النص المفهرس
صفحات 201-220
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَى الرَّحِيمَةِ ١٠ - كِتَابُ الأَذانِ(١) ١ - بابُ بَدْءِ الأَذَانِ وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذَا تَدَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ أَتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَعِبَأْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْهٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾. [المائدة: ٥٨]، وَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]. ٦٠٣ - حدّثنا عِمْرَانُ بْنُ مَيسَرَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ، فَذَكَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، فَأَمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُؤْتِرَ الإِقَامَةَ. [الحديث ٦٠٣ - أطرافه في: ٦٠٥، ٦٠٦، ٦٠٧، ٣٤٥٧]. ٦٠٤ - حدّثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيج قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعْ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: كَانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ، يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَُّونَ الصَّلَاةَ، لَيسَ يُنَادَى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَل بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِيَ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((يَا بِلَالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ)). ٢ - بابٌ الأَذَانُ مَثْنَى مَثْنَى ٦٠٥ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةِ إِلاَّ الإِقَامَةَ. [طرفه في: ٦٠٣]. (١) أمَّا التأذين شُرِعَ من أجل رؤيا عبد الله، أو بوحي من السماء، أو الاجتهاد. فما يَدُلُّ على أنه كان من الوحي ما رواه عبد الرَّزاق في ((مصنَّفه))، وأبو داود في ((المراسيل)): ((أن عمر رضي الله عنه لمَّا رأى الأذان جاء ليُخْبر به النبيّ وَّ، فوجد الوحيّ قد وَرَدَ بذلك، فقال رسول الله وَلِّ: ((قد سَبَقك الوحيُّ)). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ((فتح الباري)): إن هذا المُرْسَل أصحُ مِمَّا حكى الداودي ... إلخ، كذا في ((السعاية)). ثم أكثر أصحابنا رحمهم الله تعالى إلى أنه سنةٌ، وما رُوِيَ عن محمد رحمه الله تعالى: ((أن أهل قريةٍ لو تَرَكُوا الأذانَ لقاتلناهم، فلا دليلَ فيه على الوجوب، كما فَهِمَه ابن الْهُمَام رحمه الله تعالى. وكذا لا دليلَ فيما رُوِيَ عن عليّ بن الجَعْد، عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى كما في ((الدراية)): أن من صلَّى الظهر والعصرَ في الحَضَر بلا أذانٍ وإقامة، فقد أخطأ السنة وَأَثِمَ. لجواز أن يكون الإثم لتركهما معًا. وقد بَسَطَّ الكلامَ فيه ابن نُجَيمٍ في ((البحر))، وأَجَابَ عمَّا تمسَّك به ابن الهُمَام رحمه الله تعالى. اهـ. ملخّصًا من ((السعاية)). ٢٠١ ٢٠٢ كتاب الأذان ٦٠٦ - حدّثنا مُحَمَّدٌ - وهو ابن سلام - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ، قَالَ: ذَكَرُوا أَنْ يَعْلَمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ بِشَيءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أَنْ يُورُوا نَارًا، أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ. [طرفه في: ٦٠٣]. ٣ - بابُ الإِقَامَةُ وَاحِدَةٌ إِلاَّ قَوْلَهُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَةُ ٦٠٧ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قال: حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَّسٍ قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ. وقَالَ إِسْماعِيلُ: فَذَكَرْتُ لِأَيُّوبََ فَقَالَ: إِلَّ الإِقَامَةَ. [طرفه في: ٦٠٣]. قوله: (بَدْء الأذان)، وهو كقوله: بَدْء الوحي، وقد مرَّ الكلام في تحقيق معناه. ﴿هُزُواً وَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨] (هنسى أوركهيل). قوله: (﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ﴾﴾ [الجمعة: ٩] ... إلخ. واعلم أني متردِّدٌ في أذان يوم الجمعة أنه كان بهذه الكلمات، أو بطريقٍ آخر، لأن أول ما دَخَلَ النبيُّ ◌َّ في المدينة صلّى الجمعة في بني سَالِم. وشرعية الأذان وإن كانت في السنة الأولى(١)، لكنها بُعَيْد هذه الجمعة لمَّا شَاوَرَ النبيُّ وَِّ أصحابَهُ، ثم كان من أمرهم ما كان. واعلم أن الصلوات وإن صُلِّيَت بمكة، إلَّا أنهم لم يكونوا في مَكْنَةٍ من تشهيرها، فلمَّا دَخَلُوا المدينة واطمأنُّوا بها، شَاوَرُوا لتشهيرها، حتى نَقَلَ عبد الله بن زيد رؤياه. وذكر المحدِّثُون أنه رأى مثلها آخرون أيضًا، إلّا أن عبد الله بن زَيْد لمَّا سَبَقَ برؤياه إلى النبيِّي وَهل نُسِب إليه، وممَّن رأى مثلَه عمرُ رضي الله عنه، غير أنه لمَّا رأى عبد الله بن زيد سَبَقَ به لم يَقْصَّها على النبيِّ وَلِّ حتى سَمِعَ التأذين. وما في بعض الرِّوايات: ((فقال عمر رضي الله عنه: أَوَلا تبعثون رجلًا يُنَادي بالصلاة، فقال ◌َ له: يا بلال قُمْ فَنادٍ)) ... إلخ، فإنه يَدُلُّ على أن بَدْء (١) والروايات التي تَدُلُّ على أن التأذين شُرعَ ليلة المعراج، فقد حَكّم عليها المحدِّثون بالضَّعْفِ، كما بُسِطَ في (السعاية)) نقلًا عن ((المبسوط))، وكذا ما رُوِيَ في شرعيته بمكة قبل الهجرة. نعم في تاريخ الإمام الكَازَرُوني عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، وزيد بن أسلم، وسعيد بن المسيِّب قالوا: ((كان الناس على عهد رسول الله ◌َ ليّ قبل أن ينادى بالأذان، ينادي منادي رسول الله: الصلاةُ جامعةٌ، فَيَجْتَمِعُ الناس، فلمَّا صَرَفَ القبلةَ إلى الكعبة، أَمَرَ بالأذان)). فعلى هذه الرواية يكون الأذانُ قد وَقَعَ في السنة الثانية، لأنه قد صحَّ أن رسولَ الله ◌َّهِ صلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا. اهـ. كذا ذكره صاحب ((السعاية)). ونُقِلَ عن السُّهَيْلِي أنه قال: ((حكمة ترتّب الأذان على رؤيا رجل دون باقي الأحكام، وقول النبيِّ ◌َّ: «إنها لرؤيا حق): أنَّ النبيَّ ◌َّ قد أُرِيَ الأذان ليلة الإسراء على ما رواه البزَّار عن عليّ رضي الله تعالى عنه، وهذا أقوى من الوحي. فلمَّا تأخّر الأذانُ إلى المدينة، وأراد إعلام الناس بوقت الصلاة، لَبِثَ الوحيُ حتى رأى عبد الله الرؤيا، فَوَافَقَت ما رآه النبيُّ ◌َِّ، فلذلك قال: ((هذه رؤيا حق إن شاء الله تعالى)). وعُلِمَ أن مراده بما رآه في السماء أن يكونَ سنةً في الأرض، كذا في ((السعاية)) باب الأذان ملخّصًا، وتعقّب عليه الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى. ٢٠٣ كتاب الأذان الأذان كان بقول عمر رضي الله، فأجاب عنه الحافظ رحمه الله: أن هذا الأذان لم يكن بالكلمات المعروفة، بل أراد به مُظْلَق الإعلام. وثَبَتَ عن بلال رضي الله عنه: أنه كان ينادي بالصلاة جامعة إلى أيام، حتى رأى عبد الله بن زَيْد رُؤْيَاه، وحينئذٍ شُرِعَ الأذان المعروف. وأيَّدَه بأثرين، وَوَجَدْتُ لهما مُتَابِعًا آخر. فهذا الشَّرْحُ هو المختار عندي، وإن نَازَع فيه العَيْنِي رحمه الله تعالی. ٦٠٣ - قوله: (فَأَمِرَ بلالٌ) ... إلخ، هكذا يُرْوَى بصيغة المجهول في جميع الطُّرُق. وأراد الحافظ رحمه الله أن يعيِّن الفاعلَ والآمرَ مَنْ هو؟ فأتي بروايةٍ تَدُلُّ على أنه النبي ◌َّر. قلت: وعلَّلها أبو حاتم، وقال: إن هذا اللفظ وَهْمٌ، فتفكّرْتُ فيه إلى سنين حتى تبيَّن لي حقيقةً الحال، وهو: أن أنسًا رضي الله عنه لم يكن حاضرًا عند أمر النبيِّ ◌َّر بلالًا رضي الله عنه بالشافعية والوِتْرِيّة، وإنما رآه فيما بعد يُوتِرُ ويُشْفِع في أذانه، فَحُمِلَ على أنه لا يمكن إلّا أن يكون فيه عنده أمرٌ من جهة النبيِّ ◌ََّ، فلفَّ الفاعل لهذا. ولو حَضَرَ عند أمر النبيِّ بَّر بلالًا رضي الله عنه وشاهده، لأَسْنَدَ إليه البَّة، ولكنه لمَّا لم يشاهده يأمره، وإنما هو أمرٌ فَهِمَه من عند نفسه وإن كان صوابًا، احتاط فيه، وأحبَّ أن لا يَنْسِبَ إلى النبيِّ ◌َّ﴿ ما لم يشاهده به، فأتى بالمجهول لهذا . والغرض من هذا التحقيق أنه لو أَظْهَر الفاعل، لكان دليلًا صريحًا على أن أذانَ بلال رضي الله عنه وإقامتَهُ، كان على أذان الملك النَّازِلِ من السماء وإِقَّامته لكونه ◌ِقِيبَه بِأَمْرِهِ. ولمّا لم تكن عنده مشاهدة بأمر النبيِّ ◌َ﴿ إذ ذاك صراحةً، وإنما شاهده يؤذِّنُ ويقيم فيما بعده بزمنٍ، فحكاه كما شاهده، أمكن أن يكونَ على خلاف شاكلته أيضًا(١). تَرْجِيعُ الأَذَانِ وإِفْرَادُ الإِقَامَةِ واعلم أن الكلامَ في الأذان في موضعين: الأول في كلماته، والثاني في صفته. وهي عندنا: خمسةَ عشرَ كلمةً بتربيع التكبير وحَذْفِ التَّرْجِيع، وعند الشافعية رحمهم الله تعالى: تسعةً عشرَ كلمةً مع التربيع والتَّرْجِيع، وعند مالك رحمه الله: سبعةَ عشرَ مع تَثْنِيَة التكبير وترجيح الشهادتين. ويُرْوَى تثنية التكبير عن أبي يوسف رضي الله عنه أيضًا، كما في ((الدُّرِّ المختار)). قلت: أمّا تَثْنِيَة التكبير، فقد رُوِيَ عن أبي يوسف كما عَلِمْتَ. وأمَّا التَّرْجِيع، فصرَّح صاحبُ (البحر))(٢) أنه ليس بسنةٍ ولا مكروهٍ، وبه أُفْتِي. وفي ((ملتقى الأبحر)): أنه مكروهٌ، والصواب كما في ((البحر)). (١) قلتُ: فافهم مَدَارِك الشيخ رحمه الله تعالى، وذُقْ أذواقه، ولا تُسْرع في الرَّدِّ والقَبُول. فإن كنتَ لا تستطيع أن تَدْخُلَ في مثل هذه الأمور من عند نفسكَ، فخُذْهَا عَمَّن رَزَقَهَا الله، فوالله إنها لعلمٌ، فلا تَمْتَرُنَّ بها. (٢) قال في ((البحر)): الظاهر من عباراتهم أن التَّرْجِيعَ عندنا مباحٌ فيه، ليس بسنةٍ ولا مكروهٍ ... إلخ. قال مولانا عبد الحي رحمه الله تعالى: والذي يَظْهَرُ لي أنه خِلَافُ الأَوْلى، وعليه يُحْمَلُ القول بالكراهة، أي كراهة تنزيه. وسبقني بمثله صاحبُ ((النهر))، فنشكره. ٢٠٤ كتاب الأذان والتَّرجِيعُ عبارة عن خَفْضِ الشهادتين مرَّةٌ، ورفعها أخرى. وأمَّا التَّرْجِيعُ بمعنى تَرْجِيع الصوت كصوت الغناء، فإنه لحَنٌ ممنوعٌ، ولا شكَّ أن الأذانَ بمكة كان بالتَّرْجِيع حتى تسلسل إلى زمان الشافعي رحمه الله تعالى، فاختاره لهذا، فلا يمكن إنكاره، ولا يُسْتَحْسَن تأويله، كيف، وقد كان يُنَادَى بهِ على رؤوس المنائر والمنابر، فلا خلاف فيه عند التحقيق إلَّ في الأفضلية، وإن كان التأويل أيضًا ممكنًا، ذكره الطَّحَاويُّ (١)، وصاحب ((الهداية))، وابنُ الجوزي بثلاث عبارات، ومآلها إلى أمرٍ واحدٍ، فإن شِئْتَ، فارجع إليه. قال عامة الحنفية: إن حُجَّتَنا في تَرْك التَّرْجيع: أذان بلال رضي الله عنه، وفي شفع الإقامة: إقامة أبي مَحْذُورَة. قلت: والأجودُ عندي ما عبّر به صاحب ((الهداية)): أن حُجَّتَنا أذان المَلَك النازل من السماء وإقامته، وما في بعض طُرُقه من الإِيتار يُحْمَلُ على الاختصار ولا بُدَّ، فإنه قد ثَبَتَ عنه الشَّفْعُ، وذلك لأنه الأصلُ في الباب. نعم، ولنا أذان بلال أيضًا، فإنه أذَّن بمحضر النبيِّ وَّ في مسجده إلى عشر سنين بلا تَرْجِيع، وذلك هو أذانه بعدما رَجَعَ النبيُّ وَّر من فتح مكة شرَّفها الله تعالى، وقد كان علَّم هناك أبا مَحْذُورَة التَّرْجِيع، فلو كان التَّرْجِيعُ أفضل لعلَّمه بلالًا رضي الله عنه أيضًا، ولكنه تَرَكَ الأَمرَ على ما كان، ولم يُحْدِث في أذانه شيئًا جديدًا، فَعَلِمْنا أن السنةَ في الأذان هي التركُ، ولعلَّه كان بمكة لكونه أليق بحالهم، إذ كان المسلمون لا يَقْدِرُون بها أن يؤدُّوا صلواتهم جِهَارًا، فكيف بالنداء؟ فلمَّا فَتَحَ اللَّهُ مكةَ نَاسَبَ أن يُعْلِنَ بالشهادتين جِهَارًا ومِرَارًا ليُعْلَمَ أن الزمانَ قد انْقَلَبَ إلى هيئته بالأمس، فاسْتَحْسَنَ فيها التَّرْجِيعَ لهذا. ولو كان التَّرْجِيعُ من سنَّة نفس الأذان لَمَا تركه في مسجده أبدًا، لا سِيَّمَا بعدما أَلْقَاه على أبي مَحْذُورَة وعلَّمه، ولكنه استمرَّ العملُ في مسجده على الترك. وخَرَجَ منه أصلٌ مهمٌ، وهو: أن الشيءَ الوجوديَّ قد يكون من جِنْسِ العبادات كالشهادتين، ثم قد يترجَّح تركه على فِعْلِهِ، ولا يتأتَّى فيه أن يُقَال: إن الوجوديَّ عبادةٌ، فَتَرْكُه تَرْكُ للعبادة، فلا يكون إلَّا مفضولًا كما رأيت في التّرْجِيع، فإن النبيَّ ◌ََّ رَجَّحَ التَّرْكَ. ونحوه (١) قال الطَّحَاوِيُّ في ((معاني الآثار)): فاحتمل أن يكونَ التَّرْجِيعُ الذي حكاه أبو مَحْذُورَة رضي الله عنه إنما كان لأن أبا مَحْذُورَة لم يَمُدَّ بذلك صوته على ما أراده رسولُ الله ◌َّر، فقال له: ((ارجع فامدد من صوتك)). وأجاب عند الدَّبُوسِي في ((الأسرار))، وَتَبِعَهُ الأكمل، وغيرُهُ من شُرَّاحِ ((الهداية)) من أن النبيَّ نَّ أمره بذلك لحكمةٍ رُوِيَتْ في قصته، وهي: أن أبا مَحْذُوْرَة كان يَبْغُضُ رسول الله وَّر قبل الإِسلام بُغْضًا شديدًا، فلمَّا أسلم أمره رسول الله وَّ وَعَرَكَ أذنه، وقال له: ((ارجع وامدد بها من صوتك))، ليعلم أنه لا حياءً من الحق، أو ليزيده محبةً لرسول الله ◌َِيل بتكرير كلمات الشهادتين، وتعقبه العَيْنِي رحمه الله تعالى. وأجاب عنه صاحب ((الهداية)): أنه رَّهِ أَمَرَ أبا مَخْذُورَة بالتكرار حالة التعليم، ليحسن تعلُّمه، كما كان عادة النبيِّ ◌َّة أنه إذا علَّم أحسن في التعليم، فظنّه أبو مَخْذُورَة رضي الله تعالى عنه تَرْجِيعًا، وفيه ما فيه. وأجاب عنه ابن الهُمَام رحمه الله تعالى: أن التّرْجِيْعَ لم يُذْكَر في أذانه عند الطبراني في «الأوسط)»، فتعارضا، وهو أيضًا مخدوشٌ، كذا في ((السعاية)). اهـ ملخصًا .. ٢٠٥ كتاب الأذان أقول في رفع اليدين: إنه وإن كان شيئًا وجوديًا، ونَقَلُوا في فضائلِهِ أشياء، إلَّا أنه يمكن أن يترجَّح تركه كترك التَّرْجِيع، فلا يُقَال: إن تركَ الرفع كيف يكون راجحًا مع كونه ترك عبادة؟ والسرُّ فيه: أن الفَضْلَ إنما هو فيما استمرَّ عليه عملُ النبيِّ ◌َّرَ، أو انتهى إليه سواء كان وُجُوديًا أو عدميًا، فإن الانتهاءَ عند النهي عبادةٌ كالائتمار عند الأمر، مع أنه وَرَدَ عن أبي مَحْذُورة التركُ أيضًا، والكلامُ فيه مُظْنَبٌ، تركناَهَ لا نجلاء ترجيح الترك عند المصنّف(١). وأما صفته: فسُنَّ الوقف فيه على كلمة كلمة، غير أن التكبيرَ مرتين بمنزلة كلمةٍ واحدةٍ. والمراد من الوقف: هو الاصطلاحي، والمأثور(٢) في كلماته سكون أواخرها. وعن المُبَرَّد: الله أكبر - بفتح الراء أيضًا - ولا تُسَاعِدُه الرواية. ثم هذا الوقف تَرَسُّل، أي أداء كل كلمةٍ في نَفَسٍ غير التكبير هو سنةُ الأذان، فلو حَدَرَ فيه وجمع بين كلمتي الأذان، اختلف فيه المشايخ: وفي ((قاضيخان)): أنه يعيده، وهو المختار عندي. وفي عامة كُتُبنا عدم الإِعادة، ثم إن محمدًا رحمه الله تعالى كَشَفَ عن معنى الترسُّل حين ناظر أهل المدينة في تثنية التكبير، فقال: إن المراد بها التثنية في النَّفَس دون الكلمات. والحَذْرُ: أن يَجْمَعَ بين الكلمتين في نَفَسٍ، فَيَجْمَعُ التكبير أربع مراتٍ في نَفَسٍ، ثم صَرَّح أن خلافَه خلافُ السُّنة. قلت: وبه يُشْرَحُ قوله وَّ: ((وأن يُوتِرَ الإِقامة)»، أي الإيتار في النَّفَسِ والصوتِ، لا في الكلمات، إلَّا أنه يَخْدِشُهُ الاستثناء إلَّ الإِقامةَ، كما في بعض الروايات. وحينئذٍ يَلْزَمُ أن تكونَ السُّنةُ في لفظ: ((قد قامت الصلاة)): أن يتلفّظَ به في نَفَسَيْن، وليس كذلك، ولم يتوجَّه إلى جوابه أحدٌ. قلت: والجواب عندي: أنه ليس باستثناء مما يُفْهَمُ من الظاهر، بل هو استثناء من مفهوم (١) قلتُ: ولي من عند نفسي ههنا شيءٌ، وهو: أني لا أحْفَظُ في واحدٍ من أحاديث إجابة المؤذن الترجيعَ مع ذكر جميع كلمات الأذان فيها من الأول إلى الآخر، وأكثرها أحاديث قوليَّة، فبناؤها على الترك. ولم أرَ أحدًا تنبّه له، فلو ثَبَتَ هذا في جميع الأحاديث لكان قويًا، وعُذْر الاختصار فيه عذرٌ باردٌ. (٢) قال مولانا عبد الحي في ((السعاية)) بعدما بَسَطَ الكلام فيه: إن الحاصل فيه أربعة أقوال: الفتح كما هو مختار الدَّمَامِينِي وهو مختار صاحب ((الروضة))، وتَبِعَهُ الحَضْكَفِي. والضم كما هو مختار ابن هشام في ((المغني))، ومَالَ إليه القُهْسَتاني. والسكون بغير حركة على ما هو ظاهر كلام الشُّرُنْبُلالي والزَّيْلَعِي. والتخيير بين أن يضم وبين أن يجزم كما نقله صاحب ((البحر)) عن ((جامع المضمرات))، واختاره السيد الّخطاوي في حواشي ((الدر المختار)). والحق هو: القول الأول. وقد صنّف الشيخ عبد الغني النَّبُلْسِي في هذه المسألة رسالةً سمَّاها: ((تصديق من أَخْبَر بفتح راء الله أكبر)). خلاصة ما ذكره فيها: أن السُّنة أن يُسَكِّن الراء أو يصِلَها، فإن سكَّنها كفى ذلك، وإن وَصَلها نَوَى السكون فحرَّك الراء بالفتحة، فلتُرَاجَع. فإن قلتَ: لِمَا اخترتِ الفتح، فما معنى الحديث المشهور: الأذانُ جَزْمٌ ... )) الحديث. فإنه بظاهره يُؤَيِّد ما يُسْتَفَادُ من كلام الشُّرُنْبُلالي. قلتُ: معناه: أن لا يَمُدَّ كما ذكره الرافعي، ويُؤَيِّده روايته: ((جذم)» - بالذال المعجمة . فرعٌ: يقف على حيَّ على الصلاة، هكذا سُمِعَ، وكذا على حيَّ على الفلاح. كذا في ((المضمرات)). اهـ من باب الأذان. ٢٠٦ كتاب الأذان الكلام، وهو أنه لا فرقَ بين كلمات الأذان والإقامة إلَّ بالشَّفْعِيَّة والوِتْرِيَّة غير: ((قد قامت الصلاة))، فإنه ليس في الأذان. فالاستثناء مما يُفْهَمُ من الاتحاد بين كلماتهما، على أن المالكية حَكِمُوا عليه بالإِدراج، والله تعالى أعلم بالصواب. بقيت الإقامة، ففيها أيضًا خِلافٌ، فقال الإمامُ الأَعظمُ: إن كلماتها مثل الأذان، وقالت الثلاثةُ: بالإيتار فيها إلَّ بقوله: قد قَامَت الصلاةُ، وعند مالك رحمه الله تعالى: الإِقامة أيضًا مرةً. فينبغي عند مالك رحمه الله تعالى: عشر كلمات، وعند الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى: إحدى عشر كلمة، وعندنا: سبعة عشر كلمة. ولنا فيه ما رُوي عن أبي مَحْذُورَة، فإنه كان يُقِيمُ مَثْنَى مَثْنَى. وكذلك كانت إقامة المَلَك عند أبي داود. وما في بعض طُرُقه من الإفراد، فيُحْمَل على أنه إحالةٌ على المعهود، ولا بُدَّ، لأنه واقعةٌ واحدةٌ. وطريقُ الاختلاف مسلوٌ كما عند مسلم عن عمر رضي الله عنه في جواب الأذان، وهو محمولٌ على الاختصار عندهم جميعًا، وهذه صورته: عن جدِّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّله: ((إذا قال المؤذنُ: الله أكبر الله أكبر، قال أحدُكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهدُ أن لا إله إلّ الله، قال: أشهدُ أن لا إله إلّ الله، ثم قال: أشهدُ أن محمدًا رسول الله، قال: أشهدُ أن محمدًا رسول الله))، وهكذا إلى آخر الأذان بإفراد الكلمات. على أنه أخرج الطَّحَاوِيُّ عن بلال التَّثْنِيَة في الإِقامة أيضًا، وأقرَّ به الشيخُ تقي الدين بن دقيق العيد، ورَاجِعْ له ((تخريج الهداية)) للزَّيْلَعِي رحمه الله تعالى. قال الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى: ادَّعى الطَّحَاويُّ التواترَ في تَثْنِيَة الإِقامة عن بلال رضي الله عنه. قلت: ولم أجده في ((معاني الآثار))، نعم يُسْتَفَاد منه التواتر على ترك التَّرْجِيع، فيُمْكِن أن يكون قد اختلط عليه، فكان التواترُ بترك التَّرْجِيعِ، فَنَقَلَّهُ في تَثْنِيَة الإِقامة، إلَّا أن يكون في تصنيفٍ آخر له غير ((معاني الآثار))، فإن الطحاويَّ كثيرُ التصانيف، وأكبرُ ظني أنه في ترك التَّرْجِيع، والله تعالى أعلم. وقال الشيخ نور الدين الطرابلسي (١) - وهو متأخّرٌ عن الشيخ ابن الهُمام رحمه الله تعالى -: (١) وَصَنَّفَ الطرَّابُلْسِي متنا في الفِقْه أولًا، ذكر فيه فِقْهَ المذاهب الأربعة، غير أنه أَشَار إليهم بطريق الرمز، كصاحب (الكنز)). وإن كان بين رمزيهما فرقٌ. ثم شَرَحَه ولَخَّص فيه أحاديث من كتاب الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى، وسمَّاه: ((البرهان شرح مواهب الرحمن)). ولا جَرَمَ أن الكتابَ مفيدٌ، ذَكَرَ فيه من الجزئيات والدلائل قدرًا كافيًا، ويوجد في الهند مخطوطًا. وكذا الطَّبي أيضًا يوجد، وهو أحسن الشروح باعتبار النكات العربية، وإن لم يكن ((مصنّفه)) حافظًا. أما فضل الله التُّورِبِشْتِي شارح ((المصابيح)) فمن كبار الحفّاظ، وهو حنفي لا كما زُعِمَ. وبالجملة: الإيتارُ جائزٌ عندنا، ومختارٌ عندهم. بقي التّرْجِيع، فهو عندنا ليس بمستحبُّ ولا مكروهٍ، وما ذُكِرَ في مُلتقى الأبحر)) من الكراهة، فلا يُعْتَمَدُ عليه، والصواب كما في ((البحر الرائق)). وهكذا الخلاف في جهر آمين، ورفع اليدين، فإنه ليس في الجواز فإنه متفقٌ عليه كما صرَّح به السيد الجُزجاني الحنفي في ((حاشية الكشاف))، والشيخ محمد البِزكلي في ((تفسير سورة الفاتحة))، ونور الدين في ((البرهان))، وإن قال غيرهم بكراهة الجهر. ومثله أقول في رفع اليدين، ففي ((البدائع)): إنه مكروه، والصواب عندي كما في ((أحكام القرآن)): أن الخلافَ فيه أيضًا يَرْجِعُ إلى الاختيار لا إلى الجواز، كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز من كلام الشيخ رحمه الله تعالى. ٢٠٧ كتاب الأذان إن الإيتارَ كان بيانًا للجواز، فدلَّ كلامُهُ على جواز الإیتار عندنا، ولم أجد التصريحَ به في کلام أحدٍ من الحنفية غير ما صرَّح به الشيخ المذكور في ذيل كلامه. وهذا أيضًا ليس في صورة المسألة، بل في سِيَاق الجواب، والبخاري اختار أذانَ الحنفية وإقامة الشافعية رحمهم الله تعالى. وحاصل الكلام: أن بلالًا رضي الله عنه لم يَثْبُت عنه الترجيع في الأذان، وكذلك المَلَك النازل من السماء، نعم ثَبَتَ في أذان أبي مَحْذُورة، فلا بدَّ أن يُقَرَّ بالأمرين، أي الترجيع وعدمه، ويجري الكلامُ في الاختيار فقط. ومَنْ أراد منَّا نفي التَّرْجِيع رأسًا، فقد تَطَاوَل وخَرَجَ عن حِمَى الحق، فإنه ثابتٌ بِطُرُقٍ لا مَرَدَّ لها. بقيت الإِقامةُ، فهي عند أبي مَحْذُورة والمَلَكِ النازل: مَثْنَى مَثْنَى، وعند بلال بالإِيتار، وثَبَتَ عنه مَثْنَى أيضًا. هذا حال الأحاديث ممَّا هو على رسم الحسن أو الصحيح، أمَّا الضِّعَاف، ففيها اختلافٌ. وبالجملة لم يَسْنَخْ لي ترجيح التثنية بَعْدُ مع ثبوت كلا الأمرين قَطْعًا . ٤ - باب فَضْلِ التَّأْذِينِ ٦٠٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نََّ قَالَ: ((إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ، أَذْبَرَ الشَّيطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأُذِينَ، فَإِذَا قَضى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا تُوِّبَ للصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضى التَّغْوِيبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى)). [الحديث ٦٠٨ - أطرافه في: ١٢٢٢، ١٢٣١، ١٢٣٢، ٣٢٨٥]. ٦٠٨ - قوله: (له ضُرَاط)، وفي بعض الألفاظ: (له حُصَاص))، وهو قبض الأذنين كما يَقْبِضُ الحمار. لا يُقَال: (١) ما بالُ الشيطان يَفِرُّ من الأذان ولا يَفِرُّ من الصلاة، حتى يَخْطُرَ بين (١) وقد ذَكَرَ الحافظ في جوابه نُكَاتِ تفوق إحداها على الأخرى. منها: ما نَقَلَ عن ابن الجوزي: أن للإنسان هيبةً يشتدُّ انزعاج الشيطان بسببها، لأنه لا يكاد يَقَعُ في الأذان رياءٌ ولا غفلةٌ عند النطق به، بخلاف الصلاة، فإن النفسَ تَحْضُر فيها، فيفتح لها الشيطانُ أبوابَ الوسوسة. وقد ترجم عليه أبو عَوَانة: الدليل على أن المؤذِّن في أذانه وإقامته منفي عنه الوسوسة والرياء لتباعُدِ الشيطان عنه، وفيه نُكات أخرى فأخرى. نعم ههنا فائدةٌ ذَكَرَهَا الحافظ رحمه الله تعالى عن ابن بَظَّال: قال ابن بطَّال: يُشْبِهِ أن يكون الزَّجْرُ عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذِّن المؤذنُ من هذا المعنى، لئلا يكون متشبّهًا بالشيطان الذي يَفِرُّ عند الأذان. ثم ذكر الحافظ رحمه الله تعالى ههنا تنبيهين، نذكر واحدًا منهما، قال: فَهِمَ بعضُ السلف من الأذان في هذا الحديث الإتيان بصورة الأذان، وإن لم تُوجد فيه شرائط الأذان: من وقوعه في الوقت، وغير ذلك. ففي ((صحيح مسلم)) عن رواية سُهَيْلٍ بن أبي صالح، عن أبيه أنه قال: ((إذا سَمِعْتَ صوتًا، فناد بالصلاة)). واستدلَّ بهذا الحديث ملخصًا. ٢٠٨ كتاب الأذان المرء ونفسه مع كونها أفضل؟ قلتُ: وهذا من باب الخصائص، فللأذان(١) خواصٌّ، كما إن للصلاة خواصٌّ أخرى تَلِيقُ بشأنها. ولعلَّ الوجهَ أن الأذانَ يُبْنَى على الإِعلان والصَّدْع بالشهادتين، فلا يتحمّله الشيطان، أمَّا الصلاة فمناجاةٌ مع ربه، فحقيقةُ الصلاة وإن جَلَت إلَّا أنها ليست بحيث لا يمكن للشيطان تحمُّلها، بخلاف حقيقة الأذان، فإنها ممَّا لا يستطيع أن يتحمَّلها الشيطان. فهذا الفرق يُبْنَى على تَغَايُرِ الحقيقتين لا على الفضل. على أنه وَرَدَ في الأحاديث: ((إنَّ المؤذِّن يَشْهَدُ له كل رَطِبٍ وَيَابسٍ يوم القيامة))، وهذا اللعين لا يحب أن يَشْهَد لأحدٍ من المؤمنين. ونَقَل الحافظُ ابن حجر رحمه الله تعالى فيه حكايةً في مناقب الإمام الأعظم رحمه الله تعالى، فقال: ومن ثَمَّ اسْتَنْبَطَ أبو حنيفة رحمه الله تعالى للذي شَكًا إليه أنه دَفَنَ مالًا، ثم لم يهتدٍ لمكانه: أن يُصَلِّي ويَحْرِصَ أن لا يحدِّث نفسه بشيء من أمر الدنيا ففعل، فَذَكَر مكان المال في الحال. انتهى. قلت: ما لك يا ابن حجر، فإنك تأتي بمناقب الإمام في مثل هذه الأمور، فإذا حَمِيَ وطيسُ المسائل تُعْرِضُ عنه كشحًا . قوله: (ثُوِّب) ويمكن عندي أن يكونَ التثويبُ مأخوذًا من الثَّوْبِ على عادتهم في الجاهلية، فإنهم كانوا يحرِّكُون ثيابهم على طَلَلٍ عند مهيعة، ثم اسْتُعْمِل في مطلق الإعلام. وفي عُرْف الفقهاء هو الإعلام بين الأذان والإقامة، وهذا مختلِف في البلاد والزمان، وأجازه أبو يوسف رحمه الله تعالى للقضاة، ومن ازدحمت عليه المسائل. ٥ - باب رَفعِ الصَّؤْتِ بِالنِّدَاءِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: أَذِّنْ أَذَانًا سَمْحًا، وَإِلَّا فَاعْتَزِلنَا. ٦٠٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَةً: أَنَّ أَبَا سَعِيدِ الخذْرِيَّ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ ((لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ)). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ. [الحديث ٦٠٩ - طرفاه في: ٣٢٩٦، ٧٥٤٨]. قوله: (سَمْحًا): يعني بدون لَحْنٍ وترجيع في الصوت (سادى أورردان). وغَرَضُ المصنّف رحمه الله تعالى أنه يرفعُ صَوْتَه، ويَجْتَنِبُ عن اللحن. (١) قلتُ: وَسَمِعْتُ من شيخي: أنه لا يبلغُ أهل السموات من أصوات أهل الأرض غير الأذان والقرآن، فهاتان فقط تَخْلُصَان إلى السموات، ولعلَّه في ((الجامع الصغير)) للسيوطي رحمه الله تعالى. ٢٠٩ كتاب الأذان ٦٠٩ - قوله: (فارفع صوتك): يُشِيرُ إلى دَفْع توهُّم أنهِ لا حاجةَ إلى رفع الصوتِ في الصَّحَارِي، فعند مالك رحمه الله تعالى في ((موطئه)): ((من أذَّن في البادية، ثم أقام وصلَّى، يُصَلِّي خلفه الملائكةُ كأمثال الجبال)» - بالمعنی ۔ وعند أبي داود في باب فضل المشي إلى الصلاة، عن أبي سعيد الخُذْرِي قال: قال رسول الله وَّ: ((الصلاةُ في جماعةٍ تَعْدِلُ خمسًا وعشرين صلاةً، فإذا صلَّاها في فلاةٍ، فأتمَّ ركوعها وسجودَها بَلَغَتْ خمسين صلاةً)). انتهى. واعلم أن فضيلةَ الجماعة أمرٌ مستمرٌّ، بخلاف الصلاة في الفلاة، فإنه قد يتّفقُ له، فراع هذين البابين، فتركُ الجماعة عمدًا والذهابُ إلى الصلاةِ في الفلاة لتحصيل أجر الخمسين سَفَّةٌ وحُمْقٌ، فإنك إن فعلته عمدًا يَفُوتُ عنك ثوابُ الجماعة أيضًا، وإن اتفق لك تُخْرِز ما وَعَدَ لك. ٦ - باب مَا يُحْقَنُ بِالأَذَانِ مِنَ الدِّمَاءِ ٦١٠ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَس بنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ نَ﴿ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا، لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيهِمْ لَيلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلفَ أَبِي طَلحَةَ، وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُ قَدَمَ النَّبِيِّ وَرَ، قَالَ: فَخَرَجُوا إِلَيْنَا بِمَكَاتِلِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ ◌َله قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ، قَالَ: فَلَّمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَه ◌ِ قَالَ: ((اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ)). [طرفه في: ٣٧١]. والإسلام عندنا كما يكون بقول: لا إله إلا الله، كذلك يكون بالفعل أيضًا، فلو رَأَى كافرًا يؤذِّن يَحْكُم عليه بالإِسْلام، كما لو رآه يُصَلِّي (المكتل) زنبيل (توكرا) مسحات (كدال) (خَرِبَتْ خَيْبر). وفي الصحيحِ: ((أنه رَفَع يديه أيضًا))، وظني أن رَفْعَه يكونُ كما في التحِريمة، لا كما في الدعاء، وحينئذٍ يكونُ عند التكبير. ويُسْتَفَادُ منه: أن الرفعَ شِعارٌ للتكبير. ولعلَّه تكبيرٌ فعليٍّ كما فَهِمَه الشافعيُّ رحمه الله تعالى، وفَهِمَ الحنفية أنه للاستقبال، وإن كان كما في الدعاء. فينبغي أن يكون عند قوله: ((خَرِبَتْ خَيْبر))، لأنه دعاءٌ عليهم، لا عند التكبير. وراجع تفصيله من رسالتي ((نيل الفرقدين في رفع اليدين))، فلقد أَظْنَبْتُ الكلامَ فيه في فصلٍ مستقلٍ . ٦١٠ - قوله: (وإنَّ قَدَمي لَتَمَسُ قَدمَ النبيِّ ◌َِّّهِ)، مع أنه قد مرَّ منه من قبل لفظ: ((الفَخِذِ))، وقد بَحَثْتُهُ هناك مستوفيًا، فَرَاجِعْهُ. ٧ - باب مَا يَقُولُ إِذَا سَمِعَ المُنَادِي ٦١١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((إِذَّا سَمِعْتُمُ النَّدَاءَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ)) . ٢١٠ كتاب الأذان ٦١٢ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسى بْنُ طَلحَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةً يَوْمًا؛ فَقَالَ مِثْلَهُ، إِلَى قَوْلِهِ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ رَاهَوَيهِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيِى: نَحْوَهُ. [الحديث ٦١٢ - طرفاه في: ٦١٣، ٩١٤]. ٦١٣ . قَالَ يَحْيىٍ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ إِخْوَانِنَا أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللَّهِ، وَقَالَ: هكذا سَمِعْنَا نَبِيَّكُمْ وَّهِ يَقُولُ. [طرفه في: ٦١٢]. والوظائفُ في حق المُجِيب ثلاثةٌ: المثليةُ مطلقًا. والثانية: الحَوْقَلة مكان الحيْعَلَتينِ، وقال بعضهم(١) بالجمع بينهما، واختاره ابن الهُمَام رحمه الله تعالى، وَنَقَلَه(٢) عن بعض (١) واعلم أن ما اختاره الشيخ قُدِّس سره - في الحاشية الآتية، هو الذي حقَّقه مولانا عبد الحي، ونَقَلَه عن الحافظ ابن تَيْمِيَة كما بَسَطّه في ((السعاية)»، حيث قال: وليعلم أنه قد يَرِدِ ههنا أن الأخبارَ والآثارَ قد اختلفت في أذكار الرُّكُوع والسجود وما بينهما، فالعملُ بأحدها يفوّت العملَ بالآخر، فماذا يفعل؟ ويُجَاب عنه بأنه يفعلُ تارةً بهذا، وتارةً بهذا، والعمل بأحدها لا يُنّافِي العمل بالآخر، وإنما یکون كذلك لو كان الخلاف خلاف تَضَاد، وههنا ليس إلَّا خلاف تنوُّع. وتوضيحه على ما أورده شيخ الإسلام أحمد ابن تَيْمِيّة رحمه الله تعالى في ((منهاج السنة)). أن الخلاف على نوعين: خلاف تَضَاد، وخلاف تنوُّع، فالأول: أن يُوجِبَ شيئًا ويحرّم الآخر، فيكون العمل بأحدها منافيًا للآخر. والثاني مثل القراءات التي يجوز كل منها. ومن هذا الباب أنواع التشهد، كتشهُّد ابن مسعود، وتشُّد ابن عباس رضي الله عنهما، فكل ما ثَبَتَ عن النبيِّ ◌َِّ، فهو سائغٌ وجائزٌ، وكذلك الترجيعُ في الأذان وتركه، وكذلك أنواع صلاة الخوف، ومن ذلك الاستفتاحات في الصلاة، ومن ذلك صفات الاستعاذة وأنواع الأدعية في آخر الصلاة، وأنواع الأذكار التي تُقَال في الرُّكُوع والسُّجود مع التسبيح المأمور، ومن ذلك صلاة التطوُّع: يخيّر فيها بين القيام والقعود وغير ذلك، ومن ذلك تخيير الحاج بين التعجيل في يومين من أيام منى، والتأخير إلى ثالثٍ. انتهى كلامه ملخّصًا. قلتُ: وهذا الكلام وإن كان في غير ما نحن فيه. لكنه كالأصل لِمَا اختاره الشيخُ رحمه الله تعالى، وإنما أتيت به لتعلم أن كل ما يختاره الشيخُ رحمه الله تعالى يكون له سلفٌ وقدوةٌ، ولا يكون ابتداعًا محضّا، ولكنه لوفور علمه وَسَعَة اطلاعه كان يَبْني عليه، ثم قد لا يجد فرصةً لتفصيله لضيق الوقت، والله تعالى أعلم. (٢) قال الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى: إن السنة في الجواب أن يَجْمَع بين الحيْعَلَةِ والحَوْقَلَةِ في جواب الحيْعَلَتَيْن، وعزاه إلى بعض المشايخ، وأظنُّ أن المرادَ ببعض المشايخ هو الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى، فإنه من معتقديه، وأمَّا ابن حجر فليس براضٍ عنه. أمَّا الحافظ ابن تَيْمِيَة، فَيُنْكِر عليه أشد الإنكار ويَحْكُمُ عليه بالزندقة، وعندي: أن الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى من كبراء هذه الأمة، وسبَّاق غايات في علم الحقائق، أمَّا الحافظ ابن تَيْمِيَة، فَلَا رَيْبَ أنه بحرٌ مؤَاجٌ لا ساحلَ له، ولكن شذَّ في مسائل من الأصول والفروع جمهورَ الأمةِ المحمدية، والحقُّ مع الجمهور، ويُنْكِرُ الكشف والكرامات، غير أنه قائلٌ بِمِصْدَاق الكشف، ويسمِّيه: فراسة المؤمن، تَبَعًا للحديث. ٢١١ كتاب الأذان المشايخ. قلت: المراد به الشيخ الأكبر، ثم تبيَّن لي أن مرضاة الشرع في عامة الأذكار هو التخيير دون الجمع، فأحيانًا كذا، وأحيانًا كذا، وهذا مخصوصٌ بباب الأدعية، فليراع أن بعض العادات تكون مختصَّةً ببعض الأبواب، فلا يَخْتَلِط بينها. وقد تحقَّق عندي أن عادة الشرع في الأدعية أن يأتي بها حينًا كذا، وحينًا كذا. أَلَا ترى أنه وَرَدَت أدعيةٌ مختلفةٌ في وقتٍ معيَّنٍ، كما في دُبُر الصلوات؟ فهل يستطيع أحدٌ أن يجمعَ كلَّها في وقتٍ واحدٍ؟ ولكن الأمر أن يُؤْتَّى بكلِّها في أزمنةٍ مختلفةٍ، وهذه هي صورة العمل بالجميع دون الجمع بينها . فالسنة عندي: أن يُجيبَ (١) تارةً بالحَيْعَلة، وتارةً بالحَوْقَلة، وما يُتَوَهَّم أن الحَيْعَلة في ويُخْكَى أنه قال لملك الشام: اخرج إلى التتار يفتح الله لك، فتردّد فيه الملك، فَحَلَف مائة مرَّة على رؤوس الأشهاد - لا يستثني ـ أنه يفتح له، فلقَّنه تلميذه ابن عبد الهادي أن يقول: إن شاء الله تعالى، فقال: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، ثم فَتَحَ اللَّهُ له كما كان الحافظ ابن تَيْمِيَة أخبره به من قبل، وبالجملة هو صاحب الكَشْفِ أيضًا، غير أن في طَبْعِهِ حِدَّة وشِدَّة، فَيَزْعُمُ تحقيقه كالوحي النازل من السماء، وإن كان خلاف الواقع، ولا يُبَالِي بمن خَالَفَه وإن كان على الحقُّ، وهذه طبقات من الناس، خلقهم الله على مراتب: فمنهم من يُطْبَعُ على الاعتدال والنَّصَفّة كالشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وابن عبد البَرِ، والزَّيْلَعِي. ومنهم من يُطْبَعُ على هذه الشّدة، كالحافظ ابن تَيْمِيَة. ومنهم من يُطْبَعُ على غاية التيقُظ مع شدَّة التعصُب، كالحافظ ابن حجر . وذكر الحافظ في ((الفتح)): أنه ناظر واحدًا من المبتدعة، فلم يمض عليه شهران إلاَّ مات، وكان الحافظ بأهله. ولم أدرٍ أنه ماذا كان النزاع، ولم يذكر الحافظ اسم هذا المُبْتَدِع، ثم تبيّنَ لي من ((الخارج)) أنه كان من غُلَاة معتقدي الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى. وبالجملة كنتُ أقمتُ إلى نحو خمس عشرة سنة على ما حقِّقَه ابن الهُمَام رحمه الله تعالى، فأجمع بينهما في جواب الأذان، ثم تحقّقَ لديَّ أن مراد الشرع: هو التخيير دون الجمع وهو السنة في باب الأذكار، وليس الجمعُ إلَّ رأي ابن الهُمّام والشيخ الأكبر. وعند مسلم: ((وأنا وأنا)» في جواب الشهادتين. وكذا وَرَدَت الصلاة عَقِبَ الأذان قُبَيْل الدعاء، والأفضل فيها ما وَرَدَت في الصلاة وإن تركها الناس في الخارج. ثم إن قوله: ((إنك لا تُخْلِفُ الميعاد)» لم يَثْبُت في النسخ المتداولة، وهو نسخة كريمة بنت الأحمر. والوسيلةُ: منزلةٌ في الجنة كما هو مُصَرَّح عند مسلم وليس الدعاء لأجل تردّد في حصولها له، بل لنيل حظّ الشفاعة لنفسه، فإنها تُجَسِّدُ الشفاعة، كما أن الحوضَ يُجَسِّدُ الشرع، والصراط يُجَسِّدُ الصراط المستقيم، فمن يدعو بهذه الدعوة ينال حظّه من شفاعة النبيِّ بََّ، هذا ما عندي، ولستُ أقلِّد في العقليات أحدًا، بل في الفنون كلِّها إلاَّ الفِقْهِ، فإنه لا حظّ لي فيه غير النقل، فإنه باب صعب، وإن كنتُ لا أقلْد فيه مَنْ يُتْبِعُون قولهم: ((به يُفْتَى)) فقط. فإن الفتوى قد تكون في الطرفين، ولكنهم لقصور نظرهم لا يكون لهم علمٌ بطرف آخر، ولكن أُرَاعِي في ذلك الأحاديث والأئمة. فإن روايات الإمام إذا تعدّدت ووافق الحديث إحداها، وكذلك إذا التأَمَتْ مع أقوال سائر الأئمة، فهي تكون أرجح عندي وأَوْلى. وأمَّا الفنون العقلية، فأنا أعلم بها من ابن سينا، فإنه لا علم له إلاَّ بمذهب أرسطو، بل لا علم له به أيضًا، فإنه لا ينقل عنه إلاّ من تلميذ واحد، مع أن تلامذته كثيرون، وفي نقلهم مذهبه اختلافٌ عظيمٌ، فبعضهم يقول: إنه كان قائلاً بحدوث العالم، والآخر يقول: بقِدَم العالم. ومذهب أرسطو: أنه لا هَيَّولَى في الأفلاك، وما أثبته ابن سِيْنَا من الهُيُّولى في الأفلاك، ثم نَسَبَه إلى أرسطو فهو غلطً، بل هو من مخترعاته؛ هكذا في تقرير الفاضل عبد العزيز من كلام الشيخ. وقد سمعت أكثره من شيخي، غير أني لم أجده في مذكرتي من هذا الموضع . (١) واعلم أن بعضهم زَعَم أن في الجواب صورةً واحدةً، وهو الحَوْقَلة في جواب الحَيْعَلة، وحَمَل قوله : = ٢١٢ كتاب الأذان جواب الحَيْعَلة يُشْبه الاستهزاء، فليس بشيءٍ، لأنه في جملة الكلمات كذلك إن أراد بها الاستهزاء، والعياذ بالله، وإلا فهي كلمات خيرٍ أُرِيدَ بها الشركة في العمل لينال بها الأجر، فإنها نحو تلافٍ لما فَاتَه من الأذان، فلا بدَّ أن يعمل بعمله ليشترك في أجره. وأمَّا ما يفعله الناس من الصلاة عند الشهادتين، فلم يَرِد به الحديث، وإنما يفعلونه عملًا بالأحاديث العامة التي وَرَدَت فيها الصلاة عند ذكر اسمه المبارك، ولا يَدْرُون أن الشرعَ قد راعاه بنفسه، فوَضَع الصلاة عَقِيب الأذان قُبَيْل الأدعية المأثورة لهذا، بل فيها فضيلتان، فإن الصلاةَ قبل الدعاء أيضًا سنةٌ، ولا يُرْفَعُ الدعاء إلَّا بها، فبالصلاة عَقِيب الأذان يحصل الأمران. وكذلك لا أصلَ(١) لتقبيل الإبهامين عند الشهادتين كما شرع في بلادنا إلَّا أثرٌ أخرجه القاري، عن أبي بكر رضي الله عنه في ((الموضوعات))، لكنه ضعيفٌ يَقْرُبُ المُنْكَرَ. ثم لا يخفى عليك أن جواب الأذان إنما شرع لكلِّ لفقدان العلاقة بين المؤذن والمجيب، بخلاف الإمام والمقتدي، فنهى المقتدي عن القراءة في الجهرية. واستحب للمستمع أن يُجِيبَ الأذان مع جهر المؤذن، فاذْرِ الفرق بينهما. وما عن الحَلَواني أن الإجابةَ واجبةٌ، محمولٌ على الإجابة الفعلية، وجاءت روايات في إجابة الإقامة أيضًا مع قوله: أقامهما الله وأدامهما عند صيغة الإقامة، إلّا أن أسانيدها ليست بذاك (٢). ((فقولوا مثل ما يقول المؤذِّن)) على أن المثل في الحَيْعَلة هو الحَوْقَلة، كما في روايات عند مسلم، وليس كذلك، = بل المثلية في الحَيعَلة أيضًا كما في سائر الكلمات. كيف وفي ((السعاية)) عن ((مسند أبي يَعْلَى)) مرفوعًا: ((إذا نادى المنادي، فُتِحَت أبواب السماء، واسْتُجِيبَ الدعاء، فمن نزل به كَرْبٌ أو شدةً، فليتحيَّن المنادي: إذا كبّر كبَّر وإذا تشهَّد تشهَّد، وإذا قال: حيَّ على الصلاة، قال: حيَّ على الصلاة. وإذا قال: حيَّ على الفلاح، قال: حيٍّ على الفلاح» .. إلخ. وروى الطبراني في كتاب الدعاء مثل حديث أبي يَعْلى، وقال: صحيحُ الإسناد، ولكن نَظَرَ فيه لضعف أبي عابد، فقد يُقَال: هو حسنٌ، ففيه دليلٌ على أن الحَيْعَلة في جواب الحَيعلة أيضًا صورة مستقلّة، ولذا اختار الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى الجمع بين الجوابين. وذكر الكَرْب والشدّة ليس لأن الجواب اختصاصًا به، بل لكون الوقت وقت الإجابة، والمكروب أحوج إليه. فالمكروب وغيره في الجواب سواء فاحفظه، فإني أدركت الرواية المذكورة بعد جدِّ واجتهادٍ، والناس قد بَحَثُوا في المسألة، ولم أر أحدًا منهم أتى بتلك الرواية إلا هذا الحَبْر في ((السعاية)). (١) وقد بَحَثَ فيه مولانا عبد الحي رحمه الله تعالى في ((السعاية)) مبسوطًا، فراجعه. (٢) قلتُ: قال السُّنْدِي على النَّسَائِي: ثم طريق القول المروي: أن يقول كل كلمة عِقَب فراغ المؤذِّن منها، لا أن يقولَ الكلَّ بعد فراغ المؤذِّن من الأذان. اهـ. وقال النوويُّ: فمن كان في صلاةٍ فريضةٍ أو نافلةٍ، فَسَمِعَ المؤذِّنَ، ولم يوافقه وهو في الصلاة، فإذا سَلَّم أتى بمثله. ولو سَمِعَ الأذان وهو في قراءةٍ أو تسبيحِ أو نحوها، قَطَعَ ما هو فيه، وأتى بمتابعة المؤذِّن. واختلفوا أنه هل يقوله عند سماع كل مؤذِّن، أم لأول مؤذِّن فقط؟! اهـ. مختصرًا. وفي ((البحر)): لم أر حُكْمَ ما إذا فَرَغْ المؤذِّن ولم يتابعه السامعُ: هل يجب بعد فَرَاغِه؟ وينبغي أنه إن طال الفصل لا يُجِيب اهـ. وحقّق مثله ابن عابدين نقلًا عن ((شرح المنهاج)) لابن حجر، وبسط فيه مولانا عبد الحي رحمه الله تعالى، فليراجع («السعاية)). واعلم أني آتيك بهذه النقول، لأنك ربما تحتاج إليها عند الإفتاء أو العمل، فتجدها حاضرةً بين يديك وتَصِلَنِي ولو بكلمةٍ. ٢١٣ كتاب الأذان ثم في الجواب(١) للأذان الثاني من يوم الجمعة ثلاثةُ أقوال: ففي ((العناية)): أن الإمام إذا جَلَسَ على المِنْبَرِ، فلا صلاةَ ولا كلامَ غير جواب الأذان. وفي الزَّيْلَعِي ((شرح الكنز)): نفي الكلام مطلقًا، فلا يجوز الجواب أيضًا. وفي ((البناية)): جواز الكلام الديني مطلقًا، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه كان يصحِّح كتابه إذا لم يَبْلُغْه صوت الإِمام، وعندي: له أن يُجيبه إذا لم يُجِب الأذان الأول. فائدة واعلم أن الأدعية بهذه الهيئة الكذائية لم تَثْبُت عن النبيِّ ◌َُّ، ولم يَثْبُت عنه رفع الأيدي دُبُر الصلوات في الدعوات إلَّا أقل قليل، ومع ذلك وَرَدَت فيه ترغيباتٌ قوليةٌ، والأمر في مثله أن لا يُحكم عليه بالبدعة، فهذه الأدعية في زماننا ليست بسنةٍ بمعنى ثبوتها عن النبيِّ وَثله، وليست ببدعة بمعنى عدم أصلها في الدين، والوجه فيه ما ذكرته في رسالتي ((نيل الفرقدين)): أن أكثر دعاء النبيِّ ◌َّ كان على شاكلة الذكر، لا يزال لسانه رَطِبًا به، ويَبْسُطه على الحالات المتواردة على الإنسان من الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويتفكّرون في خلق السموات والأرض. ومثل هذا في دوام الذكر على الأطوار لا ينبغي له أن يَقْصُر أمره على الرفع، فإنه حالةٌ خاصةٌ لمقصد جزئي، وهو وعاء المسألة. فإن ذُقْتَ هذا، نفِّس عن كُرَبٍ ضَاقَ بِهَا الصدر، لا أن الرفعَ بدعةٌ، فقد هَدَى إليه في قوليات كثيرة، وفعله بعد الصلاة قليلًا، وهكذا شأنه في باب الأذكار والأوراد، اختار لنفسه ما اختاره الله له. وبقي أشياء رَغَّب فيها للأمة، فإن التزم أحد منا الدعاء بعد الصلاة برفع اليد، فقد عَمِلَ بما رغَّب فيه، وإن لم يكثره بنفسه. فاعلم ذلك اهـ (٢). ٨ - باب الدُّعَاءِ عِنْدَ النِّدَاءِ ٦١٤ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ (١) قال مولانا عبد الحي رحمه الله تعالى في ((السعاية)): وقع السؤال عن دعاء الوسيلة بعد الأذان الثاني يوم الجمعة عند جلوس الإمام على المنبر، هل يُكْره على مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى؟ ومُقْتَضَى التحقيق أنه لا يُكْره عنده الكلام الأخروي في ذلك الوقت على الأصحِّ. نعم ذكر الزَّيْلَعِي أن الأحوط هو الإنصاتُ عن الكلام مطلقًا من حين جلوس الإمام على المِنْبَر. ثم ذَكَرَ الكلامَ في إجابة الأذان الثاني، فاختار أن كراهةَ مطلق الكلام مرجوحةٌ، كما قال في ((النهاية)): اختلف المشايخ على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، قال بعضهم: إنما يُكْرَه الكلام الذي هو من كلام الناس، أمَّا التسبيح وأشباهه، فلا يُكْرَه. وقال بعضهم: كل ذلك، والأول أصح اهـ. ولقد أطال الكلام فيه مولانا عبد الحي رحمه الله تعالى، وهو مهمٌ فليراجع. (٢) قلتُ: ونحوه في الأذان، فإنه ثَبَتَ في فضيلته أحاديثُ كثيرةٌ، ثم لم يَثْبُت عنه فيما أعلم مباشرته بالأذان بنفسه ولو مرَّة، نعم ثَبَتَ فعله في زمن النبيِّ وَّر متواترًا، وهذا أمرٌ آخر، وإنما الكلام في فعله بنفسه. ويقاربه فعله في صلاة الضحى، فإنها وإن ثَبَتَت في بعض الروايات، لكنه أقل قليلٍ حتى أن بعضَهم ذَهَبَ إلى إنكار ثبوتها فعلًا، والصحيحُ أنها ثابتةٌ، ولو قليلًا، فَعُلِمَ من هذا أنّ الشيء قد يكون من باب الفضيلة، ثم لا يُنْقَلُ العملُ به عن النبيِّ ◌َّ كثيرًا . ٢١٤ كتاب الأذان المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّرْ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هذهِ الدَّغْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ)). [الحديث ٦١٤ - طرفه في: ٤٧١٩]. والمسنون في هذا الدعاء ألَّا تُرْفَع الأيدي، لأنه لم يَثْبُت عن النبيِّ وَِّ رفعها، والتشبُّث فيه بالعمومات بعدما وَرَدَ فيه خصوصُ فعله ◌َّ لغوٌ، فإنه لو لم يَرِد فيه خصوصُ عادته لنفعنا التمسُّك بها، وأمَّا إذا نُقِلَ إلينا خصوصُ الفعل، فهو الأَسْوَةُ الحسنة لمن كان يرجو الله والدار الآخرة، وينبغي لمن أراد أن يستنَّ بسنة النبيِّ وَّر أن يكتفي بتلك الكلمات، ولا يزيد عليها، إلَّا ما ثَبَتَ في نسخة الكُشْمِيهَني من زيادة: ((إنك لا تُخْلِف الميعاد)) في آخره، قاله ابن دقيق العيد، وعند البيهقي أيضًا (١). وأمَّا زيادة: ((والدرجة الرفيعة)) بعد قوله: ((والوسيلة والفضيلة)). فلم تَثْبُت عندي في حديثٍ، فلا يُزَاد بها، لأنها زيادةٌ في خلال الكلمات، وَمَنْ كان لا بدَّ له أن يَزِيدَ في تلك الكلمات، ففي الآخر كما ثَبَتَ عن ابن عمر رضي الله عنه: ((أنه كان يزيد في تلبيته في الآخر: (لبيك وسعديك)) ... إلخ. ٦١٤ - قوله: (الوسيلة): ورأيتُ في روايةٍ: ((أن طُوبَى شجرةٌ في وسط الجنة، وفي سائر الجنة منها غصنٌ غصن)). وبعده فيها ألفاظ يُتَبَادر منها أنها هي الوسيلة، فهذه عندي تُمَثَّل بعلائق الأمة بالنبيِّ بَّرَ. وعلى هذا، فدعاؤه للنبيِّ نَّ ليس لنفع النبيِّ بَّه بل فيه خيره، وهو استيفاء حظّه من شفاعته بََّ، ولذا قال في آخره: ((حلَّت له شفاعتي))، فلدعائه دَخْلٌ في حلول شفاعته. وما نُقِلَ عن بعض المشايخ: أن دُعَاءَ الوسيلة تمَّ عليه، وحَصَل له هذا المقام في زمانِهِ، فهو عندي مصروفٌ عن ظاهره، لأن حصولَ هذا المقام للنبيِّ نَّ ليس مرهونًا بدعاء أحدٍ من أمته، بل هو مقطوعٌ به، والدعاء منا لاستيفاء (٢) حظ الشفاعة منه. قوله: (مقامًا محمودًا)، ولعلَّ المقَام خارج الجنة في المحشر، والوسيلة داخلها، والله سبحانه أعلم. وصفته بالموصول لكونه علمًا. ثم إن النبيَّ ◌َّ له اختصاصٌ بالحمد، فاسمه محمد، ولواؤه لواء الحمد، ومَقَامُهُ محمودٌ، وأمته الحمَّادون، وتُلْقَى عليه في ذلك المقام مَحَامِدُ لا تَحْضُرُه الآن. وخاصة تلك الكلمات: أن يَحْيَى بها وجهُ الرحمن. وقال الشيخ (١) وفي ((السعاية)): زاد البيهقي في روايته: ((إنك لا تُخْلِفُ الميعاد))، وقال ابن حجر الهيثمي في ((شرح المنهاج)): كما نقل عنه ابن عابدين زيادة: ((والدرجة الرفيعة))، وختمه بـ: ((يَا أرحم الراحمين))، لا أصل لهما. وفي ((مرقاة المفاتيح)): أمَّا زيادة: ((والدرجة الرفيعة)) المشتهرة على الألسنة، فقال السَّخَاوي في ((المقاصد الحسنة)): لم أره في شيء من الروايات، وتمام البحث في ((السعاية)). (٢) ونحوه ما ذكره ابن العربي في الصلاة قال: فائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذي يُصَلِّي عليه لدلالة ذلك على نصوع العقيدة، وخُلُوص النية، وإظهار المحبة، والمداومة على الطاعة، والاحترام للواسطة الكريمة الل كذا في (الفتح)). ٢١٥ كتاب الأذان الأكبر: إن الحمد يكون في الآخر، فإذا فَرَغَ عن الطعام اسْتُحِبَّ له الحمد، وإذا يَدْخُلُ أهل الجنة الجنة يحمدونه تعالى: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَنُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] وسُمِّي النبيُّ وَِّ أحمدَ ومحمدًا، لكونه في آخرهم. اللهم صلِّ عليه صلاةً دائمةً مع دوامك، وصلاةً خالدةً مع خلودك، وصلاةً لا مُنْتَهَى لها دون مشيئتك، وصلاة عند كل طرفة عين، وتنفُّس كل نفس. ٩ - باب الاسْتِهَامِ فِي الأَذَانِ وَيُذْكَرُ أَنَّ أَقْوَامًا اخْتَلَفُوا فِي الأَذَانِ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ. والقرعةُ لقطع النزاع مُعْتَبَرةٌ عندنا أيضًا، إلَّ أنها ليست بحُجَّةٍ. قوله: (ويُذْكَر: أَن أقوامًا) ... إلخ. كان ذلك في حروب القادسية، استشهد مؤذِّتهم، فجَعَلُوا يختلفون فيمن يصير مؤذّنًا بعده. ٦١٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النَّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَا سْتَبَقُوا إِلَيهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُبْحِ، لِأَتَوْهُما وَلَوْ حَبْوًا)). [الحديث ٦١٥ - أطرافه في: ٦٥٤، ٧٢١، ٢٦٨٩]. ٦١٥ - قوله: (لو يَعْلَمُ الناسُ ما في النداء والصَّفِّ الأوَّل) ... إلخ. قلت: ومن خصوصيات الصفّ الأول أنه يكون أبعد من تسلّط الشيطان من سائر الصفوف، هكذا يُسْتَفَاد من الأحاديث. واخْتُلِفَ في الصف الأول، والأكثرون: أنه ما يتصل من الشمال إلى الجنوب، والذين في مِخراب الإمام إذا كان متسعًا ليسوا في الصف الأول، خلافًا لبعضهم. قوله: (ولو يعلمون ما في العَتَمَة والصُّبْحِ)، ويُعْلَمُ من بعض ظُرُقه أنه سِيقَ للتعريض على المنافقين، لا في فضل هاتين الصلاتين. ١٠ - باب الكَلَامِ فِي الأَذَانِ وَتَكَلَّمَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ فِي أَذَانِهِ. وَقَالَ الحَسَنُ: لَا بَأُسَ أَنْ يَضْحَكَ وَهُوَ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ. ٦١٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ وَعَبْدِ الحَمِيدِ صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ وَعَاصِمِ الأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمِ رَدْغْ، فَلَمَّا بَلَغَ المُؤَذِّنُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، فَأَمَّرَهُ أَنْ يُنَادِيَ: الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ، فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: فَعَلَ هذا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ. [الحديث ٦١٦ - طرفاه في: ٦٦٨، ٩٠١]. ٢١٦ كتاب الأذان كَرِهَهُ الحنفية(١)، وإن تكلّم اخْتُلِفَ في الإِعادة. قوله: (ولا بأس أن يَضْحَكَ) ... إلخ، لا ينبغي أن يُفْهَم منه التوسيع في الكلام والضحك وأمثالهما، فإنَّ توارثَ الأمة على ترك السلام في خلاله. قوله: (ردغ) کارا . ٦١٦ - قوله: (فلما بَلَغَ المؤذِّنُ حيَّ على الصلاة، فَأَمَرَه أن يُنَادِي: الصلاة في الرِّحَال) ... إلخ، ففي هذا الحديث أنه أمَرَ بتلك الكلمات مكان حيَّ على الصلاة، ثم ليس فيه ذكر بقية الأذان. وعن ابن عمر رضي الله عنه في الحُدَيبية: ((أنه أُمَرَ بها بعد الفراغ عنه)). قلتُ: وعليه ينبغي العمل، فإن ابن عمر رضي الله عنه أكثر اتباعًا للأثر، وأقل اجتهادًا من ابن عباس رضي الله عنه، وفي ظُرُقه تصريحٌ أنه كان يوم الجمعة. وعَدُّ الردغ من أعذار الجمعة في فقهنا أيضًا. وروى محمد رحمه الله تعالى في كتاب ((الحجج)): ((إذا ابتّت النعال، فالصلاة في الرِّحَال))، ثم فسَّر النعال بالأرض الصلبة، دون النعل المعروف. والحافظ رحمه الله تعالى لَمَّا لم يَظْفَرْ بكتاب ((الحجج))، نقل تفسيره عن ((غريب الحديث)) لأبي عُبَيْد، وأبو عُبَيْد هذا كثيرًا ما يقول في كتابه: ومن الروايات التي تأوَّلناها على محمد بن الحسن، أي أخذنا شرحه منه. وعُلِمَ منه أن شاكلةَ الجمعة تُغَاير شاكلة سائر الصلوات عندهم، ولذا من تخلَّف منهم عن الجمعة لم يصلِّها في بيته. ولو كان حال الجمعة كحال سائر الصلوات، لأقاموا الجمعات في رِحَالهم أيضًا، فافهم. قوله: (وإنها عَزْمَةٌ): يعني أن صلاة الجمعة عَزْمة، فلولا أَمَرْت بهذه الكلمات أن ينادى بها في الأذان لحضرتم كلكم، وربما تحرَّجتم، فصلَّيت بالحاضرين، وأعلنت بتلك الكلمات لمن أَرَاد أن لا يَحْضُرها، ويصلِّي في بيته. (١) وفي ((البحر)): أنه لا يتكلّم في الأذان ولا في الإقامة، وإن كان ردُّ سلام، أو تشميتُ عاطسٍ، أو حمدٌ على العطس، أو السلام، فإن تكلّم، يَسْتَأْنِفُ. وفي ((الخلاصة)): إن تكلّم بكلام يسيرٍ، لا يَلْزَمُه الاستقبال. وفي (فتاوى قاضيخان)): لا ينبغي للمؤذِّن أن يتكلّم في الأذان والإقامة أو يمشي، لأنه شبيهٌ بالصلاة، فإن تكلّم بكلامٍ يسيرٍ، لا يلزمه الاستقبال. وفي («البناية)): يكره له أن يتكلّم في أذانه وإقامته، لأنه ذِكْرٌ معظم. قال القَسْطَلانِي في ((إرشاد الساري): اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى في هذه المسألة، فقال أحمد رحمه الله تعالى: يجوز الكلام في أثناء الأذان، وهو قول عند الشافعية، وقيّده في ((المجموع)) بما إذا لم يُفْحِش بحيث لا يُعَدُّ أذانًا. ورجّح المالكية رحمهم الله تعالى المنع مطلقًا، لكن إن حَصَل مهمّ ألجأه إلى الكلام، ففي ((الواضحة)) يتكلّم، وفي ((المجموعة)): نحوه. وقال المحقّقُ العَيْني رحمه الله تعالى: إنه خلاف الأولى عندنا، وقال محمد رحمه الله تعالى في كتاب «الآثار»: أخبرنا أبو حنيفة رحمه الله تعالى: حدّثنا حمّاد، عن إبراهيم أنه قال في المؤذِّن يتكلّم في أذانه قال: ((لا آمره ولا أنهاه)). قال محمد رحمه الله تعالى: وأمَّا نحن فَتَرى أن لا يفعل، وإن فَعَلَ لم يُنْقِص ذلك في أذانه، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى اهـ. كذا في ((السعاية)) مع بعض تغييرٍ. ٢١٧ كتاب الأذان ١١ - باب أَذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُخْبِرُهُ ٦١٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ له قَالَ: ((إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنَ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ)). ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا أَعْمى، لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ. [الحديث ٦١٧ - أطرافه في: ٦٢٠، ٦٢٣، ١٩١٨، ٢٦٥٦، ٧٢٤٨]. وفي ((المحيط)): أنه مكروهٌ، والمختار ألَّا بأس به إذا كان عنده من يُخْبِره بالوقت، وبه حَصَل الجمع أيضًا . ٦١٧ - قوله: (إن بلالا يؤذِّنُ بليلٍ) ... إلخ، وفيه مباحث: الأول: هل يُشْرَع تكرار الأذان لصلاةٍ واحدةٍ أو لا؟ فقال الشافعيةُ: إنه جائزٌ مطلقًا، ويُسْتَفَاد من كتاب ((الأم)) للشافعيِّ رحمه الله تعالى: أن فيه تفصيلًا من نحو كونه عند الحاجة، وكونه في أمكنةٍ متعدِّدةٍ، وكون المؤذِّن متعدِّدًا(١) ثم صَرَّح فيه بجواز التكرار إلى أربعة. وقال النوويُّ: يُسْتَحَبُّ أن لا يُزَاد على أربعةٍ إلَّا لحاجةٍ ظاهرةٍ، وهذا يَدُلُّ على جواز الزيادة على الأربعة أيضًا، وهذا التكرار عندهم إعلامٌ بعد إعلام حتى جوَّزوه في الصلوات الخمس لا إعادة. ولعلَّ زيادة عثمان رضي الله عنه النداء الثالث أيضًا تحت هذه الضابطة، لأنه لمَّا رَأَى أن الشرعَ وَرَدَ بتكرار الأذان في الفجر، لكونه وقت الغَقْوَة والغَفْلَة، زاده في الجمعة أيضًا لظهور الاحتياج فيه إلى (٢) مزيد إعلام (١). والحنفية أيضًا أبَاحُوا أذان الجَوْق، إلَّا أن أذان الجَوْقِ يكونُ في وقتٍ واحدٍ، والتكرارُ عندهم يكون بطريقِ التعقيب، بل يُسْتَحَبُّ أن يترتَّبُوا فيه إذا اتسع الوقت. قلت: وقد تمسَّك لأذان الجَوْق بما أخرجه مالك في ((الموطأ)) في باب ما جاء في الإنصات يوم الجمعة والإمام يَخْطُب: ((فإذا خَرَجَ عمر، وجَلَسَ على المنبر، وأذَّن المؤذِّنون، وقال ثَعْلَبة: جَلَسْنَا نتحدَّث، فإذا سَكَتَ المؤذِّنون، وقام عمر يَخْطُب، أنصتنا فلم يتكلّم منا أحدٌ)). اهـ. (١) قلتُ: قال الخطّابي في ((معالم السنن)): ذهب بعضُ أصحاب الحديث إلى أن ذلك جائزٌ إذا كان للمسجد مؤذّنَان، كما كان لرسول الله وَّرَ. فأمَّا إذا لم يؤذِّن فيه إلَّا واحدٌ، فإنه لا يجوز أن يفعله إلَّا بعد دخول الوقت، فيحتمل على هذا أنه لم يكن لمسجد رسول الله وَّر في الوقت الذي نهى فيه بلالًا إلَّا مؤذِّنٌ واحدٌ، وهو بلال. ثم أَجَازَه حين أقام ابن أم مكتوم مؤذّنًا، لأن الحديث في تأذين بلال رضي الله عنه قبل الفجر ثابتٌ من رواية ابن عمر رضي الله عنه .اهـ. قلتُ: وإنما أتيتُ بهذا النقل لما زعمت فيه ندرة، ولأن أوله يُفِيدُنا شيئًا، فتفكّر. (٢) قلتُ: والتثويب أيضًا لهذا المعنى، فمن نَظَرَ إلى كفاية الاعلام الأول كَرِهَهُ وعدَّه بدعة، ومن نَظَرَ إلى تهاون الناس، ولم يَرَ في الاعلام الأول كفاية أجاز به، كالمتأخّرين. وإنما ذكرتُ التثويبَ لاشتراكه في الأذان في كونه إعلامًا، وإلَّا فمسألة تعدُّد الأذان مسألةٌ أخرى اهـ. ٢١٨ كتاب الأذان والثاني: هل يجوز الأذان قبل الوقت؟ فأجمع (١) كلُّهم على أن الأذان قبل الوقت لا يَجُوز إلَّا في الفجر، فذهب الجمهور إلى جوازه في الفجر خاصةً، وقال إمامنا الأعظم ومحمدٌ رحمهما الله تعالى: إنه لا يجوز في الفجر كما في أخواته عندهم، وتمسّك الجمهور بحديث ابن عمر رضي الله عنه، وعائشة رضي الله عنها في تكرار الأذان، وفيه تصريحٌ بأن الأذان الأول كان قبل الوقت. والثالث: أنهم اختلفوا في وقته، فأجازه النوويُّ من نصف الليل، وهو تطاولٌ محضّ ليسٍ له مُسْكَة في الأحاديث، بل فيه ما يَدُلُّ بخلافه، كما في البخاري: ((ولم يكن بين أذانيهما إلَّا أن يَرْقَى هذا، وينزل هذا)). فدلَّ على تقارُب الأذانين جدًا، ومنه سَقَطَ تأويله: أن بلالًا كان يُؤَذِّن قبل الفجر، ويتربَّص بعد أذانه للدعاء ونحوه، ثم يَرْقُبُ الفجرَ، فإذا قارب طلوعه نَزَلَ، فأخبر ابن أم مكتوم، فيتأهَّب ابن أم مكتوم بالطهارة، ثم يَرْقَى ويَشْرَعُ في الأذان مع أول طلوع الفجر. اهـ. وأنتَ تَعْلَمُ أنه لم يَحْتَجْ إلى هذا التصوير البعيد، إلَّا أنه لَمَّا التزم جوازه من نصف الليل، وكان الحديث يَدُلُّ على شدَّة التقارُب بينهما، حَمَلَه على أنه كان يُؤَذِّن بليلٍ، وكان يَجْلِسُ هناك ليصادف نزولُ هذا صعودَ هذا، فيَصْدُق التقارب. وكأنه كان بصدد الجمع بين ما اختاره وبين تعبير عائشة رضي الله عنها في شدَّة التعجيل، فلم يكن يَنْزِلُ حتى يجيءَ وقتُ أذان ابن أم مكتوم، ثم كانٍ يَنْزِلُ بحيث يَقَعُ أذانُ ابن أم مكتوم في أول الطلوع، لئلا يُخَالِفَ مسألة التغليس أيضًا، وهذا كلَّه إنما يمشي إذا أخذ التقارُب فيه بين النزول والصعود. وقد عَلِمْتَ من متن البخاري ما بين الأذانين، فدَلَّ على قلة الفاصلة بين الأذانين جدًا ، ولذا قال الشُّبْكي: إن وقتَ الأذان الأول من سدس الليل بعد طُلُوع الصبح الكاذب، وصحَّحه. وإنما عبَّره ابن عمر رضي الله عنه بالليلِ توسُّعًا لبقاء بعض الظلمة بَعْدُ، فَحَمَلَه على الليل حقيقةً، ولعلَّ النوويَّ ذَهَبَ إليه، لأنه رَأَى وقتَ العشاء إلى النصف بلا كراهة، فَجَعَلَ أذان الفجر في النصف الثاني، لأنه هذا الأذان عندهم للفجر، فلا يكون إلَّا بعد انقضاء وقت العشاء، وهو إلى النصف بدون كراهة. قلت: فهلَّا جَعَلَ للعشاء والفجر أذانًا واحدًا، فإنه إذا قدَّمه إلى النصف فما بعده أيسر. والذي تَدُلُّ عليه الأحاديث هو تقارب الأذانين جدًا، حتى بالغت فيه عائشةُ رضي الله عنها، قالت: ((لم يكن بين أذانيهما)) ... إلخ. وهذا أيضًا مبالغة منها، ولم تُرِدِ الفاصلة بقدر هذا (١) قال الشيخ الأكبر في ((الفتوحات)): اتفق العلماءُ على ألَّا يُؤَذِّن للصلاة قبل الوقت ما عدا الصبح، فإن فيه خلافًا. فمن قائلٍ بجواز ذلك قبل الوقت، ومن قائلٍ بالمنع، وبه أقول، فإن الأذان قبل الوقت إنما هو عندي ذِكْرٌ بصورة الأذان، وما هو الأذان المعروف على صورة الإعلام بدخول وقت الصلاة. فقد كان بلال يُؤَذِّن بليلٍ، وكان رسولُ الله ◌َّ يقول: ((لا يمنعنكم أذان بلال عن الأكل والشرب)). يعني في رمضان، ولمن يُرِيدُ الصوم، فالأذان عندي لا يجب إلَّا بعد دُخُول الوقت اهـ. كذا في ((السعاية)). ٢١٩ كتاب الأذان فقط، بل أرادت بيان شدَّة التقارُب بينهما. فإن كان حنفيٍّ يريد أن يَجْمَدَ على ظاهر تعبيرها، ويشدِّد على الشافعية، فليس بسديدٍ، فإن الشيءَ من باب المحاورات، والأخذ فيه بمثله، أخذٌ بكل حشيشٍ. والرابع: أنه إن أذَّن قبل الوقت، فهل يَجْتَزِىء بذلك، أو يعيده في الوقت أيضًا؟ فادَّعى الشافعية أنه يُجْزِئُ بذلك، واسْتَبْعَدَه الحنفية، وقالوا: كيف مع ورُود التكرار في متن الحديث صراحةً؟ والمختار عندنا أنه لا يُعْتَدُّ بالأذان قبل الفجر، ويجب الإعادة في الوقت، كما في سائر الأوقات عندهم أيضًا . والخامس: أن الأذان الأول كان للفجر، أو لمعنى آخر؟ فذهب الشافعيةُ أنه كان للوقت كالثاني على طريق الإعلام بعد الإعلام، وادَّعى الحنفيةُ أنه كان للتسحير لا للوقت. وتمسَّك له الطحاويُّ بما رُوِيَ عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه، وهو عند مسلم أيضًا: ((لَا يَمْنَعَنَّ أحدَكم أذانُ بلالٍ، أو قال: نداءُ بلالٍ من سَحُوره، فإنه كان يُؤَذِّن لِيَرْجِعَ قائمكم، ويُوقِظَ نائمكم)) ... إلخ فتبيَّن منه أن أذان بلال إنما كان لأجل أن يَرْجِعَ قائم الليل عن صلاته ويتسخّر، ويستيقظ النائم فيتسخَّر، فهذا تصريحٌ بكونه للتسحير لا للفجر. وأمَّا للفجر، فكان ينادي به ابن أم مكتوم، ولذا كان يَنْتَظِرُ الفجرَ ويتوخَّاه. وتحيَّر منه الحافظُ ولم يَقْدِر على جوابه، إلَّا أنه قال: لا تناقُضَ بين الأسباب، فَجَازَ أن يكون للتسحير أيضًا. ثم المذكور في حديث ابن مسعود رضي الله عنه في جميع طُرُقه هو الأذان الواحد فقط، ولا ذكر فيه للثاني، فَحَمَل الحنفيةُ الساكتَ على الناطقِ، وَعَجَز عنه الحافظُ أيضًا، فإنه لا دليلَ فيه حينئذٍ على الاجتزاء بالأذان الواحد. والسادس: أنه كان في رمضان خاصةً، صرَّح به أحمدُ رحمه الله تعالى كما في ((المغني)) لابن قُدَامة، وابن القطّان كما في ((الفتح))، وابن دقيق العيد كما في ((التخريج)) للزَّيْلَعِي. والسابع: أن هذا الأذان كان بعين تلك الكلمات، أو بكلماتٍ أخرى غير المعروفة، فذهب السَّرُوجي منا أنه كان بكلماتٍ أخرى غير تلك الكلمات، وحمله الشافعية رحمهم الله تعالى على المعروف. فهذه سبعة مباحث. ولعلَّك فَهِمْتَ منها أن في استدلالهم نظرٌ من وجوهٍ: الأول: في ثبوت نفس التكرارِ، وإن سلَّمناه، فلنا أن نمنع كونه بكلماتٍ معروفةٍ، لِمَ لا يجوز أن يكون بكلماتٍ أخرى؟ وإن سلَّمناه، فلِمَ لا يجوز أن يكون في رمضان خاصةً؟ ولو سلَّمناه أيضًا، فَلِمَ لا يجوز أن يكون الأول للتسحير لا للفجر؟ فعليهم أن يُثْبِتُوا هذه الأشياء، ودونه خَرْطُ القَتاد. قلت: لمّا رأيت الحنفيةَ يتأوَّلون بكون الأول في رمضان خاصةً، تتبعت له كتُبَ الفقه: أن المسألة عندنا هي أيضًا كذلك، أو هو مجرد احتمال واحتيال، فوجدتُ في ((شرعة الإسلام)) لشيخ صاحب ((الهداية)): جواز العمل به في رمضان عندنا. وحاصلُ هذا الجواب: أنه لا نِزَاع في نفس التعدُّد، وإنما النزاع في تعدُّد الأذان للفجر، ولا دليلَ عليه من ألفاظ الحديث، بل فيها أنه كان للتسحير، وهو جائزٌ عندنا أيضًا. ٢٢٠ كتاب الأذان وههنا جوابٌ آخر ساقه الطَّحاويُّ في ((معاني الآثار))، وقال: يحتمل أن يكون بلالًا كان يؤذِّن في وقتٍ كان يَرَى أن الفجرَ قد طَلَعَ فيه، ولا يتحقَّق ذلك لضعف بصره، لما رُوِيَ عن أنس رضي الله عنه: ((لَا يَغُرَّنَّكم أذانُ بلال، فإن في بصره شيئًا)). وفي بعض ألفاظ عندي: ((فإن في بصره سوءٌ)). وقوَّاه ابن دقيق العيد، ثم أيَّده الطّحاويُّ بما رُوِي عن عائشة رضي الله عنها من التقارُب الشديد بين أذانيهما، حيث قالت: ((فلم يكن إلّ مقدار ما يَصْعَدُ هذا، ويَنْزِلُ هذا))، فثَبَتَ أنهما كانا يَقْصُدَان وقتًا واحدًا، وهو طُلُوع الفجر، فيخْطِئُهُ بلال لِمَا ببصره شيء، ويُصِيبُهُ ابن أم مكتوم، لأنه لم يكن يفعله حتى يقول له الجماعة: أصبحت أصبحت. وله جوابٌ آخر: ((أن الأسودَ سَأَلَ عائشةَ رضي الله عنها عن وترها، فقالت: إذا أذَّن المؤذِّن، قال الأسودُ: وإنما كانوا يؤذِّنون بعد الصبح)). وسماع الأسود عن عائشة رضي الله عنها كان بالمدينة، ثم هو يروي أذان مسجد رسول الله وَ﴿ بعد الصبح، وعائشة رضي الله عنها لم تُنْكِر على تركهم التأذين قبله، ولا أنكر عليه غيرها من أصحاب رسول الله وَّ، مع أنها سَمِعَت من النبيِّ ◌َّ في تعدُّد الأذان ما سَمِعَت. وله جوابٌ آخر أيضًا: ما أُخْرِجَ عن ابن عمر رضي الله عنه: ((أن بلالًا أَذَّن قبل طُلُوع الفجر، فأمره النبيُّ ﴿ ﴿ أن يَرْجِعَ، فنادى: ألا إن العبدَ قد نام)). فهذا ابن عمر رضي الله عنه يروي عن النبيِّ ◌َّ ما ذكرناه، وهو ممن قد رَوَى عن رسول اللهِ وَ الل أنه قال: ((إن بلالا يؤذِّن بليلٍ)) ... إلخ فَثَبَتَ بذلك أن ما كان من ندائه قبل طُلُوع الفجر مما كان مباحًا له هو لغير الصلاة، وأن ما أنكره عليه إذ فعله قبل الفجر كان للصلاة. وقد رُوِيَ عن ابن عمر، عن حَفْصَة بنت عمر رضي الله عنهم في حديثٍ: ((وكان لا يؤذِّنُ حتى يُصْبِحَ)). فهذا ابن عمر رضي الله عنه يُخْبِرُ عنِ حَفْصَة رضي الله عنها: أنهم كانوا لا يؤذِّنُونَ للصلاة إلَّا بعد طُلُوع الفجر. وَأَمْرُ النبيِّ ◌َ﴿ بلالًا أيضًا أن يَرْجِعَ فينادي: ((ألا إن العبدَ قد نام))، يَدُلُّ على أن عادتهم أنهم كانوا لا يَعْرِفُون أذانًا قبل الفجر، ولو كانوا يَعْرِفُون ذلك لَمَا احتاجوا إلى هذا النداء. وأراد به عندنا - والله أعلم - ذلك النداء إنما هو لِيُعْلِمَهم أنهم في ليلٍ بَعْدُ حتى يُصَلِّي من آثر منهم أن يُصَلِّي، ولا يُمْسِك عنه الصائم. اهـ. بتغييرٍ. واعْتُرِضَ عليه من جهة الإسناد والمعنى جميعًا. أمَّا الأول، فقالوا: إن الصحيحَ وَقْفُه على عمر رضي الله عنه، فهو واقعةُ عمر رضي الله عنه مع مؤذِّنه، لا واقعة النبيِّ وَّر مع بلال وأُجِيبَ: إن حَمَّدًا إن سلَّمنا تفرُّده، فهو ثقةٌ مقبولٌ، مع أنه ليس بمتفرِّدٍ فيه، وله مُتَابَعَاتٌ شتَّى، وإحداها قوية، فلا يُمْكِن إنكاره وإنما اضْطَرُّوا إلى إنكاره لِمَا ثَبَتَ عندهم تقديم الأذان عن وقته، وهكذا قد يأتي الفِقْهُ على الحديث (١). (١) قلتُ: ولئن سلَّمنا وقْفه، فهو حُجَّةٌ لنا أيضًا، وهل تَرَى عمرَ رضي الله عنه يُخَالِفُ سنةَ النبيِّ وََّ، ثم لم يُنْكِر عليه أحدٌ منهم، غير أنهم تكلَّموا فيه أيضًا.