النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
كتاب مواقيت الصلاة
لابن حِبَّان)) وطريقان في ((المستدرك)) وطريق في ((الطبقات)) للذهبي، وطريق في ((كبرى النسائي))
وطريق في الطحاوي، وطريق في الترمذي، ومدار الكُلِّ قتادةُ، والصحابي فيها أبو هريرة.
ثم بعضهم يُصَرِّحُ فيه بمسألةٍ أداء رَكعتي الفجر بعد الظُّلُوع. وآخرون يبهمون فيه، وينقلون
لفظه قريبًا مما نَقَلَهُ الحافظُ رحمه الله تعالى، وهؤلاء أَرَادُوا مِنَ الرَّكعةِ الصَّلاة، فالرَّكعة قبل
الطلوع هي صلاة الفجر، وبعد الطُّلوع هي سُنَّة الفجر، وربما يَقَعُ التخليط مِنَ الرُّواة. ومثله
يفهمه المجرب وتنبه عليه الحافظ أيضًا في ((تهذيب التهذيب)) تحت ترجمة عَزْرَة بن تميم
وأخرجه عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: ((إذا صلَّى أحدُكم رَكعة من الصبح ثمَّ طلعت
الشمس فليصلِّ إليها أخرى)) انتهى. ثم قال: قال الخطيب: لا يحفظ له عن أبي هريرة رضي الله
عنه سوى هذا، وتفرَّد عنه قتادة بالرِّواية ولم يُنبِّه عليه في ((الفتح))(١).
ثم ما يَدُّك على أَنَّه في رَكعتي الفجر دون العصرِ أنَّه ليس في أحد من طُرُقِهِ ذِكْر العصر،
بل في كلِّها ذِكْر الفجر فقط، وذلك لأنَّه لمَّا كان وَرَدَ فَي سُنَّةِ الفجرِ لم يَذْكُر فيه العصر، ولو
كان هذا هو الحديث العام لجاء فيه ذِكْرُ العصر أيضًا في طريق من طرقه (٢). فإِن قلتَ: إذا كان
الأمرُ كما وصفتَ من كونِ الحديثِ في حق المَسْبُوقِ فما نُكتة ذِكره. قبل أن تطلع الشمس وقبل
أن تغرب الشمس.
قلتُ: أمَّا أَوَّلًا: فلأنَّ أواخر أوقاتِها متعينة بالحسِّ، بخلاف سائرِ الأوقات، فإِنَّه لم يَرِد
فيه غير التقريب مع أنَّه قد وُقِّت بهما في القرآن أيضًا قال تعالى: ﴿وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعٍ
الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] فكان عُنْوَانًا لهاتين الصَّلاتين، فجاء في الحديث أيضًا تبعًا
للقرآن .
وأمَّا ثانيًا: فلدفع إيهام أَنْ يُصلِّي رجلٌ رَكعة قبِلِ الطُّلوع، ورَكعة بعدَه، ويصيرُ بذلك
مُدْرِكًا الصَّلاة، فَقَيَّد بكون الصَبحِ قَبْل الطُّلوعِ، وصرَّح أَنَّه يكون مُدرِكًا لها بإدراكها في الوقت،
(١) قلتُ: وأخرجه الترمذي ما لفظه: عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا ((من لم يُصلِّ رَكعتي الفجر فليصلهما بعد
ما تطلع الشمس)). ثمَّ قال ولا نَعْلَم أحدًا روَى هذا الحديث عن همام بهذا الإِسناد نحو هذا إلا عمرو بن عاصم
الكلابي والمعروف من حديث قَتادة عن النَّضْرِ بن أنس عن بشير بن نَهِيك عن أبي هريرة رضي الله عنه عن
النبي ◌َ﴿ قال: ((من أَدْرَكَ رَكعة من صلاةِ الصبحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشمسُ فقد أَدْرَك الصبح)). انتهى. فقلتُ لشيخي
رحمه الله تعالى: إنَّ كلامَه هذا يدلُّ على أنَّه وَقعُ بين هذين الحديثين بعض تخليط من الرُّواة إلا أَنَّ الترمذي
جَعَلَ المسألةَ فيه: من أَدْرَكَ ركعةٌ من الصلاةِ فقد أَدْرَكَ)) وحملته على ركعتي الفجر، فسكت عليه بحيث فَهِمْتُ
أنَّه قرَّرَهُ.
(٢) قلتُ: لكن أَخْرَجَ العيني والحافظُ رحمهما الله تعالى مِنْ أَلفاظِه ما فيه ذلك، ولست من العصر أحفظُ فيه شيئًا
عن شيخي رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم. ففي العيني، وعند السراج ((من صلَّى بسجدةٍ واحدةٍ قَبْلَ غُروبٍ
الشمس ثُمَّ صلَّى ما بقي بعد غروب الشمس فلم يفته العصر)). انتهى إلا أن لا يكون هذا مِنْ ألفاظ النبي ◌َه
ويكون فتوى من جهة الرَّاوي، فاختلط بالمرفوع، فروى تارة مقتصرًا عليه وتوهم كونه مرفوعًا. ولعلَّ الشيخ أشارَ
إلى جواب مثل هذه الأحاديث فيما مر، وقد سقط مني بعضُ الكلام من هذا المقام فبقي فيه قَلَق بعد.

١٦٢
كتاب مواقيت الصلاة
ولذا لم يَقُلْ: مَنْ أدرك من الصُّبح ركعة قَبْل الطُّلوع، وإِنَّما قال: ((من أَدْرَكَ رَكعة من الصبح)
يعني قَدَّم الرَّكعةَ على الصبح، ليكونَ إشارةً إلى أنَّ صلاة الصبحِ قَبْلِ الطُّلوع، ولو قدَّمِ الصبحَ
على الرَّكعة، وقالَ: مِن الصَّبحِ رَكعة قَبْل أَنْ تَطْلُعَ الشمسُ، لأوهم أَنَّ تلك الرَّكعة قَبْلَ أَنْ تطلُعَ
دون الصبح. وتلك اعتبارات وَنِكات.
وثالثًا: فإِنَّ صلاة المسبوق عندنا على ترتيب صلاةِ الإِمام، فالرَّكعة الأخرى وإِنْ كان آخرًا
حسًا، لكنَّه متقدمٌ حكمًا، فإِذا كانت رَكعة مع الإِمام قَبْلَ طلوع الشمسِ حقيقةً، فَرَكعتُه الأخرى
أيضًا قبلَهُ في نظر الشرع(١) .
ثُمَّ إِنْ قُلتَ: إنَّ راوي الحديث أبو هريرة وفَتْوَاهُ على وَفْقِ مذهبِ الشافعية رحمهم الله
تعالى. قلتُ: إِنَّه يُرْوَى عن ابن عباس رضي الله عنهما وفتواهُ كمذهبِ الحنفية كما في ((مسند
أبي داود الطيالسي)). ثم اعلم أَنَّ فتوَى أبي هريرة قد رُويٍ في بعض الطُرقِ على شاكلةٍ
المَرْفُوعِ، وليس بمرفوع في الحقيقة، ويظُّه النَّاظِرُ مرفوعًا، وإِنَّما تنبهتُ له مِنَ البيهقي، لمَا مرَّ
على شَرَح الطحاوي ردّهُ عليه بفتوى أبي هريرة رضي الله عنه، وعبره ههنا بالفتوى فليحمل عليه
المبهمات أيضًا (٢).
وفي ((تخريج الهداية)) للزيلعي: ولا يوجد هذا النقل عند غيره. أنَّ الحديثَ محمولٌ على
المسبوقِ عند بعض العلماءِ كما قررتُ سابقًا؛ فهذا هو مَحْمَلُ الحديث عندي. بقي الفَرْقُ بين
الفجرِ والعصرِ كما في المذهب، فليكِلْهُ إلى الاجتهاد أو إلى حديثٍ آخر، ألا تَرَى إلى ما نَقَلَهُ
الترمذي في معنى الحديث: أنَّه عندَهُم لصاحبِ العُذْرِ، مثل: رجل يَنَامُ عن الصَّلاة، أو يَنْسَاها،
فيستيقظُ، ويذكر عند طلوع الشمس وعند غروبها. انتهى. هذا أيضًا اجتهاد، وإلا فلا دَلالةَ عليه
في الحديثِ ولا حرف.
فإِذا عَلِمْتَ أَنَّ الحديثَ في حِق المسبوقِ عندي وفي إِذْرَاكِ الجماعةِ لا في إِذْرَاكِ الوقْتِ،
وأنَّ الصَّلاةَ كلَّها في الوقت وَقَبْلَ أَنْ تغرب؛ فاعلم أَنَّ المراد من الغرُوب هو الغروبُ الشرعي
دون الحسي. والشرعي يَمْتَدُّ من الاصفرار إلى الغروب، وحينئذٍ يكونُ حاصل الحديث: أَنَّ مَنْ
أَذْرَكَ رَكعةً من صلاة العصر مع الإِمام قبل الاصفرارِ فقد أَدْرَكَ العصرَ؛ وذلك لأنَّ الوقتَ فيما
بعد الاصفرار إلى الغروب وقت للمنافق فلا أحب أَنْ يَدْخُل في سياق التعليم، ولا دليل فيه
على أنَّه لو أَدْرَك رَكعة قبل الغروب يتمها بَعْدَ الغروب ويكون بذلك مُدْرِكًا لها .
(١) قلتُ: لم أَفْهَمْ مرادَهُ بعدُ.
(٢) قلتُ: وراجعت البيهقي من مَظَانُه فلم أَجِدْهُ فيه في النسخة المطبوعة بحيدر آباد. والله تعالى أعلم بالصواب.
ولكِنْ كُنْتُ أُقَلِبُ أَوراق ((الكنْز)) لحاجةٍ لي فوجدتُ فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إنْ خَشيت مِنَ الصبح
فواتًا فبادر بالرَّكعة الأُولى الشمس، فإِنْ سبقت بها الشمس فلا تَعْجِل بالآخرة أَنْ تكملها (عب) وكانت تلك
النسخة عند الشيخ فكنت كُلَّما أقلب أوراقها، وأجدُ فيها حديثًا يفيدنا في مسألة من المسائل، وجدتُ عليه علامةٌ
من الشيخ رحمه الله تعالى وهذا أيضًا منها ولولا علامته عليه لَمَا التفتُّ إليه.

١٦٣
كتاب مواقيت الصلاة
٥٥٧ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِيِ إِبْرَاهِيمُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: (إِنَّمَا بِقَاؤُكُمْ فِيما
سَلَفَّ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ، كَمَا بَينَ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى غَرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ
التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطَا فِيَرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ
الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ، فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطَا، ثُمَّ أُوتِينَا
القُرْآنَ، فَعَمِلنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِيَنَا فِيرَاطَينِ قِيرَاطَينٍ، فَقَالَ أَهْلُ الكِتَابَينِ: أَي
رَبَّنَا، أَعْطَيتَ هُؤُلَاءِ قِيرَاطَينِ قِيرَاطَينٍ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطَا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا؟!
قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَلَ ظَلَمْتُكُمَّ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيءٍ؟ قالُوا: لَا، قَالَ: فَهْوَ فَضْلِي
أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ)). [الحديث ٥٥٧ - أطرافه في: ٢٢٦٨، ٢٢٦٩، ٣٤٥٩، ٥٠٢١، ٧٤٦٧، ٧٥٣٣].
٥٥٨ - حدّثنا أَبُو كُرَيبِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي
مُوسى، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ: «مَثَلُّ المُسْلِمِينَ وَاليَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَمَثَلِ رَجُلِ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا
يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لِّنَا إِلَى أَجْرِكَ،
فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ، فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةً يَوْمِكُمْ وَلَكُمُ الَّذِي شَرَظْتُ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذا كانَ حِينَ
صَلاةِ العَصْرِ، قالوا: لَكَ ما عَمِلنَا، فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غابَتِ
الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرِ الفَرِيقَينِ)). [الحديث ٥٥٨ - طرفه في: ٢٢٧١].
٥٥٧ - قوله: (إنَّما بقاؤكم) ... الخ. هل المراد منه تقاصُر الأعمار بالنّسبة إلى كل أُمة،
أو بالنسبةِ إلى مجموع الأمم؟ فالظَّاهِرُ هو الثاني.
وحاصله أنَّ الدنيا مَع أَشْهُرِها وسِنِينِها وأَيَّامِها لو فُرِض يومًا واحدًا لكانت زمان هذه الأمة
فيهم كما بين العصر والغروب؛ يعني به أنَّه لم يبقَ مِنَ الدنيا إلا قليل. ثم إنَّ دورةَ هذه الأمة
ألف سنة كما قال الشيخُ الأكبر، والشيخُ المجدِّد ثُمَّ الشاه عبد العزيز والقاضي ثناء الله مصنِّفُ
التفسير المظهري)) رحمهم الله تعالى، ويؤيده ما عند ابن ماجه ((إنَّ لأمتي نصف يوم فإِنِ استقامُوا
بعدَهُ استقاموا بقية يومِهِم وإلا فيهلكون سبيلِ من هلك)) - بالمعنى - واتَّفقوا علىّ أَنَّ المرادَ مِنَ
اليوم فيه يٍوَ الآخِرة ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَا تَعْدُونَ﴾ [الحج: ٤٧] وقد شَهِدَ به
التاريخ: أنَّ الداهية الكبرى التي هي فتنة التاتار، نَزَلَت بنا بعد خمسمائة سنة، فتزلزلَ بها بُنيان
الدِّين إلا أنَّ الله سبحانه أتمَّ لنا ما وعدنا على رسوله، فتكاملت مدتها ألف سنة وكان الإِسلام
في تلك المدة غالبًا على الأديان كلِّها شرقًا وغربًا وهي دورةُ الأمةِ المحمدية وبعدَها سلط علينا
الأوروبا فَبَلَغَ حال منائرِ الإِسلام ومنابره إِلى ما ترى. والله المستعان.
وحاصلُ التشبيهين في حديثي ابن عمر وأبي موسى رضي الله عنهما: أَنَّ العبرةَ عند ربك
بالمجموع والخواتيم، فمن دَخَلَ في آخرِ اليوم كان كَمَنْ دَخَلَ في أوَّلهِ في إِحْرَازِ أَجْرِ ذلك
اليوم، وهذا هو الأصلُ في باب الاجتماع، لأنَّ الأُمورَ التي تُدعى لها الجماعة لا يمكنُ فيها
الشركة مرة واحدة، فلا بُدَّ أَنْ يَشْتَرِكوا فيه واحدًا بعد واحد، حتى أَنَّ مَنْ دَخَل فيها آخرًا يُعَدُّ

١٦٤
كتاب مواقيت الصلاة
ممَّن دخلَها أَوَّلًا وإِنْ كان بينهم تفاوت في الأجور، لكنَّهم أَدْرَكوا الدعوة كلهم، فاللَّهُ سبحانه
خلق الدُّنيا وسؤَّى فيه مأدبة، ودعى لها دعوة، فمنهم مَنْ أَجابَ، ومنهم من صدَّ عنها، ودَخَلْنَا
نحنُ في آخِرِهم وأكملنا بقية اليوم، فاستوفينا الأجرَ الموعود في اليوم كله، فكأنَّ الدنيا كلها
كيوم واحد عند ربك، والمطلوبُ مِنَ الداخلينَ أَنْ يَعْمَلُوا إلى آخرِ اليوم، فَمَنْ عَجَزَ عنه نَقَصَ
أجرُهُ، ومَنْ قَامَ به وُفِّيَ أجرُه.
ولمَّا جفَّ القلمُ بالقيراطين لمن يُعْمَل إلى الغروبِ، واتفق أنَّه استأجرنا صاحب المأدبة
في آخر اليوم فعملنا إلى مُدَّته استوفينا القيراطين نحن، فنحن وإِنْ دَخَلْنَا في آخر اليوم عند
النَّاس إلا أنَّا عُومِلْنَا معامَلَة الذين دخلوا أَوَّلَ اليوم على قاعدة باب الاجتماع، فبقي تقسيم
العاملين وعملهم في نظرنا وأما عند ربك فالعبرة بالمجموع والخواتيم.
ومن هذا الباب: ((هم القوم لا يَشْقَى جَلِيسهم))، فمن دَخَل معهم كان مثلهم في استحقاقٍ
الأجر رحمةً من الله تعالى، ولم يُحْرَم من الأجر، وإِنْ كان في نظرنا هو التقسيم في الداخلين،
لكنَّ الله سبحانه نَظَر إلى مجموع العمل وعدَّ الداخل في آخره بمنِ دَخَلَ في أوله، ومن ههنا
ظَهَرَت المناسبةُ بين الترجمة والحديثين، بأَن مُدْرِك الرَّكعة مُذْرٌِ للصَّلاةِ في نَظَرِ الشارع،
ومُذْرِك الركوع مُدْرٌ للرَّكعة عنده، ومَنْ أَدْرَكَ من الصَّلاةِ رَكعة فَقَدْ أَدْرَكَ، كمن دَخَل في آخر
اليوم فقد أَذْرَك أَجْرَ اليوم كله، وما في كتاب الإيمان أَنَّ مُدْرِكَ الرَّكعَة لا يُعد مُذْرِكًا الصَّلاة،
فمبْنَاهَ على أمر آخر، وهو نظر آخر ذُكِر في موضِعه.
وإن كنتَ فَهِمْتَه فاعلم أَنَّ حديث: ((من أَدْرَكَ الصَّلاة ... )) الخ. إنَّما وَرَدَ في باب
الاجتماع والجماعة لتعليم أَنَّ الدَّاخلَ فيها إلى أي جزءٍ منها يُعَدُّ داخلًا؛ فبين أنَّ المدرِكَ من
أَدْرَكَ رَكعة منها وبعدها، وإِنْ أَحْرَزَ شيئًا من الأَجْرِ أيضًا إلا أنَّه لا يُعَدُّ مدرِكًا لها في نظر
الشارع.
ثُمَّ إنَّ الناسَ جَرُّوه إلى مسألةِ المواقيتِ، ولم يروا إلى أَنَّ إذْرَاك الوقت بجزءٍ منه بابٌ
مستقل، لم يَرِد به الشرع، ولم يَتَعَرَّض إليه، فلو عَلِمْنَاه أَنَّه أيضًا بابٌ عِندهُ لعددناه من جزئیاتِهِ،
ولَحَمَلْنَاهُ عليه، بخلافٍ إِذْرَاك الصَّلاة من إِذْرَاكِ الرَّكعة، فإِنَّه بابٌ مستقل أَقَامَتْهُ الشريعةُ في
مواضع وتَعرَّضَت إليه، فحملناه عليه، فإِذا علمناه بعد السَّبْر كذلك، لم يَسُغْ لنا أَنْ نحملَهُ على
مسألةِ المواقيت.
ثم إنَّ حقيقةَ الإِذْرَاك أَنَّها كانت على شَرَفِ الفوات فتلافاه على نحوٍ تَقْصِيرٍ منهِ وأَدْرَكَها،
كَمَنْ سابقَهُ أحد فسبقه فَأَدْرَكه هذا بعد جِدٍّ واجتهاد منه، فهكذا حال مُدْرِك الرَّكعَة، فإِنَّ الإِمام قد
سَبَقَّهُ بصلاته وتَرَكَهُ خلفه فدخل هذا في الركعة، وأَدْرَكَه في عملهِ بهذا الجِدّ وعِدَّهُ الشارعُ داخِلًا
في هذا العمل، وكذلك حال مَنْ أَدْرَكَ الرُّكوع، فإِنَّه كادْ أَنْ يَتَخَلف عن الأَجْرِ أي أجر تِلْكَ
الرَّكعة فَجَدَّ واجتهدَ حتى أَدْرَكَ ركُوعَها فكأَنَّه أَدْرَك تلك الرَّكعة بما فيها، ولذا سقطت عنه
الفاتحة مع أنَّه لا صلاةَ إلا بفاتحة الكتاب، وهذا مما قد أجمعوا عليه، فالرُّكوعُ عندي آخر
موضع تُخْتَسَب فيه الشِّرْكةُ. وأمَّا مركزُ الصَّلاة فهو موضِع التأمين، وهو نُقْطَةُ مَرْكَزِ الدائرة،

١٦٥
كتاب مواقيت الصلاة
ومجتمع الملائكة والنَّاس. وهناك وَعْدُ المَغْفِرَة فهو مقام الجمع، فمقام السَّبْقِ: التحريمة،
ومقام الاخْتِسَاب: الركوع، ومقام الجمع: آمين.
فإِنْ شئتَ أَنْ تَعْرِفَ السابقين بسيماهم، فاحْفَظِ التحريمة تعرفهم وإِنْ شِئْتَ أَنْ تَتَوَسَّم
المجتمعينَ مَع الملائِكَة فلا تَنْسَ مَوضِع التأمين تفوز بهم، وإِنْ تُرِدْ أَنْ تَقِفَ على مَنْ أَدْرَكُوا
الرَّكعَة آخرًا، فاذكر الرُّكوعِ تَفْرُسهم، ثُمَّ إِنْ فَاتَك التأمين فلا يَفْتَكَ موضع التحميد فإِنَّه أيضًا
موضِع الوعد تلافيًا لمن فاته التأمين، وقد ورد في الخبر ((أَنَّ الصدِّيق الأكبرِ رضي الله عنه
تخلَّف مرةً عن التحريمة وأَدْرَكَ إمامه في الركوع، فأحرم بها، وقال: الله أكبر، ثُمَّ قال: الحمد
لله، ثُمَّ رَكَع، فكأَنَّه كان اختصارًا منه للصَّلاة، فلمَّا فَرَغَ النبيِنَّهِ عن صَلاتِه أُوحِيَ إليه أَنَّه
سمع الله لمن حَمِده)). فَجُعِل مكان التَّكْبِير عند الرَّفع مِنَ الرُّكوع، وقد كانوا يُكَبِّرون فيه قَبْل
ذلك، فهذا نحو تلاف فاعلمه .
ثم إِنَّ ههنا بحثًا آخر وهو أنَّه ما الذي أُريد مما قصروا فيه وأتممناه؟ فإِن كان المرادُ منه
الشريعة فقد قصَّرنا فيها أيضًا، ومنَّا أيضًا مطيعون وعاصون مثلهم، فإِنْ كان مقابلةُ أفاضل هذه
الأُمة بمَنْ سَلَفَ مِنْ أَفَاضِلِهِم، فلا يَصِح عدُّ أفاضلهم من المقصِّرين، وأفاضلِنا من
المؤتمرين، ولَكِن الأحسن حينئذٍ أَنْ يُفَرَّق بالقِلة والكَثْرَة، فإِنَّ أفاضِلَ هذه الأمةِ أكثرُ كثير بمن
مضى من قبلهم، وإن كان بين الأَرَاذِل والأراذل فَهُم في التركِ والتقْصِير سواء، معٍ أَنَّ
النبي ◌َّ﴿ قال: ((لَتَّبِعُنَّ سَنَن مَنْ قَبْلَكم شِيرًا بشبر وذراعًا بذراع)) فأي أمرٍ قَصَّروا فيه وقُمنا
بحقه؟
والذي يَظْهَر أَنَّه باعتبارِ مجموع الأمة، لا باعتبار الأفاضلِ، ولا باعتبارِ الأَرَازِل. والفَرْق
بقِلَّة المقصِّرين فينا وكَثْرَتِهم فيهم، على عكس المطيعين، أَمَّا حديث الاتباع بمن قبلنا فهو
ساكتٌ عن بيان القِلة والكثرة إنَّما أَرَادَ به بيانَ الاشتراك في نوع الفعل، فجاز الاختلافُ بين
الكم والكيف.
واحتج القاضي أبو زيد الدَّبُوسي وهو أَوَّلُ من دَوَّنَ علم الخلاف، وهو عِلْمٌ بين الفِقْهِ
وأصول الفقه (١) على مسألة المثلين، وتقريره أَنَّ قولَه وَلِّ: ((إنَّما أجلكم ... الخ)) يفيد قِلَّة
زمان مدة هذه الأمة بالنسبة إلى الأُمم الماضين، وزمان هذه الأمة مشبَّه بما بين العصر
والمغرب، فلا بُدَّ أَنْ يكونَ قليلًا بالنسبةِ إلى زمانِ النَّصارَى، إلا إذا كان وَقْتُ العصر من حين
(١) قلتُ: وههنا كلامُ متين، ذَكَرَهُ الشاه عبد العزيز رحمه الله تعالى في ((بستان المحدثين)) وتَعقَّبَ عليه مولانا عبد
الحي رحمه الله تعالى في آخر حاشيتِهِ على ((الموطأ)) مِنْ وجوه فليُنظر فيه، فإنَّ المقامَ مَزَالُّ الأقدام. قال ابن
رشد في بيان سبب الاختلاف بين الأئمة في ذلك: إن مالكًا والشافعي رحمهما الله تعالى ذهبا إلى حديث إِمَامَة
جبريل، وذَهَب أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى مفهومٍ ظاهرٍ هذا، وهو أنَّه إذا كان من العَضْرِ إلى الغروبِ أَقْصَر
من أَوَّل الُّهْرِ إلى العصرِ على مَفْهُوم هذا الحديث، فواجبٌ أَنْ يكونَ أول العصر أكثر من قَامَة: وأَنْ يكون هذا
هو آخر وقت الظُّهر. قال أبو محمد بن حزم: وليس كما ظَنُّوا وقد امتحنت الأمر فوجدت القامة تنتهي من النهار
إلى تسع ساعات وكسر ... الخ بداية المجتهد.

١٦٦
كتاب مواقيت الصلاة
صَيْرِورَة الظّل مثلَيْهِ فإِنَّه حينئذٍ يَزِيد وقتُ الظُهْر أي مِنَ الزَّوال إلى المثلين على وَقْتِ العصرِ
أي من المثلَين إلى الغُروب وإِنْ كان ابتداء العصرِ من المِثل كانا متساوِیین ولم يصح قولهم
نحن أكثرُ عملًا .
وتعقب عليه ابن حزم أَنَّ الوقتَ في المثل يمضي أزيد من بقيةِ الأمثال كلِّها فلو كان وَقْتُ
العصرِ من المِثل لبقي وَقْتُ الظُّهْرِ أزيدَ من بقيةِ الأمثال، وصحَّ قولهم نحن أكثر عملًا .
قلتُ: وما قالَهُ صحيح إلا أنَّ هذه الزِّيادة لا تَظْهَر إلا في نظر الرياضيينِ، ولا يأتي التشبيه
في مثل هذه الأمورِ الغامضة التي قَلَّمَا يُدْرِكها أحدٌ مِنْ أَهْلِ العُرْفِ، فلا بُدَّ أَنْ يكونَ فِي وَقْتِهِم
زيادة تصلح لكونها مُشَبَّهَا بها، ولا تكونُ إلا إذا زَادَ الوقتُ على المِثْل زيادة، على أنَّ محمدًا
رحمه الله تعالى إنَّما استشهدَ بهِ على مسألةِ استحْبَابٍ تأخير الظُّهْرِ لا على المِثلين.
قلتُ: وحديثُ ابنِ عمر رضي الله عنه عندي يحتوي على أَمْرَين مُستَقِلَّين:
الأول: بيان قِلَّة زمانٍ هذه الأمة بالنِّسْبَةِ إلى الأمم السالفة.
والثاني: التشبيه، وهما قطعتان مستقلتان ليست إحدَاهُما تفسيرًا للأُخرى لِما بينهما من
المُغَايَرة، تتضحُ بعدَ النَّظَرِ في سياقِهما، وقد بَلَغَ معنى القطعة الأُولى مبلغَ التواتر، كقوله: ((أنا
والساعة كهاتين)). فإِذا عَلِمْنَا أنَّ زمانَ هذهِ الأمة أقلّ قليل بالنّسبةِ إلى الأُمم وقدَّره بعضهم:
بسدس النَّهار - لم يَبْقَ ريب في أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ أَزِيدُ من المِثل، بحيث لا يَبْقَىَ بعدَه للعصرِ إلا
بقَدْرِ السُّدس كما ذَكَرهُ ابن عابِدِين في مسألَةٍ أَهْلِ البُلغاء، أو بقَدْرٍ خُمس النَّهار كما في
((الفتح)). فحديثُ التمثيل وإِنْ لم يَكُن حجة لنا إلا أنَّ لِلقِطْعَة الأولى بعد النَّظَرِ إلى الخارجِ حجة
لنا قطعًا: أَمَّا لمحمد فظاهر وأمَّا للقاضي فأيضًا ممكن(١).
قوله: (قيراطين قيراطين) والإِعرابُ فيه عندي باعتبار المجموع، لأنَّ المعاني المعتورة
أيضًا على المجموع إلا أَنَّ كُلَّ كلمةٍ لمَّا كانت صالحة للإِعراب ظَهَر الإِعراب فيها، كما قرروا
في : عبد الله، حال كونِهِ عَلَمًا ومضافًا إليه.
قوله: (هو فضل أوتيهِ من أشاء) قال المتكلمون: إِنَّ المُحال هو الترجحِ بلا مُرَجِّح دون
الترجيح بمرجِّح، فالله سبحانه يَفْعَلُ ما يشاء، ويَحْكُم ما يريد، والمرجِّح إرادتُه ومشيئتُه، ولا
حاجةَ بعدَهُ إلى مرجِّح آخر في جانب المقْدُور.
(١) قال الشيخُ رحمه الله تعالى في تعليقاته على آثار السُنن: ينبغي أنْ يكون تَمسُّك الحنفية بقوله: ((إنما أجلكم ...
الخ)) لا بقوله: وإنما مثلكم اهـ. وهما قضيتان كما في ((الفتح)) والمثل الثاني إنَّما هو بالنَّظر إلى اليهود
والنصارى، فَجعل اليوم بينهم وبين المسلمين لا بالنَّظر إلى كلٍ من الأُمم، وإلا لم يَبْق اليوم لهؤلاء، فَذَكَّر في
المثل الأول قُرب أَجَلِنا، وفي المَثل الثاني إِعراضهم أي اليهود والنَّصارى فقط وإسلامنا. والأمرُ الأول حجة
للحنفية في تأخيرٍ وقت العصر أو أدائه، ولا يَنْتَهِض بَحْثُهم في أقلِّية العطاء، وأَكْثَرِيَّة العمل. وأيضًا لا يَسْتَقيم
أكثرية العمل من النصارى إلا بالنَّظر إلى طولِ الأعمار طولًا بينًا، وهو بالزيادة على المثل، وقد اعْتَرَفَ به
الكِرْمَاني كما في ((العمدة)) اهـ. هكذا فيما نَقَلْتُ من تعليقاتِه حين قراءتي عليه بدار العلوم بديوبند.

١٦٧
كتاب مواقيت الصلاة
١٩ - بابُ وَقْتِ المَغْرِبِ
وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجْمَعُ المَرِيضُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ.
فأحالَها على اسمِها ولم يُوقّت.
قوله: (وقال عطاء) ... الخ وهو جمع صُوري عندنا، وفي الحديث: ((إنَّ أمتي لن يَزالوا
على الخيرِ ما عجَّلوا العصرَ وأخَّروا السَّحور)) - بالمعنى - وذلك لوقوع التحريفِ فيهما عن أهل
الكِتاب. فوجبَ التحذيرُ عنه لتُحْفَظَ الحدود. أَمَّا الاحتياط فيه بعدَ الوقت فلغوكما قد يفعله
الجهلاءُ من الصلحاء.
٥٥٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا
أَبُو النَّجَاشِيِّ وهو عطاء بن صُهَيب مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيج، قَالَ: سمِعتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجِ
يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ وََّ، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا، وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ.
٥٥٩ - (مواقع نَبْلِهِ) ومعلومٌ أنَّ السنة المتوارِثة في قراءة المَغْرِب هي التقصير، وإِنْ وَرَدَ
التطويلُ أيضًا في بعض الأحيان.
٥٦٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمْرِو بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَدِمَ الحَجَّاجُ، فَسَأَلِنَا جابِرَ بْنَ عَبْدِ
اللَّهِ فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ََّ يُصَلِّي الظُّهْرَ بَالهَاجِرَةِ، وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالمَغْرِبَ إِذَا
وَجَبَتْ، وَالعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا، إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ،
وَالصُّبْحَ - كَانُوا، أَوْ - كانَ النَّبِيُّ ◌َِّ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ. [الحديث ٥٦٠ - طرفه في: ٥٦٥].
٥٦١ - حدّثنا المَكْيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: كُنَّا
نُصَلِّ مَعَ النَّبََِّّ المَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالحِجَابِ ..
٥٦٢ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ
زَيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّنَّهِ سَبْعًا جَمِيعًا، وَثَمَانِيًّا جَمِيعًا. [طرفه في: ٥٤٣].
٥٦٠ - قوله: (إذا وَجَبَت) ومنه الواجب، وهذا كَمَن شال على رقبته حملًا، فتلقاهُ واحدٌ
في الطريق فأعطَاهُ حملًا آخر ليحمِله فلزمه حمله كالضِّغْث على الإِبَّالة فهكذا الغَرَضُ، ثابت
بالدَّليلِ القطعي، ويَلْزَمُ عليه إلا أَنَّ الواجب لمَّا ثَبَتَ بالدليل الظني لَزِمَهُ أيضًا، وسَقَطَ عليه،
فالواجبُ هو الساقط بهذا الطريق. قاله فخر الإِسلام.
قوله: (إذا رآهم) وهذا نصّ في رعاية حال القوم، وعند البيهقي: أَنَّ النَّبِي ◌ََّ كان يقومُ
الصَّلاةِ فإِذا رآهم لم يجتمعوا قَعَدَ - بالمعنى (١).
(١) وعند أبي داود في باب الصَّلاةِ تُقام .. الخ. كان رسولُ الله ◌ََّ حين تُقَام الصَّلاة في المسجدِ إذا رآهم قليلًا
جَلَس لم يُصَلِّ وإذا رآهم جماعة صَلَّى.

١٦٨
كتاب مواقيت الصلاة
وفي ((المبسوط)) في باب التيمم: أَنَّ فضلَ الإِبرادِ بالظُّهْرِ والإِسفارِ بصلاة الفجر، إِنَّما هو
عند عدم اجتماع القوم، فإِنِ اجتمعوا قَبْلَهِ فالأفضل التَّعجِيلَ، وعُلِم من هذه الرِّوايةِ تَعْجِيل
العشاء أيضًا لحالِ القوم. وعند أبي داود: أَنَّه كان يقومُ في الرَّكعةِ الأولىِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ حتى
لا يَسْمع وَقْعَ قدم وفيه عن أبي قتادة رضي الله عنه: فظَنَّا أنَّه يريدُ بذلك أَنْ يُدْرِك الناسُ الركعةَ
الأولى. وهذا من تَفْرِيعَات مَنْ ظَنَّ أَنَّ مُذْرِكَ الرُّكوع ليس بمدرك للركعة، وإلا فَلَيس مِنَ
الصحابة رضي الله عنهم مَنْ كان يُنكر إدراك الركعة بإِذْرَاك الركوع فاعلمه.
٢٠ - بابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلمَغْرِبِ العِشَاءُ
٥٦٣ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَن
الحُسَينِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ المُزَنِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ:
(لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَغْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَائِكُمُ المَغْرِبِ)). قَالَ: وَيَقُولُ الأَعْرَابُ: هِيَ العِشَاءُ.
والعربُ كانوا يَعْكِسُون في التسمية فكانوا يُسمون العشاء العَتَمَة، فَوَرَدَ الشرعُ بإِصلاحِه،
وعَلَّمهم ما ناسب كل صلاة اسمها، فهذا مِنْ باب تعليمِ الآداب، لا مِنْ بابِ الأمر والنَّهي.
واعلم أنَّه قد مرَّ منَّا التنبيه على أَنَّ تَعارُضَ الأدلةِ قد يكونُ لإِفادةِ المراتب، وقد يكونُ
لكون الشيء مِنْ عالم الغيب.
والثالث لكونه من باب المحاسِن فيوجد التعبير بالمكروه مع المنع عنه، وهذا لأنَّه يكون
جائزًا في مرتبة ولكنَّه يمجُّه السمع، ويَنْبُو عنه الطّبْع فيكرهه الشرع أيضًا، ولذا يُوجد إطلاق
العَتَمَة في الأحاديث، وإنْ كان أقل قليلاً مع إظهار الكراهةِ، فيدل على أنَّه مِنْ باب تهذيب
الألفاظ فقط، ولو كان من بابٍ عَدَم الجوازٍ أو الكراهة لم يرد به الشرع. نعم، عند أحمد في
((مسنده). مَنْ قال منكم يَثْرِب مكانَ المدينة فليقل المدينة المدينة عشر مرات - بالمعنى - فإِنّه
يُشْعِر بالكراهة شيئًا، والأمرَ بَعْدُ سهلٌ.
٢١ - بابُ ذِكْرِ العِشَاءِ وَالعَتَمَةِ، وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا
قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ: ((أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى المنافِقِينَ العِشَاءُ وَالفَجْرُ)).
وَقَالَ: (لوْ يَعْلَمُونَ ما فِي العَثَّمَةِ وَالفَجْرِ)). قالَ أَبوُ عَبْدِ اللَّهِ: وَالإِخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ:
العِشَاءُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوَةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]، وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي مُوسى قَالَ:
كُنَّا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ◌َّهَ عِنْدَ صَلَاةِ العِشَاء، فَأَعْتَمَ بِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس وَعائِشَةُ: أَعْتَمَ
النَّبِيُّ وََّ بِالعِشَاءِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ، عَنْ عَائِشَةَ: أَعْتَمَّ النَّبِيُّ ◌ََّ بِالعَتَمَةِ. وَقَالَ جَابِرٌ: كانَ
النَّبِيُّ ◌َُّ يُصَلِّي العِشَاءَ. وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ نَّهَ يُؤَخِرُ العِشَاءَ. وَقَالَ أَنَسُ: أَخَّرَ
النَّبِيُّ ◌َِّ العِشَاءَ الآخِرَةَ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو أَيُّوبَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ:
صَلَّى النَّبِيُّ وََّ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ.

١٦٩
كتاب مواقيت الصلاة
٥٦٤ - حدّثنا عَبْدَانُ قَالَ: أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ
سَالِمُ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ لَيلَةٌ صَلَاةَ العِشَاءِ، وَهِيَ التِي يَدْعُو
النَّاسُ العَتَمَةَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: ((أَرَأَيْتُمْ لَيلَتَكُمْ هذهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مائَةٍ سَنَةٍ
مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ)). [طرفه في: ١١٦].
٢٢ - بابٌ وَقْتِ العِشَاءِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَوْ تَأَخَّرُوا
٥٦٥ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، هُوَ ابْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: سَأَلْنَا جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَلَاةِ
النَّبِيِّ نََّ، فَقَالَ: كانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بالهَاجِرَةِ، وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالمَغْرِبَ إِذَا
وَجَبَتْ، وَالعِشَاءَ: إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ. [طرفه في: ٥٦٠].
أَلَانَ المصنِّف رحمَهُ الله كلامَهُ في هذا الباب، لورُودِ إطلاق العَتَمة أيضًا. وقال: (من رآه
واسعًا) كأنَّه لا يَحمله على رَقَبَتِهِ فَيَنْسِب التوسعة فيه إلى مَنْ كان يَرَاهِ، وهكذا يَفْعَلُ المصنّف
رحمه الله تعالى في غير واحدٍ مِنَ المواضعِ، فَيَضَع لفظ ((مَنْ)) الموصول، إشارةً إلى أنَّه لو ذَهَب
إليه ذَاهِبٌ فهو سائِغٌ ولا يَجْزِم به لِعَدَم الدَّليل القاطع عنده، أَوْ لِعَدَمِ اختياره لأسبابٍ سَنَحَت
له، ثُمَّ أَتى بقطعات عديدة وَرَدَّ فيها إطلاق المشتق، وبطريق العلمية أيضًا .
قوله: (ويُذْكَرُ عن أبي موسى) ... الخ، وهو عند أبي داود أيضًا. فمرضه بالنسبة إليه،
وإلا فقد أَخْرَجَهُ المصنِّف رحمه الله تعالى موصولًا في الباب التالي أيضًا وقد مرَّ منَّا أنَّ
المصنّف رحمه الله تعالى قد يُمَرِّضُ لمعنى غير التضعيف وهو أنَّه يورد الحديثَ بالمعنى وقَدْ
يَقْتَصِر على بعضه لوجود الاختلاف في جوازه، وإن كان المصنِّف يَرَى الجواز، نبه عليه
الحافظ .
،
قوله: (نتناوب) يعني كُنَّا نازِلِينٍ مِنَ الحَبَشَة في موضع فَكُنَّا نتناوب منه إلى النبي
وهذا التناوب وَرَدَ في الجمعة أيضًا فانْظُر ماذا يُفيد؟.
قوله: (فَأَعْتَمَ به) وهذا على صرافة اللغة، ولا كلام فيه، وإنَّما الكلامُ في إِطلاقِ العَتَمَة
لأنَّها غَلَبَت عليها العَلَمِيَّة عندهم، كما قالوا في المُرْسَلِ والمُنْقَطِعِ لا فَرْقَ بين فعليهما مَعَ ثبوتٍ
الفَرْقِ بين اسمي المفعول، فيقولون: إنَّه مُرْسَلٌ إذا حَذَفَ التابعيُّ اسم الصحابي خاصة،
ويقولون: أَرْسَلَهُ فلانٌ سواء سَقَطَ ذِكْرُ الصحابي أو راوٍ آخر مِنَ السَّنَد فَيُظْلَق المشتق على
المنقطع أيضًا. وفي ((الفتح)) أَنَّ النَّبي ◌َّ إنَّما اعتم به لما اشتغل بأبي بكر رضي الله عنه في
بعضٍ أمور المسلمين.
٥٦٤ - قوله: (فإِنَّ رأسَ مائة سَنَةٍ منها لا يَبْقَى ممن هو على ظَهْرِ الأرض أحدٌ) وقد مرَّ
بعِضُ الكلام عليه، والمرادُ به مَنْ كان حيًا في هذا الوقتِ على وجه الأرض، وأَبْعَدَ مَنْ قال:
إِنَّ عيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلام يَنْزِل بجسده المثالي بل يَنْزَل بجسده الأصلي ورده بحر العلوم في
(شرح المثنوي)) وأيضًا قال بعض الصوفية إِنَّ الخَضِرَ عليه السلام حيٍّ من عالم المِثَال.

١٧٠
كتاب مواقيت الصلاة
٢٣ - بابُ فَضْلِ العِشَاءِ
٥٦٦ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَير قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ شَهْ لَيلَةً بالعِشَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنَّ يَفْشُوَ
الإِسْلَامُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ فَقَالَ لأَهْلِ المَسْجِدِ:
((مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ)). [الحديث: ٥٦٦ - أطرافه في: ٥٦٩، ٨٦٢، ٨٦٤].
٥٦٧ - حدّثنا محَمدُ بْنُ العَلَاءِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، ، عَنْ بُرَيدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ،
عَنْ أَبِي مُوسى قَالَ: كنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعي في السَّفِينَةِ نُزُولًا فِي بَقِيعِ
بُطْحَانَ، وَالنَّبِيُّ وَّرِ بِالمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ◌َِّ عِنْدَ صَلَاةِ العِشاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ،
فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ◌َِّ أَنَا وَأَصْحَابِي، وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي بَعْضٍ أَمْرِهِ، فَأَعْتَمَ بالصَّلَاةِ حَتَّى
ابْهَازَّ الليلُ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّاَ قَضِى صَلَاتَهُ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: ((عَلَى
رِسْلِكُمْ، أَبْشِرُوا، إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، أَنَّهُ لَيسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هذهِ السَّاعَةَ
غَيرُكُمْ)). أَوْ قَالَ: ((ما صَلَّى هذهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيرُكُمْ)). لَا يَدْرِي أَيَّ الكَلِمَتَينِ قَالَ، قَالَ
أَبُو مُوسى: فَرَجَعْنَا، وَفَرِحْنَا بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَلُ.
اعلم أَنَّ حديثَ عائشة، وحديثَ أبي موسى رضي الله عنهما بعده حديثان متعدِّدَان،
وواقِعَتان مختلفتان، وإنْ كان سطحهما واحدًا، فما في حديث عائشة رضي الله عنها واقعة قَبْلَ
فُشُوِّ الإِسلام، وما في حديث أبي موسى رضي الله عنه واقعة متأخرة جداً حين قَدِمَ أبو موسى
رضي الله عنه مِنَ الحبشة في السَّنَة السابعة، وكان خَرَجَ مِنَ اليمنِ لزيارَةِ النبي الكريم عليه
الصَّلاة والسَّلام، فنازعته الرِّيح حتى ألقَتْهُ في الحبشة فَسَكَن بها سبع سنين، ثُمَّ قَدِمَ مع جعفر
رضي الله عنه ونَزَل بالبقيع، والبقيع: اسم لكل مكان فيه أُرُوم الشجر من أنواع شتى، وكان مثل
هذه الأمكنة كثيرة في أرض العرب، فيحتاجُ للتمييز إلى الإضافات كماً ترى ههنا ((بقَيع
بُطْحَان)).
٥٦٦ - قوله: (نَامَ النِّساءُ) ... الخ. أي مَنْ كانوا في المسجد، ويُمكِن أَنْ يُرَاد به أَنَّه حان
وَقْتُ النَّومِ. والأول أوجه.
قوله: (ما ينتَظِرُها أحدٌ من أهل الأرضِ غَيْرِكُم) قال السيوطي رحمه الله تعالى إنَّ الحصر
بالنسبة إلى أهل الكتاب (١) وادَّعى في شرح البخاري أَنَّ العِشَاء لم تَكُنْ في أحد مِنَ الأُمَمِ غير
هذه الأمة، وتَمَسَّكَ بما عند الطحاوي في باب الصَّلاةِ الوسطى وليس هذا عند غيره: أَنَّ أول
مَنْ صلَّى العشاء الآخرة نبينا ◌ِِّ، وقد مرَّ مني في أول كتاب الصَّلاة، أنَّ الصَّلاةَ كلها ثَبَتَت عن
الأنبياء الآخرين أيضًا، إلا أنَّها لم تكُن مفروضة على أُممهم وكانت على بني إسرائيل الفجر
(١) فعند مسلم في لفظ إنكم تنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم أهـ.

١٧١
كتاب مواقيت الصلاة
والعصرِ فقط كما في النسائي إلا أَنَّ الشيخ السيوطي رحمه الله تعالى ذَهَبَ إلى أنَّ العشاء الآخرة
لم يصلِّها نبي أيضًا فيمكِنُ أَنْ يقال: إنَّها مختصة بهذه الأمة بوصفِ الفرضية، ومن دونهم وإنْ
صَلوها فعلَى شاكلة النافلة، وحينئذ معنى قوله: ما ينتظرها أي من حيث الفرضية، وقيل(١) إنَّ
الإِسلامَ لم يَفْشُ إذ ذاك إلى الأَظْرَافِ كما في متن الحديثِ فيكون الحصر بالنِّسْبَة إلى الكُفَّار.
قال الحافظُ: والمرادُ أنَّها لا تُصَلَّى بالهيئةِ المخصوصة، وهي الجماعة إلا بالمدينة، وبه
صرَّحِ الدَّاودي، لأنَّ مَنْ كان بمكةً مِنَ المستضعفين لم يكونوا يُصلِّون إلا سِرًا، وأمَّا غير مكة
والمدينة مِنَ البلادِ فلم يَكُنِ الإِسلام دَخَلَها .
قلتُ: ويمكِنُ أَنْ يكون قوله بالنسبةِ إلى المسْجِدِ النَّبويِ، فإِنَّ المساجدَ اليوم كانت تسعة
كما عند الدَّارَقُطْني بإِسنادٍ ضعيف، وراجع كلام السمهوري فإِنَّه أيضًا ذَهَبَ إلى التعدد، وحينئذٍ
يمكِنُ أَنْ يكون مراده ما يَنْتَظِرُها غيركم الذين قَدْ صلَّوْها في مساجدهم وَرَقَدوا؛ أمَّا دعوى
السيوطي رحمه الله تعالى فتحتاج إلى تأمل.
٢٤ - بابُ ما يُكْرَهُ مِنَ النَّوْمِ قَبْلَ العِشَاءِ
٥٦٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلام قَالَ: أَخْبَرَنا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خالِدٌ
الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي المِنْهَالِ، عَنْ أَبِيِّ بَرْزَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِن ◌َّهَ كَانَ يَكَرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ العِشَاءِ،
وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا. [طرفه في: ٥٤١].
ولا بأس به إذا كان عِندَهُ مَنْ يوقِظُهُ، أو كان مِنْ عادتِه أنَّه لا يَسْتَغْرق وقت الاختيار
بالَّوم. وحَمَل الطحاوي الرخصة على ما قَبْلَ دخولٍ وَقْتِ العشاءِ والكراهةَ على ما بعدَ دُخولِهِ.
٢٥ - بابُ النَّوْمِ قَبْلَ العِشَاءِ لِمَنْ غُلِبَ
٥٦٩ - حدّثنا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ، عَنْ سُلَيمَانَ؛ قَالَ صَالِحُ بْنُ
كَيْسَانَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِل ◌َّ بِالعِشَاءِ،
حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: الصَّلَاةَ،َ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيانُ، فَخَرَجَ فَقَالَ: ((ما يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ
الأَرْضِ غَيرُكُمْ)). قَالَ: وَلَا يُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إِلا بالمَدِينَةِ، قَالَ: وَكانُوا يُصَلُّونَ العشاء فِيمَا بَيْنَ
أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيلِ الأَوَّلِ. [طرفه في: ٥٦٦].
فقسم على الحالات وأَجَازَ لِمِن غَلَبَ عليه الثَّوم وكَرِهَهُ لمن لم يكُن كذلك.
٥٦٩ - قوله: (فيما بين أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ) ... الخ. قال الفراء - واسمه يحيى -: إنَّ الشَّفَقَ
هو البياض، قال الإِثْقَاني في ((غاية البيان شرح الهداية)): إنَّ الإِمام محمدًا والفراء ابنا خالة،
وهو متقدم عن الشيخ ابنِ الهُمَام رحمه الله تعالى، ونَقَل عن الخليل أَنَّ البياض قد يَبْقَى إلى
(١) وعند مسلم في باب وَقْتِ العشاء وتأخيرِها بعد قوله ما يَنْتَظِرِها مِنْ أَهْلِ الأرض غيركم وذلك قبل أَنْ يَفْشُو
الإِسلام في النَّاس. اهـ.

١٧٢
كتاب مواقيت الصلاة
نِصْفِ الليل، وهو باطلٌ عندي، فإِنَّ البياض الذي بعد الحُمْرَة يَعْقُبه الظّلام والبياضات بعدَهُ
تكون غير هذا البياض.
ولنا: ما عند الترمذي ((حتى يَسْوَد الأفقُ)) وليس هذا السواد إلا بَعْدَ البياض، أمَّا اللغة(١).
فالتحقيق فيه عندي: أَنَّ الشَّفَقَ مِنَ الإِشفاقِ والشَّفَقَةِ هي الرِّقة فهو أَمرٌ بينَ البياضِ الناصع،
والحُمْرَة القانية. واعلم أَنَّ الوَقْتَ في اليوم الواحدِ من انبلاج الصُّبحِ الصَّادقِ إلى طُلوعٍ
الشمسِ، يكون كما بين غُروِها وغُروب الشَّفْقِ الأبيض في ذلك اليوم كذا حققَه الرياضيون.
ثم اعلم أنَّ تَرْدِيدَ وَقْتِ العشاء في الأحاديث مِنَ الثُلث والنِّصف إنَّما يُبْنَى على تَرْدِيد
القُرْآن في صَلاةِ الليل، قال تعالى: ﴿فُ الَّيْلَ إِلَّا قِيلًا ﴾﴾ نِصْفَهُ، أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ
عَلَيْهِ . .. ﴾ [المزمل: ٢ - ٤] فقد وزع الله سبحانَه الليلَ كلَّهُ بين وظيفةِ العشاءِ وصَلاة الليل، فإِن
جَعَلَ العشاء في النصف بقي النصف الآخر لصَلاةِ الليل، وإِنْ صَّها في الثلث بقي الثُلثان
الصَلاةِ الليلِ وهكذا، وعليه الترديد في النُّزِول، فيعلم مِنْ بعض الرِّوايات أَنَّه مِنَ الثُلث، ومِن
بعض آخر أنَّه من النِّصف، ورجحَ الحافظُ أنَّه في الثلث الآخر.
والتحقيقُ فيه عندي أَنَّ الكلَّ صحيح، ويفصل بين النُّزول والنزول، فنوعٌ منه يكون على
النِّصف، والآخر على الثُلثَ، ولا نَذْرِي ما كيفيات تلك النزولات، وأي فروق بينها، وسَيَرِدُ
عليك تحقيقُ النزول وأشباهه إن شاء الله تعالى.
٥٧٠ - حدّثنا مَحْمُودٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيجٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِي نَافِعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَيهِ شُغِلَ عَنْهَا لَيلَةً، فَأَخَّرَهَا
حَتَّى رَقَدْنَا فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيِقَظْنا، ثُمَّ رَقَدْنَا، ثُمَّ اسْتَيقَظْنا، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ◌َه
ثُمَّ قَالَ: (لَيسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيرُكُمْ)). وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُبَالِي
أَقَدَّمَهَا أَمْ أَخَّرَهَا، إِذا كَانَ لَا يَخْشى أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ عَنْ وَقْتِهَا، وَكَانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا. قَالَ ابْنُ
◌ُرَيجِ: قُلتُ لِعَطَاءٍ.
٥٧٠ - قوله: (وكان ابنُ عمر رضي الله عنه لا يُبالِي أَقَدَّمَها أم أَخَّرَها إذا كان لا يَخْشَى أَنْ
يَغْلِيَهُ النَّوم) ... الخ، وهذا يدلُّ على جواز النَّوم حين أَمِنَ فَوَاتها .
٥٧١ - فقال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ يَقُولُ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللّهِ نَّهَ لَيْلَةً بالعِشَاءِ، حَتَّى رَقَّدَ
النَّاسُ وَاسْتَيقَظوا، وَرَقَدُوا وَاسْتَيقَظُواْ، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الخَطابِ فَقَالَ: الصَّلاةَ، قَالَ عَطَاءٌ:
(١) قال الخَطَّبي: قالت طائفة: الشَّفَق: الحُمرة. روي ذلك عن ابنِ عُمر وابنِ عباس، وهو قولُ مَكْحُولٍ وطاوسٍ،
وبه قال مالك وسفيان الثوري، وابنٍ أبي ليلى وأبي يوسف، ومحمد والشافعي، وأحمد وإسحاق، وروي عن
أبي هريرة أَنَّه قال: الشَّفَقُ البياض، وعن عمر بن عبد العزيز مثله، وإليه ذَهَب أبو حنيفة رحمه الله، وهو قولُ
الأَوْزَاعي. وقال بعضهم: الشَّفَقُ اسم للحُمْرَة والبياض معًا، إلا أنَّه إِنَّما يُظْلَق في أَحْمَر ليس بقاني، وأبيض
ليس بناصع، وإنَّما يُعْلَم المرادُ منه بالأدلةِ لا بنفسِ اللفظ كالقرء اهـ. ((معالم السُنن)).

١٧٣
كتاب مواقيت الصلاة
قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِوَهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيهِ الآنَ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ ماءً، وَاضِعًا يَدَهُ
عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: (لَوْلًا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لِأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هكذا)). فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً:
كَيفَ وَضَعَ النَّبِيُّ ◌َّهَ عَلَى رَأْسِهِ يَدَهُ كما أَنْبَأَهُ ابْنُ عَبَّاس؟ فَبَذَّدَ لِي عَطَاءٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا
مِنْ تَبْدِيدٍ، ثُمَّ وَضَعَ أَظْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ، ثُمَّ ضَمَّهَا يُمِرُّهَا كَذلِكَ عَلَى
الرَّأْسِ، حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ مِمَّا يَلِي الوَجْهَ عَلَى الصُّدْغِ وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ، لَا
يُقَصِّرُ وَلَا يَبْطُشُ إِلَّا كَذلِكَ، وَقَالَ: (لَوْلَا أَنْ أَشْقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوا هكذا)).
[الحديث ٥٧١ - طرفه في: ٧٢٣٩].
٥٧١ - قوله: (قال ابنُ عباس رضي الله عنه: فَخَرج نبي الله وََّ كأنِّي أَنْظُرِ إليهِ الآن) ...
الخِ، وهذه الواقعة متأَخِرَة جدًا، فإِنَّ ابن عباس رضي الله عنه جاء السنة الثامنة وقد أَدْرَكها، ثُمَّ
إِنَّ نحو قوله: (كأَنِّي أَنْظُر) ... الخ، سَمَّاهُ النُحَاة استحضارًا وحكاية للحال والظاهر أنَّه لم يُرِد
بذلك بيان التثبُتِ فقط، بل أَرَادَ شِرْكته فيها .
قوله: (على الصُّدْغ وناحية اللحية) وهي في اللغة ما نبَتَت على لحييه. ويقال لها في
الهندية: دارهى. لهذا المعنى لأنَّها تنبُتُ على الضرس - داره -.
٢٦ - بابُ وَقْتِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيلِ
وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَسْتَحِبُّ تَأْخِيرَهَا .
٥٧٢ - حدّثنا عَبْدُ الرَّحِيم المُحارِبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُمَيدِ الطَّوِيلِ، عَنْ
أَنَسِ قَالَ: أَخَّرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ قَالَ: ((َقَدَ صَلَّى
النَّاسُ وَنَامُوا، أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ ما انْتَظَرْتُمُوهَا)). وَزَادَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيِى بْنُ
أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيدٌ أَنْه سَمِعَ أَنَسّا قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصٍ خاتَمِهِ لَيَلَتَئِذٍ. [الحديث
٥٧٢ - أطرافه في: ٦٠٠، ٦٦١، ٨٤٧، ٥٨٦٩].
وهو مستحبٌ إلى الثُلث، وجائزٌ إلى النِّصف بلا كَرَاهة، وبعدَهُ مع كراهةٍ تنزيهية، كذا
حَقَّقَهُ ابنُ أمير الحاج. وإليه ذَهَبَ الطحاوي. واخْتَارَ بعضُهم التحريم إلا أَنَّهم استثنوا منه
المسافر، فيجوز له بعد النِّصف بدونٍ كَرَاهة.
قلتُ: واستثني المسافر في المغرب أيضًا، فإِنَّ الحنفية إذا قالوا بالجمع الصُّوري لَزِمَهُم
القول بجوازٍ تَأْخِيرِها وإِنْ كانت السُّنَّة فيها التعجيل. ونُسِبَ إلى داود الظاهري والحسنِ بنِ زياد
من الحنفية أَنَّ وَقْتَ العشاء إلى نِصْفِ الليل.
٥٧٢ - قوله: (ما انتظرتُمُوها) وقد وَرَدَت فى فضيلةِ انتظارِ الصَّلاةِ بعد الصَّلاة أحاديث
ولم أتحقق لها صورة العمل غير إشارة في ((شرح الموطأ)) للباجي: أنَّ السَّلف كانوا يَنْتَظِرون
الصَّلاة بعد الصَّلاة وهكذا يُسْتَفَادُ من رِوَاية ابنِ ماجه ووجه التَّرَدد أني لا أرى في السَّلفِ شُهرة

١٧٤
كتاب مواقيت الصلاة
جُلوسِهم لانتظار الصَّلوات بعد الصَّلوات مع كَثْرةِ الأحاديث في فضيلتهِ فلا أدري هل المراد به
تَعلقُ القلب فقط أو الجلوسُ الحسي أيضًا؟
٢٧ - بابُ فَضْلٍ صَلاَةِ الفَجْرِ
قلتُ: وهذا مِنْ عادات المصنِّف رحمه الله تعالى أَنَّ الحديثَ إذا اشتمل على فائدةٍ،
ويريد أَنْ يُنبِّه عليها، فإِنَّه يَذْكُرَها في الترجمة وإِنْ لم يُناسِب سلسلة التراجم، أعني به أَنَّ
التَّراجِمَ إِذا تكون عندهُ مُسَلْسَلَة ثم تَبْدُو له فائدة في الأحاديث المستخرجة ويراها مهمة، فلا
يَنْتَظر أَنْ يُبَوِّب لها بابًا، مستقلًا، ولكِن يُفَرِّغ عنها في ذيول هذه التراجم؛ وأسميه إنجازًا فقوله:
والحديث، أي: الحديث بعد العشاء وإنْ لم يُناسب ذكره ههنا لأنَّه عَقَدَ الترجمةَ لفضلٍ صلاة
الفجر ولا مناسبة بينَهُ وبين الحديث بعد العشاء إلا أنَّه لمَّا كان مَذْكُورًا في الحديثِ المترجَم له
ذكره إنجازًا. وقد اضطرب في توجيهِهِ الشارحون، ولم يَأْتُوا بشيء فقال بعضُهم: معنى قوله:
والحديث أي الذي جاء في فَضْلِ الفجر.
٥٧٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَال: حَدَّثَنَا قَيْسٌ عن جَرِيرُ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ بَّهَ، إِذْ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيلَةَ البَدْرِ، فَقَالَ: ((أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمَّ
كَمَا تَرَوْنَ هذا، لَا تُضَامُّونَ - أَوْ لَا تُضَاهُونَ - فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى
صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافعَلُوا)). ثُمَّ قَالَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع
الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا﴾ [طه: ١٣٠]. [طرفه في: ٥٥٤].
٥٧٣ - قوله: (كنّا عند النبي ◌َّهِ) ... الخ، وظاهرٌ أنَّه بعد صَلاةِ العشاء.
قوله: (لا تضامُّون) وهو من الضمِّ أو الضَّيم بمعنى الظُّلم. والمعنى على الأول: أنكم
تَرَوْنَهُ بغير مزاحمة بعضهم لبعض. وعلى الثاني: معناه: بغير أن يَظْلِمَ بعضكِم بعضًا لا
تُضاهون (تمهين شبه نه بريكا). قال: (﴿فَسَبِّحْ يِحَمْدِ رَبِّكَ﴾) ... الخ، لا أقول إنَّ المرادَ من
التسبيح الصَّلاة بل المراد منه هو التسبيحُ المعروف إلا أنَّه ما يكون في ضمن الصَّلاة وهكذا
لا أريد مِنْ قوله: ((اركعوا واسجدوا)) الصَّلاة ابتداء ولكن الركوع والسجود مستعملان في
مسماهما؛ ثُمَّ المراد منهما ما يكونان في خِلال الصَّلاة وفائدة هذا التعبير، التنبيه على أَجْزَاءُ
الصَّلاة وتعليمها، وحينئذٍ تَنْسَحب الآية على التسبيحات بعد هاتين الصَّلاتين أيضًا، فالأذكار
بعد الفَجْرِ والعَصْرِ متطفلة وتابعة لهما دون الوقت، بخلافِها بعد المغرب فإِنَّها تابعة للمساء
والصَّلاة معًا .
٥٧٤ - حدّثنا هُذْبَةُ بْنُ خالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قالِ حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ عَنْ أَبِي
بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسى، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ لّ قَالَ: ((مَنْ صَلَّى الْبَرْدَينِ دَخَلَ الجَنَّةَ)).
وَقَالَ ابْنُ رَجاءٍ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ فَيْسٍ
أَخْبَرَهُ بِهذا .

هـ
١٧٥
كتاب مواقيت الصلاة
حدّثنا إِسْحَاقُ، عَنْ حَبَّنَ قال: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قال: حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِّ وَ مِثْلَهُ.
٥٧٤ - قوله: (من صلى البَرْدَين) فيه تغليب. وفي الجامع الصغير للسيوطي رحمه الله
تعالى أَنَّ الرؤية إِنَّما تكون في هذين الوَقْتَين، فجاء التَّخْصِيص لهذا، ثُمَّ رَمَزَ عليه السيوطي
بالصحة، ومَنْ خَدَمَهُ أَقرَّ أَنَّ تلك الرُّموز من جانب الشيخ رحمه الله، وفي ((حادي الأرواح))
رواية أَنَّ التميز في الجنة بين الليل والنَّهار، إنَّما يكون بإِرخاء السَّتر، وكشفه بين أهل الجنة،
وبين ربهم جل وعلا .
٢٨ - باب وَقْتِ الفَجْرِ
٥٧٥ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَاصِم قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ زَيدَ بْنَ
ثَابِتٍ حَدَّثَهُ: أَنَّهُمْ تَسَخَّرُوا مَعَ النَّبِيِّ وَِّ ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ. قُلتُ: كَمْ بَينَهُمَا؟ قَالَ قَدْرُ
خَمْسِينَ أَوْ سِتِينَ، يَعْنِي آيَةً. [الحديث ٥٧٥ - طرفه في: ١٩٢١].
٥٧٦ - حدّثنا حَسَنُ بْنُ صَبَّاحِ: سَمِعَ رَوْحًا قال: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﴿ وَزَيدٌ بْنَ ثَابِتٍ تَسَخَّرًا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِما، قَامَ نَبِيُّ
اللَّهِ وَلَّهِ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى. وقلت لأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِما وَدُخُولِهِمَا
فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَفْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً. [الحديث ٥٧٦ - طرفه في: ١١٣٤].
قوله: (إِنَّ زيدَ بنَ ثابت حدثه) ... الخ، وزيد بن ثابت هذا قَدْ دَخَلَ في صلاةٍ ليله وَّر،
ومذهبه في الوترِ كمَذْهَبِ الحنفية، وراجع: ((كشف الستر عن مسألة الوتر)).
واعلم أنَّ الخِلاف فيهِ بيننا وبين الشافعي رحمه الله تعالى في الاستحبابِ دون الجوازِ
فمذهبنا على ما يُعْلَم من كلام الطحاوي، أنْ يَشْرَع بغَلَس ثُمَّ يسفر بها بالإِطالَة وهو مذهب
محمد وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، كما يُستفاد مِنْ كتاب ((الحجج)) وصرَّح الطحاوي أنَّه
قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله تعالى، ولم يَذْكر بينهم خلافًا، ثُمَّ
وجدتُ في كتب أركان النَّقل أنَّه مذهب محمد رحمه الله فقط، ومذهبُ الشيخين أفضلية الإِسفار
بداية ونهاية، وحدُّ الإِسفار عندنا أَنْ يَفْرَغَ عنها، وقد بقي عليها من الوَقْت ما لو أَعَادَ فيه صلاته
لعارض وَسِعَهُ قبل التُّلوع مع رعاية السنن.
ومذهب الثَّلاثة استحباب التَّغْلِيس بداية ونهاية، فَيَدْخُل فيها كما طلع الفجر، ويفرغ عنها
في الغَلَس، ويخالفه ما أخرجه المصنِّف عن ابنٍ مسعودٍ رحمهما الله تعالى أنَّه قال: ما رأيتُ
رسولَ الله وَّهِ صلَّى صلاةً في غير وَقْتِها غير ذلك اليوم - يعني الفجر يوم المزدلفة .. ومعلومٌ أنَّه
لم يُصلِّها في ذلك اليوم إلا وَقَدْ طَلَع عِليهِ الفَجْر، فَعُلِمَ أَنَّ الصَّلاة عَقِيب طُلوعِ الفَجْرِ صلاة في
غير وَقْتِها، والصَّلاة في وَقْتِها أَنْ تُصَلَّى وقد دَخَلَت في الإِسفار كما قال النَّبِيِ وََّ: ((أسفِرُوا
بالفجر ... )) الخ، ومِنْ ههنا عُلِمَ أَنَّه لا يَصِحُ حَمْلُه على تَحَقُّق طُلوع الفَجْرِ، فإِنَّكَ قد عَلِمْتَ أَنَّ

١٧٦
كتاب مواقيت الصلاة
الصَّلاةَ كما تَحَقَّقت الفجر كانت بمزدلفة ثُمَّ عدَّها ابنُ مسعود رضي الله عنه في غير وَقْتِها فلا
تكون مأمورًا بها مع أَنَّا أُمِرْنا أَنْ نُسْفِرَ بها فالإِسفار هو وَقْتُها على نصِّ الحديث، وهي عند
تَحقُّقِ الفجرِ في غير وَقْتِها على ما ذَكَرَهُ ابنُ مسعود رضي الله عنه، فَعُلِمَ أَنَّ الصَّلاة عند تَحقُّق
الفجرِ صلاة في غيرِ وَقْتِها (١) .
قال النَّووي: وقد يَحْتَجُّ أصحابُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى بهذا الحديث على منع
الجمع بين الصَّلاتين في السفر، لأنَّ ابنَ مسعودٍ رضي الله عنه قد أَخْبَرَ أنَّه ما رآهُ يَجْمَعُ إلا فيَ
هذه الَّليلة، ثمَّ رَدَّ عليه من وجوه منها أَنَّه متروٌ الظَّاهِر بالإِجماع، لأنَّه لَمْ يَذْكُر الجمع بعرفة
أيضًا مع أَنَّه مُجْمَعٌ عليهِ، ونَقَلَ الحافظُ رحمه الله تعالى رَدَّ النووي وسكت عليه.
قلت: والجمعُ بعَرَفة أيضًا مذكورٌ عند النَّسائي قال كان رَسولُ اللهَ وََّ يصلِّي الصَّلاةَ لوقْتِها
إلا بجمعٍ وعَرَفات، فإِنْ كان خَفي على النَّووي فكيف خَفي على الحافظ.
ثم إِنَّه نيطت بالإِسفار أَعْظَمِية الأجْرِ، فقال في موضع التعليلِ فإِنَّه أعظمُ للأجرِ والصَّلاة
قَبْل التحقُّقِ باطلة (٢) فضلًا عن حصولِ الأَجْرِ لتحصُلَ بعد التحقُّقِ أَعْظَمِية. وفي رواية النَّسائي
((كُلما أَسْفَرْتُم، فدَلَّ على مراتب الإِسفار في أَجْزَاءِ يوم واحد، وأَخْذ التكْرَارِ بحَسبِ الأَيَّام
بعِيدٌ، وعن يزيد الأَودي عند الطحاوي رحمه الله تعالى، قال: كان علي بن أبي طالب كَرَّم
اللَّهُ وَجْهَهُ يُصَلِّي بنا الفجرَ ونحن نَتَرَاءَى الشمس؛ مَخَافَةً أن تكون قد طلعت. وعن عَليّ بنِ
رَبيعة قال: سمعتُ عليًا رضي الله تعالى عنه يقول: يا قنبر أَسْفِر أسْفِر. ومثله عن عمرَ بنِ
الخطاب أنَّه كان يُنَوِّر بالفجر. كيف لا وقد أُمِرَ أَنْ يُسْفِرَ بالفجر، وراجعه بأسانيده عند
الطحاوي، وعنده عن إبراهيم قال ما اجتمعَ أصحابُ محمد رََّ على شيء ما اجتمعوا على
التَّنوير، وهو مَحْمُولٌ عندي على بدايتِهم في التَّغْلِيس ونهايتهم في الإِسفارِ، كما حملَهُ
الطحاوي فافهم.
(١) قلتُ: وما عند الطحاوي صريحٌ فيه قال: سمعتُ عبد الرحمن بن يزيد يقول: حجَّ عبدُ اللّه فَأَمَرني عَلْقَمَة أَنْ
أَلزَمَهُ فلمَّا كانت ليلة مزدلفة وطَلَعَ الفجرُ، قال: أَقِم فقلتُ: يا أبا عبد الرحمن إنَّ هذهِ الساعة ما رأيتُك تُصلِّي
فيها قط، فقال: إنَّ رَسولَ الله ◌ََّ كان لا يُصلِّي هذه يعني هذه الصَّلاة إلا هذه الساعة في هذا المكان، مِنْ هذا
اليوم، قال عبد الله: هما صلاتان تحولان عن وَقْتِهما: صلاةُ المغرب بعدما يأتي النَّاس من المُزْدَلِفة وصلاةُ
الغَدَاة حين ينزع الفجر، رَأيتُ رسولَ اللّهِ وَّه يَفْعَلُ ذلك وفيه أنَّ الصَّلاةَ عَقِيب الطّلوع كانت غير معروفةٍ عندهم،
حتى سَأَلَ عنها - وفيه أَنَّهما تَوَافَقًا على أَنَّ صلاتَهُ في هذا الوَقْتِ متحولة عَنْ وَقْتِها في سائر الأيام.
(٢) وقد أجاب عنه الخَطَّابِي فقال: وإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَستقِيم هذا ومعلومٌ أَنَّ الصَّلاةَ إذا لم يَكُن لها جَواز لم يكُنْ فيها
أَجْر. قيل: أَمَّا الصَّلاة فلا جواز لها، ولكِنْ أَجْرُهم فيما نَوَوْهُ ثابتٌ، كقوله ◌َّه: ((إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله
أجر))، أَلَا تَرَاهُ قد بَطَل حُكمه ولم يَبْطُل أجرُهُ وقيل: إنَّ الأمرَ بالإِسفار إنَّما جاء في الليالي المقمرة وذلك أَنَّ
الصُّبح لا يتبينُ فيها جيدًا، فَأَمَرهُم بزيادةِ التبيين استظهارًا باليقينِ في الصَّلاةِ ((معالم)).
قلتُ: وإنَّما نقلتُ هذه السُّطور لِتَعْلَم اضطرابَهم في هذا الحديث وعجزَهم عَنِ الجوابِ، فإنَّ الجوابَ المذكورَ
ليس تأويلاً ولا صرفًا، والله تعالى أعلم بالصواب.

١٧٧
كتاب مواقيت الصلاة
أمَّا ما تمسُّكوا بما نقل في سُنِّيَّة التغليس حتى إذا استشهد عمر رضي الله تعالى عنه أسفر
بها عثمان، فليس فيه ما يدلُّ على مَذْهَبِهِم، فإِنَّ التَّغْلِيس في البداية لا ننكره أيضًا، وما عَمِلَ به
عثمان رضي الله تعالى عنه فهو الإِسفار بداية ونهاية، ليكون خُروجهم في وقتٍ يأمنُونَ فيه، ولا
يَخافون أن يُغْتَالوا كما اغْتِيل عمر رضي الله تعالى عنه، وأمَّا ما تمسكوا به ممَّا روي في حديث
جبريل عند أبي داود في سِيَاق تأخيرِ عمر بن عبد العزيز في صلاة العصر أنَّه صلَّى الصُّبحَ مرةً
أخرى فَأَسْفَرَ بها ثُمَّ كانت صلاته بعد ذلك التَّغْلِيس حتى مات لم يعد إلى أَنْ يُسْفِرَ. فقوله: لم
یعد ... الخ علله أبو داود.
وعندي له وجه، ومعناه: أنَّه لم يعد إلى الإِسفارِ كما كان أَسْفَرَ بها في اليوم الثاني،
وهكذا كان ينبغي، لأنَّ جبريل عليه السَّلام علَّمه آخر وقتها في ذلك اليوم، وقد عَلِمْتَ أنَّا لا
نعني بالإِسفار أَنْ يُصلَّى بها بحيث لا يَبْقَى بعدَهُ وقتٌ، أو يَبْقَى وقتٌ لم يَسِعْ للصَّلاةِ، أو وسعها
لكنَّه لم يَسع لها معٍ مراعاةِ الآداب. والدليل عليه ما أَخْرَجَهُ أبو داود في حديث جبريل أنَّه:
((لمَّا كان من الغَدِ صلَّى الفجر وانصرف، فقلنا: أَطَلَعَت الشمس؟)) انتهى. فدلَّ على شِدَّةِ التأخيرِ
بحيث توهم منه («طلوع الشمس ونحوه عند مسلم في حديث أبي موسى في قِصة تَعْلِيم الأوقاتِ
أعرابيًّا ((أنَّه أَخَّر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول قد طَلَعت الشمس أو كادت))
انتھی .
فالصَّلاتان في هذين اليومين كانتا في شِدَّةِ الغَلَس مرةً، وفي شدة الإِسفار أخرى، ثُمَّ
جَرَى عَمله على التوسط والذي يَظْهَر أَنَّ العملَ في عهدِ النِبِي وَلَّ كان على التَّغْلِيس ولا يجب
أن يكونَ بِقَدْرِ ما رامَهُ الشافعية رحمهم الله تعالى مع أَنَّ الزمانَ إذْ ذاك كان زمانَ الشدة في
العمل، والنَّاس كانوا يَتَقَيَّدون بصلاةِ الليل، فلم تَكُنِ الجماعة تَخْتَل بالتغليس، ثُمَّ إذا نشأ
الإِسلامُ وكَثُرَ المسلمون وعَلِمَ أَنَّ فيهم ضعفًا عَمَلَ بالإسفار في زمن الصحابة رضي الله عنهم،
لئلا يُفضي إلى تقليل الجماعةِ، وقد عَلِمْتَ فيما سَبَقَ أَنَّ بُطْأَ النَّاس وتعجيلهم ممَّا قد رَاعَاه
النَّبِي ◌ََّ أيضًا، فلو اجتمعِ النَّاس اليوم أيضًا في التَّغْلِيس لقُلنا به أيضًا كما في ((مبسوط
السَرَخْسِي)) في باب التيممِ أَنَّه يُستحب التَغْلِيس في الفجر، والتعجيل في الظُّهْرِ إذا اجتمع
النَّاس، ثُمَّ إِنَّا لا ننازعك أنَّ الأمرَ كيف كان في عهدِ النَّبِي وَّه ونرجو منك أن تعذرنا في العمل
بالإِسفار، فإِنَّا قد أُمِرْنا به بصريح النَّص ((أسفروا بالفجر)) وليرَ كُلُّ امرىءٍ وظيفتَه ولا يبحث مما
كان أو يكون، هذا هو الصراط المستقيم فاتبعوه. وبعد فقد نقل السخاوي عن الحافظ ابن حجر
كما في ((شرح الإِحياء)) أنَّه أقرَّ بكونِ مذهبِ الحنفية أَقْوَى.
والحاصل: أنَّ العملَ قد بقي مشتركًا بيننا وبينهم فلهم أَنْ يَحمِلُوه على مسائِلهم. ولنا:
أَنْ نحمِلَهُ على مختارنا، أمَّا القول أي ((اسفروا بالفجر)) فهو لنا خالصًا إِنْ شاء الله تعالى فناهيك
به إمامًا في حديث عائشة رضي الله عنها: ((ما يعرفن من الغَلَس)) فقوله: ((من الغَلَس)) ليس مرويًا
عن عائشةَ رضي الله عنها، بل هو قياسٌ مِنْ راو آخر، كما يُعْلَمُ من ابنِ ماجه، وفيه («تَعْنِي من
الغَلَس)».

١٧٨
كتاب مواقيت الصلاة
وأمَّا ما عند البخاري ((أَنَّه كان يُصلِّي بغَلَس)) بطريق العادة فعلى ما علِمت فيه أنه مروي
مَتنا وسندًا عند الدارمي وفيه كان يغلس أو كانوا يغلسون بالشك - بالمعنى - وفي حديثٍ مرفوع
((التغليس في الشّتاء والإِسفار في الصيف)) وتتبعتُ طرقه فوجدتُ سندَهُ ساقطًا وفي إسنادِه سيف
صاحب كتاب ((الفتوح)) وهو ضعيف بالاتفاق، ثم وجدته في ((حلية الأولياء)) وليس فيه هذا؛
والله تعالى أعلم.
٥٧٧ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيسٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ سُلَيمَانَ، عَنْ أَبي حَازِمٍ: أَنَّهُ
سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: كُنْتُ أَتَسَخَّرُ فِي أَهْلِي، ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِي أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ
الفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ. [الحديث ٥٧٧ - طرفه في: ١٩٢٠].
٥٧٨ - حدّثنا يَحْيى بْنُ بُكَيرِ قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيِثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: أَنَّ عَائِشَةُ أَخْبَرَتْهُ، قَالَتْ: كُنَّ نِسَاءُ المُؤْمِنَاتِ، يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولٍ
اللَّهِ وَّهِ صَلَاةَ الفَجْرِ، مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِيْنَ إِلَى بَيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ، لَا
يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الغَلَّسِ. [طرفه في: ٣٧٢].
لمَّا فَرَغَ عَنْ فَضْلِها شَرَعَ في وقتها.
٥٧٧ - قوله: (كنت أَتَسخّرُ في أهلي، ثُمَّ يكونُ سُرْعَةٌ بي أَنْ أُدْرِكَ صلاةَ الفجرِ مَعَ
رَسولِ اللهِ ﴿) ولعل هذا التَّغْلِيس كان في رمضان خاصة، وهكذا ينبغي عندنا إذا اجتمعَ النَّاس،
وعليه العمل في دار العلوم بديوبند من عهد الأكابر.
٢٩ - بابُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الفَجْرِ رَكْعَةً
٥٧٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَسَارِ، وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَنِ الأَعْرَج، يُحَدِّثُونَهُ عَنْ أَبِي هُرَيَرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ
قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ
رَكْعَةٌ مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَذْرَكَ العَصْرَ)). [طرفه في: ٥٥٦].
٣٠ - بابُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلاَةِ رَكْعَةً
٥٨٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةٌ مِنَ
الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ)). [طرفه في: ٥٥٦].
أخرجه أوَّلًا بتخصيص العصر، ثُمَّ بتخصيصِ الفجر، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مطلقًا، باب مَنْ أَدْرَك من
الصَّلاة ركعة، فأَمْكَنَ أَنْ يَكُون إشارةً إلى أنَّ الحديثَ في العصرِ والفجرِ أيضًا في حَقِّ
المَسْبُوق، كالحديث المُطْلَق، وقد مرَّ تقريره.

١٧٩
كتاب مواقيت الصلاة
٣١ - بابُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ
٥٨١ - حدّثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي العَالِيةِ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ نَهَى عَنِ
الصَّلَاةِ بَغْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ.
حدّثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ أَبَا العَالِيَةِ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي نَاسٌ بِهذا.
توجه المصنّف رحمه الله تعالى إلى مسألة الأوقاتِ المكروهةِ، وَقَدْ وَقَعَ فیھا انتشار کثیر،
ووجهُه: أنَّ الأحاديثَ تَنْهَى عن الصَّلاة في تلك الأوقات، ثُمَّ تَرِدُ أحاديث أخرى بجوازِ الصَّلاةِ
فيها، وقد تَنْسَحِب بعمومِها على تلك الأوقاتِ فَيَحْدُثُ التجاذب بين العمومينِ، فمنهم مَنْ
يَتَحرى أحاديث النَّهي على عمومِها ويخصص بها أحاديث الجواز ومنهم مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الشريعةً إذا
وَرَدَتْ بالصَّلاة في تلك الأوقاتِ بعينها، فما لنا ألا نخصصها من تلك العموماتِ، كما في
الرَّكعتين بعد العصر، فعموم قوله: ((لا صلاة بعد العصر حتى تَغْرُبَ الشمس)) يُوجِبُ نفيها،
وخصوصُ ثبوت هاتين الرَّكعتين يُوجِب تخصيصهما عن هذا العموم. فهذا هو سِرُّ الخلافِ بين
الأئمة رحمهم الله تعالى(١).
واعلم أَنَّ الأوقات المكروهة عندنا خمسة:
الطلوع، والغروب، والاستواء. وهذه الثلاثة لا تجوز فيها الصَّلاةُ مطلقًا، لا صَلاة
جنازة، ولا سجدة تلاوة إلا عصر يومه، وأمَّا بعد الفجرِ حتى تَطْلُع الشمس، وبعد العصر حتى
تَغْرُبَ الشمس، فيكره فيهما التَّنْفُّل، ولا بأس بأن يُصلَّى في هذين الفوائت وسجدةَ التلاوة،
والصَّلاةَ على الجنازة. وإنَّما فَرَّقنا بين حكمها لوضوح معنى الكَرَاهة، فإِنَّها في الثلاثة الأول
لمعنى في الوقتِ وهو مقارنةُ الشيطان، فاستوى فيها الفرائض وغيرها، وأمَّا في الأخيرين فقد
ظَهَرَ أَنْ لَا كَرَاهة في الوقتِ، ألا تَرَى أَنَّه لو نَوَى فَرْضَ الوقتِ فيهما، أو شَغَلَهُ بالإِطالة جاز.
فالكراهةُ لحق الفَرْضِ لا لأَجْلِ الوقْتِ، ولو كانت للوقْتِ لَمَا جازَ تأخيرُ الفَجْرِ والعصر إلى آخرِ
وقتها، وَلَمَا وَرَدَ النّهيُ بعد ما قبلها علمنا أنَّ الكراهةَ فيهما لمعنى في غير الوقت، وهو حقُّ
الفَرْضِ ليصير الوقتُ المشغول به فلم تَظْهَر في حق سائرِ الفرائض، وما في معناها وهي
الواجبات بعينها كسجدةِ التِّلاوةِ بخلافِ رَكْعَتي الطّوافِ لأنَّ وجوبَها لغيرِهِ، وقد تَعَسَّرَ الفَرْقُ على
شارحي الهداية بين سجدةِ التِّلاوة، وركعتي الطواف، فراجعه وحرره.
والحاصل: أَنَّ الحنفيةَ قالوا بكراهةِ تلك الأوقاتِ كلِّها لأجلٍ قيام الدَّليل. واعترض عليه
الشيخ ابن الهُمَامِ: أَنَّ النَّهْيَ في هذين الوقْتَيْن أيضًا مطلقٌ كما في الثلاثَةِ المذكورةِ، وتخصيصُ
النَّص بالرأي لا يجوزُ ابتداءً.
(١) قلتُ: وقد بَسَطَّهُ ابنُ رشد في ((بداية المجتَهِد)) أحسنَ بَسْطِ فراجعه.

١٨٠
كتاب مواقيت الصلاة
أقول: أمَّا مسألةُ التَّخْصِيص بالرأي فهي ما ذَكَرَهُ الشيخ وإنْ كان عَملُهم بخلافها، فإِنَّهم
يُخصِّصُونَ الأحاديثَ في الأخلاقِ والمعاملات بالرأي بلا تساؤل؛ نعم، يتأخرون عن تَخْصِيصٍ
أحاديث العباداتِ، وذلك لانجلاء الوُجُوهِ في الطائفة الأولى وخفائها في الثانية، وقد صرَّح ابنُ
دقيق العيد أَنَّ الوجه إذا كان جليًا جازَ التخصيصُ بالرأي بلا نَكير على أنَّه ليس تَخْصِيصًا
ابتداءً، بل خَصَّصَ منه الوثْرَ، فعند الدَّارَقُطْني: ((من فاتَ عنهُ وِتْرُهُ فليصلِّها بعد الصُّبح - بالمعنى
- وصَحَّحهُ العراقي في ((شرح الترمذي)) وهو عند أبي داود أيضًا إلا أَنَّ لفظَهُ: ((فليصَلِّها إذا
ذَكَرَها)). وعند الترمذي («فليصلها إذا أصبح)). وهو مرسلٌ قوي الإِسناد، وعنده مرفوعًا أيضًا إلا
أَنَّ فيه عبد الرحمن بن زيد بن أَسْلَم، وهو ضعيفٌ.
والحاصل: أنَّ النَّهيَ وإنْ ورد في كلِّها إلا أنَّ الإِمامَ فَرَّقَ بين حكمها لمَّا رأى من
اختلافِ شاكلة الشريعة فيها، فإِنَّها عَلَّقتِ النَّهي في هذين على الفجرِ والعصر، فدَلَّ على أنَّه
ليس فيهما ما يُوجِبُ نُقْصَانَ الوقت، ثم ثَبَتَ عنه وَّرِ الرَّكعتين بعد العصر أيضًا، فَدَلَّ على أنَّ
فيهما صلُوحًا وتوسعًا، بخلافِ تلك الثلاثة؛ وأمَّا الآخرون فَلَم يُفَرِّقوا بينهما وتَرَكُوها على
شَاكِلةٍ واحدة. فَنَظَرُ الحنفية دقيق.
وأمَّا مالك رحمه الله تعالى فأَسْقَطَ الاستواء مِنْ بينِ الأوقاتِ المكروهةِ، وَجَوَّزَ في
الأربعةِ الفرائضَ دون النَّوافِل، ولعلَّهِ رَأَى أَنَّ الفَرائِضَ مِنْ إقاَمَةِ اللّه فلا بَأْسَ باستثنائِها لقوتِها،
فَأَخْرَجَها عن النَّهي بخلاف النَّوافِل فإِنَّها مِنْ تِلْقَاءِ العبد.
وأمَّا الشافعي رحمه الله تعالى فوافقنا في اعتبارِ الخَمْسةِ إلا أنَّه جَوَّزَ فيها الفرائضَ،
والواجبات، وذوات الأسبابٍ مِنَ النَّوافِل، ولم يُفَرِّق بينهما في الحُكْم كمالك رحمه الله تعالى،
وإنَّما فَرَّقَ في النوافل بين ذواتِ الأسبابِ وغيرِها، لأنَّ النَّوافِلَ التَي أقامَ الشرعُ لها أسبابٌ
ورَغَّب فيها بنفسِها بدونٍ تفصيلٍ كتحية المسجد - فكأنَّها خارجة عن قضيةِ النَّهي من جهته
فليتركها على حالها - جائزة في جميع الأوقات. وأمَّا التي لا أَسْبَابَ لها مِنْ تِلْقَاءِ الشَّرع بل هي
في طوع العبد إِنْ شاء فعل وإِنْ لم يَشَأ لم يَفْعَل، لا تَرْغيب فيها بخصوصِها فليمتنع عنها في
تلك الأوقات.
قلتُ: ولعلَّك عَلِمْتَ أنَّ الصَّلوات كلَّها إذا جازت في تلكَ الأوقات - المكتوباتِ،
والتطوعاتِ من ذواتِ الأسباب -، خَرَجَ أَكْثَرُ الأَفْرَادِ من أحاديث النَّهي، ولم يَبْقَ تَحْتَها إلا غير
ذواتِ الأسباب من النَّوافِل، فصار عمومها قليل الجَدْوَى مَعَ صحةِ الأحاديثِ فيها بل تواترها
في الوقتين الأخيرين، كما قال به أبو عمرو. فأخذناها بالنواجذ وعَمِلْنا بها مهما أمكنَ وجَعَلْنَاها
أسوة في البابِ، وسائرها مخصوصة بخلاف الخُصوم فإِنَّهم قد عَكَسوا الأمرَ وخَصَّصُوا
الأحاديث العامَّة والضوابط الكلِية بكل واقِعة وَرَدَت عليهم فأشعر به أيهما أولى؟ إلقاء الصَّلواتِ
في أوقاتِ الشيطان أو صونُها عنها؟
وَذَهَب بعضُ السَّلَف إلى جواز الصَّلاةِ بعد العصر والفجر، وحملوا النَّهيَ على سَدِّ الذرائعِ
أي لِئَّلا تَقَع صلواتُهم في عين الطُّلُوع والغروب، فالأوقاتُ المكروهة عندَهُم ثلاثة، والنَّهيُ عنَ
٠