النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
كتاب مواقيت الصلاة
هاتين الصَّلاتين ليس لكونِهما مِنَ الأوقاتِ المكروهة بل صِيانَةً للصَّلواتِ عن الوقوع
في عينيهما، وهو ظاهر قوله وَلير: ((لا يتحرَّى أحدكم فيصلِّي عند طلوع الشمس وعند غروبها)).
فالنُّطقُ وإِنْ كان بعد الظُّلوع وبعد الغروب إلا أَنَّ المحط هو عين الَُّلوع والغروب، وأنت
تَعْلَم أَنَّه لم يَبْقَ حينئذٍ تحت أحاديث النَّهي عن هاتين الصَّلاتين فَرْد، وبقيت الأحاديث بلا
مصداق .
٥٨٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ:
أَخْبَرَنِي ابْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاَتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا
غُرُوبَهَا)). [الحديث ٥٨٢ - أطرافه في: ٥٨٥، ٥٨٩، ١١٩٢، ١٦٢٩، ٣٢٧٣].
٥٨٣ - وَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَّهِ: ((إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ
فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ)). تَابَعَهُ
عَبْدَةُ. [الحديث ٥٨٣ - طرفه في: ٣٢٧٢].
٥٨٢ - قوله: (لا تَحَرَّوْا بصلاتِكُم طلوعَ الشمسِ ولا غُروبَها) قال الشافعية رحمهم الله
تعالى: إنه لا دَخْل لتحري العبد في الفرائضِ وكذا في ذواتِ الأسبابِ مِنَ النَّوافِل فإِنَّها ليست
من تَحَرِّيه، وإنما هي مِنْ جِهَةِ الله تعالى، فلَمَ تَبْقَ تحتَهُ إلا غير ذواتِ الأسباب، وهي التي فيها
دَخْلٌ لتَحَرِّيهِ، وقد مرَّ أنَّ ظاهرَهُ أَوْفَقُ مِمَّا ذهب إليه بعض السلف.
قلتُ: إذا صَدَعَ الشرعُ بكونِ الأوقاتِ الثلاثةِ أوقاتًا للشيطانٍ، وبيَّنَ معنى الكراهة لكلِّ ذي
عينينٍ، فالجمودُ على ظاهرِ لفظِ الثَّحرِّي لا نَذْرِي أهو مِنْ لَفْظِ النبيِ نَّ﴿ أَوْ مِنْ جِهَةِ الرَّاوي
جمودَ جامد، ثُمَّ إِنَّك إنْ كان عندَكَ ذوقٌ مِنَ العربية فافهم أَنَّ قوله: ((لا تَحَرَّوْا)) ليس مدارًا
للحُكْمِ بِلِ تقبيحٌ عليه أيُّ تقبيح، فإِنَّ إذا تهاونَ فيٍ أَمْرِ الصَّلاة وفَعَلَ فِعْلَ المُنافِقِ ولم يحافظها
على مَا أَمَرَه الله، فصلَّاها متى أَرَادَ فكأنَّه أَلْزَمَهُ أَنَّه يتحرَّى بذلك طلوع الشمس، فتهاونُه وقِلةُ
مبالاتِه أُقيم مَّقَامَ التَحِرِّي على حد قوله تعالى: ﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ
اُلْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] فكأَنَّ تأخرهم عن تصديق الرُّسل وتأخيرهم فيه أُقيمَ مَقَام نَظَرِهم إلى إتيان
الله في ظُلل من الغمام، فإذن هو لمزيدِ التقبيح، وراجع الطيبي للفَرْقِ بين قوله: ((لا تَحَرَّوْا
بصلاتكم)) وقوله: ((لا يَتَحَرَّى أحدكم فيصلي)» ... الخ.
قوله: (وقبل أن تغرب) وقد مرَّ مني أنَّ المرادَ منه قبل الاصفرار وهو الغروب الشرعي،
والصَّلاة بعده مكروهة، فلا يَدْخُل في سياقِ التعليم، وأمر القرآن أرفع منه، فلا يُحْمَلِ نَظْمُه إلا
على الأحب فالأحب في نظرِ الشارع، ولذا أقول: إنَّ المرادَ من قوله: ﴿مَا تَّيَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾
[المزمل: ٢٠] ليس هو الآية، لأنَّه يُوجِب أَن تدخل الكراهة في نَظْمِ النَّص.
٥٨٤ - حدّثنا عُبَيدُ بْنُ إِسْماعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ، عَنْ خُبَيبِ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمُنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ نَهى عَنْ بَيْعَتَيْنٍ، وَعَنْ
لِيْسَتَيْنِ، وَعَنْ صَلَاتَينِ: نَهى تُنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى
١٨٢
كتاب مواقيت الصلاة
تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَعَنِ الإِحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُفضِي بِفَرْجِهِ إِلَى
السَّمَاءِ، وَعَنِ المُنَابَذَةِ، وَالمُلَامَسَةِ. [طرفه في: ٣٦٨].
٥٨٤ - قوله: (نهى عن بيعتين) لمَّا ذَكَرَ الراوي تثنية واحدة، وهي النَّهي عن صلاتين أَرَادَ
أَنْ يَذْكُر معهما تثنية أُخْرَى، وهي النَّهي عن بيعتين وإِنْ كانت من باب آخر.
٣٢ - بابٌ لاَ يَتَحَرَّى الصَّلاَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ
٥٨٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ،﴿ قَالَ: ((لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِّ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا)).
[طرفه في: ٥٨٢].
٥٨٦ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ الجُنْدَعِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدِ الخُذْرِيَّ يُقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَّهُ يَقُولُ: ((لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ
العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ)). [الحديث ٥٨٦ - أطرافه في: ١١٨٨، ١١٩٧، ١٨٦٤، ١٩٩٢، ١٩٩٥].
ولعلَّ البخاري لا يريد تفصيلًا بين التَحري وعدَمِه، وإنَّما كان عندَهُ لفظٌّ في الحديث، فأحب
أَنْ يُترجِم به كما هو، أو يُقال: إنَّه لم يَسْنَح له فصل في الجانبين، وكان في اللفظِ صَلُوحٌ لهما فَأَبْقَاهُ
على حالِهِ، فَخَرَجَ من عُهدَةِ بتُّ القولِ فِي مَوضِع كَثُرَ فيه الاختلاف، ثُمَّ أقولُ: إِنِه يُستفاد مِنْ تَراجِمه
إطلاقُ النَّهي في الفجر فلم يفصل، ولعلَّهُ لا يُجيز سُنَّة الفجر بعد رَكعَتَيْهِ.
وأمَّا حديث قيس بن فَهْد فليسَ على شرطه، فَتَرَكَهُ ولم يَنْظُر إليه، وهو مرسلٌ كما عند
الترمذي، ووصَلَهُ بعضُهم أيضًا. وأمَّا العصر فقد أَلَانَ الكلامَ فيها، وأرَادَ أَنْ يفصل لما عنده
حديث في الركعتين بعد العصر، وعن عمر رضي الله عنه أنَّه كانَ يُعَزِّرُ مَنْ صَلَّاهما، فألان
الكلامَ لهذا التعارض وَوَسَّع.
٥٨٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي النَّيَّاحِ
قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً، لَقَدْ صَحِينًا
رَسُولَ اللَّهِ ◌َّهِ، فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا، وَلَقَدْ نَهِى عَنْهُمَا. يَعْنِي الرَّكْعَتَينِ بَعْدَ العَصْرِ. [الحديث
٥٨٧ - طرفه في: ٣٧٦٦].
٥٨٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عنْ عُبَيدِ اللَّهِ، عَنْ خُبَيبٍ، عَنْ
حَفْصِ بْنِ عَاصِم، عَنْ أَبِي هُرَيرَةً قَالَ: نَهِى رَسُولُ اللَّهِ وَِّ عَنْ صَلَاتَينِ: بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى
تَظْلُعَ الشَّمْسُ، وُبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ.
٥٨٧ - قوله: (ولقد نَهَى عنهما يعني الرَّكعَتَين بعد العصر) وعلى الهامش ((يصليها))
بالضمير المفرد وهكذا في أكثر المواضع لا يَزَال فيه تبادل النسختين في الهامشِ والصلب، فدار
١٨٣
كتاب مواقيت الصلاة
النَّظر في أَنَّ الحديثَ عنده في خُصوصٍ هاتين الرَّكْعَتين أو الحديث عنده، هو الحديث العام
فقط، ثُمَّ يذكر النهي عنهما تمسكًا بالعموم.
قلتُ: إِنْ كانَ عندَه حديثٌ مستقل في النَّهي عن هاتين الرَّكعتين فهو نصٍّ لنا في البابِ،
وتكون المسألة في غايةِ القُوَّةِ وإن أَدْخَلهما في عموم قوله: ((لا صلاةَ بعد العصر ... الخ))
فليس نصًا فيه، بل يكونُ ظاهرًا ولا تَبْقَى فيه تلك القوة، وكيفما كان فالحديثُ حجةٌ لنا لأنَّ
الظّاهِرَ وإن لم يَكُن كالنَّص إلا أَنَّه لا ينحَظُ عن كَونِهِ حجة على ما أخرجَهُ البخارِي يَدلُّ على
كونِه حُجَّةً نصًا فيه. وفيه: («سمعتُك تَنْهَى عن هاتين الرَّكعتين هناك وأراك تُصلِّيهما)) مكان
الضمير فليجري فيه اختلاف أَفْرادِ الضميرِ وتثنيته، وهذا صريحٌ في بَعْضِ النَّهي فيه مستقلًا،
وإذن لا يكونُ مِنْ بابِ التمسكِ بالعموم.
٣٣ - بابُ مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلاَةَ إِلاَّ بَعْدَ العَصْرِ وَالفَجْرِ
رَوَاهُ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ.
٥٨٩ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
قَالَ: أُصَلِّي كَمَا رَأَيتُ أَضْحَابِي يُصَلُّونَ: لَا أَنْهِى أَحَدًا يُصَلِّي بِلَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ مَا شَاءَ، غَيرَ
أَنْ لَا تَحَرَّوْا ◌ُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَّا غُرُوبَهَا. [طرفه في: ٥٨٢].
واعلم أَنَّ المصنّف رحمه الله تعالى لم يُعد الاستواء من الأوقات المكروهة، وكأَنَّه لم
يَصُحِ فيه حديث على شرطِهِ فَتَرْجَمَ على نفيه، فبقيت مِنَ الخَمْسِ أربع، ثُمَّ لفها في اثنين بحيث
أَخَذَ الوقت بعد الفجر أي عين الطُّلوع فاستتبع الطلوع أيضًا، وكذلك فَعَلَ في العصر، فأخذ بعد
العَصْرِ إلى عينِ الغروب، فانْدَرَج عينَ الطلوع والغروب تحت الوقتين بعد الفجر وبعد العصر،
وحينئذ ظَهَر معنى الحصر في الترجمة أي قوله: ((إلا بعد العصر والفجر)) ولا يدري أَنَّه أَرَادَ
بذلك الصَّدْعَ بموافقة مالكٍ رحمه الله تعالى أو الإِغماض عنه فقط، لفقدان الدَّليل على شَرْطِهِ ثم
لا يَخْفَى عليك أَنَّ الاستواء وإِنْ أَغْمَضَ عنه المصنّف رحمه الله تعالى إلا أَنَّه صَحَّتْ فيه عدة
أحادیث عند مسلم وابن ماجه وغيرهما .
٣٤ - بابُ مَا يُصَلَّى بَعْدَ العَصْرِ مِنَ الفَوَائِتِ وَنَحْوِهَا
وَقَالَ كُرَيِبٌ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: صَلَّىِ النَّبِيُّ وَِّ بَعْدَ العَصْرِ رَكْعَتَينٍ، وَقَالَ: ((شَغَلَنِي
نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيسِ عَنِ الرَّكْعَتَينِ بَعْدَ الظُّهْرِ)).
٥٩٠ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيمَنَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: أَنَّهُ سَمِعَ
عَائِشَةَ قَالَتْ: وَالَّذِي ذَهَبَّ بِهِ، مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ، وَمَا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى ثَقُلَ
عَنِ الصَّلَاةِ، وَكَانَ يُصَلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلَاتِهِ فَاعِدًا - تَعْنِي الرَّكْعَتَينِ بَعْدَ العَصْرِ - وَكَانَ
النَّبِيُّ ◌َّهَ يُصَلِّيهِمَا، وَلَا يُصَلِّيهِمَا فِي المَسْجِدِ، مَخَافَةٍ أَنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ، وَكَانَ يُحِبُّ مَا
يُخَفِّفُ عَنْهُمْ. [الحديث ٥٩٠ - أطرافه في: ٥٩١، ٥٩٢، ٥٩٣، ١٦٣١].
١٨٤
كتاب مواقيت الصلاة
٥٩١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي: قال قَالَتْ
عَائِشَةُ: يا ابْنَ أُخْتِي، مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ◌َّهِ السَّجْدَتَينِ بَعْدَ العَصْرِ عِنْدِي قَظُّ. [طرفه في: ٥٩٠].
٥٩٢ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةً قَالَتْ: رَكْعَتَانٍ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ
اللَّهِ وَّهُ يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلَاَ عَلَانِيةٌ، رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ العَصْرِ. [طرفه
في : ٥٩٠].
٥٩٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: رَأَيتُ
الأَسْوَدَ وَمَسْرُوقًا، شَهِدَا عَلَى عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يَأْتِينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ العَصْرِ،
إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَينٍ. [طرفه في: ٥٩٠].
ولعلَّ المصنّف رحمه الله تعالى وَافَقَ في الفَجْرِ مذهبَ الحنفية، فَتَرَكَ النهي فيه على
إطلاقه، ولم يفصح فيه بتخصيص، فَدَلَّ على أَنَّ مَنْ فاتته سُنَّة الفَجرِ يَقْضِيها بعد طلوع الشمس،
ولا يُصلِّيها بعد رَكْعَتَي الفجر. وأما حديثُ قيس بن فَهد فقد عَلِمْتَ أَنَّه ليس على شَرْطِه فلم
يَنْظُر إليه، ولعلَّهُ يَضَع ترجمة التَّحَرِّي في الفجر إشارةً إلى هذا، وَوَضع في العصر ثلاثَ تراجم
تُشِيرُ إلى التَّخْصِيص فيه، مَعَ أَنَّ شاكِلَةً الحديث واحِدة فيهما، وذلك لعَدَم التَّفْصِيلِ عندَهُ في
الفجر بخلافِ العصر.
ثُمَّ إنَّ الشَّارِحَيْنِ الحافِظَيْن اختلفا في أنَّه ماذا أَرَادَ بزيادة ((نحوها))؟ فَحَمَلَها كُلٌّ منهما على
مسائِله، فَأَرَادَ بها الحافظُ ابنُ حجر: غير ذوات الأسباب مِنَ النَّوافِلِ، والحافظ البدر:
الواجبات لعينها ونحوها من الصَّلواتِ التي جازت في هذا الوقتِ عنده.
قلتُ: لمَّا ثَبَتَت الرَّكعتان بعد العصر عند المصنّف رحمه الله تعالى أَضَافَ في ترجمته
نحوها، وأَجْمَلَ في الكلام للتردُّدِ عنده، ليَنظُر فيها العلماء، فهذا هو غَرَضُ المصنّف رحمه الله
تعالى عندي، أَمَّا إِنَّه أَرَادَ بَها ما اخْتَارَهُ ابنُ حجر أو ما ذَهَبَ إليه الحافظُ العيني، فَلَعَلَّهُ بِمَعْزِلٍ
عن نَظَرِهِ، لأنَّه لم يَرِد فيه الجزم بأحدٍ من الطرفين. وإنَّما أَبْهَم إحالة على النَّاظرين.
٥٩٠ - قوله: (وكان يُصَلِّي كثيرًا من صَلاتِهِ قاعدًا تَعْني الرَّكعتين بعد العصر) وقد ذَكَرَهُ
الراوي في غيرِ موضعِهِ، فإِنَّه لا تَعلُّق له بقوله: ((قاعدًا)) وإنَّما هو تفسيرٌ للضمير في قوله: ((ما
تركهما حتى لقي اللّه)) فينبغي أَنْ يَذكُرَه مقدمًا لئلا يَخْتَلَّ الترتيب والمعنى، فاعلمه.
بقي الكلامُ في هاتين الرَّكعتين، ففيهما اضطراب من وجوه، فعندَ الترمذي عن ابن عباس
رضي الله عنه قال: ((إنَّما صلى رسولُ الله ◌َّهِ الرَّكعتين بعد العصر لأنَّه أتاه مالٌ فشَغَلَهُ عن
الرَّكعتين بعد الظُهْر فصلَّاهُما بعد العصر ثم لم يعد لهما)) قال الترمذي: وحديث ابنِ عباس
رضي الله عنه أصح، حيث قال: ((ثم لم يَعُدْ لُهُما)) اهـ.
وهذا صريحٌ في أَنَّه صَلَّاهُما مرَّةً واحدة فقط. ولم يداوم عليهما، وإنَّما كان حديثُ ابن
عباس رضي الله عنه أَصَحّ من حديث عائشة رضي الله عنها لِمَا يأتي فيه من الاضطراب. قال
١٨٥
كتاب مواقيت الصلاة
الحافظُ: وفيه جَرِير عن عَطَاء، وسماعهُ منه بعد الاختلاط، وحديثُ عائشة رضي الله عنها هذا،
يَدُلُّ على المُدَاوَمَةِ عليهما، حيث قالت: والذي ذهب به ما تَرَكهما حتى لقي اللّه.
ثُمَّ عند أبي داود عن عائشةَ رضي الله عنها نفسها: أَنَّها رَدَّتِ الأَمرَ إلى أُمِّ سَلَمَةٍ رضي الله
عنها حين استَخْبَرُوها عنهما، كأَنَّه لم يَكُن عندَها علمٌ بهما. وعند الطحاوي: أَنَّ معاويةً
رضي الله عنه أَرْسَلَ إلى عائشةَ رضي الله عنها يسألها عن السَّجْدَتَيْنِ بعد العصر، فقالت: ليس
عندي صلَّاهما، ولكن أم سلمة حَدَّثَتني أَنَّه صَلَّهُما عندها ... الَخ ولو قَطَعنا النَّظر عن هذا
الاضطراب فهي بنَفْسِها تقول: إِنَّ رسولَ اللهِ وَّرَ كان يُصلِّي بعد العصر ويَنْهَى عنها، ويُواصِل
ويَنْهَى عن الوِصَال، فحديثُ عائشة رضي الله عنها ليس دليلاً على جواز الصَّلاة بعد العصر
أصلًا أو هو دَليلٌ لنا لصراحتها أَنَّها كانت من خصائص النبي ◌َّ كالوِصَال.
أَمَّا إِحْداثُ مرتبة أُخْرَى فيه، والادعاء بجواز نفس الصَّلاة، وإرجاع الخُصوصية إلى
المُداوَمَة، فتجريد منطقي لا يُعْتَبَرُ في كلام الشارع، ثُمَّ قد عَلِمْتَ أَنَّ أَصْلَ الخبر كان عند أُمّ
سلمة رضي الله عنها، ولذا أَدَّت إليها عائشة رضي الله عنها حين سُئِلت عنها فهي التي تَرْوي عن
النَّبِي وََّ بِإِسنادٍ فيه زيد بن هارون أنا حماد بن سَلَمَة عن الأَزرق بن قيس عن أُمَّ سَلَمَة رضي الله
عنها أنها قالت: يا رسولَ الله أفنقْضِيَهما إذا فاتتا؟ قال: ((لا)). فما ترى فيها الآن؟ وغايته ما
اعتذروا عنه أَنَّ يزيد بن هارون عن حَمَّاد فيه شيءٍ.
قلتُ: وقد تتبعتُ له مسلمًا فوجدتُ أنَّه أَخْرَج عِدَّةَ أحاديث بهذا الإِسناد.
ومرَّ عليه السُّيوطي في ((الخصائص الكبرى)) وصححه، وهو في ((مسند أحمد)) أيضًا، فإِذن
هو في أَعْلَى مرتبةِ الحَسَن لذاته، وعند الطحاوي بأسانيد عديدة: أَنَّ عمر كان يُعَزِّرُ مَنْ كان يُصلِّي
بعد العصر وذلك بمحضرٍ من الصحابة رضي الله عنهم، ولم يُنكِرْ عليه أحدٌ أيضًا، وعند الطحاوي
عنه: أنَّه طَافَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمسِ، ولم يُصَلِّ رَكعتي الطَّواف حتى بَلَغَ ذو طَوَى. أَخْرَجَهُ موصولًا ،
والبخاري معلقًا، وما ذَلَك إلا لَخُروج وَقْتِ الكراهة. وقد صرَّح الترمذي بعبارةٍ كاد أَنْ تُومىء إلى
إجماعهم على ذلك. وهذا نصه: والذي اجتمعَ عليه أَكْثرُ أهلِ العلم على كراهية الصَّلاةِ بعد
العصر حتى تَغْرُبَ الشمس، وبعد الصُّبْح حتى تَطْلُع الشمس، إلاَ ما استُثْنِيَ من ذلك مثل: الصَّلاةُ
بمكة بعد العصر حتى تَغْرُبَ الشمس، وبعد الصُّبْح حتى تطلع الشمس بعد الطّواف. اهـ.
كيف لا وقد تواتَرت الأحاديث في النَّهي عن الصَّلاةِ في هذينِ الوقْتَيْن أَمَّا ما وَرَدَ فيه من
الاستثنَاءِ فهو ضَعيفٌ عندَهُم وفي كتاب ((النَّاسخ والمنسوخ)) عن الأَثْرَم أَنَّه كان يقول: حديثُ
عائشة رضي الله عنها في مُدَاوَمَةِ الرَّكعتين بعد العصرِ معلولٌ. وَنَقَل ابنُ الجوزي عن ابنِ عقيلٍ :
أَنَّ النَّهيَ عن الصَّلاةِ بعدَ العصرِ والفجرِ لِئَلَا يُلْزَمِ الدُّخول في عين الظُّلُوعِ والغروب، فالممنوعُ
هو الوصل، كما هو مذهبُ بِعضِ السَّلَفَ، ومنه ظَهَر وَجْهُ الجمع بين النَّهي عن الوصالين، قال
القاضي ابن العربي: إِنَّ العِلَّة وَإِنْ أَوْجَدَت الحُكْم ابتداءً لكن الحكم يَدُورُ على لَفْظِ الحديث
انتهاءً. وقال علماءُ الأصول: إِنَّ الحِكْمَةَ لا يجب طَرُدُها وعَكْسُها والذِي يَجِبُ فيه ذلك هو
العِلَّةُ الفقهية، والنَّبي ◌َـَ لمَّا كان مأمونًا عن هذا التَّخْلِيط، ساغ له أَنْ يُصلِّيهما بعد العصر.
١٨٦
كتاب مواقيت الصلاة
وأَخْرَجَ السُيوطي رحمه الله تعالى: أنَّ أبا أيوب الأنصاري كان يُصلِّي بعد العصر في زمنٍ
عمر رضي الله عنه، فرآه عمر وهَدَّدَهُ على عادتِه في هاتين الرَّكعتين، فقال له أبو أيوب رضي الله
عنه: لا أَتْرُك شيئًا كنت أَفْعَلُه في زمنِ النَّبِيِ وَّر. فقال له عمر رضي الله عنه: ما لي ولك؟ إنَّما
أَنْهَى عنها سدًّا للذرائع. وهذا يَدُلُّ أَنَّ مذهَبَهُ فيهما كمذهبٍ بعضِ السَّلَفِ، وإذا عَلِمْتَ حال
هاتين الرَّكعتين، فانصف من نَفْسِك أَنَّ العَمَل بهمَا أَوْلَى أوَ بالنَّهَي الذي تواترِ عنِ النَّبِيَِّ،
ولِمِثْل هذا تركهما الدارمي، وعَمِلَ بقول عُمَر رضي الله عنه، وإليه مال أكْثَر السَّلَف.
وأعلى ما في الباب عندي ما عن الليث بن سعد في الطبقات)) ونَقَلَّهُ العيني: أَنه حَضَرَ
بمكةَ في سَنَّةٍ - أراه ثلاثة وثمانين - في موسم الحج، وانكَسَفَت الشمس بعد العصر، فلم يُصلوا
صلاة الكُسوفِ مع كَونِها من ذواتِ الأسباب، فسألوا: أَنَّهم لِمَ لا يُصَلُّون صلاة الكُسُوفِ
فقالوا: لكَرَاهةِ الوقتِ، وكان ذلك بمَحْضَر أُلوفٍ من التابعين رحمهم الله تعالى والصحابةِ
رِضْوَان الله تعالى عليهم أجمعين.
وليث هذا حنفي كما صَرَّح به ابن خَلِّكان في كتاب ((الخَراج)) وقال الشافعي رحمه الله
تعالى في حقه: إنه ليس عندنا بأدون من مالك رحمه الله تعالى إلا أَنَّ أصحابَهُ ضَيَّعُوهُ. وهذا
الليث يَرْوِي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى في باب قِراءَةِ الفاتحة خلف الإِمام عند الطحاوي
رحمه الله تعالى، وقد نَقَلْنَا صورةَ الإِسنادِ فيما سَلَف. ثُمَّ لَا يَخْفَى عليك أَنَّ تَقْلِيدَ مثل الليثِ
كتقليدِ المتقدمينَ. وفي مُسْنَدِ الدارمي: أَنَّه لمَّا حَدَّثَهُم حديث عائشة رضي الله عنها سألوه عنه،
قال: وإنَّما عَمَلي على ما عَمِلَ به عُمر.
وإنَّما كان يَعْمَل بهما ابنُ الزبير رضي الله عنه تَعَلَّما مِنْ عائشة رضي الله عنها كما هو عند
المصنّف رحمه الله تعالى في الحجِّ قال: رأيتُ ابنَ الزبير رضي الله عنه يُصَلِّي رَكعتين بعد
العصر، ويُخْبِرِ أَنَّ عائشةَ رضي الله عنها حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبِي ◌َُّ لم يَدْخُل في بيتها إلا صلَّاهما. قال
الحافظُ رحمه الله تعالى: وكان ابنُ الزبيرِ فَهِمَ منه ما فَهِمَتْهُ عائشة رضي الله عنها، أي أَنَّ النَّهي
عن الصَّلاةِ بعد العصر، مُخْتَصِّ بِمَنْ قَصَدَ الصَّلاة عند غروبِ الشمس.
ثُمَّ يَظْهَر مِنَ الرِّوايات أَنَّهَمَا رَكْعَتَانِ فاتتاه بعد الظّهَرِ فقضَاهُما بعد العصر، ومِنْ سُنَن
الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام أَنَّهم إذا فَعَلوا عِبَادةً مرةً داوموا عليها، وكثيرٌ من عبادتِنا من
شَعَائِر عباد اللَّه، كما مرَّ عن الطحاوي رحمه الله تعالى(١) .
(١) قلتُ: وعن عائشةَ رضي الله عنها بعدَ هذه الرِّوايات بقليل، أَنَّها قالت: رَكعتانٍ لم يَكُنْ رَسولُ الله ◌َلّ يدعهما
سِرَّا ولا علانِيَة، رَكعتان قَبْلَ الصُّبْحِ، ورَكعتان بعد العصرِ. اهـ. وهذه الرِّواية تُنَاقِضُ ما رُوِيَ عنها أنَّه كان يُسِرُّ
بهما ولا يُصَلِّيهما في المسجد، مَّخَافَةً أَنْ يُثْقِلَ على أُمَّتِهِ إلا أَنْ يُقال: إنَّ تعميمَ السرِّ والعلانية بالنسبةِ إلى
رَكْعتي الفجرِ دون التي بعد العصر. ثم نَقَلَ الحافظُ رحمه الله تعالى فيهما زيادة. وهي: ((لم يكُن يَدَعُهُما في
بيتي))، فإن استطعتَ أَنْ تأخُذَ السرَّ والعلانيةَ باعتبار البيت فافعل، وإلا فيكونُ هذا اضطرابًا آخر، وحينئذٍ لا
يجري فيه ما جَمَع به الحافظُ رحمه الله تعالى بين حَدِيثَي ابنِ عباسٍ وعائشةَ رضي الله عنهما، مِنْ أَنَّ النفي في
حديث ابنِ عباس رضي الله عنه محمولٌ على عِلْمٍ الراوي، فإِنَّه لم يَّلع على ذلك، لكونهما في بيتها والله تعالى
أعلم.
١٨٧
كتاب مواقيت الصلاة
٣٥ - بابُ التَّبْكِيرِ بِالصَّلاَةِ فِي يَوْمٍ غَيمِ
٥٩٤ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيِى، هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ
أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّ أَبَا المَلِيحِ حَدَّثَهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيدَةَ فِي يَوْمِ ذِي غَيم، فَقَالَ: بَكِّرُوا
بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ)). [طرفه فيّ: ٥٥٣].
واعلم أَنَّ التأخيرَ مستحبٌ عندنا في جميع الصَّلواتِ غير المغرب مطلقًا، والعصر والعشاء
يوم غيم فقط. وعند الشافعية رحمهم الله تعالى: يُستحبُ التعجيل في جميعها غير العشاء.
٣٦ - بابُ الأَذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ
٥٩٥ - حدّثنا عِمْرَانُ بْنُ مَيسَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَينٌ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َ لَيْلَةٌ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: لَوْ
عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسولَ اللهِ، قَالَ: ((أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ)). قَالَ بِلَالٌ: أَنَا أُوقِظُكُمْ،
فَاضْطَجَعُوا، وَأَسْنَدَ بِلَالٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ◌َهِ وَقَدْ طَلَعَ
حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَالَ: ((يَا بِلَالُ، أَيْنَ مَا قُلتَ؟)) قَالَ: مَا أُلقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطْ،
قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيكُمْ حِينَ شَاءَ، يَا بِلَالُ، قُمْ فَأَذِّنْ
بِالنَّاسِ بِالصَّلَاةِ)). فَتَوَضَّأَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ، قَامَ فَصَلَّى. [الحديث ٥٩٥ -
طرفه في: ٧٤٧١].
وفيه حديث ليلةِ التعريسِ، والمسألةُ فيه عندنا أنَّ الفَوائِتَ إذا اجتمعت فإِنَّه يُؤذِّنُ فقط
ويقيمُ لسائِرها، ثم إِنَّ سُنِّيَةَ الأَذَان لا لفائتة مَحْمُولٌ على ما إذا قضاها في البيت، أَمَّا إذا قَضَى
في المسجد فلا يُؤذَّنُ لها .
ثم إنَّ واقعةَ ليلَةِ التعريس واحدة عند القفول من خَيْبَر ولا بُدَّ. ومنهم مَنْ زَعَم أَنَّها متعددة
نظرًا إلى تَغَايُرِ الألفاظِ وتَصَرُّفات الرُّواة وهو بعيدٌ عندي(١).
(١) قلتُ: وقد يشق على الذين لم يدخل الإِيمان في قلوبِهم فوات صلاةِ النَّبي ◌ََّ في تلك الليلة. قلتُ: كان
النبيُّ ◌َّه قد كان قَيَّض رجلًا لإيقاظِهِ، وكان بلال تَكَفَّلَ به، فلا بأس إذن في نومه، ولا إثم. وهو معنى قوله:
((ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط في اليقظة)) وعند النسائي في باب ((من نام عن صلاة)) ما يوضحه. وفيه:
((إنَّما التفريطُ فيمنْ لم يُصَلِّ الصَّلاة حتى يجيء وقتُ الصَّلاة الأُخْرَى حتى يثبته لها، وإنَّما ذَكَرتُ هذا اللفظ،
لأنَّه ليس في عامة ظُرُقِه وهو مفسر.
ثُمَّ إِنَّ مِنْ سُنة الله أَنَّ بعضَ الألفاظِ قد تجري على أَلْسُن المقرَّبين أَوْ يَخْطُر ببالهم ما يُقَدَّرُ وقوعه فيقع، كما جرى
على لسانِهم أَوْ خَطَرَ ببالهم، إمَّا لأنَّه ينعكس في قلوبهم ما سيقع في الخارج، أو يكون لهذا الجَريان والخُطُورِ
تأثير في تحققه تكوينًا، ولذا نُهينا عن الدُّعاء على الأولاد، لأنَّه قد يُوافِقُ ساعةَ الإِجابة فيقع، كما جَرَى على
اللسان، وقد سَمِعْتُ من شيخي رحمه الله تعالى: أَنَّ المعتبرَ في باب الأدعية والنُّذور هو الألفاظ أيضًا دون المعنى
فقط، وإذا كان حالُ أمتهِ العاصين هذا، فليقس عليه حال بنيها، وقد أشار إليه الشاه عبد القادر رحمه الله تعالى=
١٨٨
كتاب مواقيت الصلاة
٥٩٥ - قوله: (إنَّ الله قبضَ أرواحكم) وقبضُ الروح عند العامة: أَنْ يَذْهب الله بها،
وحقيقته ما نَّه عليه السُّهَيْلِي، وحاصله: أَنَّه قريبٌ مِنَ الغَطّ والضَّغْطِ كَضَمِّ الأصابع على شيءٍ،
وجعله صغيرًا بعد ما كان كبيرًا، مثلًا: كأن عندك قُطْن مَنْفُوش فقبضته وضممت عليه أصابعك،
فجعلته صغيرًا في يدك بهذا القبض بعدما كان منتفخًا في الخارج، وقبض الله سبحانه الأرواح
عبارة عن تعطيلها عن بعض الأفعال، بعدما كانت ساريةً في الجسم تحركها، فإذا قُبِضَت فقد
تَعَطَّلَت عن بعض أفعالها كما تَرى في النوم. وترجمته في الهندية - بهينجنا - فالتوفي والإِرسال
في قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ ... الخ، عبارة عن تعطيلها عن بَعضِ الأفعال
ثم ردها إليها وإذا أراد الله أَنْ يتوفاها توفى الميت، فَيَقْبُضُ الأرواح قبضًا لا إرسالَ بعدها،
فتتعطّل عمَّا كانت تُشغَل فيه بالكلية، وهو بإِخراجِها عن أجسادها، لأن التَّعْظُلَ بالكلية لا يكون
إلَّا بذلك، فإِنها ما دامت في الأجسادِ لا تزال تَشغَل ببعضٍ تدبيرها، فإِذا نُزعت عنها وأُخرجت
فقد تعطّلت عن تدبيرها مطلقًا، ولم يَبْقَ لها معها تعلُّق التدبير أصلًا. فهذا أيضًا نوعٌ من
القبض، وهو القبض التام.
وحينئذٍ انكشف معنى قوله {وَّ﴾ عند أبي داود: «ما من أحدٍ يُسلِّم عليَّ، إلَّا ردَّ اللَّهُ عليَّ
رُوحِي، فَأُسَلِّمُ عليه)) - بالمعنى - أي كان النبيُّ ◌َ﴿ مُعَظَّلًا عن ذلك الجانب، مشغولًا بجناب
القُدُس، فإِذا سُلِّمَ عليه يَرُدُّ الله عليه روحه ويُشْغِلُه بذلك الجانب، حتى يَرُدَّ عليه السلام، وليس
معناه الإِحياء والإِماتة، وهو ما أرادَهُ النبيُّ ◌َّر في عذر بلال عن نومه: ((إن اللّه قَبَضَ أرواحكم
حين شاء، وردّها حين شاء)). ومعلومٌ أن بلالًا لم يَتَوَفَّ كالميت، ولم تَخْرُجِ رُوحُه من جسده،
في فوائِدِه فراجعها من قوله تعالى: ﴿رَبَّآ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآَيِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا﴾ [المائدة: ١١٤]
=
ومن قوله تعالى: ﴿وَأَكْتُبْ لَنَا فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَفِ الْآَخِرَةِ إِنَّ هُدْنَاً إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِىَ أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاءٍ وَرَحْمَتِى
وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ومن قوله تعالى: ﴿رَبِّ الِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] ومن
قوله تعالى: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] فإنَّه أشار إلى أنَّه يُرَاعى بحضرة الرب ما يجري على ألسُن
الأنبياء عليهم السلام.
إذا سمعت هذا فاعلم أنَّ النبي ◌ِّرَ إنما عرس بعد ما لحقهم التعب وسألوه التعريس فقالوا: لو عَرَّست بنا يا
رسول الله، ثُمَّ جرى على لسانِهِ وخَطَرَ ببالِهِ ما كان واقعًا تكوينًا. فقال: إني أَخَافُ أن تَناموا عن الصَّلاة على نحو
ما جَرَى على لسانِ يعقوب عليه السَّلَام إنّي أحاف أن يأكله الذئب فوقع كما خطر ثَم إِنَّ التكوين أَمر غير التشريع،
ولم نُكَلَّف بما في التكوين، فإذا أرَدْنَا أن نعرس فليس علينا إلاّ أَنْ نوكُلَ رجلاً أَنْ يوقظنا، فلو نامَ الرجلُ ونمنًا فهو
تكوين. وما قدَّره الله تعالى فهو آتيه لا محالة. فالتشريعُ لا يسد باب التكوين، ولذا قال يعقوب عليه السلام بعد ما
أَوصَاهِم ألا يدخلوا من باب واحد، ولا أغني عنكم من الله شيئًا، فكان كما جَرَى على لسانه حتى جاءه التقديرُ من
باب آخر، ولم يمنعه دُخولُهم من أبواب متفرقة، نبه عليه الشاه عبد القادر رحمه الله تعالى أيضًا، ثُمَّ قَد يَغْلِب
عليهم التكوين من جهة الله سبحانه، ومن هذا الباب حكايةُ موسى عليه السَّلام خَلفَ الحجر عُريانًا، وإلقاءِ
النبي ◌َّهَ إزاره على مَنْكِبِهِ ولُقِّي النَّصبِ لموسى عليه السلام من السفر، وإليه يشير قوله: ((إنما أنسى لأسن)) أي
يُلقى عليَّ النسيان تكوينًا ليسن ما ينبغي في مثل هذه، وأمكّنَ أن يكون نومه أيضًا من هذا الباب والله تعالى أعلم،
وهو يهدي إلى الصواب.
١٨٩
كتاب مواقيت الصلاة
ليكون الردُّ بمعنى إعادتها فيه، بل بمعنى أنها كانت تعطّلت عن أفعالِ اليَقْظان، فلم تقدر أن
تُوقِظَ أحدًا وتحفظَ ما يحفظه ولكن اللّه سبحانه إذا ردَّها عليه، شُغِلت فيما تُشغل فيه أرواح
الناس في اليقظة، وقَدَرَت على ما كانت تَقدِرُ عليه من قبل. فهذا هو حقيقته إن شاء اللّه تعالى،
فذقه واحفظه في وعائك، وأَشْرِكْنَا في دعائك.
أما الفرقُ بين الروح والنفس، فألطف ما وجدته في كلام السُّهيلي، وَنَبْذَة منه: أنه شيءٌ
واحدٌ تغايرت أسماؤه بتغايُرِ صفاته، فيُسمَّى روحًا باعتبار تجرُّدِهِ، ويسمَّى نفسًا باعتبار
تعلُّقِه بالبدن، واكتسابه المَلَكات الردية كالماء، فإنَّه ماءٌ ما دام في الخارج، وإذ تشرَّبته
الشجرةُ، فتغيَّرت أوصافه، يُسمَّى باسم آخر، حتى لا تبقى له أحكام الماء، ولا يجوز به
الوضوء.
قوله: (فلمَّا ارتفعت الشمسُ وابْيَاضَّتْ)، ولعلَّك تدري وتَفْهَمُ أنه لماذا ارتقب الارتفاع
والابيضاض، ولم يُصلِّها إذا ذكرها، وما ذاك إلَّا أنه قد تواتر النهيُ عن الصلاة حتى ترتفعَ
الشمس. فهذا قولُهُ، وذاك فعلُهُ، فانظرهما، وفَكِّر في لفظ الابيضاض ماذا يُفيد؟ وأَصْرَحُ منه ما
عند الدَّارَقُظْنِي: ((حتى إذا أَمْكَنَنَا الصلاة)). ثم ارجع إليه البصر كرتين لا يُفيدكَ إلَّا أنهم قبل
الارتفاع لم يكونوا في مُكْنَة الصلاة، فلم يُصَلُّوها، فإن احْتَالُوا بأنه كان هناك واديًا حَضَرَ فيها
الشيطان، فتنخّوا عنها لذلك، فقل لهم: إنه لو كان هذا هو المؤثِّر، لكان حقّ العبارة أن تكون
هكذا: ((فلما زِلْنَا عن مكان الشيطان، ويُعُدَ الشيطانُ عنا))، لتكون إشارة إلى وجه التنخِّي. ولا
تجده ولا مثله في لفظٍ.
ثم هل المسألةُ عندك أن لا يُصَلِّي في كل مكان فاتتك الصلاة، أو سوَّيْتَها لجوابنا فقط.
ثم ما لك تَتَبَاعَدُ عن مكان الشيطان وتتقارن بزمانه، فإن كنتَ تريدُ أن تقع عبادتك في حيِّز
مرضاة الله، فاجتنب عن مكانِهِ وزمانِهِ جميعًا. ولا تدع الشيطانَ يفرحُ من عبادتك حين تَسْجُد
وهو قائم بين يديك، فـ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾ [فاطر: ٦] ولعلّك تَفْهَمُ الآنَ أنه كان
يتحرَّى أن يَخْرُج وقت المكروه، فلذا إذا ارتفعت الشمسُ وزُحزحت عنها الصُّفْرة، وجد مُكْنَة
للصلاة فصلاها .
وفي كتاب ((الآثار)) لمحمد رحمه الله تعالى: وليس في غيره أنه جهر فيها أيضًا، وهو
المختار عندي. هذا ما سمعت في الفجر. فإن شئتَ أن تَعْلَمَ حال العصر وأنه هل يُصلِّيها إذا
ذكرها ولو عند الاصفرار، فراجع ((الصحيح)) لمسلم حتى يتبينَ لك شرحُ قوله: ((لا صلاةَ بعد
الفجر حتى تَطْلُع الشمس، ولا صلاةَ بعد العصر حتى تَغْرُبَ الشمس)» بجزئيه من قِبَلِ صاحب
الشرع .
فعند مسلم في باب الصلاة الوسطى صلاة العَصْر، عن عبد الله قال: ((حَبَسَ المشركونَ
رسول الله ◌َّر عن صلاة العصر حتى احمرَّت الشمس أو اصفرَّت)). وعند البخاري في باب من
١٩٠
كتاب مواقيت الصلاة
صلَّى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت: ((حتى كادت الشمس تغرُب)). ومع هذا لم يصلِّها
النبيُّ وَّ إلَّا بعد ما غَرَبَت الشمس، كما في البخاري في هذا الحديث. والاعتذار عنه بأنه لم
يكن على وضوءٍ، أو انتظر أن يجتمعَ الناس، أو لم تَنْزِل صلاة الخوف بَعْدُ، فكلها لا يَعْلَقُ
بالقلب. وبالجملة: إن الأحاديث في الأوقات المكروهة قد اشتهرت، وفيهما عندنا بيان من
قِبَل صاحب الشرع أيضًا. أمَّا في الفجر، فما رُوِيَ عنه في ليلة التعريس. وأمَّا في صلاة
العصر، فكما في غزوة الأحزاب، وأمسك النبيُّ ◌َّر فيها عن الصلاة حتى خرج الوقت
المكروه، وحسبك قُذْوة بهما .
أمَّا صحة عصر اليوم عند الاحمرار عندنا، فقد مرَّ تحقيقه وأنه هل يُؤْمَرُ بها إذ ذاك أو
يؤخّرها. وكيفما كان، ولكنه لا يجب عليه أن يصلِّيها إذا ذكرها.
٣٧ - بابُ مَنْ صَنَّى بِالنَّاسِ جَمَاعَةً
بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ
٥٩٦ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ
يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كِذْتُ أُصَلِّي العَصْرَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ
تَغْرُبُ، قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا)). فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا
لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَما غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ. [الحديث ٥٩٦ - أطرافه
في: ٥٩٨، ٦٤١، ٩٤٥، ٤١١٢].
ولم أر في فِقْهِ الحنفية أنهم قالوا بوجوب الجماعة على من قضاها بعد الوقت.
٥٩٦ - قوله: (يوم الخَنْدَق)، وهي في السنة الرابعة أو الخامسة. وقد كان الخَنْدَق حُفِرَ
على رأي سلمان الفارسي، فإنه كان من دَأَب العجم.
قوله: (ما كِدْتُ). واخْتُلِفَ في ((كاد)) في الإيجابِ والنفي، والمختار أن شاكلتَه شاكلةٌ
سائر الأفعال، وحاصلُ قول عمر رضي الله عنه: أنه صلَّى العصر مُنْفَرِدًا بِكُلْفَةٍ. ثم في عدد
قضاءٍ صلوات النبيِّ وَّةٍ يوم الخَنْدَق اختلافٌ، فعند ((الصحيحين)): أنه لم تَفُتْهُ إلَّا العصر. وعند
الطحاويِّ: أنه فاتته الظّهْر والعصر والمغرب، وفي إسناده الإمام الشافعيُّ رحمه الله تعالى،
وصحَّحه ابن سيد الناس. فمن اقتصر على حديث ((الصحيحين))، قال: إنه وَهمٌ. ومن سَلَكَ
طريق الجمع بينها، قال كما قال به ابن سيد الناس: إن واقعة الخَنْدَق بقيت أيامًا، فكان هذا
في بعضٍ الأيام، وهذا في بعض. ثم في عَدِّ المغرب من الفوائت مُسَامحةٌ، فإنها لم تَفُتْهُ،
ولكنها أُخّرت عَن وقتها شيئًا، فعبَّره عن الفوات. والحافظ ابن سيد الناس من شيوخ مشايخ
الحافظ ابن حجر.
١٩١
كتاب مواقيت الصلاة
٣٨ - بابُ مَنْ نَسِيَ صَلَةً فَلَيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا،
وَلاَ يُعِيدُ إِلاَّ تِلكَ الصَّلَةَ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةٌ عِشْرِينَ سَنَةٌ، لَمْ يُعِدْ إِلَّا تَلكَ الصَّلَاةَ
الوَاحِدَةَ .
٥٩٧ - حدّثنا أَبُو نُعَيم، وَمُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّبَّرَ قَالَ: (مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّ ذلِكَ:
﴿وَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾)) [طه: ١٤]. قَالَ مُوسى: قَالَ هَمَّامٌ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ: ﴿وَقِمِ
اُلْضَّلَوةَ لِذِكْرِىّ﴾. وَقَالَ حَبَّانُ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قال: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ
النَّبِيِّ ◌َُّ نَحْوَهُ.
يمكن أن يكونَ إشارةً إلى اختيار مذهب الشافعية. ويمكن أن يكونَ قولهُ: ((إذا ذكرها)) تَبَعًا
للحديث فقط، فيجري الكلامُ فيه كما في الحديث. وفَهِمَ بحر العلوم في ((الأركان الأربعة)): أن
مبنى الخلاف بيننا وبين الشافعية لفظة: ((إذا)) فهي على ملحظ الحنفية: شرطية، وعلى نَظَرٍ
الشافعية رحمهم الله تعالى: ظرفية. ولعلَّه أخذه مِما ذُكِرَ في الكُتُب من الخلاف بين الإمام
وصاحبيه في مسألة: إذا لم أُطَلِّقْكِ، وإن لم أُطَلِّقْكِ، حيث تطلُق في الصورة الأولى كما
سكت، وفي الثانية: لا تُطْلَق حتى يموت أحدهما. وهذا عندهما. أما عند أبي حنيفة رحمه الله
تعالى: ((فإذا)) فيه ((كإِن)».
قالوا: إن مبنى الخلاف فيه: أن ((إذا)) عند الإِمام: شرطية، وعند صاحبيه: ظرفية. قلت:
والفرق بين إذا الشرطية والظرفية أن الأولى للوقت المُبْهَم، والثانية للوقت المُعَيَّن. والعاملُ في
الظرفية فعل الجزاء. واختلف في الشرطية، فقيل: فعل الشرط، وقيل: كالظرفية. ومنه ظهر
وجهُ الفرقِ بين المسألتين عند الصاحبين. ومبنى الخلاف عندي هو: اختلاف التفقُّه فقط.
وحاصلُ الحديث عندي: إيجابُ القضاء فقط .
ولا تعرُّضَ فيه إلى مسألة الأوقات المكروهة لنجعله هادمًا أو ناسخًا لها، فمسألة
الأوقات قد فَرَغَ منها الشرع في موضعها، وحرَّرها وكرَّرها حتى صَدَعَ بالنهي عن الصّلاة في
تلك الأوقات، ثم ذكر مسألة إيجاب القضاء. وأما قوله: ((إذا ذكرها))، فمعناه على المعهودية
في الأوقات، يعني إذا ذكرها في الأوقات التي هي أوقاتها عند الشرع، أمَّا إذا ذكرها في
الأوقات المكروهة، فليس ذلك وقتها عند الشرع. وإنما وقت التذكُّر وقتها إذا صلَّاها في غير
وقت الكراهة. وهذا دَأُبُ الشريعة في غير واحدٍ من المواضع: إذا فَرَغَت عن ذكر الشرائط مرةً،
تَسْكُتُ عنها في سائر المواضع، وتُرْسِلُ الكلامَ اعتمادًا على تمهيدها من قبل. ومن هذا الباب:
أحاديث الإيمان، وأحاديث الوعد والوعيد.
والذي يغفُلُ عن هذا يجعلُ كلَّ حديث كلِّية، ثم يقع في الخَبْطِ. فهكذا ههنا، إذا مُهِّدَت
١٩٢
كتاب مواقيت الصلاة
مسألة الأوقات، وبُسِطَت في موضعها كلَّ البَسْطِ، لم تَبْقَ حاجةٌ إلى ذكرها في كلِّ موضع،
وصارت كأنها مفروٌ عنها، ثم يكون بناء كلامه عليها نظرًا إلى تلك المعهودية. فمن جوُّز
الصلاة في الأوقات المكروهة، فقد عضَّ بإيهام ((إذا))، وترك التواتر المنصوص، وعَدَل عن
المكشوف إلى المجهول، مع أنه لم يَثْبُت عن النبيِّ ◌َّر الصلاة في عين الطلوع والغروب ولو
مرةً، ولو كان فيها وُسْعَةٌ لَثَبَتَتْ فيها أيضًا، كما ثَبَتَتِ الركعتان بعد العصر(١).
قوله: (ولا يُعِيدُ إلَّ تلك الصلاةَ) أشار به إلى ما وقعَ عند أبي داود: ((فإذا سها أحدُكم
عن صلاةٍ، فَلْيُصَلِّها حين يذكرها، ومن الغد للوقت)). وفي لفظٍ عنده: ((فمن أَدْرَك منكم صلاة
الغَدَاة من غدٍ صالحًا، فَلْيَقْضِ معها مثلَها))، وظاهره: أن كل من فاتَتْه صلاةٌ يُعيدها مرَّتين إذا
ذكرها، ومن الغد إذا أتى وقتها. قال الحافظُ بعدما نقل كلام الخَطَّابي(٢) مِنْ حَمْلِهِ على
الاستحباب أنه لم يَقُلْ أحدٌ من السَّلف باستحباب ذلك أيضًا، بل عدُّوا الحديث غلطًا من
رَاوِيه. وحَكَى ذلك الترمذيُّ وغيره عن البخاريِّ. ويؤيِّدُ ذلك ما رواه النَّسائي أنهم قالوا: ((يا
(١) قلت: ومحظُ قوله: ((إذا ذكرها)) هو تركُ التوقيتِ فيها على خلاف شاكلة الصلاة المؤدَّة، فإنها ليست: إذا
ذكرتها، بل حين جاء وقتها. وهذا ما قاله علماء الأصول عند تقسيم المأمور به: إنه مطلقٌ عن الوقت، ومقيَّدٌ
به، وعدّوا الفوائتَ من القسم الثاني، فالإطلاق فيها أن لا تتقيدَ بالأوقات التي كانت مقيَّدة فيها، وتراقبها قبل
أن تَفُوتَ عنك، لا أن تلقيها في الأوقات المكروهة التي نهي عنها، وهذا كالطبيب يحميكَ عن أشياء ما دُمْتَ
مريضًا، فإِذا بَرِثْتَ وشُفِيتَ يجيزُ لك بأكل جميعها، ويقول: الآن كُلْ ما شِئْتَ، فيكون تعميماً في اللفظ، ولا
يريدُ إلَّا ما جاز أكله للأصحاء.
وهذا يَنفَعُكَ في جواب ما أُوردَ على قوله تعالى في الحديث القدسي: ((افعلوا ما شِئْتُم، فقد غَفَرْتُ لكم)) لا يريدُ به
إلاّ التعميمَ في اللفظ، ورفعُ القيد في العُنوان كرامةً لهم، والكريمُ إذا رُفع عنه القيد في العنوان يرى نفسه أوثق مما
كان، ولذا قال النبيُّ ◌ََّ: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا، فمن أكل السُّمَّ بعدما أجازه الطبيبُ أن يأكل كلَّ شيءٍ، وعمل
بتعميمه ثم مات، فلا يَلُومَنَّ إلَّ نفسه، فإن التخييرَ إنما يجري في الجائزات دون المحرَّمات.
فإن قلتَ: فحينئذٍ لم يَبْقَ فيه لأهل بدر كرامةً قلتُ: كلا، بل هي كرامةٌ أي كرامةٍ، فإنهم قد عَمِلُوا عملاً كُفُوا عن
كسب سائر الحسنات على حدِّ قَوله: «ما ضرَّ عثمان ما عمل بعده)) أو كما قال فقد تكون طاعةٌ تغنيك عن
الفواصل، وتكفيك لآخرتك، فهؤلاء أهل بدر قد عَمِلُوا عملاً أعلن به على لسان رسوله في الدنيا أنه كفى
لنجاتهم، فليعملوا ما شاؤوا، ولا حاجةً لهم لنجاتهم إلى تجشُّم الأعمال، وتكلُّف المشاق، وسهر الليالي
والأيام، فأيَّة منقبةٍ بعد ذلك تريد؟ والحاصل: أن التعميمَ بالنسبة إلى الوقت الذي كانت الصلاة مقيّدةً به، لا
بالنسبة إلى الأوقات المكروهة، فافهمه.
قلتُ: ولفظ الخَطَّابي في ((معالمه)»: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بها وجوبًا، ويُشْبِهُ أن يكون الأمرُ به استحبابًا،
(٢)
ليُحرِزُ فضيلة الوقت في القضاء، اهـ. أمَّا قوله ◌ِ له: ((لا كفارةً له إلَّا ذلك))، فقال الخَطَّابي: يريد أنه لا يَلْزَمُه في
تركها غُرْمٌ أَو كفَّارةٌ من صدَقةٍ أو نحوها، كما يَلْزَمُه في ترك الصوم في رمضان من غير عذر الكفَّارة، وكما يَلْزَمُ
إذا ترك شيئًا من نَسكه كفارةٌ، وجبران دم، وإطعامٌ، ونحوه. وفيه دليلٌ على أن أحدًا لا يُصَلِّي عن أحدٍ كما يَحُجُّ
عنه، وكما يؤدِّي عنه الديون ونحوها. وفيه دليلٌ على أن الصلاة لا تُجْبَرُ بالمال، كما يُجْبَرُ الصوم ونحوه. اهـ.
قلت: أمَّا لزوم الكفَّارة من ترك الصوم في رمضان من غير عذر، فلا أَغْرِفُ أن يكونَ مذهبًا للأئمة الأربعة، إلَّا
أن يكون المرادُ من الترك الفسادَ، والإِفطار بعد الصوم، أمَّا إذا لم يصُم فلا كفَّارة عليه، وعليه قضاءٌ.
٠
١٩٣
كتاب مواقيت الصلاة
رسول الله، أَلا نقضِيها لوقتها من الغد؟ فقال ◌َّ: لا، يَنْهَاكم اللَّهُ عن الرِّبَا، ويأخذَه
منكم))(١)؟!
قلت: وهو عندي محمولٌ على الاستحباب، كما قال به الخَطَّابي: إنه يُشبه أن يكونَ
الأمرُ فيه للاستحباب، ليُحْرزَ فضيلة الوقت في القضاء. اهـ. والحديث عندي صالحٌ للعملِ، فلا
يُسوَّغُ إنكاره أو التخلّص بنحوٍ من التضعيف. نعم، يجري البحث في أن مَنْ أَعاد الصلاة
للتكميل، فهل يَسَعُ له أن يُصَلِّيهًا في الأوقات المكروهة؟ ويَلْزَمُ من أقوالهم إن ذلك واسع له.
ثم رأيت في مناقب الإمام الأعظم رحمه الله تعالى أنه فاتته صلاةٌ مرةً، فكان يُعيدها إلى زمانٍ
(٢)
طويلٍ (٢) .
(١) قلتُ: هكذا وجدته في ((الفتح))، وفيه غلطٌ من الناسخ، واللفظ الصحيح: ((ينهاكم الله عن الربا، ويأخذه منكم))*
ثم سِيَاق كلام الحافظ رحمه الله تعالى يدلُّ على أنه أتى بهذه الرواية لتؤيِّد عدم الاستحباب، مع أنها تَدُلُّ على
خلافه، كما في ((حاشية أبي داود)) عن ابن حِبَّان. وذكر ابن حبَّان في ((صحيحه)) فقال بعد رواية هذا الحديث:
هذا أمرُ فضيلةٍ لمن أحب ذلك، لا أن كلَّ من فاتته صلاةٌ يُعيدها مرتين إذا ذكرها والوقت الآتي من غدها، ثم
روى حديث الحسن، عن عمران بن حُصَيْن أنهلنَّرَ لمَّا صلَّى بهم، قال: «قلنا يا رسول الله: أَلَا نقضيها لوقتها
من الغد؟ فقال: نهاکم ربكم عن الربا، ويقبله منكم»؟١هـ.
ويمكن أن يكون لفظ ((ذلك)) في قوله: ويؤيِّد ذلك، إشارةً إلى قول الخَطَّابي، وحينئذٍ يَرْجِعُ إلى ما قاله ابن حِبَّان.
وفيه تأويلٌ آخر ذكره الشارحون، وهو: أنه إذا فاتته صلاةٌ فقضاها، فلا يتغيَّرُ وقتها في المستقبل، بل يُصلِّيها من
الغد لوقتها المعهود.
قلتُ: وهذا أعجب إليَّ، وإليه يشيرُ ما عند مسلم في بعض طُرُق حديث قَتَادة، ولفظه: قال: «فإذا كان من الغد،
فلْيُصلُّها عند وقتها)). اهـ. وهو معنى ما عند أبي داود: «فلْيُصَلُّها حين يذكرها، ومن الغد للوقت)). أي أنه يقضي
اليوم الفائت حين يذكرها، أَمَّا من الغد، فإنه يصلِّيها للوقت المعهود. نعم، لا يتحمله اللفظ الثالث عند أبي
داود كما مرَّ، لأن فيه تصريحًا بقضاء مثلها، وكذلك ما استشهد به الحافظ من رواية النَّسائي.
وأنت تعلم أن ألفاظَ الحديث إذا اختلفت ولم تأتِ على موردٍ واحدٍ، فلا سَبِيلَ إلاَّ إلى الترجيح، وإنما ذهبتُ إلى
هذا التوجيه لَمَّا وجدتُ ألفاظ الحديث تُشير إليه، لِمَا في ألفاظه: ((فَلْيُصَلَّهَا إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها)»، فهذا
يُوهِمُ أنه إذا صلَّاهَا اليوم في ذلك الوقت، لأن ذلك وقتها، فلعلَّه يُصلِيها بعد ذلك أيضًا في ذلك الوقت لما يكون
وقتُهَا قد تحوَّل إليه، فأزاحه أن قوله: ((فإن ذلك وقتها)) لهذه الفائتة فقط، ولهذا اليوم فقط. أمَّا من الغد، فإنه
يُصَلِّیها لوقتها.
قلتُ: ولعلَّ لفظ ((الفتح)) هو الصحيح، فكلمة ((لا)) في قوله بَّار جوابٌ بالإنكار لِمَا سألوه عنه. فمعنى قوله: ((لا))
لا تقضوا، وقوله: ((ينهاكم عن الربا)) ... إلخ استعجابٌ واستعظام، يعني کیف یکون ذلك، أینهاکم عن الربا
ويأخذه منكم؟ كلا لا يكون ذلك. وعلى هذا المحمل ما عن عِمْرَان بن حُصَيْن عند ابن حِبَّان، فتطابقت الروايتان،
فليست كلمة ((لا)) داخلة على ((ينهاكم)). (المصحِّح البنوري).
(٢)
قلتُ: ولعلَّ مراد الشيخ من حمله على الاستحباب هو الاستحباب للخواص، وقلما يأتي ذكره في الفقه،
كالوضوء من مسِّ الذكر، ومسُّ المرأة، ولحوم الإبل عنده، وقد مرَّ تقريره. فلا يرد أن استحبابَه لم يُنقل عن
أحدٍ من السلف، فإنه مستحبٌّ لأجل المعنى فقط. والذي يُنْقَل ونُعْنَى به هو المستحبُّ لأجل المعنى والصورة
جميعًا. وقد حقَّقناه من قبل. والله تعالى أعلم بالصواب. اهـ.
١٩٤
كتاب مواقيت الصلاة
ثم إنه يَنْوِي عند الإِعادة تلك الصلاة بعينها، وتقع عنه نفلًا، لا أنه يَنْوِي النفل أيضًا، كما
قال به بعض الحنفية. فإن الطحاويَّ قد صرَّح في مواضعَ من كتابه: أن المذهب عندنا هو
الإِعادة. نعم، تقع نفلًا، لأنه قد أسقط عنه الفرض بصلاته مرَّةً، وسنوضحه في حديث مُعَاذ بن
جبل رضي الله عنه إن شاء الله تعالى، فاحفظه، فإنه ينفعك في مسألة إعادة الصلوات.
قال الحنفيةُ: إن مَنْ صلَّى مرةً ثم أدركته الجماعة، فإنه يعيدها إلَّا الفجر والعصر. وذهب
الشافعيةُ إلى الإِعادة في الصلوات الخمس. قلت: وإن كانت الإعادة في كتبنا في الثلاثة فقط،
إلَّا أن نفسي قد تتحدَّث بجواز الإعادة في الخمس(١). والله تعالى أعلم.
٥٩٧ - قوله: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) واسْتَشْكَلَ مناسبتَه بما قبله. قلتُ: والآية وإن وردت
في موسى عليهِ الصَّلاةَ والسَّلام، إلَّا أن النبيَّ بَّ تلاها ههنا على معنى أن الصلاة للذكر،
والذكرُ غير موقَّت. فالصلاة إذا صارت قضاءً، انتقلت إلى شاكلةِ الأذكار، وبقيت غير موقَّتة
مثلها، فلا يُتوهَّم أنها كانت موقَّتة بالوقت، فإذا ذهب الوقت، فلا قضاء لها .
ثم هناك دقيقةٌ: وهي أن القرآن كثيرًا ما ينتقلُ إلى ذكر الأذكارِ عَقِيب ذكر الصلاة، فهل
تدري لِمَ ذاك؟ والسِّرُّ فيه: أنه يُشير إلى أنكَ إذا فَرَغْتَ عن الذكر الموقَّت، فعليك بِذِكْرِكَ السابق
الغير الموقّت: ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، ولعلَّه نحو تلافٍ لِمَا عِسى
أن يقع منه من التقصير في صلواته. ولذا لَمَّا فَرَغَ عن صلاة الخوف، قال: ﴿فَإِذَا أَطْمَأْتَنْتُمْ فَأَقِيمُواْ
اُلصَّلَوَةَ ﴾ [النساء: ١٠٣] لينجبرَ به ما قد وقعَ من التقصير في صلاة الخوف، فإنه یکون فيها للإیاب
والذهاب وغيرها. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٣]، وقال تعالى:
﴿فَإِذَا قُضِّيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِ اُلْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة: ١٠].
وحاصلها: أن روحَ العبادة هو الذِكْرُ، وقد جعله الله في اختياركم، أمَّا الصلاةُ، فإنها
موقَّتة، قد تكون وقد لا تكون، فإذا فَرَغْتُم منها، فادخلوا في وظيفتكم الأصلية المطلقة.
ومحصَّلُه: أنك إذا لم تكن عندك من وظيفتِك الموظفة، فاشغَلْ أوقاتك بذكر الله. وراجع كلام
الشاه ولي الله رحمه الله تعالى من ((شرحه على الموطأ))(٢).
(١) قلتُ: وفي تقرير الفاضل عبد العزيز من كلام الشيخ: أن حمله على الاستحباب إنما يُسَوَّغ في الصلوات التي
تجوز فيها الإعادة عندنا. أمَّا في الفجر فمطلقًا، وفي العصر بعده فلا، قلتُ: ولعلَّ هذا بالنظر إلى المذهب،
فلا تَعَارُض .
(٢) واعلم أن هناك فائدةً نبَّه عليها القاضي في ((شرحه على الترمذي)) - عارضة - وثَبَتَ في الصحيح عن النبيِّ لِلّ
النوم عن الصلاة ثلاث مرات.
إحداها: الحديث الذي رواه أبو قَتَادَة، ولم يَخْضُر مع النبيِّ وَّة أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
الثانية: رواها عمران بن حُصَينٍ، حضرها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، واستيقظ أبو بكر رضي الله عنه أوَّلَّهم
وکّر عمر رضي الله عنه .
الثالثة: رواها أبو هريرة رضي الله عنه، كان رسول الله بَّر أولهم استيقاظًا، وحَضَرَها بلالٌ رضي الله عنه، وأبو بكر
رضي الله عنه. رواه مالك وغيره، ويحتمل أن تكون قصة أبي قَتَادة، فتكون اثنتين اهـ.
١٩٥
كتاب مواقيت الصلاة
٣٩ - بابُ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ، الأُولَى فَالأُولَى
٥٩٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ هِشَامٍ قَال: حَدَّثَنَا يَحْيِى، هُوَ ابْنُ أَبِي
كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَعَلَ عُمَرُ يَوْمَ الخَنْدُقِ يَسُبُّ كُفَّارَهُمْ، وَقَالَ: مَا كِدْتُ
أُصَلِّي العَصْرَ حَتَّى غَرَبَتْ، قَالَ: فَنَزَلنَا بُطْحَانَ، فَصَلَّى بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى
المَغْرِبَ. [طرفه في: ٥٩٦].
قال أبو حنيفة ومالك(١) رحمهما الله تعالى: إن الترتيب مستحقٌ. وعند آخرين: إنه
(١) قلتُ: ويُسْتَفَادُ من ((الفتح)) أن مالكًا رحمه الله تعالى تمسَّك على وجوب الترتيب من قوله ◌َلَ: ((فَلْيُصَلِّها إذا
ذكرها)). قال الحافظُ رحمه الله تعالى: وذهب مالكٌ رحمه الله تعالى إلى أن من ذكر بعد أن صلَّى صلاةً أنه لم
يُصَلِّ التي قبلها، فإنه يُصَلِّي التي ذَكَر، ثم يُصَلِّي التي كان صلَّاها مراعاةً للترتيب. اهـ.
قلتُ: وتوضيحُهُ على مَا فَهِمْتُ: أن الشرعَ أوجب عليه أَنْ يُصَلِّي الفائتةَ أولًا، فمن صلَّى الوقتية مع تذكّره
بالفائتة، فقد خالف أمر الشارع، فإنه لم يُصَلِّ الفائتة إذا ذكرها، بل قدَّم الوقتيةَ مع تذكُّر الفائتة، وكان الواجبُ
عليه تقديمها، وهذا الذي نعني بالترتيب.
والعجبُ من الشافعية رحمهم الله تعالى حيث يَحْمِلُون عمومه على الأوقات المكروهة، فيجوزُونَ الصلاة فيها، مع
أنه يوجب تخصيصَ النصوص أو تأويلها. ولا يأخذونه في الترتيب، مع أنه لا يُخَالِفُ أحدًا من النصوص.
فالمأمور به أن يُصَلِّي الفائتة كما ذكر، ثُمَّ يُصَلِّي الوقتية، كما فعله النبيُّ ◌َ لِّ يوم الخَنْدَق، فصلّى الفوائت أولاً، ثم
صلَّى الوقتية بعدها مع ضيق وقت المغرب عندهم. فلو كان الترتيبُ مستحبًا كما قالوا، لقدَّم المغرب البتّة، وهذا
أقربُ ما يَتَمَسَّك به في وجوب الترتيب.
واستشعر به النووي فقال: وفي هذا الحديث دليلٌ، على أن من فاتته صلاة وذكرها في وقتٍ آخر، ينبغي له أن يبدأ قضاء الفائتة،
ثم يُصَلِّي الحاضرة، وهذا مجمعٌ عليه، لكنه عند الشافعيِّ رحمه الله تعالى وطائفةٍ على الاستحباب، فلو صلّى الحاضرة، ثم
الفائتة جاز. وعند مالك وأبي حنيفةَ رحمهما الله تعالى وآخرين على الإيجاب، فلو قدَّم الحاضرة لم يَصِحَّ اهـ.
قلتُ: إن تعجيلَ المغرب أيضًا مجمعٌ عليه، بل ربما أمكن أن يكون أرجح من تقديم الفائتة عند القائلين
باستحباب الترتيب، فلا بدَّ لهم لاختيار هذا المستحب دون هذا من نكتة، فإن الظاهر أن يُصَلِّي أولًا الوقتية
لإحراز فضيلة الوقتية، فإنها في وقتها بخلاف الفائتة، فإنه يمكن قضاؤها بعد الوقتية أيضًا. وأمَّا نحن معاشر
الحنفية فمستريحون، فإن التقديم عندنا واجبٌ، فلا حاجة إلى بيان نكتة. ولمثل هذا كان القول بوجوب الترتيب
أولى. وهذا إن قلنا بالسَّعَة في وقت المغرب، وإن نظرنا إلى أن وقتها أضيق عند الشافعية، ففي تقديم الفوائت
تفويتٌ للوقتية، وحينئذٍ لَزِمَ تقديمُ الوقتية؛ مع أن الثابتَ عن النبيِّ ◌َِّ خلافُهُ. وقد استشعر به النوويُّ أيضًا،
فقال: وقد يحتجُّ به من يقول: إن وقتَ المغرب متَّسِعٌ إلى غروب الشَّفق، لأنه قدَّم العصر عليها، ولو كان ضيقًا
لبدأ بالمغرب لئلا يفوت وقتها أيضًا، ولكن لا دَلَالة فيه لهذا القائل، لأن هذا كان بعد غروب الشمس بزمنٍ،
بحيث خَرَجَ وقتُ المغرب عند من يقول: إنه ضيق، فلا يكون في الحديث دلالة لهذا. وإن كان المختارُ أن وقتَ
المغرب يمتدُّ إلى غروب الشفق. اهـ. قلتُ: وهذا الجواب مما لست أفهمه.
ثم لو راعينا مع فعل النبيِّ ◌َرَ يوم الخَنْدَق قوله: ((صلُّوا كما رَأَيْتُمُوني أُصلِّي)) تأيَّد به مذهبُ من قال بوجوب
الترتيب. وقد تنبّه له الحافظ رحمه الله تعالى، ولذا أَلاَن فيه الكلام.
ويَخْطُرُ ببالي أَن البخاري أيضًا اختار مذهبَ الأحناف. وأغمض عنه الحافظ، ولم يتكلّم بحرفٍ أنه وافق الأحناف
أولاً. فتنبّهت منه أن ترجمة البخاري عنده أقرب إلى الوجوب، ولذا انتقل إلى الكلام في الحديث. والله تعالى أعلم.
١٩٦
كتاب مواقيت الصلاة
مستحبٌ. وقال مولانا عبد الحي: إنه لا دليلَ للحنفية على وجوب الترتيب، كما قال في مسألة
المُحَاذاة. قلت: وقد مرَّ مني أن طلبَ النصوصِ في الاجتهاديات إتعابٌ للنفسِ، وعدولٌ عن
سواءِ الصراط. أَلَّا ترى أن نبيَ الله وٍَّ لم يقضِ فوائته يوم الخَنْدَق إلَّا مرتَّة، وَهذا القدر متفقٌ
عليه .
بقي أن هذا الترتيبَ الذي عَمِلَ به: كان على أنه واجبٌ عنده، أو مستحب، فهو من
مراتب الاجتهاد كما أن النبيَّ وَّه لم يَصُف النساءَ إلَّ خلف الصفوف، حتى أنه أقام العجوز مرةً
خلفه، وجعل لها صفًّا وحدَها، مع أنه قال: ((من صلَّى خلف الصف وحده، فلا صلاةً له)) -
بالمعنى -، فهل كان هذا التأخير، لأن محاذاتَها بالرجالِ مُفْسِدَةٌ لصلاتِهم، أو لأمرٍ آخر. فهو
أيضًا من مَدَارك الاجتهاد. فحكم وِجْدَانُ أمامِنا بالوجوب في الموضعين، ولا يُسوِّغُك
الاعتراض عليه. نعم، لو أتيتَ بحديث يَدُلُّ على أنه وبَّ قضى فوائته غير مرتَبةٍ، أو أقام النساء
حِذَاء الرجال ولو مرَّةٌ، لكان كذلك مكان القول ذا سعة. أمَّا إذا لم يُنقل عنه بخلافِهِ، فأيُّ بأسٍ
في حملٍ عمله وَّر على الوجوب.
٤٠ - بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ السَّمَرِ بَعْدَ العِشَاءِ
٥٩٩ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو المِنْهَالِ
قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: حَدِّثْنَا كَيفَ كَانَ رَسُولُ
اللَّهِ وَ يُصَلِّ المَكْتُوبَةَ؟ قَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ، وَهيَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى، حِينَ
تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى أَهْلِهِ فِي أَقْصى المَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ
حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ، قَالَ: وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ، قَالَ: وَكَانَ
يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ، حِينَ يَعرِفُ أَحَدُنَا
جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ مِنَ السِّئِّينَ إِلَى المائَةِ. [طرفه في: ٥٤١].
إنما أعاد هذه الترجمة لتغايرُ السلسلة. واعلم أنهم تكلَّموا في المشتقِّ أنه هل يُستعمل
بمعنى اسم الجنس، أم لا؟ واتفقوا في الجامد، فيُطلق على القليل والكثير. والمشتّقُ يثنَّى
ويُجمع، فتردّدوا فيه لذلك، إلَّا أني رأيت في ((الكشاف)) في موضعين أنه جعلَ المشتقَّ اسم
الجنس الأول في قوله: ﴿كَيْدُ سَحِرِّ﴾ [طه: ٦٩] والثاني: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى﴾ [طه: ٦٩]،
فقال: إن اسم الفاعل المفرد معرَّفٌ باللام يكون بمعنى اسم الجنس، فافهم.
٤١ - بابُ السَّمَرِ فِي الفِقْهِ وَالخَيرِ بَعْدَ العِشَاءِ
٦٠٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيّ الحَنَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ
خَالِدٍ قَالَ: انْتَظَرْنَا الحَسَنَ، وَرَاثَ عَلَيْنَا، حَتَّى قَرُبْنَا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: دَعَانًا
جِيرَانُنَا هَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: نَظَرْنَا النَّبِيَّ ◌َِّذَاتَ لَيْلَةٍ، حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيلِ
يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا، ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: ((أَلَاَ إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَمَّ
١٩٧
كتاب مواقيت الصلاة
تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ)). قَالَ الحَسَنُ: وَإِنَّ القَوْمَ لَا يَزَالُونَ بِخَيرٍ مَا انْتَظَرُو
الخَيرَ. قَالَ قُرَّةُ: هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ. [طرفه في: ٥٧٢].
احتراسٌ عن توقُّمِ دخولِ المُذَاكرة بالمسائل تحت النهي عن السمر أيضًا.
٦٠٠ - قوله: (ورَاثَ علينا حتى قَرُبْنَا من وقت قِيَامِهِ): يعني أنه أبطأ علينا اليومٍ، حتى
ظننا أنه لا يأتي اليوم، لأنه حانَ وقت قيامه عن مجلسنا، فقال: ((إن الناس قد صَلّوْا، ثم
رَقَدُوا)). وقد مرَّ في حديثٍ أنه قال حين تأخّر عنهم: ((إنه ما ينتظرها أحدٌ غيركم))، فإمَّا أن
يُحْمَلَ على أنهما واقعتان، وإن كانت الواقعةُ واحدةً، فالأَمرُ سهلٌ أيضًا.
٦٠١ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ◌َّهِ صَلَاةَ
العِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَامَ النَّبِيُّ ◌َِّ فَقَالَ: ((أَرَأَيَتَكُمْ لَيَلَتَكُمْ هذَهِ، فَإِنَّ رَأْسَ
مائَةٍ لَا يَبْقى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ)). فَوَهِلَ لِنَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولٍ
اللَّهِ وَيهِ، إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هذهِ الأَحَادِيثِ، عَنْ مائَةٍ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ وَلَّ: ((لَا
يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ)) يُرِيدُ بِذلِك أَنَّهَا تَخْرِمُ ذلِكَ القَرْنَ. [طرفه في: ١١٦].
٦٠١ - قوله: (وإنكم لم تَزَالُوا) ... إلخ، وهذا من بابٍ إقامة الشرعِ لمن انتظر الشيء،
فإنه يَعُدُّه بمنزلة الداخل فيه .
٤٢ - بابُ السَّمَرِ مَعَ الأَهْلِ والضَّيفِ
٦٠٢ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيمَانَ قَالَ: حَدَثَنَا أَبِي قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ،
وَأَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ: ((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنٍ فَلَيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ
سَادِسٌ)). وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ نَّهِ بِعَشَرَةٍ، قَالَ: فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمّي،
فَلَا أَدْرِي قَالَ: وامْرَأَتِي وَخَادِمٌ، بَينَنَا وَبَينَ بَيتِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ
النَّبِيِّ ◌ََّ، ثُمَّ لَبِثَ حَيثُ صُلِّيَتِ العِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَّ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ◌َهِ، فَجَاءَ بَعْدَ
مَا مَضى مِنَ اللَّيلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضَّيَافِكَ، أَوْ قَالَتْ
ضَيفِكَ؟ قَالَ: أَوَ مَّا عَشَيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا، قَالَ: فَذَهَبْتُ
أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيَئًا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَظْعَمُهُ
أَبَدًا، وَايمُ اللَّهِ، مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَر مِنْهَا، قَالَ يَعْنِي، حَتَّى
شَبِعُوا، وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ
مِنْهَا، فَقَالَ لإِمْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ، مَا هذا؟ قَالَتْ: لَا وَّقُرَّةٍ عَينِي، لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ
مِنْهَا قَبْلَ ذلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذلِكَ مِنَ الشَّيطَانِ، يَعْنِي
١٩٨
كتاب مواقيت الصلاة
يَمِينَهُ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَّلَهَا إِلَى النَّبِّ ◌َ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْم
عَقْدٌ، فَمَضى الأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا اثني عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَّ
كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ. [الحديثُ ٦٠٢ - أطرافه في: ٣٥٨١، ٦١٤٠،
٦١٤١].
٦٠٢ - قوله: (فليذهب بثالثٍ) يعني من أهل الصُّفة. (قال) يعني عبد الرحمن (فلا أدري)
من قول الراوي إنه لم يحفظ هل ذَكَرَ الخادمَ والزوجة أم لا؟ (وخادم بين بيتنا) يعني أن هذا
الخادم كان يخدم في بيتنا وبيت أبي بكر رضي الله عنه.
قوله: (وإن أبا بكر تعشى) ... إلخ وفيه توسُّع الراوي، وإلا فالظاهرُ أنه أكل الطعام مع
النبي چل﴾.
قوله: (ثم لَبِثَ حيث صُلِّيَتِ العشاء) ... إلخ يعني مكث هناك إلى تلك المدة، (ثم رجع)
يعني بعد أداء الصلاة ومكث في حُجرة النبي ◌َِّ (فجاء) أي بعد ما مضى من الليل، وإنما رَاثَ
عليهم لأنه اطمَأَنَّ أنه قد أمرَ أهله أن تُطعَمَ الضيوف.
قوله: (فجَذَّعَ وسَبَّ) (كوسنى دئي) ((وايْمُ الله)) همزة وَصْلٍ، كما في الاسم والاثنين.
((غنثر)) ذباب الكلب ((بني فراس)) وكانت من هذه القبيلة ((لا وقرة عيني)) ((لا)) زائدة. وفيه حَلِفٌ
بغير الله. واحفظ أنه حَلَفَ بمثله في أربعة مواضع: الأول: في قصة الإفك، والثاني: ((أَفْلَحَ،
وأبيه، إن صَدَقَ))، والثالث: في هذه الواقعة، والرابع: في موضعٍ آخر.
قال الشوكاني: إنه من فلتات لسانه وَلّهِ. قلت: إنَّ تجويزَ سَبْقَةِ اللسان في مواضع الشِّرْك
مُسْتَبْشَعٌ جدًا، والصواب ما ذكره جَلَبِي: أن المحظورَ هو الحَلِفُ الشرعي لِمَا فيه من التعظيم
لغير الله بخلاف اللَّغَوِيّ، فإنه لتقوية الكلام فقط، وهو جائزٌ لعدم اشتماله على معنى محظورٍ،
ومع ذلك أصلحه الشرع، وقد بقي في مواضع بَعْدُ.
قلت: ولا ينبغي لمثل هذا الحَلِفِ أن يسمَّى يمينًا، فإن اليمينَ والحَلِفَ قد شاع في
العُرْف في مصطلح الفقهاء، فلا يَتَبَادَرُ الذهِنُ إلَّا إليه، فلو سمَّاه النُّجَاةُ استشهادًا لكان أحسن
وأحكم. ولعلَّه لم يكن في أذهانهم أيضًا إلَّ اليمين اللغَوِيّ، أي بمعنى الاستشهاد، ثم التَّبَسَ
الأَمرُ على الناس لشيوعه في اليمين الفقهيّ، فَذَهَلُوا عن النوع الآخر. وإذن فالتقصير في
التسمية، لا في حقيقة هذا الحَلِف.
والجَلَبِي لغةً: رومية بمعنى المولوي والصوفي، والأوصاف في الرومية تتأخّر عن
موصوفاتها، بخلاف الهندية. وملا حسن جَلَبِي هذا أستاد أخي يوسف جَلَبِي مُحشي ((شرح
الوقاية)).
وهكذا أقول: إن الفقهاء لم يُحْسِنُوا في إطلاق الصِّحَّة على كراهة التحريم، فقالوا: من
تعمَّد الحدَث بعد التشهُّد الأخير، صحَّت صلاته، مع أنها تُكْرَهُ تحريمًا. ومن هذا الباب قولهم:
جَازَ في المحل المكروه، فإنه كلَّه موهمٌ بانتفاء الكراهة، فلو لم يُطْلِقُوا لفظ الجواز والصِّحَّة
١٩٩
كتاب مواقيت الصلاة
على المكروه، لما وَرَدَ علينا كثيرٌ من الإيرادات التي أوردها الخصوم لأجل هذا التقصير فقط،
فإنه إذا قيل إنه صحيحٌ أو جائزٌ وَرَدَت علينا نصوصُ النهي فيه، فإذا قيل: إنه مكروهٌ اندفع، لأن
ظاهر هذه الألفاظ تُوهِمُ انتفاء الكراهة أيضًا، فكان الأَوْلىَ تركه، وسيجيء توضيحه أزيد من هذا
فانتظره، والله الموفّق.
ثم ههنا دقيقةٌ تُفِيدُك في مواضع، وهي: أن الشيءَ قد يكون جائزًا في نفسه ومحظورًا
لكونه موهمًا لجانب آخر، فلا يُحكّمُ عليه بالجواز أو بالحرمة كليًا، ولكن الأمر فيه إلى
المفتي، فإن رَأَى أن الناس يتضرَّرون منه لإِيهامه خلاف المقصود، عليه أن يَمْنَعَ عنه. وإن لم
يَرَ فيه ضررًا، فله أن يتركه على الجواز في نفسه على ما كان. وهذا الباب ممَّا تعرَّض إليه
القرآن، بل أقامه فقال: ﴿لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، فقول: ﴿رَعِنَا﴾ وإن
جاز في نفسه، إلَّا أَنَّه لمَّا أَوْهَمَ بخلاف المقصود حيث كان اليهود يَلْوُون به ألسنتهم، ويُشْبِعُون
الكسر، ويقولون: راعينا، لعنهم الله - نهى عنه القرآن. فمتى ما يرتفع هذا الإيهام، يَعُودُ جوازُ
الإطلاق على حاله. فالمسألة في مثل هذه الأشياء أيضًا كذلك، هكذا يُعْلَمُ من باب الحظر
والإِباحة من ((الكنز)).
فائدة
واعلم أن الذكر باسم الله هو الذي عُرِفَ في الشرع ذكرًا، أمَّا تكرار اسم النبيِّ يَّر فلم
يُعْهَد ذكرًا، فلعلَّه لا يكون فيه أجرًا لذكر، وإنما طريق ذكر النبيِّ وَّ، وتحصيل الأجر منه: أن
تُصَلِّي عليه، فالثواب بالنسبة إلى جَنَابه تعالى بذكر اسمه، وإلى جَنَاب النبيِّ وَّر بالصلاة عليه،
وبها وَرَدَ الشرع. وكذلك: يا شيخ عبد القادر الجِيلَانِي، شيئًا لله لم يُعْهَد ذكرًا، فلا يترتَّب عليه
أجرٌ، بل هو لغوٌ يُخْشَى أن يترتَّب عليه وِزْرٌ، لا سِيَّما إذا اعْتَقَد به ما خَالَفَ الشرع، وعلا فيه
وتَجَاوَز عن الحدِّ، فإنها من الكلمات التي تُوهِمُ خلاف المقصود، فَيُنْهَى عنها .
وما في بعض الفتاوى من الرخصة، فمبنيٌّ على التكلُّم به بشرط إن لم يكن مُوهِمًا بخلاف
المقصود، أمَّا اليوم، فقد فَسَدَت عقائد الناس بما تَقْشَعِرُّ منه الجلود، وكادت أن تَبْلُغ الكفرَ، بل
ربما جاوزت الكفر، فينبغي أن لا يُفْتَى بمثل هذه الكلمات، لئلا يَدْخُل عليهم الشيطان من هذا
الباب، فَيُفْسِدُ عليهم دينهم وهم لا يعلمون. فَلْيَرَ كلُّ إنسانٍ دينه، ولا يَتَشَبَّثْ من أقوال الفقهاء
بما ليس بمرادهم.
قوله: (وكان بيننا وبين قوم عقدٌ): يعني العهد، وقد كانت مدته تمَّت، وكان نُقَبَاء القوم
جاؤوا إلى النبيِّ وَُّ ليتكِلَّمُوا في أمرهم، فَقَسَمْنَا نقباءهم اثني عشر نقيبًا، ولا يَدْرِي كم كانوا
مع كل نقيبٍ، فأكلوا كلَّهم وشَبِعُوا، وكان الطعامُ بعد قيامهم عنه كما كان حين وُضِعَ بين
أیدیهم.
حكاية
وكَتَبَ ابن خَلُكَان: أن السلطان محمود كان أميّ مَحْضًا، فأراد أن يَرَى صلاة الشافعية
٢٠٠
كتاب مواقيت الصلاة
والحنفية رحمهم الله تعالى، ويختار أعجبها إليه. فجاء القَفَّال الشافعيّ، وحَكَى عن صلاة
الحنفية، فَطَلَب جِلْدَ كلب، وألقى فيه النبيذ، ثم صلَّى يَرْكَعُ ويَسْجُد فقط، ولا يعدِّل الأركان،
وإذا بَلَغَ موضع السلام حَدِّثَ عمدًا، وقال: هذه صلاة الحنفية.
ثم حَكَى عن صلاة الشافعية رحمهم الله تعالى، فأَدَّاها مع التعديل كما أمره الله،
فاسْتَحْسَنَ السلطانُ صلاةَ الشافعيةِ رحمهم الله تعالى وصار شافعيًا. ثم اتفق بعد زمان أن حنفيًا
حَكَى عن صلاة الشافعية رحمهم الله تعالى، ويُقَال له القَفَّال أيضًا، فَطَلَبَ القُلَّتَيْنِ، وألقى فيهما
أرطالًا من النجاسات، ثم توضَّأ منه وصلَّى.
ولكني متردِّدٌ في هذه القصة، لأني رأيت في طبقات الحنفية: أن السلطان محمود كان
حنفيًا فقيهًا، وتصانيفه تُوجَد في تلك الخطة، وطبقات الحنفية أَثْبَتُ عندي من طبقات الشافعية
رحمهم الله تعالى. فتردَّدت في نقل ابن خَلِّكَان من وجوه، والله أعلم.