النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
كتاب الأذان
سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((ذلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ)). [الحديث ٨٠٦ - طرفاه في: ٦٥٧٣، ٧٤٣٧].
قيل: إنه يَحْرُم على النار أن تَأْكُلَ أعضاءَ السجود. وقيل: الرأس، والجبهة فقط. وفيه
خلافٌ بين النووي في (شرح مسلم))، والحافظ رحمه الله تعالى، فليحرَّر كلام الحافظ، فإن
كلامه مُؤَثِّرٌ هنا. ولا بُعْدَ أن يكون فيه غلطٌ من الناسخ، فإن نسخته الجديدة مملوءةٌ من الأغلاط
وصححتها، فبلغت أغلاطها إلى خمسمائة. والعلم عند الله سبحانه وتعالى.
٨٠٦ - قوله: (يُحْشِرُ الناس)، هذا كلامٌ مُسْتَأْنَفٌ.
قوله: (فيأتيهم الله)، وقد مرَّ مني: أن الأفعال اللازمة المُسْتَعْمَلة في الحضرة الإلهية يُرَاد
بها: تَعَلَّق تلك الصفة بالمحل، والمتعدية منها يُرَاد بها: إحداث هذا المحل وإيجاده. فالإتيان
والنزول والاستواء كلها أفعال لازمة، فَيُرَاد بها: تَعَلُّق هذه الصفات بالمحل، وهذه كلّها
تجلّيات للرب جلّ مجده.
قوله: (كلاليب): هي علائق النفس تَتَجَسَّدُ هناك.
قوله: (بآثار السجود). وعند مسلم ما يَدُلُّ على استثناء دَارة الوجه فقط. قلتُ: ولعلَّ
الحال يكون مختلفًا، فتأكل النارُ بعضَهم غير دَارةٍ وجههم، وبعضَهِم أعضاءَ سجودهم كلَّها .
واسْتُفِيدَ منه: أن العبادات أيضًا تَذْهَبُ إلى جهنم، إِلَّا أن النار لا تُؤَثِّرُ فيها أصلًا.
قوله: (حَمِيل السيل) (روكا ملغوبا).
قوله: (ثم يفرغ الله من القضاء) إطلاق الفراغ مشاكلة فقط فإنه إذا لم يكن له شغل لم يكن
له فراغ.
قوله: (لك ذلك ريِثْلُهُ معه. قال أبو سعيد: إني سمعته يقول: ذلك لك وعشرة وأمثاله).
قيل: ولعلَّهما حديثان، فحَفِظَ كلٌّ ما لم يحفظه الآخر. وقيل: المثل جنس يَصْدُق على الكثير
أيضًا، فيقع على الأمثال. وما تبيَّن لي أن لفظَ الحديث كان: ((ومثله عشر مراتٍ)) بالتعاطف
هكذا: مثله، ومثله، ومثله، ... إلخ. فاستوفى أبو سعيد كلَّه في لفظٍ، واقْتَصَرَ آخرُ على مرةٍ
منها .
١٣٠ - بابٌ يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ
٨٠٧ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرِ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مالِكِ ابْنِ بُحَينَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَجَ بَيْنَ يَدَيهِ، حَتَّى يَبْدُوَ
بَيَاضُ إِبْطَيهِ. وَقَالَ اللَّيثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةً نَحْوَهُ. [طرفه في: ٣٩٠].
١٣١ - بابٌ يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيهِ القِبْلَةَ
قَالَهُ أَبُو حُمَيدِ السَّاعِدِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ

٣٨٢
كتاب الأذان
١٣٢ - بابٌ إِذَا لَمْ يُتِمَّ السُّجُودَ
٨٠٨ - حدّثنا الصَّلتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ،
عَنْ حُذَيفَةَ: رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ حُذَيفَةُ: مَا
صَلَّيْتَ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيرِ سُنَّةٍ مُحَمَّدٍ نَّه. [طرفه في: ٣٨٩].
قال الحافظ رحمه الله تعالى: إن حديث ابن بُحَيْنَة المُعَلَّق ههنا ظاهره وجوب التفريج
المذكور، لكن أخرج أبو داود ما يَدُلُّ على أنه للاستحباب، وهو حديث أبي هُرَيْرَة رضي الله
تعالى عنه: ((شكا أصحابُ النبيِّ ◌ََّ له مَشَقَّةَ السجود عليهم إذا انْفَرَجُوا، فقال: اسْتَعِينُوا
بالرُّكَب)). وترجم له بالرخصة في ذلك، أي: في تركِ التفريج. قال ابن عَجْلانِ - أحد رواتهِ -:
وذلك أن يَضَعَ مِرْفَقَيْهِ على رُكْبَتَيْه إذا طال السجود وأعْيَا. وقد أخرج الترمذيُّ الحديثَ
المذكورَ، ولم يقع في روايته: ((إذا انفرجوا))، فترجم له: ما جاء في الاعتماد إذا قام من
السجود، فجعل محل الاستعانة بالرُّكَب لمن يَرْفَعُ من السجود طالبًا للقيام. واللفظ مُحْتَمِلٌ لِمَا
قَال، لكن الزيادة التي أخرجها أبو داود تُعَيِّنُ المراد. اهـ.
قلتُ: شرح أبي داود مرجوحٌ عندي، أمَّا شرح الترمذي فله وجهٌ. وحاصله على ما نقله
الحافظ: أن المرادَ من الاستعانة بالرُّكَب: الاستعانةُ عند النهوض من السجود، دون الاستعانة
بالمِرْفَقَيْن حال السجود، لكن لفظه عندنا هكذا: باب الاعتماد في السجود. وظاهرُه رَاجِعٌ إلى
شرح أبي داود، لكن لمَّا نقل عنه الحافظ ما يَدُلُّ على الاعتماد حين القيام، نَاسَبَ أن يُؤَوَّل في
النسخة التي بأيدينا أيضًا، بأن يُقَالَ: معنى الاعتماد في السجود: الاعتماد في القيام من
السجود. ثم هذا التأويلُ لا يجري فيما أخرجه الترمذيُّ من متن الحديث عندنا، لأن فيه: ((أن
أصحابه اشتكوا مَشَقَّةَ السجود عليهم إذا تَفَرَّجُوا، فقال: استعينوا بالرُكَب)). وهذا يَدُلُّ على أن
الشِّكَاية كانت في حال السجود، لا في حال القيام من السجود(١) .
وأخرجه الطّحَاوِيُّ في باب التطبيق في الركوع، وليس فيه لفظة: ((إذا تفرَّجُوا)). ولذا
وَسِعَه أن يَحْمِلَهُ على الاستعانة بالرُّكَب في الركوع على خلاف التطبيق. فتحصَّل من المجموع
ثلاثة شروح: الأول للترمذيِّ، وحاصلُه على لفظ الحافظ: اسْتَعِينُوا بالرُّكَب عند القيام من
السجود لئلا يَشُقُّ عليكم التفريج. والثاني للطّحَاوِيِّ: أي اسْتَعِينُوا بالرُّكبِ في الركوع بالقبض
عليها - على خلاف التطبيق - مخافةَ أن تَسْقُطُوا. والثالث لأبي داود: أي اسْتَعِينُوا بالمرافق في
حال السجود خَشْيَةً أن تَتْبَعُوا ولا يحتمل لفظ أبي داود غير هذا الشرح، بخلاف لفظ الترمذيِّ،
(١) قلتُ: إن ترجمة الترمذيِّ لا تُوجَدُ عندنا على ما نقله الحافظ رحمه الله تعالى. كذلك متن الحديث أيضًا ليس
عندنا على اللفظ الذي نقله، لأنه قال: إن لفظ: ((إذا انْفَرَجُوا)) لم يقع في روايته مع أنه واقعٌ عندنا كما عَلِمْتَ.
والفرق بالانفعال والتفعُّل لا يُجْدِي، فالحديث على ما نقله يُطَابِقُ ترجمته عند الحافظ رحمه الله تعالى بدون
تأويلٍ. وأمَّا إذا كان لفظُ الحديث كما هو عندنا، فلا يُطَابِقُ إلَّ الترجمة التي في نسختنا، إلّا أن يُؤَوَّل في
الحديث والترجمة كليهما، وحينئذٍ، يكون مآله إلى النسخة التي عند الحافظ رحمه الله تعالى.

٣٨٣
كتاب الأذان
فإنه وإن كان على اللفظ الذي عندنا، لكنه يحتمل أن يُرَادَ فيه من الاستعانة: الاستعانةُ عند
القيام، كما مرَّ منا تأويله.
قلتُ: وقد تكلّم عليه الطَّحَاوِيُّ عند بيان التفقُّه فيه بما يَدُلُّ على أنه أدرك سرَّ الصلاة.
فقال ما حاصله: إن بُنْيَة الصلاة تُبْنَى على المُرَاوَحة، والتفريق بين الأعضاء، والمجافاة والتفرُّج
بينها، وعدم استعانة بعضها من بعض، وعدم اعتماد أحدها على الآخر، فإنه أَمَرَ في القيام
بصف القدمين وهو تفريقُهما. وكذلك في السجود بأن يُؤَدِّيه على سبعة آراب، ومالُه هو التفريقُ
بينها، وعدمُ استعانة بعضها ببعض، وهو محظُّ التفريج. فإذا كان الحال في القيام والسجود
كذلك، فينبغي أن يكونَ في الركوع أيضًا مثله، فَيُفَرِّقُ بين الأيدي ولا يُظْبِقُ، لأنه أيضًا نوعُ
استعانةٍ ولعَمْرِي هو كلامٌ في غاية المتانة.
فإذا كان الأمر كما حرَّره الطَّحَاوِيُّ، فلعلَّهم ما كانوا يَسْتَعِينُون في صلواتهم بالرُّكَب عند
الخرور إلى السجود، والرفع منه، كما نقل عن ابن عمر رضي الله عنه فإنه لم يكن يستعين
بالركب عند الذهاب إلى السجود ولا عند القيام منه، وكان يذهب إلى السجود ويرفع عنه كذلك
بدون استعانة من الركب وحينئذٍ فالظاهر أن شكايتهم كانت في العسر في الخرور والرفع كذلك
فرشخّص لهم في ذلك: أن يَسْتَعِينُوا بالرُّكَب.
فالصوابُ عندي أن الحديثَ محمولٌ على الاستعانة بالرُّكَب عند النهوض، وعند الخُرُور
إلى السجود، ولا يأباه إلَّا لفظ التفرُّج عند الترمذيِّ. ويمكن شرحه: أن المراد من التفرُّج في
السجود: هو عدم الاعتماد، وعدم الاستعانة عند القيام منه، والذهاب إليه كذلك. مع أنه ليس
عند الطَّحَاوِيِّ، وهو الذي رَامَهُ عمر رضي الله عنه من قوله، كما عنده: ((أَمِسُوا)» فقد سُنَّت لكم
الرُّكب))، فإن لفظَ الإمساس ناظرٌ إلى ما قلنا. وعند الترمذيِّ عنه: إن الرُّكَب سُنَّت لكم، فخذوا
بالرُّكَب)). ورواه البيهقي بلفظ: ((كنا إذا رَكَعْنَا جعلنا أيدينا بين أفخاذنا، فقال عمر: إن من السُّنَّة
الأخذ بالرُّگب)).
ولفظ عمر رضي الله عنه هذا، ولفظ المرفوع: ((استعينوا بالرُّكَب)) بمعنى، فليس هذا
الاستعانة في السجود أصلًا كما شرح أبو داود. ثم يُسْتَفَادُ من الحديث أن تلك الاستعانة
رُخْصَةٌ، ومعنى الرَّخْصَةِ فيه ظاهرٌ. ولذا كان ابن مسعود رضي الله عنه يُطْبِقُ بين يديه عملًا
بالعزيمة، ونحوه عن عليّ رضي الله عنه أيضًا. فالطعنُ عليه تَعَسُّفٌ، على أن الأُسْوَةَ عنده صلاة
النبيِّ وَّه وكان طَبَّق فيها. وقد عَلِمْنَا من عادات الصحابة رضي الله عنهم: أنه إذا اتفق لهم أمرٌ
مع النبيِّ رَّدَا وَمُوا عليه، وذلك غيرُ قليلٍ منهم.
والحاصلُ: أن الطَّحَاوِيَّ أخذ الاستعانةَ بالرُّكَب عند الذهاب إلى الركوع، وأخذها
الترمذيُّ عند النهوض من السجود، وأخذتهما عند الذهاب، وعند النهوض كليهما، فإن العُسْرَ
فيهما على السواء. وإنما حَمَلَني على ذلك الشرح تفقُّه الطَّحَاويِّ، وترجمة الترمذيِّ على ما
نقلها الحافظُ رحمه الله، فهو الشرح للحديث عندي، ولا بحثَ لنا عن ترجمة الترمذيِّ. فليكن

٣٨٤
كتاب الأذان
على لفظ الحافظ رحمه الله، أو على ما في أيدينا، فلا تُسْرِعْ في الرَّدِّ والقَبُول، فرُبَّ عَجَلَةٍ
تُقْضِي إلى عَثْرَةٍ (١).
١٣٣ - بابُ السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُم
٨٠٩ - حدّثنا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسِ: أُمِرَ النَّبِيُّ وَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ أَعْضَاءٍ، وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا: الجَبْهَةِ،
وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَينِ، وَالرِّجْلَينِ. [الحديث ٨٠٩ - أطرافه في: ٨١٠، ٨١٢، ٨١٥، ٨١٦].
٨١٠ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِّ ◌َّ قَالَ: ((أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُم،َ وَلَا نَّكُفَّ
ثَوْبًا وَّلَا شَعَرًا)). [طرفه في: ٨٠٩].
٨١١ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ
الخَظْمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا البَرَاءُ بْنُ عازِبٍ، وَهُوَ غَيرُ كَذوبٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلَفَ
النَّبِيِّ وَِِّّ، فَإِذَا قَالَ: ((سمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِّدَهُ)) لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ
جَبْهَتَّهُ عَلَى الأَرْضِ. [طرفه في: ٦٩٠].
وحاصلُه: أن يَسْجُدَ بحيث يكونُ الساجدُ سبعًا، لا أن يَسْجُدَ هو ويكون السبعُ آلاتٍ له فقط .
(١) قلتُ: وتلخيصُ الكلام: أن قولَه: ((اسْتَعِينُوا بالرُّكب ... )) إلخ في حال السجود عند أبي داود، وهو مرجوحٌ عند
الشيخ، وعند الترمذيِّ: في الاستعانة في القيام من السجود على لفظ الحافظ، وعند الطّحاويِّ: في الاستعانة
في الذهاب إلى السجود على عكس الترمذي. وذلك للفظ السجود عند الترمذيِّ، فأخذه فيه، وعدمه عند
الطَّحاويِّ، فأمكن حمله على الاستعانة في الذهاب: وجمع الشيخُ رحمه الله تعالى بينهما، وجعله من باب حفظ
كل ما لم يحفظه الآخر، فكان اللفظان عند أبي هريرة رضي الله عنه، واقتصر أحدُ رواته على واحدٍ منهما عند
الترمذيِّ، وعلى الآخر عند الطَّحاويِّ. والتامُّ هو المجموع، فليس هذا الحديث في السجود فقط، ولا في
الركوع فقط، بل فيهما. ومعنى شِكاية التفرُّج في السجود عند الترمذيِّ: أي الذهاب إلى السجود، والرفع منه
متفرّجًا بدون استعانة، هذا ما حَصَلَ لي.
قلتُ: والذي فَهِمْتُه من كلام الطَّحَاوِيِّ: أن الحديثَ عنده محمولٌ على الأخذ بالرُّكَب، على خلاف التطبيق،
دون الاستعانة بالرُّكَب للخُرُور إلى السجود، ويَظْهَرُ من تقرير الشيخ على ما هو عندي أنه أخذه في الاستعانة عند
الانتقال من القَوْمة إلى السجود، ولا يَظْهرُ من كتابه، ويمكن أن يكونَ عَزَاه إليه على طريق اللازم، فإن المعنى
في نسخ التطبيق عنده: عدمُ الاستعانة، ولا فرق في ذلك في الأخذ بالرُّكْبِ، والاستعانة عند الانتقال إلى
السجود، فإنهما استعانةٌ في الصلاة، فاستَوَيَا في كونهما رُخْصةً، وصَحَّ أن يُقَال: إن أخذَ الحديث في الاستعانة
بالرُّكب عند الانتقال أيضًا لاتحاد المعنى. والله تعالى أعلم بمراد عباده، فليحرِّره.
وكنت أنظر في كلام الشيخ رحمه الله تعالى هذا إلى زمانٍ طويلٍ، ولم أكن أَفْقَهُهُ، ولا كنت آمَلُ منه، فتركته حتى
منَّ اللَّهُ عليَّ بتسويد هذه الأوراق، وحينئذٍ أَوْغَلْتُ في طلبه ثانيًا، حتى كُشِفَ لي مراده. وفي النفس منه بعضُ
شيءٍ بَعْدُ، وإنما أوضحناه حَسَب ما يسَّر لنا الحالُ، والأمر بعدُ بيد الله المتعال.

٣٨٥
كتاب الأذان
رفي الخارج: أن الأشعارَ أيضًا تَسْجُدُ، ولذا نهى أن يُصَلِّي معقوصًا. وفي الآثار: أن الثيابَ تَسْجُدُ
يُضًا، فنهى عن كفِّها. فإذا كان حال الثياب والأشعار هذا، فما بال الأعضاء. وادَّعَيْتُ منه: أن
ليدين أيضًا تركعان، كما أنهما تَسْجُدَان، وليستا بمُعَظَّلَتَيْن. واختار ابن الهُمَام: أن وضعَ السبعة
واجبٌ. وفي المشهور: وجوب وضع الجبهة وإحدى الرجلين فقط، ووضعُ البواقي سنةٌ .
قلتُ: ولعلَّ للجبهة مَزِيَّةً على سائر الأعضاء، اختصاصًا بحقيقة السجود ما ليس لسائرها،
كما يُعْلَمُ ذلك من الأدعية الواردة في السجود، فأمكن أن يكونَ القولُ المشهور كاشفًا لهذا
المعنى. وحينئذٍ ينبغي أن يبقى في النظر فقط دون العمل. وبعبارة أخرى: إن القول المشهور
ليس لبيان ما ينبغي في العمل، بل لبيان اختصاص الجبهة بحقيقة السجدة.
قوله: (لم يَحْنِ). وقد مرَّ أنه كان حينٍ بَدُن النبيُّ ◌َ لّهِ، وكانوا خِفَافًا، فلو قَارَنُوا معه في
الأفعال، ربما أمكن أن يتقدَّمُوا عليه، وقد نُهُوا عنه. فلذَا أُمِرُوا بالتعقيب، لأن التعقيبَ سنةٌ
وأصلٌ. ولذا قلتُ: إن من صلَّى مع الإِمام، وليس معه غيره، يتأخّرُ عنه بيسيرٍ، كما هو عن
محمد رحمه الله تعالى، لئلا يتقدَّم، فَتَفْسُدُ صلاته.
١٣٤ - بابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ
٨١٢ - حدّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ِ: ((أُمِرْتُ أنْ أَسْجُدَ عَلَى سُبْعَةٍ أَعْظُم:
عَلَى الَجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ - وَاليَدَينِ، وَالرُّكْبَتَينِ، وَأَظْرَافِ القَدَمَينِ، وَلَا نَكْفِتَ
الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ)). [طرفه في: ٨٠٩].
وهو روايةٌ عن إمامنا رحمه الله تعالى، ونقل الشاميُّ الرجوعَ عنها، فلا يُجْزِىءُ الاقتصار
عليه إلَّا من عُذْرٍ. قلتُ: ولعلَّ الإِمامَ لم يَرْجِعْ عنه ثم اعلم أن الجبهةَ واحدٌ، والجبين: اثنان،
وهما قرنا الرأس.
٨١٢ - قوله: (وَأَشَارَ)، فسمَّى الجبهةَ، وأَشَارَ إلى الأنف. ويجري فيه ما ذَكَرَهُ صاحب
(الهداية)) في باب المهر: أن التسميةَ إذا تَعَارَضَتْ بالإِشارة، فهل تُعْتَبَرُ بالإِشارة أو بالتَّسْمِيَةِ. ثم
حرَّر أن العبرةَ عندنا بالإِشارة، فإنها أبلغ بالتعيين. وحينئذٍ لمَّا كانت الإِشارةُ إلى الأنف، دَلَّتْ
على أن الاقتصارَ عليه كافٍ. واعْتَرَضَ عليه ابن دقيق العيد أن قوله إلى الأنف تعبيرٌ من
الراوي، لاتحاد جهة الأنف والجبهة، فكيف تعيَّن كونها إلى الأنف؟ لِمَ لا يجوز أن يكونَ أشار
إلى الجبهة، ولمّا كانت جبهته جهة الأنف، عبّر عنه الراوي بما ترى؟
قوله: (ولا نَكُفِت الثياب)، دلَّ النهيَ على سجود الثياب أيضًا، وَسَيُبَوِّبُ المصنّفُ
رحمه الله تعالى بباب عقد الثياب لِمَا يُتَوَهَّمُ من النهي الإطلاق، مع أنه ثَبَتَ إذا خاف
الانكشاف، كما في التوشُّح، والمخالفة بين الطرفين والعقد.
١٣٥ - بابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ في الطِّينِ
٨١٣ - حدّثنا مُوسى قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى

٣٨٦
كتاب الأذان
أَبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ فَقُلتُ: أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ نَتَحَدَّثْ! فَخَرَجَ، فَقَالَ: قُلتُ: حَدِّثْني ما
سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ بُّ فِي لَيلَةِ القَدْرِ؟ قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهَ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ،
وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمامَكَ، فَاعْتَكَفَ العَشْرَ الأَوْسَطَ فَاعْتَكَفْنَا
مَعَهُ، فَأَتَاهُ حِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمامَكَ. قَامَ النَّبِيُّ ◌َّ خَطِيبًا، صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ
رَمَضَانَ، فَقَالَ: (مَنْ كانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ نََّ فَلَيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيلَةَ القَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيْتُهَا ،
وَإِنَّها فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَماءٍ)). وَكَانَ سَقْفُ
المَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ، ومَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأَمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ
حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطّينِ وَالمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَ ◌ّهِ وَأَرْنَبَتِهِ، تَصْدِيقُ رُؤْيَاهُ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ الحُمَيدِيُّ يَحْتَجُّ بِهَذا الحَدِيثِ يَقُول: لَا يَمْسَحُ. [طرفه في: ٦٦٩].
قال الفقهاء إذا كان وَحْلًا لا يمكن السجود عليه حيث يَدُسُّ الوجهَ فيه، يُؤَخِّرُ الصلاة.
١٣٦ - بابُ عَقْدِ الثِّيَابِ وَشَدِّهَا،
وَمَنْ ضَمَّ إِلَيهِ ثَوْبَهُ إِذَا خَافَ أَنْ تَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ
٨١٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفيَانُ، عَنْ أَبِي حازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ
سَعْدٍ، قَالَ: كانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ نَّهَ، وَهُمْ عاقِدُوِ أُزْرِهِمْ مِنَ الصِّغّرِ عَلَى رِقابِهِمْ،
فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ: ((لَا تَرْفَعْنَ رُؤُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا)). [طرفه في: ٣٦٢].
يريد أن العقد عند خوف الانكشاف ليس من الكف الممنوع.
قوله: ((فقيل للنساء لا ترفعن رؤوسكن)) إلخ دل على أن المعتبر في الستر هو الستر في
نفسه فلو تعمق أحد في النظر ورآها لم يمنع، ثم هذا كله عند سعة الثياب. أما في الحديث فكان
لقلة الثياب إذ ذاك كما صرح به الراوي عند مسلم.
١٣٧ - بابٌ لاَ يَكُفُّ شَعَرًا
٨١٥ - حدّثنا أَبُو الثُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهوَ ابْنُ زَيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ،
عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: أُمِرَ النَّبِيُّ ◌ََّ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ أَعْظُمْ، وَلَّا يَكُفَّ
ثَوْبَهُ وَلَا شَّعَرَهُ. [طرفه في: ٨٠٩].
(لا يكف شهراً) وذلك لما مر أنها تسجد أيضاً إلا أن الحديث فيه لما لم يكن على شرطه
أخرج له حديث السجود على سبعة أعظم إلخ، وإنما أراد بذلك التنبيه على سجود تلك
الأعضاء. وأنها تسجد أيضاً بمعنى أن لها سجوداً برأسه لا أن الإنسان ساجد وتلك آلاتها فقط.
١٣٨ - بَابٌ لاَ يَكُفُّ ثَوْبَهُ فِي الصَّلاَةِ
٨١٦ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ،

٣٨٧
كتاب الأذان
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، لَا
أَكُفُّ شَعَرًا وَلَّا ثَوْبًا)). [طرفه في: ٨٠٩].
والسَّذْلُ(١) والكفُّ ممنوعان عندنا أيضًا، فالمطلوبُ هو الاعتدالُ في الصلاة. أمَّا تفسيرُ
السَّدْل فراجعه من ((المغرب)) للطبري، فإنه لخص فيه ((المعجم)) وذكر فيه لغات فقه الحنفية.
وأمَّا لُغَاثُ فقه الشافعية، فمذكورةٌ في ((التهذيب».
١٣٩ - بابُ التَّسْبِيحِ وَالدُّعاءِ فِي السُّجُودِ
٨١٧ - حدّثنا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ سُفيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ
مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ
فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)). يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ. [طرفه
في: ٧٩٤].
وجملةُ الأحاديث أن الأدعيةَ عن النبيِّ وَِّ ثَبَتَ في عِدَّة مواضع: بعد التحريمةِ قبل
القراءةِ، وبعد القراءةِ قبل الرُّكُوعِ، وفي الرُّكُوعِ، وفي القَوْمةِ، وفي السَّجْدَةِ، وبين السجدتين،
وبعد التشُّهد قبل التسليم. ولو عدَّدنا ما عند الطبراني لازداد موضعٌ آخر، وهو: ((أنه قال بعد
الفاتحة: آمين ثلاث مراتٍ)). وفي لفظ: ((أنه قال: آمين، ثم قال: اللهم اغفر لي)). ثم إذا دَعًا
(١) قال الحافظ التُّورِبِشْتِي في ((شرح المصابيح)): إني تفكّرْتُ في معناه بعد التدبُّر لسياق لفظه، فرأيت غير ذلك المعنى
- ما ذكره آخرون - أمثل من طريق المُطَابقة، وذلك لأن إرسالَ الثوب حتى يصيبَ الأرضَ منهيُّ عنه على الإطلاق،
وفي الحديث خصَّ النهي بالسَّدْل في الصلاة، فلا بدَّ له من فائدة، ثم رَدَّ على مَنْ ذكر فائدته التأكيد في حقِّ
المُصَلِّي، ثم ذكر شرحه من عند نفسه، فقال: إنما خصَّ بالمصلِّي، لأن العرب من عادتهم أن يَشُدُّوا الإزار على
أوساطهم فوق القميص كل الشدّ في حال المشي، فإذا انتهوا إلى مجالسهم حلُّوا العُقْدَة، وأَسْبَلُوا الإزار حتى
يُصِيبَ الأرض، ثم رَبَطُوه بعضٍ الربط، لأن ذلك أروحُ لهم، وأسمحُ لقيامهم وقعودهم. وكانوا يَصْنَعُون وذلك في
الصلاة، فَتَهُوا عنه، لأن المُصَلِّي لم يكن لِيَأْمَنَ أن تَنْحَلَّ العقدَةُ، أو تَتَشَبَّثَ فيه عند النهوض رِجْله، فَيَنْفَصِلُ عنه،
فيكون مصليًا في ثوبٍ واحدٍ، وهو منهيٍّ عنه. أو يتشاغل بإمساكه عن نفسه، فيجدُ الشيطان به سبيلًا إلى تخبُّطه في
الصلاة. وربما يَضُمُّ إليه جوانب ثوبه، فَتَصْدُرُ عنه الحركات المتداركة، فلهذه المعاني نهى عنه.
ولم أُقْدِم على استنباط معنى هذا الحديث إلاَّ بعد أن كنتُ شاهدتُ تلك الهيئة من أُناسٍ أهل مكة يعتادونها، ويأتون
بها في مجالسهم - والله تعالى أعلم. انتهى ملخّصًا ..
ويقول العبدُ الضعيف: لا شكَّ في متانة كلامه، غير أنه يُبْنَى على أن معنى السَّذْل: إرسال الثوب حتى يُصِيب ..
الأرضَ، كما صرَّح هو به. وهذا تفسيرُ الإسبال عند فقهائنا، أمَّا تفسيرُ السَّذل عندهم فهو: أن يجعلَ الثوبَ على
رأسه وكتفيه، ويُرْسِلَ أطرافَه من جوانبه. وفي ((المستخلص)): أن جعل القَّبَاء على الكتف، ولم يُدْخِل يديه في
الكُمَّيْنِ، فهو مكروه أيضًا، سواء كان تحته قميص أو لا - وفسَّره الترمذيُّ باشتمال الصماء عند اليهود.
ثم السَّذلُ بهذا التفسير يُكْرَهُ في الصلاة دون الخارج، بخلاف الإسبال، فإنه ممنوعٌ مطلقًا. ولعلَّه حمل السَّذْلَ على
اللغة دون ما هو مصطلح الفقهاء. ولا ريب أن حمل الأحاديث على المعاني اللغوية، أَوْلَى من حملها على
المعاني الفقهية، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

٣٨٨
كتاب الأذان
أحدٌ في غير المواضع المشهورة أحيانًا، حسَّنه الشارع أيضًا، ولم يُعَنِّفْهُ عليه. وقد قدّمنا عن
المحقّق ابن أمير الحاج: أن الأدعيةَ والأذكارَ كلَّها تجوز في الصلوات كلِّها، وفي الفرائض
أيضًا بشرط عدم التثقيل على القوم، غير أن المكتوباتِ لما كان مبناها على التخفيف، كما تَدُلَّ
عليه قصة مُعَاذ رضي الله عنه وغيرها، لم يَجْرِ العملُ بها عندنا في المكتوباتِ، حتى تَرَكُوا
ذكرها في الكُتُب أيضًا، بخلاف النوافل، فإِنَّها على رأيه فإِن شاء طوَّلها أطول من أطول،
فوضعوها فيها. وفي ((المبسوط))(١) ما يَدُلُّ على عدم جوازها في المكتوبات.
٨١٧ - قوله: (يتأوَّل القرآن): أي هذه كانت صورة العمل بالاستغفار المأمور به في سورة
الفتح. وعن عائشةَ رضي الله عنها: ((أنه {َّ جعلها وظيفةً له بعد نزولها، قاعدًا وقائمًا، آيبًا
وذاهبًا»، لأنه كان فيها خبرُ وفاته، فكان الإِكثار في آخره. وحينئذٍ لو ادَّعى أحدٌ أن هذا الدعاء
ينبغي أن يَقْتَصِرَ عليهِ نَّهُ ولا يكون سنةٌ في حقِّنا، كان له وجهٌ.
١٤٠ - بابُ المُكْثِ بَينَ السَّجْدَتَينِ
٨١٨ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّ مالِكَ بْنَ
الحُوَيرِثِ قَالَ لأَصْحَابِهِ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ بَّرَ؟ قَالَ: وَذَاكَ فِي غَيرِ حِينٍ
صَلَاةٍ، فَقَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَامَ هُنَيَّةً، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ هُنَيَّةً،
فَصَلَّى صَلَاةَ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ شَيخِنَا هذا. قَالَ أَيُّوبُ: كانَ يَفعَلُ شَيئًا لَمْ أَرَهُمْ يَفعَلُونَهُ،
كَانَ يَقْعُدُ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ. [طرفه في: ٦٧٧].
٨١٩ - قَالَ: فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ◌َ فَأَقَمْنَا عَنْدَهُ، فَقَالَ: ((لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ، صَلُّوا
صَلَاةَ كَذَا فِي حِينٍ كَذَا، صَلَّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينٍ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ
أَحَدُكُمْ، وَلَيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ)). [طرفه في: ٦٢٨].
٨٢٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
الزُّبَيرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنِ الحَكَم، ◌َنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي لَيَلَى، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ:
كانَ سُجُودُ النَّبِيِّ رََّ وَرُكُوعُهُ، وَقُعُودُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَينِ، قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. [طرفه في: ٧٩٢].
٨٢١ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِنِّي لَا أَلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كما رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َهَ يُصَلِّي بِنَا. قَالَ ثَابِتٌ:
كانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لَّمْ أَرَكُمْ تَصْنَعُونَهُ! كانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى يَقُولَ
القَائِلُ: قَدْ نَسِيَ، وَبَيْنَ السَّجْدَتَين حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: قَدْ نَسِيَ. [طرفه في: ٨٠٠].
واعلم أن التَّعْدِيلَ في المواضع الأربعة سنةٌ في تخريج الجُرْجَاني، وعند الكَرْخِي:
واجبٌ في الركوع والسجود، وسنةٌ في القَوْمَةِ والجِلْسَة، واختار الشيخُ ابن الهُمَامِ الوجوبَ في
(١) يقول العبد الضعيف: هكذا في مذكرتي من كلام الشيخ وما راجعته فإن لم يكن في الأصل كذلك فهو مني ومن
سبق قلمي.

٣٨٩
كتاب الأذان
المواضع كلِّها. ثم في كُتُب الحنفية: إنه فرضٌ عند أبي يوسف رحمه الله تعالى، وواجبٌ
عندهما. وهذا يَدُلُّ على ثبوت الخلاف بين أئمة الحنفية، ولم يتحقَّق عندي بينهم خلافٌ، لأن
الطحاويَّ لم يَذْكُر فيه خلافًا، بين أئمتنا، مع كونه أعلم بمذهبنا .
وفي (البدائع)) عن أبي حنيفة لمن تَرَكَهُ: أخشى عليه أن لا تَجُوزَ صلاته، فدَلَّ على عناية
الإمام بالتعديل جدًا. فمن نَسَبَ إلينا أن معاشرَ الحنفية لا يُبَالُون به، فقد أتى ببهتانٍ عظيم.
والذي ظَهَرَ لي: أن لا خلافَ في المسألة أصلًا، فإن التعديلَ بقدر انقطاع الحركة الانتقالية
فرضٌ عندنا أيضًا، وهذا هو الذي يعني الشافعية بركنيته، وقدر تسبيحةٍ واجبٌ، وبعد ذلك فهو
سنةٌ، وإذن لم يَبْقَ بيننا وبينهم خلافٌ. ثم اعلم أن الأدعيةَ في القَوْمة وردت في ((الصحيحين)).
وأمَّا في الجِلْسَة، فمذكورةٌ في ((السنن)) مع مناقشته فيها، فدَلَّ على خِفَّة أمرها في الجلْسَة
بالنسبة إلى القَوْمة. وهي فريضةٌ عند أحمد في الجِلْسَة، وأقلُّها أن يقولَ: اللهم اغفر لي. قلتُ:
وينبغي الاعتناء بها للحنفي أيضًا، لأن الركوعَ والسجودَ لا يأتي فيهما التقصير، لمكان تلك
الأذكار الموضوعة فيها، بخلاف القَوْمة والجِلْسَة، فإن التقصيرَ يأتي فيهما كثيرًا. ولذا أقول
باعتناء الأذكار فيهما أيضًا .
٨١٨ - قوله: (قال أيُّوبُ: كان يَفْعلُ شيئًا لم أَرَهُم يَفْعَلُونَه: كان يَقْعُدُ في الثالثة أو
الرابعة) فيه دليلٌ على خُمُول جَلْسَة الاستراحة وقلَّتها جدًا. ومع ذلك ثَبَتَت في الروايات،
وصرَّح الحلواني بجوازها، ومن صرَّح منها بالكراهة، فلْيَحْمِلْها على تطويلها على القَدْر
المُعْتَاد، وإلَّ فهوِ مخالفٌ للحديث.
قوله: (لَمْ أَرَهُمْ)، وفيه دليلٌ على شِدَّة خمول جِلْسَة الاستراحة، فإن القائلَ تابعي لا يَنْقُلُ
إلّا من عمل الصحابة رضي الله تعالى عنهم والتابعين. وهو حُجَّةٌ قاطعةٌ عندي لنفي جِلْسَة
الاستراحة، لأن أقوى الحُجَجِ عندي: هو التوارث والتعامُل، لا سِيَّما إذا كان فيما يَكْثُرُ وقوعه،
كَجِلْسَة الاستراحة.
١٤١ - بابٍ لاَ يَفْتَرِشَ دِرَاعَيهِ فِي السُّجُودِ
وَوَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا .
وَقَالَ أَبُو حُمَيدٍ : سَجَدَ النَّبِيُّ ◌َ
٨٢٢ - حذّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ:
قَالَ: ((اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطُ
سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ
أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيهِ انْبِسَاطَ اَلْكَلَبِ)). [طرفه في: ٢٤١]
وعند أبي داود عن ابن عمر أن اليدين تسجدان أيضا. وسجودهما بأن تكون صاعدة من
الأعلى وخافضة من الأسفل وبالافتراش تنعدم تلك الهيئة فينعدم سجودها، وقد مر أن الشرع
أراد تحفظ الصلاة عن الهيئة القبيحة و التشبه بالحيوانات وفي الافتراش ذلك فان الكلب يفترش
ويقعى ولو فعله أحد في التراويح اذا تعب وسعه ذلك.
واعلم أن المطلوبَ عند الشارع أن يكونَ المصلِّي في صلاته على أعدل حالٍ وأحسن
هيئةٍ قال تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتْ عِندَ في سْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] من ههنا حذَّرَ النبيُّ ◌َّ أن يختار

٣٩٠
كتاب الأذان
أقبح الهيئة في صلاته، كانبساط الكلب، والتفات الثعلب، ونَقْرَة الدِّيك، أو الغُرَاب، وعُقْبَة
الشيطان، وبروك الجمل، وتوطين البعير، وتذبيح الحمار (١). فمن كان خُلِقَ على أحسن تقويمٍ،
لا ينبغي له أن يَحْضُرَ بين يدي خالقه على هيئة الأنعام.
١٤٢ - بابٌ مَنِ اسْتَوَى قاعِدًا فِي وِتْرٍ مِنْ صَلاَتِهِ، ثُمَّ نَهَضَ
٨٢٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيِمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا خالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ
أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مالِكُ بْنُ الحقَّيرِثِ اللَّيِيُّ: أنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ وَيُصَلّي، فَإِذَا كانَ فِي
وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ، لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قاعِدًا .
الآن ترجم المصنف رحمه الله تعالى على جلسة وفهم منها الحافظ دحمه الله
تعالى أنه اختارها وأنها ستة عنده، قلت: أما كونها ستة فقد علمت حاله مما قاله أيوب
رضي الله عنه آنفا. ومما نقل عن أحمد رحمه الله تعالى من عدم ثبوتها في الأحاديث الا
قليلا ، ومن اختياره الترك بنفسه وان ثبت عنه في الآخر فهو لعذر الكبر لا للرجوع عنه كما
فهم، وأما كون المصنف رحمه الله تعالى اختاره فلا دليل فيه أيضا لأنه لم يصفح به بل
وضع لفظ من اشارة الى خفة أمرها كأنه أشار إلى مسكة من اختار الرفع، والنظر اذا دار
في مسالة فعل فيها المصنف رحمه الله تعالى كذلك ولا يتولى به بنفسه.
وقد مرَّ مِنَّا أن من جَلَس جَلْسة الاستراحة، فلا يَخْلُو إمّا أن يُكبِّرَ للنهوض تكبيرةً أخرى،
أو يطوِّلَ تكبيرةَ الرفع من السجود، أو يقطعها. فعلى الأول يَلْزَمُ الزيادة على أعداد التكبير،
وعلى الثانيٍ يَلْزَمُ العُسْر، وعلى الثالث يَلْزَمُ خلاف المعهود من التكبير عند كل خفضٍ ورفع.
وليس هذا إِلَّ لِمَا عَلِمْتَ منِ خُمُولها، فإِن الشيءَ إذا خَمَلَ ونَدَرَ، قلَّ عنه البحثُ، وَالفحصُ
والتأصيلُ، والتفريعُ كما مرَّ آنفًا في قراءة الفاتحة ورفع اليدين.
١٤٣ - بابٌ كَيفَ يَعْتَمِدُ عَلَى الأَرْضِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَةِ
واعلم أن الاعتمادَ على الأرض في القِعْدَة مكروهٌ بلا خلافٍ، وإنما الخلاف في الاعتماد
عند النهوض. واختاره الشافعيةُ، وكان ابن عمر رضي الله عنه يفعله. وبوَّب أبو داود: بكراهية
الاعتماد على اليد في الصلاة، وأخرج فيه عن ابن عمر حديثًا اخْتُلِفَ في ألفاظه، ولفظ عبد
الملك: ((نهى رسولُ الله ◌َ أن يَعْتَمِدَ الرجلُ على يديه إذا نَهَضَ في الصلاة ... » إلخ. وهذا
عينُ نقيض ما ذَهَبَ إليه الشافعيةُ، إلَّا أنهم لمَّا اختاروه التزمتُ جوابه، لكن أنكرتُ كونه سنةً -
أعني كونه مطلوبًا عند الشرع - فأمرُه عندي أخفُّ من جِلْسَة الاستراحة أيضًا.
والذي يَظْهَرُ عندي أن ابن عمر رضي الله عنه كان يَفْعَلُه من اجتهاده، لأنه لم يكن يستعينُ
بالرُّكَب عند الخُرُور إلى السجود والرفع منه. فإِذا رفع رفع كذلك، زعمًا منه أن وضعَهما على
الرُّكْبَتَيْن انقطاعٌ لسجودهما، ونقصٌ فيه، فإِنهما إذا ارتفعتا للسجود، فتمامية سجودهما: أن
(١) وكل ذلك إشارة إلى الأحاديث الواردة فيها .

٣٩١
كتاب الأذان
تَذْهَبًا إليه كذلك بدون وقوف في البين، فإِذا لم يضعهما على الرُّكْبَتَيْن عند السجود لذلك، لم
يضعهما عند الرفع منه أيضًا، لتبقى شاكلتهما في الصورتين واحدةً. ونحوه قرَّرنا فيما قبل من
كلام الطَّحَاوِيِّ رحمه الله تعالى: إن بُنْيَة الصلاةِ تُبْنَى على التفريج، وعدم اعتماد بعض الأعضاء
على البعض. فإِذا كان الأمرُ عنده كذلك، فلعلَّه لمَّا كَبَّر وثَقُل جهد في القيام بدون اعتمادٍ على
الرُّكب، فاضْطَرَّ إلى وضعهما على الأرض، وهكذا يكون في الفروع.
فإِن الإِنسانَ إذا اختار جانبًا، ثم تظهر له فروع، يُكَمِّلُها ويُرَتِبُهَا على الأصل الذي اختاره،
وهو معنى الاجتهاد. وعندي فإن الجزئيَّ الواحدَ قد يَصْدُقُ عليه ألف كُلِّيَّات. كذلك الصورةُ
الواحدةُ قد تَدْخُلُ في عِدَّة ضوابط، فالنظر في أنها إلى أيِّ الضوابط أقرب لِيَنْسَحِبَ عليها
حكمها، هو الاجتهاد، ولا يهتدي إليه غير المجتهد. فصورةُ الاعتماد إنما حَدَثَت من نحو هذا،
ولا أراها ثابتةً من السُّنية. والله تعالى أعلم.
٨٢٤ - حدّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ:
جاءَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيرِثِ، فَصَلَّى بِنَا فِي مَسْجِدِنَا هذا، فَقَالَ: إِنِّي لأُصَلِّيَ بِكُمْ وَما أُرِيدُ
الصَّلَاةَ، وَلكِنْ أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيَفَ رَأَيتُ النَّبِيَّ ◌َّهَ يُصَلِّي. قَالَ أَيُّوبُ: فَقُلتُ لأَبِي
قِلَابَةَ: وَكَيفَ كَانَتْ صَلَاتُهُ؟ قَالَ: مِثْلَ صَلَاةٍ شَيخِنَا هذا، يَعْنِي عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ. قَالَ
أَيُّوبُ: وَكَانَ ذلِكَ الشَّيخُ يُتِمُّ التَّكْبِيرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ، وَاعْتَمَدَ
عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ قَامَ. [طرفه في: ٦٧٧].
٨٢٤ - قوله: (وكان ذلك الشيخُ يُتِمُّ التكبيرَ): أي يَسْتَوْفي عددها، ويأتي بتمامها، ولا
يُنْقِصُ منها شيئًا. وذلك لأنا قد عَلِمْنَا من الخارج: أنه كان وقع فيها حذفٌ من بني أُميَّة.
قوله: (واعْتَمَدَ على الأرض). ولا أحفظُ عن النبيِّ ◌َّ شيئًا في ذخيرة الحديث إلّا قوله:
(استعينوا بالرُّكَب))، أو ((أمِسُوا بالرُّكَب))، وبوَّب عليه الترمذيُّ بالاعتماد في السجود، فزاد فيه
لفظ السجود من عنده، مع أنه ليس في نسخة الحافظ. وعنده ما يَدُلُّ على أن الترمذيَّ حمل
الاستعانةَ على الاستعانة عند الرفع. وقد مرَّ الكلامُ فيه مبسوطًا عن قريبٍ.
١٤٤ - بابٌ يُكَبِّرُ وَهُوَ يَنْهَضُ مِنَ السَّجْدَتَينِ
وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيرِ يُكَبِّرُ فِي نَهْضَتِهِ.
٨٢٥ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ صَالِح قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ
قَالَ: صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ، فَجَهَرَ بالتّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَحِينَ سَجَدَ، وَحِينَ
رَفَعَ، وَحِينَ قامَ مِنَ الرَّكْعَتَينِ، وَقَالَ: هَكذا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َثّ.
٨٢٦ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غَيلَانُ بْنُ
جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: صَلَّيتُ أَنَا وَّعِمْرَانُ صَلَاةً خَلفَ عَليٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَينِ كَبَّرَ، فَلَمَّاَ سَلَّمَ، أَخَذَ

٣٩٢
كتاب الأذان
عِمْرَانُ بِيَدِي، فَقَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا هذا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ بَّهِ، أَوْ قَالَ: لَقَدْ ذَكَّرَنِي هذا صَلَاةَ
مُحَمَّدٍ ◌َِِّ [طرفه في: ٧٨٤].
وقد مرَّ أن السُّنة: أن يجعلَ الانتقالَ مَعْمُورًا بالذكر. واختصر المصنِّفُ رحمه الله تعالى
حديث أبي سعيد في إمامته، وهو عند النَّسائي مُفَصلًا. وإنما تَعرَّض فيه الراوي إلى جهره
بالتكبير، لِمَا عَلِمْتَ من حذف بني أُمَيَّة بعدها. أمَّا المصنِّفُ، فلعلَّه يريد به التعريض إلى حيث
يُنْكِرُون بالتكبير عند النهوض من القِعْدَة. وقالوا به عند المالكية عند بلوغه في القيام، لتكونَ
شاكلتُها وشاكلةُ الركعة الأولى واحدةً.
قلتُ: وإن حصل به التناسُب، لكن الأمرَ في مثله على النقل عن السلف، لا على
التناسب فقط .
٨٢٦ - قوله: (لقد ذَكَّرني): فيه تعريضٌ إلى عثمان رضي الله عنه.
١٤٥ - بابُ سُنَّةِ الجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ
وَكَانَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ تَجْلِسُ فِي صَلَاتِهَا جِلسَةَ الرَّجُلِ، وَكَانَتْ فَقِيهَةً.
٨٢٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّه كانَ يَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَاَ يَتَرَبَّعُ فِي
الصَّلَاةِ إِذَا جَلَسَ، فَفَعَلتُهُ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ، فَنَهَانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَقَالَ: إِنَّمَا
سُنَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ اليُمْنِى، وَتَثْنِي اليُسْرَى، فَقُلتُ: إِنَّكَ تَفعَلُ ذلِكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ
رِجْلَيَّ لَا تَحْمِلَانِي.
٨٢٨ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرِ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ خالِدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ.
وَحَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، وَيَزِيد بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
حَلحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ: أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َِّ،
فَذَكَرْنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ ◌َهِ، فَقَّالَ أَبُو حُمَيدِ السَّاعِدِيُّ: أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولٍ
اللَّهِ ﴿، رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيهِ مِنْ رُكْبَتَيهِ، ثُمَّ هَصَرَ
ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ
وَلَا قابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَظْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيهِ الْقِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَينِ جَلَس عَلَىَ
رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ، قَدَّمَ رِجْلَّهُ اليُسْرَى،
وَنَصَبَ الأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ. وَسَمِعَ اللَّيْثُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ، وَيَزِيدَ بْنَ
مُحَمَّدِ بْنِ عمرٍو بْنِ حَلحَلَةَ، وَابْنُ حَلحَلَةَ مِنْ ابْنِ عَطَاءٍ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ اللَّيثِ: كُلُّ

٣٩٣
كتاب الأذان
فَقَارٍ. وَقَالَ ابْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيى بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَني يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ: أَنَّ
مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُ: كُلُّ فَقَارٍ .
والمسألةُ رباعيةٌ: فعندنا: الافتراش فيها. وعند مالك رحمه الله تعالى: التَّوَرُّك فيها .
وعند الشافعية: الافتراشُ في الأولى والتَّوَرُّك في الثانيةِ، وفي الثنائية التَّوَرُّك فقط. وعند أحمد
رحمه الله تعالى: كلُّ تشهُّدٍ بعده سلام، ففيه تَوَرُّك، وإلّا فافتراش. والصواب ما ذكره ابن جرير
في ((اختلاف الفقهاء)): أن الصُّوَرَ كلَّها ثابتةٌ، فالترجيحُ في الاختيار. وراجع أدلتنا من
الطَّحَاوِيِّ، و((الجوهر النقي)). والمصنّفُ رحمه الله تعالى ذَهَبَ مذهب الشافعية.
قوله: (جِلْسَة الرَّجُلِ) وعندنا فرقٌ بين جِلْسَة الرجل والمرأة، فإنها تَتَوَرَّكُ لكونه أستر لها،
ولنا في ذلك مرسلٌ في ((مراسيل أبي داود)). وممَّا يَدُلَّك على الفرق بين الهيئة في صلاتهما: ما
قال أحمدُ رحمه الله تعالى: إنها لا تَرْفَعُ يديها عند الركوع والسجود، فليتنبَّه. ثم اعلم أن
الافتراشَ والتَّوَرُّكَ في اللغة قريبٌ من السواء، فإن في التَّوَرُّك افتراشًا، وفِي الافتراش جلوسًا
على الوِرْك أيضًا، فلا فصلَ في هذين اللفظين، فإِنهما صالحان للنظرين، إِلَّا أن الراوي إذا قابل
بينهما، دَلَّ على أنه قَصَدَ الفرق بينهما .
٨٢٧ - قوله: (يَتَرَبَّعُ)، وكنا نَحْمِلُهُ على التَّربُّع المشهور، ثم عَلِمْنا من كُتُب غريب
الحديث: أن التَّربُّعَ يُطْلَقُ على جلوس المتشهد أيضًا، كتورُّك الشافعية. ونقله الحافظ رحمه الله
تعالى، وغرضُه منه أن يَجْعَلَ فِعْلَ ابن عمر رضي الله عنه مُؤيِّدًا لمذهبه .
قوله: (إنما سُنَّةُ الصلاة أن تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى)، وهذا صريحٌ في مذهب الحنفية
رحمهم الله تعالى. وادَّعَى الحافظُ رحمه الله تعالى(١) أنه صادقٌ على مذهبه أيضًا، فإِن نَصْبَ
اليُمْنَى يُسْتَحَبُّ في التورُّك عندهم أيضًا. وأقول: ويقضي العجب من الحافظ كيف حَمَلَهُ على
مذهبه، مع التصريح عند النَّسائي بافتراش الرجل اليُسْرَى، والجلوس عليها، فكيف سَاغَ له
حَمْلُهُ على مذهبه؟ بَقِيَ أن ما ذكره ابن عمر رحمه الله تعالى من سنة الافتراش، هل هي في قِعْدَة
الأولى أو الثانية؟ فقال الحافظُ رحمه الله تعالى: إنها في الأولى.
قلتُ: بل هي في الأخيرة، لِمَا أخرجه مالك رحمه الله تعالى عن عبدِ الله بنِ دِينَار: ((أنه
(١) قال الحافظُ رحمه الله تعالى: لم يُتَبَيَّن هذه الرواية ما يصنع بعد ثَنْبِهَا: هل يَجْلِسُ فوقها، أو يَتَوَرَّكُ؟ ووقع في
((الموطأ)» عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد فنصب رجله اليمنى وثنى اليسرى
وجلس على وِرْكِهِ اليُسْرَى، ولم يَجْلِس على قدمه، ثم قال: أَرَاني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر رضي الله
عنه، وحدَّثني: أن أباه كان يَفْعَلُ ذلك)) فتبيَّن من رواية القاسم ما أَجْمَلَ في رواية ابنه ... إلخ - ((فتح الباري)).
قلتُ: ولفظ رواية النَّسائي، من باب الاستقبال بأطراف أصابع القدم عند القعود: عن يحيى: أن القاسم حدَّثه عن
عبد الله وهو ابن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن أبيه، أنه قال: ((من سُنَّة الصلاة أن تَنْصِبَ القدمَ اليُمْنَى،
واستقباله بأصابعها القبلة، والجلوس على اليُسْرَى)). ففيه تصريحٌ بالافتراش على ما هو مذهب الحنفية، والله
تعالى أعلم.

٣٩٤
كتاب الأذان
سَمِعَ عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وصلَّى إلى جَنْبِهِ رجلٌ، فلمَّا جَلَسَ الرجلُ في أَرْبَع تربَّع،
وثَنَى رِجْلَيْهِ، فلمَّا انصرف عبدُ الله، عاب ذلك عليه. فقال الرجل: فإِنك تَفْعَلُ ذلك فقال
عبد الله بن عمر رضي الله عنه: إني أَشْتَكِي)). وهذا صريحٌ في أن الإِصلاح وَقَعَ في القِعْدَةِ
الأخيرةِ، دون الأولى، كما قاله الحافظُ.
قوله: (إِن رِجْلَيَّ لا تَحْمِلَانِي). وتمسَّك منه الطحاويُّ أنه يَدُلُّ على أن الرِجْلَيْنِ ممَّا
يُسْتَعْمَلَانِ في القِعْدَة، وهذا أصدقُ على مذهبنا للجلوس فيه على اليُسْرَى، ونَصْبِ الْيُمْنَى
بخلاف في التَّوَرُّك، فإِن الْيُسْرَى أو اليُمْنَى لا تُسْتَعْمَلانِ فيه، بل هُمَا مهملتان. فلو كانت رِجْلَاه
تَحْمِلانِهِ لاستعملهما في قِعْدَته، وهو بالافتراش.
قوله: (فَقَالَ أَبو حُمَيْدٍ ... ) إلخ، وفي حديثه عند الترمذيِّ: رفع اليدين أيضًا وحَكَم عليه
الطّحَاوِيُّ رحمه الله تعالى بالانقطاع، وعلَّله ابن القطّان المغربي، وابن دقيق العيد أيضًا. قال
الطَّحَاوِيُّ رحمه الله تعالى: محمد بن عمرو بن عَطَاء لم يُدْرِك صلاة أبي حُمَيْدٍ، وإنما يرويها
عن رجلٍ، كما ذكره عَطَّاف بن خالد، والرجلُ الآخر هو: عباس بن سَهْل. وراجع له رسالتي
((نيل الفرقدين))، فقد بَسَطْتُ فيها الكلامَ.
١٤٦ - بابُ مَنْ لَمْ يَرَ التَّشَهِّدَ الأَوَّلَ وَاحِبًا لأَنَّ النَّبِيَّ نَّه
قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَينِ وَلَمْ يَرْجِعْ
٨٢٩ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ
الرَّحْمُنِ بْنُ هُرْمُزَ مَوْلَى بَنِي عَبْدِ المُطَّلبِ، وَقَالَ مَرَّةً: مَوْلَى رَبِيعَةً بْنِ الحَارِثِ: أَنَّ عَبْدَ
اللَّهِ ابْنَ بُحَينَةَ، وَهوَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَهَوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَكانَ مِنْ أَصْحَابٍ
النَّبِّ ◌َِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ صَلَّى بِهِم الُهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَينِ الأُولَيَينِ، لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ
النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهُوَ جالِسٌ، فَسَجَدَ
سَجْدَتَينِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ. [الحديث ٨٢٩ - أطرافه في: ٨٣٠، ١٢٢٤، ١٢٢٥، ١٢٣٠،
٦٦٧٠].
١٤٧ - باب التَّشَهُّدِ فِي الأُولَى
٨٣٠ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَج،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ بُحَينَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ بِِّ الظَّهْرَ، فَقَامَ وَعَلَيَهِ جُلُوسَّ،
فَلَمَّا كَانَ فِي أَخِرِ صَلَاتِهِ، سَجَدَ سَجْدَتَينٍ وَهوَ جَالِسٌ. [طرفه في: ٨٢٩].
ولمَّا لم تَكُنْ مرتبةُ الواجب عند المصنّف رحمه الله تعالى، فالمراد منه عنده الفرضُ، أي
من لم يَرَ التشهُّد فرضًا. وذلك لأنه رأى أن تركه يَنْجَبِرُ بالسجود، ولو كان فرضًا لَبَطَلَتِ الصلاةُ
أصلًا، وذاك بعينه دليلُ الوجوب عند الحنفية رحمهم الله تعالى. فإنهم قالوا: إن تَرْكَهُ إذا انْجَبَرَ
بالسجدة، عُلِمَ أنه ليس بفرضٍ، كما قاله البخاريُّ. وإذا احتاج إلى جابرٍ، عَلِمْنَا أنه مهمٌ،

٣٩٥
كتاب الأذان
وليس كالسُّنة التي لا يَجِبُ بتركها شيءٌ فإذا هو بين بين، وهو الذي نعني بالوجوب.
ولما لم تكن تلك المرتبة عند الآخرين، تُوجَدُ في كُتُبِهِم مسائلَ عجيبةً. ففي كُتُب
الحنابلة: أن الفرضَ على ضربين: الأول ما يكون فرضًا، وشرطًا لصحة الصلاة مثلًا. والثاني
ما لا يكون شرطًا لها. قلتُ: والثاني هو بعينه الواجب عندنا. وكذا في كُتُب المالكية: أن
الوجوبَ على نوعين: وجوبُ سُنَّةٍ، ووجوبُ افتراضٍ. وقد اضْطَرَّ الشافعيةُ إلى القول بالواجب
في باب الحَجِّ، لأنهم رأوا هناك جِنَايات، ثم تلا فيها بالأجزئية، فقالوا بوجوبها .
فائدة
واعلم أن الشيءَ الواجبَ، وواجبَ الشيءٍ أمران. والثاني قليلٌ، فإِنه في الصلاة والحجِّ.
وهو ما يُوجِبُ تركه النقصان، بخلاف الأوَّل. والفرقُ بينهما: أن الشيءَ الواجبَ يُظْلَقُ على
مجموع ما يتركَّبُ من أجزاء: بعضُها أركانٌ، وبعضُها واجباتٌ ومستحباتٌ، كالوتر والأُضْحِيَة
وصدقة الفطر مثلًا. فإِنه واجبٌ عندنا، مع أنه يشتمل على الأركان وغيرها أيضًا. بخلاف
الثاني، فإنه يُظْلَقُ على جزءٍ خاصٍّ منه دون المركَّب كالتعديل، أو الفاتحة، وضَمِّ السورة في
الأُولّينِ، فأُسمِّيها واجبَ الشيءٍ دون الشيء الواجب، وهذا الاصطلاح أخذته من كلام صاحب
((الهداية)).
ثم لمَّا رَأَى الحنفيةُ في الصلاة والحجِّ أمورًا يُورِثُ تركها نقيصة، ولا يُوجِبُ فسادًا،
سمُّوها باسم مستقلٍ، وهو الواجبُ، أي واجبُ الشيء. وكان أولًا في هاتين العبادتين فقط، ثم
اسْتُعْمِلَ لفظ الواجب في مواضع أخرى أيضًا. وفي الحديث لطيفةٌ، فعند أبي داود: ((ومنا
المتشهِّد في قيامه)) (يعني همين تشهد قيام بين بر هنا برا). وهذا يَدُلُّ على أنه لم تكن في
أذهانهم الفاتحة، وإنما كانوا يَفْعَلُون أمورًا في اجتهادهم، فإذا كان النبيُّ ◌َّهَ يَعْلَمُها ربَّما يُقِرُّهم
عليها، وطالما يَنْهَى عنها .
١٤٨ - باب التَّشَهُّدِ فِي الآخِرَةِ
٨٣١ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ
اللَّهِ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلفَ النَّبِيِّ ◌َِّ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى قُلَانٍ
وَقُلَانٍ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِنَّهِ فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَليَقُلٍ:
التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطََّاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ
عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ - فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوِهَا، أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ - أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَّهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)). [الحديث ٨٣١
- أطرافه في: ٨٣٥، ١٢٠٢، ٦٢٣٠، ٦٢٦٥، ٦٣٢٨، ٧٣٨١].
لم يُتَرْجِمْ بالآخرة فَرْقًا بين الأولى والآخرة، بل لأجل كون الحديث في الأخيرة.
٨٣١ - قوله: (قُلْنَا السَّلامُ ... ) إلخ. ولعلَّه كان عندهم في السلام تعليمٌ إجماليٍّ، ولم

٣٩٦
كتاب الأذان
يُفَصَّل لهم بَعْدُ. ثم إن السُّهَيْلِي ذكر فَرْقًا بين السالم والسلام، فقال: إن السالم من سَلِمَ من
العيوب، والسلامَ من سلَّم غيره من العيوب. وعامَّتُهم يُفَسِّرُون السلام بمن سَلِمَ من العيوب، مع
أنه يُطْلَقُ في هذا المعنى السليم، دون السلام. والصواب: ما ذكره السُّهَيْلي.
قوله: (على جِبْرِيلَ) والجبر القوة، وإيل هو الله، فمعناه العبد القوي الله تعالى، وكذلك:
مِيخًا بمعنى الصديق والحميم، وإِسْرَاف بمعنى المصطفى، وعزرا بمعنى الناصر.
قوله: (التَّحِيَّات ... ) إلخ. قيل: التحيَّةُ في اللغة بمعنى دعاء الحياة، ثم انْسَلَخَ عنه،
وأُظْلِقَ في الدعاء مطلقًا. والمراد بها الآن: العباداتُ القوليةُ، ومن الصلوات: العبادات
الفعليّة، ومن الطََّات: العبادات المالية. ثم كان هذا تحيَّةٌ من النبيِّ ◌ٍَّ لربه في ليلة المِعْرَاج.
فردَّ عليه ربُّه: السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة الله وبركاته.
٨٣١ - قوله: (السلام علينا) إلخ: تكميلٌ من جانب النبيِّ الكريم عليه الصلاة والتسليم.
وعند البيهقيِّ ومالك في ((موطئه)): أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه كان يراه تحليلًا للصلاة،
ولذا كان يأتي بتلك الجملة في آخرها. وعند الجمهور: المُحَلِّل هو: السَّلامُ عليكم ورحمة الله،
دون السلام الذي في التشُّد. وتمسَّك منه الشاه إسماعيل رحمه الله تعالى في ((الإيضاح)) على
أن الجمعَ المُعَرَّفَ باللامِ يُفِيدُ الاستغراق.
قلت: وهو عندي في باب الأدعية، والنذر، والأيمان مسلَّمٌ، لأن مبناها على الألفاظ
فقط. أمَّا في غيرها، فلا أُسَلِّم فيها قطعية العموم.
١٤٩ - باب الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَام
٨٣٢ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ
الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ لِ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ
فِتْنَةِ المَحْيَا وَفِتْنَةِ المَمَاتِ، اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَم وَالمُّغْرَم)). فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا
أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ المَغْرَم! فَقَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَّ إِذَا غَرِمَ، حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ)).
[الحديث ٨٣٢ - أطرافه في: ٨٣٣، ٢٣٩٧، ٦٣٦٨، ٦٣٧٥، ٦٣٧٦، ٦٣٧٧، ٧١٢٩].
٨٣٣ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. [طرفه في: ٨٣٢].
٨٣٤ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي
الخَيرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ قَالَ لِرَسُوَّلٍ
اللَّهِ وَيِّ: عَلِّمْنِي دُعَاءَ أَدْعُوِ بِهِ فِي صَلَّاتِي، قَالَ: ((قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفسِي ظُلِمًا
كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ
الغَفُورُ الرَّحِيمُ)). [الحديث ٨٣٤ - طرفاه في: ٦٣٢٦، ٧٣٨٨].

٣٩٧
كتاب الأذان
والأدعيةُ على أنواع: منها ما ثَبَتَتْ عن النبيِّ ◌َِّ، فهي جائزةٌ كلُّها، كما صرَّح به في
((البحر)). وأمَّا التي كانتَ من تأليفه، ففيها تفصيلٌ من كونها تُشْبهُ كلام الناس، أو لا. وراجع
تفصيله من الفقه. ثم إني أتعجّبُ من المصنّف أنه كيف تَرَكَ الصلاةَ على النبيِّ ◌َِّ، ولم يُبَوِّبْ
عليها، وبَلَغَ إلى الأدعية مع كون حديثها عنده في الأدعية، وهي سنةٌ عند الجمهور. وقال
الطحاويُّ رحمه الله تعالى: تفرَّد الشافعيُّ رحمه الله تعالى في القول بافتراضها. فإِن قلتَ: إنه
أشار به إلى خلاف الشافعيِّ رحمه الله تعالى، فإنها لا تَنْزِلُ عن السُّنية عند أحدٍ، فلا يُنَاسِبُ ترك
ذكرها رأسًا. وبالجملة لم يتبيَّن لي وَجْهُهُ إلى الآن، ولعل الله يُحْدِثُ بعد ذلك أمرًا.
٨٣٢ - قوله: (يَدْعُو في الصَّلَاةِ): أي في مواضع الأدعية المأثورة.
قوله: (من فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ)، ولم يكن يتبيَّن لي في التعوُّذ منها وجهٌ، فإنها في
الحياة، حتى رأيت في ((البدور السافرة)) رواية: ((أن من كان في قلبه بغضٌ من عثمان رضي الله
تعالى عنه، فإنه لا يَأْمَنُ في قبره من فتنة الدَّجَّال))، فتبيَّن أن أثر تلك الفتنة تَسْرِي إلى القبور
أيضًا، وحينئذٍ تبيَّن لي وَجْهُهُ ومن ههنا ظهر وَجْهُ القِرَان بين التعوُّذ من عذاب القبر، والتعوُّذ من
تلك الفتنة. والمراد من فتنة المحيا: المعاصي، ومن الممات: سؤال النَّكِيرَيْن.
١٥٠ - بابٌ مَا يُتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، وَلَيسَ بِوَاحِبٍ
٨٣٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌ِهِ فِي الصَّلَاةِ، قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ
عَلَى قُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ِ: ((لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ،
وَلكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ
وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ - فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي
السَّمَاءِ، أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ - أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيهِ فَيَدْعُو)). [طرفه في: ٨٣١].
ويختارُ منها ما يكون أوفق لحاجته، والأحبُّ أن يختارَ الجوامع من الأدعية.
٨٣٥ - قوله: (السَّلامُ عليك أَيُّهَا النَّبِيُّ). واعلم أن النِّدَاءَ والخِطَابَ لاستحضار المنادي
في ذهنه، سواء كان حاضرًا في الخارج، أو لا. ولذا غَايَرَ ابن الحاجب بين النداء والنُّدْبَة،
وعرَّفها على حِدَةٍ.
١٥١ - بابُ مَنْ لَمْ يَمْسَحْ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ حَتَّى صَلَّى
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: رَأَيتُ الحُمَيدِيَّ يَحْتَجُّ بِهِذا الحَدِيثِ، أَنْ لَا يَمْسَحَ الجَبْهَةَ فِي
الصَّلَاةِ .
٨٣٦ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَة قَالَ:

٣٩٨
كتاب الأذان
سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ فَقَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيتُ
أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ. [طرفه في: ٦٦٩].
هكذا عند الحنفية، ويَمسحهما بعد الفراغ من الصلاة.
١٥٢ - باب التَّسْلِيمِ
٨٣٧ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ،
عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّهِ إِذَا سَلَّمَ،
قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأُرَى - وَاللَّهُ
أَعْلَمُ - أَنَّ مُكْثَهُ لِكَي يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنِ انْصَرَفَ مِنَ القَوْمِ. [الحديث ٨٣٧ - طرفاه
في: ٨٤٩، ٨٥٠].
وهي عند الجمهور: تسليمتان، والمختارُ عندنا: أنهما واجبتان. وفي ((فتح القدير)): أن
الأولى واجبةٌ، والثانية سنةٌ في روايةٍ. وعند مالك رحمه الله تعالى: هي تسليمةٌ فقط، ويَشْهَدُ له
حديثان: أحدهما عند أبي داود، في باب الوتر، والثاني عند النَّسائي، في باب الجمع بين
الصلاتين. فإِذا نُقِلَ العمل بهما في الخارج، وصَحَّ فيها الحديثان، فكأنها دخلت عندي في
فهرس أحكام الدين، ولا يَصِحُ إنكارها. ولذا اخترتُ الروايةَ الغير المشهورة. ثم عند مالك
رحمه الله تعالى: هي تسليمةٌ واحدةٌ للمنفرد، وتسليمتان للإِمام والمقتدي إن كان خلف الإِمام،
أي لم يكن في جانب المَيْمَنَةِ والمَيْسَرةِ. فله ثلاثُ تسليماتٍ: تسليمتان لمن عن يمينه ويَسَاره،
وتسليمةٌ لإِمامه. فكأنه جَعَلَ سلامَ التحليل كسلام التحية، وراعى فيه ما يُرَاعَى من المصالح
عند اللقاء.
١٥٣ - بابٌ يُسَلِّم حِينَ يُسَلِّمُ الإِمَامُ
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَسْتَحِبُّ إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ أَنْ يُسَلِّمَ مَنْ خَلفَهُ.
٨٣٨ - حدّثنا حِبَّانُ بْنُ مُوسى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عِتْبَانَ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِّ ◌ََّ، فَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ.
[طرفه في: ٤٢٤].
يُشِيرُ إلى المقارنة، كما هو مذهب الحنفية دون التعقيب.
١٥٤ - بابُ مَنْ لَمْ يَرَ رَدَّ السَّلاَمِ عَلَى الإِمَامِ، وَاكْتَفَى بِتَسْلِيمِ الصَّلاَةِ
٨٣٩ - حدّثنا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ:
أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ، وَعَقَلَ مَجَّةٌ مَجَّهَا مِنْ دَلوٍ كَانَ
فِي دَارِهِمْ.
٨٤٠ - قَالَ: سَمِعْتُ عِثْبَانَ بْنَ مَالِكِ الأَنْصَارِيَّ ثُمَّ أَحَدَ بَنِي سَالِم، قَالَ: كُنْتُ

٣٩٩
كتاب الأذان
أُصَلِّ لِقَوْمِي بَنِي سَالِمٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ فَقُلتُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ
بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدٍ قَوْمِي، فَلَوَدِدْتُ أَنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مَكَانًا، حَتَّى أَتَّخِذَهُ
مَسْجِدًا، فَقَالَ: ((أَفعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ)). فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللّهِ وَهِ وَأَبُو بَكْرِ مَعَهُ، بَعْدَ مَا اشْتَدَّ
النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: ((أَينَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ
بَيْتِكَ؟)) فَأَشَارَ إِلَيهِ مِنَ المَكَانِ الَّذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ فَصَفَفنَا خَلفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ
وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. [طرفه في: ٤٢٤].
فيه تعريضٌ إلى مالك رحمه الله تعالى، فإنه يقول بردِّ السلام على الإِمام أيضًا، كما
عَلِمْتَ آنفًا. وعند الجمهور: سلامُ الإمام في النية فقط، فإن كان في جهته يَنْوِيه فيها، وإِلَّا
ففيهما . وراجع الفقه .
١٥٥ - باب الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلاَةِ
٨٤١ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ نَصْرِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرِّيج قَالَ:
أَخْبَرَنِي عَمْرٌو: أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَفعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ، حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَّةِ، كَانَ عَلَى عَهْدٍ
النَّبِيِّ نَِّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ. [الحديث ٤١
في : ٨٤٢].
بوَّبَ الآن على الأذكار بعد الصلاة، كما كان بوَّب أولًا على الأدعية في خلال الصلاة.
واعلم أن الأدعيةَ على نحوين: نحو ثَبَتَ دُبُر الصلوات قُبَيْل السُّنة، ونحو آخر ثَبَتَ في الأوقات
المُنْتَشِرَة. والمصنِّفُ رحمه الله تعالى بصدد بيان النحو الأول. وصورةُ العمل بها: أن يأتي بها
بدلًا، ومن أراد الجمعَ، فقد خَالَف السُّنة. ومع هذا، لو فعله أحدٌ لا يَمْنَعُ لِمَا مرَّ أن العبادات
ممَّا يتعسَّرُ النهي عنها، فكيف بالذكر! فإنه أفضلها. ولذا لا يتقيَّدُ بوقتٍ دون وقتٍ، بخلاف
سائر العبادات، فإن لها وقتًا .
فيقول تارةً: ((اللهم أنت السلام ... )) إلخ، كما عند الترمذيِّ. وتارةً: ((اللهم أعنِّي على
ذكرك ... )) إلخ، كما عند أبي داود. وأخرى كلمة التوحيد، كما عند البخاري. وهذا هو مَرَضِيُّ
الشارع: أن يُؤْتَى بها حينًا كذا، وحينًا كذا لا أن يَجْمَعَ بينها. ولذا أقول: إن السُّنة في جواب
الحَيْعَلَة: أمَّا الحَيْعَلة، أو الحَوْقَلة، دون الجمع. وقد مرَّ مِنَّا التنبيه عليه في باب الأذان. نعم
الأدعية التي وردت في الأوقات المنتشرة، الأمر فيها إليكَ، أتيتَ بها كيف شِئْتَ. ثم إن هذا
الموضوع قد صار مُفْرَزًا بالتصنيف، فصنَّف النوويُّ رحمه الله تعالى كتاب ((الأذكار))، وابن
السُّنِّي ((عمل اليوم والليلة))، ((والأمالي للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. فإنه عَقَد أربعةً
وثمانين مَجْلِسًا لإملائه بمصر، ثم انْدَرَسَتْ تلك المجالس بعده حتى جاء السيوطي رحمه الله
تعالى، وشرع الإملاء، ثم انْقَطَعَتْ بعده بالكليَّة. وكذا صنَّف الجَزَرِي فيها ((الحصن الحصين)).

٤٠٠
كتاب الأذان
رفع الصوت بالذكر
٨٤١ - قوله: (إن ابن عبّاسِ أَخْبَرَه: أنَّ رفع الصوت بالذِّكْرِ حين يَنْصَرِفُ الناسُ من
المكتوبة، كان على عهد النبيِّ ثُّ. وقال ابن عبّاس رضي الله عنه: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذا انْصَرَفُوا
بذلك إذا سَمِعْتُهُ). اهـ.
٨٤٢ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَثَّنَا عَمْرُو قَالَ أَخْبَرَنِي
أَبُو مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءِ صَلَاةِ النَّبِيِّ لَ
بِالتَّكْبِيرِ. [طرفه في: ٨٤١].
قال عليُّ: حدَّثَنا سفيانُ عن عمرو قال: كان أَبو مَعبدٍ أَصدقُ موالي ابن عباس.
قال عليٍّ واسمه نافِذٌ.
٨٤٢ - وفي الحديث الثاني، عن ابن عباس رضي الله عنه: (كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صلاة
النبيِّ نَّهُ بالتكبير). تَمسَّك بظاهره ابن حَزْم، وذَهَبَ إلى سُنِّيَة الجهر بالتكبير دُبُر الصلوات،
وأنكرها الجمهور. واخْتُلِفَ في توجيهه: فقيل: إن المراد بالتكبير تكبيرات الانتقالات في
خلال الصلوات، أي كنتُ أَعْرِفُ انقضاءَ الصلاة بانقطاع تلك التكبيرات. وقيل: المراد به
تسبيح فاطمة رضي الله عنها، أي إذا كان الناس يُسَبِّحُون بها، كنتُ أعرفُ أنها قد انْقَضَتْ.
وقيل: المراد به: القول بالله أكبر، وكان الأمراءُ يفعلونه في الجيوش أَوَانَ الحرب.
والذي تبيَّن لي في بيان مراده: أن هذا الحديث والحديث الأول متحدٌ سندًا ومتنًا،
فالمراد من التكبير: هو الذكر مطلقًا، كما في الحديث الأول، لا خصوصَ التكبير، كما سبقت
إليه الأذهان. وهذا موضعٌ مُشْكِلٌ، فإنك إن رَاعَيْتَ لفظ التكبير، دَلَّ على سُنيته لا مَحَالة. وإن
رَاعيت لفظ الذكر، فهو يُنَاقِضُهَا. ويُشْكِلُ في مثل هذه المواضع تعيين اللفظ على مثل البخاريِّ
أيضًا، وهذا الذي عَرَاه في حديث: ((إذا أمَّنَ الإِمَامُ ... )) إلخ. ففي لفظ: ((إذا أمَّنَ القارىءُ))،
وفي لفظ: ((إذا قال الإمامُ: غير المغضوب عليهم ... )) إلخ. ولمَّا لم يَنْفَصِلْ عنده شيءٌ، بَوَّبَ
على كلِّ ما ناسب له. فينبغي الغَوْر عند تغايرُ اللَّفْظَيْنِ من حديثٍ: إنهما متبادلان، أو
متصادقان، أو مجامعان لتبيين صورة العمل. وقد ظَهَرَ لي: أن اللفظَ في الحديث: هو الذكر،
وقَصْرُه على التكبير مسامحةٌ للراوي.
ثم إن الشافعيَّ رحمه الله تعالى حَمَلَ الجهرَ بالتكبير على التعليم، وبمثله قال صاحب
(الهداية)) في التسمية، والبِرْكِلي، والجُرْجَاني في التأمين. فالأصلُ في جملة الأذكار هو
الإخفاء. نعم وَرَدَ الجهر بها أحيانًا، لفائدة وداعية، ولا تَثْبُتُ به السُّنية، وإنما تَثْبُتُ أن أكثر
عمله وَّ كان بالجهر. وقد ثَبَتَ عندي جَهْرُ الأذكار والأدعية كلِّها تقريبًا غير التشَّهد
والتسبيحات، حتى جهر الآية في السُّرِّية أيضًا، فدَلَّ على أن معاملة الجهر والإخفاء هيِّنٌ عند
الشرع، لا أن الجَاهِرَ بالتأمين مُتَّبِعٌ للسُّنة، والمُسِرَّ بِهِ مُخَالِفٌ لها، وإنما بَالَغ فيه المبالغون
فقط .