النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ كتاب الصلاة الله تعالى ليس في المشرق والمَغْرِب قِبْلَة، بل هي مأخوذةٌ منه فليحمله عليه أيضًا، وما النَّكِرُ فيه وما البُعْدُ؟ ثم إنَّ الحديث وإنْ وَرَدَ في الغائطِ والبولِ، لكنَّه لم يَكُنْ عنده فيه حديث غيره، فَأَخَذَ ترجمته منه، وهذا غيرُ نادرٍ في كتاب المصنّف رحمه الله تعالى. وأما ما رواه الترمذي عن أبي هريرة ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)). وحسَّنه وصححه، فمعناه كما ذكره ابن عمر رضي الله تعالى عنه: ((إذا جَعَلْت المغرب عن يمينك، والمشرق عن يسارك، فما بينهما قِلة، اسْتَقْبَلْتَ القِبلة))، وما ذكره ابن المُبَارَك أنه قِبلة لأهل المشرق، فمؤوَّل بأنَّه ليس المرادُ من أهلِ الشرق كلهم، بل أهل بُخارى وسَمَرْقَنْدَ وبَلْخ، لأنَّ بلادَهم في مَشْرِقٍ الصيف، وقِبْلَتَهُمْ بين مَغَرِبِ الصيف ومشرق الشتاء، فحينئذٍ صح قوله: (ما بين المشرق) أي: مشرق الشتاء (والمغرب) أي: مغرب الصيف قبلة، وإلا فظاهره غيرُ مستقيم. ٣٠ - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ٣٩٥ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ، عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالبَيتِ العُمْرَةَ، وَلَمْ يَطْفِ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ وَّهُ، فَطَافَ بِالبَيتِ سَبْعًا، وَصَلَّىٍ خَلفَ المَقَامِ رَكْعَتَينٍ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ولقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. [الحديث ٣٩٥ - أطرافه في: ١٦٢٣، ١٦٢٧، ١٦٤٥، ١٦٤٧، ١٧٩٣]. ٣٩٦ . وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا، حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. [الحديث ٣٩٦ - أطرافه في: ١٦٢٤، ١٦٤٦، ١٧٩٤]. ٣٩٥ - قوله: (ولقد كان لكم في رسول الله وَّ﴾ أسوة حسنة) ومرادُهُ أنَّه ليس عندي صريح النهي، فدعوا الاحتمالات، واقتدوا بالنبي ◌ََّ، وفيه تعريضٌ إلى ابن عباس رضي الله عنهما، ومذهبه: أنَّ المُفْرِدَ بالحجِّ إذا لم يَكُنْ عنده هديٌ يَنْفَسِخِ حَجُّهُ بمجرَّدٍ رؤيتهِ البيتَ، ويصيرُ عمرة فلو وقف بعرفةً ولم يَدْخُل مكةَ، ولم يَنْظُر إلى البيت، صح حجه، فإذا طاف لِعُمْرَتِهِ جاز أَنْ يَقْرَبَ امرأتَهُ قَبْلَ سعيه لها خلافًا للجمهور في المسألتين، فأجاب ابنُ عمر رضي الله عنه إشارةً، وجابرٌ رضي الله عنه صراحةً، وقال: لا يَقْرَبِنَّها حتى يَطُوف بين الصفا والمَرْوَة، يعني لا يجوز له التَّحَلُّل قَبْلَهُ، ولا يجوز الجماع إلا بعده. ٣٩٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ سَيفٍ - يعني ابن سليمان - قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا قَالَ: أَتِيَ ابْنُ عُمَرَ، فَقِيلَ لَهُ: هذا رَسُولُ اللّهِ وَِّ دَخَلَ الكَعْبَةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَأَقْبَلتُ وَالنَّبِيُّ بَّهَ قَدْ خَرَجَ، وَأَجِدُ بِلَالًا قَائِمًا بَيْنَ الْبَابَينَ، فَسَأَلْتُ بِلَالًا فَقُلْتُ: أَصَلَّى النَّبِيُّ نَّهِ فِي الكَعْبَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، رَكْعَتَينٍ، بَيْنَ السَّارِيَتَينِ اللَّتَيْنِ عَلَّى يَسَارِهِ إِذَا دَخَلتَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى فِي وَجْهِ الكَعْبَةِ رَكْعَتَينٍ. [الحديث ٣٩٧ - أطرافه في: ٤٦٨، ٥٠٤، ٥٠٥، ٥٠٦، ١١٦٧، ١٥٩٨، ١٥٩٩، ٢٩٨٨، ٤٢٨٩، ٤٤٠٠]. ٤٢ كتاب الصلاة ٣٩٧ - قوله: (دخل الكعبة) وهذا في فتح مكة، ولم يَعْتَمر النبي ◌َِّ في هذه المرة، ودَخَلَها بدون إحرام، وهذا أيضًا من ماصدقات قوله: ((وأحلَّ لي ساعة من النهار)) عندنا. قوله: (فسألتُ بلالًا رضي الله عنه) والمشهور عن ابنِ عمرَ رضي الله عنه أنَّه قال: ((نسيت بلالًا أَنْ أسألَهُ كم صلى)). قالَّ الحافظ رحمه الله تعالى: والاعتماد على ما رُوِيَ عنه في المشهور، ويُحْتَمَل أنه ذَكَرَ رَكْعتين ههنا أخذًا بالمتيقن، لا أنَّه ذكر بلالًا رضي الله عنه. ثم إنّ بلالًا رضي الله عنه يُثبت الصلاةَ ويَنْفي التَّكْبِير، على عكس ابنِ عباس رضي الله عنهما . وجمعهما المصنف رحمه الله تعالى فَأَثْبَت الصلاةَ على رواية بلال رضي الله عنه، والتكبيرَ على حديث ابن عباس رضي الله عنهما، لأنَّ قولَ المُثْبِت أولى. وتتبعت الفقه للتكبير في البيتِ، فلم أرَ أحدًا منهم صَرَّحَ به، مع ورودِهِ في الأحاديث. قلتُ: وقَدْ كَانَ يَخْطُرِ بالبالِ وجه آخر في دفع التعارض بين حديثٍ بلالٍ رضي الله عنه، وابن عباس رضي الله عنهما بأن يقال: إن النبي ◌َّ دخلها في حَجَّةِ الوداع أيضًا، فيُحْمَل النفي والإثبات على تَعَدُّد الواقعتين، إِلَّا أنَّ المُحَدِّثين ذهبوا إلى الترجيحِ دون التَّطبيق. وفي ((تاريخ الأَزْرَقي)): أنه سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن الصلاةِ في البيتَ فقال: ((فيه صلاة، إلا أنَّها ليست ذات ركوع وسجودٍ، بل هي تكبيرٌ، وتسبيحٌ، واستغفارٌ من غيرِ قراءةٍ، كصلاةِ الجَنَازة)). ففيه دليل على نفّ الفاتحة في صلاةِ الجنازَةِ عند ابنِ عباس رضي الله عنهما على خلافِ ما فَهِمَه الشافعية رحمهم الله تعالى، وقد كان يَتَبَادِرُ إلى ذَهني أنَّ التَّكْبِيرَ في البيت لعله يكونُ برفع الأيدي كالتحريمةِ كما يقوله الشافعي رحمه الله تعالى عند رؤية البيت. ونفاه الطحاوي، وكما قاله الحنفية رحمهم الله تعالى عند استلامِ الحَجَر. ثم تتبعتُ ما كان ابنُ عباس رضي الله عنه يَفْعَلُ في صلاةِ الجنازَةِ فَظَهر أنَّه لم يَكُن يَرْفَعُ فيها إلا عِنْدَ التحريمةِ، وحينئذٍ أَمْكَنَ أَنْ لا يكونَ الرَّفْعُ عند التكبيرِ داخلَ البيت أيضًا، ولم أجد عليه روايةً صريحة، وأما مشايخُ بَلْخِ منَّا، فذهبوا إلى الرفع عند التكبيراتِ في صلاةِ الجَنَازَةِ. وسَنَحَ لي بالرفع عند الاسْتِلَامِ أَنَّ الرَّفْعَ في الصلوات لاسْتِقْبَالِ البيت. ٣٩٨ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ نَصْرِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَّمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ◌َهِ البَيْتَ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَاً، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَينٍ فِي قُبُلِ الكَعْبَةِ، وَقَالَ: ((هذهِ القِبْلَةُ)). [الحديث ٣٩٨ - أطرافه في: ١٦٠١، ٣٣٥١، ٣٣٥٢، ٤٢٨٨]. ٣٩٨ - قوله: (هذه القبلة) إشارة إلى المجموع. وتَمَسَّكَ به المالكيةُ على عَدَمِ جوازِ الفَرِيضةِ داخلَ البيتِ لإِمكان استقبال المجموع. ولنا فيه مجال وسيع. ٤٣ كتاب الصلاة ٣١ - بابُ التَّوَجُّهِ نَحْوَ القِبْلَةِ حَيثُ كَانَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّةِ: ((اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَكَبِرْ)) . ٣٩٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، صَلَّى نَحْوَ بَيتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سِّبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ. وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ، وَهُمُ اليَهُودُ: ﴿مَا وَلَّنْهُمْ عَن قِبْلَئِهِمُ الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَاْ قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن بَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ رَجُلٌ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَا صَلَّى، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلَاةِ العَصْرِ نَحْوَ بَيتِ المَقْدِسِ، فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ثَّةُ، وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَتَحَرَّفَ القَوْمُ، حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ. ٤٠٠ - حدّثنا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِنَّهُ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيثُ تَوَجَّهَتْ، فَإِذَا أَرَادَ الفَرِيضَةَ، نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. [الحديث ٤٠٠ - أطرافه في: ١٠٩٤، ١٠٩٩، ٤١٤٠]. هذا البابُ مأخوذٌ مِنَ القرآن. قوله: (حيث كان) ما المراد منه حيث كانت قِبْلَة، أو حيث كان مستقبلًا، وعند أبي داود في روايةٍ ما يدل على أنَّه ينبغي له أَنْ يَتَوَجَّهُ إليها عند التحريم ثم يُرْسِل دابتَه على الطريق تسير حيث شاءت، ووسع فيه الحنفية فلم يَشْتَرِطوا الاستقبال عند التحريمة أيضًا . ثم إني ترددت في رسالتي أنَّ قَلْبَ الصلاةِ التحريمة أو موضع التأمين. والاهتمام في الشرع وإنْ كان بالتحريمة لكن القلب هو الثاني لأنَّ الأجر في إدراك التحريمة أجر المبادرة إلى الصلاة، أما مغفرة الذنوبِ بما تقدم وما تأخر ففي إدراك التأمين هو القلب والله تعالى أعلم. بقي إدراك الركعة بإدراك الركوع فليس لكونه قلبًا باعتبار أنَّ إدراكَ الرَّكعة إلى أي جزء منها فهو القاصرِ الهمَّةِ إذ لم يُوَفَّقْ لإِدراكِ التأمين وفات عنه، ثم دَخَلَ في الرُّكوعِ، عَدَّهُ الشرع مُدْرِكًا للركوع، ولذا كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: لا تسبِقْني بآمين (عند مالك رحمه الله تعالى) فكان يهتم بآمين ما لم يكن يهتم بالفاتحة. ومن الناس مَنْ زَعَمَهُ قائلًا بالقراءة خَلْفَ الإِمام، مع أنه يراعي آمين ولا يبالي بالفاتحة لأنه صحابي يَعْلَم أَنَّ آمين هو الطابع، أما الفاتحة فقد كَفَى عنه إمامهُ بخلاف آمين، فإِنه وظيفتُهُ، ولا ينوب عنه إمامه. قوله: (قال أبو هريرة رضي الله عنه) ... إلخ قطعةٌ مِنْ حديثٍ طَوِيلٍ في مُسيء الصلاة. قوله: (فَتَحرَّف القَوْمُ) لا يُقالُ إنَّه نَسْخٌ فكيف عملوا بخبر الواحد. لأنا نقول: أصلُ الخبرِ قطعي، نعم بلوغه بطريق ظنِّي، فالظنُّ في الطريق لا في الناسخ، وإنَّما لم يُؤثر فيه ظنِّية الطريق ٤٤ كتاب الصلاة لأنه كان عندهم ذريعة التحقيقِ، وأمكن لهم تبين الحال بذهابهم إلى المدينة، فالأصلُ أنَّه لا بَأْسَ بالعَمَلِ على الظنِّي إذا كان قطعيًا مِنْ أصله، ولذا لم يُشْتَرط في تبليغ الدين عدد التواترِ عند أحد، ولا يَسَوَُّ لكافٍ أَنْ يقول إنَّ دينَكُم وَإِنْ كان قطعيًا في نفسه لكنه لمّا لم يَبْلُغ إليّ إلَّا مِنْ أخبارِ الآحادِ فلا يكون حجةً ملزمةً. ولم يَكْتُبه الأصوليون، وإنما تنبهتُ له. وقد ذكرته في ((نيل الفرقدين) و((إِكْفَارُ الملحدين))، وقد مرَّ هذا البحث في المقدمة فَرَاجعهُ مع بيان أَنَّ النبيُِّ لمَّا تَكَفَّل بإخبارِهم لزِم أَنْ تصِحَّ صلواتُهم التي صلَّوْها إلى بيت المقْدِس قَبْلَ بلوغ الناسخ إليهم. وقد فَرَغْنَا من تحقيق أَنَّ النَّاسِخَ نَزَلَ فِي صلاةِ الظهر أو العصر، وصرح الحافَظ بُرْهَان الدين الحلبي الحنفي في شرح البخاري: أَنَّ التَّحْوِيلَ كان في ركوعِ الرَّكعة الثالثة. وقد كان ((تیمر)) حَرَق كتبه وتصانيفه. واعلم أن الواو في ((تيمور)) إنَّما هو على مذهبٍ مَنْ يرسمون الإِعراب بالحركاتِ في صورة الحروف. قوله: (هشام بن عبد الله) وهذا هو الذي تُوفي محمدٌ رحمه الله تعالى في بيته، وفي هذا اليوم تُوفي الكِسَائي رحمه الله تعالى أيضًا، وكان محمدٌ رحمه الله تعالى قاضيًا في الرَّقَّة، ولما بَلَغَ الرشيد قال: دفنا اليوم الفقه والنحو معًا . أَسِفْتُ على قاضي القُضَاةِ محمدٍ وأذريتُ دمعي والفؤادُ عميدُ فَقُلْتُ إذا ما أَشْكَلَ الخَطْبُ مَنْ لنا بإيضاحه يومًا وأَنْتَ فَقِيدُ ٤٠١ - حدّثنا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلقَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَلَّى النَّبِيُّ نَّهِ - قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا أَدْرِي زَادَ أَوْ نَفَصَ - فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيءٌ؟ قَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟)) قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا، فَثَنَى رِجْلَيهِ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَسَجَدَ سَجْدَتَينِ، ثُمَّ سَلَّمَ. فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ: ((إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيءٌ لَنَبَأْتُكُمْ بِهِ، وَلكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَليَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَليُتِمَّ عَلَيهِ، ثُمَّ ليُسَلِّمَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَينٍ)). [الحديث ٤٠١ - أطرافه في: ٤٠٤، ١٢٢٦، ٦٦٧١، ٧٢٤٩]. ٤٠١ - قوله: (لا أدري أزاد أو نَقَصَ) وسيأتي في البابِ الذي بعده أنَّه جَزَمَ بالزِّيَادةِ، فلعله شَكَّ فيه مرةً وجَزَمَ به أُخْرَى. قوله: (فليتحرَّ الصَّوَابَ) والمسألةُ عندنا فيمن عَرَضُه الشَّك أَوَّلَ مرةٍ أَنْ يَسْتَقْبِلَ، وإلا تَحَرَّىَ وعَمِلَ بِغَلَبَة الظنِّ، وإلا أَخَذَ بالمُتَيَقَّنِ وهو الأقل وتفصيله في الفقه، وعند الشافعية يَأْخُذ بالأقل في جميعِ الصُّورِ . ثمَّ اختلفَ مشايخُنَا في إيجابِ سجدةِ السَّهْوِ في الصُّورَة الثانية، ففي ((الجوهرة النَّيِّرَة)) و (رَدِّ المحتار)) نقلًا عن ((السراج الوهاج)) أنَّه لا يسجدها وهو الأقرب، والأكثر إلى أنَّه يسجدها كما في ((الفتح)). وأما في الصورة الثالثة فيسجد للسهو قطعًا. ٤٥ كتاب الصلاة أما الأحاديث فهي أقعد على مذهبنا لأنها وردت بالاستقبال كما في ((المصنَّف)) لابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، والتَّحرِّي والأخذ بالأقلِ جميعًا كما عند مسلمٍ، فَعَمِلْنَا بِمَجْمُوعِهَا بخلافِ الشافعية فَإِنَّهم لم يَعْمَلُوا إلا بالثالث، وأوَّلواَ في سائرها فقالوا: إنَّ تَحَرِّي الصَّوَابِ هو الأَخْذُ بالأقلِ فأرجعوه إلى الصورةِ الثالثة. قلنا: لا تساعده اللغة أصلًا فإنَّ التَّحَرِّي هو أَنْ يَرَى غَلَبَةَ ظَنِّه، ولا يجوز إلغاء هذا التعبير الجديد وإرجاعه إلى الثالث، فإن التَّحَرِّي بهذا المعنى شيء مفيد في نفسه، سيما إذا علمنا أنَّ الشَّرْعَ قد اعتبر بالغَلَبَةِ في غَيْرِ واحدٍ مِنَ الأبواب، فما الوجه في أَنْ لا نَعْتَبر هذا النوعَ من ههنا أيضًا؟ ويلزم على مذهبهم إخلاء النوعِ عن حُكْمِه بالكُلِّية، وذا غيرُ جائز. قوله: (ثم ليُسَلِّمْ) وفيه سَجْدَتًا السَّهْو بعد السلام، وفي ((الهداية)) أَنَّ الخِلاف فيه خلاف الأَفضلية نعم عبارةُ ((التجريد)) موهمةٌ شيئًا . قلتُ: وينبغي الأَخذ بما في ((الهداية)) وإنْ كانت مرتبة القُدُوري أزيد لأنَّ العمل برواية ((التجريد)) يُوجِبُ مخالفةً أكثر الأحاديث الصِّحاح - أما حجةُ الحنفية فأقول: إنَّ الأحاديث القولية تُؤَيِّدُنا خاصةً، كما عند أبي داود: ((مَنْ شَكَّ في صَلَاتِهِ فَلْيَسْجُد سجدتين بعد ما يُسَلِّم))، وعند البخاري عن عبدِ الله بن مسعود: ((ثم ليُسَلِّم ثم ليسجد سجدتين)). بقي الفِعْلُ فقد ورد بالنَّحْوَين ولا بأس، فإِن الخلاف في الأفضلية لا غير. ثم اعلم أنَّ وقائعَ سَهْو النَّبي ◌َِّ أربعة، حَرَّرَها الشيخ تقي الدين بنُ دقيق العيد. ثنتين منها عن البخاري. الأولى: جعل الظهر خمسًا. والثانية: جعل الرباعية ثنائية . والثالثة: ما عند أبي داود ترك القَعْدةَ الأولى. والرابعة: أنَّه سهى عن قراءَةٍ آيةٍ في صلاته، فلما انصرف قال لابنٍ مسعود رضي الله عنه: ((هل كنت في الصلاة؟ قال: نعم. قال: فهلًا ذكرتني)). أقول وهناك واقعةٌ خامسة أيضًا وهي: أنَّه سَلَّم مَرَّةً على القَعْدَةِ الأولى من المَغْرب، ثم إنَّ البُخَاري أخرج حديث السَّهْو مرارًا واستنبط منه مسائلَ عديدة، وتَرْجَم تراجِمَ مختلفة، ثم لم يترجم عليه بجوازٍ كلامِ النَّاسي فَدَلَّ على موافقَتِه للحنفية. ٣٢ - باب مَا جَاءَ فِي القِبْلَةِ، وَمَنْ لاَ يَرَى الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيرِ القِبْلَةِ وَقَدْ سَلَّمَ النَّبِيُّنََّ فِي رَكْعَتَي الُهْرِ، وَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ، ثُمَّ أَتَمَّ مَا بَقِيَ. ٤٠٢ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ؛ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَّوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى، فَنَزَلَتْ: ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وَآيَةُ الحِجَابِ،َ قُلتُ: يَا رَسُولَ ٤٦ كتاب الصلاة اللَّهِ، لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ وَالفَاجِرُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ◌ََّ فِي الغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزَّوَجًا خَيْرًا مِّنْكُنَ﴾، فَنَزَلَتْ هذهِ الآيَةُ [التحريم: ٥]. [الحديث ٤٠٢ - أطرافه في: ٤٤٨٣، ٤٧٩٠، ٤٩١٦]. حدّثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيِى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا بِهذا . ٤٠٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُم آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَقَدَ أُنْزِلَ عَلَيهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلِّ الكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ. [الحديث ٤٠٣ - أطرافه في: ٤٤٨٨، ٤٤٩٠، ٤٤٩١، ٤٤٩٣، ٤٤٩٤، ٧٢٥١]. وقد عَلِمْتَ فيما مَرَّ أَنَّ البخاري وَسَّعَ في عِبْرَةِ الجهل والنِّسْيَان كثيرًا، فلو صلى ناسيًا إلى غير القِبلة أو ساهيًا جازت صلاتُهُ عندَه، وهكذا المسألةُ عندَهُ فِيمَنْ صلى في ثوبٍ نَجِسٍ. ولم يُوَسِّع فيه الحنفية بمثله، نعم تحملوا الانحراف عنها فيما إذا سبقه الحَدَث فانصرفَ للوضوءِ بِشَرْطِ أن لا يخرج مِنَ المسجد، فقد اعتبروا الانحراف في الجملة إلا أنَّهم لم يُجَوِّزوا فيه الإِطلاق. ٤٠٢ - قوله: (في ثلاث) وليس في تَخْصِيصِ العددِ بالثَّلاث ما يَنْفِي الزيادة، وقَدْ عدَّ المحدِّثون موافقاتِهِ إلى اثنين وعشرين كما في القَسْطَلَاني. قوله: (أن يبدله أزواجا) ... إلخ وبحث اللغويون في الفَرْقِ بين الإبدال والتَّبْدِيْلِ والتَّبدل وأنَّ المتروك فيها ما هو، والمأخوذ ما هو، وتَعَرَّضَ إليه شارح الإِحياء في مسألة تبديل الضاد بالظّاء في الصلاة. ٤٠٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَم، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلَقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ بَّهِ الظُهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: (وَمَا ذَاكَ؟)) قَالُوا: صَلّيتَ خَمْسًا! فَثَنَى رِجْلَيهِ، وَسَجَدَ سَجْدَتَينٍ. ٤٠٤ - قوله: (الظُهْرَ خَمْسًا) ويلزمُ فيه القُعود على الرابعةِ عندنا، وإلا تتحول فَرِيضَتُهُ نفلًا ولا حاجةَ إليه على مذهب الشافعية. والمسألة اجتهادية ليست فيها نصوص لأحد. ولنا: تفقه قوي، وهو أَنَّ الصلاةَ في الدين المحمَّدي ثنائية، ورباعية، وثلاثية، ومعلوم أَنَّ مثنوية الصلاة ورباعيتها، لا تتقوم إلا بالقَعْدة، فكونها ثنائية أو غيرِها مِنْ متواترات الدِّين. وقد عَلِمْتَ أَنَّها تَتَوقف على القَعْدَةِ فلا بد أنْ تكونَ فريضة كما قيل: إنَّ مقدمة الواجب واجب. ولذا قال الحنفية: إِنَّ ما دون الرَّكعة مَحَلٌ للرفض بخلاف الرَّكعة التامة، فإنَّها من متواترات الدِّين بمعنى كونِها أمرًا معتدًا بها فلا تكون محلًا للرفض؛ لأنَّه يُوجب نقض المتواتر. ثم إنَّ ٤٧ كتاب الصلاة النَّوويَّ قد أَقَرَّ أَنَّ هذه الواقعة قُبَيل بدر، فثبت أَنَّ الَّسْخَ في الكلام ثابتٌ عند الكلِّ وإنَّما الاختلاف في تاريخه، وعلى هذا فالاعتذار به في حديث ذي اليدين ليس لِنَفْع المذهب فقط بل هو أمرٌ ثابتٌ عند الكل، أما أَنَّه متى هو فهو أمرٌ مختلفٌ فيه. قوله: (فَثَنَى رِجْلَه وَسَجَد سجدتين) فإنْ قلتَ: إذا كانت تلك عند جَواز الكلام في الصَّلاة فَلِمَ سَجَدَ فيها للسهو؟ قلت: لتخلل ما ليس مِنْ أجزاءِ الصَّلاةِ في الصَّلاة. وهذا بابٌ جديد لم يَذْكُرُه العلماء، ولعلَّ المسألةَ إذ ذاكَ عدمُ فسادِ الصَّلاة بهذه الأشياء وكفاية سجود السَّهْو عنها . واعلم أَنَّ الرواة اختلفوا في ذِكْرٍ سَجْدَتي السهو في واقعة ذي اليدين، فبعضُهم أثبتهما، والبَعْضُ الآخر نفاهما، وهذا الخِلَافُ عندي راجعٌ إلى الإِجْتِهَادِ لا في نَقْلِ الواقع، فَمَنْ نَظَرَ إلى سُوءِ الترتيبِ، وَفَكَّ الرَّبْط بين أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، زَعَم أنَّه سجد للسهو جبرًا لهذا النقصان. ومن نفاهما رأىَ أنَّ الواقعةَ قَبْلَ النَّسْخ، والكلام جائز فلا حاجة إلى سجود السهو. والحاصل: أَنَّه لم يَكُن عند الفَرِيقين نَقْلٌ خصوصي اعتمدوا عليه، ولكنَّهم إذا سَرَدوا القِصَّة ذَكَرُوا السُّجُود أو نفوها حسب ما أدى إليه اجتهادهم، وهذا هو وجه اختلافهم في ذِكْرِهَا وحَذْفها عندي، والله الملهم للصواب(١) . ٣٣ - باب حَكِّ البُزَاقِ بِاليَدِ مِنَ المَسْجِدِ ٤٠٥ - حدّثنا قُتَيبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ رَأَى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ، فَشَقَّ ذِلِكَ عَلَيهِ، حَتَِّ رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ - أَوْ: إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ - فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ)). ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ، فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: ((أَوْ يَفعَلُ هكذا)). [طرفه في: ٢٤١]. ٤٠٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ القِبْلَةِ، فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَىِ النَّاسِ فَقَالَ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى)). [الحديث ٤٠٦ - أطرافه في: ٧٥٣، ١٢١٣، ٦١١١]. ٤٠٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، (١) قلتُ: وهذا نَظِيرُ اختلافهم في رَدِّ زينب رضي الله عنها على زَوْجِهَا أبي العاص. قال بعضهم: إنَّ النبيَّ ◌َِّ رَدَّها بالنَّكاح الأول. وقال آخرون: بالنكاح الجديد. وسئل عنه محمَّد رحمه الله تعالى أترى كلَّ واحدٍ منهما سَمِعَ عن النَّبِي ◌َ؟ فقال: لا بل إنَّما جاء هذا مِنْ قِبَلِ اجتهادهم، فَذَكَر كلٌ حَسَب ما أدَّى إليه اجتهاده، وَفَصَّلَه الطَّحَاوي في باب فراجعه. ٤٨ كتاب الصلاة عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَيَّ رَأَى فِي جِدَارِ القِبْلَةِ مُخَاطًا، أَوْ بُصَافًا، أَوْ نُخَامَةً، فَحَگَّهُ. وحَمَلَه الشارحون على أنَّه حَكَّهُ باليد دون الآلة. قلتُ: ومعناه عندي أنَّه حَكَّه بيده الكريمة أي لم يأمر غيرَهُ به سواءٌ كان باليد أو بغيرِهَا . وفَرَّقَ اللغويون بينِ النُّخَامة والنُّخَاعة. فقيل: إنها بالميم من الرأس، وبالعين من الصدر، وفي ((شرح الأسباب)) أنَّ النُّخَامةِ ما خرج من مَخْرَج الخاء، وما خرج مِنْ مَخْرَج العين فهو النُّخَاعة ثم المُخَاط ما خَرَج مِنَ الأَنْف وما خَرَجَ من الَّفَمِ فهو البصاق. ٤٠٥ - قوله: (أو إنَّ ربه بينَه وبين القِبْلَة) وهو نحو مِنَ التِجلِّي واختلف في أنَّه مستمر أو مقتصر على حالة المُناجاةِ فقط، وفي عبارة أبي عمرو (١) وأنَّه مستمر كالاستواء، والمعية، والأقربية، ونَقَلَهُ الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)) وَجَنَح إليه أيضًا . قلتُ: وَخَطأ الحافظ رحمه الله تعالى أو غَفَل ولم يدرِ أنَّه يكون نافعًا للحنفية في مسألة الاستقبال والاستدبار، لأنَّه إذا نَهَى عن البُزَاق تِجَاه القِبلة لهذا، فما ظَنُّك بالاسْتِقْبَال والاستدبار عند الغَائِطِ (٢) وقد مر أنَّ عُمَرَ بنَ عبد العزيز لم يكن يَبْزُق إلى القِبْلَةِ مطلقًا . قلتُ: وعندي في الاستدلال منه نظر بَعْدُ لأَنَّه وإنْ وَرَدَ فيه الإطلاق في عِدَّةِ أحاديث لكنَّه مقيدٌ في بعض الروايات بحالة الصَّلاة، وحينئذٍ يَقْتَصِر النَّهي على حالة الصَّلاةِ فقط، نعم لو ثَبَتَ دوامُ هذا التَّجَلِّي لكان حُجَّة لنا قطعًا. وراجع لحقيقة التجلي أواخر ((نيل الفرقدين)) وهي مِنْ أَضْعَب مسائل الصوفية رحمهم الله تعالى. قوله: (ولكن عن يساره) وحَمَلَهُ النَّوويُّ على خارج المَسْجد، أما إذا كان في المَسْجِد فإِنَّه لا يَبْصُقِ إلَّا على طَرَفِ ثَوْبِهِ، وقال في شرح الحديث: إِنَّ الحديث وَإِنْ وَرَدَ في المسجد ابتداءً لكنَّه انتقلَ عند ذِكْرِ البُصَاق إلى خارج المسجد انتهاءً، واستدل عليه بقوله: ((إنَّ البُصَاق في المسجدِ خطيئة وكفارتها دفنها)) . فإذا كان البُصَاق في المسجدِ خطيئةً في نظر الشارع كيف يأذن هو به. ومعنى الحديث عندي: أنَّ البُصَاقَ في المسجد خطيئةٌ وعليه أَنْ يُكَفِّر عنها، كما أَنَّ (١) قِيلَ مَنْ كانت عِنْدَهُ الكُتب الأربعة فلا يَضِيْرُهُ إنْ فاتَهُ غيرَهَا وهي: ((التمهيد)) لأبي عمرو - ((والسُنن الكبرى)) للبيهقي و ((المُحَلَى)) لابن حزم ((وشرح السنة)) للبغوي أو ((المغني)) لابن قُدَامة. وأهم شيء في ((التمهيد)) جمع المتابعات والشواهد - كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز - قلت: وسمعت من شيخي رحمه الله تعالى وصف «كنز العمال)) أيضًا. (٢) وفي ((شرح العقائد)) الجلالي: أنَّ القِبْلَةَ الشرعية للحاجات هي السماء، ثم قال إنَّ عالمًا حنبليًا يقول: إنَّ السماء جهة حقيقة ثم تعجب من قوله. وقال: لِمَ لَمْ يقُلْ إِنَّه جهةٌ شرعية. قلت: المرادُ منه الحافظ ابن تيمية وبالجملة كما أَنَّ بين الحاجات وقِبْلتها وصلة، كذلك بين الرَّجُلِ وقبلته الدينية علاقةٌ ووصلة، والبُزَاق إليها يُخَالِفِ تلك الوصْلَة والدَّوَاني هذا شافعي تَعلم الحديث من الشيخ أبي الفتح الشيرازي إلَّا أنه لم يكن له اشتغال بالحديث كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز. ٤٩ كتاب الصلاة الزِّنا، والخمرَ، وقَتْلَ الصيدِ في الحرم محرَّمات وخَطَايَا، وإذا ارْتَكَبَ فعليه عُقُوبَتها . وذهب القاضي إلى أَنَّ أَوَّلَ الحديث لِما ورد في حق المسجد، فالبُصَاق أيضًا فيه. وحَمَلَ حديثَ الخطيئة على ما لم يُرِدْ دَفْنَها، فإِنْ أَراد دَفْتَها فليس بخطيئة. والذي يَظْهر عندي أَنَّ التضييقَ فيه أَوْلَى، وما يتوهم فيه التوسيع مِنْ بَعْضٍ الألفاظ يُخَالِفُه ما عند مسلم وأبي داود مِنْ قَيد المُبَادَرَة، فليحذر عن الأَوَامِرِ المُظْلَقَةِ الوَارِدَةِ في هذا الباب ولا يَحْمِلها على إطلاقها. وَنَقَلَ أبو داود عن أحمد أَنَّه كان يَبْصُق بإخراج الوجه عن الغُرْفَة إن احتاج إليه في الصلاة. وحاصل أحاديث البصاق: أَنَّ البُصَاقَ في الصَّلَاةِ قِبَلَ القِبْلَةِ مما يَغِيظُ النَّبي عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُقْضِي إلى إِعْرَاضِ ربِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَكِنْ ينبغي أنْ يُكَفَّ عن إطلاقٍ لَفْظِ المعصية. وقد اخْتُلِفَ في الشروحِ في مناطِ النَّهي. فقيل: شُغْلِ المُنَاجَاة، وقيل: احترامُ جِدَارِ القِبْلَةِ، وقيل: احترامُ المَسْجد، وقيل: احترامُ كاتب الحسنات، وقيل: احترام الصلاة، وغيرها، وكلها مأخوذةٌ من النُّصوص إشارة ودِلَالة. فَالأَوْلى عندي أَنْ يُقَال: إنَّ المجموعِ مَنَاظٌ، وإِنَّ الوصفَ المُؤَثِّر فيه كونُ المُصَلي على أَحْسَنِ هيأةٍ عند مناجاتِهِ رَبَّهُ، فإِنْ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الجمال، والبُزَاق فيها يخالفها. ثمَّ الترتيب في البُصَاقِ كما عند أبي داود: ((فلا يَبْزُقَنَّ أَمَامَهُ ولا عن يمينه ولَكِنْ عن يسارِهِ إِنْ كان فَارِغًا أو تَحْتَ قَدَمِه اليسرَى ثم لِيَقُلْ به)). وقد عَلِمْتَ أَنَّه فيما أمكن الدفن، وإلا فيبصُق على ثوبه وَيَرُدُّ بعضَهُ ببعضٍ لإعدام الجِرْم، وعند الترمذي جانب الخلف أيضًا. فإن قلت: إنَّ في جانب اليسار أيضًا ملكًا، قلت: والله قادر على أَنْ يجعلَها على الشيطانِ في هذا الجانب. ٣٤ - باب حَكِّ المُخاطِ بِالحَصى مِنَ المَسْجِدِ وقال ابنُ عبّاسَ: إِن وَطِئْتَ عَلَى قَذْرٍ رَظْبٍ فاغسِلْهُ، وإِنْ كان يابساً فلا. ٤٠٨، ٤٠٩ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَه رَأَى نُخَامَةً فِي جِدَارِ المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَ حَصَاةً فَحَكَّهَا، فَقَالَ: ((إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَتَنَجَّمَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى)). [الحديث ٤٠٨ - أطرافه في: ٤١٠، ٤١١، ٤١٤، ٤١٦]. [الحديث ٣٠٩ - طرفاه في: ٤١١، ٤١٤]. ٣٥ - باب لاَ يَبْصُقْ عَنْ يَمِينِهِ فِي الصَّلاَةِ ٤١٠، ٤١١ - حدّثنا يَحْيى بْنُ بُكَيرِ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَسُوَّلَ اللَّهِ وَهُ رَأَى نُخَامَةٌ فِي حَائِطَ المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهَ حَصَاةَ فَحَتَّها، ثُمَّ قَالَ: ((إِذَا تَنَخَّمَ ٥٠ كتاب الصلاة أَحَدُكُمْ، فَلَا يَتَنَخَّمْ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى)). [طرفاه في: ٤٠٨، ٤٠٩]. ٤١٢ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لَا يَتْفُلَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ رِجْلِهِ)). [طرفه في: ٢٤١]. ٣٦ - باب لِيَبْزُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى ٤١٣ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ: النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَينَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ)). [طرفه في: ٢٤١]. ٤١٤ - حدّثنا عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمِنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ أَبْصَرَ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ، فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ، ثُمّ نَهى أَنَّ يَبْزُقَ الرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيهِ، أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، سَمِعَ حُمَيدًا، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: نَحْوَهُ. [طرفه في: ٤٠٩]. ٣٧ - باب كَفَّارَةِ البُزَاقِ فِي المَسْجِدِ ٤١٥ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا فَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((البُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا)) . ٣٨ - باب دَفْنِ النُّخَامَةِ فِي المَسْجِدِ ٤١٦ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ نَصْرِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّام: سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَلَيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَيَدْفِنُهَا)). [طرفه في: ٤٠٨]. وهذا الذي دعا الشارِحِين إلى حَمْلِ الترجمةِ السَّابقةِ على الحَكِّ بِنَفْسِ اليد، لأنَّه لا يصح التقابل بين هاتين الترجمتينٍ إلا بهذا المعنى، فالترجمةُ الأولى للحَكِّ باليد، وهذه للحكٌ بالحصى، يَغْنُون به أنَّ الحَكَّ ثَبَت بالواسِطَة وبدون الواسطة، وقد مَرَّ معنى أنَّه أَرَادَ بالترجمة السَّابقةِ الحَكَّ بنفسِهِ أي لا بِأَمْرِهِ رَجُلًا آخر سواء كان باليدِ أو بِآلَةٍ، والحَكُّ بالحصى وإِنْ كانَ دَاخِلًا تحت الترجمةِ السَّابقةِ إلَّا أَنَّه لمَّا كان عنده فيه حديثًا مستقلًا أَرَادَ أنْ يُتَرْجِمَ عليه أيضًا كذلك، وهذا مِنْ دَأْبِ المصنِّف رحمه الله تعالى أَنَّه إذا كانت عندَهُ جزئيات مِنْ بابٍ واحدٍ يُتَرْجِم على كلِّ واحدٍ منها إحصاء لها، ثم يُتَرْجِم على كلٍ بما نَاسَبَ لفظُهُ. ٥١ كتاب الصلاة (وقال ابن عباس رضي الله عنه) ... إلخ قال الحافظُ رحمه الله تعالى: أَشَارَ به البخاري إلى أَنَّ العلَّةَ العظمى في النَّهي احترامُ القِبْلَةِ لا مجرد التأذي بالبُزَاق، فإِنَّه وإنْ كان عِلَّةٌ أيضًا لكِنْ احترامُ القِيْلَةِ فيه آكد، فلهذا لم يُفَرَّق فيه بين رَظْبٍ ويابس بخلاف ما عِلَّهُ الَّهي فيه مُجَرد الاستقذار فلا يَضُرَّ وطء اليابس منه. انتهى. قوله: (القَذَر) وهو ما يَسْتَقْذره الإنسان طبعًا فهو أعمُّ من النَّجَاسَةِ وغيرها، ثمَّ إِنَّه لا تُغْسَلُ اليدُ بمسِّ النَّجَاسَةِ اليابسةِ عندنا . وبيان المناسبة بين الأَثَرِ والترجمةِ عندي: أنَّ البُصَاقَ إذا كان رَطْبًا فاغسله وإلا فلا بَأْسَ به لأَنَّه طاهر، وإِنْ كان نجسًا فَكذلك أيضًا، فإنَّ بعضَ السَّلَفِ ذهبوا إلى نجاستِهِ كما مر. ٣٩ - بابٌ إِذَا بَدَرَهُ البُزَاقُ فَلِيَأْخُذْ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ ٤١٧ - حدّثنا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيدٌ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ رَأَى نُخَامَةٌ فِي القِبْلَةِ، فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، وَرُئِيَ مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ، أَوْ رُئِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذلِكَ وَشِدَّتُهُ عَلَيهِ، وَقَالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ - أَوْ: رَبُّهُ بَيْنَهُ وَبَينَ قِبْلَتِهِ - فَلَا يَبْزُقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ، وَلكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ)). ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ، فَبَزَقَ فِيهِ، وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: ((أَوْ يَفعَلُ هكذا)). [طرفه في: ٢٤١]. وليس فيه عِنْدَهُ حديثٌ على شرطه بل حديثه عند أبي داود ومُسْلِم، ولَكِنْ مِنْ دَأْبٍ المصنّف رحمه الله تعالى أَنَّه إذا أَرَادَ أَنْ يُفيدَ بمسألةٍ لا يكونُ لها حديثٌ عنده وَلَكنَّه يكونُ في الخارج يُتَرْجِمُ بها، وَيَسْتَدِلُ عليها بحديثٍ واردٍ في الباب بِأَذْنَى مناسبةٍ، ويكونُ نَظَرُهُ إلى هذا الحديثِ الذي وَرَدَ فيه صراحةٍ في الخارج. ٤٠ - باب عِظَةِ الإِمَامِ النَّاسَ فِي إِتْمَامِ الصَّلاَةِ وَذِكْرِ القِبْلَةِ ٤١٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((هَل تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا؟ فَوَاللَّهِ مَا يَخْفى عَلَّيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ، إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي)). [الحديث ٤١٨ - طرفه في: ٧٤١]. واعلم أَنَّ مِنْ دَأْبِ المصنِّف رحمه الله تعالى أَنَّه إذا أَخْرَجَ حديثًا مِنْ نوعٍ سِلْسِلَةٍ ثُمَّ يجِد فيه مسألةً أخرى من غَيْرِ هذه السِلْسِلَةِ يُتَرْجِمُ بها أيضًا في هذه الترجمة بعينها،َ فتختلَّ الترجمة بحسب الظّاهر لاشتمالها على حُكْم لا يتعلق بتلك السِلْسِلَةِ - وأُسَمِّيهِ إنجازًا - لأنَّه يُريد أَنْ يفرغ عنها في تَرْجَمةٍ واحدةٍ، فيترجم بها اختصارًا، وإنْ لم يكن مِنْ هذا الباب. قوله: (خُشُوعُكُمْ) قيل: الخُشُوعَ في الجوارِحِ، والخُضُوعُ في القلب. قلت: بل الخُشُوع أيضًا في القَلْبِ أيضًا، قال تعالى: ﴿أَنَ تَّخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]. وكذلك في الأَصْوَاتِ قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ﴾ [طه: ١٠٨]. وَنَسَبَه إلى الجمادات أيضًا ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةٌ﴾ [فصلت: ٣٩] فالمناسب فيه استقراءُ القرآن. ٥٢ كتاب الصلاة ثمِ الخُشوعُ(١) مُسْتَحَب مَعَ كونِهِ رُوحًا للصَّلاةِ، ولا يُمْكن أَنْ يكونَ فرضًا وإلا لَبَطَلَتْ صلوات أَكْثَرِ الأمة فما نُقِلَ عن بعضِ الصُوفية أَنْسَب بحالهم. ٤١٨ - قوله: (إني لأراكم) وراجع ما في الهامش عن أحمد رحمه الله تعالى. ٤١٩ - حدّثنا يَحْيى بْنُ صَالِحِ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيِحُ بْنُ سُلَيمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ◌َّهِ صَلَاةً، ثُمَّ رَقِيَ الِمِنْبَرَ، فَقَالَ فِي الصَّلَّاةِ وَفِي الرُّكُوعِ: ((إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي كَمَا أَرَاكُمْ)). [الحديث ٤١٩ - طرفاه في: ٧٤٢، ٦٦٤٤]. ٤١٩ - قوله: (حدثنا يحيى بنُ صالح) وهو الذي كان عديلًا للإمام مُحمَّد رحمه الله تعالى في الحج وقد مرَّ تذكرته. ٤١ - باب هَل يُقَالُ مَسْجِدُ بَنِي فُلانٍ؟ ٤٢٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ سَابَقَ بَيْنَ الخَيلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنَ الحَفيَاءِ، وَأَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الخَيلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنَ الثَِّيَّةِ إِلَى مَسْجِدٍ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمِّرَ كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا. [الحديث ٤٢٠ - أطرافه في: ٢٨٦٨، ٢٨٦٩، ٢٨٧٠، ٧٣٣٦]. والجمهورُ على الجوازِ، ونُقِلَ عن الحَجَّاحِ عاملٍ بني أُمَيَّةٍ أَنَّه كان يُخَالِفُ فيه، وكان يَكْرَهُ أَنْ يُقال مسجدُ بني فلان. لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَّ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] وهو أَظْلَم هذه الأمة. وعنْ أحمد رحمه الله تعالى في روايةٍ أَنَّه كَفَّرَهُ كما كَفَّرَ يزيد أيضًا، وفي الترمذي أنه قَتَل مِنَ الصحابَةِ والتابعين مائة ألف وأربعًا وعشرين ألفًا . ٤٢ - باب القِسْمَةِ، وَتَعْلِيقِ القِنْوِ(٢) فِي المَسْجِدِ قال أبو عبد الله: القِنُو العِذْقُ، والاثْنَانِ قِنْوَان، والجماعة أيضًا قِنْوانٌ، مِثْل صِنْوٍ وصِنْوَانٍ . يريد أَنْ يُفَصِّل في الأفعالِ التي وَرَدَتْ في المسجدِ مِنْ غيرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ والأَذْكَارِ وَوَسَّعَ (١) وفيه رسالة للشيخ محمد البركلي المُسَمَّاة (بـ((معدل الصلاة))، والشيخ المذكور مِنْ علماء الروم حنفي، ظَهَرَ في الحادي عشر مُتَقَدِّم على صاحب ((الدر المختار))، وكان من أولياءِ الله تعالى كذا في تقريرٍ الفاضل عبد العزيز. (٢) واعلم أنَّ المصنّف رحمه الله تعالى سبَّاق الغاياتِ في وضع التراجم، وفيها منافعُ للأمة غيرَ أَنَّ القاصرين قد يتضررون منها أيضًا، أما المنافع فلا تسأل عنها، فإنَّ المصنّف رحمه الله تعالى يُشيرُ فيها إلى رُوحِ الحديث، ويُنَبِّهُ على أغراضِ الشارعِ ودَقَائِقِ الفِقْهِ، وأما المَضَرَّة فلأنَّ الحديثَ قَدْ يَرِدُ في حَادِثِةٍ مَحْفُوفَةٍ بالقرائنِ ويكونُ لها حُكْمٌ بالنظر إلى هذه القرائن، ثُمَّ المصنّف رحمه الله تعالى يَتَّبع في الترجمةِ لفظَ الحديث فيجيء واحدٌ ويجعلُهُ حكمًا مُظَّردًا ولا يلاحظ إلى تلك الاحتفافات فَيَقَع في الأَغْلَاطِ لأَنَّه لا يكونُ فيه عُمومٌ فَاعْلَمْهُ كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز. ٥٣ كتاب الصلاة فيها كُلَّ التَّوسِيعِ، فَأَثْبَتَ القِسْمَةَ، وَكَرِهَ فقهاؤُنا الكلامَ والطعامَ في المسجد فلعلهم لا يحبون القِسْمة فيه أيضًا . قوله: (وتعليقِ القِنْو) ولم يُخَرِّج له حديثًا، وهو ثابت في الخارج عند الطحاوي وغيره، وكان هذا على عادةِ العربِ أنهم كانوا يُعَلِّقون الأَقْنَاءَ، فَإِذَا نَضِجَتْ قَسَّمُوها على أصحابٍ الصُفَّة، ثمَّ إنْ كان عُشرًا أو صدقة غيره، فسيجيء البحث فيه في كتاب الزكاةِ بِقَدْرِ الضرورة. قوله: (والاثنان قِنْوَان) يعني أنَّه تثنيةٌ وجمعٌ، والفَرْقُ أَنَّه بالتَّنْوِينِ جمعٌ، وبكسر النون تثنية . ٤٢١ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ - يعني ابن طهمان - عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيبٍ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أُتِي النَّبِيُّ ◌َّهَ بِمَالٍ مِنَ البَحْرِينِ، فَقَالَ: ((انْتُرُوهُ فِي المَسْجِدِ)). وَكَّانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللّهِ وَلَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ إِلَى الصَّلاَةِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيهِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيهِ، فَمَا كَانَ يَرَى أَحَدًا إِلَّ أَعْطَاهُ، إِذْ جَاءَهُ العَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي، فَإِنِّي فَادَيتُ نَفسِي وَفَادَيتُ عَقِيلًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((خُذْ)). فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلْهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ، قَالَ: (لَا)). قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: ((لَا)). فَتَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ، قَالَ: (لَا)). قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: ((لَا)). فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ، فَأَلقَاهُ عَلَى كَاهِلِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا، عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ، فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَّيِّهِ وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمُ. [الحديث ٤٢١ - طرفاه في: ٣٠٤٩، ٣١٦٥]. ٤٢١ - قوله: (وقال إبراهيم) .. إلخ وإنَّما قَاول لأنَّ في إبراهيم لينًا ولِعَدم الاتصالِ أيضًا. قلتُ: وما أخرجَ المصنِّف رحمه الله تعالى مِنَ الأحاديث في إثباتِ أفعال غير الصَّلاةِ في المسجد كلُّها واردة على الوقائع على سبيلِ القِلَّة، ولعلَّ الفقهاء أيضًا لا يُنْكِرُونها، وإنَّما الكراهةُ فيما إِذَا اعتادَ بها، أَمَّا إذا كانتْ مَرَةً أو مرتين فهي جائزةٌ عِنْدَهم أيضًا، فإِنْ أَرَاد المصنّف رحمه الله تعالى مِنْ هذه الترَاجِم ثبوتَ هذه الأفعالِ فقط فهو مُسَلَّم ولا يخالف الفقهاء. وإِنْ أراد به التوسيع في أحكام المَسَاجِد فلا يَثْبت مُدَّعَاهُ مِنْ هذه الأحاديث، لأَنَّك قد عَلِمتَ أَنَّها لا تَدُل على أنَّ المَسَاجِدَ كَانت تُفْعل فيها هذه الأفعال كأنَّها مهيأة لها، وإذا كان المستحبُّ في النَّوافِلِ أَنْ تُصلَّى في البيوتِ فما بالُ هذه، وسيجيءُ في هذه الأبوابِ ما هو أفيد . منه . (حكاية) مَرَّ سفيانُ الثَّوْرِيّ على أبي حنيفة رضي الله عنه وهو يُدَرِّس رافعًا صوتَهُ فَأَنْكَرَ عليه فاعتذرَ منه أَنَّهم لا يَفْهَمُون بِدُونِهِ . والقضاءُ جائزٌ عندنا في المسجد لأنَّه عبادة، ومنعه الشافعية. واختلفوا في التدريس، فقال الحنفية: إن كان بدون الأجرة جازَ وإلا فلا . ٥٤ كتاب الصلاة قوله: (مِنَ البَحْرَيْن) وكان مائة ألف. قوله: (إذا جاءَه العبَّاس) وادَّعى الطَّحاوي أَنَّه أَسْلَمْ قَبْلَ الهجرةِ(١) إلَّا أنَّه كان يَخْفَى به، ثُمَّ أَغْلَنَ بِهِ في فتحِ مَّة. قوله: (وَثَمَّ منها دِرْهَم) والتاء في ثَمَةَ لِتَأْنِيث اللفظِ لا لِتَأْنِيث المُسَمَّى. أقول وَأَتَرَدد في أَنَّ تَقْسِيم هذا المالِ ونحوِهِ كان في المَسْجِدِ لِمَا ذَكَرَهُ السَّمْهُودي: أَنَّ قِبْلَة المسجدِ كانت أَوَّلًا نحو بيتِ المِقْدِسِ، ثُمَّ إذا نَزَلِ التَّحْويل صارَتْ في الجانب المُقَابِلِ وَجَعَلت تلك مُسْقَفَةً والأولى صفة. وفي كُتُبِ الفقهِ أَنَّ إِخْرَاج جزء من المسجد منه جائز عند الضَّرُورَة، وحينئذٍ جاز أَنْ تَكُون التوسيعات التي نَقَلَهَا المصنّف رحمه الله تعالى كلها في الحصة الأولى وهي الصِّفة وكانت تُدْعَى مسجدًا وإنْ لَمْ تَبْقَ مسجدًا في النظر الفقهي، لكن ما له وللرواة فَإِنَّهم يتكلمون بحسب العُرْفِ ولا حَجْرَ في إطلاقِ المَسْجِد عليها عرفًا. وصرح الذهبي أَنَّ الصُّفَّة كانت مِنْ أَجْزَاء المَسْجِد ثُمَّ أُخْرِجت عنها فلا بأس إذن في ذلك الإِطلاق، وبعد هذا التحقيق لا يَتُم ما رَامَهُ المصنّف مِنْ وجهٍ آخر كذا ذَكَرَهُ السَّمْهُودي. وهذا الذي كنا نريد إفادتك به فَإِنَّهِ جَوابٌ جُمْلي عن جملةِ ما تمسك بهِ المصنف رحمه الله تعالى على أَنْ نقول: إنَّ هذا المال إنَّما جِيءَ به في المَسْجِد، لأَنَّ بيتَ المالِ لم يكن بُنِيَ بَعدُ، ولم يَكُن النبي ◌َّ يُحب أَنْ يذهب بِحُطَام إلى بيتهِ، وكان في وَضْعِه في بيتٍ بعضٍ الصحابة رضي الله عنهم مِظِنَّة للوَساؤُس، فلهذه الاحتفافات أمر بِوضْعِهِ في المسجد ثم قَسَّمه هناك، فهل يُنَاسِب بعده أَنْ يَطَّرِد عليه أو يَقْتَصر على موضعه، ذلك أَمرٌ كفل إلى عدلِك وفضلِك. ٤٣ - باب مَنْ دَعَا لِطَعَامٍ فِي المَسْجِدِ وَمَنْ أَجَابَ فِيهِ ٤٢٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَال: أَخْبَرَنا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : سَمِعَ أَنَسّا قَالَ: وَجَدْتُ النَّبِيَّ نَّهُ فِي المَسْجِدِ مَعَهُ نَاسٌ، فَقُمْتُ، فَقَالَ لِي: ((آرْسَلَكَ أَبُو طَلحَةَ؟)). قُلتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: ((لِطَعَام؟)). قُلتُ: نَعَمْ، فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: ((قُومُوا)). فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. [الحديث ٤٢٢ - أطّرافه في: ٣٥٧٨، ٥٣٨١، ٥٤٥٠، ٦٦٨٨]. وكان عندَه فيه حديثٌ فَتَرْجَم عليه لئلا يَخْلو عن فائدة. ٤٤ - باب القَضَاءِ وَاللَّعَانِ فِي المَسْجِدِ ٤٢٣ - حدّثنا يَحْيِى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيج قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ (١) ويَدلُّ عليه ما أخرجَهُ التِّرمِذي في التفسيرِ عن ابن عباسٍ قال: لمَّا فَرَغَ رَسُول الله ◌َُّ مِنْ بدرٍ قيلَ له عليك العِير ليس دُوْنَها شيء، قال فناداه العباس وهو في وَثَاقه: لا يَضْلُحُ، وقال: لأنَّ الله وَعَدَكَ إِحْدى الظَّائفتين وقد أعطاك ما عد، قال: صَدَقْتَ. ففيه دليلٌ على أنَّه كان بِطَانَةً خيرٍ للمسلمين. ٥٥ كتاب الصلاة امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ؟ فَتَلَاعَنَا فِي المَسْجِدِ، وَأَنَا شَاهِدٌ. [الحديث ٤٢٣ - أطرافه في: ٤٧٤٥، ٤٧٤٦، ٥٢٥٩، ٥٣٠٨، ٥٣٠٩، ٦٨٥٤، ٧١٦٥، ٧١٦٦، ٧٣٠٤]. وقد مر الكلام فيه . قوله: (واللعان) وإنَّما سَمَّاهُ لبيان أَنَّه هل يجوز مِثْلُه في المسجد. قوله: (بين الرجال والنساء) وإنَّما ذَكَر النِّساء لإِثبات خُضورِ هِنَّ في المسجد ويُخْرَجُ بهنَّ عند إقامة الحدود. ٤٢٣ - قوله: (حدثنا عبد الرَّزاق) وهو معاصر المصنِّف إمامُ صنعاء اليمن لم يُلاقه البخاري وقد كان سافرَ إليه فسمع بوفاته في الطريق. ٤٥ - باب إِذَا دَخَلَ بَيئًا يُصَلِّي حَيثُ شَاءَ، أَوْ حَيثُ أُمِرَ، وَلاَ يَتَجَسَّسُ ٤٢٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ أَتَاهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَقَالَ: ((أَينَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ لَكَّ مِنْ بِّيتِكَ؟)). قَالَ: فَأَشَرتُ لَهُ إِلَى مَكَانٍ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ وَّةِ، وَصَفَفْنَا خَلفَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَينٍ. [الحديث ٤٢٤ - أطرافه في: ٤٢٥، ٦٦٧، ٦٨٦، ٨٣٨، ٨٤٠، ١١٨٦، ٤٠٠٩، ٤٠١٠، ٥٤٠١، ٦٤٢٣، ٦٩٣٨]. حيث شاء أي الداخل أَوْ حيث أُمَر أي صاحبُ البيت، قال الشارحون: إنَّ ((أو)) للتنويع وليس للشك. قلت: والمترْجَم به هو في الحقيقة قوله: حيث أمر، ثُمَّ أَضَافَ حيث شاء مِنْ عنده لئلا يُتوهم الاقتصار عليه فلا تنتظر لدليله. قوله: (ولا يتجسس) فهذا من الآداب أنَّ الرَّجُلَ إذا دَخَلَ بيتًا ينبغي له أَنْ لا يَنْظُر يمينًا وشمالًا تجسيسًا. وحاصله: إنْ لم يكن هناك هتك للستر يُصلي حيث شاء وإلا حيث أُمِر. واعلم أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ إذا صلى في بيوت أصحابه فتارة سألهم أين يُصلِّي، وتارة لم يسألهم وصلَّى حيث شاء، والوجه أنَّ صَلَاتَه ◌ِّهِ كانت لإِيصال البركة، فإذا أَرَادها مِنْ قِبَل نَفْسِه لم يَسْأَل عنها، وههنا دعى الصحابي وأراد هو أَنْ يُصلي النَّبِي وَل ◌َ في بيته مكانًا يتخذه مصلى فسأله النَّبيِ ﴿ أَين تُحب أَنْ أُصلي لك. فَوَضَحِ الفَرْق. وفي الحديث دليلٌ على ثبوتِ الجماعة في النافلةِ وهي مع التداعي مكروهة تحريمًا وإلا جازت، ثُمَّ التداعي على عُرف اللغة، ولا تحديد فيه في أصل المذهب وإِنْ عينه المشايخ. ٤٢٤ - قوله: (فَصَفَفْنَ) والمضاعف إذا كان مِنْ نَصَرَ فهو متعدٍ، وإذا كان من ضَرَبَ فهو لازم وههنا مِنْ ضَرَبَ. ٥٦ كتاب الصلاة ٤٦ - باب المَسَاجِدِ فِي البُيُوتِ وَصَلَّى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فِي مَسْجِدِهِ فِي دَارِهِ جَمَاعَةً. ٤٢٥ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ: أَنَّ عِثْبَانَ بْنَ مَالِكٍ، وَهْوَ مِنْ أَصْحَابُ رَسُولَ اللَّهِ وَلّهِ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ، أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللّهِ وَلَه فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي، فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ، سَالَ الوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَينَهُمْ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ، وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِى بَيتِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلَّى، قَالَ: فَقَالَ لَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَه: ((سَأَفعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ)). قَالَ عِثْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ البَيتَ، ثُمَّ قَالَ: ((أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟)). قَالَ: فَأَشَرْتُ لَّهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ نََّ فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا فَصَفَّنَا، فَصَلَّى رَكْعَتَينٍ ثُمَّ سَلَّمَ، قَالَ: وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ، قَالَ: فَنَابَ فِي البَيتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ، فَاجْتَمَعُوا، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَينَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيشِنِ أَوِ ابْنُ الدُّخَشُنِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذلِكَ مُنافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ ((لَا تَقُل ذلِكَ، أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لَا إِلهَ إِلَّ اللَّهُ، يُرِيدُ بِذلِكَ وَجْهَ اللَّهِ؟)). قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى المُنَافِقِينَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: ((فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَّى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلَّ اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذلِكَ وَجْهَ اللَّهِ)). قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلتُ الحُصَينَ بْنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ، وَهوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ، عَنْ حَدِيثٍ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَصَدَّقَهُ بِذلِكَ. [طرفه في: ٤٢٤]. وليس لها حُكْمُ المساجد عندنا فيجري فيها التَّوريث وغيره من الأحكام، وفي ((المُنْية)) أنَّ مَنْ جَمَعَ في بيته يكون تاركًا لفضل المسجد، ولا يعد تاركًا للجماعة، وليست هذه المسألة إلا فيها، وقد ثبتت الجماعات في البيوت في زمن أمراء الجور وعند أعذارٍ أخرى. ٤٢٥ - قوله: (محمود بن الربيع) وهذا هو الصحابي الذي ضَجَّ عليه النبيِّر وقد مَرَّ في العلم . قوله: (أَنْكَرْتُ بصري) وعند مُسلم: أصابني في بَصَري بعض الشيءِ، فَدَلَّ على أَنَّه لم يكن بَلَغَ العَمَى إِذْ ذاك. ثُمَّ إنَّ النَّبِي ◌َهْ رَخَّصَ عِثْبَان بن مالك بعدم حضورِ الجماعة ولم يُرَخِّص به ابنَ أَمِّ مَكْتُوم، فقيل في وجهه إنَّ ابن أم مَكْتُومٍ كان أعمىَ مِنْ بَظْنِ أمه، ومثله لا يلحقه تعب ومشقة في الإياب والذهاب، بخلاف عِثْبان فإنَّ بَصَرَهُ قد ساء في آخره، وقد علمت من حالٍ تَبِقُّظ ابن أم مكتوم فإنَّ بلالًا رضي الله عنه قد كان يُؤذن قَبْل وقته بخلافه، وقد نُقِل عن الشَّاطِبِي أَنَّه كان يذهبُ مَرةً للحجِّ فمرَّ من تحت شجرةٍ فقيل له: اخفض رَأْسَك لا يصيبكَ ٥٧ كتاب الصلاة الغصنُ ففعل، فلما جاء هناك مرَّةً أخرى بعد خمس وأربعين سنة خَفَضَ رَأْسَهُ فَسُئِلَ عنه، فقال هناك شجرة، فقيل له ليست هناك شجرة ولا شيء، فَتَزَل الشَّاطبي مِنْ مَرْكَبه وَزَعَمِ أنَّه ساء حِفْظه فلا ينبغي له رواية الحديث، فَدَعِى الناس عن هذا المَوْضِعِ وَسَأَلهم عن الشَّجرةِ فقال له شيوخهم: إنَّه كان به شَجَرة ولكنَّها قُطِعَت، فاطمأنَّ به ثُمَّ مضى لحاجته. ولذا قُلْتُ إِنَّ معنى ما رُوي عن سُفْيَان حين سأل عن تَرْك ابن عمر رَفع اليدين، فأنْكَرَهُ أي لم يعرفه، فأي بأس فيه إنْ لم يَعْرِفِه سُفْيَان فقد عَرَفه الناس وليس معناه أنَّه نَفَاه. قوله: (والوادي) وهو الذي سال السيلُ منه الرآبِ وبقي الحَصْبَاءُ تَلُوح. وهو البَطْحَاء. قوله: (قال ابن شِهَاب) وهذا تحويل مِنْ آخَرِ السَّنْد على خلاف طريق الآخَرِين، ووجهه أنَّ سائرَ المصنِّفين يُخَرِّجُون جميعَ أسانيدِ الحديث في بابٍ واحد، فيحولون في ابتداءِ الإسنادِ بخلافِ المصنّف رحمه الله تعالى فإنَّه يَقْطَعُ الحديثَ الواحد في أبوابٍ متفرقةٍ بِحَسَب المناسبات فيكون التحويلُ عندهُ في آخره. ٤٧ - باب التََّمُّنِ فِي دُخُولِ المَسْجِدِ وَغَيرِهِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ اليُمْنَى، فَإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى. ٤٢٦ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حِرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يُحِبُّ التَّيَّمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِيَ شَأْنِهِ كُلِّهِ، فِي ظُهُورِهِ وَتَرَجُلِهِ وَتَنَعُلِهِ . أي التيامنُ وراجع له النَّووي. ٤٢٦ - قوله: (في شأنه) أي شُغْلِه وترجمته في الهندية دهتدا . قوله: (في ظُهُورِه وتَرَجُله) وفي ((شرح الوقاية)) أنَّه كان عادةً لا عبادةً، وإلا فالمواظبة تُفيد السُنِّية، فَفَرْقٌ بين التعبد والتعود. ٤٨ - بابٌ هَل تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الجَاهِلِيَّةِ، وَيُتَّخَذُ مَكَانُهَا مَسَاجِدَ؟ لِقَوْلِ النَّبِيِّ وَّةِ: (لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)). وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي القُبُورِ. وَرَأَى عُمَرُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: القَبْرَ القَبْرَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعَادَةِ. ٤٢٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ، ذَكَرَتَا كَنِيسَةٌ رَأَيْنَهَا بالحَبَشَةِ، فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا ذلك لِلنَّبِيِّ نَِّ فَقَالَ: ((إِنَّ أُولَئِكَ، إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلقِ عِنْدَ اللَّهِ يَومَ القِيَامَةِ)). [الحديث ٤٢٧ - أطرافه في: ٤٣٤، ١٣٤١، ٣٨٧٨]. ٥٨ كتاب الصلاة وعلَّلَه المصنّف رحمه الله تعالى بقولِ النَّبِي رََّ: ((لَعَنَ اللَّهُ اليهودَ والنَّصارى اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد)) . واختلفوا في وجه تعلیله بالحدیث: فقال الكَرْماني: إنَّ النَّبِيِ نَّهَ لَمَّا خَصَّصَ اللَّعْنَ باتخاذِ قُبور الأنبياء مساجد وَمَنْ في حُكْمِهم كالصالحين من أمتهم، دلَّ على جواز اتخاذ قبور المشركين مساجد بعد نبشها . قلتُ: وكأنَّه فَهِم أَنَّ اليهودَ والنَّصارى إنما لُعِنوا لأنَّهم كانوا يَنْبُشونُ قبور أنبيائهم، ثُمَّ كانوا يُبْنُون عليها المساجد فَلُعِنُوا لكونِهِ توهينًا لهم، وهذا المعنى لا يُوجد في نَبْش قُبور المشركين، فيجوز نَبْشُها واتخاذ القبور عليها لانتفاءِ المَنَاط. قلتُ: هذا باطل قطعًا فإنَّ اليهودَ والنَّصارى لم يفعلوه قَطْ، ولكنَّهم كانوا يَبْنُون عليها المساجد مع إبقائها على حالِهَا تبركًا بهم، وحينئذٍ مناط اللعنةِ هو التشبه بالعبادة. وقال الحافظ رحمه الله تعالى في وجه التعليل به: إِنَّ الوعيدَ يتناولُ من اتخذ قُبورَهم مساجد تعظيمًا، وَمَنِ اتخذ أمكنة قبورهم مساجد بِأَنْ تُنْبَش وتُرْمَى عظامُهم، فهذا يَخْتَصُ بالأنبياء ويلحق بهم أتباعهم. وأما الكفرة فإنَّهم لا حَرَج في نبش قبورهم إذ لا حرج في إهانتهم. قال الطيبي: وأما من اتخذ مسجدًا بجوارٍ صالح بحيث يَبْقَى قبرُهُ خارجَ المسجد، وقصد التبرك بالقرب منه لا التعظيم له ولا التوجه نحوه فلا بأس به ويُرْجَى فيه النفع أيضًا . ٤٢٧ - قوله: (وما يكره) ... إلخ وعندي مِنْ تبعيضية في جميع المواضع، وفي ((الجامع الصغير)) أنَّه لو صلى إلى قبرٍ كُرِه، وإنْ وَضَعَ سُتْرَة بينه وبين القَبْرِ ارتفعت الكراهة. قوله: (رَأَيْنَها بالحبشة) والهجرةُ إلى الحبشةِ وَقَعت مرتين بل ثلاث مِرَار، ولعلهما ذهبتا إليها في هجرةٍ ولم تكونا دَخَلَتَا في نِكاح النَّبِي ◌َّرُ، فلمَّا نَكَحهما النبي ◌َُّ ذكرتا له القِصَّة. ٤٢٨ - حدّثنا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي النَّيَّحِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ نَّةَ المَدِينَةَ، فَنَزَلَ أَعْلَى المَدِينَةِ فِي حَيّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ نَّةُ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيلَةٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاؤُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِّ ◌َُِّّ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْقُهُ، وَمَلأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ، وَأَنَّهُ أَمَرَّ بِنَاءِ المَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلٍَّ مِنْ بَنِي النَّجَارِ، فَقَالَ: ((يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونَي بِحَائِطِكُمْ هذا)). قَالُوا: لَا وَاللَّهِ، لَا نَظْلُبُ ثَمَّنَهُ إِلَّا إِلَّى اللَّهِ، فَقَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ، قُبُورُ المُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ، وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ◌َّهُ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بالخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخَلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيهِ الحِجَارَةِ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخَرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، وَالنَّبِيُّ ◌َّةِ مَعَهُمْ، وَهُوَ يَقُولُ: ٥٩ كتاب الصلاة ((اللَّهُمَّ لَا خَيرَ إِلَّا خَيرُ الآخِرَهُ فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ» [طرفه في: ٢٣٤]. ٤٢٨ - قوله: (فَنَزَل أعلى المدينة) يعني لم يَدْخل في المدينة وَذَهَبَ مِنْ أعلاه إلى قُبَاء، والأصوب أَنَّه دَخَلَ المدينةَ الثامنة مِنْ ربيع الأول. قوله: (بنو عمرو بن عوف) فعمرو ابنٌّ لعوفٍ وليس ابن عوف بدلًا عن عمرو، وهكذا يكون في أنساب الجاهلية بخلافه في الإِسلام، فَإِنَّه يكون بدلًا ومبدلًا منه في الأكثر. كعبد الله بن مُبَارك، فإنَّ ابنَ المُبَارك بَدل عن عبدِ الله، وذلك لأنَّه لم يَكُنْ للرُّواة عباءةٍ بِذكْرِ أسمائهم وكِنَاهم بخلاف مَنْ كانِ أهلَ إِسلام فَإِنَّهم يُذُكْرون بأسمائهم وكُنَّاهم ليُعْرَفوا ويُؤَقَّروا ويُجَلُّوا بين النَّاس وليس كذلكَ الكُفَّار. قوله: (أربعًا وعشرين) وفي الهامشِ أَرْبَعَ عَشْرَة ليلةٍ، قال الحافظُ رحمه الله تعالى: وهو الصحيح. قلتُ: وهذه النُّسخة مِنْ أَجْوَدِ النُّسَخ إلا أنَّ الآفَةَ فيها أنَّ النُّسَخِ المرجوحة فيها في الصلب والراجحة في الهامش، ثم إنَّ الجمعةَ فُرِضَت بِمَكَّةً ولم يَتَمَكَّن النبي ◌َِّل على إقامتِها حتى ورد المدينةَ فأقامَ بها، وفيه استدلالٌ للحنفية رحمهم الله تعالى اشتراط المصر حيث لم يَجْمع النَّبِيِ مََّ في قُبَاء مع قِيامه أَرْبَعَ عَشْرَةَ يومًا، وأولُ جُمُعَةٍ أقامَها حين ورد المدينةَ في محلَّتِهَا كما في الرِّوايات، وأولُ من استدلَّ به المولوي فيضُ عالم الهزاروي. قوله: (فجاؤوا مُتَقَلِّدِين السيوف) ... إلخ وهذا على عادتهم عند ذهابهم إلى أَحَدٍ من عُظَمَائِهِم . قوله: (حتى أَلْقَى بِفَنَاءِ أبي أيوبَ) واعلم أنَّ التبع حين كان وَرَدَ المدينةَ قال له حَبْرٌ من اليهود إِنَّ هذه مهاجر خاتم الأنبياء عليهم الصَّلاة والسلام فلا تُقَاتَل ههنا، فَبَنَى بيتًا للنَّبِي ◌َ وَأَوْصَى به أَنْ يكونَ له حين يُبْعَثُ ويهاجِرُ إليها فكان في يد أبي أيوب ولذا بَرَكت به راحلته بفنائه . قوله: (ثامنُوني) وكان هذا الحائطُ ليتيمينٍ في حِجْرِ زُرَارَة رضي الله عنها فلينظر فيه أنَّه هل يجوز للولي التصرف في عَقار الأيتام أم لا؟ أما التصرفُ في المنقولاتِ فَأَجَازَهُ الفقهاء، وليراجع الفقه للعقَار، ولعلَّه أيضًا جائز في بعض الصُّور. قوله: (فصفوا النَّخْلَ) وفَهِمَ الحافظُ رحمه الله تعالى: أنَّ النَّخْلَ كانت في الجدار القِبْلي بين اللَّبِنِ والطين، وفَهِمَ السمهوري أنها كانت عمودًا في الحصة المُسْقَفة قِبَل القِبلة. قلت: وهو الأصوب. قوله: (وهو يقول اللهم لا خير) ... إلخ قال الأَخْفَش إنَّ الرَجَزَ ليس مِنْ بحور الأشعار، وَعَدَّهُ الباقون منها. أقول: وما قاله الأَخْفَش قوي، لأنَّ الرَجَزَ من أسماء الجاهلية، وترجمتُهُ في الهندية: فقرة بندى - تك بندى وهذا نوع مغاير للأشعار قطعًا، والبُحور في الألسنة كلها خرجت ٦٠ كتاب الصلاة منهم اتفاقًا ثُمَّ دونت بعد، وكان عند التبع شاعرًا يرتجز بعد جميع الشُّعَرَاء، فالرَّجَز غير الشِّعر، ومن قال إنِّه شعر اعتبرَ القصدَ فيه، وارتجازه بَّهلم يَكُنْ عن قَصْدٍ ولم يَثْبُتْ عنه الإِنشاء، نعم ثبت الإنشاد قليلًا وربما نقضه أيضًا، فَأَنْشَدَ شِعْرَ شاعرٍ مَرَةً وَنَقَضَهُ، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إِنَّ الشِّعْرَ هكذا، فقال: ((إني لست بشاعرٍ)). وثبت عنه هذا الشِّعر، وفي إسناده أئمة النَّحْو: يُقال لشيءٍ كان إلا تحققا تفاءَل بما تَهْوَى فلقلما ثم إنَّهم اختلفوا أنَّه هل يجوز الاقتباسُ من القرآن كما في قوله: أيها النَّاسُ اتقوا ربَّكُم زَلزلةَ الساعةِ شيءٌ عظيمُ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ ويَرْزُقْهُ من حيث لا يحتسبُ فجوَّزَهُ الشافعية رحمهم الله تعالى، وفي ترجمة الحَمَوي أنَّه أنشأ بيتًا ثم تَرَدَّدَ فيه: تَرَاهُ إذا زُلْزِلَتْ لم يَكُنْ وما حُسْنُ بيتٍ لَهُ زُخْرُفْ فجاء عند ابن دقيق العيد وكان جارًا له وأنشدَ عليه بيتَهُ، فَذَكَر أنَّ ابنَ دقيق العيد قال له قَبْلَ أَنْ يسأله، إنَّ الكهْفَ أولى من البيت هكذا : وما حُسْنُ كَهْفٍ له زُخْرُف إلخ فَكَأَنَّه أجاز تلك الاقتباسات، وأضاف من جانبه اقتباسًا رابعًا مع إصلاح بيته، وقال الحافظ رحمه الله تعالى في رثاء شيخه : واذر الدموعَ ولا تُبْقي ولا تَذَرْ يا عينُ جُودِي لفقدِ البحرِ بالدُّرَزْ فهذه الصُّور كلُّها جائز عند الشافعية رحمهم الله تعالى. قلتُ: وإني أخْشَى أَنْ أَنْشُدَ بالقرآنِ بهذا النَّحْوِ مِنَ الحذف. ٤٩ - باب الصَّلاَةِ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ ٤٢٩ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّحِ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَُّ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ بَعْدُ يَقُولُ: كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضٍ الغَنَمِ، قَبْلَ أَنْ يُبْنَى المَسْجِدُ. [طرفه في: ٢٣٤]. ٥٠ - باب الصَّلاَةِ فِي مَوَاضِعِ الإِبِلِ ٤٣٠ - حدّثنا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيمَانُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: رَأَيتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي إِلَى بَعِيرِهِ، وَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَفْعَلُهُ. [الحديث ٤٣٠ - طرفه في: ٥٠٧].