النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب الأذان
يُمْكِنْه أن يَحْكُمَ عليه إلَّا بالإمكان بالذات، لأن ذاته لم تَنْطَو على شيءٍ يُوجِبُ الاستحالة، وإنما
هو خارجٌ عنها على هذا التقدير، فلا تكون الاستحالةُ إلَّا مِنْ خارج، ولا يُمْكِن أن يُحْكِّمَ عليه
إلّا بكونه مُحَالًا بالنظر إلى الغير. فالفرق بين المُحَال بالذات وبالغّير لا يَرْجِعُ إلى كثير طائلٍ،
وإنما هو من باب اختلاف الأنظار والاصطلاحات.
وهكذا الوُجُوبُ والنِّيّةُ، فمن رأى الوعيدَ الواردَ، وقطع النظر عن الأعذار، رآه حقيقةً بتَّةً
واجبةَ العمل عليها، فَحَكَمَ بالوجوب، ثم إذا مرَّ على الأعذار الواردة عدَّها كأنها عوارض من
خارج، فلا تُؤَثِّرُ في نفس الشيء، غير أن له بتلك الأعذار رخصةً بترك الجماعة، فيسقط بها
الإثم. بخلاف من اعتبر تلك الأعذار، وأراد أن يَحْكُمَ على مجموع الأمرين، لم يَسَعْ له الحكم
بالوجوب، لأنه خَفَّت تلك الحقيقة، وهانت في نظره لاشتمالها على رخصة الترك.
وهذه كُلِّيَّةٌ تَنْفَعُكَ في كثيرٍ من المسائل وهي التي دَعَتْهم إلى الاختلاف في صفة الوتر،
فإِنَّ الوترَ لمَّا أُظْلِقَ على مجموعٌ صلاة الليل، ولم تَكُنْ حتمًا بمجموعها، وإنما فوَّض الشارعُ
قطعةً منها إلى حِسْبَة المصلِّي وَطَوْعِهِ يتطوَّع بها كيف شاء، وكم شاء؟ ولم يُعْطِ فيها عددًا معيَّنًا
من عند نفسه، صار ظاهرُه السُّنية، ولم يُمْكِنِ الحكم على المجموع بالوُجُوب ولا يمكن،
كيف، وحصَّةٌ منها نافلةٌ قطعًا، والمجموع إذا اشتمل على رُخْصة الترك في بعضه لا يُحْكُمُ عليه
بالوُجُوب.
وأما الحنفيةُ رحمهم الله تعالى، فلم يَحْكُمُوا على المجموع، بل أَفْرَزُوا منها حصةً
أخری فرأوها قد عيَّن وقتها وقراءتها وأمر بقضائها، فوجَدُوا شاكلتها کشاكلة سائر الواجبات،
فحَكَمُوا عليها بالوُجُوب لا محالة، وهو الذي عُنِيَ من قوله صلَّى الله عليه وسلَّم ((إن اللَّهَ
أمدَّكم بصلاةٍ، هي خيرٌ لكم من حُمْر النَّعَم)). اهـ. لا يريد بذلك مجموع صلاة الليل، بل
هذه الحصة التي قَصَرَ الحنفيةُ أنظارهم عليها، ولذا تراهم لا يُنَازِعُوننا في رُخْصَةِ الترك،
فاتفقوا كلُّهم على أن تركَ الوتر لا يَجُوز، وكذلك في الوقت والقراءة، وإنما يُنَازِعُون في
تسمية الوُجُوب لا غير.
فلو أذْرَكْتَ حقيقته، عَلِمْتَ: أن لَا نِزَاع بعد الإِمعان إلَّا قليلًا، ولو راعيتَ أن اصطلاح
الواجب لم يكن عند المتقدِّمين، وإنما شاع بين المتأخِّرين فقط، خَفَّ عليك الأمرُ، فلا يُوجَدُ
إطلاق الواجب في كتاب الطحاويِّ، وكذا في تصانيف محمد عامةً وإنما كان هذا الواجبُ،
داخلًا عندهم في السُّنة. نعم السُّنة كانت على أنحاءٍ: بعضها أكيدةٌ، وبعضها غير أكيدةٍ. ولعلَّ
الأكيدةَ هي الواجب، وقد مرَّ آنفًا عن ((البحر)): أن أدنى الواجب عينُ أعلى السنة الأكيدة. وبعد
هذه الأشياء لم يَبْقَ خلافٌ إلَّا من باب الاجتهاد، أعني به الخلاف في إقامة المراتب، ولكنهم
يبحثون فيه كأن الخلاف فيه خلاف النصوص، فافهم.
٦٤٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌ّهِ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَذَّ هَمَمْتُ أَنْ أَمْرَ بِحَطَبٍ
فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بالصَّلَاةِ فَيُؤَذِّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخالِفَ إِلَى رِجالٍ

٢٤٢
كتاب الأذان
فَأُحَرِّقَ عَلَيهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْفًا سَمِينًا أَوْ مَرْماتَينِ
حسَنَتَينٍ، لَشَهِدَ العِشَاءَ)). [الحديث ٦٤٤ - أطرافه في: ٦٥٧، ٢٤٢٠، ٧٢٢٤].
٦٤٤ _ (هَمَمْتُ): الهم في اللغة يُظْلَقُ في الشر، ثم أُظْلِق في الخير توسُّعًا. ((ثم
أُخَالِف(١)) يعني به فراغه عن هذه الأشياء، ثم عَوْدُه إلى رجالٍ لم يَحْضُرُوا الصلاة.
قوله: (أُحَرِّقُ عليهم بُيُوتَهم) ولا يجب أن يكون التحريقُ حال كونهم فيها، بل يَصِحُ
إطلاقه وإن خرجوا منها، وهذا في اللغة واسعٌ.
(مرماة): قيل: لحمةٌ بين شِقَّي الغنم، وقيل: سهمٌ بدون نَصْلٍ يُسْتَعْمَلُ لتعلُّم الرمي فقط،
وبالجملة هو شيءٌ غير متقوَّم. والحافظُ رحمه الله تعالى حَمَل الحديثَ المذكورَ على المنافقين،
كما في البخاري، عن أبي هُرَيْرَة، قال النبيُّ نَّهِ: ((ليس صلاةٌ أثقلَ على المنافقين من الفجر
والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأَتَوْهما ولو حَبْوًا، لقد هَمَمْتُ أن آمُرَ المؤذِّنَ فيقيم، ثم آمُرَ
رجلًا يَؤُمُّ الناسَ، ثم آخُذَ شُعَلًا من نارٍ، فأُحَرِّقَ على من لا يَخْرُج إلى الصلاة بعد)». اهـ. ثم
حَمَل النفاقَ(٢) على العمل لمَا عند أبي داود، عن أبي هريرة، وفيه: ((أتي قومًا ليست بهم عِلَّةٌ،
فأُحَرِّقُها عليهم))، وفي روايةٍ: (لولا صبيانهم في بيوتهم)).
قلتُ: ولعلَّه أراد منه الانتصارَ لمذهبه، لأنهم إذا كانوا منافقين، فالوعيدُ فيهم لحال
نفاقهم، لا على ترك الجماعة فقط، فلا يَثْبُتُ به الوُجُوب أو الفرضية، ويمكن أن يكونَ تحقيقُ
المقام فقط، وهذا بابٌ نبَّهناك عليه في كتاب الإِيمان: من أن المقام قد يشتمل على أوصاف،
ثم يَرِدُ عليه حكمٌ، فبعضُهم يُنِيطُ الحكمَ بهذه الأوصاف، وبعضُهم يُرَاعي اللفظَ فقط، ولا يَنْظُرُ
إلى الأوصاف التي في الخارج. فمن نظر إلى أن الوعيدَ فيه على الترك، جعله دليلاً على
الوُجُوب، ومن نَظَر إلى الأوصاف الخارجية كنفاق المتخلِّفين، رآه دليلًا على السنية فقط. ثم
لا أدري أنه لِمَ حَمَلَ النفاقَ على العملِ مع أن الأفيدَ له الاعتقادي.
قلتُ: أمَّا كونه في حقِّ المنافقين، فهو صحيحٌ عندي، وأمَّا أن المرادَ من النفاق: هو
العملي أو الاعتقادي، فالنظرُ دائرٌ فيه. وهكذا في القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ
اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّ قَلِيلًا
[النساء: ١٤٢] وفي آيةٍ أخرى ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَدْتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ.
وَلَا يَأْتُونَ الضَّلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (@﴾ [التوبة: ٥٤] وفي آيةٍ آخرى
(١) قال الحافظُ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): أي آتيهم من خَلْفِهم، وقال الجوهري: خَالَف إلى فلان: أي أتاه إذا
غاب عنه ... إلخ.
(٢) قال الحافظ رحمه الله تعالى: والذي يَظْهَرُ لي: أن الحديثَ ورد في المنافقين لقوله في صدر الحديث الآتي بعد
أربعة أبواب: ((ليس صلاةٌ أثقلَ على المنافقين من العشاء والفجر))، ولقوله: ((لو يَعْلَمُ أَحدُهم)). اهـ. لأن هذا
الوصف لائقٌ بالمنافق لا بالمؤمن الكامل، لكن المراد به نفاق المعصية، لا نفاق الكفر إلى آخر ما قال حيث قد
بَسَطَ الحافظُ رحمه الله تعالى الكلامَ جدًا .

٢٤٣
كتاب الأذان
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّيْنَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾﴾ [الماعون: ٤ - ٥] الخ. وقد عَلِمْتَ: أن
الإتيان إلى الصلاة هو الإتيان إلى الجماعة، ومن فاتته الجماعة، فقد فاتته الصلاة في نظر
الشرع، وحينئذٍ فالذين يتخلَّفون عن الجماعات، ويَتَكَاسَلُون فيها هم مُنَافِقُون في لسان القرآن
ولذا سمَّاهم الحديث أيضًا منافقين. وأمَّا وجهُ التردُّد في تعيين النِّفَاق، فلأنَّ صَدْرَ الآية الأولى
يَدُلَّ على كونها في النفاق الاعتقادي لاشتمالها على ذكر خِدَاعهم، وعجزها على كونها في
النفاق العملي لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ومع هذا أظنُّ أنها في الاعتقادي.
أمَّا الثانية والثالثة، ففي النفاق الاعتقادي قطعًا، وحينئذٍ إن كان المراد في الحديث هو
العملي، كما ذهب إليه الحافظ، فهو من باب إلحاق الجنس بالجنس عندي، فإِن نفاقَ العمل
إذا بَلَغَ نهايته، وصار بحيث لا يتحمَّلُه الشرع أُلْحِقَ بالنفاق الحقيقي الاعتقادي.
والحاصل أن الآيات في حقِّ المنافقين. أمَّا الحديثُ، فيُمْكِنُ أن يكونَ في حقِّ
المنافقين، كما يُمْكِنُ أن يكونَ في حقِّ المسلمين المُسْرفين، إلّا أن نفاقهم العملي لمَّا بَلَغَ
نهايته سدَّ مسد النفاق الاعتقادي، ثم أُلْحِقُوا بهم على طريق إلحاق الجنس بالجنس الآخر،
وأُجْرِي عليهم ما يجري على المنافقين اعتقادًا. ثم الحديثُ اسْتُدِلَّ به على كراهة الجماعة
الثانية وعلى عدمها، وكلاهما عدولٌ عن الصواب، وقد قرَّرناه في درس الترمذي.
٣٠ - بابُ فَضْلٍ صَلاَةِ الجَمَاعَةِ
وَكَانَ الأَسْوَدُ إِذَا فَاتَتْهُ الجَمَاعَةُ ذَهَبَ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ. وَجاءَ أَنَسٌ إِلَى مَسْجِدٍ قَدْ
صُلِّيَ فِيهِ، فَأَذَّنَ وَأَقامَ، وَصَلَّى جَمَاعَةٌ.
٦٤٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ((صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفضُلُ صَلَاةَ الفَذُّ بِسَبْعَ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً)).
[الحديث ٦٤٥ - طرفه في: ٦٤٩].
٦٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أخْبَرَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الهَادِ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ خَبَّابِ، عَنْ أَبِي سعِيدِ الخُذْرِيِّ: أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َه يَقُولُ: ((صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفضُلُ
صَلَاةَ الفَذِّ بِخَّمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةٌ)).
٦٤٧ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِِّ: ((صَلَاةُ
الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَفي سُوقِهِ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا،
وَذلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّ الصَّلَاةُ، لَمْ
يَخْطُ خَطْوَةٌ إِلا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُظَّ عَنْهُ بِهَا خَطِئَةٌ، فَإِذَا صَلَّىَ، لَمْ تَزَلِ المَلَائِكَةُ
تُصَلِّي عَلَيهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَّيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي
صَلَاةٍ ما انْتَظَرَ الصَّلَاةَ)). [طرفه في: ١٧٦].

٢٤٤
كتاب الأذان
قوله: (وكان الأسودُ إذا فاتَتْه الجماعة ذَهَبَ إلى مسجدٍ آخر) ... الخ. ولا يجبُ ابتغاء
الجماعة في مسجدٍ آخر إذا فاتته جماعة المَحَلَّة. نعم يُسْتَحَبُّ له ذلك عندنا أيضًا. وفي
الفِقْه: إن فاتت الجماعة يُجَمِّعُ مع أهله في بيته، وأمَّا من لم يَرْغَب في تحصيل جماعة
المسجد أصلًا وجَمَّعَ في بيته، فهل يُعَدُّ تاركًا للجماعة أو لا؟ فلم يتعرَّض إليها غير
((الكبيري)) فليراجعه .
قوله: (وجاء أنسٌ إلى مسجدٍ قد صُلِّيَ فيه، فَأَذَّنَ وأَقَامَ، وصلَّى جماعةً)، واستدلَّ به من
اختار الجماعة الثانية، ووسَّع فيها أحمد رحمه الله تعالى، وذهب الشافعيُّ رحمه الله تعالى
ومالك رحمهما الله تعالى إلى التضييق كما صرَّح به الترمذيُّ(١). وعن أبي يوسف رحمه الله
تعالى في الكبيري: أنها تَجُوزُ بدون الأذان والإقامة إذا لم تكن في موضع الإِمام. ولعلَّ تركَ
الأذان والإقامة مع ترك موضع الإِمام لتغييرها عن هيئة الجماعة الأولى، وفي ظاهر الرواية:
أنها مكروهةٌ. ثم إن رواية أبي يوسف رحمه الله تعالى محلّها فيمن فاتتهم الجماعة، لا أنهم
تعمّدوا ذلك أو تعوَّدوه.
أمَّا أثرُ أنس رضي الله عنه، فلا دليلَ فيه لِمَا في ((مصنَّف ابن أبي شيبة)» («أنه جَمَع بهم
وقام وَسْطَهم، ولم يتقدَّم عليهم))، فدَّل أنه قصد تغيير الشَّاكِلَةِ كما فعله أبو يوسف رحمه الله
تعالى، غير أن أبا يوسف رحمه الله تعالى غيَّرها بترك الأذانينِ وموضع الإِمام، وأنسًا رضي الله
عنه بترك التقدُّم عليهم، على أنه لم يُجَمِّعْ في مسجد مَحَلَّته، وإنما جاء إلى مسجد بني
زُرَيْق(٢)، وجَمَّعَ بهم فيه. ومسألةُ الجماعة الثانية فيما إذا جمع أهل تلك المَحَلَّة في مسجدهم
ثانيًا. ثم إن الهيثمي أخرجه، وبوَّب عليه بما يُعْلَمُ منه أنها كانت قضاءً للفائتة، وحينئذ خَرَجَ
عمَّا نحن فيه، وهو عندي وَهْمٌ منه. والهيثمي صاحب ((مجمع الزوائد)) تلميذ الحافظ العراقي،
و ((مجمع الزوائد)) كتابٌ نافعٌ جدًا .
قالوا إن الكُتُبَ على أربع مراتب: الأولى الصِّحَاح الست غير ابن ماجه، ثم (المسند))
لأحمد رحمه الله تعالى في ستة مجلدات تحتوي على أربعين ألف حديث، ثم ((مجمع الزوائد))
للحافظ نور الدين الهيثمي، والرابعة («كنز العمال)) إلَّا أن النقدَ فيه قليلٌ، ثم إن التكرارَ فيه مع
تجديد الأذان والإقامة، ولا يقولُ به أحدٌ، فلا استدلالَ فيه أصلًا.
قوله: (صلاةُ الرجل في الجماعة تُضَعَّفُ على صلاته في بيته) ... الخ. فيه مقابلةٌ بين
صلاة الجماعة والفَذُّ، لا بين جماعة المسجد وجماعة البيتِ، فإن الجماعةَ في نظر الشارع في
المسجد دون البيوت، وحينئذٍ فالصلاة في البيت لا تكون إلَّا منفردًا، وكذلك صلاته في سوقه،
(١) قال الترمذيُّ في باب ما جاء في الجماعة في مسجد قد صُلِّي فيه مرةً: إذا صلَّى لا بأس أن يُصَلِّيَ القومُ جماعةٌ
في مسجد قد صُلِّي فيه، وبه يقول أحمدُ وإسحاقُ رحمهم الله تعالى، وقال آخرون من أهل العلم: يُصَلُّون فُرَادَى
وبه يقول سُفْيانُ، وابنُ مبارك، ومالكُ، والشافعيُّ رحمهم الله تعالى يختارون الصلاة فُرَادَى. اهـ.
(٢) قلتُ: وفي ((الفتح)): أنه مسجد بني تَعْلبة، وفي رواية: بني رِفَاعة.

٢٤٥
كتاب الأذان
فإن المساجدَ في زمن السلف لم تكن في الأسواق(١)، ولم تكن صلواتهم فيها إلَّا منفردين.
وحاصل كلامه: إن الصلاة منفردًا - ولا تكون إلَّا في بيته، أو في سوقه - تَنْحَظُ بكذا مرتبة
من صلاة الجماعة، وإن شِئْتَ قلتَ: إن الصلاةَ في البيت مَفْضُولةٌ من الصلاة في المسجد،
فإِنهما عبارتان عن معنى واحدٍ على الفرض المذكور. بقي تجميع فائت الجماعة في بيته، فهو
بمعزلٍ عن النظر، لأنه من العوارض، لا أن الجماعات مشروعةٌ في البيوت لتبنى عليها
الأحكام.
والمصنّف رحمه الله تعالى جَزَم بأن هذا الفضل مختصٍّ بالصلاة فيِ الجماعة، كما جَزَمْتُ
أن الملائكةَ لا يشهدون إلَّا في صلاة الجماعة، وفيها يَتَعاقَبُون، فمن صلَّى في بيته لا يَدْخُلُون
في صلاته. والسرُّ فيه: أن الصلاة في نظر الشرع هي صلاةُ الجماعة، لأنها الفردُ الأكمل، ولا
يكون المراد في المواعيد ومواضع الترغيب إلَّا هو، أمَّا أنه إذا لم يُصَلِّها بالجماعة، أو فاتته،
فكم يُنْتَقَصُ منها؟ وهل يبقى لها وجودٌ أو تَنْعَدِم عن أصلها؟ فكل ذلك من مراحل الفقه (٢).
ونظيره ما مرَّ مني في بيان مراد قوله: ((قبل أن تَغْرُبَ الشمسُ)): أن الغروبَ عند الشرع
بالاصفرار، وإن كان الغروب حسًّا بعده، فإِن الشرع لمَّا صرَّح بكراهة الصلاة عند الغروب، إذن
كيف يَعْتَبرُه في سياق التعليم؟ نعم إذا كان السياقُ سياقَ الذم أمكن أن يُرادَ به الاصفرار، كما
في الحديث: ((تلك صلاة المنافق)) ... الخ.
ولو علمتَ هذا الصنيع، علمتَ أن القرآنَ أيضًا مشى عليه، فلم يُرْخِ العِنَان لعاصٍ قطعًا،
ولا تجدُ لهم فيه غير التشديد، نعم، إذا كان السياقُ سياقَ المغفرة، يُفْهَمُ منه أن لهم أيضًا
تفصّیًا .
٣١ - بابُ فَضْلٍ صَلَةِ الفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ
٦٤٨ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ
المُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ◌َِّ يَقُولُ:
((تَفْضُلُ صَلَاةُ الجَمِيعِ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ، بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيلِ
وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَّلَاةِ الفَجْرِ)). ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرِيرَةَ: فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ
كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. [طرفه في: ١٧٦].
(١) قلتُ: وعليه قوله ◌َّهِ عند الترمذي، وغيره: ((خيرُ البقاع عند الله المساجدُ، وشرُّها الأسواقُ)) - بالمعنى - فإِنه
جَعَلَ المسجدَ في طرفٍ، والسوقَ في طرفٍ آخر.
(٢) يقول العبدُ الضعيفُ: وقرَّر نحوه في حديث: ((لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب))، فالصلاة عند انتفاء واجب منها
منتفيةٌ في نظر الشارع، والمُعتبرةُ عنده: ما كانت باستجماع الشرائط والأركان والواجبات، بل المستحبات
أيضًا، حتى أنه لا صلاة عنده بدون الخشوع أيضًا، ومن ههنا اختلفت أنظار الفقهاء: أنها تنتفي بانتفاء الفاتحة
رأسًا حتى لا يبقى لها وجودٌ، أو تصيرُ خِدَاجًا على حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهذا ممَّا لا يمكن
فصله .

٢٤٦
كتاب الأذان
٦٤٩ - قَالَ شُعَيبٌ: وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: تَفْضُلُهَا بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ
دَرَجَةً. [طرفه في: ٦٤٥].
٦٥٠ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ
سَالِمًا قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهُوَ مُغْضَبٌ، فَقُلتُ: ما
أَغْضَبَكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مََّ شَيْئًا، إِلا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا .
٦٥٠ - (دَخَلَ عليَّ أبو الدَّرْدَاء) كان عمر رضي الله عنه بَعَثَ الصحابةَ رضي الله عنهم إلى
النواحي، ونَصَبَهم على مناصب خاصة فبعث أبا الدَّرْدَاء نحو الشام للتعليم، ونَصَبَ ابن مسعود
رضي الله عنه على تولية بيت المال، وعَمَّارًا رضي الله عنه لإِمامة الصلاة، وسعد بن أبي وقَّاص
رضي الله عنه للإمارة على الكوفة. وكان عمر رضي الله عنه جَعَل الكوفة والبَصْرَة معسكرًا .
(جهاؤني). وفي ((فتح القدير)): أن قريته قَرْقِيسَة نَزَل فيها ستمائة من الصحابة رضي الله عنهم.
وبالجملة كان الصحابةُ قد تفرَّقوا في النواحي والبلاد لإشاعة الدين، وتبليغ كلمة
الإِسلام، ونشر الأحكام، فلو كان المالكية يَفْتَخِرُون بأن إمامهم من أهل المدينة معدن العلم،
فلا نُنْكِرُ فضلهم في ذلك، غير أن أكثرَ الصحابة رضي الله عنهم كانوا نحو العراق، وهناك دُوِّن
النَّحْوُ.
قيل إنٍ بَدْءَه كان من عليّ رضي الله عنه، فإِنه سَمِعَ مِرةً رجلًا يقرأ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌّ مِّنَ
اٌلْمُشْرِكِينُ وَرَسُولٌ﴾ [التوبة: ٣] بكسر رسوله، مع أنه مرفوعٌ، فتفكّر في أنه كيف يُخَلِّص الأمةَ عن
هذه المهالك، فإِن فيها العرب والعجم، فَأَمَرَ أبا الأسود الدُّؤَلي أن يَجْعَلَ قانونًا يحفظها عن
الخطأ في الكلام، وأَصَّلَ له أصولًا، فقال: كلُّ فاعِلٍ مرفوعٌ، وكلُّ مفعولٍ منصوبٌ وكلُّ مضاف
إليه مجرورٌ، ثم قال: انْحُ نحوه، فَشَرَعَ في تدوينه، وبَدَأَ من أفعال التعجُّب، فصوَّبه عليُّ
رضي الله عنه، ثم جمع الحروف المشبَّهة بالفعل، غير أنه ترك: ((لكن))، فأمره عليّ رضي الله
عنه أن يزيدها عليها. وبالجملة إن كان لهم فَضْلٌ لكون إمامهم من مدينة الرسول، فلنا أيضًا
فَضْلٌ، فإن إمامنا من البلدة التي نزل فيها جنودٌ مُجَنَّدَةٌ من الصحابة رضي الله عنهم، حتى دار
بها علمهم وسار، فاعلمه. والله تعالى أعلم بالصواب.
٦٥١ - حدّثنا محَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ
أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوِسى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ
فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشِى، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمامِ، أَغْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي
يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ)) .
٦٥١ - (أَبْعَدُهم فَأَبْعَدُهم مَمْشى)، وليس هذا أجرًا لنفس الجماعة، بل هو من
المكملات. ولا مُعْتَبر عندي بصِغَر الخَطَأُ وكِبَرَه كما نُقِلَ عن بعض السلف، لأن المراد عندي
بُعْدُ المسافة وقُرْبُها، فإن كانت خطواتُه صغيرةً كان ثوابها أيضًا مثلها، فلا فرقَ بين صِغَرها
وکېرها .

٢٤٧
كتاب الأذان
((والمَمْشَى)) مصدر ميمي، والحقُّ عندي إنه حاصلٌ بالمصدر، وليس عند النحاة، وإنما
عندهم: المصدر، واسم المصدر. قلتُ: وما يسمُونه اسم المصدر هو الحاصلُ بالمصدر
عندي، كالرؤيا في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا اُلُِّيَا الَّتِىِ﴾ [الإسراء: ٦٠] ... الخ ولذا لم يَقُل:
رؤيته، لأنه مصدرٌ، والمراد ههنا: هو الحاصل به. ومن ههنا ظَهَر أن المراد من الرؤيا هنا ليس
رؤيا المنام، بل رؤيا عين. وترجمته بالهندية. (دكهاوا).
قوله: (والذي يَنْتَظِرُ الصلاةَ حتى يُصَلِّيَهَا مع الإِمام، أعظمُ أجرًا من الذي يُصَلِّي ثم يَنَام):
يحتمل أن يكونَ المرادُ من الأول: من صلَّى مع الجماعة، ثم لم يَزَل جالسًا في انتظار صلاةٍ
أخرى حتى صلَّاها مع الإمام. ومن الثاني: من صلَّى مع الجماعة ثم نام، ولم يُخْرِز فضيلةً
الانتظار للصلاة الأخرى. ويحتمل أن يكون المرادُ من الثاني: من صَلَّى مُنْفَرِدًا ثم نام، ولم
يرغب في الجماعة. فالمقابلةُ على الأول: بين المصلِّيين بالجماعة إذا انتظر أحدُهما لصلاة
أخرى، ولم ينتظر الآخر وعلى الثاني: بين المصلِّي بالجماعة والمصلِّي في بيته منفردًا، وعليه
حَمَلَ الحافظ رحمه الله تعالى، واستفاد منه سُنية الجماعة، فإِن الشرعَ قابل بين المصلِّي
بالجماعة، والتارك لها بعذر النوم. وما يُبَاح تركُه بأعذار يسيرةٍ، لا يكون شأنه شأن الواجب.
فَإِذا عَلِمْنا أن الجماعةَ يجوز تركها بعذر النوم وإن كان مَفْضُولًا عَلِمْنَا أنها سنةٌ وليست بواجبةٍ.
أقول: ينبغي أن لا يُخْتَجَّ بمثل هذه الأمور على المسائل الفقهية، فإن الحديث لم يُسَقْ
لبيان سنية الجماعة ووجوبها، وإنما سِيقَ لفضل الجماعة، وإنما قَابَل بصلاة الفذُّ ليُظْهِرَ فضل
الجماعة، فهو لِتَعْقِلَ صورة الحساب فقط، كما في حديث الزكاة: ((في كل أربعين درهمًا
درهمٌ))، لا يريد به بيان النصاب ليجب درهمٌ في أربعين درهم، إنما يُريد به الحساب، فالخمسةُ
في المائتين كالدرهم في الأربعين. وهكذا في قوله: ((صلاة الجماعة تزيد على صلاة الفذِّ)) بكذا
مرتبة؛ إنما سِيق لبيان الحساب، لا لصحة صلاة الفذُّ بمعنى عدم نقصان فيها .
ثم ذِكْرُ النوم ههنا أيضًا ضمني، والمراد به: عدم الانتظار، سواء نام أو اشتغل بأمرٍ آخر،
لأنه إذا لم يُصَلِّها مع الجماعة، فصلاته مَفْضُولةٌ مطلقًا سواء نام أو لم يَنَمْ، وقد سَبَقَ نَقْلًا من
إمام الحرمين على طريق الضابطة الكليّة أن أخذَ المسائل لا ينبغي مما يَرِدُ في سياق التشبيه،
فقد تُشَبَّهُ أمورٌ مرغوبةٌ بأمورٍ مكروهةٍ، كتشبيه صوت الوحي بصَلْصَلة الجرس، واستقرار الدين
في المدينة برجوع الحية إلى جُخْرِها، وغير ذلك وإنما يكفي لصدقه صورة ما، فعلى هذا لو
دَخَل رجلٌ في المسجد ولم يعلم متى يجيء الإمامُ، جاز له في بعض الأحوال أن يُصَلِّيَ مُنْفَرِدًا
ثم ينام؛ فالجواز في بعض الصور يكفي لصِدْق هذا الحسابِ ولا يُوجبُ أن تكونَ الصلاةُ
منفردًا .
ثم النومُ جائزٌ على الإطلاق، وللحنفي أن يقول: إن الرجلَ إذا كان مُنْكَسِرًا فاتِرًا، فله أن
يُصَلِّيَ وينام عندنا أيضًا، فإن ضَعْفَه وانكساره له عذرٌ، ومن الأعذار في كُتُبنا ما هو أهون منه.
ففي الفِقْه أن من يَزْدَحِمُ عليه الفتاوى، وهو مشتغلٌ في مراجعة الكُتُب، جَازَ له ترك الجماعة.
وفيه: أن حنفيًا لو ناظر شافعيًا في رمضان، ورأى أن الصومَ يُضْعِفُه جَازَ له الإفطار.

٢٤٨
كتاب الأذان
قلتُ: ولا ينبغى العمل بهما، فإنهم قاسوا المناظرة في المسائل على الجهاد في المعاركِ
فأباحوا الإفطار وهذا فاسدٌ والفارقُ واضحٌ، وكذا الأُولى فإنها تُفْضِي إلى التهاون في أمر
الجماعة.
والحاصل: أنه لا ينبغي أخذ المسائل الغير المعروفة بألفاظ مشتبهة فيما اشتهرت وظيفته
واستقرت شريعته، والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٢ - بابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ
٦٥٢ - حدّثنا قُتَيبَةُ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلَ قَالَ: ((بَينَما رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى
الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ)). [الحديث ٦٥٢ - طرفه في: ٢٤٧٢].
٦٥٣ - ثُمَّ قَالَ: ((الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِيقُ، وَصَاحِبُ
الهَدْم، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)). وَقَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ
لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا لاسْتَهَمُوا عَلَيهِ)). [الحديث ٦٥٣ - أطرافه في: ٧٢٠، ٢٨٢٩، ٥٧٣٣].
٦٥٤ - ((وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبْقُوا إِلَيهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ
وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا)). [طرفه في: ٦١٥].
٦٥٣ - (الشهداءُ خمسةٌ)، وقد عَلِمْتَ أن الشهداءَ في الأحاديث أعمُّ ممَّا في الفقه، وكتب
السيوطي رحمه الله تعالى رسالةً في الشهداء، وعدَّهم الأَجْهُوري المالكي إلى ستين، فلمَّا رأيت
أن الأحاديثَ لا تستقرُّ فيه علىٍ عددٍ معيَّن، بدا لي أن تُوضَعَ له ضابطة، فاستفدتُ من
الأحاديث: أن كل من مات في عِلَّةٍ مُؤْلمةٍ متماديةٍ، أو مرضٍ هائلٍ، أو بلاء مفاجىءٍ فله أجر
الشهيد. فمن النوع الأول: المَبْطُون، ومن النوع الثاني: المَطْعُون، ومن الثالث: الغريق.
٣٣ - باب احْتِسَابِ الآثَارِ
٦٥٥ - حدّثنا محَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا
حُمَيدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ِهِ: ((يَاَ بَنِي سَلِمَةَ، أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟)) وَقَالَ مُجَاهِدٌ
فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمَّ﴾ [يس: ١٢]. قَالَ: خُطَاهُمْ. [الحديث ٦٥٥ - طرفاه في:
٦٥٦، ١٨٨٧].
٦٥٦ - وحدّثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيِى بْنُ أَيُّوبَ قالَ: حَدَّثَني حُمَيدٌ قَالَ:
حَدَّثَنِي أَنَسٌ: أَن بَنِي سَلِمَةً أَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ، فَيَنْزِلوا قَرِيبًا مِنَ النَّبِيِّ وَِّ،
قَالَ: فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ أَنْ يُعْرُوا المدينةَ، فَقَالَ: ((أَلَا تَخْتَسِبُونَّ آثَارَكُمْ؟)) قَالَ مُجَاهِدٌ:
خُطَاهُمْ: آثَارُهُمْ، أَنْ يُمْشِى فِي الأَرْضِ بِأَرْجُلِهِمْ. [طرفه في: ٦٥٥].

٢٤٩
كتاب الأذان
٣٤ - بابُ فَضْلٍ صَلاَةِ العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ
٦٥٧ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو
صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَّ النَّبِيُّ وَّةِ: ((لَيسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى المُنَافِقِينَ مِنَ الفَجْرِ
وَالعِشِّاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما فِيهِمَا لِأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ المُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ، ثُمَّ
آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ آخُذُّ شُعَلًا مِنْ نَارٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدُ» .
[طرفه في: ٦٤٤].
قد قلتُ غير مرةٍ: إن الاحتسابَ مرتبةُ علم العلم، ومرتبةُ الاستحضار. وجيء به ههنا
للتنبيه على أن في الذهاب إلى المسجد أيضًا أجرًا، ولو لم يُنَبِّه عليه، لربما سَبَقَ إلى الذهن أنه
لا أجرَ فيه، لعدم معنى الطاعة فيه ظاهرًا، فهو موضعُ ذهولٍ.
٣٥ - بابٌ اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ
٦٥٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع قَالَ: حَدَّثَنَا خالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ
مِالِكِ بْنِ الحُوَيرِثِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((إِذَا حَضِّرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمًا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا
أَكْبَرُكُمَا)). [طرفه في: ٦٢٨].
وهو حديث ابن ماجه، إلَّا أن إسناده ضعيفٌ، ولذا لم يعبِّره بقول النبيِّ وَّل .
٣٦ - باب مَنْ جَلَسَ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ، وَفَضْلِ المَسَاجِدِ
٦٥٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّهُ مَا لَمْ
يُخْدِثْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحِمْهُ، لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ
تَحْبِسُهُ، لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّ الصَّلَاةُ)). [طرفه في: ١٧٦].
٦٦٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي
خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ حَفصٍ بْنِ عَاصِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ـ. قَالَ: ((سَبْعَةٌ
يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ:" الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ،
وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌّ في المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانٍ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيهِ وَتَفَرَّقًا عَلَيهِ، وَرَجُلٌ
طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا
تَعْلَمَ شِمالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِيِّنُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)). [الحديث ٦٦٠ - أطرافه في:
١٤٢٣، ٦٤٧٩، ٦٨٠٦].
٦٦١ - حدّثنا قُتَيبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ: هَلِ
اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ خاتَمًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَخَّرَ لَيلَةٌ صَلَاَةَ العِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيلِ، ثُمَّ أَقْبَلَّ

٢٥٠
كتاب الأذان
عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَ ما صَلَّى، فَقَالَ: ((صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا، وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مُنْذُ
انْتَظَرْ تُمُوهَا)). قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصٍ خاتَمِهِ. [طرفه في: ٥٧٢].
الانتظارُ في الأحاديث وَرَدَ بكلا النحوين: قبل الصلاة، وبعدها لصلاة أخرى. قلتُ: ولا
يوجد العملُ بالنحو الثاني عند السلف كثيرًا .
٦٦٠ - (سبعةٌ(١) يُظِلُّهم الله) وفي بعض الروايات: ((ستة))، ولا مفهومَ للعدد، وأمّا الظُّلُّ
فيحمله كلٌّ على فَنِّهِ، فيقول البليغُ: إنه كِنايةٌ أو استعارةٌ عن العُطُوفَة، ويحمله الصوفي على
الظُّلِّ في مرتبة التجلِّي. وسنوضحه إن شاء الله تعالى في آخر الكتاب.
قوله: (رجلان تَحَابًّا في الله) ... إلخ. قال السُّبْكي في ((عروس الأفراح)): إن التثنية
خاصٌّ، إلاّ أنه قد يَعُمُّ باعتبار الأثنينيات، فالمراد به: أيّ رجلين كانا يمكن أن يُرَاد منه الحب
في الله، والبغض في الله، وله شرحٌ آخر تؤيِّده الرواية أيضًا: أنهما ذكرا الله عند اجتماعها،
وذكراه عند افتراقهما، وحينئذٍ ذكر التَّحَابُب تمهيدٌ، وذكر الله عند الاجتماع والافتراق مطلوبٌ.
ويَدُلُّ الحديث على فضل ذكر الله عند الاجتماع والافتراق، وله حديث في الخارج، وله شروحٌ
أخرى مذكورةٌ في الكُتُب، فلتراجع.
٣٧ - باب فَضْلٍ مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ وَمَنْ رَاحَ
٦٦٢ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَّمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: (مَنْ
غَدَا إِلَى المَسْجِدٍ وَرَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزْلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ)).
وفي الهامش: ((غدا)) مكان ((خرج))، وهو الأولى. وحاصله: أنه لم تَزَل معاملته
بالمسجد غداً وعشاءً.
(١) وقد نَظَمَه أبو شامة رحمه الله تعالى:
وقال النبيُّ المصطفى: إنَّ سبعةً
مُحِبٍّ، عفيفٌ، ناشىٌ، مُتَصَدِّقٌ
وزاد عليه الحافظُ رحمه الله تعالى:
وزدْ سبعةَ أظلالٍ، غازٍ، وعَوْنُه
وإرفادُ ذِي غُزْمِ، وعَوْنُ مُكَّاتَبٍ
ثم نَظَمَ الحافظُ رحمه الله تعالى مرةً أخرى، فقال:
وتحسينُ خُلُقٍ، مع إعانة غَارِمٍ
ثم زاد علیه رحمه الله تعالی:
وزِدْ سبعةً: حُزْنٌ، ومشيّ لمسجدٍ
وآخذُ حقِّ باذلٌ، ثم كافلٌ
يُظِلُّهُمُ اللَّهُ الكريم بِظِلْهِ
وباكٍ، مُصَلِّ، والإمامُ بعدلِهِ
وإنظارُ ذي عُسْرٍ، وتخفيفُ حِمْلِهٍ
وتاجرُ صِدْقٍ في المقال وفِعْلِهِ
خفيفِ يدٍ حتى مُكَاتَب أَهْلِهِ
وكُرْهُ وضوءٍ، ثم مُظْعِمُ فَضْلِهِ
وتاجر صِدْقٍ في المقال وفعلِهِ

٢٥١
كتاب الأذان
٦٦٢ - (نُزُّله)، والنُّزُل: أول ما يُهَيَّ للضيف، ومحصَّل الحديث: أن المساجدَ تُدْعَى
بيوت الله، فمن أتاها ينبغي أن يُعَدَّ له فيها نُزُلٌ.
٣٨ - باب إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ صَلَةَ إِلاَّ المَكْتُوبَةَ
٦٦٣ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
حَفْصِ بْنِ عاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مالِكِ ابْنِ بُحَينَةَ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌َّهَ بِرَجُلٍ ...
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي
سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ خَفصَ بْنَ عاصِم قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ، يُقَالُ لَّهُ
مالِكُ ابْنُ بُحَينَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ رَأَى رَجُلًا وَّقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، يُصَلِّي رَكْعَتَينٍ، فَلَمَّا
انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّهَ لَاثَ بِهِ النَّاسُ، فقال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((الصُّبْحَ أَرْبَعًا، الصُّبْحَ
أَرْبَعًا!)) تَابَعَهُ غُنْدَرٌ وَمُعَاذْ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مالِكِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحاقَ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ
حَفْصٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَينَةَ. وَقَالَ حَمَّادٌ: أَخْبَرَنَا سَعْدٌ، عَنْ حَفصٍ، عَنْ مالِك.
ذهب طائفةٌ من أهل الظواهر إلى ظاهر الحديث، وقالوا: إن أُقِيمَتِ الصلاةُ وهو في
خلال الصلاة بَطَلَت صلاته، ولم يَذْهَب إليه أحدٌ من الأئمة غيرها. وقال الجمهور: بل يُتِمُّها
ولا يقطعها. وراجع كُتُب الفِقْه.
وأمَّا تفصيل المذاهب في الفجر، فقال الشافعيُّ رحمه الله تعالى في الجديد: إذا أُقِيمَتِ
صلاةُ الفجر، فلا صلاةَ مطلقًا، فلا يَرْكَع ركعتي الفجر أصلًا، لا في داخل المسجد، ولا في
خارجه وقال في القديم مثل الحنفية، وبه قال مالك رحمه الله تعالى غير أنه فرَّق بين الدَّاخل
والخارج، فقال: يَرْكعهما خارج المسجد إذا رَجًا أن يُدْرِكَ الركعتين كلتيهما، وإلاّ فلا وقال ابن
العربي في ((الاقتراب)): يَدْخُلُ فيهما إن رجا القعدة الأخيرة، وهذا مُخَالِفٌ لِمَا في عامة كُتُبهم.
وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى على ما تقرَّر عندي من مذهبه: إنه يَرْكَعُهُمَا خارجه
بشرط إدراك ركعة. ولعلَّ التخصيص بالركعة من الاجتهاد ناظرًا إلى مثل حديث: ((من أَدْرَكَ
ركعة، فقد أدرك الصلاة)). ولا رواية عنه في داخل المسجد. وهذا هو المذهب عندي، كما في
((الجامع الصغير)) و((البدائع))، واختاره صاحب ((الهداية))، وصرَّحوا به في باب إدراك الفريضة.
وصرَّح به علماء المذاهب الأخرى أيضًا كالقَسْطَلاني من الشافعية، وابن رُشْد والباجي من
المالكية، ثم وسَّع محمد رحمه الله تعالى في إدراك ركعة، وأجاز بهما عند إدراك القعدة أيضًا.
ثم مشايخنا رحمهم الله تعالى وسَّعوا بهما في المسجد أيضًا، وأظنُّ أنَّ أول من وسَّع بهما
في المسجد هو الطحاويُّ، فذهب إلى جوازهما في ناحية المسجد بشرط الفَصْلِ بينهما وبين
المكتوبة، حتَّى لا يُعَدَّ واصلًا بينهما وبين المكتوبة، وهو مثار النهي عنده ولعلَّك عَلِمْتَ أن
القَيْدَينِ اللَّذَيْن كان صاحب المذهب ذكرهما ارتفع أحدهما بتوسيع محمد رحمه الله تعالى،
والآخر بتوسيع الطحاويِّ رحمه الله تعالى.

٢٥٢
كتاب الأذان
أمّا أنا فأعمل بمذهب الإمام أبي حنيفة، وقد أفتى به الناس، غير أني لا أُنَازِعُ من
صلَّاهما في المسجد، وأقول: لعلَّه أَخَذَ بقول محمد رحمه الله تعالى والطحاويِّ رحمه الله
تعالى. هذا هو تحريرٌ لمذهب الإمام الأَعْظَم عندي. وأمَّا مذهب الشافعيِّ رحمه الله تعالى، فقد
عَلِمْتَه. وتمسُّكه من حديث الباب، فإنه يَدُلُّ على النهي عن الصلاة بعد الإقامة مُظْلقًا، سواء كان
في المسجد أو خارجه.
فكأن مَنَاط النهي عندهم: الدخول في سنة الفجر بعد الإقامة للفرض، ولمَّا لم يكن فيه
فرقٌ بين داخل المسجد وخارجه عَمَّ النهيُّ أيضًا بعموم المناط، ولم تَجُزْ ركعتا الفجر في
الخارج والداخل مطلقًا. فأجاب عنه الطحاويُّ: أمَّا أولًا: فبأن الحديثَ موقوفٌ وليس
بمرفوع، كما يُعْلَمُ من صنيع البخاري في ((صحيحه))، حيث لم يُعَبِّرْهُ بقول النبيِّ رَّ، وإن مال
في ((جزء رفع اليدين)) إلى رفعه، ولكن العِبْرَة بما في ((الصحيح)) لأن دَأَبه في الخارج أوسع،
وفي ((الصحيح)) أحكم. فإنه قد يَلْتَزِمُ في الخارج بعض ما يكون بديهي البُطْلَان، كدعواه في
عدم ثبوت ترك الرفع عن أحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم، ومنه قوله بعدم أدراك الركعة
بإدراك الركوع عندهم، وكل ذلك مما لا يُقْبَلُ، كما فضَّلْته في ((نيل الفرقدين))، و((فصل
الخطاب)).
وكذا الشافعيُّ رحمه الله تعالى عَبَّره في ((الأم)) بقول أبي هريرة، مع اختياره في الجديد
مسألة الحديث. وكذا ترجمة ابن أبي شَيْبَة على الحديث المذكور تَدُلُّ على أنه موقوفٌ عنده،
وهذا القدر يُوجِبُ التوقُّف في رفعه إن لم يُجْزَم به. وظنِّ أنه جاء بالنحوين: موقوفًا ومرفوعًا،
وأجد في الصحابة كثيرًا: أنهم كانوا يستعملون عنوان الحديث المرفوع فيما بينهم على شاكلة
الأمثلة السائرة، والمقدمات الدائرة، والمسائل المسلَّمة، وحينئذٍ لا يذكرون(١) له إسنادًا ولا
يهتمُّون به لعدم احتياجه إليه واستغنائه عنه عندهم.
وقد وقع مثله في حديث: ((من كان له إمام ..... )) الخ، وحديث النهي عن البُتَيْرَاء
فزيدُ بن ثابتٍ أَفْتَى في سجدة التلاوة عند مسلم، وابن عمر رضي الله عنه في ((الموطأ)) بعين هذه
الألفاظ: ((من كان له إمام .... )) الخ فتبيَّن لي: أن هذا الحديث قد اشتهر فيما بينهم حتى
استعملوه كالمسلّمات، وإن ذَكَر له ابن الهُمَام إسنادًا صحيحًا على شرط الشيخين أيضًا، وراجع
(١) قلت: ويَقْرُب منه ما ذكره السيوطي في ((التدريب)): قال بعضهم: يُحْكَمُ للحديث بالصحة إذا تلقَّاه الناسُ
بالقَبُول، وإن لم يكن إسناده صحيحًا - قلت: ومن هذا الباب حكم الترمذي على أحاديث مُنْقَطِعة بالتحسين،
كحديث عُبَيد الله، عن عبد الله في باب: الاستنجاء بالحجرين، فإِنه مُنْقَطِعٌ، وكذلك حديث فاطمة بنت الحسين،
عن جدتها في باب: ما يقول عند دخول المسجد، فإِنه أيضًا مُنْقَطِعٌ، مع أنه حسَّنهما، فاحفظه.
ثم إنك تجد في موضع من تقريرنا هذا أن البحثَ عن الأسانيد لم يكن بين السلف، وإنما احتاج إليه الخَلَف،
وذلك كما ذَكَّرَه الترمذيُّ في ((العلل)) عن ابن سيرين قال: كانوا في الزمن الأول لا يسألون عن الإسناد، فلمَّا وقعت
الفتنة، سألوا عن الإسناد ... إلخ. وهذا أصلٌ عظيمٌ يَظْهَرُ منه السر في فقدان الأسانيد لبعض الأحاديث
الصحيحة، فاحفظه واغتنمه. ثم هذا إنما ينفع لمن رُزِقَ فَهْمًا صحيحًا، وقلبًا سليمًا.

٢٥٣
كتاب الأذان
رسالتي، فإذا لم يتعرَّضُوا لإسناده في الصدر الأول، وتَدَاوَلُوه فيما بينهم كالمسلّمات، خَفِي
إسناده فيما بعد لا محالة. فجعل بعضهم يَزْعُمُ أنه موقوفٌ لصحة طُرُقه واستقامة إسناده، بخلاف
إسناد المرفوع، ومنهم من يجعله مرفوعًا لاكتفائه بالثبوت في الجملة، وعدم تنقيره فيه، والأمرُ
في مثله ما نَبَّهناك آنفًا، فانظر فيه بعين الإنصاف، وإياك وخُطّة الاعتساف (١).
وأمَّا ثانيًا، فكما عَلِمْتَ أن المناط عنده ليس ما نقَّحُوه، بل هو وَصْلُه بين نافلة العبد،
وفريضة الله مكانًا، وذلك لأن المناطَ لو كان ما ذكروه لاقتصر النهىُ على ما بعد الإقامة فقط،
مع أنه ثَبَتَ النهيُ عنها قُبَيْل الإقامة وبعدها، وبعد الفراغ عن الصلاة أيضًا: فدلَّ على أنه لا
دَخْل فيه للإقامة، فحديث مالك ابن بُحَيْنَة في ((الصحيحين)): أن رسولَ الله وَّل رأى رجلاً وقد
أُقِيمَت الصلاة يُصَلِّي ركعتين ... فقال له رسول الله وَّر: الصبح (٢) أربعًا))! وعند مسلم:
«أَتُصَلِّي الصبح أربعًا))؟ اهـ. وَرَدَ فيما بعد الإقامة، وكذا حديث عبد الله بن سَرْجِسَ عنده، وفيه
قال: ((دَخَلَ رجلٌ المسجدَ ورسول الله بَّر في صلاة الغداة، فصلَّى ركعتين في جانب المسجد،
ثم دخل مع رسول الله بَّه قال: يا فلان، بأي الصلاتين اعْتَدَدْتَ: بصلاتك وَحْدَكَ، أم بصلاتك
معنا)). وعند أبي داود قال: (يا فلان، أيتهما صلاتك: التي صلَّيت وَحْدَكَ، أو التي صلَّيتها
معنا))، فهذان أيضًا فيما بعد الإقامة.
وأما النهيُ عنها بعد الفراغ عن الصلاة، فكما في حديث قَيْس بن عمرو عند أبي داود،
قال: ((رأى رسولُ الله ◌َو رجلًا يُصَلَّي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله وَّل: صلاة
الصبح ركعتان، فقال الرجل: إني لم أكن صلَّيت الركعتين اللتين قبلهما، فصلَّيتهما الآن،
فسكت رسول الله (َل﴾). وعند الترمذي: ((مهلًا يا قَيْس، أصلاتان معًا؟ قلتُ: يا رسول الله، إني
لم أكن رَكَعْتُ ركعتي الفجر، قال: فلا إذن)). اهـ.
أما قوله: ((مهلًا يا قَيْس))، فهو على وزَان قوله: ((مهلًا يا عائشة)) حين سمعت اليهود
يسلِّمون عليه بالسَّام عليك، أي: رِفْقًّا، وعلى هذا يَلِيقُ أن يكونَ الخطابُ به قبل الشروع، مع
(١) وفي تقرير الفاضل عبد العزيز من كلام الشيخ: أن أبا حاتم أيضًا صوَّب وَقْفَه في ((علله))، وهو مُعَاصِرٌ للبخاري
رضي الله تعالى عنه، وكنتُ مترددًا في أنه حكم على إسنادٍ واحدٍ، أو على جميع أسانيده، فلمًا رأيتُ أنه أخرجه
في ثلاث مواضعٍ، وحكم على كلِّه بالوقف، ظَهَرَ أنه حكم على الإطلاق.
(٢) قلتُ: وراجع لفظ ابن عمر رضي الله عنه، من باب: الصلاة بعد الجمعة عند أبي داود: ((لما رأى رجلًا يُصَلِّي
ركعتين يوم الجمعة في مقامه، فدفعه وقال: أَتُصَلِي الجمعة أربعًا ... )) إلخ. وفيه عن ابن عمر رضي الله تعالى
عنه، عن عطاء: ((أنه رأى ابن عمر رضي الله تعالى عنه يُصَلِّي بعد الجمعة، فَيَنْحَاز عن مصلَاء الذي صلَّى فيه
الجمعة قليلًا غير كثيرٍ، قال: فيرْكَعُ ركعتين. قال: ثم يَمْشِي أنفس ـ أي أبعد - من ذلك، فيركع أربع
ركعات ... )) إلخ. وفي الفصل الثالث من باب: الذكر بعد الصلاة من ((المشكاة)): ((أنه قام الرجل الذي أَدْرَك
معه - أي مع رسول الله رَّهُ التكبيرة الأولى من الصلاة يَشْفَعُ، فَوَثَبَ عمر رضي الله تعالى عنه فأخذ بِمَنْكِبيه،
فهزَّه، ثم قال: اجلس، فإنه لن يُهْلك أهل الكتاب إلَّا أنه لم يكن بين صلاتهم فَضْلٌ، فرفع النبيُّ ◌َّ بصره،
فقال: «أصاب الله بك يا ابن الخطاب)) - رواه أبو داود.

٢٥٤
كتاب الأذان
أنه لا يُلَائم سائر ظُرُقه، فإِنه يَدُلُّ على أنه خاطبه بعدما فَرَغَ عنها. وكذلك لا يُلَائِمُ قوله: ((لم
أكنِ)) بالنفي في الماضي. ولعلَّ قَيْسًا لمَّا أراد أن يَرْجِعَ إلى بيته بعد الفراغ عنها، استوقفه
ليعلِّمه المسألة، فقال: ((مهلًا)).
ثم إن هذا اللفظ أخرجه مالك رحمه الله تعالى في صلاتهم قبل الفجر، والترمذي فيما
بعدها، ويُتَوَهَّمُ منه أنه اضْطِرَابٌ. فعند مالك عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن قال: ((سَمِعَ قومٌ
الإقامةَ فقاموا يُصَلُّون، فخرج إليهم رسولُ الله ◌َّه، فقال: أصلاتان معًا !! أصلاتان معًا)) وذلك
في صلاة الصبح في الركعتين اللتين قبل الصبح ١ هـ.
ولعلَّك عَلِمْتَ من هذه الأحاديث: أن النهيَ لا يختصُّ بما بعد الإقامة، بل يَعُمُّه وما بعد
الصلاة أيضًا، وإذن لا يكون المثار ما قالوه، بل يجوز أن يكونَ المناط ما علَّل به الطحاويُّ: وأراد
النبيُّ نَّه بهذا النهي أن يُصَلِّي غير الفريضة في الموطن الذِي صُلِّيَتْ فيه الفريضة، فيكون مصلِّيها
قد وَصَلَها بتطوُّعٍ، فَيكون النهيُ من أجل ذلك، لا لمن يُصَلِّي في آخر المسجد، ثم يَتَنَخَّى من ذلك
المكان، فَيُخَالَّطِ الصفوف ويَدْخُل في الفريضة، ويَدُلُّ عليه ما رواه الطحاويُّ عن محمد بن عبد
الرحمن: ((أن رسولَ اللَّهِ وَّهِ مرَّ بعبد الله بن مالك ابن بُحَيْنَة وهو مُنْتَصِبٌ يُصَلِّي ثَمَّةً بين يدي نداء
الصبح، فقال: لا تجعلوا هذه الصلاة، كصلاة قبل الظهر وبعدها، واجعلوا بينها فضلًاً)). اهـ.
ولعلَّ الطحاويَّ حَمَلَه على عدم الفصل مكانًا، إلَّا أنه يَرِدُ عليه: أن لا يكون الفصلُ
مطلوبًا في الظهر، ولا يقول به أحدٌ، وتفسيرُه عندي: أن سنةَ الظهر قد تُؤدَّى في المسجد
بخلاف سنة الفجر، كما يَظْهَرُ من حديث البخاري. ولعلَّه تعليمٌ لأمرين: جواز سنة الفجر، فإنه
ليس بعدها، والأمر الثاني: الفصل. قال الطحاويُّ: فبيَّن هذا الحديثُ أن الذي كَرِهَهُ رسولُ
اللَّهِ وَّهِ لابن بُحَيْنَة: هو وَضْلُه إياها بالفريضة في مكانٍ واحدٍ لم يَفْصِلْ بينهما بشيءٍ، فتحصَّل
أن المناظَ هو الفصلُ، لا ما قالوه.
ثم يُعْلَمُ من الأحاديث: أن الفصلَ مطلوبٌ في المَكْتُوبات كلُّها وإن كان في سنة الفجر
آكَدَ وأبلغَ، فعنده عن أبي هُرَيْرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا قال: ((لا تكاثروا الصلاة المكتوبة
بمثلها من التسبيح في مقامٍ واحدٍ)). وعند مسلم في الجمعة، عن عمر بن عطاء، في قصة
السائب مع معاوية. ((فقال معاوية رضي الله تعالى عنه: لا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ، إذا صلَّيت الجمعة،
فلا تَصِلْها بصلاةً حتى تتكلَّمَ أو تَخْرُجَ، فإن رسولَ الله ◌َ ﴿ أمرنا بذلك أن لا نُوصِلَ بصلاةٍ حتى
نتكلّمَ أو نَخْرُجَ)). اهـ. ولذا أقول: إن الفصلَ عندي عامٌّ سواء كان بالمكان أو بالقول، وإن
كان عند الطحاويِّ بالمكان فقط، وأنتَ تَعْلَمُ أن العبرةَ بعموم اللفظ لا لخصوص المَوْرِد،
فالحديث وإن وَرَدَ في الجمعة، لكنه يَعُمُّ في سنة الفجر أيضًا. وعند النَّسائي: ((عليكم بهذه
أداء السنن في المسجد إلَّ مرةً أو مرتين.
الصلاة في البيوت))، ولم يَثْبُت عن النبيِّ
فإن قلتَ: إن تصديره بقوله: ((إذا أُقيمت الصلاة)) يَدُلُّ على أن المناط: هو كونه مُصَلِّيًا
بعد الإقامة، كما زَعَمَه الشافعية. قلتُ: نعم، وله أيضًا دَخْلٌ، إلَّا أنا لمَّا رأينا الإنكار قُبَيْل
الإقامة وبعدها وبعد الفراغ، عَلِمْنَا أن الدعامةَ هو عدم الفصل.

٢٥٥
كتاب الأذان
ثم أخرج الطحاويُّ آثارًا عديدة تَدُلُّ على جواز السنة في ناحية المسجد، منها عمل
العَبَادِلة الثلاثة: ابن عمر رضي الله عنه مع كونه راوي الحديث، وابن عباس، وابن مسعود
رضي الله عنهما. وأخرج ابن أبي شَيْبَةُ(١) نحو تسع من الآثار تَدُلُّ على جوازها خارج المسجد،
وفي البعض إيهامٌ بكونها خارج المسجد أو داخله. ثم إنه وقع عند البيهقيِّ في الحديث
المذكور استثناءُ ركعتي الفجر. وهو مُذْرَجٌ عندي، وليس بموضوع، ومن حَكَمَ عليه بالوضع،
فكأنه أراد به الإدراج. ونقيضه في ((كامل ابن عدي))، وهو أيضًا لا يَصِحُ. وعندي: من روى
الاستثناء أو النفي، كان هو في الحقيقة مذهبه، فاختلط بالمرفوع (٢).
ثم أقولُ: والمناط على ما حقّقت من مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، وهو الجواز في
الخارج دون الداخل، كونهِ مُصَلِّيًا في المسجد غير الصلاة المكتوبة بعد إقامتها. وحينئذٍ يكون
الحكم مقصورًا على المسجد فقط، لكون المسجد داخلًا في المثار. وإن كان للإقامة أيضًا
بعض دَخْلٍ فيه عندي، لكن العُمْدَة فيه: هو كونه مُصَلِّيًا في المسجد(٣) وهو مدار الحكم
بالجواز وعدمه. وهو الذي فَهِمَه ابن عمر رضي الله عنه، كما قال البهكلي في ((شرح النَّسائي))،
(١) وقد ذكرها الزَّبِيدِي في ((الإِتحاف)) قال: أخرج أبو بكر بن أبي شَيْبَة في (المصنف))، عن الشَّعْبِي، عن مَسْرُوق:
((أنه دَخَلَ المسجدَ والقوم في صلاة الغداة، ولم يكن صلَّى الركعتين، فصلاهما في ناحيةٍ، ثم دَخَلَ مع القوم في
صلاتهم))، وعن سعيد بن جُبَيْر: ((أنه جاء إلى المسجد والإمام في صلاة الفجر، فصلّى الركعتين قبل أن يَلِجَ
المسجد عند باب المسجد)»، وعن أبي عثمان النَّهْدِي قال: ((رأيت الرجلَ يَجيء وعمر بن الخطاب رضي الله عنه
في صلاة الفجر، فيصلِّي الركعتين في باب المسجد، ثم يَدْخُلُ مع القوم في صلاتهم))، وعن مجاهد قال: ((إذا
دخلت المسجد والناس في صلاة الصبح، ولم تركع ركعتي الفجر، فاركعهما وإن ظننت أن الركعة الأولى
تَفُوتُك)). وعن وَبَرَةً قال: ((رأيتُ ابن عمر رضي الله عنه يفعله)). وعن إبراهيم: ((أنه كَرِه إذا جاء والإمام يُصَلِّي:
أن يصلِّيهما في باب المسجد أو في ناحيته)) وعن أبي الدَّرْدَاء. قال: إني لأجيء إلى القوم وهم صفوف في
صلاة الفجر، فأُصَلِّي الركعتين، ثم أَنْضَمُّ إليهم). ا هـ.
(٢) قلت: وقد نبَّهتك فيما مرَّ: أن مثله يَقَعُ كثيرًا، كما في الركعتين قبل المغرب، فروى واحدٌ: ((صلُّوا قبل
المغرب ... )). إلخ. وجاء آخر، فقال: ((بين كل أذانين صلاة، إلّا المغرب)). ولا يلتقيان إلَّ حين يلتقي السُّهَيْل
مع السُّهَا، أو لا يلتقي إذ ذاك أيضًا. فراعِ الاستثناء مع النفي ههنا أيضًا، وقد بَسَطَ الشيخُ الكلامَ على إسنادهما
في دراسة ((جامع الترمذي)).
ويُؤَيِّده ما أخرجه الهيثمي رحمه الله تعالى في ((مجمع الزوائد»، عن عبد الله قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ◌ِلَه يقول:
(٣)
((لا صلاةً لمن دخل المسجد والإمام قائمٌ يُصَلَّي، فلا يَنْفَرِدُ وحده بصلاةٍ، ولكن يَدْخُل مع الإمام في الصلاة)).
اهـ. وفيه: يحيى بن عبد الله البَابْلُتِيُّ، وهو ضعيفٌ. قال الشيخُ رحمه الله تعالى في درس الترمذي: إن البَابْلُتِّي
هذا ربيب الأوزاعي، وكان يَرْوِي من كتابه، وقد أخذ عنه البخاري مُعَلَّقًا في كتاب الحج وهو عندي من رواة
الحِسَان، ونُقِلَ أن ابن معين لمَّا بَلَغَ إلى الشام، أهدى إليه البَابْلُتِّي من النقد وغيره شيئاً، وكان ثَمَّة، فأخذ ابن
معين غير النقد وردّ الدراهم، ثم سأله رجل عن البَابْلُتِّي كيف هو؟ فقال: والله إن هديته الطيبة، ولكن ما سَمِعَ عن
الأوزاعي شيئًا - ويؤيِّده أن الحديثَ يرويه ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما. أمَّا ابن عمر رضي الله عنه،
ففتواه عند مالك رحمه الله تعالى في ((موطئه)). وأمَّا ابن عباس رضي الله عنه، ففتواه عند الطحاويُّ في ((معاني
الآثار)): أَن تُصَلِّي الركعتان خارج المسجد، وإن دَخَلَ الإمام في الصلاة)).

٢٥٦
كتاب الأذان
وقد فَهِمَ ابن عمر رضي الله تعالى عنه هذا المعنى، وأنه مُخْتَصُّ بالمسجد، لا خارجًا عنه.
وهو كذلك في ((الفتح)).
بقي الفرق بين داخل المسجد وخارجه هل اعتبره الشرع أو لا؟ ففيه أحاديث: منها
حديث أبِي هُرَيْرَة رضي الله تعالى عنه: ((أمَّا هذا، فقد عَصَى أبا القاسم وَِّ)) وزاد أحمد: ((أمرنا
رسولُ اللَّهِ مَّ: إذا كنتم في المسجد فنُودِي بالصلاة، فلا يَخْرُجْ أحدُكم حتى يُصَلِّيَ))، إسناده
صحيح. وحديث: ((إذا صلَّيتما في رِحَالكما، ثِم أَتَيْتُمَا مسجد جماعةٍ ... )) الخ. وحديث (لا
يَخْرُجُ أحدٌ من المسجد بعد النداء إلَّا منافقٌ إِلَّا رجلٌ يَخْرُجُ لحاجته، وهو يريد الرَّجْعَة إلى
المسجد)) (عب ق). وقد رُوِيَ: ((لا صلاة لمن دَخَلَ المسجد والإمام قائمٌ يُصَلِّي، فلا يَنْفَرِدُ
وحده بصلاةٍ، ولكن يَدْخُل مع الإمام في الصلاة)). (طب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه).
والحاصل: أن المناطَ عند الطحاويِّ: هو عدم الفصل، مكانًا، دون الملام بعدم
الاشتراك في الجماعة، أو بعد الإقامة، كيف وقد قال لقيس بعد الفراغ عن الجماعة: ((أصلاتان
معًا))؟(١)، فهو لعدم الفصل، قبل الإقامة كان، أو عندها، أو بعدها. قلتُ: والفصلُ عندي عامٌّ
سواء كان مكانًا أو زمانًا وإن أخذه الطحاويُّ في المكان خاصةً، كما يُسْتَفَادُ من لفظ مسلم:
(حتى نتكلّم أو نَخْرُج)) وقد مرَّ. وأمَّا عند الشافعية، فهو كونه مُصَلِّيًا بعد الإقامة، سواء كان
خارج المسجد أو داخله. وعندي كونه مُصَلِّيًا في المسجد بعد الإقامة، فللمسجد دَخْلٌ بل هو
المناط وقد عَلِمْتَ تغايرُ الحكمين في داخل المسجد وخارجه. وإذ قد راعاه الشرع في غير بابٍ
واحدٍ، اعتبرناه في هذا الباب أيضًا .
ثم ههنا حديث نقله العَيْنِي عن ((صحيح ابن خُزَيْمَة))، ولو صحَّ لكان فاصلًا في الباب:
عن أنسٍ قال: ((خَرَجَ رسولُ اللَّه ◌َهِ حين أُقِيمَتِ الصلاةُ، فرأى ناسًا يُصلُّون ركعتين بالعَجَلة،
فقال أصلاتان معًا؟ فَنَهى أن تُصَلَّيا في المسجد إذا أُقِيمَتِ الصلاةُ)). اهـ. وفيه تصريحٌ: أن
النهيَ مُقْتَصِرٌ على المسجد، وهو المناط على ما حقّقت سابقًا، وهذا الحديثُ أَصْرَحُ فيه،
لكونه واردًا في خصوص سنة الفجر، بخلاف الأحاديث المارَّة، فإنها وإن دَلَّت على الفرق بين
الداخل والخارج، لكنها لم تُرْوَ في خصوص سنة الفجر.
(١) قلت: وفي مذكرة الشيخ عندي بعض نظائر الفاء في مورد الإنكار، وقوله: ((فلا إذن)) في محله فأحببت ذكرها.
فعند مسلم: أنَّ النُّعْمَان بن بشير نَحَلَ ابنه قُطعةً من ماله، فأراد أن يُشْهِدَ النبيَّ ◌َيَّ فجاء إليه فقال: «هل نَحَلْتَ
أبناءك مثله))؟ فقال: لا. قال: ((فلا إذن)). أي: فلا أشهد إذن - بالمعنى .. وفي ((المشكاة )): أن رجلًا استقطع
النبيَّ ◌َه مَعْدِنًا فأقطعه، فقيل له: إن قطعت له الماء المعد، قال: ((فلا إذن)) كنز. وعند مسلم: ((إذًا لا نرجمها
وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه)). وعند البخاري: ((إذًا يحلف من الشرب)) وعند النَّسائي: ((فقال عمر
رضي الله عنه: فَسَيْفان إذًا في غَمْدٍ لا يَضْلُحَان)). من ((الفتح)) ومثله في موضع ردِّ العذر في ((الصحيح)) فلمَّا
صلَّى قال: ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: ((فلا تفعلوا))، وغيره من مواضع الفاء في القراءة
خلف الإمام، وإتيان مسجد جماعةٍ بعد الصلاة في الرحال، وعند النَّسائي في المتوفَّى عنها زوجها، وبَسَطَ
الحافظ الكلام في تلك الكلمة، فراجعه. اهـ.

٢٥٧
كتاب الأذان
فلقائلٍ أن يقولَ: إن هذا الفرق اسْتُفِيدَ مع الأحاديث العامة، وقد عَلِمْنَا عدمه في سنة
الفجر بحديثٍ وَرَدَ فيها خاصةً، والترجيحُ عندك للخصوص دونِ العموم. فالذي هو حُجَّةٌ قاطعةٌ
هو الحديث الصحيح على شرط ابن خُزَيْمَة، وأخرجه العيني، إلّا أني أتردّد فيه، لما في النُّقُول
أن العَيْنِي كان سريعَ القلم جدًا، حتى نقل القُدُورِي بتمامه في يومٍ واحدٍ، وكانَ يَتَعَسَّرُ على
الناس قراءة كُتُبه من أجل سرعة قلمه، فَيُمْكِنُ أن يكونَ فيه سهوٌ ثمّ أخرجه مالك أيضًا، لكن
بحذف الجملة الأخيرة. وأخرجه الحافظ في ((مسند البزَّار)) بحذف: ((في المسجد)). ولنا أن
نحمله على رواية وجوب سنة الفجر أيضًا، وحينئذٍ فهي داخلةٌ في الاستثناء، ولا سؤال ولا
جواب.
وبعد هذا الإطناب والإسهاب، أريد أن أُلْقي عليك فرقًا بين ما وَرَدَ في صِيَغ الإنكار،
فقال تارةً: ((أصلاتان معًا)) !! وتارةً: ((الصبح أربعًا))؟! وأخرى: ((بأي الصلاتين اعْتَدَدْتَ؟)) فاعلم
أن كلَّ ذلك إنكارٌ بأوصاف، ولا تعرُّض فيها لوقوعها بعد الإِقامة، ولا لكون الوقت وقت
كراهة، وذلك لأنه من باب تلقِّي المُخَاطب بما لا يُتَرَقَّب، ولا يتأتَّى في ذكر السبب الواقعي،
فحاصل الأول: أتجعل الصلاتين الموقَّتتين بوقتين في وقتٍ واحدٍ؟ وحينئذ يكون الإنكار على
عدم فَصْلِه زمانًا، ومحظُه كراهة الجمع بين الصلاتين في وقتٍ واحدٍ. ويَصْلُحُ لعدم الفصل
مكانًا أيضًا، فإِن (مع)) كما في ((القاموس)): تكون بمعنى ((عند)) أيضًا، فَيصِيرُ معناه: أتُصَلِّي
صلاتين مكانهما على حِدَةٍ في مكانٍ واحدٍ؟ وحينئذٍ يفيد الطحاويّ.
وحمله ابن رُشْد على الاختلاف على الإمام، ولا يَظْهَرُ إلَّا إذا خالط الصفوف. وفي
لفظ: ((أَتُصَلِّي صلاةً واحدةً مرتين))؟ يعني لكون هذا الوقت وقت الفرض، فإذا وصل غيره،
فكأنه صلَّى فرضين، ومحظّه كراهة تكرار الفريضة في نظر صاحب الشرع. ولمّا كان الشروع
في حديث ابن بُحَيْنَة بعد الإقامة ألزمه بقوله: ((الصبح أربعًا؟ ومحظّه كراهة جعل الثنائية
أربعًا .
وتلك مسائل من غير هذا الباب تُلْمَحُ من عرض الكلام، تأتي كلُّها على فقه الحنفية.
وسوق التعبير يَدُلُّ عليها كأنها مفروعٌ عنها في نظر الشارع، فبنى عليها التعبير كأنه مسلّمٌ
ومعلومٌ، وبها يتأتَّى الإِنكار. فإِن فَرَضْنَا أن لا كراهة في: الجمع بين الصلاتين، أو تكرار
الفريضة مرتين، أو جعل الثنائية أربعًا، لا يكون في هذه العبارات رَدْعٌ وتوبيٌ.
بقي قوله: (فلا إذن) قال الشافعي: معناه: فلا بأسَ إِذن، فدلَّ على جواز قضاء ركعتي
الفجر إن لم يصلُّها قبل فرضه، وقال الحنفية رحمهم الله تعالى: معناه: فلا جوازَ إذن، إلَّا أنه
لا يَظْهَرُ فيه معنى الفاء، بخلاف ما اختاره الشافعية رحمهم الله تعالى، فإنها تكون فصيحةً.
فتردَّدت لنظيره حتى وَجَدْتُ في ((الكشاف)) قُدِّرَ بمثله في قوله تعالى: ﴿ أَفَسِحْرُ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا
نْصِرُونَ (9)﴾ [الطور: ١٥] دخلت الفاء فيها في موضع الإنكار. قال الزمخشري: معناه أمّا
معجزاتُ الأنبياء عليهم السلام فكنتم تَزْعُمُونها سِحْرًا، فما تَنْظُرُون الآن من أهوال المحشر،
فهي سِحْر أيضًا. وترجمته عندي (بهر بهى نهين). كما في الحديث: إنا كنا قد صلَّينا في

٢٥٨
كتاب الأذان
رِحَالنا، قال: فلا تَفْعَلا، إذ أتيتما مسجد جماعةٍ .... الخ. (يعنى بهر بهى نهين) يعني: لا
تفعلوا وإن كنتم صلَّيتم في بيوتكم، فالفاء في هذه المواضع كلّها في محل الإِنكار.
والجواب الصواب عندي: أنه لا تمسُّكَ للشافعية في هذه الأحاديث، لأن النبيَّ اَلّ إذا
سَبَقَ منه الإنكار مرةً دَلَّ على أنه لم يَرْضَ به. نعم لم يَتَعاقَبْ عليه فيما بعد، وأي حاجةٍ إلى
التعاقُب إذا أنكر عليه مرةً، وهذا كما رُوِيَ عن عائشةَ رضي الله عنها عند النَّسائي، في قصة
حجة الوداع: ((إني صُمْتُ يا رسول الله، وأفطرتُ، وأتممتُ فَقَصَرْتُ، فقال رسولُ اللَّهِ وَّ
أحسنتِ يا عائشة)) رضي الله عنها، مع أنه لم يَثْبُت الإتمام عن النبيِّ وَّ وخلفائه في السفر ولو
مرةً، حتَّى تأوَّل فيه عثمان رضي الله عنه وأتمَّ، فهذا نحو مسامحةٍ وإغماضٍ عمَّا صَدَرَ منها،
وهي لا تعلم المسألة، لا أنه استحسانٌ منه وإباحةٌ لِمَا فَعَلَتْهُ.
وأصرح حُجَّةً لنا في عدمٍ قضاء سنة الفجر بعد الفرض ما أخرجه أبو داود في باب المسح
على الخفين، وفيه: ((فلما سلَّم - عبد الرحمن بن عَوْف - قام النبيُّ ◌َّ﴿ فصلَّى الركعة التي سُبِقَ
بها، ولم يَزِدْ عليها شيئًا. اهـ. والظاهر أنه أراد نفي السنة، لا نفي سجدة السهو وإن بوَّب به
أبو داود. وحينئذٍ تأيَّد شرح قوله: ((فلا إذن)) من جهة صاحب الشرع نفسه.
٦٦٣ - قوله: (يُقَال له مالك ابن بُحَيْنَة) وهو خطأْ قطعًا، لأن بُحَيْنَة ليست أم مالك، بل
هي زوجته، وليس مالكٌ صحابيًا، فإنه لم يُسْلِم، ومات في الجاهلية، نعم ابنه عبد الله
صحابي، ويُحَيْنَة أمه، فينبغي أن يُرْسَم الابن بالألف، ويُقْرأ مالك بالتنوين هكذا: عبد الله بن
مالكِ ابن بُحَيْنَة، ليكون مالك أبوه، وبُحَيْنَة أمه، وهذا هو الصواب، وكان المناسب للبخاري
أن يُنَبِّهَ عليه.
٣٩ - باب حَدِّ المَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ
٦٦٤ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصِ بْنِ غِيَاتٍ قَالَ: حَدّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، قَالَ الأَسْوَدُ: كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَذَكَرْنَا المُوَاظَبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ
وَالتَّعْظِيمَ لَهَا، قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ،
فَأُذِّنَ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلِيُصَلِّ بِالنَّاسِ)). فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ رَجُلٌ أَسِيفٌ، إِذَا قَامَ
فِي مَقَامِكَ لَمْ يَسْتطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بالنَّاسِ، وَأَعَادَ، فَأَعَادُوا لَهُ، فَأَعَدَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: ((إِنَّكُنَّ
ـِ اللّه
صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)). فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى، فَوَجَدَ النَّبِيُّ :
مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَينٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُّانِ مِنَ الوَجَعِ، فَأَرَادَ أَبُو
بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيهِ النَّبِيُّ وَّهِ أَنَّ مَكَانَكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَىَّ جَنْبِهِ. قِيلَ
لِلأَغْمَشِ: وَكَانَ النَّبِيُّ وَ يُصَلِّيِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَّاتِهِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةٍ أَبِي
بَكْرٍ؟ فَقَالَ بِرَأْسِهِ: نَعَمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةً، عَنِ الأَعْمَشِ: بَعْضَهُ. وَزَادَ أَبُو
مُعَاوِيَةَ: جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْر يُصَلِّي قائِمًا. [طرفه في: ١٩٨].

٢٥٩
كتاب الأذان
٦٦٥ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَتْ عائشَةُ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَاشْتَّ
وَجَعُهُ، اسْتَأُذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنٍ تَخُظُ رِجْلَاهُ
الأَرْضَ، وَكانَ بَيْنَ العَبَّاسِ وَرَجُلٍ آخَرَ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عبدِ الله: فَذَكَرَّتُ ذلِكَ لاِبْنِ
عَبَّاسٍ ما قالَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَ لِي: وَهَل تَذْرِي مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عائِشَةُ؟ قُلْتُ: لَا ،َ
قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. [طرفه في : ١٩٨].
يريد به تحديد المرض المرخّص لترك الجماعة، ويمكن أن يُرَاد به الإيماء إلى تحديد
المسافة أيضًا، أي بكم مسافة يأتي المريض، والظاهر هو الأول.
واعلم أنه قد مرَّ الكلام في شركة النبيِّ ◌َ ﴿ في الصلوات بعدما تَقُلَ عليه، فقال البيهقيُّ:
إنه لم يشهد سبع عشر صلاة إحداها عشاء يوم الخميس، وأخرى فجر يوم الاثنين، والتزم أنه رِالخدمة
كان لاحقًا في فجر الاثنين(١) وقد دَخَلَ في ظهرٍ من تلك الأيام أيضًا. وتَبِعَهُ الزيلعيُّ في ذلكِ.
واختار الحافظ غيبته خمسة أيام، كما يَلُوح من حديث مسلم، وقد مرَّ الجمع بينهما، ولَم يُسَلِّم
الشركة إلَّا في ظهرٍ من تلك الأيام. وعندي ثبتت شركته في أربع صلوات، ولا أدَّعي أنها كانت
متواليات .
٦٦٤ - ([أَسِيفِ] نرم دل جو مغموم رهتاهو).
قوله: (صواحب يوسف) ولمَّا كانت عائشةُ رضي الله عنها تُضْمِرُ في نفسها أن لا يَتَشَاءَمَ
الناس بأبيها، ولم تكن تُظْهِرُه بلسانها، شَبَّهها بصواحب يوسف، حيث كُنَّ يَكْتُمْنَ ما في قلوبهن
أيضًا، ويُبْدِينَ غيره، فَيَلُمْنَ زَلِيخَا على حبِّها يوسف عليه السلام.
قوله: (فخرج يُهَادَى) ... الخ. يقول الحافظ رحمه الله تعالى إنه لم يَخْرُج في تلك
الصلاة، بل خَرَجَ في ظُهْرٍ من تلك الأيام، ويَلْزَمُه نقض السلسلة. قلتُ: بل خَرَجَ النبيُّ ◌َّه في
هذه العشاء، كما هو ظاهر السياق ولا حاجةً إلى النقض.
قوله: (حتى جَلَّسَ إلى جَنِْهِ ... وزاد معاوية: عن يَسَار أبي بكر رضي الله عنه) وهذا هو
الصحيح، لأن النبيَّ ◌َّ كان إمامًا في تلك الصلاة، وهذا هو موقف الإمام إذا كان خلفه، رجلٌ
وكان أبو بكر عن يمين النبيِّ ◌َّر، وهو موقف الفرد من الإمام. وعند ابن ماجه: ((جلس إلى
يمينه))، وهو غلطً، وهذا الحديث عندي من اثني عشر كتابًا، ويلزم عليه: إمَّا مخالفة موقف
أخذ
الإمام، أو كونه﴾ مأمومًا، وكلاهما خلاف الواقع. وفي حديث ابن ماجه: ((أن النبيَّ لَّ
القراءة من حيث تركها أبو بكرٍ رضي الله عنه)»، فلا أقل من أن تَفُوت عنه بعض الفاتحة،
فتمسّكْتُ منه على مسألة الحنفية، وبيَّنته مُفَصَّلًا في رسالتي بالفارسية.
بقيت مسألة الاستخلاف، فهي محمولةٌ عندي على خصوصيته ◌َّر على ما مرَّ: أنه لا
(١) قلتُ: ولي فيه تردُّد منذ زمانٍ، وما فهمته إلى الآن، ولعلَّ الله يُحْدِثُ بعد ذلك أمرًا.

٢٦٠
كتاب الأذان
يجوز لأحدٍ أن يَؤُمَّ النبيَّ إلَّا بتقريره، مع أنه جائزٌ إذا حُصِرَ الإمام وعند ابن ماجه: ((إن أبا بكر
رجلٌ حَصِرٌ))، فاسترحنا على هذا التقدير أيضًا. ثم إن بعضهم تمسّك من هذه الواقعة على
تسلسل الاقتداء إلى آخر الصفوف، كما يأتي في متن الصحيح: ((والناس مقتدون بصلاة أبي بكر
رضي الله عنه)) والجواب أنه اقتداءٌ لغويٌّ، فإِن المتأخّر يُقَال له المقتدي بالنسبة إلى المتقدِّم.
ولم يذهب إليه من السلف أحدٌ غير الشعبي، وابن جرير، وبعضٌ آخر (١).
٤٠ - بابُ الرُّخْصَةِ فِي المَطَرِ وَالعِلَّةِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي رَحْلِهِ
٦٦٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنُ عُمَرَ أَذَّنَ
بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحالِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وَّه كانَّ يَأْمُرُ المُؤَذِّنَ، إِذَا كَانَتْ لَيلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ، يَقُولُ: ((أَلَا صَلَّوا فِي الرِّحالِ)).
[طرفه في: ٦٣٢].
٦٦٧ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيع
الأَنْصَارِيِّ: أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مالِكِ، كانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَغْمَىَ، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلهُ: يَاً
رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلمَةُ وَالسَّيلُ، وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي
بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلَّى، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ فَقَالَ: ((أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ؟)) فَأَشَارَ إِلَى
مَكانٍ مِنَ البَيتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ وََّ. [طرفه في: ٤٢٤].
وهو عذرٌ للجمعة عند فقهائنا أيضًا. ولكن استفتِ قلبكَ أولًا، فإِنه خيرُ مُفْتٍ، وإن
للإِنسان على نفسه بصيرةٍ، ولو أَلْقَى معاذيره.
٦٦٦ - قوله: (أَلَا صَلُّوا في الرِّحال)، ولعلّه نُودِي به عند تمام الأذان ثم إن النبيَّ
رخّص لعِتْبَان الأعمى في ترك الجماعة، ولم يُرَخِّص لابن أمِّ مكتوم، لأنه أحبَّ لابن أمِّ مكتوم
أن يعمل بالعزيمة، ورخّص لعِتْبَان أن يَعْمَل بالرُّخصة، هكذا قال الشّاه ولي الله في ((حجة الله)).
(١) واعلم أن محمد بن جرير، ومحمد بن خُزَيْمة، ومحمد بن نَصْر، ومحمد بن المُنْذر يُقَال لهم: المحمدون
الأربعة، كانوا في عصرٍ واحدٍ، وكتب السيوطي: أن ابن جرير أَوْصَى أن يُؤَدَّى عنه قيمة ألف رَظْل من المِدَادِ
التي كانت عليه، وكان صنَّف تفسيرًا في ثمانية آلاف ورقة. ولم يكن أَعْلَمَ أحدًا، حتى إذا أتمَّه أَخْبَرَ أصحابه،
فأَظرَقُوا رؤوسهم كأنهم تفكّروا في من يكون قادرًا على مطالعة تلك المجلدات الضخمة، فتأسَّف عليه ابن جرير
لما رأى من تكاسل الطبائع وقلة رغباتهم في العلم، فلخّصها في سبعة آلاف ورقة، وهي التي تداولها العلماء
إلى زماننا هذا، كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز من كلام الشيخ رحمه الله تعالى.
هذا وما بعده: سبعة آلاف ورقة، خطأ في الضبط، أو اشتبه الصوت على السامع، فإن الذي حكاه الشيخ تاج
الدين السُّبْكي في ((الطبقات))، وعنه صاحب ((كشف الظنون)): أنه صنّف أولاً تفسيرًا في ثلاثين ألف ورقةً، ثم
اختصره في ثلاثة آلاف ورقة، وهو الموجود المطبوع بأيدينا اليوم في ثلاثين مجلدًا، وليراجع ما ذكرته في ((يتيمة
البيان لمشكلات القرآن)). (البنوري عُفِيَ عنه).