النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ كتاب الصلاة وقدَ مرَّ هذا البابِ في الأنْجَاسِ وذِكْرُهُ ههنا من حيث كونه مُصلَّى ومسجدًا، وفيه تصريح بأنَّ الصَّلَاةَ فِي المَرَابِضِ كانت قَبْلَ أنَّ يُبنى المسجد (١). ٤٣٠ - قوله: (حدثنا صدقة) وهذا راوي فيه حِدةٌ وشَرَهٌ، حيث جَعَلَ رفع اليدين عَلَمًا لأهل السُّنة والجماعة . واعلم أنَّ المصنّف رحمه الله تعالى أَشَار إلى الأحاديث الواردة في التفرِقَة بين الإِبلِ والغَنَم وليست على شرطِهِ، لكن لها طُرُقٌ قوية، وفي معظمها التعبير بِمَعَاطِن الإبل، وفي بعضها بمبَارِك الإبل وعند الطبراني مناخ الإبل، وعند أحمدَ مَرَابِض الإبل، فَعَبَّر المصنّف رحمه الله تعالى بالمواضع لكونِهَا أَشْمَل والمعاطِن أخص، لأنَّ المعَاطِن مواضعُ إقامتها عند الماء خاصة، كذا قال الحافظُ رحمه الله تعالى وفيه وجوه أُخَر أيضًا . قلتُ: وعندي أنَّه تَرَكَ لفظَ المَعَاطِن لأنَّه ورد النهي عن الصَّلاةِ فيها في غيرِ واحدٍ مِنَ الأحاديث، ويُعْلم مِنْ حديثِ الباب الجواز فيها، فَأَرَادَ أَنْ لا يَرِدَ الإيجابَ على عَيْنِ ما ورد عِنه النهي، فَغَيَّرَ اللفظَ وعَبَّرَ بالمواضع، والوجه فِيه أَنَّ المَعَاطِن مَوَاضِع الألْوَاثِ والأَنْجَاس، ولأنَّها لا يُؤْمَنُ فيها عن إِيذائِهَا بخلافِهَا ههنا، فإنَّه موضِع طمأنينة ولا يخاف منها أيضًا فلم تشمله أحاديث النَّهي. ٥١ - باب مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ تَنُّورٌ أَوْ نَارٌ أَوْ شَيءٌ مِمَّا يُعْبَدُ فَأَرَادَ بِهِ اللَّهَ تعالى وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي أَنَسٌِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهَ: (عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ وَأَنَا أُصَلِّي)). ٤٣١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾ِ، ثُمَّ قَالَ: ((أُرِيَتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالَيَوْمٍ قَظُ أَفْظَعَ)). [طرفه في: ٢٩]. (١) وقد مَرَّ فِيمَا سَلَفَ أَنَّ الصَّلَاةَ في المَرَابِض لم تَكُنْ مطلوبًا، ولكن لَمَّا جُعِلَتْ له الأرضُ مسجدًا خاصةً دون سائر الأمم أَرَادٍ أَنْ لا يُخَصِّصَهَا بمكان دون مكان، فَمْن سأل أَنْ يُصلي أجاز له بها، وإنَّما نَهَى عن الصلاةِ بالمعاطِن - تحرزًا عن الإِيذاء لا غَيْرَ، فَدَلَّ أَنَّ تلك الإباحة كانت لتمشيته تلك الخصيصة لا لأَنَّ أذبالَ مأكولِ اللحم طاهرة فانْظُر سياق الحديثِ عن ((المُشْكَاةِ)) من «باب فضائلِ سيدِ المرسلين ◌َّه عن جابرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّهُ: ((وُجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مسجدًا وَهُورًا فأيُّمَا رجلٍ مِنْ أُمتي أَذْرَكَتْهُ الصَّلَاة فليصلِّ)) إلخ. فدلَّ على إياحة الصلاة في الأرض كلِّهَا التي منها المَرَابِض لإجراء هذه الحقيقة لا لِمَا فهموا، فإنَّ الجملة الثانية كالتفريعِ على الأُولَى، وكأنَّها جزء مِنْ جزئياتِهِ، وحينئذٍ ظَهَر أَنَّ الصَّلاةَ في المرابض كانت دليلاً على جواز الصَّلاةِ في المواضع كلِّها على خلافٍ سائر الأمم، فجعلوها دليلًا على طهارةِ الأَزْبَالِ على خلاف الحنفية والشافعية، والحديث إذا ينقل من باب إلى باب يورث خلطًا مثله، وقد ظهر لي الآن أنَّ هذا كان مراد الشيخ رحمه الله تعالى والله تعالى أعلم. ٦٢ كتاب الصلاة وكَرِهَ فقهاؤنا أَنْ يُصلِّي وبين يديه جمرة لأَنَّها يعبدها المجوس، أما إذا كان سراجًا أو غيره فلا كَرَاهَةً لانتفاءِ المَنَاطِ، ويُمْكِنُ أَنْ يكون المصنِّف رحمه الله أَرَاد منه التعريض إلى الحنفية . قلتُ: وما تَمَسَّك به المصنّف رحمه الله من قوله: عُرِضت عليَّ النار)) ففي غير مَحَلِّه قطعًا لأنَّه مِنْ أشياء عالم الغيب وهي خارجةٌ عن البحث، والاعتذارُ من جانب المصنّف رحمه الله أنَّه إذا أَرَادَ أَنْ يُفَصِّلَ في الاجتهاديات ويُشدد في الأحاديث احتاج لا مَحَالَة إلى اعتبارٍ مثل هذه المناسَبَاتِ البعيدة، وإلا فَمِنْ أين توجَد الأحاديث الصريحةِ للمسائلِ الفقهية؟ ثم إنَّ قَد وَقَعَ له العَرْضُ مرتين في صلاةِ الكُسُوف، وَمَرَّةً كان على المنبر وَأَغْضَبَه النَّاس، فقال: ((من كان منكم سائلًا عن شيءٍ فليسأله))، فقام رَجُلٌ وقال: مَنْ أبي؟ قال: ((أبوك فلان))، وإنَّما غَضِبَ لأنَّه بُعِثَ لبيانِ الشرائعِ، وسأله النَّاس عمَّا لا تَعلُّقَ له بها . ٥٢ - باب كَرَاهِيَةِ الصَّلاَةِ فِي المَقَابِرِ ٤٣٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عنْ عُبَيدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ ◌َلِ قَالَ: (اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا)). [الحديث ٤٣٢ - طرفه في: ١١٨٧]. وقد مَرَّت المسألة عن ((الجامع الصغير)) أنَّه إذَا وَضَعَ بينَهُ وبين القبرِ سُتْرَة لا يُكْرَه وإلا كُرِهِ، وإنْ كان القبرُ في جوانبه لا يُكْرَه. ٤٣٢ - قوله: (اجعلوا في بيوتِكم) ... إلخ وَجَزم الطحاوي بأنَّ المُرَادَ منها التطوع فقط لأنَّه لمَّا جَعَل الفرائضَ في المساجد فحينئذٍ لا يتناول هذا القول إلا النوافل. وحَكَى القاضي عِيَاض عن بعضهم أنَّ مَعْنَاه: اجعلوا بعضَ فرائِضِكُم في بيوتِكم. قلت: وله وجه أيضًا، أما الضابطة فكما ذَكَرَها الطّحاوي يعني أنَّ الفرائِضَ في المساجد والنَّوافل في البيوت، وما ذَكَرَه هذا البعض محمولٌ على جزئيات غير منضبطة كأن فاتَتْهُ الصَّلاة مع الجماعة أَوْ لم يُصلِّ الإِمام في وقتها إلى غير ذلك مِنَ العوارِض. قوله: (ولا تتخذوها قبورًا) واخْتُلِف في شرحه على أقوال: قيل: لا تدفنوا موتَاكُم في البيوت وحينئذٍ لا مناسبة له من الجملة الأولى، فإنَّها في أحكام الصلاةِ وهذا في حكم الدَّفن. وحاصله: مَنْع الدفن في الأبنية، وقيل معناه: أَعطوا البيوت حظّها من الصلوات ولا تجعلوها كالمقابر حيث لا يُصلَّى فيها إلا بالسُّتْرَة، فأحالَ على المقابر لكونِهَا معهودةً معروفة بهذه الصِّفة، وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعًا: ((أَنَّ الأَرض كلَّها مسجد إلا المَقْبَرة والحمام))، وهذا الشرح أَلصق بترجمة المصنّف رحمه الله وكأنَّه أخذَه من التشبيه يعني كما أنَّ الصلاةَ عند القبرِ مكروهةٌ في الفقه فلا تجعلوا بيوتكم كذلك، بأنْ لا تصلّوا قريبًا منه أيضًا، ولكن صلُّوا فيها، فتكونُ أبعد شبهًا بالقبور. وقيل معناه: لا تُعَطّلُوا البيوتَ عن العبادةِ كالقُبور، إذ الموتى، لا يُصَلُّون في قبورِهم، كأنَّه قال: لا تكونوا كالموتَى الذين لا يُصلّون في بيوتِهم ٦٣ كتاب الصلاة وهي القُبور، وحينئذٍ لا تَبْقَى له مناسبة من ترجمة المصنّف رحمه الله لأنَّه ليس فيه ذِكْرُ جواز الصلاةِ في المقابر أو المنعِ عنها . قلتُ: وهو الأصوب في شَرْح الحديث سواءٌ كان مناسبًا لترجمة المصنّف رحمه الله أوْ لا، لكنَّهُ يُشْكِل عليَّ لأنَّ المحقَّق عندي أنْ لا تُعطّل في القُبور بل فيها قراءة القرآن والصَّلاة والأذان وغيرها من العبادات، وليراجع لها شرح الصدور للسيوطي رحمه الله. والأفعال الأخر أيضًا ثابتة عند أهل الكشف وهم أَدْرَى به فلا ننكره ما لم يرد الشرع بإنكاره صراحة. والوجه عندي: أَنَّ الأَحْوالَ في القبور مختلفةٌ حسب اختلافِهم في الدنيا، فكما أَنَّ عمل واحد لا يوازي عمل آخر في الحياةِ، فليس عليه اختلاف الأحوالِ بعد الوفاة، نعم مَنْ تَرَكَ الأعمال في الدنيا يتركها في القبور أيضًا، فإنَّه قد تركها إذا كان أحق بها فلا حق له بعد ما لَحِقَ بالأموات وصار ترابًا، وأمَّا مَنْ أحيا ليله وصام نهارَه فله أَنْ يُقِرَّ عينهُ بعبادةِ ربه في القبور أيضًا، وذلك فَضْلُ الله يُؤْتيه مَنْ يشاء، فواحدٌ ينامُ كنومةِ العَرُوس حتى إذا نُفِخ في الصُّور يَمْسح عن عينيه ويقول: مَنْ بعثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا، والآخَر تُعرض عليه النَّار غُدُوًّا وعشيًا والعياذ بالله. ومِنْ ههنا انحلَّت عُقْدة التَّعارض بين الآيتين. وقيل في رفعه: إنَّ الحالَ في الآية الأولى حالهم من نفْخَة الصَّعْقة إلى نفخة البَعْث وفي رِوَايةٍ ضعيفة ((أَنَّ النَّاس بعد نفخة الصَّعقة يُصعقون إلى أربعين عامًا))، فهذه الغَشْيَة تَشْمَل الكل، وليس حالُهم من الموت إلى نفخة الصَّعْقَة، أما في الثانية فحالُهم مِنَ الموت إلى نفْخَّة الصَّعقة، ولا بُعد أَنْ يكون المراد هو هذا. ثم اعلم أنَّ هناك عالَمَان: الأول: ما هو مشهود بأَعيُننا، ومحسوسٌ ببصرنا، ويسمى بعالَم الشهادة. والثاني: غائبٌ عن حَوَاسِنا وقد علمناه بأخبارِ الشرع، ويسمى بعالم الغيب. والشريعة قد تَعْتَبِر الحسَّ أيضًا واقعًا ونوعًا مِنْ نَفْس الأمر، فما عندنا وما نحسُّ به ونشاهدُهُ لا يخلو عن كونه نحوًا مِنَ الواقع ونفس الأمر أيضًا، وحينئذٍ يُمكن أن يَعْتَبر الشارعُ أحكامًا في الحس كأنَّها في الواقع وإنْ كان في عالم الغيب بخلافِها، ولا بدع فيه فإِنَّه إذا بَنَى أحكامًا على الحسِّ باعتبارِهِ فَهذا صحيح، كما أنَّه إذا بَنَى أحكامًا على الغَيْبِ باعتباره فهذا أيضًا صحيح، نعم إجراء أحكام الغَيْب على الحسِّ، والحسُّ على الغيب قد يُوهم التَّرَدُّد، إذا عَلِمْتَ هذا فاعلم أنَّ القبور في الحسِّ معظّلَةٌ قطعًا، وحينئذٍ إجْراء الكلام عليها كأنَّها خالية عن الأفعال إجراءٌ على ما في الواقع ونَفْس الأمر، وإن كانت في نظر عالَمَ الغيب غير معظَّلَة، ومشغولة أصحابها فيما فُوَّضَ إليهم من ربهم، وهذا كالعذاب لا يسمعُهُ غيرُ الثقلين فهي معظّلَة عنها في الحسِّ ومملوءة بها في عالم الغَيْب، وحينئذٍ تَعَظُلها في الحسِّ لا ينافي عدمها في عالم الغيب. والحاصل: أنَّ الشَّرْعَ قَدْ يَمْشِي على محاوراتِهِم وإطلاقَاتِهِم في عُرْفِهم إذا كان في الحسِّ أيضًا كذلك كقوله تعالى: ﴿وَأُلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسَتَّقَرِّ لَّهَا﴾ فجريانُها مشهودٌ لا يُنْكِرِه ٦٤ كتاب الصلاة إلا مكابر، لكنَّه يمكن أنْ يكونَ كذلك في الواقع أيضًا، ويمكِنُ أَنْ يكون الجَرَيان للفَلك مع ثَبَاتِ الشمس في مكانِهَا لكنَّها لمَّا كانت تجري في الحسِّ نَسَبَهُ إليها، وهذا معنىً صحيح فهل لك فيه رَغْبة رَهْ فيه رأيك. ثم في الحديث: ((النَّوم أخو الموت))، ومعلومٌ أنَّ النَّائِمَ يرى أمورًا، وتَمْضِي عليه حالات تنفى عنها ببعض الاعتبارات وإنْ كانت ثابتة ببعضها فكذلك ههنا، ومزيد الباب قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْنَ﴾ وله جواب آخر وهو أَنَّ المنفي في الآية هو الإِسماع دون السَّماع، وتقريره أنَّ الآيةَ تَنْفِي السَّماع الذي يترتب على الأسباب، فإن له أسبابًا في الدنيا، فإذا وُجِدَت تلك الأسباب لَزِمَ ترتب السَّماع عليها وليسِ هكذا في عالم البرزخ، لأنَّ ذلك عالَم آخر، ولا تستوي فيه تلك الأسباب، فالسَّماع فيه إنَّما يَحْصُل متى شاء الربُّ جلَّ وعلا ولمن شاء، ولا يكفي لإِسْمَاعِهم الأسباب التي عندنا فليس في الآية نفيًا له مطلقًا، إنَّما فيها نفيه بالطريق الذي عندنا وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشََّةُ وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِع ◌َمَّن فِ اُلْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] وسنتكلم عليه في مواضع البَسْطِ من هذا إنْ شَاء الله تعالى. وههنا حديث آخر في السنن وهو: ((لا تتخذوا قبري عيدًا)). وقد حرَّف مرادَه بعض الجهلاء وفهموا أَنَّ معناه لا تجعلوه كالعيد فتأتوه في السَّنة مرة، ومعناه لا تجعلوه كالعيد حفلة سنوية يعني: ميلا ميري قبربرنه "لكاياكرو". فائدة ولَقَبُ الصوفي ليس من الصُّفة بل هو نِسْبَة إلى الصُّوف، وكان موسى عليه الصَّلاة والسَّلام(١) لبسَه يومَ ذهب إلى الطُور لأَخْذِ الثَّوراة فاستحسَنه ربه في هذا اللباس. ٥٣ - باب الصَّلاَةِ فِي مَوَاضِعِ الخَسْفِ وَالعَذَابِ وَيُذْكَرُ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ بِخَسْفِ بَابِلَ. ٤٣٣ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: ((لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءٍ المُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيهِمْ، لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ)). [الحديث ٤٣٣ - أطرافه في: ٣٣٨٠، ٣٣٨١، ٤٤١٩، ٤٤٢٠، ٤٧٠٢]. وفي فقهنا أَنَّ الصَّلاةَ في مواضِع العذاب مكروهةٌ تنزيهًا . قوله: (ويُذْكَر أنَّ عليًا) ... إلخ وهذا عند ذهابه إلى حرب صُفين. (١) قلتُ: وأَخْرَجَ الترمذي في اللِّبَاس عن عبدِ الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كان على موسى يومَ كَلَّمه ربُه كساء صوفٍ وجُبةَ صوفٍ وكمة صوف وسَرَاوِيل صوف، وكانت نَعْلًا من جِلْدِ حمار مَيِّتَ اهـ والكُمَّةُ: القَلَنْسُوة الصغيرة . ٦٥ كتاب الصلاة فائدة واعلم أنَّ النَّبِي وَلَ﴿ لما مرَّ بديار هود وصالح عليهما الصَّلاة والسَّلام نَهَى أصحابَهُ أنْ يعجِنوا ببئر صالح عليه الصَّلاة والسَّلام، ففعل بعضُهم فأمَرِه أَنْ يُطعمَه دابته، وفيه دليل على الفَرْق بين الحيوان والإِنسان في مثل هذه الأحكام، وما في الفِقه يخالفه شيئًا فليحرره. ٤٣٣ - قوله: (لا تدخلوا على هؤلاء) .. إلخ وهذا النَّهي لمَّا مروا على ديارِ ثمود حالَ توجههم إلى تبوك. ٥٤ - باب الصَّلاَةِ فِي البِيعَةِ وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّا لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ مِنْ أَجْلِ التَّماثِيلِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرُ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَلِّي فِي البِيعَةِ، إِلَّا بِيعَةً فِيهَا تَمَاثِيلُ. ٤٣٤ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ نَّهِ كَنِيسَةٌ رَأَتْهَا بِأَرْضِ الَّحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا : مَارِيَةُ، فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ لَهَ: «أُوَلِئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ - أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ - بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلكَ الصُّوَرَ، أُولئِكَ شِرَارُ الخَلقِ عِنْدَ اللَّهِ)). [طرفه في: ٤٢٧]. قوله: (قال عمر رضي الله عنه) وهذا حين فَتَح الشام وَصَنَع له رجل مِنْ عُظَمَائِهم مأدبةً وقال: أُحب أن تجيئني فقال له عمر رضي الله عنه ... إلخ. قوله: (تمثال) مخصوص بصورة الحيوان. ٥٥ _ بابٌ ٤٣٥، ٤٣٦ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسَ قَالَا:َ لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولٍ اللَّهِ وَلِّ، طَفِقَ يَظْرَحُ خَمِيَصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهْوَ كَذلِكَ: ((لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)). يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. [الحديث ٤٣٥ - أطرافه في: ١٣٣٠، ١٣٩٠، ٣٤٥٣، ٤٤٤١، ٤٤٤٣، ٥٨١٥]. [الحديث: ٤٣٦ - أطرافه في: ٣٤٥٤، ٤٤٤٤، ٥٨١٦]. ٤٣٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَيَ قَالَ: ((قَاتَلَّ اللَّهُ اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورً أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». [الحديث ٤٣٧ - أطرافه في: ٣٤٥٤، ٤٤٤٤، ٥٨١٦]. ٤٣٧ - قوله: (قاتل الله) محاورة في معنى لعن الله. ٦٦ كتاب الصلاة ٥٦ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ وَلّ: ((جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا)) ٤٣٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، هُوَ أَبُو الحَكَم، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ الفَقِيرُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((أُعْطِيَتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بالرُّغْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلِيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ)). [طرفه في: ٣٣٥]. ٤٣٥ - ٤٣٦ - قوله: (لما نزل برسول الله وَ*) أي الموت، وحاصله: ابتلي بمرضٍ الموت. واختلفوا في تخريج مثل هذا التركيب، فقال ناظر الجيش النحوي: إن مر به معناه أوقع المرور به وقال آخرون: بل الجار والمجرور نائب الفاعل، والأول أقرب إلى الفَهم. قوله: (اغتمَّ) "کھھنا" . ٥٧ - باب نَوْمِ المَرْأَةِ فِي المَسْجِدِ ٤٣٩ - حدّثنا عُبَيدُ بْنُ إِسْماعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيّ مِنَ العَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ، عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ، قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ، أَوْ وَقَعَ مِنْهَا، فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّةٌ وَهُوَ مُلقّى، فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا فَخَطِفَتْهُ، قَالَّتْ: فَالتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، قَالَتْ: فَاتَّهَمُونِي بِهِ، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ، حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَها، قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الحُدَيَّةُ فَأَلِقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَينَهُمْ، قَالَتْ: فَقُلتُ هِذا الَّذِيِ اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ، زَعَمْتُمْ وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ، قَالَتْ: فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فَأَسْلَمَتْ، قَالَّتُ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي المَسْجِدِ أَوْ حِفْشٌ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي، قَالَتْ: فَلَا تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا، إِلَّا قَالَتْ: وَيَوْمُ الوِشَاحِ مِنْ تَعَاجِيبٍ رَبِّنَا أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلدَةِ الكُفرِ أَنْجَانِي قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلتُ لَهَا: مَا شَأُنُكِ، لَا تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَدًا إِلَّ قُلتِ هذا؟ قَالَتْ: فَحَدَّثَتْنِي بِهِذا الحَدِيثِ. [الحديث ٤٣٩ - طرفه في: ٣٨٣٥]. وكَرِهَه الحنفية للرجال إلا لغريبٍ فكيف بالنساء؟ والوقائع المخصوصة مع الاحتفافات التي كانت بها لا تقوم حجة للإِكْثَار والتوسِعة التي أرادَها المصنّف رحمه الله تعالى فليقتصر على موردها، إلا أنَّ المصنّف رحمه الله تعالى يَتَمَسك من الرُخصِ فيجعلها عزائم مع أنَّ تلك الوقائع كانت لمكان الضَّرُورة، ويُناسب إخمالَها لا إعمالها، ففي المِشْكَاة: أَنَّ رجلين رفعا أصواتَهما في المسجد، فقال لهما عمر رضي الله عنه: «لو كُنْتما مِنْ أَهلِ المدينة لَعَزَّرْتُكما ٠ ٦٧ كتاب الصلاة أترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله (َّ)). وكتب في عبد الوهاب النَّجْدِي أنَّه كان يَدق الهاون(١) في المسجد. ٤٣٩ - قوله: (ولِيدَة) وإنَّما يُطلق على الإِماء خاصةً، لأنَّهم كان يُحصِّلُون منها الأولاد بِمِلْكِ اليمين. قوله: (سوداء) "سانولا". قوله: (وشَاحٌ أحمر) "سرخ جراؤ" . قوله: (سُيُّور) "تسمه" . قوله: (خِبَاء) الخَيْمَة الكبيرة، والحِفْش الصغيرة منها. ٥٨ - باب نَوْمِ الرِّجالِ فِي المَسْجِدِ وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ فَكَانُوا فِي الصُّفَّةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: كَانَ أَصْحَابُ الصُّفَةِ الْفُقَرَاءَ. ٤٤٠ - حدّثنا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بن عمر: أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ، وَهْوَ شَابٍّ أَعْزَبُ لَا أَهْلَ لَهُ، فِي مَسْجِدٍ النَّبِيِّ وَِّ. [الحديث ٤٤٠ - أطرافه في: ١١٢١، ١١٥٦، ٣٧٣٨، ٣٧٤٠، ٧٠١٥، ٧٠٢٨، ٧٠٣٠]. قوله: (رَهْطٌ من عُْلٍ) وهم الذين اجتووا المدينةَ ثُمَّ كان من أمرهم ما كان. قوله: (فكانوا في الصُّفَّة) وصَرَّح المصنّف رحمه الله تعالى في هذه الترجمة أَنَّ الصُّفةَ كانت دَاخِلَ المسجد وقد مرَّ ما فيه. قوله: (وقال عبد الرحمن بنُ أبي بكر رضي الله عنه) ... إلخ وهذه قُطعة من حديثٍ طويلٍ يأتي في علاماتِ النُّبوة في ضِيافة أَضْيَّاف، ثُمَّ تأخره عند النَّبِي وَِّ والحَلِف على عَدَمِ الأَكْلِ، وفيه قصَّة بَركةِ الطعام وهو شابٌ أعزب. قلتُ: ولا تَمسكَ فيه لأنَّ ابنَ عُمَر رضي الله عنه كان أَحْوَجَ النَّاسِ، وأفقرَ من الغرباء، لم يكن له بيتٌ ولا شيء، فإذا جاز للغريب أن يَنَامَ في المسجد فكيف به . ٤٤١ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي حازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّاً فِي البَيتِ، فَقَالَ: ((أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟). قَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَينَهُ شَيءٌ، فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ، فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي، فَقَالَ (١) قلت وهذا كقوله الَّله لا تمنعوا إماء الله عن الخروج الى المساجد، ومع ذلك قالت عائشة رضي الله عنها: أن النبي # لو شاهد ما أفسدت النساء الآن لمنعهن عن الخروج وهو الذي راعاه المفتيون، فهذا من باب اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف دليل وبرهان. ثم أقول ان ما يترشح من عامة الأحاديث هو كون التباهي بالمساجد والتزخرف بها من أمارات الساعة دون التخصيص، فإذا كان التخصيص لمعنى صحيح غير التباهي ففيه رخصة . ٦٨ كتاب الصلاة رَسُولُ اللَّهِ وَِّ لإِنْسَانٍ: ((انْظُرْ أَيْنَ هُوَ)). فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ فِي المَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ وَهْوَ مُضْطَجِعُ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ: ((قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ)). [الحديث ٤٤١ - أطرافه في: ٣٧٠٣، ٦٢٠٤، ٦٢٨٠]. ٤٤٢ - حدّثنا يُوسُفُ بْنُ عِيسى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: رَأَيتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ، مَا مِنَّهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَّارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَينِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الكَعْبَينِ، فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ، كَرَاهِيَةً أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ. ٤٤١ - قوله: (أين ابنُ عمِّك) وهذه مسامحة في النَّسب وليس عند العرب التنقير في الأنساب، وإنَّما تَعلمه أهل الهند مِنَ الهُندُوس. قوله: (قد سَقَطَ ردَاؤه) والرداء في النهار، والكساء في الليل للحِفْظِ عن البَرْدِ والقَرِّ. قوله: (ثُمْ أبا تراب) وفي الشُّرُوحِ: أنَّه كان في غَزْوَة بُوَاط، وكان عليٍّ رضي الله عنه مُسْتَلْقِيًا تَحْتَ شجرةٍ متلطخًا في التُرَابِ، فقال له أبا تُرَاب، ويمكن أَنْ يَكُون كِلَاهما وجهين لِكُنيته، قلتُ: ولا تَمَسُّك من هذه الواقعة أيضًا فإنَّه قد مَرّ أَنَّ النَّبيِ نَّهُ وعِلِيًّا كانا مُخْتَصَّين ببعض أحكامِ المَسْجِدٍ حتى جاز لهما الاجتياز جُنُبًا أيضًا . ٥٩ - باب الصَّلاَةِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، بَدَأَ بِالمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ . ٤٤٣ - حدّثنا خَلَّادُ بْنُ يَحْيى قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِئَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ نَّهَ وَهْوَ فِي المَسْجِدِ، قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهُ قَالَ: ضُحًى، فَقَالَ: ((صَلِّ رَكْعَتَينٍ)). وَكَانَ لِي عَلَيهِ دَيْنٌ، فَقَضَانِي وَزَادَنِي. [الحديث ٤٤٣ - أطرافه في: ١٨٠١، ٢٠٩٧، ٢٣٠٩، ٢٣٨٥، ٢٣٩٤، ٢٤٠٦، ٢٤٧٠، ٢٦٠٣، ٢٦٠٤، ٢٧١٨، ٢٨٦١، ٢٩٦٧، ٣٠٨٧، ٣٠٨٩، ٣٠٩٠، ٤٠٥٢، ٥٠٧٩، ٥٠٨٠، ٥٢٤٣، ٥٢٤٤، ٥٢٤٥، ٥٢٤٦، ٥٢٤٧، ٥٣٦٧، ٦٣٨٧]. أي في المسجد. وقال شمس الأئمة السَّرَخْسِي: إنَّها مستحبة عند القُفول من سفرٍ، ولم يكن رَّهَ يَدْخُل على أُمهاتِ المؤمنينَ حتى يَصْدر عنه الزائرون. ٤٤٣ - قوله: (عن جابرٍ رضي الله عنه) وهذه واقعة ذات الرُّقاع التي اشترىَ فيها النَّبِيِّ بَعِیرَهُ وهذا الثمن هو ثمن بعِیر جابر رضي الله عنه. ٦٠ - باب إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ فَلَيَرْكَعْ رَكْعَتَينِ ٤٤٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي فَتَادَةَ السَّلَمِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِن ◌َِّ قالَ: ((إِذَا ٦٩ كتاب الصلاة دَخَل أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَيَرْكَعْ رَكْعَتَينٍ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ)). [الحديث ٤٤٤ - طرفه في: ١١٦٣]. ونقل ابنُ بَطَّال عن أَهْلِ الظاهرِ وجوبَها، ونَسَبَ إلى الْبَعْضِ وُجوبَ التهجدِ والضُحى وسُنَّة الفَجْر، فهذه فروضٌ مختلفة زَادَت على الصلوات الخمسِ، ولكِنْ إذا قال الإِمامُ الأعظم بوجوبٍ الوترِ جَلَبوا عليه من كُلِّ جانب وصاحوا . ٤٤٤ - قوله: (قبل أَنْ يَجْلِس) والعوامٌ يُصَلُّونَها بعد الجلوس مع هذا القيد صَراحة. ٦١ - باب الحَدَثِ في المَسْجِدِ ٤٤٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّه قالَ: ((المَلَائِكَةُ تُصَلِّ عَلَى أَحَدِكُمْ ما دَامَ في مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، ما لَمْ يُخْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ)). [طرفه في: ١٧٦]. وقد مَرَّ أَنَّ للحنفيةِ فيه قولان، ففي ((الكبير)) من ((الغاية)) أنَّه مكروه تحريمًا، وقيل: إنَّه مکروه تنزيها، ويجب عندي استثناء المعتكف وإن لم يكُنْ له نقل. ٤٤٥ - قوله: (تُصَلَّي على أحدِكم) ... إلخ وهذا صريحٌ فِي إطلاقٍ الصَّلاةِ على غيرِ الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام وفي التنزيل: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَّوَتُكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وذَهَبَ المُفْتُون مِنَ المذاهب الأربعة إلى هجرِها وهكذا ينبغي، فإنَّ لفْظَ الصَّلاةِ صار شِعارًا للأنبياء عليهم الصّلاة والسلام في زماننا، فلا يُصَلَّىِ على غيرهم إلّا أنْ يكونَ تَبَعًا، وما قِيلَ في جوابِهِ إِنَّ الصَّلاةُ في القرآن بمعنى الدعاء فلغو، لأنَّه لا بَحْثَ لنا عن المعنى، وإنَّما الكلام في إطلاق هذا اللفْظِ وهو موجود، ثُمَّ أَقُولُ إنَّ الصَّلاةَ لفظ مُشْتَرك في معانٍ فإذا كان كذلك فللمُفتي أَنْ يُخَصِّص إطلاقات القُرآن ببعضٍ المعاني. قوله: (ما لم يُحْدِث) ... إلخ ولعلهم يَدْعون عليه إذا أحدث تأذيًا عن الرائحة الكريهة، وعلى هذا ينبغي للفقيه أن يُمْعِن النظر في الكراهة فيها أنَّها تحريمية أو تنزيهية، والنَّظر يتردد في الأمور التي تشتمل على الضررِ كنوم الجنب والوضوء بدون التسمية، والطعام، والجماع بدون أنَّها في أيِّ مرتبة تعتبر. والذي يَظْهَر أَنَّ الوجوبَ، والحرمة، يتبعان الأمر والنهي، دونَ النظر المعنوي، فلا يَجِبُ الشيءُ ولا يَخْرِمُ إلا بالأمر والنهي، وبعبارةٍ أُخْرَى أنَّ المأمورَ به لا بُدَّ أَنْ يكونَ نافعًا في النَّظَرِ المَعْنوي، وكذلك المنهي عنه لا بُدَّ أنْ يكون مُضرًا فيه، ولا يَلْزَم أَنْ يكون كلَّ مضرٍ منهيا عنه، وكلُّ نافعٍ مأمورًا به. ٦٢ - باب بُنْيَانِ المَسْجِدِ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كانَ سَقْفُ المَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ. وَأَمَرَ عُمَرُ بِنَاءِ المَسْجِدِ، وَقالَ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ، فَتَفْتِنَ النَّاسَ. وَقَالَ أَنَسٌ: يَتَبَاهَوْنَ بِهَا، ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كما زَخْرَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى . ٧٠ كتاب الصلاة ٤٤٦ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قالَ: حَدَّثَني أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيسَانَ قالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ المَسْجِدَ كانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَ مَبْنِيًّ باللَِّنِ، وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ، وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّهَ بِاللَّبِنِ وَالجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ، فَزَادَ فِيهِ زِيادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ وَالقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ. قوله: (والجَريد) وهي الغُصْن التي جُرِّدَتْ عن أورَاقِها . قوله: (أكِنَّ) يعني "بجانا جاهتاهون". قوله: (وإياك أَنْ تُحمِّرَ أو تُصَفِّر) واعلم أنَّه قد يَخْتَفي مرادُ الأحاديث الجلِيَّة لعدم الاطلاع على غَرَضِ الشارع والفَحْص فيه كالأحاديث في نهي تخصيص البيوت فإنَّ ظاهرها تدلَ على أنَ التخصيص لا يجوز، وبعد التحقيق والإِمعان يُعْرَف أَنَّ النَّهْيَ عنه لإظهارِ كَرَاهَتِه على حَسَبِ مَوْضُوعه فقط وما كان لِلنَّبِي أَنْ يرغب في الدنيا ويُحِرِض في تزيينها، فإنَّ موضوع الأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ أَنْ يكون الإنسان في الدُّنيا كأنَّه غريب أو عابر سبيل، وتلك الكراهةُ قد تَرْتَفِع لأجل المصالح. وكذلك ما في المشكاة ((لا تدعوا على ملوككم الظلمة، ولكن أصلحوا أنفسكم فإنكم كما تكونون يؤمَّرُ عليكم))، أو كما قال. تمسك به بعضُهم أنَّ الدُّعاء على الملوك لا يجوز، مع أَنَّ غَرَض الحديث التوجيه إلى ما يَغْفَل عنه الإِنسان، فإن الدُعاء على الظالِم لا ينساه أحد، ولكنَّه لا يكاد يَتَوجَّه إلى حال نفسه فَوجِّه إلى ما هو الأهم. وكقوله ◌َّ لمن كان يَتهَجدِ في الليل ثم تركه ((أنه لو لم يكن صلاها لكان أحسن)) أو كما قال: وبَحَثَ فيه الشارحون: أنَّ المتهجد أحيانًا أفضلُ أو التاركُ لها مطلقًا؟ قلتُ: بل المتهجدُ تارة أفضل يقينًا إلا أنَّهَم مشوا على الألفاظ فقط ولم يتوجهوا إلى المراد، وإنَّما مرادُهُ التحريض على المواظبةِ وكَرَاهة تركِها . والحاصل: أنَّ المقصودَ قد يكون في غيرِ المَنْطُوق والنَّاس يقتصرون أنظارَهم على المنطوقِ فقط، ويَغْفُلون عن المقصودِ فَيُفْقَد الْغَرضَ، فالأحاديثُ الواردة في النَّهي عن تَجْصِيص البيوت لم يَرِد في الحِل والحُرمة بل لبيان ما ينبغي أَنْ يكون من حال الإِنسان في الدنيا، هل يناسبه التَّطَاول في البُنيان، والتَّخَبُّط كالعُمْيان؟ أو الاكتفاءُ بِقَدْرٍ ما يحتاج والإِعداد لدار الچِنَان . وكذلك قوله في النَّهي عن الدعاءِ على الظّلمَة لم يَرِد في جواز الدُّعاء أو عَدَمِه، بل لِتوجِيه الأَذْهان إلى الأهم لتغافُلِهم عنه، وكذلكَ الحديث الثالث لم يَرد في بيان فَضْلِ شيءٍ على شيءٍ، بل لتحريضٍ قيام الليل والمداومة عليه، وإنَّما يَفْهَمُه من رُزِقَ فَهْمًا سليمًا . إِذَا عَلِمْتَ هذا فاعلم أنَّ الأحاديثَ قد كَثُرَت في كونٍ تَجْصِيص المساجد من أمارات السَّاعة، ومع هذا جَصَّصَه عثمان رضي الله تعالى عنه من ماله، فالصحابة رضي الله عنهم نظروا ٧١ كتاب الصلاة إلى ظواهر الأحاديث، وكان عثمان رضي الله عنه أَفْقَهَهُمْ، فنظر إلى المصالح، وإنَّما لم يعلنه النبي ◌َُّ بِنَفْسِهِ المباركةِ الطيبة خشيةً غُلُوِّ العوامِّ فيه فَوْقَ ما أراده الشارع، وفي الروايات أنَّ الصّحابةَ رضي الله عنهم لمَّا اعترضوا عليه قَامَ على المِنْبَر وَحدَّثهم أنَّ النَّبِيِ نَّه قال: ((من بنَى لله مسجدًا بنَى الله له بيتا في الجنة مثله))، فَحَمَلَ المِثْلِية في الكيفية أيضًا؛ وكَتَبَ السُّيُوطِيّ رحمه الله تعالى في ((حاشية أبي داود)): أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه لمَّا وَرَدَ المدينةَ وعَلِمَ القِصَّة روى الحديث مرفوعًا وقال: إنَّ النَّبِي ◌َّةِ أَخْبَرَ بتخصيص هذا المسجد فَسُرَّ به عثمان رضي الله عنه وأَعْطَاهُ خمسمائة دينارًا، قال الحافظُ رحمه الله تعالى إنَّ نَقْشَ المساجد إذا كان على سبيل التَعْظِيم ولم يُنفق له من بيت المال فهو رُخْصَة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وقال ابن المُنَيَّر: لمَّا شَيَّدَ النَّاسُ بيوتهُم وزخرفها: أَنَّه لا بَأَس بأَنْ يُصْنَع كذلك بالمساجد صونًا لها عن الاستهانة، فالأَصل هو عدم التَجْصِيص، لَكِنِ الآن يُناسب التخصيص لاختلافِ العصر والزَّمَان ولا يُعدُّ ذلك خلافًا للأحاديث، ألا ترى أنَّه لَو لم يَكُن السَّلاطين جصصوا المساجد لما وَجَدْتَ اليوم مَسْجِدًا على وجه الأرض، وانْدَرَست رسومُها وعفتَ آثارُها، فدعت المصالح إلى تَجْصِيصها ولا سيما في البلاد التي غلبت عليها الكفر. ثم اعلم أنَّ النَّبي ◌َّهُ بَنَى المسجدَ مرتين، مرة ستين في ستين، ومرة أخرى بعد خيبر مائة في مائة، ثم زاد فيه عمر رضي الله عنه في زمانِهِ، وزادَ فيه عثمان كَمَّا وكَيفًا، وميَّزَ بعضُ السلاطين تلك الزيادات بأماراتٍ يتمايزُ بها بناؤُه قَبْلَ خيبر وبعدَهُ، وبناء عمر رضي الله عنه من بناء عثمان. وأما زِيادات سائر السلاطين فغيرُ متميِّزَة كذا في كتب السِيَر - وفيها حُجَرُ أمهاتِ النِّساء بُنيت بعد تعمير المسجد النبوي. ٦٣ - باب التَّعَاؤُنِ في بِنَاءِ المَسْجِدِ وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَلِّدُونَ ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَانَىَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىّ أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة: ١٧ - ١٨]. قوله: (﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ .. ﴾ الآية) وفي ((المَدَارِك)) تحت تفسيره أن إِعانة الكافرِ في المسجد لا تجوز، وكذا في ((المستصفى)) لصاحب (الكنز)) في ((الفتاوى السعدية)) للمفتي سعد الله الرَّامفوري إلا أنْ يَهَبَ ماله مسلمًا ثم يبنيهِ المسلمُ بذلك المال، فهذه حِيلة لصرف أموال المشركين في المساجد. ٤٤٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَلَاِبْنِهِ عَلِيٍّ: انْطَلِقًا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ، فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْنَا، فَإِذَا هُوَ في حائِطِ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا، حَتَّى أَتَّى على ذِكْرَ بِنَاءِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَين لَبِنَتَيْنٍ، فَرَآهُ النَّبِيِّه، ٧٢ كتاب الصلاة آهُ النَّبِيِ وَّةِ، فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ، وَيَقُولُ: ((وَيحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهمْ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ)). قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللّهِ مِنَ الفِتَنِ. [الحديث ٤٤٧ - طرفه في: ٢٨١٢]. ٤٤٧ - قوله: (وعمارٌ لبنتين) لَبِنَة عنه ولَبِنة عن رسول اللهِ وَِّ، كذا ذَكَرَه السَّمْهُوري. قوله: (وَيْحَ عمار) قال سيبويه: والفَرْق بين ويل وويح: أَنَّ الأوَّل فيمن يَسْتَحِق الهلاك بخلاف الثاني فهي كلمة رحمة والأُولَى كلمة سَخْط . قوله: (يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) وفي طريق آخر: ((تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ... )) إلخ. قال الحافظ رحمه الله تعالى ما حاصله: أنَّ عمارًا قُتِل بصفينٍ، ومَنْ قتلوهِ مِنْ أصحابِ معاوية رضي الله عنه كانوا من الصحابة رضي الله عنهم، فكيف يَصدُقُ في حقهم أنَّهم دعَوْهُ إلى النَّار وإنْ صَدَق عليهم أنَّهم كانوا الفئة الباغية. فالجواب: أنَّهم كانوا ظائِّين أنَّهم يَدْعون إلى الجنَّة وإنْ لم يكونوا كذلك بحسب الواقع، لكنَّهم مَعْذُورون للتَّأول الذي ظَهَرَ لهم لكونِهِم مُجْتَهِدين لا لَوْمَ عليهم، فدعاؤُهم إلى مخالفة علي رضي الله عنه وإنْ كان سببًا للنارِ، لكنَّه لم يترتب عليه النَّار لِكَوْنِهِمْ مجتهدين، والمُسَبِّب قد يتخلف عن السبب إذا لم تُؤْجَد شرائطه، ولا يجبُ تحققه عند وجودِ السبب مطلقًا . قلتُ: ولا أَرْضَى بهذا الجواب، لأنَّ هذا العنوان مأخوذ من القرآن، وهو هناك في حق الكفار، ولا أحب أنْ يكون العنوان الذي ورد فيهم صادقًا على الصحابة رضي الله عنهم بعينه، فقال تعالى: ﴿مَا لِىّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَنِىّ إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: ٤١] وقال تعالى: ﴿أُوْلَتِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ وَاللَّهُ يَدْعُوّاْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهٌِ﴾ [البقرة: ٢٢١] فالوجه عندي أنَّ الكلامَ في حق الأمير معاوية رضي الله عنه، ثم إلى قوله: ((تقتله الفئة الباغية))، وصرَّح صاحب (الهداية)) في كتاب القضاء: أنَّ الأميرَ معاويةَ رضي الله عنه كان بَغَى على عليٍّ رضي الله عنه. أما قوله: (يدعوهم إلى الجنة)) فاستثْنَاف لحالِهِ مَعَ المشرِكين وقريش العرب، وإشارةٌ إلىِ المصائبِ التي أتت عليه مِنْ جهةٍ قريش، وتعذيبهم، وإلجائهم إياه على أَنْ يَكْفُر بربه فأبَى إلَّا أنْ يَقُولَ: الله أحد . وفيه قلت: باده نوشان غمت داود ومعروف وجنيد جان فروشان درت عمار وسلمان وبلال. فهذه حكاية للقِصةِ الماضيةِ ومنقطعة عما قبلها لا إخبار عن حال قائليه (١). وأَجَابَ عنه الحافظُ رحمه الله تعالى بنحو آخر وقال: إنَّ هذه الزِّيادة لم يَذْكرها الحُمَيْدِي في الجمع، وقال: إنَّ البخاري لم يَذْكُرِها أصلًا ثم ذَكَر ما ظَهَرَ له في وجه حَذْفِ هذه القطعة. قلتُ: فإن لم تَكُنْ تلك الزِّيادة ثابتة في هذا الطريق فإنَّها ثابتٌ في الخارجِ بِطُرُق قوية، (١) قلتُ: وَذَكَرَه الحافظُ رحمه الله تعالى بعضه احتمالًا ثم نظر فيه أيضًا وهو مندفع عند اللبيب أهـ. منه. ٧٣ كتاب الصلاة فالنقضُ النقض، والجوابُ الجواب. وإنْ شئت تقرير كلامِهم على النَّحْوِ الذي يقتضي مَرامِهِم فَقُل: إنَّ الحُكُم قَدْ يَرِد باعتبارِ الجِنْسِ مع عَدَمِ تحققِهِ في بعض الأنواع، وهذا حيث يَتَأَتَّى التشكيكُ في مراتبِ الْشيءٍ كَضَرْبِ الدُّفِّ يُسوَّغَ فيه التشكيك، ويُمْكِن أَنْ يتنوع إلى مندوب ومكروه ومباح، ولذَا أَغْمَضَ عنه النبيِّر فيما كانت الجاريتان تُغَنِّيان عنده وتدفِّفَان، ولم يزل متغش وجهه بثوب حتى قالتا؟ ((وفينا نبي يَعْلَمُ ما في غد)) فكشف عن وجهه وقال: ((قولي بالذي كنت تقولين))، وإنَّما نهاهنَّ أَنْ يقلن هذا لأنَّهنَّ قُلن قولًا باطلًا، فلم يُغمضْ عنه ساعة، وَمَنَع عِنه على فورِهِ بخلاف الدُّف. وهكذا في واقعة أخرى مثلها حتى جاءه عمر رضي الله عنه، وَرَأَيْنَه ألقينَهُ على الأرضِ وقعدن فحينئذٍ قال النَّبي ◌َّة: ((إن الشيطان يفر من عمر)). وأشكل على الناس قوله، فإنَّ التدفف لو كان مِنَ الشيطان كما يدل عليه قوله هذا كيف أغمض عنه، ولو كان مباحًا كما يدل عليه إغماضه كيف جعله مِنْ فعل الشيطان آخرًا . وحله: أنَّ الشيءَ قد يكون قدْرٌ منه حلالًا ويَنْجَرُّ إلى الحرام بالإفراط والتفريط فما كان حَرَامًا باعتبار أغلب الأحوال يَحْكم عليه الشرع بكونه من الشيطان باعتبار الجنس وحالِهِ الأغلب، وإن لم يتحقق بحسب خصوص المقام فالتَّدَقُّفُ وإنْ كان حلالًا في بعض الأحوالٍ كهذا التدفف الذي ضُرِبَ به بين يَديِ النَّبِي بَّهُ لأَجْلِ معنىٌ صحيح مع فُقْدان معنىَ مُحَرَّم، لكنه لما كان حرامًا في أغلب الأحوال لاَنَعِدَام هذه الاحتفَافات نَسَبَهُ إلى الشيطان. وحاصل صنيعه تقرير الإجازة مع إظهار الكراهة، وهو الذي يناسب منصب النبوة، فإنَّه لو نَهَى عنه مطلقًا لانعدمت الإباحة وصارَ حرامًا ولم تَبْقَ مرتبة منه جائزة ولو لم يُكْرَه ولم يُظْهِرِ الكراهة أيضًا لجاز بدون كراهة أيضًا، فكل ما كانت مباحة في نفسها باعتبار بعض الشرائط ومكروهة باعتبار انجرارِهَا إلى الحرام في الأَغْلَبِ يَرِد فيها النَّهي باعتبار الجِنْسِ مع الإِغْمَاضِ عنها عند خُلُوِّها عن الإفراط والتفريط، وهذا معنى قولهم: إنَّ الشيء قد يكون مُوَجِبًا للنار وسبًا له ثُمَّ يَتَخَلَّف عنه مسِبَهُ، وهذا حيث يكونُ الحُكُمُ باعتبارِ الجنس يكفي لصدق تحققه في فرد ما وإنْ لم يَتَحقَّق في خصوص هذا المورد كما في ((مستدرك الحاكم)): ((أن رجلًا جاءه فسأله مالًا فأعطاه حتى فعل ثلاث مِرَار يُعْطِيه كلَّ مَرَّة فَلَمَّا ولَّى قال: إنَّ السؤالَ جمرةٌ فمن شاء استقلَّ ومَنْ شاء اسْتَكْثَر قال رجلٌ: يا رسول الله فَلِمَ أعطيتَهُ؟ قال: إنَّ الناس لَيْسألونَنِي وَيَأْبَى الله أَنْ أكونَ بخيلًا)) أو كما قال. قلتُ: شرحه عندي أنَّ السؤالَ شأنُهُ أن جمرة من النَّار سواء ترتب عليه النار أوْ لا ، فهذا حكم جنسي يكفي لصدقٍ تحقُقِه في الجنس، وإنْ لم يتحقق في خصوص هذا السائل مثلًا. ومَرَّ التُّورِشْتِي الحنفي في ((عقائده)) على الأحاديث التي يكون فيها الوعيد بالنار على المعصية وَقَرَّر مرادَها بما يَقْرُب من هذا التحقيق. وحاصله: أنَّ تلك المعاصي أسبابُ النَّارِ ولا يَلْزَم من ارتكابِ الأسبابِ ترتب مسبِبَاتِهَا، فإِنَّ ترتب المِسبِبَات يَتَوقَّف على أمورٍ أخرى من ارتفاع الموانع، ووجود الشرائطِ، وربما يكون مَنْوِيًا. ثم إنَّ الشرع قَدْ يَحْكم بالنَّارَ على أمر حسي فَما البُعد فيما حَكَم بها على سببٍ من ٧٤ كتاب الصلاة أسبابها، بل هو طريق مَعْروف مسلوٌ مؤثر، وَتَحَصَّل من هذا شَرحٌ جديد لأحاديث الوعيد فاحفظه . وحينئذٍ معنى قوله: ((إنَّهم يدعونه إلى النار)) باعتبار الجنس، يعني أنَّ مثلَ هذه الدعوةِ كانت سببًا للنَّار إلا أنَّه تخلَّف عنه مسبِبَه في حق الصحابة رضي الله عنهم خاصة لمانع، وهو كونهُم مجتهدين قاصدين الصوابَ والحق، والله تعالى أعلم. ٦٤ - باب الإِسْتِعَانَةِ بِالنَّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ في أَعْوَادِ المِنْبَرِ وَالمَسْجِدِ ٤٤٨ - حدّثنا قُتَيبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَبِي حازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ إِلَى امْرَأَةٍ: ((أن مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلْ لِي أَغْوَادًا، أَجْلِسُ عَلَيهِنَّ)). [طرفه في: ٣٧٧]. ٤٤٩ - حدّثنا خَلَّادْ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جابِرٍ: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قالَ: ((إِنْ شِئْتِ)). فَعَمِلَتِ المِنْبَرَ. [الحديث ٤٤٩ - أطرافه في: ٩١٨، ٢٠٩٥، ٣٥٨٤، ٣٥٨٥]. وإنَّما ترجم بالمِنْبَرِ لحديثٍ عِنْدَهُ في خُصوصِ المِنْبَرِ، وفي رواية ((أنَّ مِنْبَرَهُ جُعِلَ على مِنْبَرِ إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام وهو أوَّل من بنى مِنْبِرًا، وكذا في رواية أخرى ((أنَّ مسجدَهُ كانَ على هيئة مسجد موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثم لا يَدْرِي ماذا أراد بقوله: ((عريش کعريش موسى عليه السَّلامُ))، التشبيه في الارتفاع أو مجموعِ الهيأة. ٦٥ - باب مَنْ بَنَى مَسْجِدًا ٤٥٠ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ سُلَيمانَ قال: حَدَّثني ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو: أَنَّ بُكَيرًا حَدَّثَهُ: أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيدٌ اللَّهِ الخَوْلَانِيَّ: أَنَّهُ سمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ، عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ وَلِّ: إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعتُ النَّبِيَّ ◌َِّ يَقُولُ: ((مَنْ بَنَى مَسْجِدًا - قالَ بُكَيرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الجَنَّةِ)). قوله: (مثله) قال النووي في معنى المثلية: يحتمل أن يكون المراد أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا . ٦٦ - بابٌ يَأْخُذُ بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ فِي المَسْجِدِ ٤٥١ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قُلتُ لِعَمْرِو: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ فِي المَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهَامٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُوَّلُ اللّهِ وَِّ: ((أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا؟)). [الحديث ٤٥١ - طرفاه في: ٧٠٧٣، ٧٠٧٤]. ٧٥ كتاب الصلاة ٦٧ - باب المُرُورِ فِي المَسْجِدِ ٤٥٢ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّنََّ قَالَ: ((مَنْ مَرَّ فِي شَيءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا، أَوْ أَسْوَاقِنَا، بِنَبْلٍ، فَلَيَأْخُذْ عَلَى نِصَالِهَا، لَا يَعْقِر بِكَفِّهِ مُسْلِمًا)). [الحديث ٤٥٢ - طرفه في: ٧٠٧٥]. المرور في الوقائع الجزئية، قوله: والممر أنْ يتخذه طريقًا ويعتادَ به، فوضح الفَرْقُ بين المرور والممر. ٦٨ - باب الشِّعْرِ فِي المَسْجِدِ وبؤَّب عليه الطّحاوي. وحاصلهُ: أنَّه جائز إذا لم تَقَع منه ضجة في المسجد وتضمن معنى صحیحًا . فائدة واعلم أنَّ الفعل إن كان لازمًا كاستوى وَنَزَلَ فما بعده من متعلقاتِ الصِّفَة كقوله تعالى: ﴿أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] معناه تعلق صِفة الاستواء بالعرش، وإن كان متعديًا فما بعده مفعول به كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾. ٤٥٣ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِع قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتِ الأَنَّصَارِيَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، هَل سَمِغَتَ النَّبِيَّ ◌َّهَ يَقُولُ: ((يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُوَّلُ اللَّهِ وَّهَ، اللهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ)»؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ. [الحديث ٤٥٣ - طرفاه في: ٣٢١٢، ٦١٥٢]. ٤٥٣ - قوله: (يستشهِدُ أبا هريرة) رضي الله تعالى عنه، ووجهه أنَّه أنشد شِعْرًا فأراد عُمر رضي الله عنه أنْ يُعزِّرَه فاضطر إلى الاستشهاد. قوله: (أيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُس) وأظنُّ أَنَّ هذه الواقعة في غزوة الأحزاب، وفيها تصريح أَنَّ حسانًا رضي الله عنه قرأها على المِنْبَرِ كما عند الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله ◌َّ ينصب لحسان مِنْبَرًا في المسجدِ فيقوم عليه يهجو الكُفَّار)). قلتُ: وهذا مِمَّا استدللتُ به على خلاف الحافظِ رحمه الله تعالى من أنَّ المِنْبَرَ قد كان متقدمًا بكثير لا كما زَعَمَهُ الحافظ رحمه الله تعالى أنَّه متأخر جدًا، وفي ثبوتٍ تَقَدُّم المنبر نفع للحنفية في مسألة نسخ الكلام وقد مرَّ مني التنبيه عليه، وكذلك قد عَلِمْتَ أنَّه لا استدلال فيه للبخاري على توسيع في أحكام المسجد، فإنَّ الآمر ههنا هو النبي ◌َّ والغرضُ المدافعة عنه فلا يَدُل على التوسيع أصلًا بل الإِنشاد عبادة في مثل هذه الحالة. . ٧٦ كتاب الصلاة ٦٩ - باب أَصْحَابِ الحِرَابِ فِي المَسْجِدِ ٤٥٤ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُزَوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: أَنَّ عائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَوْمًا عَلَّى بَابٍ حُجْرَتِي وَالحَبَشَةُ يَلعَبُونَ فِيَ المَسْجِدِ، وَرَسُولُ اللَّهِ مَهِ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، أَنْظُرُ إِلَى لَعِيِهِمْ. [الحديث ٤٥٤ - أطرافه في: ٤٥٥، ٩٥٠، ٩٨٨، ٢٩٠٦، ٣٥٢٩، ٣٩٣١، ٥١٩٠، ٥٢٣٦]. ٤٥٥ _ زَادَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رَأَيتُ النَّبِيَّ ◌ِ وَالحَبَشَةُ يَلعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ. [طرفه في: ٤٥٤]. وفي الحديث اللعب بالحراب (١) قلتُ: وثبت عندي عن مالك رحمه الله تعالى أنَّه كان خارجَ المسجد لا دَاخِلَه، وظاهرُ كلام المصنّف رحمه الله تعالى أنَّه حَمَلَهُ على داخل متن المسجد . ٤٥٤ - قوله: (يستُرُني) إنْ كان قبلَ الحِجَابِ فالأمرُ ظاهر، ولا بَأْسَ إِنْ كان بعده أيضًا فإنَّه جائزٌ أيضًا (٢) بشرط عدم الفتنة. ٧٠ - باب ذِكْرِ البَيعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى المِنْبَرِ فِي المَسْجِدِ ٤٥٦ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عائِشَةَ قَالَتْ: أَتَّتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الوَلَاءُ لِي، وَقَالَ أَهْلُهَا: إِنَّ شِئْتِ أعْطَيْتِهَا ما بَقِيَ - وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: إِنْ شِئْتِ أَعْتَقْتِهَا - وَيَكُونُ الوَلَاءُ لَنَا، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ ذَكَّرَتْهُ ذلِكَ، فَقَالَ النبيِ نَّهِ: ((ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ)). ثمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ عَلَى المِنْبَرِ - وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّهِ عَلَى المِنْبَرِ - فَقَالَ: ((ما بَالُ أَقْوَام يَشْتَرِطُونَّ شُرُوطًا لَيسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ! مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ». قَالَ عَلِيٍّ: قَالَ يَحْيِى،َ وَعَبْدُ الوهَّابِ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ عَمْرَةَ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ: عَنْ يَحْيِى قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَةَ (١) قال الطّحاوي في ((مُشْكلِه)) (١١٨/١): وهذا لم يكُن من اللهو المذمُومِ لأَنَّه مما يُحْتَاجُ إليه من أمثالِهِم في الحرب، فذلك محمودٌ منهم في المسجد وفيما سواه، وقد رَوَىَ عن النبيِّ ◌َّ في صِنْف من اللهو ما هو ممدوحٌ، ثم ذَكَر أحاديثَ تَدُل على أَنَّ اللَّهو بالسَّهْم وتأديب الفَرَس وملاعبةَ المرأةٍ ليس بمذموم. (٢) قد يَخْتَلِجِ أَنَّهُ يُعَارِض ما عن أُمِّ سَلَمَة فذكرت قِصَة دُخُولِ ابن أُمِّ مَكْتُوم في بيتها، فقال النبيِ مَّ أَفْعُمْيَا وَانٍ أنتما؟ فأجاب عنه الطَّحاوي في ((مُشْكِله)) من وجهين: الأول أَنَّ قصة أُمُّ سَلَمَة رضي الله عنها كانت بعد نزول الحجاب، وكذلك كانت أُمُّ سلمة وميمونة رضي الله عنهما بالغَتين قد لَحِقَتْهُمَا العبادة بخلافِ قِصة عائشة رضي الله عنها في الأمرين فإنَّه لا دليل فيها على أَنَّها كانت بعد نزول الحجاب، ولا أَنَّها كانت بَلَغَت مَبْلَغ النِّسَاء. انتهى مختصرًا جدًا (١١٧/١ و١١٨) ونتكلمُ عليه أبسط منه إنْ شَاءَ الله تعالى. ٧٧ كتاب الصلاة قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، رَوَاهُ مالِكٌ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ عَمْرَةَ: أَنَّ بَرِيرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ: صَعِدَ المِنْبَرَ. [الحديث ٤٥٦ - أطرافه في: ١٤٩٣، ٢١٥٥، ٢١٦٨، ٢٥٣٦، ٢٥٦٠، ٢٥٦١، ٢٥٦٣، ٢٥٦٤، ٢٥٦٥، ٢٥٧٨، ٢٧١٧، ٢٧٢٦، ٢٧٢٩، ٢٧٣٥، ٥٠٩٧، ٥٢٧٩، ٥٢٨٤، ٥٤٣٠، ٦٧١٧، ٦٧٥١، ٦٧٥٤، ٦٧٥٨، ٦٧٦٠]. وفي فِقْهِنا أنَّ المُسَاوَمَة والإيجاب والقَبول جائزٌ للمعتكف لا إحضار السِّلْعة. والحديثُ لا يَرِد علينا، لأنَّهُ لا بيعٌ فيه ولا شراءٌ، وإنَّما ذَكَرَهُ النَّبِيِ وَّهِ بطريقِ المَسْأَلة وهو بمعزلٍ عن البحث. ٤٥٦ - قوله: (وقال أَهْلُهَا: إنْ شِئْتِ أعطيْتِهَا مَا بَقِي) يعني ويكون الولاءُ لَهُم، ومعنى قولِهِم: ((إنْ شِئْتِ أَعْتَقْتِها)) يعني إنْ شئتِ صرتِ سببًا لإعْتَاقِهَا بشرائِك إِيَّها، والمسألةُ أنَّ الولاء يكون لِمَنْ عُتِقَت على مِلْكِهِ. قوله: (ابتاعِيها) ويجوزُ بيعُ المُكَاتَب والمُدَبَّر عندَهم، ولا يجوز عندنا إلَّ بيع المُكَاتَب عند العَجْزِ، فقالوا: ابتاعيها دليلٌ على جَوَازِ شراء المُكَاتب. ونحن نقول: إنَّه يكون تَعْجِيزًا عن الكِتَابة في ضمن الابتياع. وراجع ((شرح الوقاية)) من قوله: أعتق عني فلانًا بألف درهم، وفي لفظة: ((اشترطي لهم الولاء)). وأَشْكَل معناه بوجهين: الأول: أَنَّ الولَاءَ لها قطعًا، فما معنى كونُ الولَاءَ لهم؟ ثُمَّ إذا اشْترَطت الولاء لهم وصار الولاءُ لها ففيه خُلْف الوَعْد أيضًا، ونِعْمَ الحلُّ ما ذَكَرَهُ شيخُنا أنَّ معنَاه دعيهم لِيَشْتَرِطوا يعني به أَنَّ هذا الاشتراط لغوٌ لا أَثَرَ لهُ، وهكذا وقع عند البخاري في طريق آخر . قوله: (شُرُوطًا ليس في كتاب الله) وظاهره أَنَّ المرادَ منه ما لم يُنص به في الكتابِ وسنةٍ رسولِ الله ◌َ﴿ وكان مسكوتًا عنه، ويمكِنُ أَنْ يفسر بما لا يُلَائِم كتابَ الله. فائدة واعلم أنَّ الشُّروط إما ملائمة أو غير ملائمة، ولا تأثير للثانية أصلًا، وهذه الحقيقة سَرَتْ إلى مسألةِ التَّعْلِيق في الأجنبية فإنَّهم قالوا: إنَّه لو قال للأجنبية إنْ دَخَلْت الدارَ فَأَنْتِ طالق فَنَكَحها ثم دخلت الدار أنَّها لا تطلق، ويَبْطل هذا التعليق لأنَّهم فهموا أنَّه شَرْط غيرُ ملائم لأنَّه لا حَقَّ له على الأجنبيةِ أن يُخَاطِبَها بقوله: إنْ دخلتِ فلغا، بخلافِ ما إذا أَضَافَهُ إلى المِلك أو إلى سببه، فإنه يصير به مُلائِمًا ويَخرِجِ عَنْ كونِهِ غير مُلائِم، فإنْ كانت الحقيقة كما قُلنا وإنْ لم يكتبوها، فليُنظر في مثل هذه المواضِع، فينبغي أَنْ يُعتبر لكلِّ شرط مُلائم وإن لم يَكُنْ مضافًا إلى الملك أو سببه فإنَّ اشْتِرَاط الإِضافة لأحداث المُلاءمة، فإنْ ظَهَرَت الملَاءَمة بدُونِهَا يَنْبَغِي أَنْ يكونَ كالمُضَافِ إلى المِلْك أو سَبَبِهِ وهذا وإنْ لم يَقْرَعِ سَمْعَك لكنَّهُ يكون صوابًا إنْ شاء الله تعالى . ٧٨ كتاب الصلاة ٧١ - باب التَّقَاضِي وَالمُلاَزَمَةِ في المَسْجِدِ والملازمة أي ملازمةُ الغريم يدور معه حيثما دار، وأخرجه المصنّف رحمه الله تعالى في باب الصُّلْح وفيه: (فلقيه فلزمه) ... إلخ وهو موضعُ الترجمةِ. ٤٥٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مالِكِ، عَنْ كَعْبٍ: أَنَّهُ تَقَاضىِ ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَينًا كانَ لَهُ عَلَّيهِ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَثَ أَضَوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِوََّ وَّهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيهِمَا، حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى: ((يَا كَعْبُ)). قَالَ: لَبَّيِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((ضَعْ مِنْ دَينِكَ هذا)) وَأَوْمَأَ إِلَيهِ: أَي الشَّطْرَ، قَالَ: لَقَدْ فَعَلتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((قُمْ فَاقْضِهِ)). [الحديث ٤٥٧ - أطرافه في: ٤٧١، ٢٤١٨، ٢٤٢٤، ٢٧٠٦، ٢٧١٠]. ٤٥٧ - قوله: (في المسجد) متعلقٌ بالتقاضي. قوله: (وهو فِي بَيْتِهِ) يعني وهو في معتكَفِه المُتَّخَذِ مِنْ حَصِير في المسجد، كذا حَرَّرَهُ الشارحون لأنَّ النَّبِي ◌ََّ كان إِذْ ذاكَ مُعْتَكِفًا، ولعلَّ عِلْمُ ليلةِ القدر ارتفعَ من هذا التلاحي والمراد به عِلمُ خصوص ليلة هذه السنة لا مطلق الليلة، وقد مرَّ الكلامُ في العِلم، وليس عندي نقل صريحٌ في أنَّ الرجلين كانا هذيْنِ وإنَّما هو تَحْمِين مني. قوله: (فاقْضِهِ) واعلم أنَّ بعض الأشياءِ يَرِدُ في الأحاديث ويكون من باب المُروءة، فلو لم يُجْرِهِ العلماءُ إلى مسائل الفقه لكان أحسن، فإني قد أَجِدَ أشياءَ ما لا يَدْخُل تحت قواعِدِهم ويكونُ مِنْ باب المُروءة وحُسْنِ المعاملة، فعلى المتيقِظِ أَنْ يراعيَهُ)). فائدة قال الشيخ ابنُ الهُمام رحمه الله تعالى في ((الفتح)): إنَّ الكلامَ في المسجد يأكل الحسنات وقيده في ((البحر)): إذا قصد ذلك، أما إذا جَاءَ الصَّلاةِ فتشاغل بالتَّكلِّمِ فلا . ٧٢ - باب كَنْسِ المَسْجِدِ، وَالتِقَاطِ الخِرَقِ وَالقَذَى وَالعِيدَانِ ٤٥٨ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَسْوَّدَ، أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ، كانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ، فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ◌ََّ عَنْهُ، فَقَالُوا: ماتَ، قَالَ: ((أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ؟ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ))، أَوْ قَالَ: ((قَبْرِهَا)). فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيهَا. [الحديث ٤٥٨ - طرفاه في: ٤٦٠، ١٣٣٧]. ومن عادة المصنِّف رحمه الله تعالى كما قد عَلِمْتَ مِرَارًا أنَّه يَبْسط الأبوابَ على الجزئيات التي سُمِّيَت في الأحاديث وإنْ لم يكن مدارًا للمسألة. ٤٥٨ - قوله: (يَقُمُّ) أي يَكْنُس، وعند أبي داود في باب في حَصَى المسجد عن أبي صالح ٧٩ كتاب الصلاة قال: ((كان يُقَال إنَّ الرَّجُلَ إذا أَخْرَج الحصى من المسجدِ، يُنَاشِده)). وفي رواية أخرى رَفَعَهُ إلى النبي ◌َّ: ((أَنَّ الحصاة لتناشِد الذي يُخْرِجها من المسجد)). قلت: إنَّها تُنَاشِد لأنَّ فَضْلها فيه، ونحن نُخْرِجُها فإنَّ الفضل لنا فيه فَدَعْهَا تناشدك. قوله: (مات) أي في الليل فلم يُوقِظُوا النَّبِيِّ ◌ََّ لكراهَةِ إِيقاظِ النَّبِيَّ وَّهِ وِفة أمره عندهم كما هو عند مسلم. قوله: (فصلى عليها) قال أبو عمر في ((التمهيد)): إنَّه قد ثَبَت سبعة أحاديث في الصَّلَاةِ على القبرِ وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى إلَّا أنَّ النووي نسب إليه خلافه فقال: أصحابُ مالك منعوا الصَّلاةَ على القبرِ والمسألة فيها عندنا أنَّه لو دُفِن بدونِ الصَّلاةِ يُصلَّى على قَبْرِهِ ما لم يَتَفَسَّخ، وعيّنَهُ المشايخ بِثلاثة أيام وإنْ لم يكن الوليُّ حاضرًا فله أَنْ يُصلّي عليه وإنْ كان قد صلى عليه مرة، ثم صرحوا أنَّ الفريضةَ قَدْ سَقَطت مِنَ الأُولَى وصلاتُهُ الثانية قضاء لحقه فقط، ثم إنَّه هل يُصلِّي منفردًا أو يُصلِّي معه من لم يُصلِّ أوَّل مرة أيضًا، ويُعْلَم من كُتب الشافعية أنَّه يدخل معه ما لم يصلِّ أول مرة، وأظنُّ فيه خلافًا عن مشايخنا، وتستفاد الإِجازة مِنْ كلامِ البعض والممانعة من بعضٍ، وليس فيه عندي نَقْلٌ صريح إلا ما قال السَّرَخْسِي في تعددَ الصَّلوات على النبيِ وَل﴿: إنَّ الوَلِيَّ كان هو الصديقِ الأكبر فصلى عليه بعد كونه أميرًا، وإنْ كانت قد صُلِّيَت عليه قبله أيضًا. ورأيت في الخارج أنَّه صلى معه آخرون منا، وهو مشعر بجواز دخول آخرين مع الولي. وأمَّا في حديث البابِ فادَّعى الحنفية أنَّ النَّبيِ وَي كان وليًا فلا بأس بإعادته. وفي ((الخصائص الصُّغْرى)) للسيوطي رحمه الله تعالى عن بَعْضٍ الحنفية: أنَّ صلاة الجَنَازَة لا تصح بدون حضور النَّبِي وَّهِ إِذَا أَمْكَنْ شِرْكَتَه. قلت: ومَنْ ذَهَبَ هذا المذهب فقد أصاب وأجاد، وهو الذي يُعْلَم من التتبع أنَّ الصَّلاة وقتيةً كانت أو جنازة لا تَصِح بدونه ◌َّ، وهو الذي نبه عليه أبو بكر رضي الله عنه ولم يَفْهَمْهُ النَّاس ولا أدركوا كلامه حيث قال: ما كان لابن أبي قُحافة أَنْ يَتَقَدَّم بين يَدَي رسول الله أَّ . وحاصله: أنَّ غيرَ النَّبي لا يَصْلِح لإمامة النَّبيِ ﴿ ﴿ فكيف يصلح لي إمامتك!؟ ثم في (المسند)) لأحمد رحمه الله تعالى أَنَّهُ لا يُتْوَفَّى نبي ما لم يَؤمه أحَدٌ مِنْ أمّته، وكان هذا نداء على رحيل النبيِّ وأنّ أمته قد صهرت وبهرت، ودينه قد كمل وتمَّ حيث يصلح منهم من يؤم نبيًا، وأمَّا إمامة المهدي لعيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فإنما يكون فى أول صلاة يصلي بهم وذلك أيضًا بعد تقريرِ عيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإنَّما لم يُؤخره لأَنَّه كان بَلَغَ موضِعَ الإمامة وقد أُقِيمَت الصَّلاة ولم يَبْقَ إلا التحريمةِ، فلو أَخَّرَه لربما تُوهم عدم أهليتِهِ لها، ولذا وَرَدَ في بعضٍ ألفاظهِ: أنَّها لك أقيمت، وبعدَه يكونُ الإمامُ هو عيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ. والحاصل: أنَّ الصلاة بمحضر النبي لا تصحُ بدونه ما لم تُوجَد قرينة الإِجازة من جانبه، وههنا قد أمكن شِرْكَتُه ولنا أيضًا أن نعدَّها من خصائِصهِ وَّرَ لِما عند مسلم ((إِنَّ هذه القُبور مملوءة ظُلمة على أهْلِها، وإنَّ الله لَيُدْخِل عليهم نورًا من صلاتي))، أو كما قال. فَعُلِم منه وجه ٨٠ كتاب الصلاة الخصوصية، ومن يكون بَعْدَهُ من يُدخل بصلاته نورٌ على أهل القبور. ومرَّ عليه الحافظ وقال: إِنَّه مدرج دخلت فيه قطعة من الحديث الآخر، وهو وهم من الراوي. قلتُ: وإذا كان حديثًا فكيفما كان يكون حجة، وإليه أشار محمد رحمه الله تعالى في الصَّلاة على الغائب، وقال: وليس النَّبِي ◌َّرَ في هذا كغيرِهِ، يعني به الإِشارة إلى الخصوصية وقد ذكرناه. ٧٣ - باب تَحْرِيمِ تِجَارَةِ الخَمْرِ فِي المَسْجِدِ ٤٥٩ - حدّثنا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِم، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَ الآياتُ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي الرِّبَا، خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َّهُ إِلَى المَسْجِدِ فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الخَمْرِ. [الحديث ٤٥٩ - أطرافه في: ٢٠٨٤، ٢٢٢٦، ٤٥٤٠، ٤٥٤١، ٤٥٤٢، ٤٥٤٣]. أي لا بأس بِذِكْرِ المسألة، وإنْ كانت الخمر خبيثة نجسة لا سيما إذا كان ذُكِرَ تحريمها . ٤٥٩ - قوله: (ثُمَّ حَرَّم تجارةَ الخمر) وأما التناسب بين الرِّبا والخمر، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِنَّ﴾ وهذا التخبط في الخمر أيضًا، وقيل: لا حاجةَ إلى بيان التناسب، وإنَّما ذَكَرَ الأمرين بيانًا للنَّاس، ثم إنه متى حُرِّم الربا؟ فحرَّرَه الطحاوي في ((مشکِله)). ٧٤ - باب الخَدَمِ لِلمَسْجِدِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِىِ بَطْنِى مُحَرًَّا﴾ [آل عمران: ٣٥] لِلِمَسْجِدِ يَخْدُمُهُ. ٤٦٠ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ امْرَأَةً، أَوْ رَجُلًا، كانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ، وَلَا أُرَاهُ إِلَّ امْرَأَةٌ، فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ◌ََّ: أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِهَا. [طرفه في: ٤٥٨]. قوله: (﴿محرَّرًا﴾) وهو في الفِقه مَنْ رُفِعَ عنه قَيد الرَّقبة أي مُعْتَقًا، ومعناه ههنا من اختص بأمر وترك لأجله، وكان من عاداتهم النذر بذكور أولادِهم وولدت أنثى فقالت اعتذارًا ﴿رَبِّ إِنِ وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ . ٧٥ - باب الأَسِيرِ أَوِ الغَرِيمِ يُرْبَطُ فِي المَسْجِدِ ٤٦١ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنُّ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((إِنَّ ◌ِفرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ - أَوْ كَلِمَة نَحْوَهَا - لِيَقْطَعَ عَلَيََّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنَّهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظِرُوا إِلَيهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي