النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب الأذان
قلتُ: ويمكن أن يُفَرَّق بينهما: بأن أحدهما كان يَسْمَعُ التأذين دون الآخر، فأكَّد الحضورَ
لمن سَمِعَ النداء. فإن كان هذا، فهو منصوصٌ في الحديث. وحاصلُه: أن في الأعذار مراتب،
فلعلَّ عُذْر ابن أمِّ مكتومٍ كان دون عُذْر عِتْبَان، فرخّص لواحدٍ دون الآخر(١).
٤١ - بابٌ هَل يُصَلِّ الإِمَامُ بِمَنْ حَضَرَ
وَهَل يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَطَرِ؟
٦٦٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ
الحَمِيدِ صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الحَارِثِ قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي
يَوْمِ ذِي رَدْغْ، فَأَمَرَ المُؤَذِّنَ لَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ: قُلِ الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ، فَنَظَرَ
بَعْضُهُمْ إِلَىَّ بَعْضٍ، فَكَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا، فَقَالَ: كَأَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ هذَا! إِنَّ هذا فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيرٌ
مِنِّي، يَعْنِيِ النَّبِيّ ◌َِّ، إِنَّهَا عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُخْرِجَكُمْ. وَعَنْ حَمَّادٍ، عَنْ عَاصِم،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسَ: نَحْوَهُ، غَيَرَ أَنَّهُ قَالَ: كَرِهْتُ أَنْ أُؤَثِّمَكُمَّ،
فتجيئون تَدُوسُونَ الطِّينَ إِلَى رُكَبِكُمْ. [طرفه في: ٦١٦].
٦٦٩ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ:
سَأَلتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فَقَالَ: جَاءَتْ سَحَابَةٌ، فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ السَّقْفُ، وَكَانَ مِنْ
جَرِيدِ النَّخْلِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطَّينِ، حَتَّى
رَأَيَتُ أَثَرَ الطَينِ فِي جَبْهَتِهِ. [الحديث ٦٦٩ - أطرافه في: ٨١٣، ٨٣٦، ٢٠١٦، ٢٠١٨، ٢٠٢٧، ٢٠٣٦،
٢٠٤٠].
٦٧٠ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا
يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: إِنِّي لَا أَسْتَطيعُ الصَّلَاةَ مَعَكَ، وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا، فَصَنَعَ
لِلنَّبِّ ◌ََّ طَعَامًا، فَدَعَاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَبَسَطَ لَهُ حَصِيرًا، وَنَضَحَ طَرَفَ الحَصِيرِ، فصلّى عَلَيهِ
رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ آلِ الجَارُودِ لأَنَسٍ: أَكَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: مَا رَأَيْتُهُ
صَلَّاهَا إِلَّا يَوْمَئِذٍ. [الحديث ٦٧٠ - طرفاه في: ١١٧٩، ٦٠٨٠].
يعني هل يجوز له أن يُصَلِّي بمن حَضَرَ، ولا يترقَّب لسائرهم فالجواب: أنه يجوز، لا
سيَّما بعد ندائه بالصلاة في الرِّحال. ثم قوله: ((ونَضَحَ طرف الحصير)) في قصة عِثْبَان الآتية،
أمكن أن يكون وَهْمًا من الراوي، فإِنه أكثر ما يُرْوَى في قصة أم سُلَيْم. والله تعالى أعلم.
(١) قلتُ: ويُؤَيِّدُه ما عند البخاري في هذا الباب، عن أنس قال: ((قال رجلٌ من الأنصار: إني لا أستطيع الصلاة
معك، وكان رجلًا ضخمًا ... )) إلخ. قال الحافظ: وهو عِثْبان بن مالكَ. قلت: وحينئذٍ تبيَّن أن عُذْره كان فوق
عُذْر ابن أم مكتوم، لأنه صرَّح أنه لا يستطيع أن يُصَلَّي معه لضخامته، ولم يكن كذلك ابن أم مكتوم، فأمره أن
يَحْضُرَ الجماعة، فافهم.

٢٦٢
كتاب الأذان
٤٢ - بابٌ إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِالعَشَاءِ. وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مِنْ فِقْهِ المَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ،
حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلبُهُ فَارِعٌ.
٦٧١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ هِشَام قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ
عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ، وَأُقِيَمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَؤُوا بِالعَشَاءِ)).
[الحديث ٦٧١ - طرفه في: ٥٤٦٥].
٦٧٢ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرِ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنَّ تُصَلُّواْ صَلَاةَ
المَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ)). [الحديث ٦٧٢ - طرفه في: ٥٤٦٣].
٦٧٣ - حدّثنا عُبَيْدُ بْنُ إِسْماعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَبِدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّه: ((إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَؤوا
بِالعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ). وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَّهُ الطَّعَامُ، وَتُقَامُ الصَّلَاةُ، فَلَا
يَأْتِيهَا حَتَّى يَفرُغَ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ. [الحديث ٦٧٣ - طرفاه في: ٦٧٤، ٥٤٦٤].
٦٧٤ - وَقَالَ زُهَيرٌ وَوَهْبُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَام فَلَا يَعْجَل، حَتَّى يَقْضِّيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ،
وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ)). رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، عَنْ وَهْبٍ بْنِ عُثْمَانَ، وَوَهْبٌ مَدِينِيٌّ.
٦٧١ - قوله: (إذا وُضِعَ العَشَاءُ وأُقِيمَتِ الصلاةُ، فابدَؤوا بالعَشَاء) هكذا في فقهنا وينبغي
أن لا يُتَوَسَّعَ في مثل هذه المسائل، ولينظر الإِنسان لدينه أنه ما يقدِّم لغدٍ. وكيف يُسْتَدَلُّ بهذا
مطلقًا، وفي ((مشكل الآثار))(١): أنه في حقِّ الصائم، وفي صلاة المغرب خاصةً. وكان يَعْمَلُ به
ابن عمر رضي الله عنه، لكونه كثيرَ الصيام، قليلَ الإفطار. وما أظرف ما رُويَ عن إمامنا
رحمه الله تعالى: لأن يكون أكلي كلَّه صلاةٌ، أحبّ إليّ من أن تكون صلاتي كلُّها أكلًا.
٦٧٢ - قوله: (ولا تَعْجَلُوا عن عَشَائكم) (بي مزه نهو جاق).
٤٣ - بابُ إِذَا دُعِيَ الإِمَامُ إِلَى الصَّلاَةِ وَبِيَدِهِ مَا يَأْكُلُ
٦٧٥ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ
(١) أخرج الطحاويُّ في ((مشكله)): حدَّثنا محمد بن عليّ بن داود: حدثنا أحمد بن عبد الملك بن وَاقِد الحَرَّاني:
حدَّثنا موسى بن أَغْيَن: حدثنا عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب: ((أنه سَمِعَ أنس بن مالك يُحَدِّثُ عن
رسول الله مه قال: ((إذا أُقِيمَتِ الصلاةُ وأحدُكم صائمٌ، فليبدأ بالعَشَاء قبل صلاة المغرب، ولا تَعْجَلُوا عن
عَشَائکم». اهـ.

٢٦٣
كتاب الأذان
شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ: أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ يَأْكُلُ
ذِرَاعًا يَحْتَزُّ مِنْهَا، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَّامَ فَطَرَحَ السِّكِينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. [طرفه في:
٢٠٨].
أي جاز له أن يَفْرُغَ عنه. والنبيُّ ◌َّه إنما طَرَح السِّكِينَ، ودَخَلَ في الصلاة، لأن الطعامَ
كان ممَّا لا يَفْسُد بالتأخير، مع أنه يمكن أن لا يكون له حاجةٌ فیه.
٤٤ - بابُ مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَهْلِهِ
فَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَخَرَجَ
٦٧٦ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ
قَالَ: سَأَلتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهُ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مَهْنَةِ أَهْلِهِ،
تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. [الحديث ٦٧٦ - طرفاه في: ٥٣٦٣،
٦٠٣٩].
وكان زُرَارَة بن أبي أوفى - أحدٌ من التابعين إذا رَفَع مِظْرَقَتَه وسَمِعَ الأذانَ، وضعها
كذلك، وكان حدادًا. وفي إسناده الأسود، وهو من أخصِّ تلامذة ابن مسعود رضي الله عنه،
وكان يسألُ عائشةَ رضي الله عنها عن أمورٍ مهمةٍ، وابن أخي عَلقمة. لم يترك عامًا إلَّا وحَجَّ فيه،
وكان يهدي إلى عائشة رضي الله عنها الصدِّيقة. ثم هو من رواة الكوفة، ومذهبه تَرْكُ رفع
اليدين. فانظر إلى جلالة قدره، وجلالة أساتذته، وملازمته معهم. ثم أقدر قدر مختاراته.
٤٥ - بابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ
وَهُوَ لاَ يُرِيدُ إِلاَّ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ صَلاَةَ النَّبِيِّ ◌َّهِ وَسُنَّتَهُ
٦٧٧ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي
قِلَابَةَ قَالَ: جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيرِثِ فِي مَسْجِدِنَا هذاِ، فَقَالَ: إِنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ وَمَا أُرِيدُ
الصَّلَاةَ، أُصَلِّ كَيفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يُصَلِّي. فَقُلتُ لأَبِي قِلَابَةَ: كَيفَ كَانَ يُصَلِّي؟ قَالَ:
مِثْلَ شَيخِنَا هذا. قَالَ: وَكَانَ شَيْخُنَا يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ فِي
الرَّكْعَةِ الأُولَى. [الحديث ٦٧٧ - أطرافه في: ٨٠٢، ٨١٨، ٨٢٤].
يعني به: أن تلك صلاته لمَّا كانت لتعلُّمهم فقط، فهل بقيت فيها جهة لله، أو صارت
لغير الله تعالى؟ فقال: إن الصلاةَ بمثل هذه النية لا تكون لغير الله. وهكذا تردَّدوا في تحية
المسجد، فإن التحية ينبغي أن تكون لله تعالى، لا للمسجد.
٦٧٧ - قوله: (شيخنا هذا): وهو عمرو بن سَلَمَة الذي كانت أسْتُهُ تَنْكَشِف عند السجود،
كما عند أبي داود وكان إمامَ الحيِّ.
قوله: (وكان شيخًا يَجْلِس) ... الخ، يعني به جلسة الاستراحة. وفي ((البحر)) عن

٢٦٤
كتاب الأذان
الحلواني رحمه الله تعالى: أن الخلافَ فيه خلافُ الأفضلية، وهو المختار عندي. فما في
الكبيري: إيجابُ سجدة السهو على من جلسها محمولٌ عندي على ما أطالها فزادت على قَدْر
السُّنة. وما أجابَ به الطحاويُّ رحمه الله أنه كان للعُذْرِ ليس بسديدٍ عندي. بل الجواب أنها
كانت، ثم خَمَلَت خُمُولًا أفضى إلى إنكارهم عليها كما في البخاري في باب المُكْث بين
السجدتين، عن أيوب: ((كان يَفْعَلُ شيئًا لم أرهم يفعلونه: كان يَقْعُدُ في الثالثة أو الرابعة))، وهذا
يَدُلُّ على غاية خُمُوله. ونظيره الركعتان قبل المغرب، فإِنها أيضًا صارت خَامِلة، حتى قال فيها
ابن عمر رضي الله عنه ما قال.
وفي ((منتقى الأخبار)) عن أحمد رحمه الله تعالى: إن أكثر الأحاديث تبني على ترك
الجلسة، وهو من تصانيف الشيخ مجد الدين أبو البركات ابن تيمية الكبير - جد ابن تيمية
المعروف - ((ونيل الأوطار)) للشوكاني: شرح ((المنتقى)). هذا وبالجملة كفانا لمفضوليته قول
أحمد وما رُوي في البخاري، وللجواز: تصريحُ الحلواني. وهذا الذي أقول في مواضع عديدة،
ولا أحب لفظ النسخ إلَّا حين يُسْفِرُ إسفارَ الصبح.
٤٦ - بابٌ أَهْلُ العِلمِ وَالفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ
٦٧٨ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ
عُمَيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِّي مُوسِى قَالَ: مَرِضَ النَّبِيُّوَّهِ فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَقَالَ:
((مُرُواْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)). قَالَثُّ عَائِشَةُ: إِنَّهُ رَجُلُّ رَقِيقٌ، إِذَا قَامَ مَقَّامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ
يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. قَالٍ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَليُصَلِّ بِالنَّاسِ)). فَعَادَتْ، فَقَالَ: ((مُرِي أَبَا بَكْرٍ
فَلِيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُّوسُفَ)). فَأَتَاهُ الرَّسُولُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةٍ
النَّبِيِّ وََّ. [الحديث ٦٧٨ - طرفه في: ٣٣٨٥].
٦٧٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِن ◌َّ قَالَ فِي مَرَضِهِ:
(مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ)). قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ، لَمْ
يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلَيُصَلِّ لِلنَّاسِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي
لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ، لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ،
فَفَعَلَتْ حَفْصَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ يَِّ: ((مَهْ،َ إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكُرٍ
فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)). فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيرًا. [طرفه في: ١٩٨].
٦٨٠ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ
مَالِكِ الأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ ◌َّهِ، وَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّ لَهُمْ فِي
وَجَعِ النَّبِيِّبَّهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الإِثْنَيْنِ، وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ،
فَكَشَفَ النَّبِيُّ ◌ََّ سِتْرَ الحُجْرَةِ، يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَهْوَ قَائِمٌ، كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ

٢٦٥
كتاب الأذان
يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ◌ََّ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ
الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ خَارِجُّ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَشَارَ إِلَينَا النَّبِيُّ ◌ََّ: «أَنْ أَتِّمُّوا
صَلَاتَكُمْ)). وَأَرْخِى السِّتْرَ، فَتُوُفِّيَ وَهُ مِنْ يَوْمِهِ. [الحديث ٦٨٠ - أطرافه في: ٦٨١، ٧٥٤، ١٢٠٥،
٤٤٤٨].
اختار مذهب الحنفية، وقدَّم الأعلم على الأقرأ، وهو روايةٌ عن الشافعيِّ رحمه الله تعالى
أيضًا. وفي المشهور عنه: تقديم الأقرأ، وهو روايةٌ عن أبي يوسف رحمه الله تعالى منا.
واستدلَّ عليه المصنّف رحمه الله تعالى بإمامة أبي بكر رضي الله عنه، فإِنه كان أعلمهم. ولو
كان المقدَّم هو الأقرأُ، لكان أُبَيُّ أَوْلى بها، فإِنه كان أقرؤهم بنِصِّ الحديث. ومن ههنا تبيَّن أن
تقديمَه عند البخاريِّ كان من جهة علمه، لا لكونه إمامًا عامةً وإلَّا لا يَصِحُ منه الاستدلال. ثم إن
حديث تقديم الأقرأ عند مسلم، وتركه المصنّف رحمه الله تعالى. وكذا التفريع عليه، وهو
متمسَّك الشافعية.
قلتُ: الحديث وَرَدَ على عُرْفهم، لا على العُرْف الحادث. والأقرأ عندهم كان أحفظهم
قرآنًا، أي من كان القرآن عنده أَزْيَد، لأنهم كانوا أهل اللسان غير مُفْتَقِرين إلى تصحيح
الحروف، ولمَّا فَشَا الإسلام إلى الأطراف، وقرأه العجمُ أيضًا، افْتَقَرُوا إلى تصحيح الحروف.
فالمراد من الأقرأ في الفِقْه: هو المجوِّد دون الأحفظ وحينئذٍ خَرَجَ الحديث عن مَوْرِد النزاع،
فإِن الخلاف في الفِقْه في تقديم المجوّد أو الأعلم، لا من كان أكثر حِفْظًا للقرآن.
ثم ادعى صاحب الهداية رحمه الله تعالى: أن أقرأهم كان أعلمهم، وأَصَابَ، فإِن
الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يَأْخُذُون القرآن بدون الإمعان في معانيه ومبانيه، وإنما كانوا
يَحْفَظُونه مع معانيه، فكان أقرأهم أعلمهم. ولا يَلْزَمُ من ذلك أن لا يكون بينهم فضلٌ في العلم،
فإِن العلمَ أيضًا مُتَفاوت، كابنِ عباس رضي الله عنه، فإن سائرَ الصحابة رضي الله عنهم وإن
أخذوا القرآن وتعلَّموه أيضًا، إلَّا أنهم لم يكونوا مثل ابن عباس رضي الله عنه. ولا رَيْبَ أن
الحديثَ، وإن قدَّم الأقرأ في اللفظ، إلَّا أنه لم يَعْتَبِر جهة الترجيح إلَّ العلم، ولذا قال: ((فإِن
كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسُّنة))، فَعُلِمَ: أن العلم هو جهة الترجيح عنده، دون الزيادة
في حِفْظ القرآن.
وحينئذٍ حاصلُ الحديث: تقديم الأقرأ الأعلم، فإِن كانوا في قراءة القرآن وعِلْمِه سواء،
فالترجيحُ بينهما من جهة العلم لا غير. ويُمْكِنُ أن يكونَ القارىء العالم أيضًا مُتَفَاوِتًا في العلم،
فإِن المراتبَ لا نهايةً لها، وكذا العلم. ولعلَّك عَلِمْتَ منه: أن فقهاءنا وإن لم يَعْمَلُوا باللفظ،
وهو تقديم الأقرأ إلَّا أنهم قد عَمِلوا بالغرض، وهو الذي ينبغي. حيث عَلِمُوا أن غرضَ الشارع
تقديمُ الأعلم، وإنما قدَّم الأقرأ في اللفظ نظرًا إلى أقرأ زمانه، وهو كان أعلم أيضًا. ومن ههنا
سَقَطَ ما أَوْرَدَ عليه الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى.
نعم في صنيع الهداية قصور، وهو أنه صار مُسْتَدِلًا بهذا الحديث، مع أنه ينبغي له أن
يكون مُجِيبًا عنه. ولو أجاب عنه بما قال، ولم يَسْتَدِلَّ به لمذهبه، لَمَا وَرَدَ عليه ما أورده. ثم

٢٦٦
كتاب الأذان
المراد من السنة في الحديث: هي المسائل التي عُلِمَتْ بمشاهدة هَذْي النبيِّ وَّ وهداه.
والمراد في الفِقْه من الأعلم بالسنة: أن يُخْسِنَ من القراءة - أي التجويد - قدر ما يُحْسِن بها
الصلاة مع كونه أكثرٍ حِفْظًا لمسائل الصلاة. ثم إن أبا بكرٍ رضي الله عنه كان أعلمهم، بمعنى
أكثرهم فَهْمًا، ثم تعلّقًا بالله وأخشاهم، وإنما يَخْشَى اللَّه من عباده العلماءُ وقال النبيُّ ◌َّ: ((إني
أتقاكم لله وأخشاكم))، وإلّا، فأبو هُرَيْرَة رضي الله عنه كان أحفظهم للحديث منه.
٦٨٠ - قوله: (فَنَكَصَ أبو بكرٍ) ... إلخ. وظاهره: أن النبيَّ ◌َّلم يَدْخُل في تلك
الصلاة، ولو دَخَلَ فيها لتعرَّض إليها الرَّاوي البتّة. ومع ذلك قد أصَرَّ البيهقيُّ على شركته في
تلك الصلاة، واستدلَّ علیه بروايتين.
قلتُ: وقد اجتمعت لديَّ هنا عشرةُ وجوهٍ فصاعدًا تَدُلُّ على شركته في الفجر، فلعلَّه اقتدى
فيها من حُجْرَته الشريفة، ولم يَخْرُج إليها في المسجد، كما كانت النساء يَفْعَلْنَ يوم الجمعة،
كما في «المدونة»، ولا نَقْلَ عندي على ذلك. ويُخَالِفُه ما عند النَّسائي، فإنه يَدُلُّ على أنه كان
وصل الصف، والشافعيُّ أيضًا قائلٌ بشركته في الفجر، ولعلَّها لا تكون عنده إلَّا فجر يوم
الاثنين. والحافظ اتَّبَعَهُ في الوَحْدَة، وخالفه في كونها فجرًا، وذهب إلى أن الصلاةَ التي دَخَلَ
فيها هي الظهر. وتمام البحث فيه قد مرَّ من قبل.
٦٨١ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ
قَالَ: لَمْ يَخْرُجِ النَّبِيُّ ◌َّةِثَلَاثًا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَذَّهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ، فَقَالَ نَّبِيُّ اللّهِ وَ﴾
بِالحِجَابِ فَرَفَّعَهُ، فَلَمَّا وَضَحَ وَجْهُ النَّبِيِّ بَّةِ، مَا نَظَرْنَا مَنْظَرًا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ
النَّبِيِّ وَحِينَ وَضَحَ لَنَا، فَأَوْمَأْ النَّبِيُّ ◌َّ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَّدَّمَ، وَأَرْخَى النَّبِيُّ
سَكَ اللَّهِ
الحِجَابَ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ. [طرفه في: ٦٨٠].
٦٨٢ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أَشْتَذَّ بِرَسُولِ اللهِ نَّهَ وَجَعُهُ، قِيلَ
لَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلِيُصَلِّ بِالنَّاسِ)). قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ رَجُلٌ رَقِيقٌ،
إِذَا قَرَأَ غَلَبَهُ البُكَاءُ، قَالَ: ((مُرُوهُ فَيَّصَلِّي)). فَعَاوَدَتَّهُ، قَالَ: ((مُرُوهُ فَيُصَلِّي، إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ
يُوسُفَ)). تَابَعَهُ الزُّبَيدِيُّ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيِى الكَلِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ
عُقَيلٌ، وَمَعْمَرٌ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّه.
٦٨١ - قوله: (فَذَهَبَ أبو بكر يَتَقَدَّم)، وهذا يَدُلُّ على أنه لم يَدْخُل بعدُ في التحريمة،
والروايةُ المارَّةُ تَدُلُّ على سبقها، فهذا من تصرُّفات الرواة، فلا قلقَ فيه، فَسَلِ المجرِّب، ولا
تسأل الحكيم.
٤٧ - بابُ مَنْ قَامَ إِلَى جَنْبِ الإِمَامِ لِعِلَّةٍ
٦٨٣ - حدّثنا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ،

٢٦٧
كتاب الأذان
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِن ◌َِّ أَبَا بَكْرِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ، فَكَانَ
يُصَلِّي بِهِمْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِيِّ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجٌ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ
النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرِ اسْتَأْخَرَ، فَأَشَارَ إِلَيهِ: ((أَنْ كَمَا أَنْتَ)). فَجَلِّسَ رَسُولُ اللَّهِ وَ
حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةٍ رَسُولِ اللَّهِنَِّ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ
بِصَلَاةٍ أَبِي بَكْرٍ. [طرفه في : ١٩٨].
فإن كان واحدًا، يتأخَّرُ عن إمامه بقليلٍ عند محمد رحمه الله تعالى، خشية أن يتقدّمه
فَتَضِيعُ صلاته. ثم إن كان اثنان، فمقامهما خلّف الإمام، فإن قاما عن يمين الإمام ويساره، لا
يُكْرَهُ عند أبي يوسف رحمه الله تعالى. وإن كان المقام ضيقًا، لم يُكْرَه عندنا أيضًا. وحينئذٍ لا
قلقَ فيما يُنْقَلُ من مذهب ابن مسعود رضي الله عنه على أعذاره التي ذكرناها في الترمذي.
قوله: (لِعِلَّة). قال أهلُ اللُّغة: العِلَّة معناها: المرض لغةً، لا السبب والوجه، وإن كان
مُسْتَعْمَلًا فيه. يقول الشاعر:
تَعَالَلْتِ کي أَشْجَى وما بكِ عِلَّةٌ تُرِيدِين قَتْلي قد ظَفَرْتِ بذلك
وصنَّف صاحبُ ((القاموس)) رسالةً في أن العلل ليست بمعنى بيان السبب والوجه والإثبات
بالدليل.
٦٨٣ - قوله: (فَوَجَدَ رسولُ اللَّهِ وَِّ في نفسه خِفَّةً). وحَمَلَه الحافظُ على الظُّهْر. ولا
أَتْرُك (١) تبادُر العبارة، فالتزمتُ أنه قد دَخَلَ في العشاء التي أُهْرِيق عليه سبع قِرَب من ليلته وقد
مرَّ في البخاري من أواخر أبواب الوضوء، أنه قال لَهُنَّ: ((قد فَعَلْتُنَّ، ثم خَرَجَ إلى الناس)).
وأَضْرَحُ مِنه ما عنده في بال الرجل يأتمُّ بالإمام: ((فلمَّا دَخَل - أي أبو بكر في الصلاة، وَجَدَ
رسولُ اللّه ◌ََّ في نفسه خِقَّة، فقام يُهَادَى بين رجلينٍ، ورجلاه تَخُطَّان على الأرض، حتى دَخَلَ
المسجد)»، وفي البخاري: ((ثم خَرَجَ إلى الناس، فصلَّى بهم وخَطَبَهم)).
قوله: (فكان أبو بكر يُصَلِّي بصلاة رسول الله وَّهِ والناسِ يُصَلُّون بصلاة أبي بكرٍ رضي الله
عنه). يريد به الراوي: أن النبيَّ ◌َّر كان إمامًا، وأبا بكر مُبَلِّغًا، ونَسَبَ العَيْني إلى البخاري أن
القُدْوَة عنده مُسَلْسَلة، كما ذَهَبَ إليه الشَّعْبِي من السّلف، وابن جرير. وأنكره الجمهور، فإِن
الكلَّ كانوا مقتدين بالإِمام بدون توسُّط، لا أن الصفَّ الأوَّل مقتدٍ للإِمام، والصفَّ الثاني مقتدٍ
للصف الأوَّل، وهكذا ثمَّ وثمَّ. وثمرةُ الخلاف تَظْهَرُ فيما إذا رفع الإِمام رأسه عن الركوع
والمقتدون، وبقي منهم واحدٌ في الركوع في أواخر الصفوف مثلًا، ثم اقتدى به رجلٌ وأدركه في
(١) قلتُ: وفي النفس منه قلقٌ لِمَا عند مسلم في باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر ... إلخ: ((ثم إن
رسول الله ◌َّ وجد في نفسه خِفَّة، فخرج بين رجلين - أحدهما العباس - لصلاة الظّهر ... )) إلخ، فإنه صريحٌ في
أن خروجه هذا لم يكن في تلك العشاء. ولا أرى الشيخَ رحمه الله تعالى غافلًا عن هذا اللفظ، ولكنه لم يتَّفِقْ
لي السؤال عنه، فتفگّرْ.

٢٦٨
كتاب الأذان
الركوع، فإِنه يُعَدُّ مُدْرِكًا للركعة، عند من اعتبر التَّسَلْسُلِ في القُدْوَة، وأمَّا عند الجمهور، فلا يُعْبَأُ
به، ولا يُعَدُّ مُذْرِكًا للركعة بذلك الركوع إلَّا أن يُدْرِكَ الإِمام فيه.
قلتُ: وإن سُلِّم أن ما نسب إليه الشيخ صحيحٌ، مع أن الحافظَ رحمه الله تعالى يُنْكِرُهُ،
فلعلَّه نشأ من مثل هذا التعبير، وقد عَلِمْتَ ما أراد منه الرَّاوي.
٤٨ - بابُ مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاسَ، فَجَاءَ الإِمَامُ الأَوَّلُ،
فَتَأَخَّرَ الأَوَّلُ أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ، جَازَتْ صَلاَتُهُ
فِيهِ عَائِشَةُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ.
٦٨٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنِهُمْ،
فَحَانَّتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ المُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأَقِيمُ؟ قَالَ: نَعَمْ،
فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِل ◌َّهَ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي
الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ
التَّفَتَ، فَرَأَىِ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ)). فَرَفَعَ أَبُو
بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ مِنْ ذلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخِرَ
أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقدّمَ رَسُولُ اللّهِ وَ فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((يَا أَبَا
بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟)) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَينَ
يَدَيّ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَ ◌ّهِ: ((مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ؟ مَنْ رَابَهُ شَيءٌ
فِي صَلَاتِهِ فَليُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ التُّفِتَ إِلَيهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنّسَاءِ)). [الحديث ٦٨٤ - أطرافه
في: ١٢٠١، ١٢٠٤، ١٢١٨، ١٢٣٤، ٢٦٩٠، ٢٦٩٣، ٧١٩٠].
٤٩ - بابٌ إِذَا اسْتَوَوْا فِي القِرَاءَةِ فَلَيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ
٦٨٥ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي
قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيرِثِ قَالَ: قَدِّمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ، فَلَبِثْنَا عَنْدَهُ نَحْوًا مِنْ
عِشْرِبِنَ لَيلَةٌ، وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َهَ رَحِيمًا، فَقَالَ: (لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى بِلَادِكُمْ فَعَلَّمْتُمُوهُمْ، مُرُوهُمْ
فَلِيُصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ
أَحَدُكُمْ، وَلِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ)). [طرفه في: ٦٢٨].
٥٠ - بابٌ إِذَا زَارَ الإِمَامُ قَوْمًا فَأَمَّهُمْ
٦٨٦ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ
قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: سَمِعْتُ عِثْبَانَ بْنَ مَالِكِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: اسْتَأَذَنَ

٢٦٩
كتاب الأذان
النَّبِيُّ ◌َِّ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَقَالَ: ((أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟)) فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى المَكَانِ الَّذِي
أَحِبُّ، فَقَامَ وَصَفَفنَا خَلفَه، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا. [طرفه في: ٤٢٤].
هذه ترجمته، وسيذكُر لها حديثًا فيما بعد. أمَّا قوله: (أو لم يتأخَّر)، فمن باب التكميل،
ولدفع توقُّم الاختصاص.
قوله: (فيه عائشةُ) واللفظ هذا يريد به: فيه عن عائشة رضي الله عنها .
٦٨٤ - قوله: (فصلَّى أبو بكرٍ): أي دخل في الصلاة. وظفِرْتُ برواية من ((مصنَّف عبد
الرزّاق)) تَدُلُّ على أنها واقعةٌ السنة الثالثة، وصرَّح فيها الراوي أنها واقعةٌ متقدِّمةٌ جدًا، كما يُعْلَمُ
من تصفيقهم، فإنه كان في الأوائلِ ثم نُسِخَ إِلى التسبيح، فَلْيَقْصُرها على مَوْرِدِها، ولا تُؤْخَذُ
منها المسائل كالتخلّص إلى الصفَ الأول. إلَّا إذا كانت فُرْجة. وقول الحمد، ورفع الأيدي،
فإنها - كلَّ ذلك - مخصوصٌ بزمن النبيِّ وَِّ. وقد صرَّح ابن الجوزيّ: أن رفع أبي بكرٍ يديه
محمولٌ على الخصوصية، ولا ينبغي أن يُعْمَل بمثله. وهكذا يفعل الفقيه فيما يَفْقد فيه توارثُ
العمل، فلا يجعله سنة.
وقد استشهد به الطحاويُّ رحمه الله تعالى على أن الكلامَ في واقعة ذي اليدين كان قبل
النسخ، وكان في زمنٍ لم يُشْرَعْ فيه التسبيحُ للرجال، والتصفيقُ للنساء، لأنه لو كان متأخِّرًا،
لَوَجَب عليهم أن يُسَبِّحُوا أو يُكَبِّرُوا، وهو الذي قد عَلِمُوه من تلقائه ◌َِّ حين تَنُوبُهم نائبةٌ في
الصلاة. ولمَّا لم يُسَبِّحُوا وصفَّقوا عُلِمَ أنه واقعةٌ متقدِّمةٌ جدًا لا كما ادَّعى الشافعيةُ أنها متأخِّرةٌ،
لأن أبا هُرَيْرَة رضي الله عنه كان شريكًا في تلك القصة، وهو متأخّر الإسلام أيضًا، فَثَبَتَ تأخّرها
عن نسخ الكلام.
قوله: (فَرَفَعَ أبو بكرٍ يَدَيْهِ) وهل يُسْتَحْسَنُ رفع الأيدي للأدعية في خلال الصلاة؟ فاستمع
نُعْطِك ضابطةً كليةً في هذا الباب، لعلَّ الله يَنْفَعُك به في كثيرٍ من المواضع، وهي: أن التقريرَ
من جهة النبيِّ ◌َّر قد يكون على الفعل، وقد يكون على النية الناصحة، وادرِ الفرقَ بينهما،
وتنبَّه له، ولا تختلط. فإن الفِعْلَ لا يكون سنةً بمجرد التقرير ما دام لم يتبيَّن أنه تقريرٌ عليه، أو
تقريرٌ على النية. فإن الفعلَ ربما يكون مَرْجُوحًا، وإنما يَمْدَحُ عليه من أجل النية.
نعم إن نُقِلَ إلينا تعامُلُ السلف به، يكون دليلًا على أن التقريرَ كان على الفعل، وهذا كما
في الصحيح: ((أن كلثوم بن هِذْم كان يقرأ بسورة الإِخلاص في كل ركعة مع قراءته بسورةٍ
أخرى، فَشَكًا إلى النبيِّ وَلِّ أحدٌ من أصحابه، فسأله عنه، فقال: فيها صفة الرحمن وإني
أحبُّها، فقال له: حُبُّك إياها أَدْخَلَكَ الجنة)) . - بالمعنى ..
فهل ترى مع هذا الثناء البالغ أن المسألةَ هي التكرار بسورة الإخلاص في كل ركعة،
ولكنه رحمك الله ثناءٌ على نيته مع الإغماض عن فعله، وهو الذي فَهِمَه الصحابةُ رضي الله
عنهم. كيف! وهم أذكياء الأمة، فلم يَعْمَل به أحدٌ منهم، وحَسَبُوه بشارةً في حقٌّه خاصةً، ولو

٢٧٠
كتاب الأذان
ظَنُّوه مسألةٌ، لَعَمِلُوا به واحدًا بعد واحدٍ حتى يتسلسل به العمل. ثم لمَّا نُقِلَ عنه السؤال عليه،
عُلِمَ عدم الرِّضا به. ولو كان عنده مَرْضِيًّا، لَمَا سَأَلَ عنه. وكذلك كل موضع لا يَرْضَى بهِ الشارع
يَنْقُلُ فيه أولًا سؤاله عليه، ثم قد يتعقَّب عليه إغماضًا عنه عنده كما مرَّ آنفًا فيمن صَلَّى بعد
الإقامة وحين الصلاة، أو بعد الفراغ عنها، فأظهر الكراهية من قبله، وقال: ((الصبح أربعًا)). أو
نحوه، ثم لم يُعَاقِبْهُ.
وهكذا عند النَّسائي: ((أن رجلًا قام بعد التحريمة، وقال: الله أكبر كبيرًا ... إلخ من
رأيه، فأثنى عليه النبيُّ وَله فقال: لقد ابْتَدَرَهَا اثنا عشر ملكًا)). وكذلك في رجلٍ آخر عَطَسَ، ثم
حَمِدَ الله بكلماتٍ سَنَحَت له إذ ذاك. فكلُّ ذلك ثناءٌ على النيات الحسنة، لا تقريرًا على سنيةٍ
هذه الأذكار.
إذا عَلِمْتَ هذا، فاعلم أن رَفْعَ أبي بكرٍ رضي الله عنه، وحمده لله جلَّ ذكره أيضًا من هذا
القبيل، لا سِيَّما إذا جاء تحت الإنكار. فقدَ نَقَّلَ الحافظُ رحمه الله تعالى عن («مسند أحمد»:
((لِمَ رَفَعْتَ يَدَيْك؟)) فجاء الرفع تحت السؤال أيضًا. فَعُلِمَ أن الرفعَ كان في غير موضعه، لِمَا قَدْ
عَلِمْتَ أن سؤاله يكفي دليلًا لعدم رضائه، ولا يجب التعاقبُ عليه لا سِيَّما عند الأعذار
والأحوال الجزئية. ثم إن الأذكارَ محمودةٌ في الأحوال كلِّها، وعبادةٌ في الأزمان أجمعها،
بخلاف الرفع، فإنه ليس عبادةً مقصودةً، فإذا وَرَدَ في غير محله، جاء السؤال.
فالرفعُ إن كان عبادةٌ، ففي موضع مخصوصٍ، وهيئةٍ مخصوصةٍ. أمَّا إذا كان في غير
محله، فهو قابلٌ للإنكار. وليس للرجل أن يَرْفَعَ متى شاء، وكم شاء؟ وليس مجردُ تَكثِيرهِ أمرٌ
مطلوب، وإنما عُرِفَ عبادةً في موضع مخصوصٍ فقط. فاعلمه، ولا تَرْفَعْ رأسك إلى كلِّ رفع
اليدين، فإن بعضَه قد دَخَلَ تحت السؤال أيضًا، ولم يَرْضَ به الشارع.
قوله: (ما كان لابن أبي قُحَافَة). هذا ما قلتُ لك في الدروسِ المارَّة: إنه لا يَلِيْقُ برجلٍ
من الأمة أن يَؤُمَّ نبيًا، ولا يَؤُمُّ المهدي(١) أيضًا عيسى عليه السلام إلَّا في صلاةٍ واحدةٍ، وهي
أيضًا لكونها أُقِيمَتْ له، وإنما نَاسَبَ أن يَقَعَ مثله مرةً أو مرتين، لِمَا عند أحمد رحمه الله تعالى
في ((مسنده)): (لَمْ يَمُتْ نبيٌّ حتى أَمَّهُ رجلٌ من أمته)) - بالمعنى ..
ثم إنه قد ثَبَتَ اقتداء النبيِّ وَّرَ في ◌ِدَّة مواضع: الأول: عند قُفُوله من غزوة تَبُوك، وكان
الإمامُ فيه: عبد الرحمن بن عَوْف، كما هو عند أبي داود، ومسلم في باب المسح على
(١) هكذا حقَّقه الشيخ عليّ المتقيّ البرهانفوري في رسالته في إثبات المهدي، وإنما اضْطُر إلى هذا التصنيف، لأن
رجلًا ادَّعى المَهْدَوِيَّة في عصره، وأسَّس فرقةً سمَّاها المهدوية، فصنَّف على رغمهم رسالة تُنبىُ عن المهدِي
الصدق، ولكنه لم يزل أمره في شهرة ورفعة، حتى اضْطَرَّ الشيخُ إلى الهجرة، فناضله بعده تلميذه الشيخ محمد
طاهر حتى اسْتُشْهِدَ، والشيخ علي المتقي: حنفي من علماء القرن العاشر، وهو شيخ الشيخ عبد الحق الدِّهلوي،
والشيخ محمد طاهر أيضًا حنفي، كما هو مصرَّح في رسالته الخطية ((برايدير))، ولم يتحقّق الأمر لمولانا عبد
الحي رحمه الله تعالى، فقال: إنه شافعي، وهو خلاف التحقيق، كما عَلِمْتَ. هكذا أفاده الشيخ رحمه الله
تعالى.

٢٧١
كتاب الأذان
الخفين. والثاني: عند ذهابه إلى قُبَاء للصُّلح. والثالث: في مرض موته، وكان الإمام فيه: أبا
بكر رضي الله عنه. ثم إن أبا بكر فَهِمَ أن ذلك الأمر لم يكن على وجه اللزوم، وأن أمره
بالاستمرار من باب الإكرام والتسوية بقدره، فَسَلَكَ هو طريق الأدب والتواضع، كذا ذكره
الحافظ (١).
قوله: (وإنما التصفيقُ للنساء)، وحمله مالك رحمه الله تعالى على أنه تقبيحٌ لا تقسيم،
يعني: أنه من فِعْل النساء، فلا يُصَفِّق أحدٌ.
٥١ - بابٌ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ
وَصَلَّى النَّبِيُّ ◌َِّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُؤُفِّيَ فِيهِ بِالنَّاسِ وَهْوَ جَالِسٌ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ :
إِذَا رَفَعَ قَبْلَ الإِمَامِ، يَعُودُ فَيَمْكُثُ بِقَدْرِ مَا رَفَعَ، ثُمَّ يَتْبَعَُ الإِمَامَ. وَقَالَ الحَسَنُ فِيمَنْ يَرْكَعُ
مَعَ الإِمَامِ رَكْعَتَينَ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ: يَسْجُدُ لِلرَّكْعَةِ الآخِرَةِ سَجْدَتَينٍ، ثُمَّ يَقْضِي
الرَّكْعَةَ الأُولَى بِسُجُودِهَا، وَفِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً حَتَّى قَامَ: يَسْجُدُ.
ولمَّا صلَّى النبيُّ ◌َِّ في مرضه الذي تُوُفِّيَ فيه بالناس وهو جالسٌ يعني مع قيام القوم دَلَّ
على أن الجَلوسَ خلف الإِمام الجالس ليس من لوازم الائتمام عنده، وهو مذهبُ الإِمام
رحمه الله تعالى، وصرَّح في موضعين من كتابه بنسخ ما جاء في واقعة السُّقُوط عن الفرس، كما
سیجيء.
قوله: (وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا رَفَعَ قبل الإِمام) ... الخ، يعني: سُئِلَ ابن
مسعود رضي الله عنه عن رجلٍ من المقتدين سها فرفع رأسه قبل الإِمام، فماذا يفعل؟ فما أجاب
به ابن مسعود رضي الله عنه هو الجواب عندنا .
قوله: (وقال الحسن) .. إلخ، وهو المختار عندنا. ويُقَال لها مسائل السجدات، وقد
ذكرها ابن الهُمَام رحمه الله تعالى في فصل مستقلٍ من ((الفتح)) والقاضي ثناء الله رحمه الله تعالى
في ((ما لا بُدَّ منه)) - رسالة بالفارسية -.
٦٨٧ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ مُوسى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ
عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَة قَالَ: دَخَلتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلتُ: أَلَا تُحَدِّثِيْنِي عَنْ مَرَضٍ
رَسُولِ اللَّهِ نَِّ؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قُلنَا: لَا، هُمْ
(١) وقد تعرَّض له الحافظ في باب من دخل ليَؤُمَّ الناس، وذكر الفرق بين ما وقع من أبي بكر رضي الله عنه ههنا،
وبين ما وقع في مرض موته وَّرَ، وهذا نَصُّه: وبهذا يُجَاب عن الفرق بين المقامين، حيث امتنع أبو بكر رضي الله
عنه ههنا أن يستمرَّ إِمامًا، وحيث استمرَّ في مرض موته ◌َّ حين صلَّى خلفه الركعة الثانية من الصبح، كما صرَّح
به موسى بن عُقْبَة في المغازي، فكأنه لمَّا أن مضى معظم الصلاة، حَسُن الاستمرار، ولمَّا لم يمض منها إلَّا
اليسير لم يستمرَّ. وكذا وقع لعبد الرحمن بن عَوْف، حيث صلَّى النبيُّ ◌َّر خلفه الركعة الثانيةَ من الصبح، فإِنه
استمرَّ في صلاته إمامًا لهذا المعنى. اهـ.

٢٧٢
كتاب الأذان
يَنْتَظِرُونَكَ، قَالَ: ((ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ)). قَالَتْ: فَفَعَلنَا، فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ
فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَّالَ بَّ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ
اللَّهِ، قَالَ: ((ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ)). قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ
عَلَيهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ:
(ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ)). فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيهِ، ثُمَّ أَفَاقَ
فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) فَقُلنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي
المَسْجِدِ، يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ وَّهْلِصَلَاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ◌َّهَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، بِأَنَّ
يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسَِ، فَقَّالَ أَبُو
بَكْرٍ - وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا .: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذِلَكَ، فَصَلَّى
أَبُو بَكْرٍ تِلكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ وَّهَ وَجَدَ مِنَ نَفسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَّينِ، أَحَدُهُما
العَبَّاسُ، لِصَلَاةِ الظَّهْرِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَاً
إِلَيْهِ النَّبِيُّ ◌ََّ بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، قَالَ: ((أَجْلِسَانِي إِلَّى جَنْبِهِ)). فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبٍ أَبِي بَكْرٍ،
قَالَ: فَجّعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّيٍ وَهوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ نَّهِ وَالنَّاسُ بِصَلَاةٍ أَبِيٍ بَكْرٍ،
وَالنَّبِيُّ بََّ قَاعِدٌ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَدَخَلتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقُلتُ لَهُ: أَلَّا أَغْرِضُُ
عَلَيكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ النَّبِيِّ بَلَِّ؟ قَالَ: هَاتِ، فَعَرَضَّتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا، فَمَا
أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَّ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ العَبَّاسِ؟ قُلتُ: لَا، قَالَ:
هُوَ عَلِيٍّ. [طرفه في: ١٩٨].
٦٨٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ،
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ فِي بَيْتِهِ وَهوَ شَاكٍ، فَصَلَّى
جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيهِمْ: ((أَنِ اجْلِسُوا)). فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((إِنَّمَا
جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ
حَمِدَهُ فَقُولُوا ربّنا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أجْمَعُونَ)). [الحديث ٦٨٨ .
أطرافه في: ١١١٣، ١٢٣٦، ٥٦٥٨].
٦٨٧ - قوله: (فَأَرْسَلِ النبيُّ ◌َّهِ إلى أبي بكرٍ بأن يُصَلِّي بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن
رسول الله وَلّهِ يَأْمُرُك أن تُصَلِّي بالناس ... فصلَّى أَبو بكرٍ تلك الأيامِ. ثم إن النبيَّ ◌َّ وَجَدَ في
نفسه خِفَّة، فخرج بين رجلين) ... إلخ. حمل الحافظ قوله: ((فصلّى أبو بكرٍ رضي الله عنه))
على السلسلة الواحدة، وادَّعى أن النبيَّ ◌َّ أراد أن يَخْرُج في العشاء، فلم يَقْدِر عليه، حتى أمر
أبا بكر رضي الله عنه أن يُصَلِّي بهم، فكان أبو بكر رضي الله عنه يُصَلِّي في تلك الأيام. ثم إن
قوله: ((إن النبيَّ نَّهَ وَجَدَ من نفسه خِفَّةً)) حمله الحافظُ على صلاة الظُّهْر.
قلتُ: لمَّا كان النبيُّ وَّهُ أمر أبا بكر رضي الله عنه أن يُصَلِّ بالناس، انتقل الراوي إلى

٢٧٣
كتاب الأذان
بيان إمامته في تلك الأيام، ثم بَدَأَ في ذكرٍ ما كان تركه، فقال: ((إن النبيَّ وَّه .... الخ، أي:
وأنه وإن كان أمره بالصلاة في أوَّل أمره، إلَّا أنه وَجَدَ بعد ذلك من نفسه خِفَّة، فَخَرَجَ إليهم
وخَطَبَهم، أمَّا خروجه إليهم، فكما مرَّ في البخاريِّ: ((أن أزواجه إذا صَبَيْنَ عليه القِرَب، أشار
إليهن: أن قد فَعَلْتُنَّ، ثم خرج إلى الناس)). ويُتَبَادَرُ منه أيّ تبادُرٍ أنه خرج في تلك الصلاة، لا
خروجه في صلاة ظُهْرٍ من السبت أو الأحد.
وأمَّا خطبته إياهم، فكما أخرجه البخاري قُبَيْل باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ
أَبْنَهُمّ﴾ [البقرة: ١٤٦] الخ: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ((خرج إلينا رسول الله وَّ في
مرِضه الذي مات فيه بِمِلْحَفَة، وقد عَصَّبَ رأسه بعِصَابة دَسْمَاء، حتى جَلَسَ على المنبر، فَحَمِدَ
اللَّه وأَثْنَى عليه، ثم قال: أمَّا بعدُ - إلى أن قال - فكان آخر مَجْلِس جَلَسَ فيه النبيُّ ◌َ﴾ .
٦٨٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِرَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيَمَنُ، فَصَلَّى صَلَاةً مِنَّ
الصَّلَوَاتِ وَهوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَّمَّ بِهِ،
فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمِنْ
حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا
جُلُوسًا أَجْمَعُونَ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ الحُمَيدِيُّ: قَوْلُهُ: ((إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا))
هُوَ فِي مَرَضِهِ القَدِيمِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذلِكَ النَّبِيُّ ◌َ جَالِسًا، وَالنَّاسُ خَلفَهُ قِيَامًا، لَمْ يَأْمُرْهُمْ
بالقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالآخِرِ فَالآخِرٍ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ نَِّ. [طرفه في: ٣٧٨].
٦٨٩ - قوله: (إن رسولَ اللهِ وَلَهَ رَكِبَ فَرَسًا، فَصُرِعَ عنه فَجُحِشَ شِقُه الأيمنُ). واعلم أن
واقعةَ الجُحُوش في السنة الخامسة، كما نُقِلَ عن ابن حِبَّان وسَهَا الحافظُ حيث زَعَم أنها في
التاسعة، وإنما حَمَلَه على ذلك تعبيرُ بعض الرواة فقط، حيث يَذْكُرُون قصة الجُحُوش وقصة
الإيلاء في سياقٍ واحدٍ. وقصة الإيلاء عندهم في التاسعة، فجَعَلَ الحافظُ تلك أيضًا فيها، مع
أن الراوي إنما جمعها مع الإيلاء لجلوسه فيهما في المَشْرُبَةِ، وقد تنبَّه له الزيلعي. ويقضي
العجب من مثل الحافظ، كيف حَكَمَ به بمجرد هذا الاشتراك، مع أن الرُّوَاة يُصَرِّحُون أن
النبيَّ ◌ََّ كان يُصَلِّي في مَشْرُيَتِهِ في قصة الجُحُوش، وأين كان له أن ينزل منها، فإِنه كان شَاكِيًا
فيها، بخلافه في قصة الإيلاء.
ثم اعلم أنهم تكلَّموا في زيادة: ((وإذا قرأ فأَنْصِتُوا))، فأراد بعضُهم أن يتردّد فيه، مع أن
مسلمًا صحَّحه. وصحَّحه جمهور المالكية والحنابلة، ولم يتأخّر عن تصحيحه إلَّا من اختار
القراءة خلف الإِمام، فأتى فِقْهه على الحديث، لا الحديث على فِقْهه. والذي يَرِيبُهم فيه: أن
بعضَ الرُّوَاة لا يذكرونه في أحاديث الائتمام، فظنُّوه غير محفوظٍ، وكَشَفْتُ عن هذه المغلطة
بِعَوْن الله سبحانه ومَنِّه عليَّ بأن حديث الائتمام قد صدرت عن هذه الرسالة مرتين: مرَّةً في تلك
الواقعة، ومرَّةً أخرى في غير تلك القصة بعدها بكثير.

٢٧٤
كتاب الأذان
فإذن هما حديثان مستقلَّان في هذا الباب، لا أنهما حديثٌ واحدٌ اخْتُلِفَ في ألفاظه، فما
يَرْوِبِه أنسٌ، وعائشةُ وجابر رضي الله تعالى عنهم من حديث الجُحُوش سِيقَ لبيان: إذا صلَّى
قائمًا، فصَلُّوا قِيَامًا، وإذا صلَّى قاعدًا، فَصَلُّوا قَعُودًا أجمعون، وما يرويه أبو موسى، وأبو
هُرَيْرَة رضي الله تعالى عنه، فهو حديثٌ آخر سِيقَ لبيان الائتمام لا غير، وفيهما: ((فإِذا قرأ
فَأَنْصِتُوا))، وقد مَشَى فيها على أكثر صفة الصلاة للمقتدي، فلم يكن ليَذَرَ حكمَ القراءة، وقد
مَضَى على صفة الصلاة نسقًا، بخلافٍ حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وأبي موسى.
ولذا لم يأتِ فيه الأمر بالإنصات، ولعلَّهِما لم يُدْرِكَا واقعة السُّقُوط، فإِنها في السنة الخامسة
كما مرَّ، وأبو هُرَيْرَة رضي الله تعالى عنه أَسْلَم بعده بكثير.
ثم اشْتَرَكَ الحديثان في بعض الأمور، فلمَّا رأوا أحاديث واقعة السُّقُوط خاليةً عن أمر
الإنصات، سَرَى إلى الوهم أن حديثي أبي موسى وأبي هُرْيَرَة رضي الله تعالى عنهما في الائتمام
أيضًا ينبغي أن يَكُونا خاليين عنه، وهذا كما قيل: إن الوَهْمَ خلافٌ. مع أنك قد عَلِمْتَ أنهما
حديثان، فلا يجوز حَمْلُ أحدهما على الآخر، وليسا من باب السَّاكت والنَّاطق، ولا من باب
الزيادة. ولعلَّه لم يَذْكُر قوله: ((وإذا قرأ فأنْصِتُوا)) في قصة السُّقُوط لعدم الاحتياج إليه إذ ذاك،
بخلافه في حديثي أبي هُرَيْرَة وأبي موسى رضي الله تعالى عنهما، فإِنهما لمَّا كانا من باب أحكام
الاقتداء، وَجَبَ التعرُّض إليه، لكونه دِعَامة في هذا الباب، وربَّما يَحْكُم الذهن بالاتحاد نظرًا إلى
اشتراك بعض الألفاظ. وبعبارةٍ أخرى: إن حديثَ الائتمام يَرْوِيِه خمسٌ من الصحابة رضي الله
تعالى عنهم؛ أنس، وجابر وعائشة، وأبو هريرة، وأبو موسى رضي الله تعالى عنهم، مع الاشتراك
والاختلاف في بعض الألفاظ، فظنَّه المحدِّثون حديثًا واحدًا. ولمَّا لم يَجِدُوا عند أكثرهم جملة:
(إذا قرأ)»، حَكَمُوا بكونه غير محفوظ، وقرَّرتُ أنهما حديثين اشتركا في بعض المادة.
(والدليلُ على ذلك). أمّا أولًا: فإن أبا هريرة، وأبا موسى رضي الله تعالى عنهما لم
يُدْرِكَا قصة السُّقُوط، فحديثهما ليس حديثَ الشُّقُوط الذي يرويه أنسٌ رضي الله تعالى عنه وغيره.
وأمَّا ثانيًا: فلأن حديثهما لم يُسَقْ لإِصلاح مفسدةٍ، بل هو حديثٌ ابتدائي سِيقَ لتعليم أحكام
الائتمام، كما استشعره أبو موسى رضي الله تعالى عنه. فعند مسلم في باب التشهُّد: ((فقال أبو
موسى رضي الله تعالى عنه: أَمَا تَعْلَمُون كيف تقولون في صلاتكم؛ إن رسولَ اللَّه ◌َلّ خَطَبَنا
فبيَّن لنا سُنَّتنا، وعلَّمنا صلاتنا))، ثم ساق حديث الائتمام.
فدَلَّ على أن ما عند أبي موسى رضي الله تعالى عنه هو حديثٌ في سياق التعليم، بخلاف
ما عند أنس رضي الله تعالى عنه، وجابر رضي الله عنه، وعائشة رضي الله عنها، فإنه وإن اشتمل
على ذكر الائتمام، لكنه سِيقَ عندما قاموا خلفه حال قعوده، فعلّمهم سنة الاقتداء. فليس
حديثهم ابتدائيًا، وليس فيه ذكر الإنصات مع قراءة الإِمام، والذي سِيقَ لتعليم ذلك، ففيه ذلك
ولا بدَّ، والله هو الموفِّق. وهذا مهمٌّ لا يهتدي إليه إلَّا من يَهْدِه الله، وقد ذكرته في رسالتي
((فصل الخطاب)). بقيت مسألةُ اقتداء القائم خلف القاعد، فسنعود إليها قُبَيْل كتاب التهجُّد إن
شاء الله تعالى، وقد ذكرنا نَبْذَةً منها فيما مرَّ .
قوله: (فصَلَّيْنا وَرَاءَه قُعُودًا). وفي الحديث المارِّ: ((أنهم صلُّوا خلفه قيامًا، ثم أمرهم

٢٧٥
كتاب الأذان
بالقيام))، وتصدَّى الحافظُ رحمه الله تعالى إلى التوفيق بينهما. واختار الشيخُ العَيْني رحمه الله
تعالى أنهما واقعتان قاموا في واقعةٍ، ثم أُمِرُوا بالقُعُود، واتَّفَقَ بعدها أن صَلُّوا خلفه أيضًا،
وقَعَدُوا فيه من أول الأمر، وهو الأرجح عندي.
قوله: (وإذا قال: سَمِعَ اللَّه لمن حَمِدَه، فقولوا: رَبَّنَا ولك الحمدُ) واعلم أن الشَّرْعَ لم
يقسم في الصلاة إلَّا في موضعين: الأول: في القراءة، فَجَعَلَ للإِمامِ القراءةَ، وللمقتدي
التأمينَ. والثاني: في التسميع والتحميد. فالإِمامُ يقضي وظيفته أولًا، وهو قوله: ﴿غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾، وهذا هو وظيفةٌ من جهة الإمامة، ثم يَلْحَقُ بسائر المصلِّين،
ويُؤَمِّنُ معهم إحرازًا لفضيلة التأمين، والموافقة معهم ومع الملائكة. ولذا يُؤَمِّن خُفْيَةً كأنه من
فعله، مع أنه قرأ جهرًا. فالقراءةُ جهرًا من وظيفته، فأراد إسماعها وأمَّا التأمينُ، فليس من
وظيفته، فأدَّه سِرًّا لنفسه، كما أن المقتدين أمَّنوا لأنفسهم. وذلك لأن الأذكارَ كلٌّ فيها أمير
نفسه، ولم يُرَاعِ فيها شاكلة الجماعة، فيستقلُّ بها كلُّهم.
والموضع الثاني: هو التسميع، فالتحميدُ للمقتدين، والتسميعُ للإِمام، وهو المذهب
عندنا في المشهور، وهو في عامة الروايات، وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى. وعنه في
روايةٍ: الجمعُ وهو مذهب الصاحبين، واختاره شمس الأئمة الحلواني، ومحمد بن الفضلِ،
والنَّسَفِي وغيرهم وهو أيضًا جائزٌ عندي، وتَشْهَدُ له الروايات على سبيل القِلَّة والعجبُ أَن
الروايةَ المشهورةَ عن الإمام في الروايات المشهورة، والروايةَ النادرةَ عنه في نادرةٍ من
الروايات. فكأن القولَ المشهورَ نشأ نظرًا إلى عامة الروايات، ولمَّا جاء الجمعُ أيضًا في
بعض الروايات جاءت روايةٌ عنه أيضًا كذلك.
قوله: (إنما يُؤْخَذُ بالآخِرِ فالآخِرٍ)، وهذا تصريحٌ من المصنِّف رحمه الله بالنَّسْخ، وقد
صرَّح به في موضع آخر، وصرَّح هناك الحافظ رحمه الله: أن مقتضى الأدلة استحباب القُعُود
خلف القاعد، ولا دليلَ على الوجوب. قلتُ: وإذا انتفى الوُجُوب على تصريح الحافظ
رحمه الله، فلا ريبَ أن الأحوطَ هو القيام، لأنه ذَهَبَ إليه الإمامان الجليلان. وعندنا: العملُ
بما عَمِلَ به الأئمة والأُمَّة أَوْلى.
٥٢ - بابُ مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلفَ الإِمَامِ
قَالَ أَنَسٌ: فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا .
٦٩٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو
إِسْحاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي البَرَاءُ، وَهُوَ غَيرُ كَذُوبٍ قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللَّهِنََّ إِذَا قَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى يَقَعَ
النَّبِيُّ ◌ََّ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ.
حدّثنا أَبُو نُعَيم، عَنْ سُفيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، نَحْوَهُ بِهذا. [الحديث ٦٩٠ - طرفاه في:
٧٤٧، ٨١١].

٢٧٦
كتاب الأذان
تعرَّض إلى ما ينبغي للمقتدي مع إمامه من المُعاقبة، أو المُقَارنة. فاعلم أنه اتَّفق كلُّهم
على أن المُبَادرة من الإمام مكروهٌ تحريمًا، مع صحة صلاته عندهم، وهذا يَدُلُّ على اجتماع
الصحة مع الكراهية، خلافًا لابن تَيْمِيَة رحمه الله. واختلفوا في التعقيب والمقارنة. فذهب
الشافعيُّ رحمه الله إلى الأول، وإمامُنا إلى الثاني.
قلتُ: والتعقيبُ بقَدْرِ ما يعلمه المقتدي من حال إمامه مستثنى عقلًا، والفاء لا تَدُلُّ على
التعقيب الزائد على ذلك، فدلَّ على أن نزاعهم في الفاء غير محرَّر، فإنها وإن كانت
للتعقيب، لكنه يتحقَّق بالشروع بعد الشروع. ولا يَلْزَمُ لتحقق التعقيب أن يَشْرَعَ بعد فراغ
الإمام، فنزاع الإمام إنما يكون ممن يدَّعِي الشروع بعد الفراغ، لا ممن يدَّعي الشروع بعد
الشروع. فإن شروع المقتدي لا يكون إلَّا بعد شروع الإِمام. فهذا القَدْرُ من التعقيب يكفي
للفاء، ولا يُنْكِرُه الإِمام أيضًا وأمَّا بعد ذلك، فيقول بالمقارنة، ولا حُجَّة في الحديث على
التعقيب أزيد من هذا.
٦٩٠ - بقي قوله: (لم يَحْنِ أحدٌ منا ظَهْرَه) فقد كَشَفَه ما عند مسلم: ((أنه أمرهم بذلك حين
بَدُنَ، فخشي أن يتقدّموا عليه))، وقد عَلِمْتَ أنه مكروهٌ تحريمًا.
٥٣ - بابُ إِثْم مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ
٦٩١ - حدّثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ : سَمِعْتُ أَبَا
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ قَالَ: ((أَمَا يَخْشِى أَحَدُكُمْ - أَوْ: ألَا يَخْشِى أَحَدُكُمْ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ
قَبْلَ الإِمَامَ، أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ؟)).
ولعلّ الحكمةَ في تحويل رأسه حمارًا: أنه فَعَلَ فِعْلَ الحمار، ولم يَدْرِ أنه إمامٌ أو مأمومٌ،
فرفع رأسه قبل الإِمام، ونَصَبَ نفسه مَنْصِب الإِمام مع كونه مأمومًا. ثم المذكور في الحديث هو
الخَشْيَة أن يفعل به ذلك، لا أنه إخبارٌ به، ومع ذلك وقع مثله مرةً كما كتبه القاري، والعياذ بالله
العلي العظيم.
ثم أقول: إنه محمولٌ على التهديد في الدنيا، ولا يَبْعُد أن يكون ما في الحديث حكمه في
الآخرة، فَيْمسَخُ رأسه رأس حمار، والعياذ بالله تعالى.
٥٤ - بابُ إِمَامَةِ العَبْدِ وَالمَوْلَى
وَكَانَتْ عَائِشَةُ يَؤُمُّهَا عَبْدُهَا ذَكْوَانُ مِنَ المُصْحَفِ. وَوَلَدِ الْبَغِيِّ وَالأَغْرَابِيِّ، وَالغُلَام
الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ وَِّ: ((يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ)). ولا يُمنَعُ العبدُ مِنَّ
الجماعةِ بغير علةٍ .
٦٩٢ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ العُصْبَةَ - مَّوْضِعٌ بِقُبَاءٍ - قَبْلَ مَقْدَمِ

٢٧٧
كتاب الأذان
رَسُولِ اللَّهِ مَِّ، كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا. [الحديث ٦٩٢ -
طرفه في: ٧١٧٥].
وصرَّح الحنفية أن الكراهة فيها تنزيهية.
قوله: (والمولى)، قالوا: إنه مصدرٌ ميمي، وأورد عليهم أنه يذكَّر ويؤنَّث، فيُقَال: مولاة،
والمصدر لا يذكَّر ولا يؤنَّث. وعندي أنه اسم مفعول أصله مولية، فحذف فيه كما حذف في
لفظ المعنى، فهو لفظ آخر وليس مؤنَّث المولى.
قوله: (من المُصْحَفِ)، والقراءة من المُصْحَفِ مُفْسِدَةٌ عندنا، فتأوَّله بعضُهم أنه كان يَحْفَظُ
من المُصْحَف في النهار، ويقرؤه في الليل عن ظَهْرٍ قلب.
قلتُ: إن كان ذَكْوَان يقرأُ من المُصْحَفِ، فلنا ما رواه العَيْنِي رحمه الله: أن عمر رضي الله
عنه كان ينهى عنه، ورأيتُ في الخارج: أنه كان من دَأُب أهل الكتاب، فإنهم لا يتمكَّنون أن
يقرأوا كُتُبهم عن ظَهْر قلبٍ، على أنه مخالفٌ للتوارث قطعًا.
قوله: (وولد البَغِيِّ)، والكراهةُ فيه تنزيهيةٌ إذا كان صالحًا، وكذا في الأعرابيِّ، والغلام
الذي لم يَحْتَلِم، وهو مذهب الشافعية، وتمسَّك له البخاريُّ بقولهٍَِّ: ((يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ))، فأطلق
فيه ولم يَفْصِل بين أن يكون أعرابيًّا أو غلامًا، ولا يُمْنَعُ الغلام عن الجماعة، فإِذا لم يكن له
مانعٌ، فأيُّ قصورٍ في إمامته؟ ثم أخرج حديثًا وَرَدَ في باب الولاية، فتمسَّك منه على الإِمامة
الصغرى، لكونهما من بابٍ واحدٍ. وهذا على نحو ما حرَّره الأصوليون من اعتبار عين العلّة في
عين حكم الحكم، والجنس في الجنس، والعين في الجنس، والجنس في العين، والمتحقِّق
ههنا هو الثاني.
فالحديث مَسُوقٌ في الإِمامة العامة، وكذا المراد من الإطاعة هو عدم البغاوة، دون
الإطاعة في أفعال الصلاة، وتمسّك منه المصنّف رحمه الله على الإمامة في الصلاة. وإذن
تمسُّكه منه على الإمامة الصغرى والإِطاعة فيها من باب اعتبار جنس الوصف - أي الإمامة
الصغرى - في جنس الحكم - أي الإِطاعة في أمر الصلاة - وأنت قد عَرَفْتَ أن التمسُّكَ
بالعمومات ضعيفٌ عندي؛ ألا ترى أنّ كون الإمام قُرَشِيًّا من شرائط الإمامة العامة، بخلاف
إمامة الصلاة؟ فإن تَمَسَّكَ أحدٌ من قوله: (اسْتُعْمِل) فسيأتي شرحه عن قريبٍ بما لا يَرِدُ علينا.
وتمسَّك الشافعية بإمامة عمرو بن سَلَمة(١) عند أبي داود.
(١) قال الخطابي: وكَرِه الصلاةَ خلف الغلام قبل أن يَحْتَلِم عطاءُ والشَّعْبِيُّ ومالكُ والثَّوْرِيُّ والأوزاعيُّ، وإليه ذَهَبَ
أصحابُ الرأي، وكان أحمدُ بن حنبل رحمه الله تعالى يُضَعِّفُ أمرَ عمرو بن سَلَمَة، وقال مرةً: دَعْهُ ليس بشيء
بيِّن، وقال الزهريُّ: إذا اضْطَرُّوا إليه أمَّهُم .. إلخ. ويوضِّحه ما في ((البناية)): قال أبو داود: قيل لأحمد حديث
عمرو قال: لا أدري ما هذا، فلعلَّه لم يتحقَّق بلوغ أمر النبيِّ ◌َ﴿. وتكلّم عليه الزَّيْلَعِي في ((شرح الكنز)).
وحاصله: أنهم قدَّموه باجتهادٍ منهم لِمَا كان يتلقَّى من الرُّكْبَان. فما بالهم يأخذون بقول صبي يقول هو: إنه كانت
عليه بُرْدَة تَتَقَلَّص عنه إذا سَجَدَ، ولا يأخذون بقول عبد الله بن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما، فإنهما قالا:
إنه لا يَؤُمُّ الغلامِ ما لم يَحْتَلِمْ - مختصرًا بتصرف ..
=

٢٧٨
كتاب الأذان
قلتُ: وجوابه على ما في حديثه من تَطَرُّق الاحتمالات: أنَّ البخاريَّ لم يخرِّجه ههنا، مع
اختياره تلك المسألة، وأَخْرَجَهُ في النكاح، لأنه لا يَقُوم عنده حُجَّة على هذا المعنى أصلًا، ولا
أقل من أنه رأى فيه قصورًا. والجواب عندي: أن في القصة تقديمًا وتأخيرًا، فما ذكره من عُمْره
هو عُمْر تعلُّمه القرآنِ دون عُمْر إمامته، كما يُعْلَمُ من مراجعة كتب الرجال، فإن كنتَ من رجال
هذا الفن. فبارِزْ، وإلَّا فالزَمْ زاوية بيتكَ ولا تُنَازِعْ.
٦٩٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو
التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّبََّ قَالَ: ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٍّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ
زَبِيبَةٌ». [الحديث ٦٩٣ - طرفاه في: ٦٩٦، ٧١٤٢].
٦٩٣ - قوله: (وإن اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٍّ) أي وإن جعله الإِمام الأكبر عاملًا، كما هو مصرَّحٌ في
بعض الظُرُق، وإلَّا فالإمام الأكبر ينبغي أن يكون قُرَشِيًّا. ونقل الطرابلسي عن أبي حنيفة
رحمه الله تعالى: أنه ليس بشرطٍ، وظاهر العبارة أنه شرطٌ إجماعًا .
٥٥ - باب إِذَا لَمْ يُتِمَّ الإِمَامُ وَأَتَّمَّ مَنْ خَلِفَهُ
٦٩٤ - حدّثنا الفَضْلُ بْنُ سَهْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُوسى الأَشْيَبُ قَالَ: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَّنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلِّ قَالَ: ((َيُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ ولَهُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ
وَعَلَيهِمْ)).
أشار إلى مسائل القدوة، وهي ضعيفة عند الشافعية جدًا(١)، حتى قالوا بصحة صلاة
والحاصل: أنهم جعلوه إمامًا، لأن النبيَّ ◌َ ◌ّ كان أمرهم أن يجعلوا الإمام أكثرهم قرآنًا، ولم يجدوا بهذا
=
الوصف إلَّا عمرو بن سَلَمَةٍ، فَأَيُّ حُجَّة فيمن كانوا حديثو عهدٍ بجاهلية لم يتعلموا كثيرًا من الحلال والحرام، ثم
اجتهدوا من رأيهم، والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) وهذا بابٌ واسعٌ، وجزئياته كثيرة عند الشافعية، حتى أنهم عَدُّوا التقصير في الأركان والشرائط أيضًا منها، فكيف
بالسنن والمستحبات، فلو نَسِيَ الإمام أنه كان مُحدِثًا أو جُنُبًا، فَأَمَّ القومَ على أنه طاهرٌ، ثم تذكر بعد الصلاة أنه
كان على غير ظُهْر، فصلاةٌ من اقتدى به من المتوضئين تامةٌ عندهم، وكذا إن أشَّرها الإمام حتى أدخلها في
الوقت المكروه، فعلى من حَضَرَها أن يشهدها، وإن كان قد صلَّها في وقتها المستحب، فإنما إثمه يكون على
من أخّرها لا على من أتمَّ خلفه.
أما الحنفية: فقد خالفوهم في تلك الجزئيات كلها، وأخذوا الحديث في الجزئيات التي لا ترجع إلى بُنْيَة الصلاة،
فإن تمامية صلاة المقتدي مع نُقْصَان صلاة الإمام لا يتأتّى على مسائلنا، وإنما يتأتَّى ذلك في السنن والمستحبات،
فالإمام لو لم يقرأ، أو قَصَرَ فيها، فإن المقتدي لا يمكن منه تداركها بحال، فكيف يَصِحُ إتمام مَنْ خلفه في تلك
الصورة ليبني عليها جواز صلاته مع عدم جواز صلاة إمامه، وهكذا في الركوع والسجود والتعديل أيضًا. نعم، إنما
يأتي ذلك فيما إذا رَكَعَ الإمام أو سَجَدَ قدر ما يكفي، ثم لم يسبِّح فيه، وأتى به المقتدي، فإنه يَصْدُقُ فيه أن إمامه
لم يُتِمَّ، مع أنه قد أتمَّه.
=

٢٧٩
كتاب الأذان
القوم، وإن كان إمامهم مُحدِثًا كما في الفتح، فكأن حقيقة الائتمام ارتفعت عندهم رأسًا، ولم
وبالجملة فَرَّعَ عليه الشافعيةُ رحمهم الله تعالى في مسائل فساد صلاة الإمام مع صحة صلاة المقتدي، وهذا مما لا
=
يُسَوَُّ عندنا بحالٍ، وإنما يأتي الحديث فيما كان الإمام فاسقًا مثلاً بخلاف المقتدي، ولكن الأوْلَى أن يُؤْخَذَ
الحديث في مسألة الأوقات، لأنه قد وَرَدَ مُصَرَّحًا في غير واحدٍ من الأحاديث المضاهية له كما عند أبي داود:
(ستكون عليكم أمراء من بعدي يؤخّرُون الصلاة، فهي لكم، وهي عليهم ... )) إلخ. ويُقَارِبُه ما عند البخاري:
(يصلُّون لكم، فإن أَصَابُوا فلكم وإن أخطؤوا وعليهم))، ولفظ البخاريِّ، وإنْ كان مُبْهَمًا، إلاَّ أنه قد ثَبَتَ في غير
واحدٍ من الأحاديث عند أبي داود أن الدَّخيل فيه هو التقصير في الوقت، فحملنا المُبْهَم على المُفَصَّل. وإذن تعيّن
مِصْداق حديث البخاري عندنا، وهو عدم المراعاة للوقت المسنون، لا ما زَعَمَه الشافعيةُ رحمهم الله تعالى.
والدخول في الأوقات المكروهة، وإن لم يذكرها الفقهاء إلاّ في الظهر والعشاء، إلاّ أني فَهِمْتُ من قوانين الشرع
الإجازة مطلقًا، فمن خاف على نفسه في زمن الأمراء الجَوْر له أن يدخلها معهم في الصلوات كلها، فإن الحَجَّاج
كان يُمِيتُ الصلوات حتى كان وقتُ العصر يَدْخُل في خلال الجمعة. وكان بعض الصحابة رضي الله عنهم يصلّون
العصرَ بالإيماء.
ثم أقولُ: والذي وَضَحَ لدي بعد تتبّع طُرُق هذا الحديث: أن الشارع لم يُخَاطب المقتدين بإتمام صلاتهم عند
تقصير أئمتهم في أحد من الأحاديث عندي، وإنما أضافه البخاريُّ رحمه الله تعالى من عند نفسه، فللحنفية
رحمهم الله تعالى أن يتركوه. ومقصود الأحاديث عندنا: أن وَيَال تأخير الأئمة إنما يكون عليهم، ولا يَرْجعُ
وَبَالُهم إلى المقتدين أصلًا، فهذا الحديث يتعلَّق بالحكم الذهني ولا تعلُّق له بما في الخارج من العمل أصلًا،
فإن تمسَّك به أحدٌ على الأعمال الخارجية أيضًا، فهو عندي تمسُّك من عموم غير مقصودٍ، وليس بقوي عندي،
وقد استعمله المالكية رحمهم الله تعالى كثيرًا. وإنما يُؤْخَذُ بالعموم إذا تبيّن أنه قد أراده المتكلّم أيضًا، وإلّا فهو
غير مُعْتَبٍ، ولا مُؤَثِّر عندي.
فالحديث عندي لا يُحمّل على جزئيات الشافعية رحمهم الله تعالى، ولا ريب أنه موضعٌ مُشْكِلٌ، لأن تعيين
الجزئيات المطلوبة عند عموم اللفظ وتجريدها من غيرها مُتَعَسِرٌ جدًا كما ترى فيما نحن فيه، فإن خطأ الأئمة عامٌّ،
ثم قَصْرُه على بعض الجزئيات قد يَتَعَسَّرُ على من لم يَقْتَحِم تلك الموارد. وتفصيل المقام: أن الأحاديث قلَّما
تحتوي على حكم شخصي، وإنما تَرِدُ على حكم في النوع أو الصِّنْف، فإذا وَرَدَتْ في الجنس أو جنس الأجناس
تَعَسَّرَ منه إخراج المَحَامِلِ لا مَحَالَة.
مسألة: إن أخَّر الإمام في الصلاة، فجاء رجلٌ وصلَّى في الوقت منفردًا، ثم انصرف هل له فيه رخصة؟ قلت:
نعم، ولا أرى على المُتَخَلِّف من تلك الجماعة إثمًا، بقي تأخير النبيِّ وَّر حتى ناداه عمر رضي الله عنه: نام
النساء والصبيان، فلم يَكُن من هذا الباب، فإنه كان لبيان التشريع، أمَّا غير النبيِّ، فإِنْ أَخَّر بمثله، لهم إن صُّوا
فُرَادَى، والله تعالى أعلم.
مسألة: في ((الدر المختار)): أن الصلاةَ خلف الفاسق مكروهة كراهية تنزيه، وفي (الكبيري شرح المنية)): كراهية
تحريم، وهو المختار عندي، لأنه يُوَافِق الحديث، وهو مختار المالكية، بل المالكية ذَهَبُوا إلى عدم الجواز.
وأما عندنا، فهذا وإن كان جائزًا عند فَقْد الإمام العدل، كما في ((البحر)»، لكن في اختيار التحريم موافقة معهم
في الجملة، ولذا اغتنمت هذه المُقَاربة، وأَفْتَيْتُ به على ما علمت من دأبي.
فائدة: المبتدع هو المتقرِّب بأمر لا يكون ثابتًا من الأدلة الأربعة، وكان بحيث يلتبس بالشروع، يَخْتَلِطُ معه، فإن
لم ينوِ به التقرُّب إلى الله تعالى، فليس بمبتدع كما يفعله الجهلاء في أيام النكاح بعض الرسوم القبيحة، فإنهم
يَرَوْنَها لهوًا، لا أنها مسائل وعباداتٍ، بخلافها في الموت، فإنهم يفعلون ما يفعلون كأنه مسألة من الدين، وقد
صنَّف الشاطبي في رد البِدَع كتابًا، وكذلك الشاه إسماعيل رحمه الله تعالى أيضًا. وزَعَمَ بعض الناس أن=

٢٨٠
كتاب الأذان
تَبْقَ إلاّ عبارة عن الاجتماع في المكان، والاتباع صورةً وحسًّا، فهي ضعيفةٌ عندهم جدًا،
وأضعف منه عند البخاري رحمه الله تعالى. وحينئذٍ لا بأس لو قَصَرَ الإِمام في التعديل وغيره
وأتمَّهُ المقتدي وتَدَارَكه لنفسه.
بقي تمسُّك الإمام، فهو تمسُّكٌ في غاية الضَّعْفِ، لأن الحديث إنما وَرَدَ فيما قَصَرَ الأئمة
في الأمور الخارجية، كصلاتهم في الوقت المكروه، لا في الواجبات والأركان التي هي أجزاءٌ
للصلاة، كما قال به القاضي عِيَاض رحمه الله تعالى، وهو المُصَرَّحُ في غير واحدٍ من
الأحاديث، فَحَمْلُه على الدواخل بعيدٌ جدًا.
٦٩٤ - قوله: (فإِن أصابوا فلكم)، وفي كُتُب عديدة: ((فلكم ولهم))، كما يقتضيه مقابلة:
((فلكم وعليهم)). وتمسّك المصنّف رحمه الله تعالى من عموم قوله: ((فلكم وعليهم))، وهو في
غاية الضَّعْف، فإِنه أمرٌ مُبْهَمٌ لا يدرى في أي قدرٍ يجري عمومه، وأين يُكَفُّ، فالطرد عليه
والعكس غير سديدٍ .
وتفصيله: أن الشافعية ومن نَحَا نحوهم لمَّا رأوا أن خطأ الإِمام لا يُؤَثِّرِ في صلوات المقتدين
بنصِّ الحديث، عمَّمُوه في باب الحَدَث أيضًا، وقالوا: إذا أخطأ الإِمام فصلَّى بهم مُخْدِثًا، صحَّت
صلاتهم أيضًا، ولا يُؤَثِّر خطؤه في صلاتهم أصلًا، بل يكون لهم ما لهم وعليه ما عليه .
قلتُ: وهذا باطلٌ، لأنه صلّى بهم صلاةً سُلِبَ عنها اسم الصلاة، لأنه لا صلاة إلا بطُهُورٍ
وتعميم قوله: ((لكم وعليهم)) إنما يجري فيما بَقِيَ عليه اسم الصلاة، كما وَرَدَ في مسلم: ((لا ما
صَلُّوا))، يعني أن إطاعتهم تكون ما بقيٍ اسم الصلاة، وإذا ارتفع عنها اسم الصلاة أيضًا، فلا
طاعة لهم. ثم إن هذا التعبير لم يَرِدْ إلَّا في الانتقاص، لا في الارتفاع، فعند أبي داود، في
باب جُمَّاع الإمامة وفضلها: ((من أمَّ النّاس، فأصاب الوقت، فله ولهم، ومن انتقص من ذلك
شيئًا، فعليه ولا عليهم)). اهـ. فهذا كما ترى فيما انتقص منها، لا فيما ارتفع عنها اسم
الصلاة، لتندرج تحته مسألة الإمام المُحدِث.
وفي ((البحر)): أن الجماعة أفضل من الانفراد، ولو كان الإمام فاسقًا، وعليه ما عليه.
فهذه المسألة من فروع قوله ◌َّير: ((وعليهم ما عليهم)).
ثم أقول: إنهم يَتَمَسَّكون من هذه المبهمات، ولا يَرَوْن إلى أحاديث الائتمام مع
وضوحها، ومع كونها في الأشياء الوجودية، فإِنها للمتابعة في الأفعال، بخلاف هذه
الأحاديث، فإنها في التروك، ولم يتَّضِح فيها أن أي قَدْرٍ من الاختلاف يُتَحَمَّل بين الإمام
والمقتدي، وإنما فيه الإبهام لا غير.
رسالةً الشاه إسماعيل رحمه الله تعالى مأخوذةٌ من رسالة عبد الوهاب النجدي، فَرَاجَعْتُ رسالته، فَعَلِمْتُ أنه باطلٌ،
=
فإنَّ رسالته لا تحتوي إلاَّ على أمور واضحة سهلة مطروقة، بخلاف رسالة الشاه إسماعيل رحمه الله تعالى. نعم،
فيها مشاركة مع رسالة الشاطبي كثيرًا. انتهى تعريب ما في تقرير الفاضل عبد العزيز، وإنما ذكرته لبعض الفوائد مع
بعض الإيضاح الذي لم أجده عندي، فارجع البصر إليه كرتين، يُؤْتِكَ اللَّهُ أجرَك مرتين.