النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ كتاب الأذان ثم إن تسبيحَ فاطمة رضي الله تعالى عنها علَّمها إياه النبيُّ نَّ عند النوم، لا دُبُرَ الصلوات. وإنما سُمِّيَت بتسبيح فاطمة رضي الله تعالى عنها، لكونها على الصِّفة التي علَّمها النبيُّ ◌َُّ عَقِيب الصلوات أيضًا. وقد وَرَدَتْ فيها ثلاث صفاتٍ: تقسيم المائة على التسبيح، والتحميد، والتكبير ثلاثًا، مع زيادة التكبير لواحدة تكملةً للمائة. وكذلك مع زيادة كلمة التوحيد تكملة للمائة. والثالث: ما رآه رجلٌ في النوم من تقسيمها أرباعًا، والرابع: لا إله إلّا الله. وما عند مسلم من الصفة الرابعة، فهي وَهْمٌ نشأ من تقسيم ثلاث وثلاثين على الثلاث، ولَيْسَتْ صفةً مستقلةً. فتلك مائة على جميع الصفات، وكلَّها عندي على سبيل التبادل، فحينًا كذا، وحينًا كذا. والأحسنُ فيها ما عليه اليوم عمل الأمة، وهو ترتيبٌ حسنٌ عندي. ولو خَالَفَ الترتيبَ، لا بأس لِمَا في الحديث: ((بأيهن بدأت أجزأ عنك)). ولو جمع بينها لا يكون آئمًا، كما لا يكون سنةً، فإنها خيرٌ محضٌ. والأذكار إذا أتى بها في غير محلّها في الصلوات، لم يَمْنَعْ عنها الشارع، بل ربما أَثْنَى على صاحبها، فكيف بما كانت خارج الصلاة. وإليه تَرْجِعُ مسألةَ الفاتحة عندي، فإن أحدًا إذا قرأها بدون عهدٍ منه، ولا سابقيَّة أمرٍ وعنايةٍ، لم يَمْنَعْ عنها صراحةً لكونها من القرآن، وأباحها إباحةً مرجوحةً، وتحمّلها لكونها قرآناً وخیرًا محضًا. ٨٤٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ، عَنْ سُمَيّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ الفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِّ ◌َ فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُوَّرِ مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ العَلَا وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ: يُصَلُّونَ كَمَّا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ، يَحُجُّونَ بِهَاَ وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ! قَالَ: ((أَلَا أُحَدِّثُكُمْ إِنْ أَخَذْتُمْ، أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَينَ ظَهْرَانَيهِ، إِلَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ؟ تُسْبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ، خَلفَ كُلِّ صَلَاةٍ، ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ)). فَاخْتَلَفْنَا بَينَنَا، فَقَالَ بَعْضُنَا: نُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَائِينَ، وَنُكَبِّرُ أَرْبِعًا وَثَلَاثِينَ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ((تَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، واللَّهُ أَكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ)). [الحديث ٨٤٣ - طرفه في: ٦٣٢٩]. ٨٤٣ - قوله: (ذَهَبَ أهلُ الذُّنُور): أي المال الكثير، وأصله في المال الذي يكون بعضه فوق بعض. (یعني وه مال ته به ته هو). قوله: (أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُم). وقد مرَّ الكلامُ في لفظ الإدراك، ماذا حقيقته؟ وأن حديث: ((من أَدْرَكَ ... )) إلخ وَرَدَ في المسبوق، ولم يَرِدْ في مسألة المواقيت. وأن الإدراك فيه كالإدراك ههنا. سَبَقَهُم ناسٌ، فأدرِكوهم بعدهم. وليس هذا في الأوقات أصلًا، بحيث جلس يَرْقُبُ الشمسَ حتى إذا لم يَبْقَ إِلَّا قدر ركعةٍ، قام ودَخَلَ في الصلاة، وعُدَّ بذلك مُدْرِكًا لها. كيف، وبناءُ الكلام على مثل هذا الرجل بعيدٌ من الشارع، فمن أخلَّ فيه، المتعمِّدُ فقد خَالَفَ الحديثَ. والشافعيةُ أدخلوا تحته النائم، والناسي. والتحقيقُ فيه مرَّ سابقًا. ٤٠٢ كتاب الأذان ٨٤٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيرٍ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فِي كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةً: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َثَ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ((لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ). وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، بِهِذا. عَنِ الحَكْمِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُخَيمِرَةَ، عَنْ وَرَّادٍ، بِهِذا. وَقَالَ الحَسَنُ: الجَدُّ: غِنَّى. [الحديث ٨٤٤ - أطرافه في: ١٤٧٧، ٢٤٠٨، ٥٩٧٥، ٦٣٣٠، ٦٤٧٣، ٦٦١٥، ٧٢٩٢]. ٨٤٤ - قوله: (وعن الحَكَم، عن القاسم بن مُخَيْمِرَة). القاسم هذا من تلامذة عَلْقَمَة من أهل الكوفة. ١٥٦ - بابٌ يَسْتَقْبِلُ الإِمَامُ النَّاسَ إِذَا سَلَّمَ ٨٤٥ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َلِ إِذَا صَلَّى صَلَاَةٌ، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. [الحديث ٨٤٥ - أطرافه في: ١١٤٣، ١٣٨٦، ٢٠١٢، ٢٠٨٥، ٢٧٩١، ٣٢٣٦، ٣٣٥٤، ٤٦٧٤، ٦٠٩٦، ٧٠٤٧]. اعلم أن الإمامَ إن أراد الانصرافَ إلى بيته، سلَّم وانْصَرَفَ. وإن أراد القعودَ، فالسُّنة له أن يَسْتَقْبِلَ القومَ، وبه جَزَمَ المصنِّفُ رحمه الله تعالى، وصرَّح به الجَوزَجَاني في ((مبسوطه)). وأمَّا التيامُنُ أو التياسُرُ المعمولُ بهما في زماننا، فليسا من السُّنة في شيءٍ، وإنما هما عند إرادة الانصراف إلى البيت، لا عند الجلوس بعد الصلاة. فعن عليّ عند الترمذي أنه قال: ((إن كانت حاجتُه عن يمينه أخذ عن يمينه، وإن كانت حاجتُه عن يَسَارِهِ أخذ عن يساره))، فهما عند الانصراف لحاجته. وما عن البَرَاء بن عَازِب عند أبي داود: ((من حبِّهم بكونهم في مَيْمَنَة النبيِّ ◌َ، فهو لأن يقع بصرُه عليهم عند التسليم أولًا، لا عند الجلوس بعد الصلاة دائمًا)). وغَلِطَ فيه الناسُ من عبارات بعض المتأخِّرين، مع أنهم أرادوا بيان الجواز الفِقْهِي، فحملوه على بيان السنة. فإن كنتَ تريد السُّنة، فالسنةُ في الاستقبال. وإن كنتَ تريد الجواز، فافعل ما شِئْتَ. ٨٤٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيسَانَ، عَنْ عُبَيْدٍ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدِ الجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللّهِ وَهِ صَلَاةَ الصُّبَّحِ بِالحُدَّيِيَةِ، عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: ((هَل تُدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمَّ؟)) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالكَوْكَبٍ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذا، فَذلِكَ كَافِرٌّ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ)). [الحديث ٨٤٦ - أطرافه في: ١٠٣٨، ٤١٤٧، ٧٥٠٣]. ٤٠٣ كتاب الأذان ٨٤٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعَ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِوَّهِ الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَظْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلمّا صَلّى أَقْبَلَ عَلَيْنا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: ((إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ)). [طرفه في : ٥٧٢]. ٨٤٦ - قوله: (صَلَاةَ الصُّبْحِ)، هي واقعةُ صُلْح الحُدَيْبِيَة في السنة السادسة، حين رَجَعَ بعد ذبح دم الإحصار. قوله: (نَوْء) وقد ذُكِرَ في ((غياث اللغات)) تحت لفظ التاريخ، فراجع تحقيقها منه. ثم اعلم أنه قد مرَّ مني في أوائل الكتاب: أنه لا تأثير للنجوم في الكون أصلًا إلَّا في الحرارة والبرودة، فهي من الآثار الطبيعية. أمَّا السعادةُ والنُّحُوسةُ، فلا تأثير لها فيها، ولا يقتضيها العقلُ، ولا تَشْهَدُ بها التجربة. ثم لو سلَّمنا أن للنجوم تأثيرًا في المطر، فهو كحال المواسم. ومما ينبغي أن يُعْلَمَ أنه ذهب الشيخ الأشعريُّ أن لا خَوَاصَ في الأشياء، فمن قال: إن النارَ مُخْرِقَةٌ، بمعنى كون الإحراق فيها، فهو كافرٌ. كذا نقله الأَلُوسي في ((روح المعاني)). ونسب إلى المَاتِيدِيَّة: أن في الأشياء خواص، إلَّا أنها بإذن الله تعالى. قلتُ: ولا يَكْفُرُ بمجرد هذا القول، ولكن يُنْظَرُ إلى حال نيته، فإن عذَّها من الأسباب العادية، فلا كفر، وإن ادَّعى لها الإِحراق لذاتها، كفر. والمؤاخذةُ اللفظيةُ لم تَرِد في الشريعة في باب الكفر. فإن الألفاظَ المُوهِمَة قد وردت في القرآن والحديث أيضًا، فالفصلُ بالنية لا غير. وأصلُ هذا الاختلاف في سلسلة العِلَل. فقيل: إن المُؤَثِّرة منها هي القريبةُ والبواقي شرائط. وقيل: المُؤَثِّرة هي الأولى. وقيل: المُؤَثِّرُ المجموع. وقال بحر العلوم في ((شرح المَثْنَوي)). إن المُؤَثِّرة عند أهل السُّنة والجماعة هي الأولى فقط، وعند المُعْتَزِلة هي القريبة، والفلاسفةُ على قولين: قيل: المجموع، وقيل: الأولى. أقول: بل المُؤَثِّر عندهم هو مجموع السلسلة، فإذا تحقَّقت تلك السلسلة بأسرها، أَوْجَبَتْ تحقّق المعلول، وهو الإيجاب. وليست الأولى فقط مُؤَثِّرة عندهم. فإذا كانت المُؤَثِّرة عند أهل السُّنة والجماعة هي الأولى فقط، فالمُؤَثِّرُ في الأكوان كلِّها هو الله سبحانه، والبواقي شرائط، كما قال به المَاتْرِيدِيَّة. ونِعْمَ ما قالوا، فإن كان الشيخُ الأشعريُّ قال بما نقله الأَلُوسي رحمه الله تعالی، فظاهرُه فاسدٌ. ثمٍ إنهم تكلَّموا في مسألة توحيد الأفعال، فقيل: إن اللَّهَ سبحانه خالقٌ، والعبدَ كاسبٌ. وقال الدَّوَّاني في شرح ((العقائد الجلالي)): إنه من مجموع القدرتين، وهو باطلٌ عندي. فإنه لا تقوُّم لِقدرة العبد بدون قدرة الحقِّ جَلَّ مجده، فمن أين يَحْصُلُ المجموع. فإنه يستدعي جزأين مستقلَّين برأسهما ليَحْصُلَ بهما الثالث، وههنا لا حقيقةً لقدرة العبد، ولا تقوُّم لها إلَّا بقدرة الله تعالی . قلتُ: ولا نظيرَ في الكون لنسبة فعل العبد إليه تعالى، فإن هذا الربط قد أحاط بالمخلوقات بأسرها، فمن أين يجيء النظير. وقيل: إن أصلَ الفعل من الخالق، ووصفَه من ٤٠٤ كتاب الأذان العبد. وبالجملة أُبْهِمَت عليهم تلك المسألة، وقد تعرَّضْتُ إليه في الرسالة، أي ((ضرب الخاتم ومرقاة الطارم)) شيئًا . ١٥٧ - باب مُكْثِ الإِمَامِ فِي مُصَلَّهُ بَعْدَ السَّلَامِ واعلم أن السُّنة الأكثرية بعد الصلوات: الانصراف إلى البيوت بدون مَكْثٍ إلَّا بقدر خروج النساء. وكان في الأذكار والأدعية كلٌّ أميرَ نفسه، ولم تَثْبُت شاكلة الجماعة فيها، كما هو المعروف الآن، إلا في نزرٍ من المواضع، وقد مرَّ الكلامُ فيها. وكنا نظنُّ أن المصنّفَ رحمه الله تعالى يُرِيدُ بيان جواز هذه الشاكلة، إلَّا أنه نَقَلَ أثر ابن عمر، فتبيَّن منه أنه دخل في مسألةٍ أخرى، وهي: جواز النافلة في مكان الفريضة. واستحبَّ الحنفيةُ أن يتحوَّلَ عن ذلك المكان، فيتقدَّمُ أو يتأخّرُ، ولهم في ذلك مادةٌ كبيرةٌ. فعند مسلم، عن معاوية، وفيه: ((فإِن رسول الله وَله أمرنا أن لا نوصل صلاةً بصلاةٍ حتى نتكلّمَ أو نَخْرُجَ)). وعن أنس رضي الله عنه عنده في خطبة النبيِّ مَ: ((أيُّها الناس إني إمامكم، فلا تَسْبِقُوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف)». ا هـ. والمراد من الانصراف عندي: هو انصرافُه عن القِبْلَة بعد السلام، ولا شكَّ أن انصرافَ المأمومين بعد انصراف إمامهم لا يَخْلُو عن استحبابٍ، وإن كان جائزًا قبله أيضًا. ويمكن أن يُرَادَ من الانصراف التسليم، أي انصرافه عن الصلاة. فالسُّنة هو أن يَفْصِلَ بِين الفريضة والنافلة إمَّا بالمكان، أو بالكلام، كما مرَّ منا تحقيقه. وبه صرَّح صاحب الهداية، إلَّا أن الناس يَمْكُثُون في زماننا بعد الفرائض، ويُصَلَّون السُّنن في ذلك المكان بعينه. وينبغي أن لا يُحَرَّض الآن على أداء السُّنن في البيوت، لظهور التَّوَاني في أمور الدين، فإِنهم إِن يَرْجِعُوا إلى بيوتهم بدون أداء السُّنن في المساجد، ربَّما يَتَكَاسَلُون في أدائها، فيتركونها رأسًا. وراجع ما عند أبي داود، عن ابن عمر رضي الله عنه (١) . ٨٤٨ - وَقَالَ لَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الفَرِيضَةَ. وَفَعَلَهُ القَاسِمُ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: ((لَا يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ فِي مَكَانِهِ». وَلَمْ يَصِحَّ. ٨٤٨ - قوله: (وقال لنا آدمُ) ولعلَّه تأوَّل فيه، لأنه أخذه مذاكرةً. قوله: (ويُذْكَرُ عنِ أبي هُرَيْرَةَ رَفَعَه: لا يتطوَّع الإمامُ فِي مِكانه))، ولم يَصِحَّ). وهو عند أبي داود، ولا بأسَ إذا صحَّ عند مسلم من طريقٍ آخر. فعندنا يُصَلَّي التطوُّعَ في غير مكان الفريضة، وذلك أَكَدٌّ في حقِّ الإِمام . ٨٤٩ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ هِنْدٍ (١) أخرج أبو داود في باب: الصلاة بعد الجمعة: ((أن ابن عمر رضي الله عنه رأى رَجُلًا يُصَلِّ ركعتين يوم الجمعة في مقامه، فدفعه وقال: أَتُصَلِّي الجمعة أربعًا ... )). إلخ. ٤٠٥ كتاب الأذان بِنْتِ الحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِ كَانَ إِذَا سَلَّمَ، يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَنْرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِكَي يَنْفُذَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنَ النِّسَاءِ. [طرفه في: ٨٣٧]. ٨٥٠ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ: أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَتَبَ إِلَيهِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ الفِرَاسِيَّةُ، عَنْ أُمِّ سَلَّمَةَ زَوْج النَّبِّ ◌َّهَ وَكَانَتْ مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا، قَالَتْ: كَانَ يُسَلِّمُ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ، فَيَدْخُلنَ بُيُوتَهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَتْنِيَ هِنْدُ الفِرَاسِيَّةُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ: أَخْبَرَنَا يُونُس، عَنِ الزُّهْرِيَّ: حَدَّثَتْنِي مِنْدُ الفِرَاسِيَّةُ. وَقَالَ الزُّبَيدِيُّ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ: أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ الحَارِثِ القُرَشِيَّةُ أَخْبَرَتْهُ، وَكَانَتْ تَحْتَ مَعْبَدِ بْنِ المِقْدَادِ، وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ◌ِ. وَقَالَ شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَتْنِي مِنْدُ الْقُرَشِيَّةُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدِ الفِرَاسِيَّةِ. وَقَّالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَّهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ: حَدَّثَتْهُ عَنِ النَّبِّ وَِّ. [طرفه في: ٨٣٧]. ٨٤٩ - قوله: ((هِنْد الفِرَاسِيَّة)) وقد أَطَالَ الحافظُ رحمه الله تعالى الكلامَ في اختلاف الفِرَاسِيَّة والقُرَشِيَّة. قلتُ: ويمكن أن تكونَ فِرَاسِيَّة صُلْبِيَّة، وقُرَشِيَّة موالاة أو بالعكس. ١٥٨ - بابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ، فَذَكَرَ حَاجَةً فَتَخَطَّاهُمْ ٨٥١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ◌َ بِالمَدِينَةِ العَضْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَظَى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضٍ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، فَقَالَ: ((ذَكَرْتُ شَيئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ)). [الحديث ٨٥١ - أطرافه في: ١٢٢١، ١٤٣٠، ٦٢٧٥]. فَثَبَتَ التَّخَطّ، مع أنه قد نهى عن التَّخَطّ في الخارج، فهذا جائزٌ إذا لم يَتَأَذَّ به الناسُ، لكونه ممن يَتَبَرَّكُ به الناسُ من النبيِّ ◌َلِّ. ٨٥١ - قوله: (فَكَرِهْتُ أن يَحْبِسَنِي)، أي يشْغَلُني التفكّر فيه عن الإقبال على الله (يعني خيال بي أوردل لكارهي). ١٥٩ - بابُ الانْفِتَالِ وَالانْصِرَافِ عَنِ اليَمِينِ وَالشَّمَالِ وَكَانَ أَنَسٌ يَنْفَتِلُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، وَيَعِيبُ عَلَى مَنْ يَتَوَخَّى، أَوْ مَنْ يَعْمِدُ الانْفِتَالَ عَنْ يَمِينِهِ . ٨٥٢ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثْنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيمَانَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيرٍ، عَنِ ٤٠٦ كتاب الأذان الأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا يَجْعَلِ أَحَدُكُمْ لِلشَّيطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ، يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيتُ النَّبِيَّ ◌َّ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ. وظاهرٌ من هذه الترجمة أن المرادَ من الانصراف في الأحاديث: هو الانصرافُ إلى البيت، سواء كان من جانب اليمين، أو اليَسَار، دون الجلوس بعد الفراغ متوجّهًا إلى جهة اليمين أو اليَسَار، كما وُهِمَ. وقد مرَّ التصريحُ به عن عليٍّ رضي الله عنه عند الترمذيِّ. قوله: (ويَعِيبُ على مَنْ يَتَوخَّى، أو من يعْمِدُ الانفتال عن يمينه) حاصلُه أنه مختارٌ في الانصراف من أيِّ الجانبين شاء انصرف، وقد أجاز الشرعُ بتأديب الزوج زوجته، والأب ابنه. وكذا كلُّ من كان له حقٌّ على تأديب أحدٍ أن يُؤَدِّبه على ترك المستحبِّ أيضًا، ولا ينبغي التأديبُ عليه لغيرهم، وإنما كان النبيُّ نَّر أكثر ما يَنْصَرِفُ إلى اليَسَارِ، لكون الحُجُرَات في تلك الجهة. تنبيه واعلم أن القيامَ عند ذكر ميلاد النبيِّ نَّهِ بِدْعةٌ لا أصل له في الشرع وأحدثه ملكِ الإزْبِل كما في ((تاريخ ابن خَلُّكَان)»: أنه كان يَعْقِدُ له مجالس، ويَصْرِفُ عليها أموالًا. وقد ألَّف ابن دِخْية المغربي كتابًا في الميلاد. وأجازه (١) السيوطي وابن حجر رحمهم الله تعالى قياسًا على قوله: ((قوموا لسيِّدِكم لسعد بن مُعَاذ رضي الله عنه) حين دعاه أن يقضي في بني قُرَيْظَة. قلتُ: وهو قياسٌ مع الفارق، فإنه قياسُ أحكامٍ عَالَم الأرواح على عَالَم الأجسام، وقياسُ الموهوم على المُحَقِّق مع مُغَايَرَةِ الأحكام بين العَالَمَيْنِ، فهو قياسٌ مُهْمَلٌ. إلاّ أن البِدْعَةَ (١) يقول العبدُ الضعيفُ: وَلا ينبغي أن يُشَكَّ أن الميلادَ المرؤَّجَ بين أظهرنا حرامٌ قطعًا، فإنه يَشْتَمِل على المحرَّمات الكثيرة، والمعاصي الظاهرة والباطنة: من إضاعة المال وقراءة الرُّوايات الموضوعة التي لا أصل لها في الدين، وظنِّهم أن النبيَّ نَّهِ عالمٌ للغيب، بحيث لا يَغِيبُ عن عِلْمِهِ شيءٌ في السموات والأرضين، فَيَحْضُرُ النبيُّ لَ تلك المجالس، ويَقُومُون عند ذلك، لأنهم يَرَوْنَه حاضرًا وناظرًا إلى غير ذلك من تسويلاتهم الباطلة. وهو الغُلُو في الدين، وقد نعى الله سبحانه على أهل الكتاب، فقال: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَّ﴾ [النساء: ١٧١]، ويظُنُّون أن تعظيمَ النبيُّ في التسوية بين الله ورسوله، تعالى الله عن ذلك عُلُوًا كبيرًا، وما قَدَرُوا اللَّهَ حق قَدره، مع أنه تعالى يقول: ﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وأين هم من تعظيم الرسول. فالنبيُّ ◌ََّ لا ريبَ أنه أفضلُ الخَلْقِ وأحبُّه وأكرمُه على الله، آدمُ وذرِيتُه تحت لوائه، وهو الشافعُ المشفّع، وهو صاحبُ الحوض، وصاحبُ المقام، وصاحبُ مفتاح الجنة، وهو أولُ من يُقَعْقِعُ حلقة الجنة، وهو خطيبُهم إذا صَمَتُوا وشفيعُهم إذا يَسُوا، ولكنه مع ذلك بشرٌ من البشر، مخلوقٌ لله سبحانه، وعبدٌ من عباده، ورسولٌ من رُسُله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُنُوْ عِبَادًا لِ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبََّغْنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُمْ نَدْرُسُونَ (٣٦) وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَّخِذُوا لَْكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْبَابْ أَيَأْمُرُّكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذَ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ ﴾﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠] فتلك المجالسُ كلَّها مجالسُ البدع، فاحذروها وعليكم بسُنة نبيكم، فإنها العُزْوَة الوثقى لا انفصام لها. اللهم أَخْبِنَا على حُبُّكَ وحُبِّ نبيك، وأَمِثْنَا على حُبُكَ، وحُبِّ نبيك، واحْشُرْنَا فيمن يُحِبُّكَ ويُحِبُّ رسولَك، آمين، ثم آمين. ٤٠٧ كتاب الأذان قد تكون مكروهةٌ تنزيهًا، وقد تكون مكروهةً تحريمًا، كالنهي، فإنه قد يُفيدُ التحريم، وقد يُفِیدُ التنزيه، فيجري هذا التقسيم في البِدْعَةِ أيضًا. ولذا اعترضَ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى على صاحب ((الهداية)) حيث قال: إن تحليقَ ربع الرأس يكفي للتحليل عن إحرام الحجّ، قياسًا على ربع الرأس في باب الوضوء، فقال ابنُ الهُمَام رحمه الله تعالى: إنه من قياس الشَّبَه، لا من قياس المعنى، فإنه يكون باشتراك العِلَّة المقتضية للحكم. وقياسُ الشَّبَهِ يكون كتشبيه أهل المعاني، فَجَزَم أن تحليقَ الربع لا يكفي. وكذا في ((الهداية)): إن الاستقبالَ إلى الحجر الأسود، كالاستقبال عند التحريمة، فاعترض عليه: إنه قياسٌ صوريٌّ. وقد أَجَبْتُ عنهما. ١٦٠ - بابُ ما جاء في الثُّومِ النَّيء والبصل والكُرّاثِ وَقَوْلِ النَّبِيِّ ◌ِ: ((مَنْ أَكَلَ الثُّومَ أَوِ البَصَلَ، مِنَ الجُوعِ أَوْ غَيرِهِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا)). ٨٥٣ - حدّثنا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هذهِ الشَّجَرَةِ - يَعْنِي الثُّومَ - فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا)). [الحديث ٨٥٣ - أطرافه في: ٤٢١٥، ٤٢١٧، ٤٢١٨، ٥٥٢١، ٥٥٢٢]. ٨٥٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ - يُريدُ الثُّومَ - فَلَا يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا)). قُلتُ: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ يَعْنِي إِلَّا نِيئَهُ. وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنٍ جُرَيج: إِلَّا نَتْنَهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، عَن ابْنِ وَهْبٍ: أُتِيَ بِبَدْرٍ، قَالَ ابْنُ وَهْبِ: يَعْنِي ظَّبَقًّا، فِيهِ خُضَرَاتٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ، وَأَبُوَ صَفْوَانَ، عَنْ يُونُسَ، قِصَّةَ القِدْرِ،َ فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ أَوْ فِي الحَدِيثِ؟ [الحديث ٨٥٤ - أطرافه في: ٨٥٥، ٥٤٥٢، ٧٣٥٩]. ٨٥٥ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: زَعَمَ عَطَاءٌ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ زَعَمَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ قَالَ: ((مَنْ أَكَلَ ثُوِمَا أَوْ بَصَلًا فَلَيَعْتَزِلِنَا))، أَوْ قَالَ: ((فَلَيَعْتَزِل مَسْجِدَنَا، وَلَيَقْعُدْ فِي بَيتِهِ)). وَأَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ أَتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ فَأُخْبِرَ بِمَّا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ، فَقَالَ: ((قَرِّبُوهَا)). إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ: ((كُلِ فَإِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي)). وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحِ عنِ ابنِ وَهبٍ : ((أَتِيَ بِبَدْرٍ)) قال ابنُ وهب: يعني طبقًا فيه خَضِراتٌ. ولم يَذكرِ اللَّيْثُ وَأَبوّ صَفَوانَ عن يونسَ قِصَّةَ الْقِدرِ، فلا أَدري هوَ مِن قولِ الزُّهريّ أَو في الحدیث. ٨٥٦ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ٤٠٨ كتاب الأذان أَنَسًا: مَا سَمِعْتَ نَبِيَّ اللّهِنَ لَ فِي الثُّومِ؟ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهَ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هذهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا)) أَوْ: ((لَا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا)). [الحديث ٨٥٦ - طرفه في: ٥٤٥١]. ويُسْتَبْعَدُ من المصنّف رحمه الله تعالى أنه صَدَرَ أولًا بقول النبي ◌ََّ، ثم رواه بالمعنى. ولم يَفْعَل كذلك في موضع من كتابه غير هذا. واعلم أن كلَّ شيءٍ له رائحةٌ كريهةٌ يُكْرَهُ أن يَذْهَبَ به إلى المسجد. وكُذا يُكْرَه له أن يَدْخُلَ في المسجد، وِرِيحُه في فمه. ولعلَّ تلك الكراهة فوق التنزيه لِمَا في الفِقْهِ: أن السَّمَّاك لو كان القومُ يتأذَّى منه، يجوز إخراجه من المسجد. وكذا الجذامي، والمبروص. وفي ((الموطأ)) لمالك: ((أنهم كانوا يَظْرُدُونَ نحو هؤلاء من المسجد إلى البقيع)). وهي المسألةُ في قراءتهم الأذكار في هذا الحال، فينبغي أن لا يُجِيبَ المؤذنَ وهو يأكل النتن، ولا يَدْخُلُ المسجدَ إلَّابعد إزالة رائحته. وفي الحديث: ((إنكم إذا استيقظتم من الليل فنظّفُوا فَمَكم، فإنكم ما تكلَّمُون بكلمةٍ من الذكر إلَّا يَضَعُها المَلَكُ في بطنه - بالمعنى .. وتفرَّد ابن حَزْمِ حيث ذَهَبَ إلى حُرْمَة هذه الأشياء، لأنها مانعةٌ عن الجماعة، وهي فرضُ عينٍ عنده. وقال الجمهور: إنها حلالٌ كلُّها، إلّا أنها ممنوعةٌ في الأوقاتِ المخصوصةِ لأجل العوارض، فليست فيها كراهةُ الأكل، بل كراهةُ الذكر، أو الإتيان إلى المسجد بعد الأكل. والعجبُ على تَهَوُّرِ هؤلاء الذين يَحْكُمُون بالحُرْمَةِ على الأشياء التي أُكِلَت في عصر النبوة وحضرتها. فإذن هي حلالٌ إِلَّا ما وقع في بعض الكُتُب من حُرْمة النتن أو التمباك، فالوجهُ فيه أنهم صَرَّحُوا أن المباحَ في نفسِهِ قد يَصِيرُ حرامًا من حكم الأمير من جهة أن الله أمر بطاعتهم، فقال: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمَرِ مِنْكُمْ﴾، فحينئذٍ لو رَأَى الأميرُ أن يَمْنَعَ الناسَ عن أكل شيءٍ لمصلحةٍ بَدَتْ له، يجب عليهم أن لا يَأْكُلُوهِ، ويَحْرُم عليهم. إِلَّا أن تلك الحُرْمة تَقْتَصِرُ على مدَّة إمارته فقط، ولا يتجاوزها، فهي حرمةٌ مؤقّتةٌ. ومن هذا الباب تحريم التمباك، فإنه قد نھی عنه بعض السلاطين، فاحفظه. قوله: (فلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا)، مع أنه لم يكن في خَيْبَر مسجدٌ، فإذن هو مسجدٌ عارضيٍّ كان يُعَدُّ للصلاة ما دام القيام هناك، كما مرَّ منا من قبل. فائدة واعلم أن الزَّيْلَعِيَّ إذا يُخَرِّجُ حديثًا غريبًا، يُنَبِّهُ أولًا على غرابته، ثم يُخَرِّجُ ما يكون في معناه. بخلاف الحافظ، فإنه يُخَرِّجُ أحاديث الشافعية، ولا يُنَبِّهُ على غرابتها . ١٦١ - بابُ وُضُوءِ الصِّبْيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيهِمُ الغَسْلُ وَالطُّهُورُ وَحُضُورِهِمُ الجَمَاعَةَ وَالعِيدَينِ وَالجَنَائِزْ، وَصُفُوفهِمْ ٨٥٧ - حدّثنا ابْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيمَانَ الشَّيبَانِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ نَِّ عَلَى قَبْرِ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّهُمْ ٤٠٩ كتاب الأذان وَصَفُّوا عَلَيْهِ. فَقُلتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، مَنْ حَدَّثَكَ؟ فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ. [الحديث ٨٥٧ - أطرافه في: ١٢٤٧، ١٣١٩، ١٣٢١، ١٣٢٢، ١٣٢٦، ١٣٣٦، ١٣٤٠]. وهو صحيحٌ عندنا أيضًا، وسَهَا من نَسَبَ إلينا خلافه. قوله: (ومتى يَجِبُ عليهم الغَسْلُ والظَّهُور)، ولم يَجِبْ عنه، لأن وُجُوبَهُمَا عند وُجُوبِ سائر الأحكام وهو عند الاحتلام، إلَّا أنه يُؤْمَرُ قَبْلَه للاعتِياد. وقال أحمد رحمه الله تعالى: ويُفْتَرَضُ عليه إذا بَلَغَ عَشْر سنين . قوله: (وحُضُورِهِم الجَمَاعَةَ) وصلاتهم تقع عندنا نَفْلًا وإن صَلُّوها فريضةً. ولا بِدْع عندي ولا بُعْد في أن تَقَع عنهم فرضًا مع كونهم غيرَ مكلَّفِين، كالإسلام فإِنَّهم قالوا: إن الصبيَّ إذا أسلمَ يقعُ عن فَرْضِه وإن لم يكن فَرْضًا عِليه. فهكذا الصلاة، فإِنه لم يُصَرِّحِ أحَدٌ بخلافِهِ، وإن لم يصرّح به أيضًا. ونَسَب إلينا النوويُّ أَنَّ حَجَّ الصبيِّ لا يُعتبرُ عندنا، وهو باطِلٌ. نعم يقعُ نَفْلًا ولا يُعتبرُ عن حَجَّةِ الإِسلام. قوله: (وصُفُوفِهِم) ويَصُفُّ الصِّبيانُ مع الرِّجَالِ في صلاة الجنازة عندنا، وكذا في المكتوبةِ في بعض الصُّور. وراجع تفصيله في كُتُب الفقه. ٨٥٨ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَیم، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َلْ قَالَ: ((الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعُةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم)). [الحديث ٨٥٨ - أطرافه في: ٨٧٩، ٨٨٠، ٨٩٥، ٢٦٦٥]. ٨٥٨ - قوله: (الغُسْلُ يومَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ على كُلِّ مُحتَلِم) وهو من الحُلْم - بالضم - لا مِن الحِلْم - بالكسر .. والغُسْل واجب عند مالك رحمه الله تعالى، لكنهم يَقْسِمُون الوُجُوبَ إلى: وُجوبٍ سُنَّة، ووجوبٍ افتراض. وعندي هو واجِبٌ في بعض الصور عندنا أيضًا، وإن لم يصرّخْوا به لكنه تقتضيه قواعدهم، وهو عند تأذِّي القوم، كما حققه ابن عباس رضي الله عنه - عند أبي داود - حين سُئِل عن وُجوبِ الغُسْل. فقال: ((إنَّ الناسَ كانوا في قلة الثياب في أول أمْرِهم فيعرقون وينتشر عنهمِ النتن. فإذا وَسَّع اللَّهُ عليهم زال الوجوبُ))، لانتفاء العلة. وعُلِم منه أن الوجوب فيه يَدُورُ مع عِلَّة التأذي، فلو تحقق الآن يعود الوجوب أيضًا. ثُم إنَّه يجوزُ عندي أن يَدْخُل الوجوبُ والاستحبابُ تَحْتَ أمرٍ واحدٍ، كقوله تعالى: ﴿ِ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. أطلق على الفَرْض والنَّفْلِ جميعًا، وبَعيدٌ عندي كل البُعْد أن يكونَ مصداقُه هو صلاتَه مرةً في عمره فقط، وأما الباقيةُ فتبقى خارجةً عنه. فالحقُّ أن الأمر كما في اللغة للطلبِ فقط، وصِفَةُ الوجوب والتطوع من الخارج. نعم إذا ورد مُؤقتًا يُحْمَل على الوجوبٍ. وقد بسطتُّ الكلامَ عليه في رسالتي ((فصل الخطاب، وكشف الستر)) شيئًا . ٨٥٩ - حدّثْنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيمُوِنَةَ لَيْلَةً، فَقَامَ النَّبِيُّ فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيلِ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ مَ يهِ، فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنّ مُعَلَّقٍ وُضُوءً خَفِيفًا - يُخَفِّفُهُ ٤١٠ كتاب الأذان عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ جِدًّا - ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، فَأَتَاهُ المُنَادِي يَأْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ، قُلْنَا لِعَمْرٍو: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ وََّ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلِبُهُ؟ قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيرٍ يَقُولُ: إِنَّ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌّ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنِّ أَرَى فِىِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. [طرفه في: ١١٧]. ٨٦٠ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَه لِطَعَامِ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَّ مِنْهُ، فَقَالَ: (قُومُوا فلأَصَلِّيَ بِكُمْ)). فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُوّلِ مَا لَبِثَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ وَالْيَتِيمُ مَعِي، وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلّى بِنَا رَكْعَتَينٍ. [طرفه في: ٣٨٠]. ٨٦١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلَتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الأَحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ بَّهَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنْىٌّ إِلَى غَيرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدِي بَعْضِ الصَّفِّ، فَتَزَلتُ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ. [طرفه في: ٧٦]. ٨٦٢ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ ◌َّهَ. وَقَالَ عَيَّاشٌ: حَدَّثَنَاَ عَبْدُ الأَعْلَى قالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ فِي العِشَاءِ، حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: قَدْ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ! فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ فَقَالَ: ((إِنَّهُ لَيسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يُصَلِّي هذهِ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ)). وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ يُصَلِّي غَيرُ أَهْلٍ المَدِينَةِ. [طرفه في: ٥٦٦]. ٨٦٣ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَابِسٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: شَهِدْتَ الخُرُوجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِنَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْلَا مَكَانِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ، يَعْنِي مِنْ صِغَرِهِ، أَتَى العَلَّمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلتِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَّهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، وَأمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلتِ المَرْأَةُ تَهْوِي بِيَدِهَا إِلَى حَلقِهَا، تُلقِي فِي ثَوْبٍ بِلَالٍ، ثُمَّ أَتَى هُوَ وَبِلَالٌ البَيتَ. [طرفه في: ٩٨]. ٨٦٣ - قوله: (ولولا مَكَّانِي مِنْه ما شَهِدتُه - يَعْني من صِغَرِهِ) وله شَرْحانِ فراجع الحاشية. ٤١١ كتاب الأذان قوله: (أَتَى العَلَمَ الذي كان عِنْد دارِ كَثِير بنِ أبي الصَّلْت) ولَعلَّه كان هناك موضِعٌ مُرْتَفِعٌ، وهو تعريفٌ له بشيءٍ حَدَث بعد عَصْر النبيِّ نَّ فِإِنْ تلك الدارَ لم تكن في زَمَنِهِ وَهُ . ١٦٢ - باب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى المَسَاحِدِ بِاللَّيلِ وَالغَلَسِ ٨٦٤ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ فِيهِ بِالعَتَمَةِ، حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ! فَخَرَجَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ فَقَالَ: ((مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ غَيرُكُمْ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ)). وَلَا يُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إِلَّ بِالمَدِينَةِ، وَكَانُوا يُصَلُّونَ العَتَمَة فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُّلُثِ اللَّيلِ الأَوَّلِ. [طرفه في: ٥٦٦]. ٨٦٥ - حدّثنا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى المَسْجِدِ فَأُذَنُوا لَهُنَّ)). تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ. [الحديث ٨٦٥ - أطرافه في: ٨٧٣، ٨٩٩، ٩٠٠، ٥٢٣٨]. ١٦٣ - بابُ انْتِظَارِ النَّاسِ قِيَامَ الإِمَامِ العَالِمِ ٨٦٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مِنْدُ بِنْتُ الِحَارِثِ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َِّ أَخْبَرَتْهَا: أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ بِكُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ المَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ قَامَ الرِّجَالُ. ٨٦٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ (ح). وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ شَيْهِ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ما يُعْرَفنَ مِنَ الغَلَسِ. [طرفه في: ٣٧٢]. ٨٦٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((إِنِّي لأَّقُومٌ إِلَى الصَّلَاةِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي، كَرَاهِيَةً أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ)). [طرفه في: ٧٠٧]. ٨٦٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بنتِ عبدِ الرَّحْمنِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ، لَمَنَعَهُنَّ كَّمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قُلتُ لِعَمْرَةَ: أَوَمُنِعْنَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. ٤١٢ كتاب الأذان ١٦٤ - بابُ صَلَةِ النِّسَاءِ خَلفَ الرِّجَالِ ٨٧٠ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ قَزَعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ إِذَا سَلَّمَ، قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَيَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ. قَالَ: نَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ ذلِكَ كَانَ لِكَي يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ، قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مِنَ الرِّجَالِ. ٨٧١، ٨٧٢ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَينَةَ، عَنْ إِسْحاقَ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ وََّ فِي بِّيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلفَهُ، وَأُمُّ سُلَيمٍ خَلِفَنَا . [طرفه في: ٣٨٠]. ويستفاد من الأحاديث أن النِّسَاءَ كُنَّ يَحْضُرْنَ الجماعات في المكتوباتِ والعيدين مطلقًا . وكذا في هذا الكتاب: ((لا تمنعوا إماءَ اللَّهِ عن المساجدِ)). فهذا عَمَلٌ وذاك قَوْلٌ. ومع ذلك ذهبَ الفقهاءُ إلى التضييق. ومَنَعَهُنَّ المتأخرونَ مِن الخروج مطلقًا. ويؤيد ما عند أبي داود عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: ((لو أَدْرَكَ رسولُ اللَّهِ بِّهَ ما أحدثَ النِّساءُ لَمَنَعهنَّ المساجدَ كما مُنِعَتْ نساءُ بني إسرائيلَ)). وهو عندي عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا. وقِصَّةُ عمرَ رضي الله عنه مع زوجَتِه حيثُ كانت تَذْهَبُ إلى المسجد. وهي في البخاري ومَرَّت من قَبْلٍ. وَرَاجِع كَرَاهةَ خُرُوجِهِنَّ عن ابن المُبَارك عن الترمذي. واعلم أن ههنا سِرًّا(١) وهو أني لم أَرَ في الشريعة تَرغيبًا لهن في حضورهن الجماعة، بل عند أبي داود ما يخالفُه، فعن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا قال: ((صلاةُ المرأةِ في بيتِها أَفْضَلُ مِن صِلاتها في حُجْرَتِها، وصلاتُها في مَخْدَعِها أَفْضَلُ مِن صلاتِها في بيتها)). اهـ. وهذا يدلُّ على أنَّ مَرْضَى الشَّرْع أن لا يَخْرُجن إلى المساجدِ. وفي حديث آخر: ((إنْ كان لا بُدَّ لَهُنَّ مِن الخروجِ فليخرجن تَفِلاتٍ بدونِ زينةٍ، فلا يَتَعَظِّرْنَ، فإِن فَعَلْن فهنَّ كذا وكذا)). يعني زوانٍ. فهذه إباحةٌ لا عن رضاءٍ منه، كإباحة الفاتحة للمُقْتَدين. فلم يرغِبْهُنَّ في الخروج، ونهى الأزواجَ عن مَنْعِهِنَّ عن الخروج أيضًا. (١) وهذا هو السِّرُّ في حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا عند الترمذي: ((خيرُ صفوفِ الرجال أَوَّلُها، وشَرُّها آخِرُها، وخيرُ صفوف النِّساء آخِرُها، وشَرُّها أوَّلُها)». اهـ. فإِنَّ المرءَ يتعجَّبُ منه في أول نظرةٍ، لكون الصلاة خيرٌ موضوعٌ، فلا يكون في صفوفها شَرِّ. ولكن إنما جاء الشَّرُّ فيها من جهةِ قُرْب النساء من الرجال. فكُلُّ صفٍّ كان أقربَ منهن. أو كنَّ أقرب منه كان شرًّا، لا بمعنى أن فيه شّرًا الآن، بل بمعنى أنه على شفا جُرُف هارٍ. فالشرُّ في حواليه ليس بينه وبينه حاجِب، فهذا نحوُ تَلميحِ للنِّساء أنْ لا يَحْضُرْنَ الجماعاتِ من عرض الكلام، لا بصريح القول، فإِنَّ الحضور إلى الجماعاتِ خيرٌ لا ينبغي لصاحب النبوةِ أن ينهى عنه في زمانه، ولكنه يُفْهم من أطراف الكلام أن رضاءه في عدم الحضور وهو الشاكلةُ في سماعه غناءَ الجاريتين، فإِنَّه لم يكن يستمع لغنائهما وكان متغشِّيًا بالثوب، ومع ذلك لم يَنْه عنه أيضًا، وستقرره في موضعه إن شاء الله تعالى. وبالجملة هذا الحديثُ أيضًا يُبنى على ترغيبهن بعدمِ حضورِ هنَّ الجماعاتِ، هكذا فهمت من كلام الشيخ رحمه الله تعالى في درس الترمذي، والله تعالى أعلم بالصواب. ٤١٣ كتاب الأذان وهكذا فَعَل في باب الصدقة، فأمر المتصدِّقين بإِرضائهم. قالوا: ((وإن ظلمونا! قال: وإن ظلموكم)). ثُم هَذَّد العاملين أيضًا. ونحوه سَلك في طاعةِ السلطان فأوجبها ما لم يكن كُفْرًا بَواحًا، ثم أوعد السلاطين الجائرين أيضًا. وهكذا صَنيعه في النكاح فقال: ((لا نكاح إِلَّ بوليٍّ)). ثم أثبت لها حَقًّا فقال: ((الأيم أحقُّ بِنَفْسها من وَليِّها)). فهذه كلَّها أبوابٌ من قَبيل واحدٍ. وسنقرره في النكاح إن شاء الله تعالى. ٨٦٦ - قوله: (كُنَّ إذا سَلَّمْنَ مِنْ المَكْتوبةِ قُمْنَ، وَثَبت رسولُ اللَّهِ وَلَهُ وَمَنْ صَلَّى مِن الرِّجَالِ) وذلك لئلا يلزمَ الاختلاطُ في الطريق. ١٦٥ - بابُ سُرْعَةِ انْصِرَافِ النِّسَاءِ مِنَ الصُّبْحِ، وَقِلَّةِ مَقَامِهِنَّ فِي المَسْجِدِ ٨٧٣، ٨٧٤ - حدّثنا يَحْيى بْنُ مُوسى قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيِحٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وََّ كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، فَيَنْصَرِفِنَ نِسَاءُ المُؤْمِنِينَ، لا يُعْرَفنَ مِنَ الغَلَسِ، أَوْ لَا يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا. [طرفه في: ٣٧٢]. ١٦٦ - بابُ اسْتِئْذَانِ المَرْأَةِ زَوْجَهَا بِالخُرُوجِ إِلَى المَسْجِدِ ٨٧٥ - حدّثنا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ بَيَّ: ((إِذَا اسْتَأْذَنَّتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْنَعْهَا)). [طرفه في: ٨٦٥] .. يقول: على الرجال أن لا يبادِرُوا بالخروج، وعليهن أن يَتَسارَعْنَ إلى الخروج، ولا يكثرن في مقامهن في المسجد، لئلا يتحرَّجَ الرجالُ، فعليهم انتظارُ خروجِهنَّ، وعليهن السرعةُ إلى القيام. ٨٧٢ - قوله: (ولا يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا) وهذا صريحٌ في عدم معرفةِ الشَّخْصِ دونَ معرفةٍ الذَّكَر من الأُنثى، كما أوَّل به النوويّ. قوله: (لا يُعْرَفْنَ مِنِ الغَلَس) أي لا يُعْرَفُ الرجالُ من النساءِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ ١ - باب فَرْضِ الجُمُعَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]. واعلم أنَّ الجُمعةَ امتازت عن سائر الصّلوات بشروطٍ إجماعًا. فلم يذهب أحدٌ منهم إلى التسوية بين الجُمعة وسائر الصّلوات. نعم اختلفوا في شرائطها: فشرَط إمامُنا لها المِصْرَ، والآخرون شرطوا العدد. فقال الشافعيّ رحمه الله تعالى: أربعين رجلاً، وهو عند أحمد رحمه الله تعالى، وفي رواية عنه: خمسون. وعند مالك رحمه الله تعالى: ثلاثونَ، وفي رواية: عشرون. وراجع (نيل الأوطار)). فلو كان في قرية أقلُّ من عشرين رجلًا لا جمعةً عليهم إجماعًا بين الأئمة. أما عند الإمام فلفقدان المِصْر، وأما عندهم فلفُقْدان العدد، فَمَنْ أوجب الجمعةَ مطلقًا فقد خَرَق الإِجماع. وعن الشافعيّ رحمه الله تعالى أنّها فرضٌ على الكفاية. نقله الخَطَّابيّ رحمه الله تعالى - وهو أوّلُ شارح على أبي داود. وادَّعى النّاس أنّها فَرْضُ عينٍ بالإجماع. قلت: ولعلّ تلك الروايةَ ثابتةٌ عنه، فإنّك إن راعيت شرائطَها ثُم أردت أن تحكم عليها لا يَسُوغ لك إلا الحُكْم بالفَرْضِ المعيّن. وإن قطعت النظر عنها جاز لك أن تقول: إنّها فرض كفاية، بمعنى أنّها واجبةٌ على البعض دون البعض لفقدان الشرائط في حقهم. وهذا كأمرٍ الجماعة، فإنّك إن نظرت إلى الوعيد الوارد على تاركها تحكمُ بالوجوب بتًا. وإن لاحظت معه المعاذير الواردة فيها لا يَسُوغ لك إلا الحكمُ بالسنيَّة فاعلمه. وقال الشيخ ابن الهمام: إنّ الجمعة آكَدُ الفرائض وقد مرّ. ثم اعلم أنَّ الجمعة فُرِضَتْ بمكة ولم يتمكن النبيُّ ◌َلّ من إقامتها فيها حتى ورد المدينة، فنزل في قُباء أربعةَ عشرَ يومًا ولم يُقِم الجمعة، وأوّل جمعة أقامها في بني سالم مَحَلَّةٌ مِن المدينة. ونقل الحافظ رحمه الله تعالى في ((التلخيص)) أنَّ الجمعة فُرضَت بمكة، ولم يَنْقُل إسناده وهو موجود عندي، إلاّ أنّ فيه راويًا ساقطًا. قوله: (إذا نُودي) وفي ألفاظ النِّداء تفتيشٌ أنها كانت بالكلمات المعروفة أو غيرها . قوله: (فاسعَوْا)، وفرَّق اللّغويون بين قوله: سعى له، وسعى إليه. ومعناه ههنا فامضوا كما في قراءة عمر رضي الله عنه. ٤١٤ ٤١٥ كتاب الجمعة قوله: (ذلكم خيرٌ لكم) ومرَّ عليه ابنُ تيمية وقال: إنَّ السَّعي إليها فرضٌ بالإجماع، ومع ذلك أطلق عليه لفظ الخير(١). وفيه دليل أنَّ الخيرَ يطلق على الفَرْض كما قلت في حديث ((أمراء الجَوْر)): ((فإنّها لك نافلة))، أطلق لفظ النّافلة على المكتوبة. وفي أحاديث فضل الوضوء أنه يتوضأ فتنحَطّ عنه سيئاته، حتى تبقى له الصّلاة نافلة. ٨٧٦ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قالَ: أَخْبَرَناَ شُعيبٌ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ، حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ وَ لّه يَقُولُ: ((نَحْنُ الأَخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَيدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هذا يَومُهُمُ الَّذِي قُرِضَ عَلَيهِمْ فَأَخْتَلَفُواَ فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فالنَّاسُ لَنَا فِيه تَبَعْ: اليَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ)). [طرفه في: ٢٣٨]. ٨٧٦ - قوله: (ثُم هذا يومُهُم الذي فُرِض عليهم) واختلف فيه الشّارحون، فقيل: إنّه افترِض عليهم عينًا، ثم اختلفوا فيه، وقيل: بل فُوِّض إلى اجتهادهم فلم يُصيبوا وأخطأوا في تعيينه . فائدة واعلم أن السبب هو التّعطيل في اللُّغة العِبْرانية. وقد ثبت عندي من التوراة أن السبب كان اسمًا للجمعة ولا أدري متى وقع فيه التحريف، وكُتِبَتْ شروح التوراة في بيت المقدس وبابل ويقال لها ((كمارى))، وفيها أنَّ موسى عليه الصّلاة والسّلام كان يَعِظُهم يوم الجمعة ويبشِّرُهم بنبأً النَّبِيِّ السّبتِيّ، وفي الرِّوايات أنّه لما حارب مع العمالقةِ وكادت الشّمس أن تغرُبَ قبل أن يُفتَح له، دعا اللَّهَ سبحانه أن يُؤخّر غروب الشّمس وكان غدًا الجمعة. وٍفي الإنجيل أنّهم صلبوا رجلًا يوم الخميس، فبادروا فيه لئلا يأتي عليهم السَّبت، فدلَّ ذلك كلَّه على أن السَّبت في التّوراة هو يوم الجمعة. ثمّ اعلم أن تكوين العالم بدأ من يوم السّبت المعروف الآن. وتمَّ يومُ الخميس ولم يَخْلُق (١) قلتُ: ونظيره ما أخرجه الترمذي في باب التيمم للجنب عن أبي ذر رضي الله عنه: أن رسول الله وَلّ قال: ((الصعيد الطيب ظهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسَّه بشرته، فإن ذلك خير)) أهـ وبمثله يُجاب في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن زَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] وترجمه الشاه عبد القادر رحمه الله تعالى: ((أجهى اجهى باتين)). ومن هذا الباب قوله: ((إذا جاء أحدُكم الجمعة فليغتسل)) لا يريد بذلك أن الإتيان إلى الجمعة في خيرته جاء أو لم يجىء، ولكنه حتمّ يجب عليه، فلا يغتر من هذه الألفاظ، فإنها تُستعمل في الفرائض أيضًا، فظهر الجواب عما ورد في باب الحج: ((من أراد منكم العمرة أو الحج فليُهْلِل)) أو كما قال، فاستدل منه الشافعية أن الإحرام موقوف على إرادة العمرة والحج لا مطلقًا، فمن لم يُرِذهما أو أحدهما له أن يدخلها بدون إحرام، قلنا: يجب لمن أراد دخول مكة أن يُخرم بأحدهما، ولا يخالفه لفظ الإرادة كما علمت أنه يستعمل في الفرائض، فالإحرام واجب عليه أراد أو لم يُرِد وسيجيء تفصيله في بدء الحج إن شاء الله تعالى. ٤١٦ كتاب الجمعة في يوم الجمعةِ هذه شيءٌ واستوى الرّحمن على العرش كما يليق بشأنه المقدَّس، وبعد مرور أزمانٍ - يعلم اللهُ قدرها - خلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة. فتبادر إلى الأوهام أنه خُلق في يوم الجمعة من هذا الأسبوع. والصّواب عندي مَا قرّرت. ولذا ترى في الآيات أنّ الله سبحانه وتعالى كلما ذكر خَلْقَه العالَمَ ذكر بعده الاستواء على العرش لأنّه كان في الخارج كذلك، فإنّه لما فرغ من تكوين العالم استوى على عرشه ولم يخلق شيئًا، حتى إذا كان في جمعةٍ أخرى بعدها بكثير خلق آدم. ثمّ اعلم أن الجمعة تذكرةٌ لحفلةٍ تقوم في الآخرة على قدر تلك الأيام، فيجتمع فيها المؤمنون والأنبياء والصّديقون على منازلهم، وتحصل لهم الرؤية كما في الأحاديث. قوله: (اليهُودُ غدًا والنَّصَارَى بَعْدَ غدٍ) عندي: تنقلب الأيام والجهات في المحشر، فأوّل أيام الدنيا هو السّبت وآخرها الجمعة، فتكون الجمعة في المحشر أوّل أيامه، فنحاسَب أولًا، ويكون الآخَرون سابقين كما في الحديث. وقد مرَّ معنا التنبيه على أنَّ عند المصنّف صحيفةً فيها نحو مائة حديث وأوَّلُها: ((نحن الآخرون السّابقون))، فإذا أراد المصنف رحمه الله تعالى أن يُخرِج حديثًا منها أخرج أولًا هذا الحديث، ثم أخرج الحديث الذي يريده إشارةً إلى أنّ هذا الحديث من تلك الصحيفة، كما عند مسلم أيضًا صحيفةٌ وهو يشير إليها أيضًا بنحوٍ آخر، وقد قرّرناه من قبل والغافل يذهَل عنه، ويُتعِب نفسه، ويُضيع وقته في إيجاد المناسبات ولا يستطيعه، فتشمَئِزُّ نفسه ففرِّج عنك الكرب فإنه لا تكون له مناسبةٌ غير أنه يكون إشارةً إلى الصحيفة فقط. ٢ - باب فَضْل الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَهَل عَلَى الصَّبِيِّ شُهُودُ يَوْمِ الجُمُعَةِ، أَوْ عَلَى النِّسَاءِ ٨٧٧ - حدَّثْنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلْ قالَ: ((إذَا جاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلَيَغْتَسِل)). [الحديث ٨٧٧ - طرفاه في: ٨٩٤، ٩١٩]. ٨٧٨ - حدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحمَّدِ ابْنِ أَسْماءَ قالَ: أَخْبَرَنَا جُوِيرِيَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سالِم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ،َ عنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، بَينَما هُوَّ قائمٌ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َةِ، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ ساعَةٍ هذه؟ قالَ: إِنَّ شُغِلتُ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إلى أَهْلِىِ حَتَّى سَمِعْتُ التَّأذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأُتُ. فَقَالَ: وَالوُضُوءُ أَيضًا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَأْمُرُ بالغُسْلِ! [الحديث ٨٧٨ - طرفه في: ٨٨٢]. عبر بالفضل فلعلّه إشارةٌ إلى عدم وجوبه. قوله: (وهل على الصّبيِّ شهوةُ يوم الجمعةِ، أو على النِّساء) ولم يُجِبْ عنه لأنَّه لم يكن عنده لذلك دليلٌ من الحديث الذي أخرجه. وذهب الجمهور إلى عدم وجوب الجمعة على ٤١٧ كتاب الجمعة هؤلاء، ومع ذلك اتّفقوا على أنّهم لو شهدوا الجمعة تقع عن فَرْض الوقت، واستثناؤهم موجودٌ في صريح الرواية عند أبي داود وغيره. ٨٧٧ - قوله: (إذا جاء أَحَدُكُم الجمعةَ فليغتَسِل) ولفظ أحدكم يدل على أن الآتي ليس كلّا منهم بل فيه استثناء في نظر الشارع، وفي رواية تالية: ((غسل يوم الجمعة واجب))، وهو عندي: محمول على الجنس أو على المبالغة، ولا يصح تأويل الواجب بمعنى الثابت وقد مرَّ الكلام فيه آنفًا. وفيه دليلٌ على أن حال الجمعة ليس كسائر الجماعات، بل لها شرائطُ ليست لغيرِها كما قرَّرنا . قوله: (فناداهُ عُمَرُ رضي الله تعالى عنه وكان يخطُب). وفي ((فتح القدير)): أنّ الأمر والنّهي في الخطبة يجوز للإمام دون القوم، والرجل الجائي هو عثمان ذو النورين رضي الله عنه، كما هو عند التّرمذي. ولم يأمره بالرجوع والغُسْل، فدل على عدم الوجوب. ٨٧٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيم، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلّ قَالَ: ((غُسَّلُ يَوْم الجُمعَةِ واجبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم)). [طرفه في: ٨٥٨]. ٨٧٩ - قوله: (كلِّ مُحْتَلِم) ودلّ مفهوم النّعت أن لا وجوبَ على الصِّبيان والنِّسوان، وبه وافق الترجمة . ٣ - باب الطِّيب لِلجُمْعَةِ ٨٨٠ - حدّثنا عَليٍّ قالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكرِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سُلَيمِ الأَنصارِيُّ قالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ قَالْ: أَشَهَدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّ قَالَ: ((الغُسْلُ يَوْمُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم، وَأَنْ يَسْتَنَّ، وَأَنْ يَمَسَّ طيبًا إِنْ وَجَدَ)). قالَ عَمْرٌو: أَمَّا الغُسْلُ فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاحِبٌ، وَأَمََّ الإِسْتِنَانُ وَالطَّيبُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَوَاجِبٌ هُوَ أمْ لَا؛ وَلكِنْ هَكَذَا في الحَدِيثِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هُوَ أَخو مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، وَلَمْ يُسَمَّ أَبُو بَكْرٍ هذا، رَوَاهُ عَنْهُ بُكَيرُ بْنُ الأَشَجِّ، وَسَعيدُ بْنُ أَبي هِلَالٍ وَعِدَّةٌ. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ يُكْنَى بِأَبِي بَكْرٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ. [طرفه في: ٨٥٨]. ٨٨٠ - قوله: (الغُسلُ يومَ الجمعة واجبٌ على كل محتلِم وأن يَسْتَنَّ) قيل: إن الاستنان إذا لم يكن واجبًا فكيف يجب الغسل، فإنّ السياق واحد؟ وأجيب: بأن قوله: ((وأن يستن)) مدرَج. قوله: (أما الغُسْل فأشهد أنّه واجِبٌ، وأما الاستِنان فالله تعالى أعلم) وهذا يدلُّ على أن الراوي فَهِم الكلَّ مرفوعًا . ٤ - باب فَضْلِ الجُمُعَةِ ٨٨١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قال: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ سُمَيِّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ ٤١٨ كتاب الجمعة عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي صَالحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَُّ قال: مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانيَةِ، فَكَأَنَّما قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ راحَ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقرَنَ، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجاجَةٌ، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيضَةً، فَإِذَا خَرَج الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذُّكْرَ)). ٥ - بابٌ ٨٨٢ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّهُ، بَينَما هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِذْ دَخَلَّ رَجُلٌ، فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ تَحْتَبِسُونَ عَنِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: ما هُوَ إِلَّا سَمِعْتُ النِّدَاءَ فتوَضَّأْتُ، فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعُوا النَّبِيَّ بِّهَ قالَ: ((إِذَا رَاحِ أَحدُكُمْ إِلَى الجُمُعَةِ فَلَيَغْتَسِل؟)). [طرفه في: ٨٧٨]. ٨٨١ - قوله: (غُسْلَ الجنابة) مفعول مطلق للتشبيه . قوله: (ثُمَّ راح فكأنّما قرَّب بَدَنَةً) الخ. وفيه مراتب الفضل في حضور الجماعة. وتلك الساعاتُ تبتدِىء من الصّبح عند الجمهور. ومن الزَّوال عند المالكية. فتكون تلك لحظاتٍ خفيفة تمسكًا باللفظ(١). فإِنه في اللّغة يُستعمَل فيما بعد الزَّوال. وتمسّك الجمهور بتعامل السّلف وكانوا يروحون من غداة الجمعة ثم يَرجِعون إلى بيوتهم بعد قضائها ويَتغدّون ويَقيلون. والمسائل لا تُبنَى على اللّفظ الواحد بل لا بد من النّظر إلى التعامل كما مر منا التنبيه عليه. ثم عند النّسائي مرتبةٌ سادسةٌ أيضًا: وهي مرتبة البَطّ والعصفور. والبَدَنة عندنا تطلق على البعير والبقر. وعندهم على الأوّل فقط. ووافقهم على كلِّ ذلك اللغويون كلُّهم. قوله: (شاة) والتاء في الحيوانات تكون للوِحْدة دون التأنيث، وهي تَعمُّ المَعِزَ والضّأن. قوله: (قَرَّب دجاجةٌ) واعلم أنه لم يُرِد بهذا السياق تعليم مسألة الأضحية، بل أراد التنبيه على مراتب الحاضرين في الجمعة الأول فالأول، وذِكْرُ هذه الحيوانات على نحو التشبيه وتَنزيلُه مَنزلة الأضحية لا يُؤْخَذُ عنه جوازُ أضحيةِ الدّجاجة كما قاله بعضُ الجاهلين، ولذا لم (١) قال الخطّابي في ((معالم السنن)) ص (١٠٩): راح إلى الجمعة معناه: قصدها وتوجه إليها مبكرًا قبل الزوال، وإنما تأولناه على هذا المعنى لأنه لا يجوز أن يبقى عليه بعد الزوال من وقت الجمعة خمس ساعات، وهذا جائز في الكلام أن يقال، راح لكذا ولأن يفعل كذا بمعنى أنه قصد إيقاع فعله وقت الرَّواح، كما يقال للقاصدين إلى الحج حُجَّاج ولَمَّا يحجوا بعد، وللخارجين إلى الغزو غُزاة، ونحو ذلك من الكلام. فأما حقيقة الرواح، فإنما هي بعد الزوال، يقال: غدا الرجل في حاجته إذا خرج فيها صدر النهار، وراح لها إذا كان ذلك في عجز النهار أو في الشطر الآخر منه. وأخبرني الحسن بن يحيى عن أبي بكر بن المنذر، قال: كان مالك بن أنس يقول: لا يكون الرَّواح إلا بعد الزوال وهذه الأوقات كلها في ساعة واحدة، قلت: كأنه قسَّم الساعة التي يحين فيها الرَّواح للجمعة أقسامًا خمسة فسماها ساعات على معنى التشبيه والتقريب، كما يقول القائل: قعدت ساعة وتحدثت ساعة ونحوه يريد جزءًا من الزمان غير معلوم وهذا على سعة مجاز الكلام وعادة الناس في الاستعمال اهـ. ٤١٩ كتاب الجمعة يَجْرِ بِهِ تعامُلُ السَّلَف ولا عَمِل به واحدٌ منهم، وإلاّ وجب أن تَصِحَّ أضحية البيضة أيضًا، فإِنّها ثَبَتَت عند مسلم في رواية أيضًا. قوله: (فإِذا خرج الإِمام) إلى المسجد إن لم يكن فيه، أو إلى المِنْبَر إن كان فيه. قوله: (حضرت الملائكة يَستمِعون الذّكر) تَمَسَّك به الشيخ العينيّ رحمه الله تعالى على وجوب الاستماع. قلت: وهو استنباطٌ لطيفٌ لكن كَونَه حجة قاطعة على الوجوب فيه خَفَاء. وقد مرّ معنا في جواب الأذان عند الخطبة ثلاثةُ أقوال للحنفية. والأرجح عندي أن يُجيبَه إن لم يكن أجاب الأذان الأوّل. ٦ - باب الدُّهْنِ لِلجُمُعَةِ ٨٨٣ - حدّثنا آدَمُ قالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ، عَنْ سَلمَانَ الفَارِسِيِّ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ يَمَسُ مِنْ طِيِبٍ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَينِ، ثُمَّ يُصَلِّي ما كُتِبَ لَّهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإِمامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَينَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى)). [الحديث ٨٨٣ - طرفه في: ٩١٠]. ٨٨٤ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قالَ طَاوُسٌ: قُلتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ نَ لَ قَالَ: ((اغْتَسِلُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاغْسِلُوا رُؤُوسَكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا، وَأَصِيبُوا مِنَ الطِّيب)). قالَ ابْنُ عَبَّاس: أَمَّا الغُسْلُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الطِّبُ فَلَا أَدْرِي. [الحديث ٨٨٤ - طرفه في: ٨٨٥] ٨٨٥ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى قالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ: أَنَّ ابْنَ جُرَيجِ أَخْبَرَهُمْ قالَ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمًّا: أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِّ وَِّ فِي الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقُلتُ لَاِبْنِ عَبَّاسٍ: أَيَمَسُ طيبًا أَوْ دُهْنًا، إِنْ كانَ عِنْدَ أَهْلِهِ؟ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُهُ. [طرفه في : ٨٨٤]. ٨٨٣ - قوله: (إلا غُفِر له ما بينَهُ وبينَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى) وعند مسلم: وزيادة ثلاثة أيام، بحساب الحسنة بعشرة أمثالها، ولا يَستقيم الحسابُ(١) إلاّ إذا عُدَّت الأيامُ من صلاة الجمعة (١) قال الخطابي في ((معالم السنن)) (١٠٢/١) قوله كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها - يريد بذلك ما بين الساعة التي تصلى فيها الجمعة إلى مثلها من الجمعة الأخرى لأنه لو كان المراد ما بين الجمعتين على أن يكون الطرفان وهما يوما الجمعة غير داخلين في العدد لكان لا يحصل من عدد المحسوب له أكثر من ستة أيام ولو أراد ما بينهما على معنى إدخال الطرفين فيه بلغ العدد ثمانية فإذا ضممت إليها الثلاثة الأيام المزيدة التي ذكرها أبو هريرة صارت جملتها إما إحدى عشر يوماً على أحد الوجهين وإما تسعة أيام على الوجه الآخر فدل أن المراد به ما قلنا على سبيل التكسير لليوم ليستقيم الأمر في تكميل عدد العشرة اهـ. ٤٢٠ كتاب الجمعة إلى صلاة الجمعة فإنّها سبعة، وإن عَدَدْتَها من اليوم إلى اليوم حَصَلَت الثمانية، ومع زيادةِ ثلاثةِ أيام يَحْصَل أحدَ عَشَر. ٨٨٤ - قوله: (أمّا الّيبُ فلا أَدري) هذا مع أنّ ابن عباسٍ رضي الله عنه يرويه بنفسه عند أبي داود (١) ولعله نفى عِلْمه بلحاظِ قَيْدٍ في نفسه كالوجوب مثلًاً. ٨٨٥ - قوله: (إنْ كانَ عِنْدَ أَهْلِهِ) ولمّا كان عندهم طِيبُ الرّجال ما خَفِي لونه وظَهَر ريحُه على عكس طِيبِ النّساء سَتَلَ أنّه إذا لم يكن عنده من طيب الرّجال، فهل له أن يَتطيِّب بطيبٍ عند أهله؟ فأجابه ابن عباس رضي الله عنه أنّه لا يَعْلَمُه . ٧ - بابٌ يَلْبَسُ أَحْسَنَ ما يَجِدُ ٨٨٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَأَى حُلَّةَ سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوَ اشْتَرَيتَ هذهِ، فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَلِلوَفِدِ إِذَا قَدِمَّوا عَلَيكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِنَّمَ يَلْبَسُ هذهِ مَنْ لَا خَلاقَ لَّهُ في الآخِرَةِ)». ثُمَّ جاءَتْ رَسُولَ اللّهِ وَ مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتَنِيها وَقَدْ قُلتَ في حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلتَّ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَها)). فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخَا لَه بمَكَّةَ مُشْرِكًا. [الحديث ٨٨٦ - أطرافه في: ٩٤٨، ٢١٠٤، ٢٦١٢، ٢٦١٩، ٣٠٥٤، ٥٨٤١، ٥٩٨١، ٦٠٨١]. ٨٨٦ - قوله: (حُلَّةَ سِيرَاءَ) قال سيبويه: إنه يجوز بالإِضافة والنَّعت كِلَيْهما، وكانت من حريرٍ. والسِّيَراء المُخَطِّط. قوله: (وللوَقْد إذا قَدِموا عليك) وكانت له عِمامةٌ يَلْبَسها للوفود. قوله: (مَنْ لا خَلاق له في الآخِرة) وذهب بعض العلماء إلى أنّ لابسَ الحرير وشاربَ الخمر يُحرَم منهما في الجنّة أيضًا. لأنّه تَتَشَوَّف إليهما نفسُه(٢) ثم لا يُعْطَى، ولكن لا تَشْتهي. قوله: (كَسَوْتَنِيها) كأنّ عمر رضي الله عنه فَهِم أنَّ ما يكون حرامًا يَحْرُم به الانتفاعُ مطلقًا، (١) يقول العبد الضعيف: ولم أجده عند أبي داود في أبواب الجمعة، ولعله يكون في كتاب آخر، وأخطأ عنه بصري أو قلمي عند الأخذ عنه، نعم أخرج الحافظ عن ابن ماجه وفيه عن ابن عباس رضي الله عنه وفيه وإن كان له طيب فليمس منه ثم لم يُجِب عن هذا الاختلاف. (٢) أخرج الترمذي في الآداب: من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)) وفي قوت المعتدي زاد ابن حبان: ((وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه)). قال: فرأى أنه يُحرمه إذا دخل الجنة إذا لم يتُب فإن كانت هذه الجملة من قول النبي ◌َّر فهو غايته في البيان، وإن كان من قول راويه على ما ذَكَر أنه موقوفٌ فهو أعلم بالمَقَال وأَقْعَدُ بالحال ومثله لا يُقال رأيًا، ثم ذَكَر فيه قولًا آخرَ ثم رَدَّ عليه وقال: والحديث يَردُّ هذا القول بل لا يَشتهي ذلك أصلًا كما لا يَشتهي منزلة مَنْ فَوْقه فلا عُقوبة.