النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١
كتاب الأذان
سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ، وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ،
فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ)). [الحديث ٧٢٢ - طرفه في: ٧٣٤].
٧٢٣ - حدّثنا أَبو الوَلِيد قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ
صَلى الله
قَالَ: (سَوُوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ».
وهذا لفظ الحديث تَرْجَمَ به، وقد فرَّق الراغب بين التمام والكمال: بأن التمام في
الأجزاء، والكمال في الأوصاف. وحينئذٍ ظَهَرَ منه تمسُّك ابن حَزْم.
قلتُ: إن الأوصاف إذا كانت مهمةً تُنَزَّل منزلة الأجزاء، لأنَّا قد عَلِمنا أن المختلِف في
الصف لِم يُؤْمَر بالإِعادة، ولم يُعَامَل بصلاته معاملة البطلان، ثم إن الحديثَ دلَّ على أن إقامة
الصلاة أَمْرٌ وراء الصلاة، ففرَّق بين صلَّوا، وبين أقيموا الصلاة. وأوضحه البَيْضَاوِي وغيره.
٧٥ - بابُ إِثْمٍ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ
٧٢٤ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسى قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ
عُبَيدِ الطَّائِيُّ، عَنْ بُشَيرِ بْنِ يَسَارِ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ: أَنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَقِيلَ
لَهُ: ما أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْم عَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِوَِّ؟ قَالَ: مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلَّا أَنَّكُمْ لا
تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ بُشَيرِ بْنِ يَسَارٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مالِكٍ
المَدِينَةَ: بِهذا .
قال: ما أَنْكَرْتُ شيئًا (١)، إلّ أنكم لا تُقِيمُون الصلاة، وقد مرَّ عنه في باب تضييع
الصلاة: ((لا أعرف شيئًا ممّا كان على عهد النبيِّ وَِّ إلَّ الصلاة، وقد ضُيِّعَتْ)). فإنه كان هذا
بالشام، والأوَّل في المدينة. وهذا يَدُلُّ على أن أهل المدينة كانوا في ذلك الزمان أمثلَ من
غيرهم في التمسُّك بالسنن.
٧٦ - بابُ إِلزَاقِ المَنْكِبِ بِالمَنْكِبِ وَالقَدَمِ بِالقَدَمِ فِي الصَّفِّ
وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ: رَأَيتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ .
٧٢٥ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ خالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيرٌ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ
النَّبِّ ◌ِ قَالَ: ((أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي)). وَكانَ أَحَدُنَا يُلِقُ مَنْكِبَهُ
بِمَنْكِبٍ صَاحِبِهِ، وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ. [طرفه في: ٧١٨].
(١) قوله: ما أنكرت شيئًا، إنما كان منه عند القُفُول من البَصْرَة، وقوله: وهذه الصلاة قد ضُيِّعت، كان عند القُفُول
من الشام إلى المدينة، فَعُلِمَ أن قصة رجوعه من البَصْرَة متقدِّمة، فإنه لم ير حينئذٍ تهاون الناس إلَّا في التَّسْوِية،
فلمَّا رَجَعَ من الشام انقلب الحال، وانمحى الآثار، فبكى وقال: لا أعرف شيئًا ... إلخ. كذا في تقرير الفاضل
عبد العزيز. انتهى مُعَرَّبًا .
٣٠٢
كتاب الأذان
قال الحافظ: المراد بذلك المبالغة في تعديل الصفِّ وسدِّ خلله. قلتُ: وهو مراده عند
الفقهاء الأربعة، أي أن لا يَتْرُكَ في البين فرجةٌ تَسَعُ فيها ثالثًا. بقي الفصل بين الرجلين: ففي ((شرح
الوقاية)) أنه يَفْصِلُ بينهما بقدر أربع أصابع، وهو قول عند الشافعية، وفي قولٍ آخر: قدر شبر.
قلتُ: ولم أجد عند السَّلَفِ فرقًا بين حال الجماعة والانفراد في حقِّ الفصل، بأن كانوا
يَفْصِلُون بين قدميهم في الجماعة أزيد من حال الانفراد، وهذه المسألة أوجدها غير المقلِّدين
فقط، وليس عندهم إلَّا لفظ الإِلزاق. وليت شعري، ماذا يَفْهَمُون من قولهم الباء للإلصاق، ثم
يمثِّلُونه: مررت بزيدٍ، فهل كان مروره به متَّصِلًا بعضه ببعض، أم كيف معناه؟
ثم إن الأمر لا يَنْفَصِلُ قظُ إلَّ بالتعامل، وفي مسائل التعامل لا يُؤْخَذُ بالألفاظ، كلفظ:
(فوق الصدر)) عند ابن خُزَيْمَة، فإنه من توسُّع الرواة قطعًا، لأنه لم يَعْمَل به أحدٌ من الأئمة،
ولا يُوجَدُ الرفع بهذا النوع في كُتُبٍ من الشافعية، إلّا في ((الحاوي)) للماوردي، وهو أيضًا
مسامحةٌ عندي. فإِن الرَّاوي أضاف لفظ: ((على الصَّدْر)) بعد مرور القرون، ثم لم يُرِدْ به إلَّا قريبًا
من الصدر، وليس الطريق أن يُبْنَى الدين على كل لفظٍ جديدٍ بدون النظر إلى التعامل، ومن يَفْعَلُ
ذلك لا يَثْبُت قدمه في موضعٍ، ويَخْتَرِعُ كل يومٍ مسألةً، فإن توسُّع الرواة معلومٌ، واختلاف
العبارات والتعبيرات غير خَفِيٍّ فاعلمه.
فاللفظ وإن كان يَضْلُح للوضع فوق الصدر، لكن لمَّا فَقَدْنا العملَ به عَلِمنا أنه من توسُّع
الرواة، فهو بدعةٌ عندي. وسأل عنه أبو داود الإمامَ أحمد رحمه الله تعالى، فقال: ليس بشيءٍ،
كذا في كتاب ((المسائل)). وهذا الذي عُرِضَ للمحدِّثين، فإنهم يَنْظُرُون إلى حال الإسناد فقط،
ولا يُرَاعُون التعامل. فكثيرًا ما يَصِحُ الحديث على طورهم، ثم يَفْقِدُون به العمل، فيتحيَّرون
حتَّى أن الترمذي أخرج في ((جامعِه)) حديثين صالحين للعمل، ثم قال: إنه لم يَعْمَل بهما أحدٌ،
وذلك لفقدان العمل لا غير، وإلّا فإسنادهما صحيحٌ. وكذلك قد يُضَعِّفُون حديثًا من حيث
الإسناد، مع أنه يكون دائرًا سائرًا فيما بينهم، ويكون معمولًا به فيتضرَّر هناك من جهة أخرى.
فلا بُدَّ أن يُرَاعى مع الإسناد التعامل أيضًا، فإن الشرع يَدُور على التعامل والتوارث.
والحاصل: أنا لمَّا لم نَجِد الصحابة والتابعين يفرِّقون في قيامهم بين الجماعة والانفراد،
عَلِمْنَا أنه لم يُرِدْ بقوله إلزاق المِنْكَب إلَّ التَّرَاصّ وترك الفرجة، ثم فَكِّر في نفسك ولا تَعْجَل:
أنه هل يمكن إلزاق المِنْكَب مع إلزاق القدم إلَّا بعد ممارسة شاقة، ولا يمكن بعده أيضًا؟ فهو
إذن من مخترعاتهم، لا أثر له في السلف. وعند أبي داود في باب وضع اليُمْنَى على اليُسْرى
في الصلاة: ((صفُّ القدم، ووضع اليد على اليد من السنة)). قلتُ: ومراده استواء القدمين مع
التَّجَافِي، فلا يبحثون عن إلزاق الكعبين أصلًا، ولا يذكرون فيه إلَّا الصفّ ثم في النَّسائي في
باب الصف بين القدمين: ((أن رجلًا صفّ بين القدمين، فقال له ابن مسعود رضي الله عنه:
خالف السنة، لو راوح كان سنةً)). ومراده بعكس ما هناك، أي يَضُمُّ بين قدميه، ولا يَتْرُك فرجةً
بينهما. وأراد بالمرواحة: التفريج بين القدمين. فالصف عند أبي داود بعكس ما في النَّسائي
فتنبّه، فإنه ليس من المصطلحات ليَلْزَم بالمخالفة. ولا تتوهَّم أن بين اللفظين تَنَاقُضًا، فإنه يبني
٣٠٣
كتاب الأذان
على تعدُّد المعنيين، فالصفُّ بمعنى التفريج والاستواء سنةٌ، وهو بمعنى الضم بينهما مخالفٌ
للسنة، فافهم وتشكَّر وما في ((القنية)): إلزاق الكعبين في الركوع كما هو في ((رد المحتار))، فلا
أصل له كما في ((السعاية))(١). وتلخّصَ أن الصفَّ بين القدمين سنةٌ لا غير، لأنهم لا يذكرون.
ولا يتعرَّضُون إلى غيره، فحَسْبُهم قدوة.
٧٧ - بابٌ إِذَا قامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإِمام
وَحَوَّلَهُ الإِمامُ خَلِفَهُ إِلَى يَمِينِهِ، تَمَّتْ صَلاَتُهُ
٧٢٦ - حدّثنا قُتَيِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى
ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ
عَنَّ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ وَه بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى وَرَقَدَ،
فَجَاءَهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. [طرفه في: ١١٧].
يُرِيدُ أن هذا القَدْر ليس بعملٍ كثيرٍ ولا مُفْسِدٍ، وصورته كما عند مسلم، وقد مرَّ ثم إن هذه
الترجمة قد مرّت مرةً مع تغييرٍ يسيّرٍ، وهو أنه كان في الأُولَى ((لم تَفْسُد صلاته))، وههنا: ((تمَّت
صلاته)). والوجه فيه: أن المقصودَ أولًا كان بيان موضع الإمام والمأموم فقط، وذكر مسألة التحويل
إنجازًا، وههنا هي المقصودة. أو يُقَال: إن المقصود في الأول: بيان عمل القليل والكثير، وههنا :
بيان تمامية الصلاة، مع أن بعضها صُلِّيت على خلاف ترتيب موضع المأموم حتى قوله عنه.
٧٨ - بابٌ المَرْأَةُ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفًّا
٧٢٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفِيَانُ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ
قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا، خَلفَ النَّبِيِّ ◌َِّ، وَأَمِّي أُمُّ سُلَيمٍ خَلفَنَا. [طرفه في: ٣٨٠].
وفي الفقه: أن الصبيَّ إن كان واحدًا يقوم مع البالغين، وإلَّ فخلف الصفّ، وكُرِهَ إن قام
مع الصفِّ. وأمَّا المرأة، فليس موضعها إلَّ خلف الصفِّ واحدةً كانت أو جماعةً، ومن مثل
هذا ذَهَبَ نظرُ إمامنا إلى أن مُحَاذَاتها مفسدةٌ لأنه لم يتحمَّل صفها مع الرجال مطلقًا. ويَحْدُثُ
في مثل هذه المواضع أذواقٌ، ومَنْ لم يَذُق لم يَدْرِ .
٧٩ - بابُ مَيمَنَةِ المَسْجِدِ وَالإِمامِ
٧٢٨ - حدّثنا مُوسى: حَدَّثَنَا ثابِتُ بْنُ يَزِيدَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قُمْتُ لَيلَةً أُصَلِّي عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ◌َ، فَأَخَذَ بِيَدِيَ، أَوْ
بِعَضُدِّي، حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ بِيَدِهِ مِنْ وَرَائِي. [طرفه في: ١١٧].
(١) وذَكَرَه صاحبُ ((السعاية)) وأَطَالَ الكلامَ فيه. من شاء فليراجع، وهو مهمٌ جدًا.
٣٠٤
كتاب الأذان
عيَّنه المصنِّف رحمه الله تعالى باعتبار الإمام، وعندي لا مَيْمَنَة له ولا مَيْسَرَة، لكونها
اعتبارية في المسجد. أمَّا في الإمام، فيكون باعتبار استقباله إلى القبلة، وهذه المسألة لم
يتعرَّض لها الفقهاء. نعم يُحْتَاج إليها في الحديث لِمَا فيه: ((أن الرَّحمة تَنْزِلُ أولًا على الإمام،
ثم على يمينه، ثم على يساره)).
٨٠ - بابٌ إِذَا كانَ بَيْنَ الإِمامِ وَبَينَ القَوْمِ حائِطٌ أَوْ سُتْرَةٌ
وَقَالَ الحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ وَبَينَكَ وَبَينَهُ نَهَرٌ. وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: يَأْتَمُّ بِالإِمامِ،
وَإِنْ كانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَوْ جِدَارٌ، إِذَا سَمِعَ تَكْبِيرَ الإِمامِ .
أشار إلى مسألة اتحاد المكان بين الإمام والمأموم. قال الحنفية: إن المسجد كلَّه مكانٌ
واحدٌ، فإن حالت الجدران، فهل يُشْتَرَط المنفذ، أو كفى علم انتقالات الإمام فقط، ولو بمجرد
صوته؟ فالثاني هو المُفْتَى به، ولا حاجةً إلى المنافذ أو غيرها، واعتبروا في الصحراء تباعُدَه
قدر ثلاث صفوف إذا لم تتصل الصفوف، فإن كان بينهما طريقٌ أو نَهْرٌ تجري فيه السفينة مُنِعَ
مطلقًا، ويُعَدُّ كأنه مكانٌ مختلفٌ، ويَشْهَدُ له أثر عمر رضي الله عنه، كما في ((الحاشية))، ولعله
في ((المصنَّف)) لعبد الرَّزَّاق.
٧٢٩ - حدّثنا محَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ يَحْيِى بْنِ سَعِيدِ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ
عَائِشَةَ قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى
النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ بَّهِ، فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بِذلِكَ، فَقَامَ لَيْلَةَ
الثَّانِيَةِ، فَقَامَ مَعَهُ أَنَّاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، صَنَعُواَ ذلِكَ لَيَتَينٍ أَوْ ثَلَاثَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذلك،
جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ فَلَمْ يَخْرُجُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذلِكَ النَّاسُ فَقَالَ: ((إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ
عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيل)). [الحديث ٧٢٩ - أطرافه في: ٧٣٠، ٩٢٤، ١١٢٩، ٢٠١١، ٢٠١٢، ٨٥٦١].
٧٢٩ - قوله: (كان رسول الله ◌َّهُ يُصَلِّي من الليل في حُجْرَتِهِ ... ) الخ. اختلف
الشارحون في تفسير الحُجْرَة، ما كانت؟ وحملها الطَّحَاوِيُّ رحمه الله تعالى على بيت عائشة
رضي الله عنها، وحينئذٍ الفاصل هو الجدار. وحملها الشارحون على حُجْرَتِهِ التي كانت تُتَّخَذُ
من الحصير لمُعْتَكَفِهِ في رمضان (١). قلتُ: والأرجح عندي أن يُحْمَلَ على التعدُّد، فإن حَمْلَ
الجدار على الحصير مجازٌ بعيدٌ.
قوله: (يُصَلُّون بصلاته). أَمْعِن النظر فيه، حيث لم يَقُل: صلاتهم، مع أنه الظاهر،
وجعلهم مُصَلِّين بصلاة النبيِّ وَّهِ وهل يُصَلِّي أحدٌ صلاةَ أحدٍ؟ وهل يأتي هذا التعبير على
(١) وفي تذكرةٍ عندي من الشيخ ذكر السَّمْهُودي: أنه كانت أمام بيت عائشة حُجْرة مَبْنِيةٌ، وحينئذٍ يمكن أن تكون هذه
هي المراد، وهو ظاهر لفظ الجدار، ولكن وقع التصريحُ في بعض الظُرُق بكونه في رمضان. وحينئذٍ، فالظاهر
من حُجْرَتِه هي التي كانت تُعَدُّ للاعتكاف، وكانت من حصيرٍ فأتردّدُ أنه كان من حصير، وغَلِط الراوي في تعبيره
بالجدار. والصواب كونها من الجدران، كما يذكره هو، والله تعالى أعلم.
٣٠٥
كتاب الأذان
مسائل الحنفية أو الشافعية؟ فقد تكلَّمنا عليه وعلى مثله مِرَارًا، وسنعود إليه في باب الوتر شيئًا
إن شاء الله تعالى.
قوله: (فلم يَخْرُجْ ... ) الخ، ومعناه على مختار الشارحين: أي لم يَخْرُج من مُعْتَكَفِهِ إلى
حيث كان يُصَلِّ صلاة الليل.
قوله: (إني خَشِيتُ أن تُكْتَبَ عليكم)، وههنا إشكالٌ: وهو أنه كيف خَشِيَ الكتابة، مع أنه
قد أَعْلَن بأنَّ الفرائضَ خمسٌ لا تزيد ولا تَنْقُص؟ وأُجِيبَ بأن انحصار فريضة العمر في الخمس
لا يُنَافي زيادة فريضةٍ في رمضان خاصةً، فمعناه: خَشِيتُ أن تُكْتَبَ عليكم صلاتكم هذه في
رمضان، فلا يُنَافي ما اقْتُرِضَ في خارجه. ثم ذَكَرَ له الحافظ رحمه الله تعالى جوابين من عند
نفسه. والأرجحُ عندي أن الخَشْيَةَ خَشْيَةُ الجماعة، أي تُكْتَبَ عليكم الجماعةُ فيها، وللجماعة
تأثيرٌ في الإِيجاب، ولذا أمرهم أن يُصَلَّوها في بيوتهم، ولا يجتمِعُوا بها. ولمَّا كان للوجوب
اختصاصٌ بالجماعة، وَجَبَت صلاة الاستسقاء عندنا في قولٍ لكونها بالجماعة.
وهل للمواظبة والاعتناء دَخْلٌ في إيجاب شيءٍ أو تحريمه؟ فالجواب كما ذكره الشاه
وليُّ الله في (حُجَّة الله)): أن الشيءَ قد يَجِبُ ويَحْرُم بالمواظبة أيضًا إذا كان الزمانُ زمانَ نزول
الوحي، كنذر يعقوب عليه السلام بترك أحب الأشياء إليه، وكان أحب الأشياء إليه لحم الإبل،
فلم يأكله لنذره واستمرَّ على تَرْكِه ذُرِّيَّته تبعًا لأبيهم، فلمَّا تمادى الأمر على ذلك حُرِّم على بني
إسرائيل في التوراة.
قلتُ: ويُسْتَفَاد منه: أن حقيقة صلاة الليل مما تَصْلُح أن تكونَ فرضًا وإن لم يَحْكُم به
عليها، لا يُقَال ◌َخَشْيَة الكِتَابة تَدُلُّ على عدم الكتابة في الحالة الرَّاهِنَةِ، وهذا يُخَالِفُ ما اخْتَرْتَ
من وجوب قطعة من الليل، وهي الوتر. قلتُ: كلا، لأني حَمَلْتُ الخَشْيَة على الجماعة، والوتر
وإن كانت مكتوبةً عندنا، لكنها ليست بالجماعة.
٨١ - بابُ صَلَةِ اللَّيلِ
٧٣٠ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي
ذِئْبٍ، عَنِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمِنِ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ
النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ لَهُ حَصِيرٌ، يَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ وَيَحْتَجِرُهُ بِاللَّيَلِ، فَثَابَ إِلَيهِ نَاسٌ، فَصَلَّوْا وَرَاءَهُ .
[طرفه في: ٧٢٩].
قيل هذه الترجمة أجنبية في تضاعيف تراجمه من هذا الباب، فإن أبوابَ صلاة الليل
بعيدةٌ، ولم يَدْخُل المصنِّف رحمه الله تعالى في صفة الصلاة بَعْدُ. قلتُ: وهو إنجازٌ، لأنه لمَّا
أخرج حديث: ((صلاة الليل)) أحبَّ أن يَضَعَ عليه ترجمةً الآن، وإن كانت قبل أوانها على دَأْبِهِ
بالإنجاز، ويمكن أن يكون أراد تعيين القصة الماضية وفيه: ((كان له حصير))، ومنه فَهِمَ
الشارحون أن حُجْرَته كانت من حصيرٍ.
٧٣١ - حدّثنا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسى بْنُ عُقْبَةً،
٣٠٦
كتاب الأذان
عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّصْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيدِ بْنِ ثابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ مَ﴿ِ اتَّخَذَ حُجْرَةً
- قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ حَصِيرِ - فِي رَمَضَانَ، فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ
أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ، فَخَرَجَ إِلَيهِمْ فَقَالَ: ((قَدْ عَرَفتُ الَّذِي رَأَيتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ،
فَصَلُّواَ أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّ المَكْتُوبَةَ)). قَالَ
عَفَّانُ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسى قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ، عَنْ بُسْرٍ، عَنْ زَيدٍ، عَنِ
النَّبِيِّ ◌َِّ. [الحديث ٧٣١ - طرفاه في: ٦١١٣، ٧٢٩٠].
٧٣١ - قوله: (فإِن أفضلَ صلاة المَرْءِ في بيته إلَّا المكتوبةَ). والحاصل: أن الشريعةَ لا
تُحِبُّ التطوعَ في المساجد، والمكتوبات في البيوت.
واعلم أن مختار الطَّحَاوِيِّ في التراويح: أن الرجل إن كان حافظًا، فالأفضل له أن يُصَلِّي
في البيت، وإلّا ففي المسجد، وفي ((الهداية)): أن السننَ عامةٌ في البيت، ولا أرى سنةَ الفجر
ثابتةً عن النبيِّ ◌َّ في المسجد. وأتى الحافظ زين الدين العراقي شيخ ابن حجر والعَيْنِي
رحمهما الله تعالى - برواية تَدُلُّ على أن نسبة أجر الفَضْل في البيت والمسجد لنِسْبَة صلاة
الجماعة والفرد ۔ بالمعنی ۔ وإسناده جيدٌ.
٨٢ - بابُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَافْتِتَاحِ(١) الصَّلاَةِ
٧٣٢ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ
(١) واعلم أن قوله بَّه: ((تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم))، وفي لفظ: ((إحرامها التكبير، يُنَادي بأعلى نداءٍ: أن
الصلاة شَبَهًا بالحجِّ، حتى أنه جعل لها إحرامًا كالحجِّ، وتحليلًا نحوه، وقد أدرك الإمام أبو حنيفة رحمه الله
تعالى سرَّ التشبيه فيه بما لا يُدْرِكُهُ الآخرون، فَعَرَف أن للحجِّ بدايةً، وهي بصُنْع الحاجٌّ، أي الإِحرام. وكذلك له
نهاية، وهي أيضًا بصنعه، أي الذبح والحلق مثلًا المحظورين في خلال الإحرام، فصار طرفا الدُّخُول والخُرُوج
بصنع الحاجٌّ، فلمَّا عُلِمَ أن المقصودَ في الحجِّ ذلك، طَرَدَهُ في الصلاة كذلك.
وتفصيله: أن العبدَ إذا دَخَلَ في حَريم بيت ربه الكريم، فالمقصود منه أن تكونَ أوقاته كلَّها مُسْتَغْرَقَّةٌ في عبادته ويتوجَّه
إليه بشَراشِرِه مُعْرِضًا عن غيره، صَارخًا بقوله: لبيك اللهم لبيك، ولذا مَنَعَه عمَّا يملأ قلبه شُغْلاً، وخاطرَه تَشَتْتًا. غير أن
الخروجَ عن تلك العُهْدةِ عسيرٌ، فجعله بيد العبد ليَقْدِرَ قدره ويعلم أمره، ولئلا تَخْتَلَّ عليه مقاصده، ثم لمًّا رآه ضعيفًا
خُلِقَ من ضَعْفٍ، لا يمكن له البقاء على هذا الحال، والدوام على ذلك المنوال، أَخْرَجَ له مَخْرجًا، وشرع له الإتيان
بتلك المحظورات بعينها، ولم يَرَها عند الخروج جنايةً، مع كونها قبل ذلك محظورة، بل جعلها مَنْسَكًا. ثم تلك
الجنايات أيضًا بصُنْعِه، فصار بداية الحجّ ونهايته كلتاهما من صُنْعِه ليَخْرُج منه بفعله وخِیّرَتِه کما کان دخل فيه كذلك.
ولمَّا كانت الصلاةُ شبيهةً بالحجِّ، جَعَلَ حكمها أيضًا كحكمه، وجعل الدُّخُولَ فيها والخروجَ عنها اختياريين
حسبهما في الحجّ، وأمره أن يؤدّي ذلك الفعل الاختياري في ضمن التكبير، وكذلك أمره أن يَخْرُجَ عنها أيضًا بفعله
الاختياري، ويؤديه في ضمن التسليم، ومعلومٌ أن هذا التسليم كان من كلام الناس مفسدًا لصلاته، غير أنه لمَّا مكَّنه
بالخروج، شَرَعْ له هذا المحظور بعينه، كما في الحج، وإنما علمه التسليم دون سائر الأفعال الاختيارية، ليكون
خروجه عنها على أحسن هيئةٍ، وأحسن قول يَلِيق بشأنه كما أمره: أولاً أن يأتي بتكبير الله تعالى، وتعظيمه
المناسب عند ذهابه إلى حضرة کبریائه.
٣٠٧
كتاب الأذان
مالِكِ الأَنْصَارِيُّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ رَكِبَ فَرَسًا، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيمَنُ، قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ
اللَّهِ عَنْهُ: فَصَلَّى لَنَا يَوْمَئِذٍ صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَهوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، ثُمَّ قَالَ
لَمَّا سَلَّمَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا،
وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِع اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا
وَلَكَ الحَمْدُ)). [طرفه في: ٣٧٨].
٧٣٣ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا لَيثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ
أَنَّهُ قَالَ: خَرَّ رَسُولُ اللَّهِرََّ عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ، فَصَلَّى لَنَّا قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا مَعَهُ قُعُوَدًا، ثُمَّ
انْصَرَفَ فَقَالَ: ((إِنَّمَا الإِمَامُ - أَو إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ - لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ
فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ،
وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا)). [طرفه في: ٣٧٨].
٧٣٤ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّةِ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا
رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ
فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ)). [طرفه في: ٧٢٢].
فاختار أنه فرضٌ واعلم أن التكبير بمعنى الذكر المُشْعِر بالتعظيم فرضٌ عندنا أيضًا أمَّا
صيغة: الله أكبر بخصوصها، فقال بعضُ أصحابنا إنها سنةٌ، وذَهَب الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله
تعالى إلى أنها واجبٌ، وقوَّاه بدلائل، وإليه ذهب صاحب ((البحر)) و(النهر)) وصاحب (تنوير
الأبصار))، وهو متن ((الدر المختار))، وهو الذي اختاره ابن أمير الحاج في ((شرح المنية)).
واعلم أن ابن نُجَيْم أفقه عندي من الشَّامي لِمَا أرى فيه أن أمارات التفقُّه تَلُوح، والشَّامي مُعَاصِرٌ
للشاه عبد العزيز رحمه الله تعالى، وهو أفقه أيضًا عندي من الشَّامي رحمه الله تعالى، وكذا شيخ
مشايخنا رشيد أحمد الكَنْكُوهِي - قُدِّسَ سرُّه - أفقه عندي من الشَّامي.
أمَّا السلام: فقالوا إن أولَ التسليمتين واجبٌ، والأخرى سنةٌ، وهو الراجحُ عندي، لكونه
ولمَّا عَلِمْتَ أن السرَّ في الحجِّ والصلاة كلاهما كان هو الدُّخول بصُنْعه، والخروج كذلك، جعل إمامنا الأعظم
=
مُطْلَق الذكرِ المُشْعِرِ بالتعظيم فرضًا، وكذا الخروج بصُنْعِ المُصَلِّي. وجَعَلَ الخصوص واجبًا في الموضعين، فإن
الخاصَّ مُتَضمّنٌ، والمُطْلَقَ مُتَضَمَّنٌ - بالفتح - فالنظر في الطرفين إلى الخروج بصُنْعِه في العبادتين: الحج والصلاة،
وذلك لأن المُطْلَقَ لا بد لتحقُّقه من فِعْلِ مخصوص ليتحقّق في ضمنه، فعيَّن له ما كان أحرى وأحسن له عند قيامه
إلى الصلاة وخروجه عنها، وهو: التكبير في الأول، والتسليم في الآخر، كالإحرام في ابتداء الحجّ، والحَلْقِ
والذّبْح في الآخر، فإن الحلقَ يُؤْذِنُ بأنه أزال تَفَثَه، وأراد أن يَنْصَرِف إلى دنياه، كالتسليم في الصلاة، ولذا قال
تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِى الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] ... إلخ. فهذا هو السرُّ في
كون الخروج بصُنْعِ المُصَلِّي فرضًا لو كان عنده، وقد أدركه الكل في البداية، وذَهَلُوا عنه في النهاية، وسبق إليه
إمامنا الأعظم، والله تعالى أعلم. هكذا فَهِمْتُ من كلام الشيخ في مواعِظُه .
٣٠٨
كتاب الأذان
أقرب إلى الحديث، لِمَا ثَبَتَ عندي الاكتفاء بالتسليم الواحد. وقيل: كلاهما واجبان، فيُشْكِلُ
عليه الحديث، وقد اسْتَرَحْتُ باختيار القول الأول، فلا تأويل عندي.
ثم اختلف الشارحان في قوله: ((وافتتاح الصلاة))، ولم يُذْرِكًا مراده بعد البحث والفحص
أيضًا، واختار الحافظ: أن الواو بمعنى مع، لأنه رأى أن افتتاح الصلاة في الخارج لا يكون إلَّا
بالتكبير، وما كُشِفَ لي في بيان مراده هو أن المصنّف يُرِيدُ تَعْيين ما به افتتاح الصلاة، هل هو
التكبير أو رفع اليدين؟ فقال إن الصلاة تُفْتَتَحُ بالتكبير، فلو رَفَعَ إحدى يديه، ولم يكبِّر لا يكون
شارعًا في الصلاة، وهذا كاختلافهم فيما يَدْخُل به في الحج، وهو إحرام الحجِّ. فعندنا لا
يَدْخُلُ في إحرام الحجِّ إلَّا بالتلبية مع النية، وهذا إحرامٌ قَوْليٍّ، أو بفعلٍ مخصوصٍ بالحجِّ،
وهذا إحرامٌ فِعْلِيٍّ. وأما عند الشافعية: فلم يَتْنَقَّحِ بَعْدُ، وعليهِ قوله وَ لِّ «تحريمها التكبير - وفي
لفظ - إحرامها التكبير))، يعني كما أن للحجِّ إحرامًا وإحلالًا، وهو معروفٌ، كذلك للصلاة
تحريمًا وتحليلًا: فتحريمها بالتكبير، وتحليلها بالتسليم.
فَعُلِمَ أن ما يَدْخُلُ به الرجلُ في صلاته هو التكبير لا رفع اليد فقط، وإنما أَدْرَكْتُ مراده
بعدما رأيت حكايةً: أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى ذَهَبَ لعيادة أبي يوسف رحمه الله تعالى،
وكان مريضًا فقال: إني كُنْتُ ظَنَنْتُ أنه يَبْقَى مِنْ بعدي، فحدَّثت نفسُ أبي يوسف رحمه الله
تعالى. بأنه يُشِيرُ إلى إجازته بالقعود للدرس. فلمَّا صَحَّ أرسل أبو حنيفة رحمه الله تعالى إليه
رجلًا يسأله عن ثلاث مسائل: أولاها أن تحريمة الصلاة ما هي؟ فلم يُحْسِن في جوابه، فَعَلِمَ
أنه لا يَلِيقُ أن يَجْلِسَ إليه الناسُ، فنقض حلقته، ودخل في حلقة أبي حنيفة.
وفي ((مجموع زيد بن عليّ)) - وهو زيدي من مُعَاصِري أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وإمام
فِرْقة الزيدية، وهو ثِقَةٌ يروي الأحاديث الصِّحَاح، وهي أقرب المذاهب إلى أهل السنة من
سائرهم. وسَبُّ الصحابة حرامٌ عندهم. إلّا أن الآفة في كتابه من حيث جهالة ناقليه -: أنه لمَّا
وَرَدَ الكوفة، فَعَدَ أبو حنيفة رحمه الله تعالى بين يديه إكرامًا له وإجلالًا، لكونه من أهل البيت،
وفيه: أن أبا جَعْفَر رضي الله عنه سَأَلَ الإمامَ أبا حنيفة رحمه الله تعالى عن تحريمة الصلاة، أهو
بالتكبير، أم برفع اليد؟ فقال: بالتكبير. ولمَّا ذَهَبَ الإمام قال: نَعْمَ فقيةٌ. فَفَهِمْتُ أن البخاريّ
رحمه الله تعالى يُشِيرُ إلى هذه المسألة، واختار أن تحريمة الصلاة بالتكبير.
ثم اعلم أن الأصوليين قَسَّمُوا الخِطَاب على نحوين؛ وَضْعِي وتكليفي. فأما التكليفي،
فكالوجوب وغيره، وأمَّا الوَضْعِي، فكالسببية والمسببية وعلائق الأشياء فيما بينها، وذلك لأنهم
أرادوا تقسيم الأحكام إجمالًا، فجعلوا بعضها وَضْعِيَّة، وبعضها تكليفيَّة، وهو حسنٌ ومهمٌ جدًا.
فالتكبير والتسليم من الأحكام الوَضْعِيَّة، لأن التكبيرَ سببٌ للدخول، والتسليم سببٌ للخروج،
وليس في الصلاة حكمًا وضعيًا غيرهما، ومنه ظَهَرَ وجه تخصُّص هذين في الحديث. ثم إن
الخروج في باب الحجّ يكون بالحَلْق، وهو جناية في غير أوانه، وكذلك السلام، وهو الخروج
بصُنْعِه فاعلمه .
٧٣٢ - قوله: (إنما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ) الخ.
٣٠٩
كتاب الأذان
يقول العبد الضعيف: والحديث وإن مرَّ مِرَارًا، ويأتي كذلك، إلاّ أنه ظَهَرَ لي الآن أن
أتكلّم على بعض مسائله، وهي مسألة اقتداء القائم بالقاعد، وإن تكلَّمت عليه فيما سَلَفَ أيضًا .
فأقول إن الحديثَ بظاهره يُخَالِفُ كل من اختار وجوب القيام خَلْفَ القاعد من أئمة
الحنفية والشافعية. واشتهر عنهم في الجواب عنه أنهم قالوا بالنسخ، وهو الذي اختاره البخاريُّ
رحمه الله تعالى، ولا يَعْلَقُ بالقلب، لأن الحديثَ مُشْتَمِلٌ على أجزاءَ كثيرةٍ من تشريع عامٍّ،
وضابطةٍ كلِّيَّةٍ على نحو بيان سنة، وسردٍ معاملةٍ بين الإمام والمأموم. فالقول بنسخ جزء من
الأجزاء من البيِّن، وإبقاء المجموع على ما كان ثَمَّ بواقعةٍ جزئيةٍ تَحتملُ محامل، مما يُفْضِي إلى
الاضْطِراب، ولا يشفي.
ولَعَمْري، إنا لو لَمْ نعلم هذه المسألة، لَمَا انتقل ذِهْنُ أحدنا إلى أن صلاة النبيِّ وَّ تلك
قاعدًا كانت لبيان النَّسْخ، وإنما حملناها عليه حِفْظًا للمذهب فقط، وإلَّ فالجمع بين الأحاديث
يَحْصُلُ على مذهب أحمد ومحمد بن الحسن رحمه الله تعالى منا، ولا يُحْتَاج إلى النَّسْخِ. أَلَا
تَرَى أن ساداتنا لمَّا تَرَكُوا مسألة جواز الاستقبال والاستدبار، لم يُبَالُوا بوقائع تُنْقَلُ في هذا،
وقالوا: إنها وقائع غير مُنْكَشِفة الحال. وحديث أبي أيوب تشريعٌ عامٌّ، فلا أَدْرِي، ولَسْتُ أخال
أدري أنه ما الفرق بين هذين؟ فَذَهَبُوا إلى النَّسْخِ ههنا دون هناك.
ولقد تفرَّد الشيخ رحمه الله تعالى بحلِّه، فجمعته من تقاريرٍ له شتى عندي بَعْدَ جِدِّ واجتهادٍ
تام، وفكرٍ بالغ، وتعمُّقِ نَظَرٍ، وإعِمالِ درايةٍ، وإتعاب نفسٍ، فَاجتمعت عندي عِدَّة أجوبة من
كلامه، وها أناً أسردها على ما هذَّبتها، فهل من حرِّ يَنْظُرُ بعين الإنصاف، ولا يَسْلُكُ مَسْلَكَ
الاعتساف، وإنما وَضَعْتُ هذه في صدر الصحيفة، لأن كلها من الشيخ رحمه الله تعالى، ما
خَرَمْتُ منها حرفًا، ولا زِدْتُ عليها حرفًا غير البيان والإِيضاح، وأرجو من الله سبحانه أن يكون
هذا هو مراده إن شاء الله تعالى.
تحرير المذاهب: واعلم أن الشافعيةَ والجمهورَ مع الحنفية رحمهم الله تعالى في وُجُوب
القيام خَلْفَ الإِمام القاعد، وعدم جواز القعود خلفه. وذهب أحمد رحمه الله تعالى إلى وُجُوب
القُعُود خلف القاعد ولو كان القومُ أصخَّاء ثم ذَكَرُوا له شروطًا: من كون الإمام إمام الحيِّ،
ومرضه ممَّا يُرْجَى زواله. ثم فرَّقُوا بين القُعُود الطارىء. والأصلي، فتحمَّلوا قيام القوم في
الأوَّل دون الثاني، ووجه الفرق ما نُقِلَ عن أحمد رحمه الله تعالى.
وحاصله: أن وُجُوبَ القُعُود، وكراهة القيام خلف القاعد، إنما هو لأجل التشبُّه بالأعاجم
في إفراط التعظيم لعظمائهم، كما يتَضِحُ من سِيَاق أبي داود. وذاك إنما يُتَصَوَّرُ إذا كان الإمام
قاعدًا من أول الأمر، لأن قيامهم حينئذٍ يُعَدُّ من قيام الأعاجم، حيث إنهم أيضًا يَقُومُون بين يدي
أمرائهم الجالسين. وأمَّا إذا أمَّهم الإمام قائمًا، واقتدى به القوم كذلك، ثم طَرَأَ على الإِمام عُذْرٌ
فَقَعَدَ فلا يُعَدُّ قيامهم للتعظيم، فإنهم كانوا قائمين من قبل، وإنما أَوْرَث صورةَ التعظيم قعودُ
الإمام.
وبعبارةٍ أوضح: إن التعظيمَ إنما هو في القيام للقاعد، دون القُعُود للقائم، فههنا قَعَدَ
٣١٠
كتاب الأذان
الإِمام مع كون القوم قائمين، ففيه قُعُودٌ للقائم، دون القيام للقاعد، وبينهما بَوْنٌ بعيدٌ، واسْتَفْتِ
قلبَك إن شِئْتَ، فهذا هو الذي دَعَى الإِمامُ إلى الفرق بينهما .
وأمَّا مالك رحمه الله تعالى، فالمشهور عنه أنه لا يَجُوز اقتداء القادر بالقاعد مطلقًا، لا
قائمًا ولا قاعدًا. وروى وليد بن مسلم عنه جَوَازَه عند قيام القوم، وحَمَلَها الناسُ على اختلاف
الروايتين. وعندي ليس كذلك، بل مذهبهُ هو مجموعُ الروايتين، وقد نَبَّهْتُكَ فيما سَلَفَ أن روايةً
قد تَرِدُ عن إمام، ثم تَرِدُ أخرى، وتكون كلتاهما كاشفتين عن وجهة وجهة، ولا يتمُّ المراد إلَّا
بهما، ثم يحملهما الناس على الروايتين. وما الفرق بين الروايتين عن إمام، وبين الحديثين عن
النَّبِيِّ ◌َّهَ؟ حيث يَظْلُبُون جهة التوفيق والقدر المشترك بين المرفوعين، ولا يَظْلُبُونها بين
الروايتين، ولو سلك الناس هذا المسلك، لاسترحنا كثيرًا.
وحاصل مذهبه على هذا التقدير: تجويزُ القيام خلفَ القاعدِ مع تقبيح ابتغاء اقتداء
القائمين بالقاعد مع تمكَّن الاقتداء بالقائم القادر. ولا بحثَ فيها عن الجواز وعدمه، فالروايةُ
الأولى عندي لبيان عدم الابتغاء، وأنه ينبغي أن لا يَقْتَدِي القادرُ بالمعذور مهما أمكن الاقتداء
بالقادر. والروايةُ الثانيةُ لبيان جوازه في الجملة، فهي تَكْشِفُ الروايةَ الأولى، وتوضِّحُ أن نفي
الاقتداء في الرواية الأولى محمولٌ على عدم الانبغاء، لا على النفي رأسًا، فهذه كاشفةٌ عن
وِجْهة، وهذه عن وجهة، والمراد بتمامه في المجموع.
إذا عَلِمْتَ هذا، فاعلم أن ههنا أمرين: الأولُ: قول النبيِّ وَّرَ: ((إذا صلَّى قاعدًا، فصلُّوا
قُعُودًا))، والثاني: إشارتُه إليهم بالقعود حين اقتدوا به قائمين. ويجب علينا التفصِّي عنهما،
فنقولُ في الجواب عن القول على ما أَجَابَ به ابن دقيق العيد: إن في قوله: ((إذا صلَّى
قاعدًا)) ... الخ إحالةً على موضع القعود، وليس المراد القعود بدل القيام، أي إذا قَعَدَ الإمامُ
في قَعْدَتِهِ فاقعدوا أنتم أيضًا، ولا تختلفوا عليه. ولا بُعْدَ فيه، لأن حديث أنس رضي الله عنه
يَشْتَمِلُ على سلسلة في أفعال الصلاة، من القيام إلى الركوع، ومن الركُوع إلى القيام، ومن
القيام إلى السُّجُود، ومن السُّجُود إلى القُعُود، فأي بُعْدٍ في إرادة هذا القيام، وهذا القُعُود.
وأوْرَدَ عليه هو بنفسه أن الألطف في هذا المراد: إذا قَعَدَ فاقعدوا، ليُوَافِق قرائنه: إذا كبّر
فكبِّروا ... الخ، مع أنه غَايَرَ بين السياق، وقال: ((إذا صلَّى قاعدًا ... الخ، فدَلَّ على أنه لم
يُرِدْ به ذلك.
قلتُ: وجوابُه عندي: أن أفعالَ الصلاة على نحوين: بعضُها عبادةٌ كالرُّكُوع والسُّجُود،
وبعضُها يُشْبِهُ العادة أيضًا كالقُعُود والقيام، فإِنهما من الأحوال العامة أيضًا ولا يتعيَّنان في
العبادة، فأَدْخَل عليها لفظ الصلاة للفرق بين العبادة والعادة والتمخُّض للعبادة، وهكذا فَعَلَّه
القرآن، فإذا ذَكَرَ الركوعَ والسجودَ أطلقهما، وقال: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ [الحج: ٧٧] وإذا ذَكَرَ
القيامَ أَتْبَعَهُ بلفظِ يُشِيرُ إلى كونه عبادة، فقال: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَلِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولم يَأْمُر في
موضع بالقيام مطلقًا كما أَمَرَ بالركوع والسجود، وذلك لأن: ﴿وَقُومُواْ﴾ لا يتعيَّن للعبادة، بخلاف
الركوع والسجود.
٣١١
كتاب الأذان
والجواب الثاني: أن الحديثَ ليس ابتدائيًا ليدُلَّ على مطلوبية القُعُود أو وَجُوبه من جهة
الشارع، بل وَرَدَ في سِيَاق التعليم حين تَعَنَُّوا باقتدائه قاعدًا، فهو إذن لذمِّ التعنُّت في اقتداء
القائم بالقاعد، وتفويت المشاكلة المطلوبة بينه وبين إمامه، وكراهية الإفراط في التعظيم
والتشبُّه بالعَجَم. وفَرْقٌ بين الأمر بالشيء ابتداءً، وبين الأمر به في نحو سِيَاقِ الإِصلاحِ. فإِن
الأولَ أقربُ إلَى الوُجُوب، والثاني يَنْزِلُ على الإِباحة أيضًا. أَلَّا تَرَى إلى قوله: ((صلّوا في
مَرَابِض الغنم))، ليس الأمر فيه للوُجُوب، لأنه ليس ابتدائيًا كما مرَّ، فكذلك ههنا، وإنما وَرَدَ في
سِيَاق الإِصلاح.
وحينئذٍ لم يَخْرُج منه تحريم القيام خَلْفَ القاعد، بل إباحته القُعُود خَلْفَ القاعد أو
تحسينه، كما يُسْتَفَادُ من إشارته بالقُعُودِ، ويَدُلُّ عليه ما عند مسلم في حديث أبي هُرَيْرَة
رضي الله عنه: ((إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤْتَمَّ به، فلا تَخْتَلِفُوا عليه)). وعند الترمذي كما سيجيء:
(«فليصنع كما يصنع الإمام))، كل ذلك طلبًا للمشاكلة. ويتَّضِحُ ذلك مما عند أبي داود، في
باب الإمام يصلّي من قُعُودٍ، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: ((رَكِبَ رسولُ اللَّه ◌َ فَرَسًا
بالمدينة، فَصَرَعه على جِذْم نخلةٍ، فانفكت قدمه، فأتيناه نَعُودُه فوجدناه في مَشْرُبة لعائشة
رضي الله تعالى يُسَبِّح جالسًا، قال: فقمنا خلفه، فَسَكَتَ عنّا، ثم أتيناه مرةً أخرى نَعُوِدُه
فصلَّى المكتوبةَ جالسًا فقُمْنَا خلفه فأشار إلينا فَقَعَدْنا، قال: فلما قضى الصلاة قال: إذا صلَّى
الإمامُ جالسًا، فصلُّوا جلوسًا. وإذا صلَّى الإمامُ قائمًا فصلُّوا قيامًا ولا تفعلوا كما يَفْعَلُ أهلُ
فارس بعظمائها)) ١ هـ.
فسكوتُه في اليوم الأول دليلٌ صريحٌ على عدم وُجُوب القُعُود خَلْفَ القاعد، وعدم حُرْمة
القيام خلفه، ولذا لم يُشِرْ إليهم بالقُعُود، ولا علَّمهم شيئًا في هذا الباب، حتى إذا أحسَّ منهم
التعنُّت فيه، حيث جاؤوا في اليوم الثاني أيضًا واقتدوا به، فحينئذٍ عَنَّفَهم على تعنُّتهم ذلك
وابتغائهم الإِمام القاعد. مع أن النبيَّ ◌َّ كان سؤَّى لهم إمامًا قادرًا في المسجد النبوي ليصلِّي
بهم، ثمٍ صلّى في المَشْرُبَة مُتَنَحِّيًا عنهم، ومع ذلك لم يَتْرُكُوه حتى اقتدوا به في صلاته قاعدًا،
ولمَّا فَعَلُوا ذلك في اليوم الثاني عَلِمَ أنه لم يكن ذلك منهم اتفاقًا، بل كان قَصْدًا فمنعهم عن
ذلك.
ولو رَاعَيْتَ معه قوله عند مسلم: ((إن كِدْتُم آنفًا تَفْعَلُون فِعْلَ فارس والروم. يَقُومُون على
ملوكهم وهم قُعُود، فلا تَفْعَلُوا اثْتَمُّوا بأئمتكم ... )) إلخ، لعَلِمْتَ أن النهيَ عن القيام خَلْفَ
القاعد إنما هو للإفراط في التعظيم، إلَّا أنه يُخَالِفُ منصب الائتمام فمعنى الكراهة: هو
الإفراط في التعظيم والتشبيه بالتمثّل للأمراء، ولذا أَغْمَضَ عنهم في مرض الموت، لأنهم لم
يَقُومُوا له، وإنما كانوا قائمين من قبل، ثم خَرَجَ النبيُّ بَّرَ هو وأمَّهم قاعدًا، فلم يُوجد منهم
التعنُّت في الاقتداء، ولا الإفراط في التعظيم. وإنما اسْتَشْعَرَ ذلك منهم في واقعة الجحوش،
فنهاهم.
والقول بنسخ الأول من الثاني لا يَقْبَلُه الذَّوْقُ، فإن الراوي لا يذكرهما كالناسخ
٣١٢
كتاب الأذان
والمنسوخ، بل يَذْكُرُ واقعتين في سلسلةٍ واحدةٍ وقعت مرةً كذا، ومرةً كذا، على أنَّا لو حَمَلْنَاهُ
عليه يَلْزَم النسخُ مرتين: الأول نسخُ القيام بالقعود، ثم نسخُ القُعُود بالقيام في مرض الموت،
على ما اختاره البخاريُّ والجمهور، وكذا لا دليلَ فيه على ما ذَكَرَهُ ابن حِبَّان أنها كانت
نافلةً في اليوم الأول، ومكتوبةً في الثاني فسكوتُه في اليوم الأول إنما كان لكون صلاته نافلةً
تَجُوزُ فيها الصُّوَرُ كلُّها بخلاف اليوم الثاني، فإنها كانت فريضة، ولا يتحمَّل فيها هذا
التوسُّع.
وفيها الخلاف، وذلك لأن كونها مكتوبةً أو نافلةً تعرَّض إليه الراوي من قبله في ذَيْل
القصة، لكونه مناطًا لجواز القيام أو حرمته، وليس في الحديث إيماءٌ إليه، ولا بناءٌ عليه، حيث
قال: ((وإذا صلى قاعدًا، فصلَّوا قُعُودًا))، ولم يُومِىء إلى هذا التفصيل، بل صرَّح أنه كَرِهَ القيام
لأجل الإفراط في التعظيم. ويُقِرُّ به ما رامه مالك رحمه الله على ما قرَّرناه فنهى عن اقتداء
القاعد مطلقًا وإن اقتداه قاعدًا، لأنه فهِمَ أنه تعنَّت في ذلك لِمَ لا يقتدي بإمام قادرٍ مثله؟ وإن
كان لا بُدَّ فاعلًا فعليه أن يقومَ، فإنه فرضٌ، والكلُّ فيه أميرُ نفسه، فلا يَسْقُطُ عن ذمته، وهو
الذي تُظْهِرُه رواية وليد بن مسلم عنه. ويَحُومُ حوله ما اختاره أحمد رحمه الله تعالى، فإِنه فرَّق
بين القعود الطارىء والأصلي، بناءً على أن الإِفراط في التعظيم، والتشبُّهَ بالأعاجم، إنما هو
في الثاني دون الأول.
وعُلِمَ من هذا التقرير: أنه لم يَعْمَلْ بإطلاق الحديث أحدٌ منهم، ثم لو سلَّمنا، فهذا الفرق
إنما ذَكَرَه الرَّاوي في صلاة النبيِّ وَّ وما الدليل على أن الصحابةَ رضي الله عنهم أيضًا كانوا
مُفْتَرِضِين في اليوم الثاني؟ فجاز أن تكون صلاتُهم على أنها نافلةٌ، بل هو الظاهر، لأن المسجدَ
لم يَخْلُ عن الجماعة في هذه الأيام، وهؤلاء لم يَكُونُوا ليتركوا صلاة الجماعة في المسجد،
وإنما جاؤوا للعِيَادة، واتَّفَقَ أن وَجَدُوهُ يُصَلِّي سُبْحَةً أو مكتوبةً، فاقتدوا بِه على أنها نافلةٌ لهم،
والقُعُود في مثلها مطلوبٌ تحصيلًا للمشاكلة، وإنما الكلام فيما إذا صلَّوها فريضةً، وليس في
الحديث .
والجواب الثالث: أن الحديثَ لو دَلَّ على وُجُوب القُعُود، وحُرْمة القيامِ خَلْفَ القاعد
لقوله {َلَّهُ: ((إذا صلَّى قاعدًا)) ... الخ، لدَل على وُجُوب القيام، وحُرْمة القُعُود خَلْفَ الإِمام
القائم لقرينةٍ، وهو قوله {َّ ((إذا صلّى قائمًا ... )) الخ، مع أنه لم يَذْهَبْ إليه أحدٌ.
والأصل: أنّ حال المُنْفَرِد مُنْحَصِرٌ في صورتين، وهما: القعود والقيام؛ بخلاف حال
المصلِّي مع الإِمام، فإنها أربعةٌ ذَكَرَ منها في الحديث اثنان وبقي اثنان وهما: القعود خلف
القائم، والقيامُ خلِف القاعد فمن تمسّك به غَفَلَ عن هذين، وقاس حاله مع إمامه على حاله في
الانفراد. وهذا يَدُلَّك ثانيًا على أن الحديث لم يَرِدْ إلاّ في طلب المشاكلة، وهو بالقيام خَلْفَ
القائم، والقُعُود خَلْفَ القاعد. بقيت صورة الاختلاف، فلم يتعرَّض لها في الحديث، فليَكِلْهُمَا
إلى اجتهاد الأئمة، أو إلى حديثٍ آخر، وإلاّ لَزِمَ عدم جواز القُعُود خَلْفَ القائم أيضًا بعين هذا
الحدیث.
٣١٣
كتاب الأذان
والجواب الرابع: أن الحديث ينبني على فرضٍ ذهني وحكم معهودٍ عند الشارع، وهو:
أن القاعد لا يُصَلَّي بِالناس في المسجد، والمفترِضَ القادر لا يُصُلِّي في البيت، وحينئذٍ لا
يكون قوله: ((وإذا صلَّى قائمًا ... )) الخ إلاّ في حقِّ الفرائض. فإِن قوله هذا، وإن كان عامًا في
الظاهر، إلَّا أنه مقصورٌ على المكتوبات بالنظر إلى هذا الفرض، لأن صلاة الإِمام قائمًا في
المسجد لا تكون إلَّا فريضةً. وكذا قوله: ((وإذا صلَّى قاعدًا)) الخ، وإن وَرَدَ عامًّا، لكنه على
الفرض المذكور لم يَرِدْ إلَّا في النافلة، لأنه إذا فَرَضْنَاه قاعدًا، فلا يكون في المسجد، بل في
البيت، ولا يكون فيه إلَّا النَافلة، أو فريضة المنفرِد.
فهاتان القضيتان وإن كانتا كُلِّيَّتَيْنِ لفظًا لكنهما مَخْصُوصَتَان معنى، وكثيرًا ما يَرِدُ الكلامُ
على فرضٍ ذهني، ثم إذا عُرِّيَ عن تلك القرائن المُحْتَفَّة والمعهودة بين المخاطَب والمتكلِّم
أورث مثل هذه قلقًا، أَلَا تَرَى إلى شاكلة أحاديث تنصيف الأجر وَرَدَتِ بدون تفصيلٍ بين
الفرض والنفل، ففي الصِّحَاح عن عِمْرَان بن حُصَيْنِ مرفوعًا قال: ((من صلَّى قائمًا فهو أفضل
ومن صلَّاها قاعدًا، فله نصف أجر القائم. ومن صلَّاها نائمًا فله نصف أجر القاعد)». اهـ.
وكذلك ليس في قوله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]
الخ ... ولا في قوله: ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] تفصيلٌ بين
الفرض والنفل.
فلو تعرَّض في واقعة السقوط إلى هذا التفصيل لفَاتَ ذلك الوضع. فإِذا مَشَى في
أحاديث تنصيف الأجر على شاكلة الإِبهام مَشَى عليها في أحاديث السُّقُوط أيضًا، ولم يتعرَّض
فيها إلى القيام: أنه متى يَجِبُ ومتى لا يَجِبُ؟ وكذا إلى القُعُود أنه متى يَجُوزُ ومتى لا يَجُوزُ؟
بل تركهما على ما عُهِد من شأنهما في الخارج نعم إذا وَقَعَ التميُّزُ في الخارج، وخرجت
الأقسام، فصار بعضُها فريضةً وبعضٌ آخر نافلةً، خَرَجَ بنفسه: أن القيام في الفرض لا يَسْقُطُ
بخلافه في النافلة .
ثم إنك لو نَظَرْت إلى عادتهم في الخارج، ما كانت؟ لعَلِمْتَ أن الحديثَ مقصورٌ بجزأَيه
على(١) النافلة، لأنهم كانوا مَشْغُوفِين بالاقتداء خلفه ◌ََّ أينما وجدوه يُصَلِّي، وإنما كانوا يَفْعَلُون
ذلك من أنفسهم بدون ترغيب منه، كما فعلوه في صلاة الليل، فاقتدوا به، حتى قال لهم
النبيُّ ◌َّهُ: ((خَشِيتُ أن تُكْتَبَ عليكم)) فصلاتُهم هذه ما كانت لإِسقاط الفريضة، ولم تكن تُدْعَى
لها، ولكنهم كانوا يَدْخُلُون فيها تحصيلًا للبركة، وإحرازًا للأجر، وتوفيرًا للثواب، ونَيْلًا لشرف
(١) فإن قلت قوله في القصة: ((حَضَرَت الصلاةُ)) يأبى أن تكون تلك الصلاة نافلةٍ، فإن هذا التعبير يَلِيقُ بالفرائض.
فأجاب عنه الشيخ رحمه الله تعالى: بأن ذلك يأتي في النافلة أيضًا. قلتُ: وقد وَجَدْته بحمد الله تعالى في
البخاري، أخرج في باب الكُنْيَة للصبيِّ في حديث أنس رضي الله تعالى عنه في قصة أبي عُمَيْر: ((فربما حَضَرَتِ
الصلاةُ، وهو في بيتنا، فَيَأمُر بالبِسَاط الذي تحته فيُكُنَسُ ويُنْضَحُ، ثم يقوم ونقوم خلفه، فيصلِّي بناء اهـ.
وليست تلك إلَّ نافلة.
٣١٤
كتاب الأذان
الاقتداء بخاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام وهو الذي فَعَلُوه في واقعة السقوط.
وحينئذٍ مخاطبة النبيِّ ◌َّ إياهم بهذا الحديث لا يتناول إلَّ الصلوات النافلة التي عَلِمَ
الدخول فيها من أحوالهم، فهو إذن في حقِّ الصلاة التي لا يُدْعَى لها الناس، وهي النافلة، ولا
رَيْبَ أنه يتحمَّل فيها القُعُود من القدرة على القيام. وفي فِقْهِنَا أيضًا: أن الإمام إن صلَّى
التراويح قاعدًا، فللقوم أن يَقْعُدُوا أيضًا تحصيلًا للمشاكلة. فمعنى قوله: ((وإذا صلَّى جالسًا،
فصلُّوا جلوسًا))، أي: في الصلاة التي عَرِفْتُ من عادتكم الاقتداء فيها. نعم، إذا غَفَلَ عن
عادتهم تلك في الخارج، سَرَى إلى الوهم أَنه عامٌّ في أنواع الصلوات كلِّها .
وأمَّا وَجْهُ التفضِّي عن إشارته، فَيَنْكَشِفُ بعد المراجعة إلى ما أَخْرَجَه أبو داود في الأذان،
في حديثٍ طويلٍ من أحوال الصلاة، وفيه قال ابن أبي ليلى: وحدَّثنا أصحابنا قال: (كان
الرجل إذا جاء يسأل، فيُخْبِرُ بما سَبَقَ من صلاته، وأنهم قَامُوا مع رسول الله وَّ من بين قائم
وراكعٍ وقاعدٍ ومصل مع رسول الله وَّر .... حتى جاء معاذ رضي الله عنه، قال: فقال معاذ: لا
أراه على حالٍ إلا كُنْتُ عليه، قال: فقال: إن مُعَاذًا قد سَنَّ لكم سنةً، كذلك فافعلوا)). اهـ.
مختصرًا بدون تغيير في اللفظ.
وله مُتَابِعٌ عند الطبراني، وفي إسناده عُبَيْدُ الله بن زَحْر، ورأيُ البخاري رحمه الله تعالى
حسنٌ في حقُّه. ثِم وَجَدْتُ له مُتَابِعَيْن آخرين أيضًا، وظاهره: أن الناس كانوا يَدْخُلُون في
الجماعات، فَيُصَلَّون أولًا لأنفسهم ما فَاتَهم من صلاة إمامهم، حتى إذا قَضَوْه اتبعوه فيما بقي،
واشتركوا معه في الأفعال حتى جاء مُعَاذ رضي الله عنه، فدخل أولًا فيما كان الإِمامُ يصلِّيه، ثم
اشتغل بأداء ما فاته من صلاته كما هو شاكلة القضاء اليوم. وأنت تَعْلَمُ أنهم لا بُدَّ لهم في هذه
الصورة أن يَخْتَلِفُوا على إمامهم، فيكون أحدهم قاعدًا مع قيام إمامه، وقائمًا مع قعود إمامه،
وهو الذي يقوله الراوي ((من بين قائم وراكعٍ وقاعدٍ)) ... الخ، فيُشِيرُ إلى هذه الاختلافات على
إمامهم .
فلعلَّ هؤلاء الذينِ دَخَلُوا في صلاة النبيِّ وََّ في مَشْرُبَتِه، واقتدوا به عَمِلُوا بهذه السنة،
وقد كانت نُسِخَت، فدلَّهم على أنه يجب مع الإِمام ائتمامه، لا الاختلاف عليه، فعليكم أن
تَعْمَلُوا بسنة مُعَاذ رضي الله عنه، وهو: القضاء فيما بَعْدُ لئلا يُوجب الاختلاف على الإِمام،
فأشار إليهم بالجلوس لذلك. وعليه فليُحْمَل قوله: ((وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا))، أي لا
تُشْغِلُوا أنفسكم بقضاء ما فات أولًا، ليلزم عليكم القيام عند جلوسه، والجلوس عند قيامه،
ولكن صَلُّوا أولًا بصلاة الإِمام فصَلُّوا جلوسًا إذا صلَّى جالسًا، وكذا في القيام.
وإليه يشير ما عند الترمذي في باب ما يذكر في الرجل يُدْرِكُ الإِمامَ ساجدًا، كيف يصنع
عن مُعَاذ رضي الله عنه مرفوعًا: ((إذا أتى أحدُكم الصلاةَ والإِمامُ على حالٍ، فليَصْنَعْ كما يَصْنَعُ
الإِمامُ)). اهـ. يريد أن المسبوقَ ينبغي له أن يَتْبَع إمامَه في الأول، ولا يَشْتَغِلَ بقضاء أول
صلاته، وليَصْنَعْ كما يَصْنَعُ إمامُه. وكذلك ما عند أبي داود، في باب الرجل يُذْرِكُ الإِمامَ
٣١٥
كتاب الأذان
ساجدًا ... الخ، عن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه مرفوعًا: ((إذا جِئْتُم إلى الصلاة ونحن سجودٌ
فاسجدوا ولا تَعُدُّوها شيئًا ... )) الخ(١).
ثم ليمعن النظر أنه ما الفرق بين القُعُود عن القيام، وبين القُعُود للتشهُّد؟ فإن قلتُ: إنه
بوضع اليدين على السُّرَّة في الأول، وعلى الفخذين في الثاني. قلتُ: هو مسألةٌ اجتهاديةٌ
اختارها أبو حنيفة رحمه الله تعالى، ولا تصريحَ لها في الحديث مع أنه يترشّح من بعض عبارات
فقهائنا أنه لا فَرْق بينهما، وحينئذٍ يَلْتَبِسُ الأول والثاني، ولا يتميَّز أحدهما عن الآخر أصلًا.
وعلى هذا يُمْكِن أن يكونَ النبيُّ وَّرَ في القَعْدَة للتشهُّد. وهم فَهِمُوا أنه في القَعْدَة بدل القيام،
فَقَامُوا .
وأنت تعلم أنه لا سبيلَ حينئذٍ إلى علمه إلَّ بالتعليم، فأشار إليهم أن اجلسوا، ليَعْلَمُوا أنه
في القَعْدَة للتشهُّد، لا لأن فرض القيام سَقَطَ عنهم بالاقتداء. لا يُقَال يمكن أن يكون سقوطُ
القيام عن ذمَّة المقتدي كسقوط فرض القراءة عندكم، لأنا نقول: كلًّا، فإن القراءةَ خلف
القارىء مُنَازَعةٌ، والقيامَ خلف القائم مُوَافَقةٌ. والوجه: أن القراءةَ يتحمّلها الإمام عن المقتدي،
وتُخْتَسَبُ قراءتُه عن قراءتِهِ، بخلاف الأفعال من القيام والقعود وسائر الأذكار فإن الإمام لا
يتحمَّلها عن المقتدي، وكلٌّ فيها أميرُ نفسه، فلا تتأدّى إلَّا بفعله ومن ههنا تبيَّن وجه التفضِّي عن
إشارته بالقُعُود أيضًا(٢).
(١) يقول العبدُ الضعيفُ: وكلا الحديثين حَمَلَهما المحدِّثُون على غير ما حَمَلَهما عليه الشيخ رحمه الله
تعالى، ولا بأس. فإن العِبْرَة بصُلُوح اللفظ، فيمكن أن يجري فيه الشرحان لا سِيَّما إذا اعْتَضَد شرحُ
الشيخ رحمه الله تعالى بما عند أبي داود من سنة مُعَاذ رضي الله عنه. فلعلَّ ما في الترمذي عن مُعَاذ
أيضًا ناظر إليه، ويمكن أن يكون ما عند أبي داود والترمذي إشارة إلى ما أخرجه عبد الرزّاق في مصنَّفه
مرسلًا، ولعلَّه عن عطاء: ((أن الناس كانوا يَأْتَمُّون بالإمام وهو في السجود مثلًا، فلم يكونوا يَسْجُدُون،
لأنه إذا فَاتَه الركوع لا يجزئهم السجود عن الركعة، فكانوا يستمرُّون على القيام، حتى كان الإمام يُدْرِكُهم
في القيام.
فلعلَّ هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم لمَّا دَخَلُوا المَشْرُبة، ووجدوا النبيَّ ◌ََّ قاعدًا اقتدوا به ولم يَقْعُدُوا معه،
بل قاموا كذلك منتظرين أن يُذْرِكَهم النبيُّ ◌َّ في القعود بدل القيام، يعني يقعد قَعْدَة القيام، فعلَّمهم أنه ليس
من سنة الصلاة، بل إذا صلَّى الإمامُ قاعدًا، فليصلُ معه كذلك، وليُذْرِكُهُ معه، ويصنع كما يَصْنَعُ الإِمامُ، حتى
إذا أدركه في القعود فليَقْعُد، وإذا أدركه في القيام فَلْيَقُم ولا يختلف عليه، ولذا أشار إليهم: أن اجلسوا ولا
تنتظروا قائمين. ثم إن ههنا أثرًا عن عطاء مُرْسلا نَقَلَه الحافظ رحمه الله تعالى: («لو استقبلت من أمري ما
استدبرت، ما صَلَّيتم إلاَّ قعودًا)» - أو كما قال - وقد كان الشيخ أجاب عنه أيضًا، غير أني لم أنْتَهِز فرصةً
لتفصيله.
(٢) واعلم أن ابن حَزْم مرَّ على تلك المسألة، وبَالَغ فيها حتَّى جَعَل يدَّعي الإجماع، وشَدَّد في الكلام على من
خالَفَه، وزَعَم أن المُغِيرَةَ بن مِقْسَم صاحبَ النَّخَعِيّ هو أول من أَبْطَل تلك المسألة من هذه الأمة، وأخَذَ عنه
حمّاد، ثم تعلَّمه أبو حنيفة رحمه الله تعالى فلما رأيته يَرْفَعُ عَقِيرَتَه بالإجماع ارتعدت من الفَرَق، وما كنتُ أجدُ
منه مَلْجَأْ أَلْجَأُ إليه حتَّى تَذَكَّرْتُ لفظًا من شيخي، ولكن ما ألقيت له بالًا حتى رَزَقَنِي اللَّهُ بعض الممارسة،
فَوَجَدْتُ إن كان والله لعلمًا .
=
٣١٦
كتاب الأذان
قوله: (ربَّنَا ولك الحمدُ) وقد وَرَدَت صيغة التحميد بأربعة أنحاءٍ. بذكر اللهم وعدمه،
فأنا آتيكَ أولاً بنصّ ابن حَزْم: قال ابن حَزْم بعد نقل أسماء الصحابة الذين أفتوا بالقعود خلف القاعد: أنه عندي
=
ضَرْبٌ من الإجماع الذي أجْمَعُوا على إجازته، لأن من أصحاب رسول الله بَّ أربعةً أفتوا به، والإجماع عندنا
إجماع الصحابة، ولم يُرْوَ عن أحدٍ من الصحابة خلاف لهؤلاء الأربعة، لا بإسنادٍ متصل ولا منقطع، فكأن الصحابة
أَجْمَعُوا على أن الإمام إذا صلَّى قاعدًا، كان على المأمومين أن يُصَلُّوا قُعُودًا ... إلخ ثم ادَّعى مثله في التابعين
حتى جَعَلَ المُغِيرَة أول من خالفها.
قال الشيخ رحمه الله: والذي ذكره ابن حَزْم يَدُلُّ على خلاف ما رامه، وتفصيله على ما فَهِمْتُ: أن الأذهان إنما تتوجَّه
إلى بيان القُذْوَة من السَّلف في أمْرٍ يَشْتَدُّ فيه الخلاف، فيذكرون له أحاديثَ وأسانيدَ على نحو استدلالٍ، ومن
اختلافهم، وبحثهم، وردّ بعضهم على بعضٍ، واستدلالهم لأنفسهم، وذكر جماعات ممَّن وَافَقَهم، يَظْهَرُ مذاهب
الصحابة رضي الله عنهم لمن بَعْدهم، أمَّ الذي لم يَفْشُ فيه خلافٌ بين السلف، وكان أمره عندهم كالمسلّمات، فلا
يكون لهم فيه عنايةٌ بذكر استدلالٍ ورَدِّ استدلالٍ، فإنه لا يحتاج عندهم إلى البحث والفَخْص، فَيَسْكُتُون عنه، لأن من
حُسْن إسلام المرء تركهُ ما لا يعنيه، وفيه يتغيّر النقل عند الخلف من الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إِلَّ اسْتَنَّ ثم ردّه
على موضعه. فلو كان هناك أحد مثل ابن حزم وادّعى أنّ السّنة أن يكون السّواك موضع القلم.
فمطالبة النقول في أمثال ذلك ظُلْمٌّ، بل قلة الأسماء في خلافه يَدُلُّ على تفرُّد هؤلاء، ويَعُودُ هذا النقل وَبَالاً على
من يُنَوِّه بذكر أسمائهم، ويُطَالب من خالفه بذكر من كان خالفهم - ألاَ تَرَى أن الخلافَ إذا لم يتفاقم عندهم، فأيُّ
داعيةٍ لهم بالبحث والفحص والإثبات والردُ؟ وأنا أوضّحُ لك بمثالٍ: فقد رَوَى زيد بن خالد الجُهَني بإسنادٍ صحيحٍ
عند الترمذي مرفوعًا: ((لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسِّواكِ عند كل صلاة» ... الحديث، ثم كان زيد بن
خالد يشهدُ الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم، وتمسَّك بأن زيدًا يروي الحديث، ثم عَمِلَ به
كما سَمِعْتَ فدلَّ على سنية وضع السِّوَاك على الأذن، ثم يُبَالِغ فيه، ويقول: لم نجد في ذلك خلافًا عن أحدٍ من
الصحابة، فكان ذلك نوعًا من الإجماع.
وحينئذٍ لو أراد أحدٌ أن يَرُدَّ عليه، ويَصْرِفَ أوقاته في أن يخرج أسماء الصحابة رضي الله عنهم الذين خَالَفُوه ولم
يضعوا مساوكهم على آذانهم، فلا أراه إلاَّ أنه يُضِيعُ وقته ويُتْعِبُ نفسه، ثم يَرْجِعُ كليلاً، وذلك لأن نفس نقل الفعل
عن زيد خاصةً دليلٌ على تفرُّده في ذلك وخلافه إياهم، فالنقل فيه إنما يَهُمُّ ممن خالفه، ومطالبة النقل ممن كان
عملهم بخلاف ذلك ليس إلاَّ تحامُلاً وجَوْرًا، وهذا الذي قد فَهِمَه الإمام الترمذي، فقال بعد سَرْد الحديث
المذكور: وقد ذهب بعضُ أصحاب النبيِّ ◌َّ إلى هذا الحديث منهم: جابر بن عبد الله، وأُسَيْد بن حُضَيْر، وأبو
هريرة وغيرهم.
فانظر الفرق بين الإمام وبين ابن حَزْم حيث جَعَلَ الإمام النقلَ عن أربع من الصحابة رضي الله عنهم دليلاً على غاية
القلة، فإن النقلَ فيما تَعُمُّ به البَلْوَى ينبغي أن يكونَ من أكثر كثير، وإذ ليس إلاَّ عن هؤلاء الأربع، فدلَّ على
شذوذهم وتفرُّدهم عن الجماهير. وأما ابن حَزْم، فقد جَعَلَه دليلاً على الإجماع.
قلتُ: إن كان الإجماع يَثْبُتُ من سورة التعبير، والغِلْظَة في الكلام، والتضييق على الأنام، فلنا أن نقول: إنه لم
يُثْبِت ذلك إلَّا أربعةٌ من الصحابة رضي الله عنهم، فدَلَّ على من اختار القُعُودَ خلف القاعد، فقد خَالَف عمل
الجمهور. ومن ادَّعى، فليأتنا باسم خامسٍ أو سادسٍ، فإن كنتَ ذُقْتَ وأدْرَكْتَ هذه الدقيقة، فهذا الذي عرَّاهم
في مسألة ترك رفع اليدين، وأن ابن عمر رضي الله عنه إنما أُرَادَ في حديثه بإثبات الرفع في الموضعين: الردّ على
من كان تركوه. فإن الإثباتَ والاحتجاجَ واللِّزَامَ واللَّجَاجَ لا يكون إلَّا من مُجَاحِدٍ هناك، فدلَّ على كثرة
الجاحدين والمنازعين معه. وإنما قلَّ النقل عن السلف لكون الأمر عندهم على السواء، فلما دار البحثُ وظهر
الخلافُ، احتاجوا إلى إحياء ما كان عندهم من السنة .
=
٣١٧
كتاب الأذان
وكذا بذكر الواو وحذفها. ولطف الصيغة التي فيها الواو أنها تدلُّ على أن لربنا شيءٌ آخر أيضًا،
كما أن له الحمد، وإنما حَذَفَه لِيَذْهَبَ ذهنُ السامع كل مَذْهَبٍ ممكنٍ. وراجع لنكتة الحمد في
القَوْمة ما عند مسلم في باب الشفاعة من سجود النبيِّ وَّ والاستئذان لها، وفيه ثلاثةَ ألفاظ: في
لفظٍ: ((أنه يَحْمَدُه أولًا، ثم يَقَعُ ساجدًا)). وفي لفظِ ((أنه يَحْمَدُه ساجدًا)). وفي لفظِ ((أنه يَسْجُدُ له
ثم يَحْمَدُه)). وقد وَرَدَت كلّها في المقام المحمود.
وظَهَرَ لي أن الوجهَ هو الأول، والباقي من تصرُّفات الرواة، فإِنه يَحْمَدُه أولًا، ثم يَخِرُّ
ساجدًا، وهذه الحقيقة من تقديم الحمد على السجود سَرَت في الصلاة، فقدَّم الحمد في القَوْمة
على السجود لهذا. ولفظ مسلم يقتضي أن السجودَ من خصائصِ الحَضْرَة الربانية، فحيثما
تحقّقت الرؤية ثَبَتَ السجود هناك، كما في ليلة المِعْرَاج إذا تجلَّى له ربُّه خَرَّ ساجدًا هناك
كالثوب البالي. والله أعلى وأجلَّ ولعله بَدَأ بمثله في الشفاعة، فافتتح باب الشفاعة بالتحميد،
ثم سَجَدَ ولعلَّ الحمد في القَوْمة ليتدارك المسبوقُ ما فاته من الحمد، كما ذكره في (الفتح))
للقنوت، ثم رأيته في البجيرمي عن البرماوي. فهو لإِدراك الذكر فقط، ولو كان أُنْمُوذَجًا من
القيام لأدرك الركعة بإدراكه، وليس كذلك.
ثم المشهور عن إمامنا رحمه الله تعالى التقسيم في التسميع والتحميد بين الإِمام
والمقتدي، وهو المذكور في عامة الروايات وعنه: الجمع للإِمام، وهو عند البخاري. وعند
الشافعيِّ رحمه الله تعالى: التسميع للمقتدي أيضًا، ولم يذهب إليه أحدٌ من غير ابن سيرين على
ما أعلم، والله تعالى أعلم.
٨٣ - بابُ رَفعِ اليَدَينِ فِي التَّكْبِيرَةِ الأُولَى مَعَ الإِفِتِتَاحِ سَوَاءً
٧٣٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَّهِ، كَانَ يَرْفَعُ يَدَيهِ حَذْوَ مَنْكِبَيهِ، إِذَا افتَتَحَ الصَّلَّةَ، وَإِذَا
وأمَّا مُرْسَلُ عطاء عند عبد الرَّزاق في قصة صلاته في مرض الموت: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما
=
صليتم إلاَّ قُعُودًا ... إلخ، فالجواب عنه على ما أذكر عن الشيخ رحمه الله تعالى: أنه كان في قصة الجُحُوش،
فَوَهِم بعضُهم، وَرَوَاه في قصة مرض الوفاة، ولا أدري ماذا كانت قرائنه عند الشيخ رحمه الله تعالى، وقد كَتَبَ
الشيخ رحمه الله تعالى في ذلك تذكرةً مستقلةً، إلاَّ أني لم أفُزْ بها، والله تعالى أعلم بالصواب.
ثم وَجَدْتُ في بعض النقول عندي عن الشيخ رقم صفحة ((الكنز)) فراجعت إليه فوجدت فيه بعد قوله: ((لو
استقبلت)) إلخ: ((إن صلَّى قائمًا فصَلُوا قِيَامًا، وإن صلَّى قاعدًا، فصَلُوا قُعُودًا)). (عب).
هذا ما اجتمع لديّ من تقاريره في تلك المسألة، كنت أسمعها في السنوات المتفرّقة، ولا أَثْقُ بنفسي أن أكونَ
أتيتُ بها على وجهها، فإن لكل تقرير سلسلة ولكل سلسلة أصلاً، فالجمع بينها ربما يمكن أن يكون كالجمع بين
الضب والنون، بَيْدَ أني بَذَلْتُ فيه جهدي، ولا يكلِّفُ الله نفسًا إلاَّ وُسْعَها، وما أرَدْت به إلاَّ أن تفيدَ للطلبة بصيرةً
تامةً، فإن عَثَرْتَ فيه على نقص - وهو نقصٌ كله . فاعذرني، وإلا فأجزني ولو بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاةً لمن
لم يقرأ بها .
٣١٨
كتاب الأذان
كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذلِكَ أَيضًا، وَقَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ
حَمِدَهُ، رَبَّنَاَ وَلَكَ الحَمْدُ)). وَكَانَ لا يَفعَلِ ذلِكَ فِي السُّجُودِ. [الحديث ٧٣٥ - أطرافه في: ٧٣٦،
٧٣٨، ٧٣٩].
قال الحافظ رضي الله عنه: قد وَرَدَ الرفعُ في الأحاديث قبل التكبير وبعده ومعه، واختار
الأول صاحب (١) ((الهداية)) منا فَيَرْفَعُ يديه أولًا، ثم يكبِّر. أمَّا الثاني، أي التكبير، ثم الرفع فلم
يَذْهَبْ إليه أحدٌ من السلف وإن وَرَدَ في الحديث.
قلتُ: إن الصور عندي اثنتان فقط: قبله ومعه. أما الثاني، فهو من تصرُّف الرواة، وليس
من السنة في شيءٍ، فإنه قد تبيَّن لي بعد السَّبْر أن الرفعَ بعد انقضاء التكبير لغوٌ، فلو كَبَّرَ حتى
فَرَغَّ عنه لا يأتي بالرفع أصلًا، كذا في الزَّيْلَعِي ((شرح الكنز))، وصرَّح به الشافعيُّ رحمه الله
تعالى في ((الأم)) وكذا في ((المغني)) فَلَزِمَ منه أن الرفعَ للتكبير، فإذا خَتَمَ التكبير، فَاتَ محل
الرفع. وذلك لأني سَبَرْت الشرعَ، فرأيتُ أن لا رفعَ عند القيام إلى الثانية والثالثة، مع أن
الأظهرَ أن يكونَ الرفعُ فيهما أيضًا، كما كان في الأولى، ولكنه لم يُنْقَل عنه الرفع في هاتين،
وذلك لانقضاء التكبير فيهما في الارتفاع، وتمامه إلى القيام، وحينئذٍ لو رَفَعَ لكان بعد التكبير،
فلو كان الرفعُ عند الشارع بعده أيضًا لوضعه في قيام الثانية والثالثة البتّة، كما كان وضعه في
قيام الأولى. فَعلِمْتُ منه أن مَرْضِيَّ الشارع تركُ الرفع بعد التكبير، فَقَصَرْتُ على الصورتين
فقط، وإن كانت الألفاظ تحتمل الثالثة أيضًا .
٧٣٥ - قوله: (كان يَرْفع يديه) ... الخ(٢) والشافعية يَزْعُمُون أنه أصرحُ حُجَّةً لهم قلتُ بل
هو يَضُرُّهم من طَرَفٍ آخر، ويترشَّح منه ما يخالفهم، فإِن كنتَ فَطِنَا تَعْرفُ مظانَّ الكلام، ففكّر أن
ابن عمر رضي الله عنه، لِمَ خَصَّصَ الرفع من بين سائر صفات الصلاة؟ وَلِمَ نَّوه بذكره واهتمَّ
بأمره؟ يدُلَّك على خمُولِه في زمنه. ولذا لم يتوجَّه إلَّا إلى الرفع خاصةً، ولعلَّه رأى فيه تركًا
فأراد إحياء الرفع، ورمي التاركين بالحصى، ولو لم يكن هناك تاركون، فمَنْ ذا الذي كان
يَرْمِيهم؟ نعم، لو كان في طريقٍ من طُرُق روايته ذكرٌ لصفاتٍ أخرى أيضًا لحَمَلْنَاه على الاختصار
فقط، إلَّا أنه لمَّا لم يتعرَّض إلَّا إلى هذا الجزء خاصةً، عَلِمْنَا فيه خُمُولًا في زمانه، بحيث
(١) قوله: ويرفع يديه مع التكبير، وهو سنةٌ، قال صاحب ((الهداية)): وهذا اللفظ يُشِيرُ إلى اشتراط المقارنة، وهو
المرويُّ عن أبي يوسف، والمُحْكَى عن الطَّحَاويِّ،، والأصَحُّ: أنه يرفع يديه أولًا، ثم يكبِّر.
(٢) وهناك رواية عن ابن عمر رضي الله عنه في ((خلافيات البيهقي)) تَدُلُّ على نقيض ما في البخاري، وكان الشيخ
رحمه الله يتردّد فيها، لأن رفعَ ابن عمر رضي الله عنه قد اشتهر اشتهار الشمس، حتى أنه عُدَّ من رافعي لوائه،
ولم يَثْبُت عنه ما عند البيهقي بهذه المثابة، فلذا كان يُغْمِضُ عنه. وقد عَلِمْتُ من دَأَبه أنه لم يكن ممن يأخذون
بالحشيش، وهذا صورة إسنادها: مالك، عن الزُّهري، عن سالم، عن ابن عمر رضي الله عنه: ((أن رسول الله واله.
كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود)). اهـ. قلتُ: وتعجَّب منه البيهقي، ثم لم يستطع أن يتكلّم في
رواته، فالله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
٣١٩
كتاب الأذان
احتاج إلى الاستدلال والتفصيل. ولو كان الرفع فاشيًا ولم يكن هناك تارٌ كما زَعَمُوه فأيُّ
حاجةٍ دَعَتْهُ إلى اهتمامه أي اهتمام؟
قوله: (وإذا كَبَّر للرُّكوع). قال الشافعية: يبدأ الرفع مع التكبير، ثم يمُدّه حتى يملأَ به
الانحناء.
قلتُ: وفيه عُسْرٌ لا يخفى، ثم رأيت في ((شرح الإحياء)). من التنبيه ذكر أن الرفع مع
الانحناء مُتَعَسِّرٌ أو مُتَعَذِّرٌ فإِن كان لا بُدَّ له من الرفع عند الركوع، فالأولى أن يَرْفَعَ أولاً، ثم
يُكبِّرَ وينحني، ولا ينبغي أن يمشي على ظاهر شاكلة الألفاظ، فإِنها تَدُلُّ على أنه كان يرفع بعد
انقضاء التكبير، وهكذا ما اختاره الشافعية رحمهم الله تعالى في الرفع من الركوع من أنه يرفعهما
حين الارتفاع أيضًا غَلَطّ، بل يرفعهما حين يَنْتَصِبُ قائمًا.
وفي كتاب ((المسائل)) لأبي داود عن أحمد رحمهما الله تعالى: أنه رآه يرفع يديه حين
انتصبَ قائمًا. والسِّرُّ في ذلك أنهم فَهِمُوا هذا الرفع للانتصاب، فوضعوه في الارتفاع ليكونَ قبله،
مع أنه للذهاب إلى السُّجُود، وحينئذٍ نَاسَبَ أن يكونَ في الانتصاب. وبالجملة إن الرفعَ إن كان في
نظر الشارع، فهو في الابتداء: إما في ابتداء الركعة الأولى للافتتاح، أو ابتداء الركوع، أو عند
ابتداء السجدة، أو بين السجدتين، والأخيرُ قليلٌ جدًا مع ثبوت ترك الأَوَّلَيْن أيضًا، وكان به اعتناءٌ
للصغار دون الكبار، فإِنَّهم كانوا يتركونه أيضًا. أمَّا كَثْرَةُ العمل، فلم تتبيَّن بعدُ، وإن صَرَّح ابن
رُشْدٍ في ((بداية المجتهد)»: أن مالكًا في رواية ابن القاسم اختار الترك من أجل التعامل.
قوله: (وكان لا يفعلُ ذلك في السُّجُود)، والشافعية جَعَلُوه دليلًا على ترك الرفع في
السُّجُود. قلتُ: بل تعرُّضه إلى النفي في السُّجُود دليلٌ على أنه كان هناك الرافعون في السُّجُود
أيضًا، فأراد إخماله بذكر نحو من الاستدلال. والآن كيف ترى الحال في حديث ابن عمر
رضي الله عنه، فإِنه يريد نفي الرفع في السُّجُود، ويترشَّحُ منه الإيجاب، ويريد إيجابه في
الموضعين ويترشَّحُ منه النفي فيهما، وهذا كما قيل: إن في مِضِّ لَمَظْمَعًا (١). ثم إن حديث
(١) قلتُ: وإن كنتَ أدركتَ هذه المدارك وذُقْتَها فهنيئًا لك، وإلَّ فاسمع مني كلمةً أخرى، وهي أن التخصيصَ
بالذكر ممَّا يَحْتَاج إلى نكتة أَلَا تَرَى أن بعضَ الأمراء لمَّا تَرَكُوا التكبيرات حالة الخفض، احتاج الصحابةُ
رضي الله عنهم إلى التعرُّض لحالها خاصةً، فمن ذلك ما رواه أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عند مسلم كما في
((المشكاة)). وأَضْرَحُ منه ما عند البخاري عن سعيد بن الحارث بن المُعَلَّى قال: ((صلَّى لنا أبو سعيد الخُدْرِيّ،
فَجَهَر بالتكبير حين رفعَ رأسه من السُّجُود، وحين سَجَدَ، وحين رَفَعَ من الركعتين)). وعن عكرمة عند مالك قال:
((صلَّيت خلف شيخ بمكة، فكبّر ثنتين وعشرين تكبيرة)) ... إلخ. وأيضًا عنده عن عليٍّ بن الحُسَيْن مُرْسلًا، قال:
((كان رسولُ الله ◌َّه يكبِّر في الصلاة كلَّما خَفَضَ ورَفَع، فلم نَزَلْ تلك صلاته بَّهِ حتى لقي الله)). اهـ.
فما تَرَى في أمثال ذلك؟ كيف خصَّصُوا التكبيرات بالذكر من بين سائر الصلاة؟ حتى أن أئمة الحديث أيضًا أقاموا
لذلك بابًا مُسْتَقِلاً، كما بوَّب الترمذي: باب ما جاء في التكبير عند الركوع والخفض، فكما أن اعتناءهم ببيان
التكبير دَلَّ عندهم على فقدان العمل في زمنهم، كذلك اعتناء ابن عمر رضي الله عنه بالرفع، يَدُلُّ على فُشُوْ العمل
بالترك في الموضعين وإثباته بين السجدتين، فاحتاج إلى إثباته أو نفيه، فهذا الذي أراده الشيخ رحمه الله، فاعلمه
واشکر له.
٣٢٠
كتاب الأذان
مالك بن الحُوَيْرِث عند النَّسائي: ((أنه رَأَى النبيَّ نَّ رَفَعَ يديه في صلاته، وإذا رَكَعَ، وإذا رَفَعَ
رأسه من الركوع، وإذا سَجَدَ، وإذا رَفَعَ رأسَه من السجود، حتى يحاذي بهما فروع أذنيه))، اهـ.
لم أرٍ أحدًا شَرَحَه، وقد مرَّ عليه ابن القيم في ((الهدي))، والحافظ في ((الفتح)) والعجبُ أنهم
يستدلُّون منه ولا يَشْرَحُونه أصلًا، فإن ظاهره تعدُّد الرفع في القَوْمة، ففيه الرفع أربع مراتٍ: عند
الركوع، وعند الرفع منه وهو في الانتصاب على ما مرَّ، وعند السجود وهو أيضًا في الانتصاب،
وعند الرفع منه والذي يَظْهَرُ أنه أراد به ما بين الأمور الأربعة، فهي ثلاث: عند الركوع، وعند
الرفع منه، وبين السجدتين، وإنما أرادَ أنَّ الرفعَ في القَوْمة للمعنيين، فهو رفعٌ واحدٌ للرفع من
الركوع والسجود معًا. فَأَوْهَمَت عبارته بتعدُّد الرفع، ولم يكن مُرَادًا أصلًا، ولذا لم يذكره في
الرواية الثانية من النَّسائي، فانكشف أنه إيهامٌ لفظي فقط.
ولم يَثْبُت تعدُّد الرفع في القَوْمة عن أحدٍ من السلف، وكل لفظٍ لم يُوجَد مِصْدَاقه مع وفور
العمل في الخارج، فهو إيهامٌ تعبيريٌّ لا غير. وبعكسه، إن العمل إذا ثَبَتَ بأمر في الخارج،
وتبيَّن مِصْدَاقه، فهو سنّةٌ ثابتةٌ لا يمكن رفعها ونفيها من أحدٍ، ولو أَجْلَبَ عليه برِجِلِهِ وَخَيْلِهِ، فلا
يتمكَّن أحدٌ على نفي الترك رأسًا، كما لا يتمكّن على إثبات تعدُّد الرفع في القَوْمة نظرًا إلى
الألفاظ فقط ما لم يتبيَّن العمل به في الخارج. فالتوارثُ والتعاملُ هو معظم الدين، وقد أرى
كثيرًا منهم يتَّبِعُون الأسانيدَ ويتغافلون عن التعامل، ولولا ذلك لَمَا وَجَدْتُ أحدًا منهم يُنْكِرُ
ترك الرفع، ولكن الله يفعل ما يشاء.
وهاك نظائر أخرى بعضها ألصق من بعض، فقد أخرج مسلم عن جابر بن سَمُرَة قال: ((كان النبيُّ ◌َهُ يَخْطُبُ قائمًا،
=
ثم يَجْلِسُ، ثم يقومُ فيخْطُبُ قائمًا، فمن نبَّأك أنه كان يَخْطُبُ جالسًا فقد كَذَبَ)) ... إلخ. وإنما احتاج إلى تأكيد
القيام من بين سنن الجمعة، لأن بعضَهم كعبد الرحمن ابن أم الحكم كان يَخْطُبُ قاعدًا. وأخرج الشيخان عن ابن
عمر رضي الله عنهما: ((كان رسولُ الله ◌ِ ◌ّه، وأبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - يُصَلُّون العيدين قبل الخُطْبَة)).
وهكذا رُوي عن جابر رضي الله عنه، والبراء، وغيرهم. وذلك لأن بعضَ الأمراء كمروان بن الحكم كان قدّم
الخُطْبَة، فقد عَلِمْتَ ممَّا ذكرنا أن الصحابةَ رضي الله عنهم ماذا كانوا يُرِيدُون من التخصيص بالذكر، وعليه فَلْيُقَس
حديث ابن عمر رضي الله عنه في رفع اليدين.
وبالجملة حديث ابن عمر رضي الله عنه لا يُوَافقهم بتمامه كما زَعَمُوه. أمَّا أولاً، فلدلالته على الترك كما سَمِعْتَ
آنفًا. وأمَّا ثانيًا، فلما رَوَى الطَّحَاوِيُّ عن مُجاهد قال: ((صلَّيت خلف ابن عمر رضي الله عنه، فلم يكن يرفع يديه
إلاَّ في التكبيرة الأولى من الصلاة)). وأمَّا ثالثًا، فللرواية التي نقلناها عن ((خلافيات البيهقي)) عن قريبٍ. وأمَّا رابعًا،
فلما عند البخاري في حديثه: ((إذا قام من الركعتين رَفَعَ يديه)) ففيه إثباتٌ للرفع عند النهوض من الركعتين أيضًا.
ولا يقول به الشافعي رحمه الله أيضًا، فهذا حال حديث ابن عمر رضي الله عنه في الرفع، فإذا لم يستطيعوا العمل
بكله، جَعَلُوا يَخْتَالُون بتضعيف ما خالفهم مرةً، وبالإعلال أخرى.
ولعلَّك عَلِمْتَ حينئذٍ أن حديث ابن عمر رضي الله عنه لا يخلص لهم كما زَعَمُوه، بل فيه تأييدٌ للحنفية، فإن
الرفع إذا ثبت عنده في موضع آخر مع ترك العمل به بالاتفاق، ثَبَتَ الترك في الجنس من نفس حديثه، حتى ثَبَتَ
من رواية البيهقي والطحاويّ الترك مطلقًا في المواضع كلّها. وإذن لم نَفْتَقر في إثبات الترك إلى حديث من
الخارج، بل كفانا لذلك ابن عمر رضي الله عنه، ولله الحمد.