تعبيرِ سِلسلةِ الشيء بالشيء نفسه، فأطلق الصلاة على
ما بقي من متعَلَّقات الصلاة. وهذا كما أنك تقول: اذهب للصلاة، مع أن الإمام لَمَّا يَخْطُب
بعد. وذلك لأنك تَعُد الخُطْبَةَ والصلاةَ والدعاءَ كلَّها صلاةً لكونِها في سلسلةِ تسميةٍ للمجموع
باسم العُمدة فيه. فلما كانت الصلاةُ هي المقصودةَ، والخطبةُ قبلها والدعاءُ بعدها من متعَلَّقَاتِهَا،
عَبَّروا عن المجموع بالصلاة. ولا يقولُ من أَهْلِ العُرْف واحدٌ منهم إنه يذهبُ للخُطبة. ثم
للصلاة. ثم للدعاء مَثَلًا، ولكنهم يعبِّرُون بالصلاة. فهذا هو الوجه في تصحيح ذلك المقال،
فدع عنك القيل والقال.
قوله: (﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَمْوَا أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا﴾﴾ [الجمعة: ١١] وإنما سُمِّي لهوًا عتابًا. قالوا:
ومِنْ هؤلاء الاثني عَشَر العشرةُ المُبِشَّرَةُ.
فائدة :
قال شيخنا مولانا شيخ الهند: إنَّ الكلام كُلَّما صدر من عظيم ازداد تَطَرّقًا للمجاز. قلتُ:
بل كلامُ كلِّ عظيم يحتوي على علوم كثيرة، ولذا تجِدُ الفَرْق بين القرآن والحديث. فكلامُ
العظيم أَشْمَلُ، وكَلامُ الأوساط أَصْرَحٌ، لأن كلامَهم يكون منسلِخًا من علوم عديدة. فينزل إلى
الصَّراحة لا محالة. ولذا ترى الناس يتناولون تصانيف الأَقْرَبَ فالأَقْربِ بزمانهم، لأنه يكون
أَشْبَهَ بذوقهم. ولذا أقول: إن مرادَ اللفظ لا يتعيَّنُ إلا بالتعامل، فإنه يَخْلُص به المرادُ، ويتميز
(١) قلتُ: ولعل الصواب تفسيرُ ((الاتقان))، ولكنَّ الكتابين لم يكونا عندي حين تسويد هذه الأوراق فدونك نَقْله من
تفسير ((الجواهر الحسان)) حيث قال: وفي ((مراسيل)) أبي داود ذكّر السبب الذي من أجله ترخصوا، فقال: إنَّ
الخطبةَ يومَ الجمعة كانت بعد الصلاة، فتأولوا رضي الله تعالى عنهم أنهم قد قضوا ما عليهم فَحُوِّلت الخطبة بعد
ذلك قبل الصلاة. فهذا الحديث وإِن كان مُرْسلًا فالظن الجميلُ بأصحاب النبيِّ وََّ يُوجِب أن يكون صحيحًا،
والله تعالى أعلم ا هـ.

٤٥٠
كتاب الجمعة
المقصودُ عن غيره، بخلاف اللفظ، فإنَّه وإن صُرِّح لكنه لا تنقطع عنه احتمالاتُ المجاز وغيره.
وقد بلوتهم أنهم يسَوُّون القواعد للنقيضين، فأي رجاءٍ منها بعده، فإذا رأى أحدُهم حديثًا ضعيفًا
وافق مذهبهُ يُسَوِّي له ضابطةً، ويقول: إن الضعيف يَنْجَبِرِ بِتَعدُّد الطرق. وإن رأى حديثًا صحيحًا
خالف مذهبه يُسوِّي له ضابطةً أيضًا، ويقول: إنه شاذّ، وهكذا جَرَّبْتُهم في مواضعَ يفعلون
كذلك، فيجعلون القواعد حَسَب مرادهم من الطرفين. لا أريدُ به هَذْر هذا الباب، بل إن الطرد
لا يليقُ به إذا اتضح ثورٌ من حِراء، وأين البيان بعد العيان؟
٣٩ - بابُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الجُمْعَةِ وَقَبْلَهَا
٩٣٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وََّكَانَ يُصَلِّي: قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَينٍ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتِّينٍ، وَبَعْدَ المَغْرِبِ
رَكْعَتَينٍ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ العِشَاءِ رَكْعَتَينٍ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي
رَكْعَتَينٍ. [الحديث ٩٣٧ - أطرافه في: ١١٦٥، ١١٧٢، ١١٨٠].
قيل: إنه يشيرُ أنه ليس فيه حديثٌ عنده، ولذا أخرج حديث الظهر. وقيل: بل يشيرُ إلى
القياس على الظهر، فالسُّنن قبل الجمعة مِثْلُها قبل الظهر. أما السُّنن البَعْدية فقد ثَبَت الحديثُ
فيها عند مسلم. وأما القبلية فقال ابن تيمية: إنه لم تثبت فيه سُنَّةٌ مستقلة، بل كان الأمر فيها
عندهم على الإِطلاق بِحِسَب سعة الوقت، فكم شاؤوا صَلُّوا .
قلتُ: ولو صَحَّ لفظ ابن ماجه: ((قبل أن تجيء)) المار آنفًا لَصَلَح حجةً للقبلية أيضًا.
واحتج به الحافظ الزَّيلعي رحمه الله تعالى للقَبْلية كما مَرَّ، ولها رواية عند الزَّبِيدي في «شَرْح
الإحياء)) أيضًا. ثم الأَرجح عندي في البَعْدية أن يقدم الشَّفْع على الأربع كما ثبت عن ابن عمر
رضي الله عنه. وثبت في أحاديث الأَرْبع والركعتان أيضًا .
٤٠ - بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ
فَأَنتَشِرُواْ فِى الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]
٩٣٨ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أَبي مَرْيَمَ قالَ: حدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حازِمٍ عَنْ
سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ تَجْعَلُ عَلَى أَرْبِعَاءَ فِي مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلقًا، فَكَانَتَّ إِذَا
كانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ، تَنْزِعُ أُصُولَ السِّلقِ فَتَجْعَلُهُ في قِذَرٍ، ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ
تَطْحَنُهَا، فَتَكُونُ أُصولُ السِّلقِ عَرْقَهُ، وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الجُمُعَةِ فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَرِّبُ
ذلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا فَتَلْعَقُهُ، وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذلِكَ. [الحديث ٩٣٨ - أطرافه في:
٩٣٩، ٩٤١، ٢٣٤٩، ٥٤٠٣، ٦٢٤٨، ٦٢٧٩].
٩٣٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبي حازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ
بِهذا، وَقالَ: ما كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّ بَعْدَ الجُمُعَةِ. [طرفه في: ٩٣٨].

٤٥١
كتاب الجمعة
٤١ - بابُ القَائِلَةِ بَعْدَ الجُمُعَةِ
٩٤٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ الشَّيبَانِيُّ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيدٍ
قالَ: سَمِعْتُ أَنَسّا يَقُولُ: كُنَّا نُبَكِّرُ إِلَى الجُمُعَةِ، ثُمَّ نَقِيلُ. [طرفه في: ٩٠٥].
٩٤١ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حازِمٍ، عَنْ
سَهْلِ قالَ: كُنَّا نُصَلِّ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ الجُمُعَةَ، ثُمَّ تَكُونُ القَائِلَةُ.
أَمْرٌ بعد الحَظْر فلا يفيد إلا الإباحة. وهكذا فليس عليه قوله: ((لا تَفْعَلوا إلَّا بِأُمِّ القرآنِ»
فلا يفيد الاستثناء غير الإباحة.
٩٣٨ - قوله: (على أَرْبِعَاءَ في مَزْرَعَةٍ) وكانت تلك المزرعةُ تُسْقى من بئر بُضَاعة كما عند
البخاري في: باب تسليم الرجال على النساءِ والنساء على الرِّجال، عن سَهْل قال: ((كنا نَفْرَحُ
بيوم الجمعة .
قلتُ: ولِمَ قال: كانت عجوز لنا تُرْسِل إلى بُضَاعة ... إلخ، وليس التصريحُ به إلّ في
هذا الموضع. نَّبَّه عليه الياقوتُ الحَمَوي في ((مُعْجَم البلدان)» ولم ينبه عليه غيره. وهذا هو مراد
الطحاوي بكونه جاريًا في البساتين، أي كانت المزارعُ تُسقى منها فلم يكن الماءُ يستقر فيها،
وكان الماء ينبع فيها من التحت، ويخرج من الفَوْق وهو أيضًا نوعٌ من الجريان. والناس لَمَّا لَمْ
يُدْرِكُوا مرادَه طَعَنوا فيه .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
١٢ - كِتَابُ الخَوْفِ
١ - بابُ صَلَاَةِ الخَوْفِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِ اٌلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَن نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمُ
أَنْ يَفْئِنَّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُوْ لَكُمْ عَدُوًّا غُِّنًا ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ
فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمّ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآَبِكُمْ وَلْنَأْتِ طَآَيِفَةُ
أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَيُصَلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ
أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّن مَّطَرٍ
أَوْ كُنْتُم مَرْضَى أَنْ تَضَعُوْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِينَ عَذَابًا مُهِينًا
[النساء: ١٠١ - ١٠٢].
٩٤٢ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قالَ: سَأَلتُهُ: هَل صَلَّى
النَّبِيُّ ◌ََّ؟ - يَعْنِي صَلَاةَ الخَوْفِ - قالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمَّ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا قالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَ﴿ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا العَدُوَّ، فَصَافَفْنَا لَهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ
اللَّهِ وَيَ يُصَلِّي لَنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى العَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسُولُ
اللَّهِ وَّهِ بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَينِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاؤُوا فَرَكَعَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَ بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَّ سَجْدَتَينٍ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ
رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَينٍ. [الحديث ٩٤٢ - أطرافه في: ٩٤٣، ٤١٣٢، ٤١٣٣، ٤٥٣٥].
فيها فوائد :
الفائدة الأولى: في تحقيق صفات تلك الصلاة، وتَنْقيحها، وترجِيح بعضِها على بعضٍ من
حيثُ التَّفَقُّه: فاعلم أنه قد ثبت فيها صفاتٌ عديدة سردَها أبو داود والنَّسائي، وكلها تؤول إلى
ستةٍ كما نقحها ابن القيم في ((زاد المعاد)) وقال: إنَّ النَّاس حمَلوا الأحاديث فيها على صفاتٍ
مستقلة مع كون أكثرِها من اختلاف الرواةِ. ونَقَل عن أحمد رحمه الله تعالى أن تلك الأحاديثَ
الستةَ كُلَّهَا صِحاح.
قلتُ: إن الصفاتِ كُلَّها جائزةٌ عند الكلّ، كما صرَّح به القُدوري في ((التجريد)»(١)، وعلي
(١) و((التجريد)) في ستة مجلدات صفّها القُدُوري وهو من القرن الرابع من مُعَاصري أبي حامد، وقد أُقَرَّ بجلالةٍ قَدْرِه=
٤٥٢

٤٥٣
كتاب الخوف
القاري، وصاحب ((الكنز)) في المُسْتَصفى، وكذلك في عبارة الكَرْخِي، و((مراقي الفلاح)). فلا
يُؤخذ بما في ((فتح القدير))، ففيه إيهامٌ شديدٌ بعدَم جواز الصِّفات غير ما اختارها أصحابُ
المتون، وكذا إيهامٌ فِي ((فتح الباري)) من ((المغازي). والصَّواب أنها جائزةٌ كلُّها عند الكلِّ.
كيف وقد صَحَّت الأَحاديثُ في كلها، فلا سبيلٍ إلَّا بالتزام الجواز. نعم يجري الكلام في
الترجيح. فالصِّفَةُ المشهورة في متون الحنفية: أنَّ الإمامُ يُصلِّي بالطائفة الأُولى ركعةٌ، وتذهبُ
تلك وِجَاه العَدُو، وتجيء الطائفةُ التي لم تصلِّ بِعدُ وتصلِّي خَلْفُه ركعةً. ثُمَّ يُسلِّم الإمامُ وتمضي
هذه وِجاه العَدُو، وترجِعُ الأُولى وتركع ركعةٌ أُخرى، كالمسبوق وتُسَلّم، وتذهب إلى مكانٍ
الطائفة الثانية. وتجيءُ تلك وتُتِمُّ صلاتَها كاللاحق، وتركع ركعةً ثُمَّ تُسَلِّم. هذه صفتُها في عامّة
متوننا، وهي أحسن الصفات باعتبار بقاء ترتيبِ الصلاة. ففيها فراغُ الإِمام قبل المُقْتدي دون
العكس، وفيها فراغُ الطائفة الأولى أولًا والثانيةِ ثانيًا كما يقتضيه الترتيب، إلّا أنَّ فيها قُصورًا
أيضًا، وهو كَثْرَةُ الإياب والذهاب، وهذا مَشْيٌّ في الصلاة دونَ الصلاةِ مَاشِيًا، فإن الصلاة ماشيًا
لا تجوز عندنا .
ولنا صفةٌ أخرى في الشروح، وليس فيها ذلك المحذور، وهي: أن الطائفة الثانية بعدما
صلَّت ركعةً مع الإمام تُتِمَّ صلاتَها في مكانها وتُسَلِّمُ، ثُمَّ ترجِع الأُولى وتُتِم صلاتَها، فَقَلَّ فيها
المشيُّ أيضًا وإن لزِم فراغُ الثانية قبل الأولى.
أما الشافعية فاختاروا أن الإمام يصلّي بطائفةٍ ركعةً، ثم يقوم الإِمامٍ ويُتِمُّون هؤلاء لأنفسِهم
ويذهبون إلى العدو، وينتظرُ الإمام الطائفةَ الأخرى حتى إذا جاءت صلَّى بهم ركعةً، ويسلِّم.
وتقومُ تلك الطائفةُ وتُتِم لأنفسِهم. وقال المالكية: إن الإمام بعد الركعةِ الأخرى ينتظرُ القومَ في
القعدة، حتى إذا أدركوه في القَعدة يُسَلِّم بهم.
وهذه الصفة وإن كانت أحسنَ بحسبٍ قِلَّة المشي لكن فيها قَلْبُ موضوع الإمامة، فإنَّ
الطائفةَ الأُولى فَرَغت قبل الإِمام، وفيها أنَ الإمام ينتظرُ للطائفة الثانية، وللتسليم أيضًا عند
المالكية، وإذا أشدُّ على الحنفية من كَثْرة المشي، ولعلَّ الشافعية رحمهم الله تعالى رَجَحوها
لضعف رابطة القدوة عندهم، فلم يَرَوا في ذلك الاختلال بأسًا، وهي قويةٌ عندنا فرأينا كَثْرَةً
المشي أهونَ.
الفائدة الثانية: في النظر في الآية، وما يترشح منها من صفة الصلاة، وذِكْر بعض
الاعتبارات المناسبة: قد تكلموا في الآية، هل تثبت منها صفةُ صلاتِنا أم صفةٌ صلاتِهم؟ فتكلم
من الشافعية البيضاويُّ، ومن الحنفية صاحبُ ((المدارك))، والشيخُ الآلوسي، وهذا الشيخ قابل
((مقامات الحريري)) بكتاب سمَّاه ((المقامات الخيالية)) لكنه لم يُطبع. والذي عندي أن الآية لا
المحدّثون، حتى إِنَّ الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى أيضًا يعتمد على نقله. وقد ذكر في شأن أبي محمد
=
الإسفراييني الشافعي أنه من الكبار، ولولا ذلك لما أثنى عليه القُدوري، فدلَّ على كونِ القدوري أكبرَ في عينيه
أيضًا، كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز.

٤٥٤
كتاب الخوف
توافِقُ واحدًا منهما بتمامه، بل سَلَكَت مسلك الإِجمال في موضع التفصيل.
وأكبر ظني أن القرآن أَجْمَل فيه قصدًا ليتوسَّعَ الأَمْرُ، ولو صرَّح لَتَعَيِّنَتْ تلك الصِّفَةُ، فقال:
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ﴾ [النساء: ١٠٢] نُسِبَ إلى أبي يوسف رحمه الله تعالى أن
صلاةَ الخوف كانت مخصوصةً بِعَهْد النبيِّ ◌َِّ، لأنها شُرِعت حال كونه فيهم. وأما بعدَه فلا
حاجةَ إليها فَتُصَلِّي هذه الطائفة خَلْفَ إمام، وتلك الطائفة خلفَ إمام آخرَ على الصفة المعهودة،
بخلافه سية، فإنَّ كلّ منهم كان يتنافس أن يصلِّي خلفه، فاحتيج إلىّصلاةِ الخوف.
ولا دليلَ عليه عندي. فلعلَّهُ مسامحةٌ في النقل عنه، وذكر فيه صفة الركعةِ الواحدة وسكتَ
عن حال الركعة الثانية، وكانت هي مَوْضِع الانفصال. ثم إنَّه عَبَّر عن صلاةِ الطائفةِ الأولى
بالسجدة فقال: ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَابِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] ... إلخ فتبادر منه أنهم بَعْد
الركعة تَحَوَّلُوا إلى وِجَاه العدو ولم يُتِموا لأَنْفُسِهم بَعْدُ. ولو أتموها لأُطلق عليها الصلاة،
فإطلاقُ السجدةِ على صلاتِهم يؤيدُ الحنفيةَ، لأنه يَدُلُّ على عدم تمامية صلاتهم بعد، بخلافها
على مذهب الشافعية، فإنهم يقولون: إن هؤلاء يذهبون إلى العدو بعد تمامية صلاتهم وحينئذٍ كان
الأولى أن يقال فإذا صلوا ثُمَّ إذا بدأ ذِكْر الطائفة الثانية قال: ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةُ أُخْرَى لَمْ
يُصَلُواْ﴾ [النساء: ١٠٢] أي لم يدخلوا معك في التحريمة: ﴿فَلَيُصَلُواْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] فَعَبَّر عن
ركعتها بالصلاة. فتبادَر منه أنهم أتمُّوا صلاتَهم في ذلك المكان. وهذا أقرب إلى الشافعية، فإنَّ
الطائفة الثانية عندهم لا تَرْجع حتى تُتِمَّ صلاتها، ومِنْ ههنا قام البحث:
فقال الحنفية: إن المراد من قوله: ﴿فَلْيُصَلُواْ﴾ فليسجدوا بقرينةٍ: ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾. وقال
الشافعية: المراد مِنْ قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾ فإذا صلوا بقرينة قوله: ﴿فَلْيُصَلُواْ﴾.
والحاصل: أن لفظ السجدة في الطائفة الأولى أَقْرَبُ إلى الحنفية، ولفظ الصلاة في
الطائفة الثانية أقربُ إليهم. نعم لو ذهبنا إلى الصِّفة التي في الشروح لانطبقت الآية على مذهبنا
بجزئيها. فإنَّ الطائفة الأُولى ترجع بعد ركعة، وتجيء الطائفةُ الأخرى وتُتِمُّ صلاتَها أولًا، ثم
ترجع وهذه الصفة بعينها في الآية. ثم أقول من جانب الحنفية على صفة المتون: إن نكتةً
التعبيرِ لركعة الطائفة الثانية بالصلاة مع أن المرادَ منها هي الركعة، تُرِكَ، فإذا تركه على السجدة
فلو أخذ في السجدة ولم يغير التعبير لدل على اتحاد السلسلة، وأن الطائفة الثانية تأخذ من
حيث إنه لو قال: ((ولتأتِ طائفةٌ أُخْرَى لم يُصَلّوا فليسجُدُوا معك)) لتُوُهِّم منه شروعُ الطائفةِ الثانية
من حيثُ تَرْكها الأُولى، وهي السجدة، وإن لها هي تلك الركعة فقط، فعبَّر بالصلاةِ تنبيهًا على
أن عليهم الصلاةَ تامةً، كالمسبوق. وذلك لما قاله سيبويه: إن الفاء للسَّرْد، والواو للجمع.
ومعنى السَّرْدِ أنها تجعلُ الشيءَ في سلسلةٍ واحدةٍ. فالمجيءُ في قولك: جاءني زيدٌ فعمرٌو
مجيءٌ واحدٌ، تَعَلَّق أولًا بزيد، ثم بعمرو، لدلالة الفاء على عدم نقضٍ سلسلة المجيء. بخلافه
في قولك: جاءني زيدٌ وعَمْروٌ فإنهما مجيئانِ مجيءُ زيدٍ ومجيءُ عمرو. ولا دِلالة لها على كَوْن
المجيء في سلسلةٍ أو في سلسلتين وحينئذٍ لو قال: ﴿فليسجُدُوا﴾ لدلت الفاء على اتحاد سلسلةٍ
سجدة الطائفة الأولى بسجدة الطائفة الثانية، لأن الكلام المليح أن يُفْتح من حيثُ ترك فإذا تركه

٤٥٥
كتاب الخوف
على السجدة فلو أخذ من السجدة ولم يغير التعبير لدل على اتحاد السلسلة وأن الطائفة الثانية
تأخذ من حيث تَركها الأُولى، مع أن المقصود صلاتُها برأسِها مستقلةٌ. فإذا عُلِم أن الصلاة على
الطائفة الثانية تامّةٌ، يُعلم حالُ الأولى بالمقايسة، وإن عَبَّر عن صلاتها بالسجدةُ ) . على أن
تعبيرَ ركعتهم بالصلاة ليس نظرًا إلى حالهم، بل إلى حال إمَامِهِمْ، وصلاتُهُ قد تمت عَلى ذلك،
وهؤلاء قد صلّوا بصلاته، فعبّر عن ركعتهم بالصلاة لذلك، ولا سيما على نظر الحنفية فإن صلاة
الجماعة عندهم صلاةٌ واحدة بالعدد، وهي صلاة الإمام، وهي في حَقِّه فعله، وفي حق
المأمومين مفعول به كما علمت تحقيقه. وتلك اعتبارات متناسبة تجري في كلام البلغاء، يذوقها
من كانت قريحتُهُ ارتاضت بمثلها .
قوله: (﴿وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ﴾﴾ [النساء: ١٠٢] قلتُ: وزِيدَ لَفْظُ ((الحِذْر)) عند ذِكْر الطائفة
الثانية، لأنهم آئبون من وِجاه العدو مُذْبِرين، فخِيف عليهم أن يَهْجُمُوا عليهم، بخلاف الطائفة
الأُولى (٢) .
قوله: (﴿وَلَا جُنَاحَ عليكم إنْ كان بكم أذىَّ مِنْ مطرٍ أو كُنْتُمْ مَرْضَى﴾﴾ [النساء: ١٠٢] - يثقل
علیکم حمله ۔.
قوله: (﴿أَنْ تَضَعُوْ أَسْلِحَتَكُمْ﴾﴾ [النساء: ١٠٢] ولكن ﴿خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وَلَمَّا
أَخَذَ القرآنُ المطرَ والمرضَ عذرًا في مواضعَ، اعتبره الشافعي رحمه الله تعالى عذرًا في
مواضعَ، كالجَمْع بين الصلاة عندهم.
الفائدة الثالثة: فيما يُستفاد منها في ركعات الصلاة. والظاهر من القرآن أن للإِمام
ركعتين، وللقوم ركعةً ركعةً، كما ذهب إليه بعضُ السلف أيضًا وإن لم يذهب إليه من الفقهاءِ
الأربعةِ أَحَدٌ. وهو مذهبُ جمهور السَّلَف.
وقال الجمهور: إنَّه اكتفَى بِذِكْر ركعةٍ للقوم، لأن الأُخرى ليست لهم مع الإِمام، وإنما
يصلُونها لأنفسهم، والقرآن بصدَدِ ذِكْر صلاة الإِمام والمأموم كيف صفتها، وقد ذهب بعضُ
السلف إلى الاجتزاء بالتكبير فقط إِنْ تعذرت الصلاة. وأخذت منه أن التكبيرَ والأذكار رُوْحُ
العبادة، فإذا تَعَذَّرت عادت إلى الأصل، ويمكن أن يكون التكبيرُ عندهم كالتَّشَبُّهِ بالمصلين عندنا
حرمةً للوقت، ولا صلاةَ عندنا في حال المُسَايفة، فإذا تَعَذَّرَتْ تَأَخَّرَتْ.
الفائدة الرابعة: في التنبيه على أنَّ القرآنَ لم يتعرضْ إلى بيانِ صفة الصلاة في غيرها:
(١) يقول العبد الضعيف: ولو قال: ﴿فليسجدوا﴾ لم يناسب قرينةَ ﴿لَمْ يُصَلُّواْ﴾ وكان حَقُّ الكلامِ حينئذٍ و «لتأتِ طائفةٌ
أُخرى لم يَسْجُدوا فليسجدوا)) ولكنه قال: ﴿لَمْ يُعَلُّواْ﴾ فناسب أن يقول: ﴿فَلْيُصَلُّوا﴾.
(٢) يقول العبد الضعيف: قال المَهَائمي حِذْرهم، أي تيقظهم، إنما زيد لفظُ الحِذْر، لأن العدو يتوهمون في الأُولى
كونَ المسلمين قائمين في نحورهم، فإذا قاموا إلى الثانية ظهر لهم أنهم في الصلاة، فاحتاج المسلمون إلى أَخْذِ
الحِذْر لئلا يَهْجُمُوا عليهم.

٤٥٦
كتاب الخوف
واعلم أن القرآن لم يتعرض إلى بيان صفةٍ صلاةٍ من الصلوات إلا صلاةَ الخوف، فقد تعرَّضَ
إلى بيان صفتها شيئًا. وأما سائر الصلوات فاكتفى بِذِكْر أجزائها فقال: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
[البقرة: ٢٣٨]، وقال: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ [الحج: ٧٧] وقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ مُطُلُوع
الشَّمْسِ وَقْلَ﴾ [طه: ١٣٠] وقال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَّرْبِلًا﴾ [المزمل: ٤] وقال: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ
مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
فذكرَ القيامَ والركوعَ، والسجودَ، والقراءة، والتسبيح، ولم يذكر لها صفةً. ولَعلَّك عَلِمت
أني لا أقول بالمجاز في تلك الآيات: من إطلاق الجُزْء على الكلّ، ولا أقولُ إن المرادَ من
الركوع هو الصلاة مثلًا، بل المرادُ من الركوع هو الركوعُ نَفْسُه. لكن ما يتحققُ منه في ضِمن
الصلاة، فالمأمورُ به هو هذه الأجزاءُ في ضمن الصلاة. وفائدة ذِكْرِهَا كذلك التنبيهُ على أهمِّ
أجزاء الصلاة .
الفائدة الخامسة: في بيان أنها نزلت في قَصْر العدد أو في الصفة: واعلم أنهم أطالوا
الكلام في تحقيق أنها نزلت في قَصْر العدد أو الصفة؟ أعني بِقَصْر العدد قَصْرَ الركعات، وهو
في السَّفَر، وبِقَصْر الصفة قَصْرَ الجماعة، وهو في صلاة الخوف. وذلك لِعدم إدراكِ كلِّ طائفةٍ
الجماعة بتمامها، فلهذه ركعةٌ ولهذه ركعة. وسمَّاه ابنُ القيِّم قَصْر الهيئة. وإنما اختلفوا فيه
لأن قوله بَعْد: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ١٠١]
يشيرُ إلى أن القَصْر رخصةُ تَرْفيه لا رُخْصَةُ إِسقاط، حيثُ نَفَى الجُناحِ عن القَصْر فيجوز القَصْرُ
وتَرْكُه، وحينئذٍ لو قلنا: إن الآية في قَصْر العدد قَوِي مذهبُ الشافعية، وإن قلنا إنها في قَصْر
الصِّفة أو قَصْر الهيئة خرج عَمَّا نحن فيه، قيل: وهو الأرجِح لاتِّسَاقِ النَّظْم حينئذٍ، ولو
حملناه على الأول لا يكونُ لقوله: ﴿إِنْ خِفْتُ﴾ مفهومٌ، فإنَّ القَصْر في السفر جائزٌ بدون
الخوف إجماعًا .
والحاصل أنَّ الصُّوَر أربعٌ: الإِقامةُ مع الأَمْن وفيها الإِتمام إجماعًا. والسَّفَرُ مع الخوف
وفيها القَصْر إجماعًا عددًا وصفةً. والسَّفَر مع الأَمْن ففيها الخلاف: قال الحنفية: إن القَصْر فيها
حَتْمٌ. وقال الشافعية رحمهم الله تعالى: بل هو جائزٌ، والإِقامة مع الخوف ففيها قَصْر الصِّفة
إجماعًا .
والذي عندي أنها نَزَلت في قَصْر الهيئة واستتبعت قَصْر العددِ أيضًا، لأن صلاة الخوف لا
تكون إلا في حال السفر عادةً، فإذا كان المخاطبون في حال السَّفر وواجهَهُم العَدُوُّ نزلَتْ صلاةُ
الخوف، فالمقصودُ منها بيانُ قَصْر الصِّفة، إلّا أنه ذكَر فيها قَصْر العددِ لكونهم مسافرين إذ ذاك.
وقد مرَّ معنا في أوائل الكتاب في تحقيق كون الحدود كفارةً أو زواجِرَ أَنَّ القرآنَ ربما يَنْزِلُ
بشيءٍ ثم يُومىءُ إلى مورد نزوله أيضًا، فيتضمن الكلامُ بَعْضَ ما في المورد مع عُموم الحُكْم.
وحينئذٍ اندفع عنه السؤالُ المشهور كما عند مسلم عن عمر رضي الله تعالى عنه: ((أن الله تعالى
شَرَعَ القَصْر في السَّفَر عند الخوف، ونحن آمِنون الآن)) . - بالمعنى .. وحاصل الدَّفْع أن الخوف
ليس قيدًا لِقَصْر العدد، بل لأنَّ الآية نزلتْ في قصر الصِّفة، وهو مقيد بالخوف. أما القَصْر

٤٥٧
كتاب الخوف
للمسافر قَصْرُ العدد، فجاء ذِكْرُهُ لكونهم مسافرين إذ ذاك، ولا تَعَلُّقَ لهذا القيد بِقَصْر المُسَافر(١).
الفائدة السادسة: فيما اختاره البخاري من تلك الصفات: والظاهر أن البخاري اختار منها
صِفَةَ الحنفية وكأَنَّ أقربَ الصفاتِ عنده بِنَظْم النص هي تلك. ولذا تلا الآية ثم ذكر تلك الصفةً
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه، وحديثُهُ أصحُ ما في الباب. ثم إنه لم يخرِّج صفة الشافعية في
هذا الباب، وأخرجها في المغازي، وهذا أوْضَحُ القرائن على أنه اختار صفةً الحنفية إن شاء
اللهُ تعالى.
الفائدة السابعة: في شَرْح حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه: فاعلم أنَّ حديثَ ابن عمرَ
رضي الله تعالى عنه يدلُّ على أن الطائفة الأُولى بعد الركعة انصرفت وِجَاهَ العَدُو. ثُمَّ جاءت
الطائفةُ الثانيةُ ورَكعتْ مع الإِمام ركعةٌ ثم سَلَّم الإِمام.
وهذا القَدْر موافِقٌ لمذهب الإمام، ولا يتأتى الحديثُ على مذهب الشافعية أصلًا. نعم فيه
قوله: ((فقام كلُّ واحدٍ منهم فَرَكَعَ لِنَفْسِه))، ففيه إبهامٌ أنهما كيف أَتَمَّا الركعة الثانية؟ والظاهر منه
صِفَةُ الشروح على ما مَرَّت.
٢ - بابُ صَلَةِ الخَوْفِ رِجالاً وَرُكْبَانًا
رَاجِلٌ : قائِمٌ.
٩٤٣ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ يَحْيى بْنِ سَعِيدِ القُرَشِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ
جُرَيجِ، عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمِّرَ: نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ: إِذَا اخْتَلَطُوا
قِيَامَاً. وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ نَُّ: ((وَإِنْ كانُّوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ، فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا)).
[طرفه في: ٩٤٢].
ولا صلاة عندنا ماشيًا ولا في حال المُسَايفة. والصلاةُ ماشيًا غيرُ المَشْي في الصلاة، فلا
تَخْلِط بينهما. وكان الظاهرُ من قوله: ((راجلًا)) أن تكون صلاةُ الخوفِ جائزةً ماشيًا، لكنه لما
فَسَّرَهُ بالقائم دَلَّ أنه اختار مذهب الحنفية، ولم يجوِّز الصلاةَ ماشيًا. وكذا لا تجوزُ عندنا راكِبًا
إذا كانت تسيرُ دابَّتُهُ، إلا إذا كان مطلوبًا .
٩٤٣ - قوله: (عن ابن عمرَ رضي الله تعالى عنه نحوًا مِنْ قولِ مجاهد) وفيه إشكالٌ شديدٌ
وإيهام نضيد. أما أولًا: فلأنه لم ينقل قول ابن عمر رضي الله تعالى عنه ما هو. وأما ثانيًا: فلأنه
عَكَس في العبارة، والظاهر ((عن مجاهد نحوًا من قول ابن عمر رضي الله تعالى عنه)) فإنَّ مجاهدًا
(١) يقول العبد الضعيف: وهذا جوابٌ على طَوْر أصحاب الفنون الذين يحصلُ لهم العلمُ بالتعليم والتعلم، وطريقُ
النبوة غيرُ طريقهم فلم يتوجَّه إليه النبيُّ نَّه. وإنما ذَكَر لهم أنه نعمة الله عليكم، نزلت في حال الخوف فاقبلوا لا
أَنها نَزلَتْ على الخوف فقط، يعني أن الخوف ظرفٌ له لا شرطٌ، فهو وقتُ نزولها لا أنه شرطٌ لها ينتفي القَصْرُ
بانتفائه، والله تعالى أعلم.

٤٥٨
كتاب الخوف
تابعي، وابنَ عمرَ رضي الله تعالى عنه صحابيٍّ، فينبغي إحالةُ التابعي على قولِ الصحابي. وأما
ثالثًا: فلأن ما نَقَلَهُ بعده لا يُفهم له معنىً، ولذا اختلف الشارحان في تحصيل مرادِه، لأنه ذكر
الشَّرْط ولم يذكر جزاءه، فقال: عن ابنِ عمرَ رضي الله تعالى عنه نحوًا من قول مجاهِد.
قوله: (إِذَا اخْتَلَطُوا قِيامًا) ... إلخ وهذا كما ترى لا يظهَرُ له معنىً، فقال(١) الحافظ
رحمه الله تعالى: إن («قيامًا)) تصحيفُ ((إنما)). وحاصل مقال ابن عمر رضي الله تعالى عنه: أنهم
إذا اختلطوا - يعني في القتال - فإنَّما هو الإشارة بالرأس. وأما قولُ مجاهد إذا اختلطوا فإنما
هو إشارةُ الرأس. ولما كان بين قول ابن عمرٍ رضي الله عنه وقول مجاهد مغايرةٌ يسيرةٌ زاد لفظ:
(نَحْوًا)) من قول مجاهد، لأنه ليس لفظ الذُّكر في قول مجاهد، وإنما هو في قول ابن عمر
رضي الله عنه.
وحاصله: أن الإشارةُ بالرأس تكفي عند القتال إذا تعذرت الصلاة، وتجوز الإشارة عندنا
أيضًا للراكب. وجوَّز محمد رحمه الله تعالى جماعةَ الراكبين خلافًا للشيخين. وراجع التفصيل
في الفقه: قلتُ: وأخرج مالك رحمه الله تعالى صفتها عن ابن عمر رضي الله عنه في ((موطئه))
وليس فيه ذِكْرُ مجاهد، ولا ذِكْر الإشارة بالرأس، فليحرره.
(١) قال الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)) ص (٢٩٥) ج ٢: وهكذا أورده البخاري مختصرًا وأحال على قول
مجاهد، ولم يذكره ههنا ولا في موضع آخرَ من كتابه فأشكلَ الأمرُ فيه، فقال الكرماني: معناه أَنَّ نافعًا روى
عن ابن عمر نحوًا مما روى مجاهد عن ابن عمر، والمروي المُشْتَرَك بينهما هو ما إِذا اختلطوا قيامًا)) وزيادة
نافع على مجاهد قوله: ((وإن كانوا أكثر من ذلك)) ... إلخ - قال: ومفهوم كلام ابن بطال أَن ابن عمر رضي الله
عنه قال مثل قول مجاهد، وإن قولهما مثلان في الصورتين، أي في الاختلاط، وفي الأكثرية وإن الذي زاد
هو ابن عمر لا نافع. ا هـ. وما نَسَبَه لابنِ بَطَّل بَيِّنٌ في كلامه إلا المثليةُ في الأكثرية، فهي مختصةٌ بابن عمر
رضي الله عنه، وكلامُ ابن بطَّال هو الصواب، وإنْ كان لم يذكر دليله. والحاصل: أنهما حديثان: مرفوعٌ
وموقوفٌ، فالمرفوع من روايةِ ابن عمر وقد يُرْوَى كُلُّه أو بَعْضه موقوفًا عليه أيضًا والموقوفُ من قول مجاهد
لم يروه عن ابن عمر رضي الله عنه ولا غيره، ولم أعرف من أين وقع للكرماني أن مجاهدًا روى هذا الحديثَ
عن ابن عمر رضي الله عنه، فإنه لا وجودّ لذلك في شيءٍ من الطرق. وقد رواه الطبري عن سعيد بن يحيى .
شيخ البخاري - فيه بإسناده المذكور عن ابن عمر قال: ((إِذا اختلطوا)) - يعني في القتال - فإِنما هو الذِّكْر وإشارة
الرؤوس. قال ابن عمر رضي الله عنه: قال النبيُّ ◌َلَ: ((فإن كانوا أكثرَ من ذلك فيصلون قيامًا وركبانًا)). وهكذا
اقتصر على حديث ابن عمر رضي الله عنه. وأخرجه الإسماعيلي عن الهيثم بن خَلَف عن سعيد المذكور مِثْل
ما ساقه البخاري سواء، وزاد بعد قوله: اختلطوا، فإِنما هو الذُّكْرُ وإشارةُ الرؤوس. ا هـ. وتبين من هذا أن
قوله في البخاري: ((قيامًا)» الأُولى تصحيفٌ من قوله: فإِنَّما وقد ساقه الإِسماعيلي من طريق آخَرَ بَيَّنَ لفظ
مجاهد وتَبَيَّن فيها الواسطةَ بين ابن جُرَيج وبينه، فأخرجه من رواية حَجَّاج بن محمد عن ابن جُرَيْج: حدثني
موسى بن عُقْبة، عن نافع، عن ابن عمر بمِثْل قول مجاهد: ((إذا اختلطوا فإنَّما هو الذِّكر وإشارةُ الرؤوس)).
وزاد عن النبيِّ امَّةٍ: ((فإِن كَثُروا فليصلوا رُكْبانًا أو قيامًا على أقدامهم)). فتبيَّن من هذا سببُ التعبير بقوله نحو
قول مجاهد، لأن بين لفظه وبين لفظ ابن عمر مغايرةٌ. وتبيَّن أيضًا أن مجاهدًا إنما قاله برأيه لا من روايته عن
ابن عمر رضي الله عنه، والله أعلم. اهـ. قلتُ: هكذا في النسخة الموجودة عندي، وهي ليست بجيدة،
الظاهر أنَّ في عِبَارتِها سقطا فلميصحح.

٤٥٩
كتاب الخوف
٣ - بابٌ يَخْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا في صَلَةِ الخَوْفِ
٩٤٤ - حدّثنا حَيوَةُ بْنُ شُرَيِح قالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيدِيِّ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَامَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ، وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا
مَعَهُ، ثُمَّ قامَ لِلثَّانِيَةِ، فَقَامَ الَّذِيِنَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ، وَأَتَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى،
فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ، وَالنَّاسُ كُلَّهُمْ فِي صَلَاةٍ، وَلكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .
ولم أتحصَّل هذه الترجمةَ، فإن الحراسة مرعية في الصفات كلها، ولا اختصاص لها
بصفة دونَ صفة. ولقائل أن يقول: إنه تَرْجَم به لِذِكْر الحراسة في متن الحديث. فهذه الترجمةُ
نظرًا إلى لفظِ الحديث لا إشارةً إلى مسألةٍ أو دَفْعًا لمغلطة. ثم إن الصورةَ المذكورة في الحديث
أنفعُ فيما لو كان العَدُوُّ قِبَلَ القِبْلَةِ.
٩٤٤ - قوله: (فَكَبَّرِ وَكَبَّرُوا مَعَه) فاشتركوا كلّهم في التحريمة إلى الركوع، ثُمَّ اختلفوا في
الركوع وتناوبوا فيه، وكذلك في السجود لاحتياجهم إلى الحراسة فيهما.
قوله: (وَأَتَتِ الطائفةُ الأُخْرَى) يعني أن الطائفة الأُولى تَسْتَأْخِرُ بعد ركعةٍ وتتقدم الطائفةُ
الأُخْرَى إلى مكانِ الأُولى، لا أنها كانَتْ ذهبت لوَجْهٍ، ثم أتت ههنا، ولا أدري لِتَقَدُّم هؤلاء
وتأخّر هؤلاء وجهًا غير أنه أُرِيد به استيفاءُ أَجْر الصفِّ الأول للطائفةِ الثانية أيضًا. فإن قلتَ: إذا
لم يَعْتَن بالصفِّ الأول في الصلوات الخمس بهذه المناسبةِ، فَمَنْ سَبَق إليه سَبَق، فأيّ اعتناء به
ههنا حيث يتقدَّمُ هذا ويتأخَّرُ هذا. قلتُ: والوَجْه أن التأخّر في الصلوات الخمس كان مِنْ
جهته، بخلافه ههنا، فإنَّ الإِمامَ جَعَلَهُمْ صَفَّين فتقدَّم بعضٌ وتأخّر بعضٌ بِأَمْرِهِ، فتدارَكَهُ بهذا
الطريق.
٤ - بابُ الصَّلاَةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الحُصُونِ وَلِقَاءِ العَدُوِّ
وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: إِنْ كانَ تَهَيَّأَ الفَتْحُ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ، صَلَّوْا إِيمَاءَ كُلُّ
امْرِىٍٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ، حَتَّى يَنْكَشِفَ القِتَالُ أَوْ يَأْمَنُوا،
فَيُصَلُّوا رَكْعَتَينٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَينٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِروا لَا يُجْزِئُهُم التَّكْبِيرُ
وَيُؤَخِّرُوهَا حتَّى يَأْمَنُوا، وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ. وَقَالَ أَنَسَّ: حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةٍ حِصْنٍ تُسْتَرَ
عِنْدَ إِضَاءَةِ الفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ القِتَالِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّ بَعْدَ
ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسى فَفْتِحَ لَنَا، وَقَالَ أَنَسٌ: وَما يَسُرُّنِي بِتِلكَ
الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَما فِيهَا .
٩٤٥ - حدّثنا يحيى قالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيِى بْنِ أَبِي
كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: جاءَ عُمَّرُ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَجَعَلَ يَسُبُّ
كُفَّارَ قُرَيشٍ وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ما صَلَّيتُ العَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ، فَقَالَ

٤٦٠
كتاب الخوف
النَّبِيُّ ◌َِّ: ((وَأَنَا وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ)). قالَ: فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى العَصْرَ
بَعْدَما غابَتِ الشَّمْسُ، ثمَّ صَلَّى المَغْرِبَ بَعْدَهَا. [طرفه في: ٥٩٦].
يعني إذا نهضٍ كلُّ فريقٍ إلى صاحبِهِ ودخل في الحرب، وقد علمتَ أنه لا صلاةَ عندنا في
حال المُسَايفة، فإنَّ النبيَّ وََّ لم يُصَلِّها يُومَ الأَحزاب.
قوله: (تُسْتَرِ) مُعَرَّب ((شوستر)). و ((ما يَسُرُّني بِتلك الصلاةِ الدُّنْيا وما فيها)). قيل: يعني
بها الفائتةَ، قاله تَأَسُّفًا على فواتها. أقول: ولعلَّ المراد بها الصلاةُ التي أَدَّاهَا، فإنها فَاتَتْ عنه
لأجل شغل الجهاد.
٥ - بابُ صَلَةِ الطَّالِبِ وَالمَطْلُوبِ، رَاكِبًا وَإِيمَاءً
وَقَالَ الوَلِيدُ: ذَكَرْتُ لِلأوْزَاعِيِّ صَلَاةَ شُرَحْبِيلِ بْنِ السِّمْطِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ
الذَّابَةِ، فَقَالَ: كَذلِكَ الأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا تُخَوَّفَ الفَوْتُ. وَاحْتَجَّ الوَلِيدُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ◌َِ: ((لَا
يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيظَةَ)).
٩٤٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ أَسْماءَ قالَ: حَدَّثَنَا جُوَيِرِيَةُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: ((لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّ فِي بَنِي
قُرَيظَةَ)). فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ في الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ
بَعْضُهُمْ: بَل نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ وََّ، فَلَمْ يُعَنِّف وَاحِدًا مِنْهُمْ. [الحديث
٩٤٦ - طرفه في: ٤١١٩].
وهذا عامٌّ في الخوف وغيره. وقد مرَّ أن صلاةَ الطَّالِب لا تصح عندنا بالإِيماء، بخلاف
المطلوب على ظَهْرِ الدابة. ولا تمسُّك فيه، لأنهم كانوا مطلوبين.
قوله: (لَا يُصَلِّينَّ أَحَدِ العَصْرِ إلَّا فِي بني تُرَيْظَةٍ) وكان هؤلاء طالبين، والظاهر أنَّ النبيَّ ◌َِّ
إذا كان أَمَرَهُم بالتعجيل فَلَعَلَّهم لم ينزلوا عن ظهور دَوَابُهِمْ وَصَلُّوا عليها .
قلتُ: وتَمَسُّكُ المصنِّف رحمه الله تعالى به في غاية الضَّعْف، فإنَّه تَمَسَّكَ بالسكوتِ ولیس
فيه أنهم صلوا رُكْبَانًا أَوْ قائمين. ثُمَّ إِنَّ أَمْرَ النبيَّ ◌َِّ إياهم بهذا التعجيل على نظير تعجيل موسى
عليه السلام، حين أُمِر أَنْ يذهب إلى فرعونَ، وتَرَك زوجتَهُ وهي في المَخَاضِ، وكتعجيلٍ
إِبراهيم عليه الصلاة والسلام حيثُ تَرَك زوجتَهُ وهي في العَرْصَةِ الخالية، حيث لا ماء ولا كلاً .
فهذا نحو تَأَسِّ بالأنبياء عليهم السلام في التبادر بالامتثال.
٦ - بابُ التَّبْكِيرِ وَالغَلَسِ بِالصُّبْحِ،
وَالصَّلاَةِ عِنْدَ الإِغَارَةِ وَالحَرْبِ
٩٤٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ وَثَابِتِ البُنَانِيِّ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسِ، ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ: ((اللَّهُ أَكْبَرُ