النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
كتاب مواقيت الصلاة
اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بالصلاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيحِ جَهَنَّمَ)). [الحديث ٥٣٣ - طرفه في: ٥٣٦].
٥٣٥ - حدّثنا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن المُهَاجِرِ أَبِي
الحَسَنِ: سَمِعَ زَيدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ وَِّ الظُهْرَ، فَقَالَ: «أَبْرِذْ
أَبْرِدْ))، أَوْ قَالَ: ((انْتَظِرِ انْتَظِرْ)). وَقَالَ: ((شِدَّةُ الحَرِّ مِنْ فَيحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا
عَنِ الصَّلَاةِ)). حَتَّى رَأَيْنَا فَيَ الُّلُولِ. [الحديث ٥٣٥ - أطرافه في: ٥٣٩، ٦٢٩، ٣٢٥٨].
٥٣٦ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: ((إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ،
فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيِحِ جَهَنَّمَ)). [طرفه في: ٥٣٣].
٥٣٧ . ((وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا
بِنَفَسَينِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيفِ، فَهُوَ أَشَدُّ ما تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ، وَأَشَدُّ ما
تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ)). [الحديث ٥٣٧ - طرفه في: ٣٢٦٠].
٥٣٨ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: حَدَّثَنَا أَبُو
صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَّسُولُ اللَّهِ وَلِ: (أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيِحِ
جَهَنَّمٌ). تَابَعَهُ سُفْيَانُ، وَيَحْيِى، وَأَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ. [الحديث ٥٣٨ - طرفه في: ٣٢٥٩].
والباءُ فيه للصِّلَةِ داخلة على المفعولِ به كما في قولِهم: أَخَذْتُ باللجام. وقوله تعالى:
﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُ وسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وقوله وَلهقرأ بالفاتحةِ. لا للسببيةِ؛ وتَعَرَّضَ إلَيهما الزَّمَخْشَرِي
تحت قوله تعالى: ﴿وَهُزِىّ إِلَيْكِ يِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] وفسَّرَهُ أي افعلي فِعْلَ الهزِّ، فهو آكد
من هُزي النَّخلة على معنى أَخْذِ الفعل على المعهُوديةِ بين النَّاس؛ وحينئذٍ يصيرُ لازمًا ويحتاجُ
لتعديَتِه إلى الباء.
فمعنى قوله هزي النَّخْلَةِ أي حَرِّكِيها، ومعنى قوله هُزي بالنَّخلة أي افعلي بها فِعْلَ الهزّ
الذي عَلِمَه النَّاس. ويكونُ مُسَلَّمًا فيما بينهم، ولا يكونُ كذلك إلا بَعْدَ الهزِّ بالمُبالَغة، يعني
هُزِّيها حتى يقول النَّاس إنه هز، لا هزًا دون هزٍّ، فإِنَّه وإِنْ كان هزَّا في اللغة إلَّ أنهم لا يُسَمُّونَه
هزًا فيما بينهم، فهُزي كما هو المعروف والمعهود عندهم في هزِّ النَّخْل وهو بالمبالغة، وعلى
هذا معنى قوله: ((أَبْرِدُوا بالظّهر)) أي افعلوا به فِعْلَ الإِبرادِ، فيدلُّ على المبالغة لا محالة، وهكذا
قولُهم: أخذتَ باللَجام أي فَعَلْتَ به فِعل الأخذِ، أي أخذتَهُ بالشِّدَّة. فهذا تقريرُ المعهوديةِ
المعروفة في هذه الأفعال، وأمَّا المعهوديةُ في المسحِ والقراءةِ والوترِ فكما مرَّ بيانُها وسيأتي
بسطهما في مسألة الوتر.
قوله: (من فيح جهنّم) وترجمته (بهاب) فإِنْ قلت: إِنَّ الحَرَّ تابعٌ للشمس في الحسِّ
والمشاهدةِ فما معنى تبعيته لجهنّم؟ قلتُ: والشمس تابعة لجهنَّم ولا يَبْعُد أَنْ يكونَ إلقاءُ القمرين
فيها يومَ القيامةِ لهذه المناسبة، والوجه المعروف وإلقاؤهما مشهور.

١٤٢
كتاب مواقيت الصلاة
وتفصيلُ المقام أَنَّ الأَسبابَ إمَّا ظاهرة أو معنوية والأُولَى معلومةٌ بالحسِّ والمشاهدةِ لا
حاجةَ إلى التنبيهِ عليها، وإنَّما تدلُّ الشريعة على أسبابٍ معنويةٍ غير مدرَكة بالحسِّ، وهو الذي
يليقُ بشأنِها، فدلَّت على أنَّ معدن الخير والسرور كلها هُو الجنَّة، ومعدن المهالك والشرور كلها
هو جهنّم، فالخِزانة هي في الجنة والنَّار، وهذه الدارُ مركبة من أشياء المعدنين وليست بخِزَانة
في نَفْسِها، فالحرارَة وإِنْ كانت في النّظرِ الحسي مِنْ أَجْلِ الشمس، إلا أنَّها في النظر الغَيْبي
كلها من معدنها، فإِذا رأيتها أينما كان فهي من معدنها .
فإِنْ قُلْتَ إِنَّ الصيفَ والشتاءَ إذا دارا على النفسين، فينبغي ألا يكون شتاءً عند نفسٍ
الصيف وبالعكس مع أنَّهما يجتمعانِ في زمنٍ واحدٍ باعتبارٍ اختلافِ البلاد. قلت: ولعلَّ تَنَفُسِهَا
بحرِّها من جانب وإِرْسَالها إلى الآخر، فإِذا تُّنَفَّس مِنْ جانب صارَ شتاءً وإلى جانب صار صيفًا؛
ولعلَّ الحرَّ والبردَ كيفيتان لا تتلاشيان أصلًا بل إذا غَلَب الحرُّ دَفَعَ القَرَّ إلى باطنِ الأرض، وإذا
غلب القَرُّ دَفَع الحرَّ، إِلى باطنها، لا أَنَّ إِحدى الكيفيتين تَنعَدِم عند ظُهورِ الأخرى، وهذا كما
في الفَلْسَفَة الجديدةِ أَنَّ الحركاتِ كلَّها لا تَفْنَى بل تَنتَقِل إلى الحرارة. والأصوات كلُّها مِنْ بدء
العالم إلى يومنا هذا موجودة عندهم في الجو فالشيء بعد ما وجِدَ تأَبَّد عندَهم. وأَمَّا عند
اليونانيين: فلا حَرارةَ عندهم في الأجسامِ الأثيرية ولا بُرودة.
تحقيق لطيف في حديث الإبراد
واعلم أنَّه عُلِّل الإِبراد بفيح جهنّم فأشعر بكراهةِ الصَّلاة قَبْلَ الإِبرادِ، لأنَّ التسجيرِ مِنْ آثارٍ
غضبهِ تعالى، ولذا لا تسجر يوم الجمعة. وعند أبي داود مرفوعًا وصحح أبو داود إرسالَه أَنَّ
النبي وَّوكَرِهِ الصَّلاةَ نصفَ النَّهارِ إلا يوم الجمعة، وقال ((إنَّ جهنم تُسْجَر إلا يوم الجمعة)).
انتھی .
ولذا قال أبو يوسف رحمه الله تعالى إِنَّ النَّوافِل تصح يوم الجمعة عند نصف النَّهار أيضًا .
فإِنْ قلتَ: إنَّ التَّسْجِير ينتهي بالزوالِ فلا كراهة بعده. قلتُ: ولكن يَبْقَى الفيحِ وإِنِ انتهَى
التسْجِير، ولذا أُورِد الحديث: بلفظ ((الفيح)) وهو أيضًا أَثَر مِنَ التَّسْجِير فلا ينبغي المواجهة عند
غضبه تعالى، لأنَّه تعرض لصلاته بالرَّد.
والحاصل: أَنَّا إِنْ نَظَرْنَا إلى التعليل فإِنَّه مُشْعِر بكراهَةِ الوقتِ، وإِنْ ذهبنا إلى عدم كراهتِه
فلا يَرْتَبط بهِ التعليل، لأنَّه ينبغي أَنْ يكون بأمرٍ حسي نحو قوله: فلا تتحملوا مشقةً الحرِّ، ليكونَ
إشارة إلى أَنَّ أمرَ الإِبرادِ للشفقةِ لا لمعنى في الوقت، بخلافِ الإِحالة إلى جهنّم، فإِنَّه يوجّهُ
الذهنَ إلى كراهةٍ شرعية لا محالةَ، فإِنْ كان الأمرُ بالإِبراد على الشفقة، فلا كراهة في الصَّلاة
بعد الزوال، وإنْ كان لمعنى شرعي ففيها ذلك.
والذي يتبين أنّ ما هو من آثارِ الغضبِ هو التَّسْجِير دون الفيح، ولهذا المعنى نُهِيَ عنِ
الصَّلاة عندما يستقِل الظُّل بالرمح، كما يدلَ عليه ما أخرجه مسلم: ثُمَّ اقْتُصِر عن الصَّلاةِ فإِنَّ
حينئذ تَسْجُر جهنّم، فإِذا قِيل الفيَّ فصلِّ. انتهى.

١٤٣
كتاب مواقيت الصلاة
وفي حديثِ البابِ إحالة على الفيح دون التسجير، ولعلَّ الفيحَ من آثارِ الرحمة، لأنَّه من
أَثَرِ تنفسٍ جهنّم، فلو كان الفيحُ من آثارِ الغضبِ، لَزِمَ أَنْ يكونَ موسمُ الصيف كلَّه أثرًا للغضب، .
فإِنَّ الصَيفَ كلَّه من أجل فَيْحِ جهنم، وحينئذٍ لا تكون في الصَّلاةِ بعدَ الزوال كراهة أصلًا، وإِنَّما
أُمِرنا بالإِبراد شَفَقَة ورحمة. وحاصلُ التعليل: أَنِ اربعوا على أنفسكم فلا تصلوا في شِدَّةِ الحرِ
التي تكون من أجل الفيح، فالتعليل بالحقيقة بشدة الحر وهو أمرٌ حسي فيكون مُشْعِرًا بكونِهِ
للشفقة كما قررنا .
أما قوله: (مِنْ فيح جهنم) فبيان للسبب الغَيْبي للحرارة، ولا دَخْلَ له في التعليلِ،
ويؤيدهُ أَنَّ النَّبِيِ وَّرَ صَلَى بعد الزَّوالِ وقال: ((ويفتح عند ذلك أبوابُ السماءِ فَأُحِبُّ أَنْ
يَصعَد لي فيه عَمَل)) أو كما قال. فدلَّ على انتهاءِ أَثَرِ التسجيرِ بالزوال، وعدم كراهةٍ
بعده، وأَنَّ أَمْرَ الإِبراد لأجلِ الشفقة فقط. فإِنْ قلتَ: إذا كان في الصَّلاةِ عند الْتَّسجيرِ
تعريضٌٍ لها بَرَّدها لكونِهِ مِنْ آثارِ غضبهِ تعالى، فكيفَ بصلاتِهِ وََّ عند رؤيةِ آثارِ الغضب،
فإِنَّه كُلَّما كان يَرى مَهْيَعة بادرَ إلى الصَّلاةِ، وهذا يدلُّ على أَنَّ السنةَ عند غضبه تعالى،
هو الالتجاءُ بالصَّلاة.
قلت: فهذه حالات قد تكون بالصَّلاةِ عند السُّخْطِ تعريض لها بالرَّد، وقد تكونُ بفعلها
التجاء إليه، وهكذا هو في الدنيا، قد تكونُ عاقبةُ العبدِ بالانسلالِ عن مواجهةِ مولاه، وقد تكونُ
بالخدمةِ له والتملقِ إيَّاه، فقسم النبيِ وَلَّ ههنا أيضًا على الحالات، فما كان من آثار غضبهِ كل
يوم رأَىِ الملجأ منه بعَدَمِ المواجهةِ في ذلك الوقت، والتنكبِ إلى جانب، وما كان نادرًا لم يَرَ
منهً ملجأً إلا إليه، فهذه حالاتٌ تَشْهَدُ بها الفِطرَة السليمة.
ثمَّ اعلم أنَّ حديثَ الإِبرادِ حَمَله الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى على معنى آخر، نقله
الترمذي ما نصه: وقال الشافعي رحمه الله تعالى: إنَّما الإِبرادُ بِصلاةِ الظهرِ، إذا كان مسجدًا
ينتابه أهله من البعد، فأما المصلي وحده، والذي يُصَلِّي في مسجد قومِهِ، فالذي أُحِبُّ له أَنْ لا
يُؤخّر الصَّلاة في شدة الحرِّ. انتهى.
ولم يرض الترمذي بهذا التأويل مع كونِه شافعيًا، ولم يصرِّح بخلافِه مع إمامه في موضع
من كتابه إلا هذا، فقال: قال أبو عيسى: ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر - وهم الحنفية
رضي الله عنهم - في شدَّةِ الحرِّ هو أولى وأشبه بالاتباع. وأمَّا ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله
تعالى أَنَّ الرخصةَ لمن ينتابُ مِنَ البُعدِ والمشقة على الناس فإِنَّ في حديث أبي ذرٍ ما يدلُّ على
خلافٍ ما قال الشافعي رحمه الله تعالى - قال أبو ذر رضي الله عنه: كنَّا مع النبي ◌َّ في سفرٍ
فأَذَّنَ بلال رضي الله عنه بصلاةِ الظُّهر فقال النبيِّهِ: ((يا بلال أَبْرِدِ ثُمَّ أبرد)». فلو كان الأمرُ
على ما ذهبَ إليه الشافعي رحمه الله تعالى، لم يكن للإِبرادُ في ذلك الوقت معنىّ، لاجتماعهم
في السفرِ، وكانوا لا يحتاجون أنْ ينتابوا من البُعد. انتهى.
وقال الطحاوي: إنَّ تعجيلَ الظهرِ قد كان يُفعَل ثُمَّ نُسِخَ، وأَخْرِجَ عن المُغِيرَةِ بن شُعْبَة قال
صلَّى بنا رسولُ الله ◌ٌَّ صلاةَ الظّهرِ بالْهَجِير، ثمَّ قال: ((إِنَّ شدَّة الحرِّ من فَيحِ جهنّم، فأبردوا

١٤٤
كتاب مواقيت الصلاة
بالصَّلاةِ)) فأخبر المُغِيرَة في حديثه هذا، أَنَّ أَمْرَ رسولِ الله ◌َِّ بالإِبرادِ بالظُهر بعد أَنْ كان يُصلِّيها
فِي الحرِّ. وفي ((التلخيص الحبير)) أنَّ الترمذي سأل البخاري عن حديث المُغِيرة فصححه، فَعُلِم
أَنَّ الإِبرادَ هو الآخر فالآخر مِنْ فِعْلِ رسولِ الله ◌َّهِ وما احتجوا به مِنْ أحاديث التعجيل، إمّا
منسوخٌ أو محمولٌ على الشتاء، لِمَا روى أنسُ بنُ مالكِ قال: كان رسولُ اللهِ وٍَّ إذا اشتدَّ البردُ
بِكَّر بالصَّلاةِ، وإذا اشتدَّ الحرُّ أبردَ بالصلاةِ ومثلُه عن أبي مَسْعُود.
قال الطحاوي: وهكذا السنَّة عندنا في صلاةِ الظُهر على ما يذكُرُهُ ابنُ مسعود، وأنس
رضي الله عنه من صلاةٍ رسول الله وَلهَ. وأَخْرَجَ أبو داود عن الأسودِ أَنَّ عبدَ الله بن مسعود قال:
كانت قَدْر صلاةٍ رسولِ الله وَّ في الصيفِ ثلاثة أَقْدَام إلى خمسة أقدام وفي الشتاء خمسة أقدام
إلى سبعة أقدام. انتهى.
وأوَّلَه الخَطَّابي فحمله على اختلاف الفُصولِ (١)، فقال: وأمَّا الظّل في الشتاء، فإِنَّهم
يذكرون أَنَّه في تشرين الأول(٢)، خمسة أقدام وشيءٍ، وفي كانون سبعة أقدام أو سبعة أقدام
وشيء؛ فمعنى قول ابن مسعود رضي الله عنه عنده: أَنَّ قَدْرَ صلاتِهِ وَّرَ في الشتاء خمسةُ أقدام
إلى سبعةٍ أقدام، يعني به خمسة أَقْدَامٍ في تشرين الأول وسبعة أقدام في كانون. وهو عندي
محمول على التَّارَات والأحيان دون الفُصول، فتارةً صلَّاها على الخمسة، وتارةً على السبعةِ
ولو في فَضْل. والله تعالى أعلم.
١٠ - بابٌّ الإِبْرَادُ(٣) بالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ
٥٣٩ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاس قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُهَاجِرٌ أَبُو الحَسَنِ
مَوْلَّى لِبَنِي تَيم اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ الغِفارِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ
النَّبِيِّ وََّ فِي سَّفَرٍ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلِظُهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((أَبْرِدْ)). ثُمَّ أَرَادَ أَنْ
(١) وقال الخلَّال في ((عِلَله)): عن أحمد: آخرُ الأمرين مِنَ النبي ◌َِّ الإِبراد. اهـ. ثمَّ العجب ممَّا عنده على ص
٥٢٦ ج ٢ قال ابن بزيزة: (ذَكَر أهلُ النَّقْلِ عن مالك أنَّ كَرِهِ أَنْ يُصلَّى الظهر في أول الوقت، وكان يقول: هي
صلاة الخوارج أهل الأهواء. وحكى أبو الفرج عن مالكٍ أولُ الوقتِ أفضلُ في كل صلاةٍ إلا الُهر في شدة
الحر. اهـ.
(٢) وتمام أسماء تلك الأشهر هكذا: كانون الأول، كانون الثاني، شباط، آذار، نيسان، أيار، حزيران، تموز، آب،
أيلول، تشرين الأول، وتشرين الثاني، وكانون الأول هو ديسمبر من الأشهر الشمسية، وكذا كانون الثاني هو
يونيو وهكذا إلى آخر الأشهر.
(٣) قال العلامةُ العيني رحمه الله تعالى: قال بعضُهم حديث خَّاب منسوخٌ بالإِبراد، وإلى هذا قال أبو بكر الأَشْرَم في
كتاب ((النَّاسخ والمنْسُوخ)) وأبو جعفر الطَّحاوي، وقال: وجَدْنَا ذلك في حديثين: أحدهما: حديثُ المُغيرة كنَّا
نُصلِّ بالهَاجِرَة فقال لنا رَّ: أَبرِدوا - فتبين بها أَنَّ الإِبراد كان بعد التَّهْجِير. وحديثُ أنس رضي الله عنه: إذا كان
البردُ بكُروا، وإذا كان الحرُّ أبْرِدُوا، وحَمَل بعضُهم حديثَ خَبَّب على أَنَّهم طلبوا تأخرًا زائدًا على قَدْرِ الإِبراد.
وقال أبو عمر في قول خَبَّاب فلم يشكنا يعني لم يحوجنا إلى الشكوى، وقيل: لم يزل شكوانا ويقال: حديثُ
خَبَّاب كان بمكة، وحديثِ الإِبراد بالمدينة، فإِنَّ فيه مِنْ رواية أبي هريرة.

١٤٥
كتاب مواقيت الصلاة
يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: ((أَبرِدْ)). حَتَّى رَأَيْنَا فَيَ التُّلُولِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيح
جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بالصَّلَاةِ)). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿تَتَفَيَّأْ﴾ [النحل: ٤٨]: تَتَمَيَّلُ.
[طرفه في: ٥٣٥].
٥٣٩ - قوله: (حتى رأينا فَيْءَ الثُّلُولِ) وعند البخاري في الأذان حتى ساوى الظلُّ الُّلُول،
وهذا يدلُّ على أَنَّ وَقْتَ الظّهرِ يَبْقَى إلى المِثلين لأنَّ الثُّلُول في الغالبِ تكونُ منبطحة ولا تكون
شاخِصَة فلا يَظْهرُ لها ظِلٌّ إلا بعد غاية التأخِيرِ، فالمساواةُ لا تكونُ إلَا بالمِثلين. وأقرَّ النَّووي
بأَنَّه دالٌّ على التأخير الشديد، وأجابوا عنه بأَنَّهَ محمولٌ على الجمع في السفر(١).
قلتُ: وهذا غيرُ نافذ، لأنَّ الجمعَ الوقتي لم يثبتِ عندنا أصلًا، فهو مِنْ بابِ البِنَاءِ على
ما ليس بثابتٍ، ثُمَّ إِنَّه ليس بحجة للحنفية أيضًا، لأنَّ الراوي لم يَرْوٍ بالمساواة حقيقتها،
وتحديدِ الوقت بها، وتعليم مسألة المِثل والمِثلين منها، بل هو بصددٍ بيان شِدَّةٍ تأخيرهٍ في ذلك
اليوم، فبالغ فيه وعبره بالمساواة والتعبيرات اللاتي تَخْرج في سِياق المبالغةِ، لا تكون مدارًا
للمسألة عندي، كالأوصافِ التي أُجريت مَجْرَى المذحِ أو الذمِّ، ومِنْ هذا الباب ما وقعَ في
أشعارٍ بعضٍ العلماءِ من نحو تعميم في علم النبيِ وَّرَ، فَتَمسكَ به بعضُ من لا عِلْمَ له على كونٍ
النَّبِيِ وَِّ عالمًا للغيب كُلاَّ وجزءًا، ولم يَقْدِرُوا أَنْ يُفَرِّقوا بين بابِ العقيدة، وبابِ المدح، فإِنّ
المبالغاتِ تُسْتَحْسَن في النوع الثاني دون الأَوَّل، وهكذا بابُ الوعدِ والوعيد، تجيء فيها
العبارات مرسلة عن القُيودِ والشُّرُوطِ، وهو مُقْتَضى الحالِ فيهما، إلا أَنَّ الجاهلَ يهدِرُ هذه
الدَّقائِقِ فيحملهما على الإِطلاقِ، ثُمَّ يضطرُّ إلى خَرْقِ الإِجماع ومخالَفةِ النُّصوصِ والسُنّة، فنعوذ
بالله مِنَ الجَهْل.
١١ - بابٌ وَقْتُ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ
وَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ النَّبِيُّ نَّهُ يُصَلِّي بِالهَاجِرَةِ.
قوله: (الهَاجِرَة) سمي به لأَنَّ الظُرُق تُهْجَرُ في هذا الوقتِ.
٥٤٠ - حدّثنا أَبُو اليمَانِ قَال: أَخْبَرَنا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ
مالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلَى المِنْبَرِ،
فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيءٍ
فَليَسْأَل، فَلَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ مِا دُمْتُ فِي مَقَامِي هذا)). فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي
البُكاءِ، وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: ((سَلُونِي)). فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ:
(١) قلتُ: كيف ساغَ للنَّروي رحمه الله تعالى أَنْ يَحْمِلَه على السَّفَر مع أَنَّ تعليلَ النَّبِيِ وَّهِ بأنَّ شدَّةَ الحرِّ من فيح
جهنّم في هذا الحديث ينادي بأعلى نداء أَنَّه لا اختصاصَ له بالسَّفَر، بل المقصود هو الإِبراد بلا فصل بين السفر
والحضر، فليس التأخيرُ فيه لأجل الجمع كما قالوا، بل لأجل الإِبرادٍ كما هو المنصوص، والله تعالى أعلم
بالصواب.

١٤٦
كتاب مواقيت الصلاة
(أَبُوكَ حُذَافَةُ)). ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: ((سَلُونِي)). فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ
رَبَّ، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسَكَتَّ. ثُمَّ قَالَ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي
عُرْضِ هذا الخَائِطِ، فَلَمْ أَرَ كالخَّيرِ وَالشَّرِّ)). [طرفه في: ٩٣].
٥٤٠ - قوله: (إِلَّا أخبرتُكم ما دُمْتُ في مقامي هذا)(١).
٥٤١ - حدّثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي المِنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ:
كانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُصَلِّي الصُّبْحَ، وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّقِينَ إِلَى المائَةِ،
وكان يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصى المَدِينَةِ رَجَعَ
(١) قلتُ: ولو كان النَّبِيِنَّهَ عالمًا للغيبِ مطلقًا، ظاهرًا عليه بمفاتيحه، كما فَهِمَه بعضُ الجُهَلاء، لما كان لهذا
التقييد معنىّ، بل هو مِنْ نحو تجلى عليه إِذْ ذاك على نحو ما يَظْرأ على الأولياء مِنْ بَعْضِ تلكَ الأحوالِ، فتارةً
يُخِرون عَن العرش، وأُخْرَى يَغْفَلون عن الفَرش، وأحوالِ الأنبياءِ أَرْفَع، وإنَّما ذَكَرْتُ الأولياء تفهيمًا وتَقْرِيبًا،
ويَدُلُّ على هذا قوله: ((عُرِضَت عَليَّ الجنةُ والنَّارُ آنفًا)). ومعلومٌ أَنَّهما لم تكونا معروضتين عليه دائمًا، وإِنَّما هو
مِنْ بابِ العَرْض فَظَنُّوهُ عِلمًا على أَنَّه لا يدري أَنَّ وَعْدَ الإِخبار منه لكل شيء يسألونه عنه، كان لإِحاطة بِعلم
الجزئيات كلاًّ وجزءًا، أو بوعدِهِ تعالى إياه أنَّه سيكشفها عليه عند السؤال، كما كشف عَنْ بيتِ المقْدِس، وجُلِّي
له حتى أخبر قريشًا عما سألوه مِنْ أحوالِها. والظاهر هو الثاني، لقوله: عرضت ... الخ.
ثم إنَّ الغيبَ هل ينحصر فيما هم سائلون عنه، أو سؤال النَّاسِ فيما يبلُغ إليه فكرههم جزء من الغيب. فلو فرضنا
أَنَّه عَلِمَ جوابَ كل ما يسأله النَّاس مِنَ الأشياءِ، وكان ذلك النّحو منه مستمِرًا عنده حاضرًا حضور المعلول عند عِلَّتِهِ
لَما ازداد على قَطْرة من بحرٍ أو دونَها، فإِنَّ كلماتِ الله غير متناهية، وأسئلتهم كلها متناهية، والمتناهي وإِنْ كثر
وكثر، لكنَّه لا شيء بجنب غير المتناهي، فَعِلْم النبيِنَّرَ أَزْيَد مِنَ المخلوقات، ولم يبق من علوم الهداية ما لا بد
منها لأمته إلا وَقد أعطاها اللّهُ له، وهو الأليقُ بشأن الأنبياء.
أما علوم المزارع والأكارع فهو كما قال هو بنفسه: أنتم أعلمُ بأمور دنياكُم، ألا ترى أَنَّ الخضر عليه السَّلام كان
عالمًا بجزئياتٍ لم يعلمها موسى عليه الصلاة والسَّلام؟ ثُمَّ اتفقوا على أَنَّ الفضلَ إنَّما هو لموسى عليه الصلاة
والسلام. أمَّا الخضر عليه الصلاة والسلام فإنَّهم اختلفوا في نبوته، وهم كذلك بعد مختلفون. ويجوز على قولٍ مَنْ
قال بولايته، أَنَّ يزيد ولي على نبي في نحو هذه العلوم، فأي فضل بَقي فيه فيرومون إثباته للنبي وَهر .
ولقد قلتُ مرة للشيخ رحمه الله: إِنَّ علوم الباري جل ذِكْرُه لعلها تضعف عن حملها بنية البشر فلو تجشم أحد
لتحمله لم يتحمله فإنَّ العلوم الغير المتناهية إنَّما تليق بمن كان سائر صفاته كذلك، ليس هو إلا الله، فليست تلك
العلوم أيضًا إلا لله جل مجده، ولله المثل الأعلى. فأقرّ به الشيخ رحمه الله تعالى، وهو مَحْمَلُ قول النّبي ◌َّ
حين رأى في المنام أَنَّ الله تعالى وَضَعَ يده بين كتفيه «فتجلى لي كل شيء)» وفي لفظ «فعَلِمْت ما في السموات
والأرض)). فعبَّر عنه تارةً بالعلم، وتارةً بالتجلي، ثُمَّ إنَّ علمه تعالى لا يَنْحَصر فيما بين السموات والأرض، ولو
عَلِمَ ما بينهما كلها فماذا كان. وفي حديث عند الترمذي وغيره: ((إنَّ اللَّهَ زوى لي الأرض كلها، وبلغ ملك أمتي
إلى ما زُوي لي منها)» - بالمعنى - في هذا الباب إلا لفظ العرضى والتمثل والتجلي والزوي نعم تارة جاء فيه لفظ
العلم أيضًا ثم في أحاديث الفتن عند الترمذي أَنَّه أَخْبَر الصحابةَ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، فهل تراهم صاروا به
عالمين بالغيب كلهم؟! سبحانك هذا بهتان عظيم، وإنَّما أريد به الإخبار بما يتعلق بالفتن، وبنحو الدرجات
والكفارات في حديث المنام مع تعميم في اللفظ فادره.

١٤٧
كتاب مواقيت الصلاة
وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ ما قَالَ فِي المَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ العِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ
قَالَ: إِلَى شَطْرِ اللَّيلِ. وَقَالَ مُعَاذٌ: قَالَ شُعْبَةُ: لَقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيلِ. [الحديث
٥٤١ - أطرافه في: ٥٤٧، ٥٦٨، ٥٩٩، ٧٧١].
٥٤١ - قوله: (وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَه) وعند أبي داود في باب وَقْتِ صلاة النَّبِيِ وََّ وكان
يُصلِّي الصُّبِح وما يَعْرِفُ أحدُنا جَلِيسَه الذي كان يَعْرفُه وكان يَقْرأ فيها الستين إلى المائة.
فليحرره فإِنَّ بينهما تضادًا صراحةً، وليس هذا سهوًا من الكاتب، فإِن كان فَمِنَ الراوي، والظاهر
أَنَّ الصَّواب ما عند البخاري، لأنَّ هذا الحديث أَخْرَجَهُ مسلم أيضًا بذلك السند، وفيه:
((فيصرف الرجلُ الرجلَ فينظُر إلى وجهِ جليسهِ الذي يَعْرِفه فيعرفه)» - فهذه القصة بهذا الإِسناد
مروية عند الشيخين، وأبي داود، وليس اللفظُ المذكورُ إلا عند أبي داود فهو إمَّا وَهْمٌ مِنْ أحدٍ
رواته وهو الظاهر، أو من النَّاسخ.
قوله: (وأحدُنا يَذْهَبُ إلى أَقْصَىِ المدينةِ رَجَعَ والشمسُ حية) والمتبادر من لفظِ الرُّجوع أَنَّه
المرادُ من المسافة إيابًا وذهابًا، فيدلُّ على شدِّةِ التعجيلِ، والصوابُ أَنَّهما مسافة من جانبٍ
فقط، كما تدل عليهِ الرِّواية الآتية في الباب الآتي، وفيها: ((فيأتيهم والشمس مرتفعة)). وتأويلٌ
الرجوع (١) أَنَّه رجوع إلى أَهلِهِ في أَقْصَى المدينةِ لا إلى المدينةِ كما هو بَعْدَ عدةٍ أحاديثَ مصرحًا
في حديث سَيَّار: ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أَقْصَى المدينة والشمس حية. فتحقَّقَ أَنَّ تلكَ
المسافة من جانبٍ واحد فقط، لا كما كان يُتوهم مِنَ اللفظ الأول.
وقال الطحاوي إنَّه يَدُلُّ على التأخير مكان التعجيل، فإِنَّ الرَّاوي لم يستطع بيان تأخيره إلا
بأَنَّ الحياةَ كانت باقية في الشمس، ولم تكُن ماتت بالكُلِّية، فهذا سِياق في التأخيرِ لا في
التعجيلِ كما فهموه. على أَنَّ الخِلافَ فيه خلافُ الأفضليةِ كما في الظُّهْرِ في تعجيلها وتأخيرها،
وكما في التَّغْلِيس. فذهب الإِمامُ الشافعي رحمه الله تعالى إلىِ التَّعْجِيل في الكُلِّ ((غير العشاء،
مشيًا على العمومات والإِطلاقات، كقوله وَّر في جوابٍ سائلٍ أَيُّ الأعمال أفضل: قال: الصَّلاةُ
لأَوَّل وقْتِها)). وأَخَذَ الحنفيةُ بخصوص سُنَّةِ رسول الله وَّ رويت في صلواته فقسموها على تلك
الأوقات، وهو صَنيعُنا وصنيعهم في مسألة الفاتحة، فإِنَّهم تمسَّكُوا بعموم قوله وَّ((لا صلاةَ إلا
بفاتحةِ الكتابِ)). ونحن نَزَلنا إلى الخصوص، فتمسكنا بقوله: ((إذا قرأ فَأنصتوا)) وأنت تعلم أَنَّ
التَّمسكَ بالخصوص أَوْلَى وأقوى، وهو الأوجه فإِنَّ النُّزول من العمومات إلى الخصوص هو
السبيلُ الأقوم.
٥٤٢ - حدّثنا مُحَمَّدٌ، يَعْنِي ابْنَ مُقَاتِلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قالَ: أَخْبَرَنَا خالِدُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمنِ: حَدَّثَنِي غَالِبٌ القَطَّانُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ
(١) قال الشيخ بدرُ الدين العيني رحمه الله تعالى وإنَّما سُمِّي رجوعًا، لأنَّ ابتداءَ المجيء كان مِنَ المنزلِ إلى
المسجد، فكان الذَّهابُ منه إلى المنزل رجوعًا .

١٤٨
كتاب مواقيت الصلاة
قالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلفَ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ بِالَّهَائِرِ، فَسَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتَّقَاءَ الحَرِّ. [طرفه
في : ٣٨٥].
٥٤٢ - قوله: (فسجدْنَا على ثيَابِنَا) وهذا يُفيدنا في مسألة جواز السُّجود على الثياب مطلقًا ،
وعلى الشافعية رحمهم الله تعالى أَنْ يحملوه على الثِيّابِ المنفصِلَةِ دون الملبوسة.
١٢ - بابُ تَأْخِيرِ الظُّهْرِ إِلَى العَصْرِ
٥٤٣ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بْنُ زَيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
جابِرِ بْنِ زَيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ صَلَّى بِالمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا: الظُّهْرَ وَالعَصْرَ،
وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ. فَقَالَ أَيُّوَّبُ: لَعَلَّهُ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ؟ قَالَ: عَسى. [الحديث ٥٤٣ - طرفاه في:
٥٦٢، ١١٧٤].
قد مَرَّ أَنَّ أمثالَ هذه الألفاظ تُشْعِرُ بأَنَّه اختار في الجمع مسلك الحنفية، ولذا عَبَّر بتأخير
واحد إلى الآخر مع أَنَّ أبا داود قد صَرَّح أَنَّه لم يَثْبُت حديث في جمع التقديم ومع هذا ذَهَبَ
إليه بعضٌ من الأئمة.
٥٤٣ - قوله: (صلَّى بالمدينة) وهذا الحديثُ صريحٌ فيما رامه الحنفية من الجَمْع فعلًا،
فإِنَّهِ وَّهَ جَمَعَ في المدينةِ، ولم يكن سفر ولا مطر، فلا بُدَّ أَنْ يكون الجمعُ فعلًا فقط. وعند
مسلم قال سعيد: فَقُلْتُ لابنِ عباس ما حمله على ذلك؟ قال: أَرَادَ أَلا يُخْرِجَ أُمَّتَهُ. وأَضْرَح منه
ما عندَهُ عن أبي الشَّعْثَاء. وهو جابرُ بنُ زيدٍ تلميذ ابن عباس راوي الحديث. قلت: يا أبا
الشَّعْثَاء أَظُنُّه أخَّر الظهر، وعَجَّل العصر، وأَخَّر المغرب والعشاء، قال: وأَنَا أظنُّ ذلك، فلم
يكن الجمع وقتًا .
ثَّ هو مصرح عند النَّسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما نفسِه قال: صَلَّيتُ مع النبي
بالمدينة ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا، أَخَّر الظهر وعجَّل العصر، وأَخَّرَ المغرب وعَجَّل العشاء.
انتھی (١)
وحينئذٍ لا يحتاج إلى القولِ بالنَّسْخِ، كما اختارَهُ جماعة في تأويلهِ، وحَمَلَهُ النَّووي على
المَرَضِ وقوَّاه.
قلتُ: والعَجَبُ منه كيف حَمَلَهُ على المَرَضِ فإِنْ كان النّبِيِنََّ جَمَعَ بينهما لأَجْلِ
المرض، فهل كان القومُ جملتهم مَرْضَى فجمعوا بينهما؟، على أَنَّ الغَرَض مِنْ عدم الخوفِ
والسَّفرِ ليس انتفاء هذين فقط، بل المقصودُ انتفاء الأعذارِ مطلقًا، ولذا وَرَدَ في بعض ألفاظِهِ ولا
مَطَر؛ ولو سلَّمْنَاه فما معنى قوله: أَرَاد أَلَّا يُخْرِجَ أمته؟ فإِنَّ الواجبَ عليه أَنَّ يقول: إِنَّما جُعِل
(١) قلتُ: وهذا يدلُّ على أنَّ عُنْوَان التأخيرِ والتَّعْجِيلِ، كان معروفًا عندَهُم في الجَمْعِ الصُّوري دونَ الوقتي، كما قال
الشيخُ رحمه الله تعالی.

١٤٩
كتاب مواقيت الصلاة
لأجلِ المرض، وأَقَرَّ الحافظُ رحمه الله تعالى أَنَّ الجَمْعَ فيه على نظر الحنفية، وفي كتاب
الصلاة للحافظِ شمس الدين السَّخاوي: أَنَّ وفدًا جاء إلى النبي ◌َِّ فَجَمَعَ بين الصَّلاتين لأجلهم
في المدينة، وهذا صَرِيحٌ في أَنَّ الجَمْعَ لا للمرض كما أَوَّل به النَّووي.
قوله: (فقالِ أيوب: ولعلَّهُ في ليلةٍ مَطِيرَةٍ) ولعلَّ هذا الاحتمال من راوٍ تحته، وإلا فقد
عَلِمْتَ مِنْ مسلم أَنَّ ما فَهِمَهُ تلميذ ابن عباس رضي الله عنهما هو الجَمْعُ الصُّوري، كما ذهب
إليه الحنفية، فلا بُدَّ أَنْ يكونَ ما في البخاري احتمالاً مِنْ راوٍ آخر في ابتداءِ السند.
١٣ - بابُ وَقْتِ العَصْرِ
وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ: مِنْ قَعْرِ حُجْرَتِهَا .
٥٤٤ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ:
أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كانَّ رَسُولُ اللَّهِ ◌َيْهِ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ لَمْ تَّخْرُجْ مِنْ حُجِّرَتِهَا. [طرفه
في: ٥٢٢].
ولقد عَلِمْتَ الخِلافَ فيه، أَمَّا الخلافُ في الاستحباب فَذَهَب الحنفيةُ إلى استحباب
التأخيرِ، وهو ظاهرُ القرآن، واستدلّ به العيني، وأَظُنُّ أَنَّ أصله من الحافظ قُطْبٍ الدين الحلبي
أو من الحافظ علاء الدين الحنفي شيخ شيخ الحافظ رحمه الله تعالى(١).
قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] فجعل الفَجرَ قَبْلَ
الطُّلوع، والعصر قَبْلَ الغُروب، ومعلومٌ أَنَّهم لا يمادون في العُرْفِ بطلُوعِ الشَّمس وغُرُوبِها،
إلا ما كان أقرب إليه، فإِذا قلت: آتيك قبل الغروب، ثُمَّ أتيته بعد الطّلوعَ تعد غَمْرًا وجاهلًا،
وإنْ كنت صادقًا في قولك فإِنَّك إذا جئت بعد الطُّلوع، فقد جئت قَبْلَ الغروب لا مَحَالة، وما
ذلك إلا لأنَّ هذا التعبيرَ عندَهُم للإِتيان قُبَيل الغروب، فلا يَنتظرونَكَ إِلا في هذا الوقت، فلو
كان العصرُ بعد المِثْلِ الأوَّلِ لم يلطف قوله: ((قبل الغروب)) كما لَطَف إذا صليتها قُبيل
الاصفرار والشمس حيةَ، فكأنَّه لم يَبْقَ بعدَها إلا الغروب(٢). ويؤيدُه النَّظَر الفقهي أيضًا، لأنَّ
الشريعةَ قد نَهَتْ عن التَّطوع بعد هاتينِ الصَّلاتَين فلا صلاةَ بَعْدَ الفَجْرِ حتى تَظْلُعْ، ولا صلاةَ
بعد المغرب حتى تَغْرُب الشَّمس، ففي تأخيرهما توسيع في التطوعاتِ، وفي التَّعجِيل تضييق
لها .
وأَخْرَج الطّحاوي عن أبي قلابة أَنَّها سُمِيت العصر، لأنَّ سبيلها أَنْ تَعْصِر. فَدَلَّ على
التأخير وعلى أَنَّ الأوقات متروكة على العُرف عندهم، ولا تحديد فيها فوقه. وعن عُمر كَتَبَ
إِلى عُمَّالِهِ: ((صلُّوا العصرَ والشمس مرتفعة بيضاء نَقِية قَدْرَ ما يسيرُ الراكب فرسخين أو ثلاثةٌ)).
(١) قلت: والتردد مني اهـ.
(٢) قلت ومن العجائب ما ورد عند أبي داود عن خيثمة قال حياتها أن تجد حرها فاحفظه اهـ.

١٥٠
كتاب مواقيت الصلاة
وعن أبي هريرة أنَّه لم يُصَلِّ العصرَ حتى رأينا الشمسَ على رَأْسِ أَظْوَل جبلِ المدينة، وهو
الوقت الذي ذهب إليه الحنفية(١).
٥٤٤ - قوله: (والشمسُ لم تَخْرُج من حُجْرَتِها) قال الطحاوي: إنَّ الشَّمسَ لم تكن تَخْرِج
من حُجْرتِها إلا بقرب غروبها لقصر حجرتها، فلا دَلالة فيه على التعجيل.
وَرَدَّ عليه الحافظُ رحمه الله: بأَنَّه قد عُرِفَ بطريق الاستفاضة، أَنَّ حُجْرَهنَّ لم تكُن مُتَّسِعَة،
ولا يكون ضوءُ الشمسِ باقيًا في قَعْرِ الحُجْرة الصغيرةِ إلا والشمس مرتفِعَة، وإلا متى مالت جدًا
ارْتَفَع ضوؤها عن فَاعِ الحُجْرَةِ ولو كانت الجُدر قَصِيرة.
وَرَدَّ عليه الحافظُ العيني وقال: لا فَرْقَ بين الحُجْرة الضيقة العَرْصة ومتسعها بعدما كانت
جدرانُها قصيرة أَنَّ الشمس لا تَحْتَجِب عنها إلا عند الغروب، وهذا الفَرْقُ إنَّما يمكِنُ عند ارتفاعِ
الجُدْرَان(٢).
ثُمَّ إِنَّ سِيَاقَ حديث أنس رضي الله عنه - عند الترمذي ـ لا دِلالة فيه على التعجيلِ فوقَ ما
أَرَدْنَاهُ وَوِفِقَ ما أَرَادُوه، لأنَّه كان ابتُلي بِزمن الحجاج، وكان الحجاج يميتُ الصَّلوات، ويُؤَخِّر
صلاةَ الظّهر إلى وقت العصر، حتى إنَّ الصَّحابة كانوا يُصلُّون العصر إيماءً كما ذكره العينِي
رحمه الله. وأمَّا أنسٍ رضي الله عنه فلم يَكُنْ يَدْخُل في صلاته، فإِذا جاءه أَحَدٌ ممن كان صلَّى
معه في آخرٍ وَقْتِ الظّهر، رآه يتهيأ للعصر فكان تعجيله لأَمانته وإلا فقد يرويه هو عند النَّسائي،
قال: كان رَسولُ اللهِ وََّ يُصلِّي بنا العصر والشمسُ بيضاء محلقة. فَفَكِّرْ في لفظ التحليق، هل
يفيدُ التأخير الذي أَرَدْنَاه أو التعجيل الذي أَرَادُوه؟.
٥٤٥ - حدّثنا قُتَيبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ
(١) قلتُ: والذي يَظْهَر أَنَّ أَمَر الثَّعجيلِ مع هذا التأكيدِ والتهديد، إنَّما وَرَدَ في العصرِ لاشتماله على الوقتِ المكروهِ،
فمحَظُّه التحذير، أَلَّا يلقيها بالتأخير في الوقت المكروه، فيلحق بالمنافقين، دون التحريض بأداء الصلاة في أول
وقتها، فافهمه مِنْ فِطرتِك هل يُناسِب في مثلِهِ التحريض بأوَّل الوقت أو لا. وهل ذلك لأجل التحرز عن صلاةٍ
المنافق أو استحباب أول الوقت.
وأمعن النّظر في أَصْرَح حديث فَهِمُوهُ حجةً للتعجيل، عن أنس عند البخاري وهو أبسط عند أبي داود، وفيه: دخلنا
على أنس بن مالك رضي الله عنه بعد الظُهر، فقامَ يُصلِّي العصرَ، فلمَّا فَرَغُ من صلاتِه ذَكَرْنَا تعجيلَ الصَّلاة أو
ذكرها، فقال سمعت رسولُ اللهِ وَّه يقول: ((تلك صلاةُ المنافقين تلك صلاةُ المنافقين تلك صلاةُ المنافقين، يَجْلِسُ
أَحَدُهم حتى إذا اصفرَّت الشمس فكانت بين قرني الشيطان أو على قرني الشيطان قام فنقر أربعًا لا يذكر الله عز
وجل فيها إلا قليلاً)). انتهى.
إنَّه هل قصد بالتعجيلِ أمرًا وراء صيانة صلاتِه عن التشبُّهِ بصلاةِ المنافقين، وهل عندَهُ أمرٌ في التعجيل عن النبي ◌َّر
غير تلك الصِّيانَةِ؟ ولَسْنَا ننازِعُك فيه، بل نَكِلُهُ إليك، فانْظُره مِنْ نفسك تَجِد المعنى؟.
(٢) قلتُ: وبَلَغني عن مشايخنا أَنَّ هذا التفصيلَ فيما كان الكلامُ في الضَّوءِ المنبسِط في الحُجْرَة، أمَّا الداخل من
الباب، فلا يَنْقَطِع عنها إلى الغروب قطعًا، بل كُلَّما تَضَيَّفت الشمس للغروب ازداد هذا الضوء، وذلك لأنَّ البابَ
كان قريبًا يدخل منه الضوء.

١٥١
كتاب مواقيت الصلاة
رَسُولَ اللَّهِمَّهِ صَلَّى العَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، لَمْ يَظْهَرِ الفَيءُ مِنْ حُجْرَتِهَا .
٥٤٦ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَينَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ
قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُصَلِّيَّ صَلَاةَ العَصْرِ، وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِيَ حُجْرَتِي، لَمْ يَظْهَرِ الفَيُ
بَعْدُ. وَقَالَ مالِكٌ، وَيَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ، وَشُعَيبٌ، وَابْنُ أَبِي حَفصَةَ: وَالشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ .
[طرفه في: ٥٢٢].
٥٤٧ - حدّثنا مُحَمِدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ
سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلتُ أَنَا وَأَبِيَّ عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيفَ كانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ يُصَلِّي المَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كانَ يُصَلِّي الهَجِيرَ، الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى، حِينَ
تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصِىِ المَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ
حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ ما قالَ فِي المَغْرِبِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا العَتَمَةَ،
وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ
جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ بالسِِّّينَ إِلَى المائَةِ. [طرفه في: ٥٤١].
٥٤٧ - قوله: (تَدْعُونَها الأُولى) وإنَّما سُمِّيَت أُولى لِكَونِها أَوَّل صلاة أمَّ فيها جبريل عليه
السَّلام، ولهذا بدأ محمد رحمه الله تعالى كتاب المواقيت من وقت الظُّهر على خِلاف دَأُبٍ
المتأخرين .
قوله: (التي تَدْعُونَها العَتَمَة) لأنَّها كانت اسمًا لها في الجاهلية، وهي العشاء في الإِسلام.
قوله: (وكان يَكْرَهُ النَّومِ) لأجلِ خَطَرِ الفَوات.
قوله: (والحديثَ بَعْدَها) لأنَّ الشريعةَ أرادت أَنْ تكونَ الفاتحة والخاتمة على الخير،
فاستحْسَنَت أَلَّا ننامَ إلا على العبادة، ولا نشتغل بعد الاستيقاظِ بشيءٍ إلا بالعبادة.
٥٤٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي
طَلحَةٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عِمْرِو بْنِ
عَوْفٍ، فَتَجِدُهُمْ يُصَلَّونَ العَصْرَ. [الحديث ٥٤٨ - أطرافه في: ٥٥٠، ٥٥١، ٧٣٢٩].
٥٤٩ - حدّثنا ابْنُ مُقَاتِلِ قَالَ: أَخْبَرنَا عَبْد اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمانَ بْنِ
سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ قَالَ: سَمِعْتَ أَبَا أُمامَةَ يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ الظُّهْرَ، ثُمَّ
خَرَجَنَا حَتَّى دَخِلنا عَلَى أَنَسِ بْنِ مالِكِ، فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّيِ العَصْرَ،َ فَقُلتُ: يَا عَمِّ، ما هذهِ
الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ؟ قَالَ: الَعَضَرُ، وَهذهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِوَِّ الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ.
١٤ - بابُ وَقْتِ العَصْرِ
٥٥٠ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ
مالِكِ قَالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِل ◌َّهِ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ مُزَتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبِ الذَّاهِبُ إِلَى

١٥٢
كتاب مواقيت الصلاة
العَوَالِي، فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ العَوَالِي مِنَ المَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ
نَحْوِهِ. [طرفه في : ٥٤٨].
٥٥١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءٍ،، فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ.
[طرفه في: ٥٤٨].
٥٥٠ - قوله: (فيذهَبُ الذَّاهِبُ) ... الخ. ولا بَأْسَ أَنْ تكونَ الصَّلاة ههنا بِتَعْجِيلِ یسیر،
وهناك بتأخيرٍ كذلك، والفاصلة بقَدْرٍ میل.
قوله: (العَوَالي) تسمى العُمْرانات التي في شرق المدينة بالعَوَالي، والتي في جانب غربها
بالسَّوَافِل.
وحاصل الحديث: أنهم كانوا يُصلُّون العصرَ في المسجد النبوي، ثُمَّ ينتشرون إلى القرى
في عوالي المدينة، فَيَأْتُونَها والشمسُ مرتفعة، وهذا لا يدلُّ على تأخيرٍ فوق ما أراده الحنفية،
فإِنّه مما يَتَيسر على طريقنا أيضًا .
١٥ - بابُ إِثْمِ مَنْ فَاتَتْهُ العَصْرُ
٥٥٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ : أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ بِِّ قَالَ: ((الَّذِي تَقُوتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ، كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَه)).
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ﴿يَتِكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، وَتَرْتُ الرَّجُلَ: إِذَا قَتَلتَ لَهُ قَتِيلًا،
أَوْ أَخَذْتَ لَهُ مَالًا .
واختلفوا في تفسير الفوات، فقيل: فوات الجماعة، وقيل: دخولُها في الاصفرار كما
فَسَّر به الأَوْزَاعي(١) عند أبي داود قال: وذلك أَنْ تَرَى ما على الأرضِ مِنَ الشمسِ صفراء،
وقيل: الغروب. ومَنْ فَسَّرَهُ بفواتِ الجماعة، فنظره أنَّ الصَّلاةَ بدون الجماعة كأنَّها لا يُعبأُ بها
عند الشرع، فإِذا فاتته الجماعة وكأنَّما فاتته العصر.
والوجه عندي أنَّ الأحاديث لمَّا وردت بالوعيد على كلٍّ مِنْ هذه الأوصاف، جعلوها
تفسيرًا للفواتِ مع أَنَّ كله مستقل برأسه، ومضمون على حياله، لا أنَّها تفسير له. وما تحقق
عندي أَنَّ الفواتَ يبدأ مِن الاصفرار وينتهي بالغروب، فإِذا غَرَبَت الشمسُ، فقد فاتَت بجميع
مراتبها، فهذا الفَوات هو الكامل.
(١) وهو إمامٌ جليل القَذْرِ، أصغر من الإِمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فإنَّه لقي أنسًا رضي الله عنه بلا خلاف، وادّعى العيني
رحمه الله تعالى أنَّه لقي ستة أو سبعة، وتَعَقَّبَ عليه العلامة القاسم بنُ قُطْلُوبُغا وهو تلميذُ الحافظ ابن حجر، وابن الهُمام
رحمهما الله تعالى، وقال: إنَّه لم يَثْبُت لقاؤه إلا مِن أنس رضي الله عنه، أما الأوزاعي فلم يَرَ أحدًا من الصحابة رضي الله
عنهم، نعم هو أسنّ من الإمام مالك رضي الله عنه. كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز، عن كلام الشيخ.

١٥٣
كتاب مواقيت الصلاة
٥٥٢ - قوله: (وُتِرَ أهلَهُ (١) ومالَهُ) والموتور: هو الذي قُتل له قَتيلٌ فلم يُدْرِك بقصَاصِه ولا
دِيَتِهِ. ثُمَّ قيل: ما وجه تخصيص الوتر بالعصر؟.
وأجيب: بأنَّه لا اختصاصَ به، والحديثُ قد وَرَدَ في كلها في مواضعها، ويمكِنُ أَنْ يكونَ
خَرَجَ على جوابٍ سائلٍ، فلا يَدُّ على التخصيصِ. قال شارحُ الجامع الصغير للسيوطي(٢): إِنَّ
الجماعةَ آكد في الفجر والعشاء، لكونِهما أَثْقَلُ الصَّلواتِ على المنافقين، وإِن العصر أفضلُها،
وحينئذٍ يَظْهَرُ وجه التخصيص، ولا بِدْعَ في تفاوت مراتب الفرض مع تساويها في وَصْفِ الفَرْضِيَّة
كالجمعة، فإِنَّها آكد الفرائض كما صَرَّح به ابنُ الهُمام في ((الفتح)) وقد مرَّ.
قلتُ: وأصابَ هذا القائل إلا أنَّه متأخر، ومثل هذا الدعوى ينبغي أَنْ ينقل من المتقدمين.
ثُمَّ لا أَدْرِي أَنَّ الوعيد في فواتِ العصر لكونها أَفْضَل الصلوات كما قال هذا القائل، أو لكونِ
وقْتِها مشتملًا على الوقت المكروه؟ وأمَّا البخاري فلم يَحْكُم بكونها أفضل الصَّلوات وبوب
بفضلها فقط، فقال: باب فضل صلاة العصر.
١٦ - بابُ مَنْ تَرَكَ العَصْرَ
٥٥٣ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ،
عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِيِ المَلِيحِ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيدَةَ فِي غَزْوَةٍ، فِي يَوْمِ ذِي غَيم، فَقَالَ:
بَكِّرُوا بِصَلَاةِ العَصْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ نَِِّّ قَالَ: ((مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ)). [الحديث
٥٥٣ - طرفه في: ٥٩٤].
فَرْقٌ بين الفوات والترك: فالفوات ما لم يَكُن عن عَمْدٍ، والترك ما كان عمدًا، ولذا
عُوقِبَ به بحَبْط العمل، فالحَبْط مِنَ المصائبِ التي جاءت على عمله، والوترُ من واردات
الخارج.
(١) قال الطحاوي: فكأَنَّ معنى قوله وَّهِ: ((فكأنما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ)) بمعنى كأنَّما نقص أهله وماله من قوله تعالى: ﴿وَلَنْ
يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] أي ينقصكم أعْمَالكم، وكذلك حدثنا وَلَّاد النحوي عن المصادري عن أبي عبيدة
وفي ذلك ما قد دلَّ أَنَّه لم يكن بذلك كافرًا وإن كان ما قد نَقَصَهُ من ذهاب إيمانه أكثر مما نَقَصَهُ من ذهاب أهله
وماله، وكان القصد إلى ذكر ذلك لا إلى ذكر أهله وماله. وبالله التوفيق. ((مشكل الآثار)). وقال الخطّابي: معنى
وُتِرَ: أي نقِصَ أو سُلِبَ فبقي وترًا فردًا بلا أهل ولا مال، يريد فليكن حذره من فوتها كحذره من ذهاب أهله
وماله ((معالم)).
(٢) والجامع الصغير ثلاثة شروح:
الأول: للملا عبد الرؤوف الشهير بالسِّراج المنير وهو في ثمان مجلدات، وقد جاء مجلد منها مطبوعًا إلينا.
والثاني: للعلْقَمي. والثالث: للعزيزي، وكون العصر أفضلها وكذا كون الجماعة آكد في العشاءين في الأخير
منها. قلتُ: أما كون الجماعة آكد في العشاء فلعلَّه أَخَذَهُ من حديث عند أبي داود في تخلف المنافقين عن
الجماعة، أَنَّهم لو وجدوا مرماتين حسنتين لحفروهما - بالمعنى - فكأنَّ الآكدية لهذا. كذا في تقرير الفاضل عبد
العزيز عن الشيخ.

١٥٤
كتاب مواقيت الصلاة
وفي الحديث أَنَّ الأولين قصروا في صلاة العصر، وعن عليّ رضي الله عنه أَنَّ المرادَ منه
سليمان عليه الصَّلاة والسَّلام.
قلتُ: وإذا ثَبَتَ عند مُسْلِم: ((أَنَّها صلاةٌ كانت عُرضت على بني إسرائيل، فقصَّروا فيها،
فإِن أتممتم فلكُم الأجرُ مرتين)) - بالمعنى - فأيُّ حاجة إلى حَمْلِه على نبي من الأنبياء عليهم
الصَّلاة والسَّلام! فالأَوْلَى أَنْ يراد به مطلق الأمم، وقد فاتت عن النبي ◌َّ أيضًا في غزوة
الخندق. وحمله الحنفية على عذر المسايفة. والشافعية رحمهم الله على عَدَمِ نزولِ صلاة
الخوف. والمالكية على عدم الوضوء. والله تعالى أعلم.
١٧ - بابُ فَضْلِ صَلاَةِ العَصْرِ
٥٥٤ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ
قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ وَّهِ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَّيْلَةً - يَعْنِي الْبَدْرَ - فَقَالَ: ((إِنَّكُمْ
سَتَرَّوْنَ رَبَّكُمْ، كَما تَرَوْنَ هذا القَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا
عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافِعَلُوا)). ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَسَيِّعْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع
الشَمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: افعَلُوا، لَا تَفُوتَنَّكُمْ. [الحديث ٥٥٤ - أطرافه
في: ٥٧٣، ٤٨٥١، ٧٤٣٤، ٧٤٣٥، ٧٤٣٦].
٥٥٤ - قوله: (لا تضامُّون) وهو من الضم بمعنى لا تَزْدَحِمون. وفي رواية: من الضَيْم بمعنى
الظلم أي لا يَحْرُم عن رؤيته أحدٌ أحدًا. وتلك الرؤية إنَّما تكون رؤيته للتجليات عندي دون رؤية
عن الذات، كما اختاره الشيخ الأكبر رحمه الله، وقَسَّمَها إلى رؤية شمسية ورؤية قمريةٍ، ثُمَّ لم
يفسرها (١). ثُمَّ إنَّ رواية التجلي هي التي تسمى برؤية الذات؛ ألا تَرَى أَنَّكَ إذا رأيتَ اللَّهَ - جلّ
سبحانه - في منامك تقول: إنك رأيت ذاته مع أنَّك ما رأيت ذاته المباركة، بل نظرت إلى نحو
تجلي فقط؟. ولا تنسب إليَّ ما لم أقله. فإِنِّي لا أُنْكِرُ الرؤية، ولكن أريدُ البحث في أَنَّ حقيقةً
الرؤيةِ هي رؤية الذات أَوْ ماذا؟ فالله سبحانه وتعالى يَتَجَلَّى لعباده يومَ الحشر على نحو ما تجلّى
لموسى عليه الصَّلاة والسَّلام فقال: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] مع أنَّه
كان سَأَلَهُ عن رؤية ذاتِه تعالى فتجلَّى له، وذلك لأنَّ رؤية ذاته تعالى لا تكون إلا بالتجلِّي، وفي
ضمنِه تنكشف الذات أيضًا على ما تليق بشأنها، وتلك التَّجلِّاتِ لا نهاية لمراتبها، فالله سبحانه
وتعالى يَعْلَم أنَّه كيف يَتَجَلَّى، ولكن تجلِّيه هو عبارةٌ عن رؤيتِهِ، وقد مرَّ تقريره في أوائلِ الكتاب
شيئًا في شرح الحديث الثاني، وهذا على مختارِ الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى. وراجع ((الفتاوى
للشاه عبد العَزيز)) رحمه الله تعالى؛ فإِنَّه تكلّم جيدًا في هذا الموضوع.
(١) وسيجيء عن بعض المحققين في ذيل شرح التجلي، أنَّها إيماء إلى لفظِ الحديث، ففي لفظ: ((فترونَهُ كما تَرَوْنَ
هذا القمر لا تضامُّون في رؤيتِه)) وفي أُخْرى ((الشمس)) بدل القمر فسمَّاهما رؤية شمسية وقمرية، ثُمَّ اللَّهُ تعالى
أعلم ما الفَرْقُ عنده بينهما؟ .

١٥٥
كتاب مواقيت الصلاة
ثم إنَّه فَرْقٌ بين التجلِّياتِ ونحو الوجه واليد والعين، لأنَّ التَّجلِّيات صُوَرٌ مخلوقة - أُقيمت
بين العَبْدِ وربهِ، لتعريفه إياه - وآثارٌ لأفعاله، بخلافِ الوجهِ وغيرِهِ، فإِنَّها من مبادىء الصفاتِ،
وليست منفصلة عنه انفصال التجليات. وإنَّما عبّر عن تلك المبادىء عن ألفاظ مختلفة،
لاختلاف أفعالها فيما بعد، فَوَضَعَ لها ألفاظًا كذلك تنبيهًا على هذا المعنى، وهي في الحقيقة
من متعلَّقات الذات لا مغايرة عنها. وسمَّاها البخاري شؤونًا والله تعالى أعلم بحقائق الأمور.
ومن ههنا تبين أَنَّ الاهتمام بها إِنَّما هو لكونِها دخيلًا في رؤيتِه تعالى، وعند الدارقطني
وقوَّاه أَنَّ النساء تحصل لهن الرؤية في العيدين، ولذا أُمِرْن أن يَحْضُرْنَ العيدين، وهو معنى
قولها: ((أليست تَشْهَدُ عرفة)) تعني به أَنَّ المقصودَ بحضورهنَّ المُصلِّي هو الشهودُ فقط كما في
عرفة، وفي (١) الأحاديث أَنَّ بعضهم يَرَى ربه في هذين الوقتين كل يوم(٢) .
٥٥٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا مالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: ((يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ: مَلَائِكَةٌ بِاللَّيلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ،
وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيَكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ
أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلَّونَ)).
[الحديث ٥٥٥ - أطرافه في: ٣٢٢٣، ٧٤٢٩، ٧٤٨٦].
٥٥٥ _ قوله: (يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل) ... الخ. وهو على حد قولهم: أكلوني
البراغيث. فالواو علامة للجمع، وليست ضميرًا، والعُقْبَة، أي النَّوبة.
واختلف في أَنَّهم الحفظة أو السَّياحون، والطوافون في الأرض، والذين يَظْلُبون مجلس
الذكر. فإِنْ قلتَ: وليس فيه ذِكْرُ الطائفة الأخرى، الذين جاؤوا في العصر.
قلتُ: وهو موجودٌ مفصلًا عند النَّسائي، واختصره الراوي ههنا، وراجع رواية الصحيح
لابنِ خزيمةَ، ففيه ذِكْرُ السؤالِ مِنَ الطائفة الأخرى أيضًا، فلا يُقال: إنَّه لِمَ اقتصر فيه على سؤالٍ
الذين باتوا دون الذين ظلُّوا. وسياقه على ما أخرجه الحافظُ رحمه الله تعالى في ((الفتح)):
(١) وفي الجامع الصغير: أنَّ اللّه تعالى يَتَجَلَّى لعبادِهِ المقرَّبين كلَّ يوم مرتين، وفيه أنَّه يتلو عليهم القُرآن . - بالمعنى
- وصححه السيوطي على الهامش، ودَلَّت القرائنُ أَنَّ هذا الحُكم من جانبه، وإذا لم يَبْلُغُ إلينا فيه كلام ممنْ هو
أَقْدَم منه، نعتمد بتصحيحه، فإنَّه عالمٌ جليلُ القَدْرِ، وإنْ لم يكُن كالحافِظِ ابنِ حجر رحمه الله تعالی. وعند
الترمذي في بابٍ سوق أهل الجنة: ((إنَّ أَهلَ الجنة يُؤْذَّنُ لهم بالزيارة في مِقْدَار يوم الجمعة مِنْ أيام الدنيا)»
الحديث. وأخذتُ منه أَنَّه لذا فُرِضَتِ الجمعة في الدنيا، كأنَّه تذكار لما يجتمعون في الآخرة. وفي ((عقيدة
السَّفارِيني)» عن الدَّارَقُظْني: أَنَّ الرؤية للنساء تكون في العيدين، إلا أني لم أجده في الدَّارَقُطْني في نسخة
بأيدينا، وله نسختان فلعله يكونُ في الأخرى. وهكذا يكونُ في النقول عن النَّسائي، فإنَّ الحديث قد يكونُ في
الكبرى، والنَّاسُ يطلبونَهُ في الصغرى، فإذا لم يجدوه تَحَيَّرُوا. كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز عن الشيخ.
(٢) وعند الترمذي في باب رؤية الرَّبِّ تبارك وتعالى في حديث تُوَيْر: ((وأكرمهم على اللَّهِ من يَنْظُر إلى وجهه غدوةٌ
وعشيًا)). وفي رواية جرير: ((فإِنِ استطعتُم أَلَّا تغلبوا على صلاةٍ قَبْل طُلوعِ الشمسِ وصلاة قبل غروبها فافعلوا)).

١٥٦
كتاب مواقيت الصلاة
تجتمع ملائكةُ الليل وملائكة النَّهارِ في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيجتمعون في صلاة الفجر،
فتصعَدُ ملائكةُ الليل، وتثبتُ ملائكة النَّهار، ويجتمعونَ في صلاةِ العصر، فتصعَدُ ملائكةُ النَّهارِ،
وتثبتُ ملائكةُ الليل، فيسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي؟! فهذه الرِّواية تَنْفي كثيرًا من
الاحتمالاتِ، فهي معتمدةٌ، ويحمل ما نَقَصَ منها على تَقصيرِ بعض الرواة. انتهى مع تغيير.
فإنْ قلتَ: إنَّه ينبغي التعاقب في المغرب مكان العصر، فإِنَّ الطَّرَف الآخر من النَّهارِ، وهو
المغرب. قلتُ: وهذه اعتباراتٌ، فعد المغرب ههنا من الليل، والعصر من الطرف الآخر،
باعتبارٍ أَنَّ النَّهار الشرعي يبتدىء من طلوع الفجرِ، لا من طلوع الشمس، وينتهي بالعصر لا
بالغروبِ، على خلافِ النَّهارِ العُرفي، والصَّلاةُ بعدها مكروهةٌ، فينسد الدفتر فينبغي أَنْ تعتبَر
العصرُ أَخرًا بهذا الاعتبار أيضًا .
قوله: (تركناهم وهم يصلون(١)) وهل الملائكة يقتدون في الفجر أو لا؟ فلي فيه تردد ففي
((الموطأ)) لمالك رحمه الله تعالى عن سعيد بن المسيب أنَّه كان يقول: ((مَنْ صلَّى بأرضٍ فَلاةٍ
صلَّى عن يمينِهِ مَلَكٌ وعن شمالهِ ملكٌ، فإِنْ أَذَّنَ وأَقَامَ الصَّلَاة صلَّى وراءه مِنَ الملائكةِ أمثال
الجبال انتهى. فيمكنُ أَنْ يُقال إِنَّ اقتداءهم إذا ثَبَتَ في صلاةٍ ثَبَتَ في جميع الصَّلوات إِلا أَنَّ
قولَه تعالى: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] ليس بصريح في الاقتداء، لأن الشهودَ
يمكن أَنْ يكون كما مَرَّ في قولها: ((أليست تشهد عرفة)) وقوله: ((يشهدن دعوة المسلمين)). ولذا
بَحَثْتُ هناك أَنَّ الشهود يُظْلَق على غير الاقتداء أيضًا، وكذا قوله في الجمعة: ((إذا قَعَدَ الإِمامُ
على المنبر طووا الصحف وجلسوا يستمعون الذكر)). لأنَّه ليس فيه ذِكْر اقتدائهم، فإِنْ كان
إطلاقُ الشهودِ على مطلق الحضُور فقولهم: تركناهم وهم يصلون، ظاهر. وإِنْ كان على الاقتداء
فلا يَصْدق قولهم إلا باعتبارِ الجنس يعني تركنَاهُم أي الذين ما كنَّا مقتدين بهم دون الذين اقتدينا
بهم أو يُحْمَل على المَسْبُوقِ وغيرهم.
قلتُ: ولي ههنا إشكالٌ آخر في عبارة البخاري وهو أَنَّه لِمَ خَصَّصَ الحديث المذكور
بترجمةِ فَضْل العصر مَعَ اشتمالِهِ على فَضْلِ الفجر أيضًا، ثُمَّ إِذا بَوَّبَ على فَضْل الفجر لَمْ يُخْرِجِهِ
هناك، وتلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ فلعلَّه حَمَلَهُ على فَضْل العصر فقط، لأَنَّ
حُضُورَهم في الفجر يُمْكِنُ أَنْ يكون مَحْمُولًا على كونِها طرفًا من النَّهار بخلاف العصرِ، فإِنَّ
الحضور فيها لِفَضْلِها في نَفْسِها لا لكونها طرفًا من النَّهار، فإِنَّ طرفه في الحس هو المغرب،
فلو حضروا من أجل كونها طرفًا لحضروا في المغرب دون العصر (١).
(١) قُلتُ: وفي المقام أَبحاثٌ شريفة، ولطائف غريبة، ذكرها العيني فمن شاء فليرجع إليه.
(٢)
ولا يَرِدُ عليه أنه قرر العصر فيما مر طرفًا، لأنهما نظران ومن ليس له نظر ليس عنده خبر ثم آخر ما سمعته في
جوابه عنه أَنَّ بَوَّبَ عليه بفَضْلِ العصر دفعًا لما عَرَا لبعض العلماء مِنْ أَنَّ التعاقبَ لعلَّهُ يَخْتَص بالفجر، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ فأشارَ الإِمام إلى دَفْع هذا التوهم، وبَوَّبَ عليه بفَضْل العصر، فالتعاقُب
في الفجر ثابتٌ بالنَّص، وفي العصر بالحديث، ولذا لم يخرجه في باب الفجر، لأنَّ فضلها والتعاقب فيها كان
ثابتًا بالنَّص، فاكتفى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ .
٠

١٥٧
كتاب مواقيت الصلاة
فإنْ قلتَ: إذا كان التعاقبُ فيها فما نكتة تخصيص الفَجْرِ في النَّص؟ قلتُ: لِكَونِ القراءة
فيها جَهْرِيَّة فكان ذِكْرُ الملائكةِ أهم لدَلالتِهِ على شِدَّةِ اشتياقهم وشَغَفِهم باستماع القرآن، ولي
جزم بأنَّهم يَشْهَدُون صلاةَ الجماعةِ دون المنفرد.
١٨ - بابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ الغُرُوب
٥٥٦ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلِهِ: ((إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ
الشَّمْسُ، فَلَيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَلِيُتِمَّ
صَلَاتَهُ)). [الحديث ٥٥٦ - طرفاه في: ٥٧٩، ٥٨٠].
قال النَّووي: هذا دليلٌ صريحٌ في أَنَّ مَنْ صلَّى رَكْعَة مِنَ الصُّبح أو العصرِ ثُمَّ خرجَ الوقتُ
قَبْلَ سَلَامِهِ لا تَبْطُل صلاتُه، بل يُتِمها وهي صحيحة، وهذا مُجْمَعٌ عليه في العصر، وأمَّا في
الصُّبح فقال به مالك، والشافعي، وأحمد رحمهم الله تعالى. والعلماء كافة إلا أبا حنيفة
رحمه الله تعالى فإِنَّه قال: تَبْطُل صلاة الصبح بطُلُوع الشمس فيها، لأنَّه دَخَلَ وقتُ النَّهي عن
الصَّلاة بخلاف غروب الشمس. والحديثُ حجَة عليه. انتهى.
واعلم أنَّ الشمس إنْ طَلَعت أو غَرَبَت في خلال الصَّلاة، فالصَّلاة جائزةٌ عند الثلاثة.
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: تصح عصر اليوم خاصة، أمَّا الفجر فتتحول نفلاً عند
الشيخين. وهذا معنى ما في المتون من فسادها. وقال محمد رحمه الله تعالى: إِنَّها باطلةٌ
أصلًا. وفي رواية شاذة عن أبي يوسف رحمه الله تعالى: أنها تصح فريضة وسبيلُها أَنْ يُمسك
عنها عند الطُلوع مراقبًا للشمس، فإِذا رأى وقت الكراهةِ قد خرج يُتم ما بقي. والحديث يَرِد
علينا إلا على تلكَ الرواية الشاذة.
وأجاب عنه الطحاوي: أَنَّه وَرَدَ في المجانين إذا أفاقوا، والصبيان إذا بَلَغُوا، والنَّصارى
إذا أَسْلَمُوا، والحُيَّضِ إذا طَهرن، وقد بقيَ عليهم من وقت الصُّبح مقدار رَكعة أَنَّهم لها
مدركون. انتهى .
فمعنى قوله: (أَدْرَك) أي لزمه القضاء دون البناء. والعجب من الحافظ رحمه الله تعالى
حيث رد عليه بما رَدَّ الطحاوي نفسه في كتابه، قال الحافظ رحمه الله تعالى: وللبيهقي من وجه
آخر: (مَنْ أَدْرَك رَكعة من الصبحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشمسُ فليصلِّ إليها أخرى)). ويُؤْخَذُ من هذا الرد
على الطحاوي حيث قال: الإِدَرَاك باحتلام الصبي، وظُهْر الحائض، وإسلام الكافر، ونحوها،
وأَرادَ بذلك نُصْرَة مذهبه في أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ من الصبحِ رَكعةٍ تَفْسد صلاتُه لأنَّهَ لا يكملها إلا في
وقْتِ الكراهة. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى. مع أَنَّ الطحاوي بعد سَرْدٍ جوابه أَورَدَ عليه
بعين ما أَوْرَدَ به الحافظ رحمه الله تعالى ما نصه هكذا: فكان من الحجة عليهم - أي الذين
أخذوا الإِدراك بمعنى اللزوم دون البناء - لأهلِ المَقَالةِ الأولى - أي الجمهور - ما قد حدثنا عن
أبي هريرة عن رسولِ اللهِ وَّر قال: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكعةً من صلاة العصرِ قَبْل أَنْ تَغْرُبَ الشمسُ فقد

١٥٨
كتاب مواقيت الصلاة
تمت صلاته؛ وإذا أَدْرَك رَكعةً من صلاة الصبح فقد تمت صلاته)). ففيما روينا ذِكْرُ البناء بعد
طلوعِ الشمس على ما قد دَخَل فيه قَبْل طُلُوعِها انتهى .
فالعجب من الحافظ رحمه الله تعالى كل العجب أنَّه رَدَّ على الطحاوي ولم يَنْظُر إلى أنَّه
رَدَّ عليه بنفسه بعد سطرين. ثُمَّ أقول: إنَّ الطحاوي ليس متفردًا فيه بل في ((المدونة)): قال ابن
وهب: وبلغني عن أُناس مِنْ أَهْلِ العلم أنَّهم كانوا يقولون: إنَّما ذلك للحائِض تطهر عند غروب
الشمس، أو بعد الصبح، أو النائم، أو المريض يفيق عند ذلك. على أنَّه يمكِنُ تمشية جوابهِ
على مسائِلنا أيضًا. ففي كُتبِ الأصول أَنَّ فخر الإِسلام رحمه الله تعالى والسَرَخْسي رحمهما الله
تعالى اختلفا فيمن صار أهلًا للصَّلاة في هذه الأوقات أَنَّه يُصلِّيها فيها أو يُمسك في الوقت
المكروه. ثُمَّ يقضي بعدها؟ فقال واحد منهما أنَّه يصليها كذلك وصرَّح في ((التحرير))، أنَّه ليست
فيه رواية عن صاحب المذهب، فينفذ جواب الطحاوي على هذا القولِ بدون تمحل.
أقول: في ((الدر المختار)) عن ((القنية)): أنَّ رجلًا لو صلَّى قبل الغروب، ثُمَّ ذهبَ بها إلى
الغروب بالتطويلِ لم يُكْرَه عندنا، وهو رواية عن الشافعي رحمه الله تعالى، ومصنِّفه حنفي في
الفقه ومعتزلي في الاعتقاد، فلا تُقْبَل تفرداته إلا أَنَّ هذه المسألة رأيتُها في ((أصول البزدوي))
لفخر الإِسلام أيضًا، فلم أجد مساغًا للإِنكار، وإِنْ كنتُ مترددًا فيها. وما اعتذر عنه صاحب
(التوضيح)) بعذر الخُشوعِ والخضوعِ لا ينفع.
وظاهر ((الموطأ)) أنَّه يصليها إذا أَدْرَكَها بتمامها قبل الغروب، لا كما في المتون أَنَّه يُصلِّيها
ولو أَدْرَكَ رَكعة منها قَبْلَ الغروب، ثُمَّ يُتمها بعد الغروب. قال محمد رحمه الله تعالى في باب
الرجل يَنْسَى الصَّلاة أو تَفُوتُه عن وقتها: وبهذا نَأُخُذ إلا أَنْ يَذكرها في الساعة التي نهى
رسولُ اللهِ وَِّ عن الصَّلاة فيها حين تَظْلُع الشمس حتىٍ ترتفع وتَبْيَضَّ، ونصف النَّهار حتى
تَزُول، وحين تَحْمَر الشمس حتى تغيب، إلا عصر يومه فإِنَّه يُصَلِّيها وإِنْ احمرَّت الشمس قَبْل أَنْ
تَغْرُب. انتهى. والذي يظهر فيه أَنَّ الظاهر ما ذهب إليه محمدٌ رحمه الله تعالى. ولعلَّ فخر
الإِسلام فرَّعِ على القولِ المرجوح، لأنَّهم اختلفوا في الصورَةِ المذكورة: أنَّ الكراهةَ في الفعلِ
والصلاة معاً أو في الفعل فقط كما في البحر، والأول أرجح فاختار القول الثاني فجعل الكراهة
في الفعل فقط، فحينئذ لو أَطَالَها إلى الغُروبِ لا تكون صلاته مكروهة. فاعلمه.
ثم إني تتبعتُ مرادهم بصحةٍ عصرٍ اليوم، أَنَّهم يأمرون بأدائها أيضًا أو قائلون بالصحةِ
فقط. والوجدان يحكم أَنَّهم إذا قالوا بصحتها فلا بُدَّ أَنْ يحكم بأدائِها أيضًا، لأنَّه معاملة الصَّلاة
فإِذا صَحَّت لا بُدَّ مِن أدائها ولم أجدِهِ مصرَّحًا في كتبهم. وينبغي أَنْ يكون الأمر للترغيب فقط.
وَقَد عَلِمْتَ آنفًا أَنَّ الصحةَ فيما إذا أَدْرَكَها بتمامها قَبْل الغروب، لا كما في المتونِ، إِن أَذْرَكَ.
رَکعة قَبْل الغروب یُتم بعدها. فلیحرر.
وجملةُ الكلام أَنَّ الحديثَ لا يُفَرِّق بين الفَجْرِ والعصر، وظاهرهُ موافقٌ لما ذَهَبَ إليه
الجمهورُ، وتفريقُ الَحنفية باشتمالِ العصرِ على الوقْتِ النَّاقص دون الفَجْرِ عَملٌ بإحدى القطعتين
وترٌ للأخرى بنحوٍ من القياس، وذا لا يَرِد على الطحاوي، فإِنَّ ذَهَبَ إلى النَّسخِ بالكُلِّية مِنَ

١٥٩
كتاب مواقيت الصلاة
الأحاديث التي وَرَدَت في النَّهِي عن الصَّلاةِ عند طلوعِ الشمس وعند غُروبِها، إلا أنَّ المَعْرُوف
مِنْ مَذْهَبِ الحنفية خلافه، فإِنَّهم قائلون في العصر بصَحتِها كما في الحديث. وذَهَبَ ابنُ حَزْم
إلى عكسه، وقال: إنَّ أحاديثَ النَّهي مَنْسُوخَةٌ كلُّها بحديث: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكعة ... )) وعلى هذا لاّ
حاجةَ إلى حَمْلِ حديث الإِدراكِ على صلاةِ النَّائم كما حَمَلَ عليه الشافعي رحمه الله تعالى بل لو
تَعَمّدَه ينبغي ألا يكون عندَهُ بأُسًا فلم أَرَ جوابًا شافيًا عنه في أحد من كُتب الحنفية بعد.
والذي سَنَحَ لي أَنَّ النَّاسِ حَمَلوا الحديثَ المذكورَ على المواقيتِ وهو عندي في حق
المسبُوق، فيكونُ مفهومه على طريقهم: أَنَّ الرَّكعَة الأُخِرِى بعد ما طلعت الشمس أو غربت،
فتجري فيه الخلافية. وأما على ما اخترتُ فمفهومه: أَنَّ الرَّكعة مع الإِمام ورَكعة أخرى بعده
وكلتاهما في الوقت قَبْلَ الطلوع في الفجر، وقَبْلَ الغروب في العصر، فلا تجري فيه الخلافية
المذكورة.
والدليل عليه: أَنَّ هذا الحديث وَرَدَ في أَرْبَعَةِ مَواضِع واتفق الكلُّ في الكلِّ أَنَّها في
حق المَسْبُوق، واختلفوا في هذا فقط، فَأَدْخَلُوه في مسألةِ الوقْتِ وهو عندي محمولٌ على
نظائرهِ.
فالأول: الحديثُ العام الذي أَخْرَجَهُ مُسلم وغيره ((فمن أَدْرَك رَكعة من الصَّلاة فقد أَدْرَك))
ولا فَرْقَ بين هذا الحديث وحديث الباب، إلا أنَّه عامٌ لجميع الصَّلِوات: الفجر والعصر
وغيرهما سواء، وحديث الباب في حقهما فقط، ونُكتة تخصيصهمًا بالذِّكر اشتراكهما في بَعْض
الأوصافِ، فلهُما دَخْلٌ في الرؤية، ولذا جمعهما الحديث أيضًا، فقال: ((من صلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ
الجنَّة)). وقد جمعَهما القرآن في غيرٍ واحدٍ من الآياتِ، كقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع
الشَّمْسِ وَقَبْلَ اُلْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] واتفقوا في الحديث العام أنَّه في حق المسبوقِ قطعًا لِمَا عند
مسلم من طريق آخر: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكعة مِنَ الصَّلاةِ مَعَ الإِمامِ فَقَدْ أَذْرَكَ)) ففيه تصريح بكونِه في
حق المسبوق. وإسنادُ هذين الحديثين واحدٌ، فأمكن أن يدَّعي أحدٌ باتحاد الحديثين، عممه
الراوي تارة وخصصه أخرى، فيكون مِنْ باب اختلافِ الرواة، أو اختلاف الراوي، تارةً كذا
وتارةً كذا، ويكون القيد الثابت في واحدٍ ثابتًا في الآخر، فيكون كل منهما محمولًا على
المسبوق بالنَّص إلا أني حملتهما على أنَّهما حديثانٍ، ثُمَّ قلتُ: إِنهما في حَقِّ المسبوقِ.
والثاني: ما أَخْرَجَه النَّسائي في باب مَنْ أَذْرَكِ رَكعة من الصَّلاة: عن سالم أَنَّ رسولَ اللهِوَكَّ
قال: ((من أَدْرَكَ رَكعة من صلاة مِنَ الصَّلوات فقد أَذْرَكها إلا أنَّه يَقْضي ما فاته)). وهذا صريحٌ أَنَّه
في حق المسبوقِ، وفيه عن سالم عن أبيه قال: ((من أَدْرَكَ رَكعة من الجمعة أو غيرِها فقد تمت
صلاتُه)) وهو أيضًا في حق المسبوق عندهم.
والثالث: ما أخرجه أبو داود في باب يُدرك الإِمام ساجدًا كيف يصنع. وقد وقَعَ فيه
الحديث المذكور قطعة منه عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا جئتم إلى الصَّلاة ونحن سجود فاسجدوا
ولا تعدُّوها شيئًا، ومَنْ أَدْرَك الرَكعةَ فقد أدرك الصَّلاة)). وأخرجه ابن حِبّان في ((صحيحه)) فعُلِم
أَنَّه صحيحٌ عنده، وحَمَلُهُ النَّاس على أَنَّ الرَّكعة فيه بمعنى الركوع، والصَّلاة بمعنى الرَّكعة وهو

١٦٠
كتاب مواقيت الصلاة
عندي على ظاهرِه. وحاصله: أن مُدْرِك الرَّكعة يعدُّ مدركًا للصَّلاة في نظر الشرع، ومَنْ أَدْرَك ما
دونها فإِنَّه لا يُعدُّ مُدرِكًا لها، وإِنْ أَدْرَكَ فَضْلَ الجماعة.
والرابع: ما عند العيني عن الدَّارَقُطْني: ((مَنْ أَدْرَكَ من صلاةٍ رَكعة قَبْل أَنْ يُقِيم الإِمام صُلْبَهُ
فقد أَدْرَكها)). فإِذا جعلوا هذه الأربعة في حقِّ المسبوق، جعلتُ حديث الباب أيضًا فيه، ثمَّ
هو عندي مضمونٌ واحِدٌ، ذَكَرَهُ النبي ◌َّهِ مِرَارًا في أوقاتٍ مختلفة بطُرُق مختَلِفة، فهي إذن
أحاديث لا أَنَّها حديث واحد، والاختلاف مِنَ الرواة وإِنْ أمكن فيه دعوى الاتحاد لكنه خلاف
الوجدان .
ثم إنَّه قَدْ ظَهَرَ عندي بعد السبر، أَنَّ الشرعَ أَقامَ لذلك بابًا مستقلًا، وعَدَّ مُدرِكَ الرَّكعة
مُدْرِكًا للجماعة وكان مُهمًا، ولم يتعرض في موضع إلى إجرَاءِ هذا الباب في المواقيت، فلم
يَظْهَر لي بعدُ أَنَّ المُدْرِك لجُزْءٍ مِنَ الوَقْتِ مُدرٌِ للوقّت عنده أم لا؟ فإذا لم يَظْهَر هذا الباب إلا
في إدراك الجماعة كيف يَسُوغُ حملُه على المواقيت؟ فلا يكون إلا في حق المسبوق. فافهمه
بالتفكّر التام.
ثم ما يدلك علىِ أَنَّه في حق المسبوق دون الوقت أنَّه تعرض فيه إلى الرَّكعة ولو جاء في
الوقت لتعرَّض إليه، وإنَّما تَوَهَّمَ كونه في مسألةِ المواقيت من أجل قوله: ((قبل أَنْ تَظْلُعَ الشمسُ))
فَفَهِمَ منه أَنَّ الرَّكعة قَبْلَ أَنْ تَظْلُعَ الشمسِ مع أَنَّه يَتَعلقُ بالفعلِ على معنى: مَنْ أَدْرَكَ الصبحِ قَبْل
أَنْ تَطْلُعَ الشمسُ، لا أَنَّ تلك الزَّكعة قَبْل أَنْ تَطْلُعَ كما فُهِم.
ويتأتي هذا الشرح في جملة ألفاظه بلا كلفة ففي لفظ: ((فقد أَدْرَكَ الصَّلاة)) وفي لفظ:
((فليصلِّ إليها رَكعةً أخرى)) وفي معناه: ((فليضف)) وفي لفظ: ((فليتم صلاته)). فهذه كلها صادقة
في حقِّ المسبوق. نعم، ههنا لفظٌ آخر أخرجَهُ الحافظُ رحمه الله تعالى من البيهقي يهدِمُ الشرحَ
المذكور ولفظه: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصبحِ رَكِعة قَبْلَ أَنْ تَطْلُع الشمسُ ورَكعَة بعد ما تَطْلُع الشمس فقد
أَدْرَكَ الصَّلاة)) انتهى. وهذا صريحٌ في أَنَّ الحديث في الوقت لا في حق المسبوق، وأَنَّ الرَّكعةَ
هي بعد طُلوعِ الشمس.
قلتُ: وهذه القِطعة من ((الكبرى)) موجودة عندي، ولم أجد فيه ما نَقَلَهُ الحافظُ رحمه الله
تعالى، ثمَّ الشوكاني نَقَلَه في ((النيل)) عن ((الفتح)) وحذف حوالة البيهقي، ولعلَّه أيضًا راجعٌ إليه
فلم يجدها فيه، ولذا حَذَفَ الحوالة. ولكنَّ الحافظ رحمه الله متقنٌّ مُتَثَبِّتْ في النقل عندي فلعلَّهُ
يكون في نسخة منه عنده البتة. فالوجه فيه عندي: أَنَّ الحافظَ رحمه الله تعالى سها فيه، حيث
نقلهُ إِلى مسألة المواقيت مع أنَّه حديث آخر جاء في ركعتي الفجر، واختصر فيه الرازي اختصارًا
مخلاً، وهو في الحقيقةِ ليس من ألفاظِ هذا الحديث، والحديث على وجهه كما أخرجَهُ
الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا: ((مَنْ لم يصلِّ رَكعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس)).
انتهى. وصححه الذهبي فأصلُ الحديث كان هكذا فغيروه كما ترى.
والدليلُ عليه: أَنَّ هذا الحديث موجودٌ عندي بإِحدى وعشرين طريقًا :
خمس في ((المسند))، وخمس في الدَّارَقُطْني، وثلاث في البيهقي، وطريقان في ((الصحيح