النص المفهرس
صفحات 1-20
فِيَضُ النَّارِي على تُخَارِيُ ٧ N من أمَالِ الْفِقِيُّه المحدّثْ الأستاذ الكبير إمَام الْعَصْر الشّيخْ حَمَّد أنور الكشميري يُ ثم الدّيوَبَنْدي المتوفى ١٣٥٢ من٣ جَمَعُ هُذه الأمَالىِ وحُررُهَا مع حاشية البدر السَّاري إلى فيض الباري صَاحُبُ الفَضِيّلة الأُسْتَان محمَّبَدُرَعَالم المبْرَتَّهِي من أسَائِدَة لَحَدِيَتْ بِ تَجَامعَة الإِسْلامِيّة بَدَابِهِيلٌ الجزء الثاني يحتوي على الكتب التالية: صلاة . مواقيت الصلاة . الأذان . الجمعة. الخوف. العيدين. الوتر. الاستسقاء . الكسوف سجود القرآن. تقصير الصلاة. التهجد . فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة العمل في الصلاة . السهو تنبيه أدرجنا نص ((صحيح البخاري)» كاملاً وميزناه بحرف أكبر من حرف الشرح. كما ميّزنا ألفاظ الصحيح ضمن الشرح بوضعها بين قوسين ولوناها بالأحمر. ووضعنا في الحواشي البدر الساري إلى فيض الباري) للأستاذ محمد بدر عالم الميرتهي مَنْشوراتْ مُحَمَّد علي بيضوت بَيرُوت دار الكتب العلمية : لبْنَان مَنشوراتْ محمّد عَليْ بيضوت دار الكتب العلمية. بيروت بنكام جميع الحقوق محفوظة Copyright All rights reserved Tous droits réservés C جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت- لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزّاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً. Exclusive rights by c Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah Beirut - Lebanon No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. Tous droits exclusivement réservés à c Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah Beyrouth - Liban Toute représentation, édition, traduction ou reproduction même partielle, par tous procédés, en tous pays, faite sans autorisation préalable signé par l'éditeur est illicite et exposerait le contrevenant à des poursuites judiciares. الطبعة الأولى ٢٠٠٥ م. ١٤٢٦ هـ منشوراتْ حَّد علي بيضوت دار الكتب العلمية. بَيْرُوت - لبْنَان Mohamad Ali Baydoun Publications Dar Al-Kotob Al-flmiyah الإدارة : رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت Ramel Al-Zarif, Bohtory Str., Melkart Bldg., Ist Floor هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ (٩٦١١) فرع عرمون. القبة، مبنى دار الكتب العلمية Aramoun Branch - Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg. ص.ب: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان هاتف: ١٢ / ١١ / ٩٦١٥٨٠٤٨١٠+ فاكس: ٨٠٤٨١٣ ٠٩٦١٥ رياض الصلح - بيروت ٢٢٩٠ ١١٠٧ http://www.al-ilmiyah.com e-mail: sales@al-ilmiyah.com info@al-ilmiyah.com baydoun-ilmiyah.com الكتاب: فيض الباري على صحيح البخاري FAYDUL - BARI ALA SAHIH AL-BUHARI المؤلف: محمد أنور الكشميري المحقق: محمد بدر عالم الميرتهي الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت عدد الصفحات: 3765 سنة الطباعة: 2005 م بلد الطباعة: لبنان الطبعة: الأولى 90000 > ISBN 2-7451-3896-0 9 782745 138965 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ ٨ - كِتَابُ الصَّلاَةِ سمّيت الصلاة صلاة لكونها متَّبعًا بها فِعْلَ الإِمام، فإن التّالي للسابقِ من الخيل يسمّى مصلِّيًا لكون رأسه عند صَلَوي السابق. كذا ذكره الباقلّنِي، وهو الوجه عندي في تسمِيَتِهَا صلاة، لا أنها من تحريك الصَلوين، فإِن المُقتدي يصلّي خلفَ الإِمام ويتَّبع فعله ويجري معه، ونظرًا إلى هذا الاستصحاب قال صاحب ((الهداية)): إن ربط القدوة هو للتَّضمُّن، فراعى في صلاة الجماعة التَّضمُّن، أعني أن صلاة الإِمام متضمِّنةٌ لصلاة المقتدي، فلم يكن الإِمام مجليًا والمقتدي مصليًا في الحس فقط، بل بِحَسَب المعنى أيضًا حتى صار الإِمام يَسْتَصْحِبُ صلاةَ المقتدي معه بحيث تَوَقَّفت صلاةُ المقتدي على صلاةٍ إِمامِهِ صحةً وفسادًا؛ ولذا قال أصحابنا: إن اتحاد الصّلاتين من شرائط الاقتداء بخلاف الشافعي رضي الله عنه، فإنه خَالَفَنا في تلك الفروع كلِّها فلا سِرَايةَ عنده لصلاة الإِمام إلى صلاة المقتدي، وجاز الاقتداء عنده عند اختلافِ الصّلاتين فرضًا ونفلًا حتى الاختلاف وقتًا أيضًا، وقد بسطناه من قبل. وقد علمت أن البخاري رحمه الله تعالى وسَّع فيه أزيدَ من الشّافعية رحمهم الله تعالى، ومن هنا أجاز بتقدم تحريمة المقتدي على تحريمة الإِمام. ثم لا يخفى عليك أن كلَّ عبادة تكون من المخلوق تعظيمًا لخالقه وخشيةً له أسمِّيها صلاة، والصلاة بهذا المعنى تشترك في جميع الخلقٍ وإن اختلفت صورها، فصلاة كلٍّ ما نَاسَبَهُ، وإليه يُشير قوله تعالى: ﴿كُلُّ قَدْ عَلِمَ صَلَائَهُ وَتَسْبِحَةٌ﴾ [النور: ٤١] فأشار إلى اشتراك جميع الخَلْقِ في وظيفةِ الصلاةِ مع تغاير صُوَرِهَا كالسّجدة فإِنَّ الخلائِقَ كلَّها تَسْجُدُ لِربِّها ولكن كلٌّ بِحَسَبِهَا، قال تعالى: ﴿وَلِنَِّ يَسْجُدُ مَنْ فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٥] فَوُقوعُ الظّلَال على الأرض هو سجودُها، وبالجملة حقيقةُ الصلاةِ مشتركةٌ في الخلائق كلِّها حتى رأيتُ في حديثٍ في قصةِ المعراج: «قف يا محمد فإن ربَّكَ يصلي)). فَتَحَقَّقَتِ الصلاةُ في جنابه تعالى أيضًا، غير أَنَّ صلاةَ الخالقِ ما ناسَبَهُ، وصلاةَ المخلوقِ ما نَاسَبَهُ، وللبسط موضوع آخر. واعلم أنَّهم اختلفوا في أن الرُّكوع كان في الأمم السالفة أم لا؟ فقال بعضهم: لا، وتَمَسَّكوا بما في المُسْنَدِ لأبي يَعْلَى عن علي رضي الله عنه، وقال بعضهم نعم وتمسكوا من قوله تعالى: ﴿وَأَرْكَعِى مَعَ الَّكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. قلت: ورأيت في كتابٍ نصرانيّ أن صلاةَ المُنْفَرِدِ عِنْدَهُمْ كانت ساجدًا، والجماعةِ راكعًا، وصلاة اليهود قائمًا وفي بعض الأحوال ساجدًا. ومع هذا أظنُّ أنّه لا بُدَّ من ثبوتِ الرُّكوع في حقِّ أنبيائِهِم، ورأيت عن وَهْبٍ بن مُنَبِّه أن الأنبياء السابِقِينَ كانوا مأمورِينَ بالوضوءُ عند كلِّ صلاة، وكانوا يصلون كصلاةٍ هذه الأُمَّةِ على خلاف شاكلَةٍ أُمَمِهِمْ، ثم إن الاصطفاف من خصائِصٍ هذه الأمة، فصلاتُهُم وإن كانت بالجماعةِ أيضًا إلا أنّه لم يكن فيهم الصَّفُّ. ٣ ٤ كتاب الصلاة ١ - بابٌ كَيفَ فُرِضَتِ الصَّلَوَاتُ فِي الإِسْرَاءِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفيَانَ فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَقَالَ: يَأْمُرُنَا - يَعْنِي النَّبِيَّ - بِالصَّلَاةِ والصِّدْقِ وَالعَفَافِ. صَلَى اللّه وسيم ٣٤٩ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيِثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرّ يُحِّدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَيْ قَالَ: ((فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَزَلَ جِبْرِيلُ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءٍ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِىءٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفرَغَهُ فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَظْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افتَحْ، قَالَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا جبْرِيلُ، قَالَ: هَل مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ بََّ، فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَّمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ، عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالإِبْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا آدَمُ، وَهذهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهَّلُ اليَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكى، حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُها مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّل، فَفَتَحَ)). قَالَ أَنَسِ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَمُوسى، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيهِمْ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ . قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ حِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ نَّه بِإِذْرِيسَ، قَالَ: مَرْحَبًا بالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخ الصَّالِحِ. ((فَقُلتُ: مَنْ هذَا؟ قَالَ: هذا إِذْرِيسُ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسى، فَقَالَ: مَرْحَبًاً بالنَّبِيّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ، قُلتُ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا مُوسى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعيسىٍ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، قُلتُ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا عِيسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالإِبْنِ الصَّالِحِ، قُلتُ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا إِبْرَاهِيمُ نٍَّ)). قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي أَبْنُ حَزْمَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبََّ الأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهَ: ((ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتٌ لِمُسْتَوَّى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ)). قَالَ ابْنُ حَزْم وَأَنَّسُ بْنُ مَالِكِ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَّةً، فَرَجَعْتُ بِذلِكَ، حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَّى أُمَّتِكَ؟ قُلتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذلِكَ، فَرَاجَعَنِي فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسى، قُلتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، كتاب الصلاة فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلتُ: اسْتَحْيَيتُ مِنْ رَبِّيٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا أَلوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَائِلُ اللَّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا المِسْكُ)). [الحديث ٣٤٩. يُعْلَمُ من طريقِ المصنِّف رحمه الله تعالى أنّه سمّى مجموعَ القِطْعين إسراءً، بخلاف عامَّتِهِم فإِنَّهم يُسَمُّون القِطْعة التي من بيته إلى بيتِ المقدس إسراءً، والتي منه إلى السماواتِ العُلى معراجًا، فَفَرْضِيّة الصلاة إنما هي في المعراج على طريقهم، ولما كانت القِطْعَتان عنده إسراءً جَعَل فرضِيَّتَها في الإِسْراءِ. ثم إنّ القرآن ذكرَ إحدى القِطْعَتَيْنِ في سورة النَّجم وهي ما تتعلَّقُ بسيرِ السماواتِ، والرؤيةُ فيها عندي رؤيةُ ربِّه جلَّ سبحانه كما اختاره أحمد رضي الله عنه، وذَكَرَ أَخْرَاها في سورة بني إسرائيل. والمِعْرَاجُ كانِ منامًا مرةً ويقظةً أُخْرَى، وقد مرَّ أن النبيُِّ ربّما كان يَرَى منامًا ما كان يَقَعُ له في اليَقَظَةِ فَلَعَلَّهُ وَقَعَ مِثْلُهُ في قصة المِعْرَاج أيضًا. فرآه منامًا أولًا ثم عَرَجَ بِهِ يَقَظَّةً، وقد مرَّ أن صلاة الفجر والعصر عندي كانت فريضةً قَبل المعراج أيضًا كما ذهبَ إليه جماعةٌ، وأما في المعراج فتكاملت خمسًا . قوله: (وقال ابن عباس رضي الله عنه ... ) يريد أَنْ يُنَبِّهَ على أَنَّ الصلاة كانت قبلَ الإِسْرَاءِ أيضًا كما قال أبو سفيان في حديث هِرَقْلَ. ٣٤٩ - قوله: (أَسودة) جمع سواد. وترجمته ((كالبد)). قوله: (عن يمينه ... إلخ) قال الحافظ: قال القاضي عياض: قد جاء أنَّ أرواحَ الكُفَّار معذبةٌ في سِجِّين، وأنَّ أرواح المؤمنين مُنَعَّمَةٌ في الجنة، فكيف تكونُ مُجْتَمِعَةً في سماء الدنيا؟ ويُحتمل أن يُقال: إنَّ النَّسَمَ المرئيّة هي التي لم تدخل الأجسادَ بعدُ، وهي مخلوقةٌ قبلَ الأجسادِ، مُسْتَقَرُّهَا عن يمينِ آدم وشمالِهِ، وقد أَخْبَرَ بِمَا سيصيرونَ إليه فلذلك يَسْتَبْشِرُ إذا نَظَرَ إلى مَنْ عن يمينه، ويَحْزَنُ إذا نظر إلى مَنْ عن يسارِهِ. ثم قال الحافظ: أما ما أخرجه ابن إسحق والبيهقي من طريقه في حديث الإسراء: ((فإذا أنا بآدم تُعْرَضُ عليه أرواحُ ذرِّيَّتِهِ المؤمنينَ، فيقولُ: روحٌ طَيَِّةٌ ونَفْسٌ طَيَِّةٌ اجعلُوها في عِلِّيِّينَ، ثم تُعْرَضُ عليه أرواحُ ذريته الفُجَّار، فيقول: روحٌ خبيثةٌ ونَفْسٌ خبيثةٌ اجعلوها في سِجِّينَ)). فهذا لو صَحَّ لكانَ المصيرُ إليه أولى من جميع ما تَقَدَّمَ، ولكن سنده ضعيف. قلت: ولا بأس به في مثل هذه الأمور، والجوابُ عندي على ما هو التحقيق عند أرباب الحقائِقِ: أن الجِهَات تنقلبُ في الآخرة، فتصيرُ العاليةُ يمينًا والسافلةُ شمالًا، ولا يَبْقَى هناك فوق ولا تحت، ولما كانت تلك الواقعة في عالم يُشْبِهُ الآخِرَة لم يَبْعُدْ كونُ الأرواح الخبيثةِ التي مُسْتَقَرُّهَا في سِجِّين تحت الأرضِ على شمالِ آدم عليه الصَّلاة والسَّلام، وكذلك لا بُعْدَ في كون الأرواح الطيبةِ التي مستقرّها عِلَّيِّينَ على يمين آدم عليه الصَّلاة والسَّلام، لأن اليمينَ هناك والشمالَ هو الفوقُ والتحتُ عندنا الآن، فالأرواح التي مستقرُّهَا فوقَ السماواتِ أو تحتَ الأَرضينَ ظهرتْ على يمينه أو شِمَالِهِ. ثم تِلْكَ الأَرواحُ هل هي التي لم تدخل في الأجساد أو التي تجرَّدَتْ عن أجسادِهَا بعد ٦ كتاب الصلاة الموتِ؟ فالجواب: كما مر عن ((الفتح)) روايته (١): ثم ليعلم أن الرُّوحَ المُجَرَّدَ ليس بمكانيٍّ وليس له تَعَلُّقٌ بالمكانِ المخصوصِ، بخلافِ حالِ الجَسَدِ فإِنَّه لا يوجد إلا بالمكانِ، والبدنِ المثالي بَيْنَ بَيْنَ. قال الصَّدْرُ الشِّيرَازي: إنَّ النَّفْسَ الناطقةَ مُنْغَمِسَةٌ في شوائبِ المادةِ، ثم تصيرُ بعد الرياضاتِ مجرّدةً تدريجًا، ثم إن الروحَ والنَّسَمَةَ، والنَّفْسَ والذَّرَّ كلَّها أشياءٌ متغايرةٌ وليست حكايةً عن معنىً واحد، ولذا ترجم ابن سيناء الحيوانَ ((جان)) والروح ((روان)) ففيها فروق. ولم يتكلم التُّورِبِشْتِي لما مرّ على شرح أحاديث الذَّرِّ إلا بالذَّرِّ، ولم يُغَيِّر هذا اللّفظ ولم يَضَعْ مكانَه لفظًا آخرَ، ففهمتُ أنّه لا يُتْرَك هذا اللّفظ لهذه الدّقيقة، والذّرّ وإن كان قريبًا من الروح لكنّه أُطلق على الجسد أيضًا. قال ابن دقيق العيد رحمه الله: لو وُجِدَتْ تصانيفُ هذا الفاضِلِ لَنَفَعَتِ الأمة جدًا، ولكنّها تلفت في فتنة التتار. وزعم الناس أنّه شافعي رحمه الله تعالى. قلتُ: بل هو خلاف الواقع وهو حنفي تلميذ البغوي متقدِّم على الإِمام الرازي، وإنما تَوَهَّم من تَوَهَّم لذكره في طبقات الشافعية، وکونِهِ محدثًا . قوله: (سماء) أَنْكَرَ وجوده المُتَنَوِّرون، وقالوا: ليس فوقنا إلا جوهرًا لطيفًا غيرَ متناهٍ، والنجومُ تجري فيها سابحةً بنفسها. قلت: ولا دليل عليه عندهم، لِمَ لا يجوز أن يكونَ هذا الجَوّ على طبقاتٍ، كلُّ طبقةٍ منها تسمّى سماءً، حتى تكونَ سبع سماواتٍ كما أخبر به النص. قوله: (سماء الدنيا) واختار الشاه عبد القادر: أنَّ النجومَ كلَّها في سماءِ الدُّنْيَا . قوله: (إدريس) واعلم أن نوحًا عليه الصَّلاة والسَّلام ◌ُعُدَّ من أجدادِهِ وَّةِ اتفاقًا، وعَدَّ الجمهور إدريسَ عليه الصَّلاة والسَّلام أيضًا منهم لكونه متقدِّمًا على نوح عليه الصَّلاة والسَّلام أيضًا، فإذا كان نوح عليه الصَّلاة والسَّلام من أجدادِهِ فَإِذْرِيسُ عليه الصَّلاة والسَّلامُ بالأَوْلَى. وتردَّدَ فيه البخاري وقال: بل هو نبي من الأنبياءِ بعدَ نوح عليه الصَّلاة والسلام، ولذا ذَكَرَ أَوّلًا نوحًا عليه السلام، ثم ذكر إلياسَ عليه السلام، واحْتَجَّ من كلام ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه وابنٍ عباسٍ رضي الله عنه، أنَّ إلياسَ عليه السلام هو إدريسُ عليه السلام، ولا ريب أن إلياسَ عليه السلام نبي من أنبياء بني إسرائيل، فثبت تأخّرُ إدريسَ عليه السلام عن نوحٍ عليه السلام. وتمسك بلفظه الأخ الصالح للنبي وَلتر. قلتُ: ولا دليل في ذلك لجوازٍ أن يكونَ ذلك توسعًا، لأنه لم يواجِهْهُ أحدٌ من الأنبياء عليهم السلام بلفظِ الابنِ إلا آدَمَ عليه السلام وهو أبو البشر، وإبراهيم عليه السلام وقد أعلن بأُبُوَّتِهِ هو في الدنيا ونَسَبَّهُ إليه بنفسِهِ، فينبغي لهما أن يخاطِباه بالابنِ. ثم إنهم اختلفوا في أن إدريسَ عليه السلام وإلياسَ عليه السلام نبي واحد أو اثنان؟ والذي سَنَحَ لي أنهما اثنان، وإدريسُ عليه السلام نبيُّ متقدِّمٌ على نوح عليه الصَّلاة والسَّلام، بخلاف إلياسَ عليه الصَّلاة (١) قلتُ: ولا يَظْهَر أَنَّ تلكَ الأرواح هي التي دَخَلت في الأجساد، أو لم تدخل بعد، والذي فَهِمْتُهُ من كلامِ الشيخ رحمه الله تعالى: أَنَّها التي الآن في الأجسادِ على الأرضِ، إلا أنَّ كَشَفَ له عنها مع كونِهَا على الأرض، ولا يَسْتَلْزِمِ أنْ تكونَ على السماءِ إذ ذاك اهـ. منه. ٧ كتاب الصلاة والسَّلام، فإنَّه نبي من أنبياء بني إسرائيل عليهم الصَّلاة والسَّلام، لكنَّه أُظْلِقَ هذا الاسم على إدريس عليه الصَّلاة والسَّلام أيضًا، فالتُّبِسَ (١) الأمر لهذا، وراجع التفصيلَ من ((شرح المواهب)» وابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ اُلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]. قوله: (صريف الأقلام) وهي صوتُ أقلامِ الكرامِ الكاتِبِينَ، كانوا يأخذون النَّقْلَ عن اللّوح المحفوظ . قوله: (وهي خمسون) وقد ذكر في المقدّمة أنَّه ليس بنسخ، بل إلقاءٌ للمراد بعد دفعاتٍ. ونظيرُهُ قصّةُ ليلةِ البعير مع النبي ◌ِّهَ وجابر رضي الله عنه حيثُ قال له النبي ◌ََّ: (بِعْنِي بعيرَكَ)) فأجابه جابر: إني قد بِعْتُهُ منك، فراجعه النبي ◌َّ بِمثل ذلك وأجابَهُ كذلك، وقد وَقَع ذلك مرارًا، ثم انكَشَفَ الأمرُ حينَ بَلَغَ النبي ◌َِّ المدينة أَنَّ غَرَضَهُ لم يكن شراءَهُ منه، ولكنّه كان يريدُ أن يَمُنَّ به عليه ويَزِيدَهُ، فَرَدَّ بعيرَهُ وَرَدّ ثَمَنَهُ. وكقولِهِ رََّ: «أترضون أنْ تَكونُوا رُبْعَ أَهلِ الجنَّة؟ ... )) إلى أن قال: ((أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ ... )) وكقوله ◌َلّر عند البخاري في باب فضلِ السّجود في ذكر رجلٍ يكونُ من آخرِ أهلِ الجنَّةِ دخولًا، وفيه: «لك مثلُ الدنيا وما فيها، ومثلُهُ وَمثلُهُ ... )) حتى عدَّ عَشِّرَ مراتٍ، كل ذلك من هذا الوادي. وأما ما ذَكَره الراوي هُهُنا، أنّه وَضَعَ عنه شَطْرَهَا في المرةِ الأولى ففيه إجْمالٌ، وكذلك ما في بعضٍ الألفاظ أنّه وَضَعَ عَشْرًا في كلِّ مرةٍ. والأصلُ أنّ التخفيفَ كانَ خمسًا خمسًا حتى إذا بَقِيَتْ منها خَمْسُ فقد استحى من ربِّهِ أنْ يُراجِعَهُ بَعْدَهُ؛ لأن حاصلَ المراجَعَةِ في تلك المرَّةِ لم يكن إلا أنْ يَعْفُوَ عنه رأسًا، فإنّه إذا عفى عنه خمسًا في كل مرةٍ ولم يَبْقَ عليه إلا خمسُ، فلو راجَعَهُ بعدَهُ أيضًا لكانَ المعنى التخفيفَ عن هذه الخمس أيضًا. ومآلَه رَدُّ لما أَمَرَهُ الله به والعِيَاذُ باللّهِ؛ لأنَّه لمّا سَمِعَ في المرّة الأخيرة أنّه لا يُبَدَّلُ القول لديّ، عَلِمَ أنّ بقاءَ الخمس هو المرضي لربِّهِ عزّ وجلّ، فاستحى منه أن يُراجِعَهُ في أمرٍ عَلِمَ رضاءَهُ فيه. وكنت حَقَّقْتُهُ من قبلُ، ثم رأيتُ السُّهَيْلِيَّ رحمه الله تعالى قد سَبَقني به في ((الرَّوْضِ الأُنُف))، والسُّهَيلي من العلماءِ المالكيةِ دقيقُ النَّظَرِ جدًا . وأمَّا سِدْرَةُ المُنْتَهَى فقرَّرَ الحافظُ رحمه الله تعالى أنَّ أَصْلَهُ في السماءِ السادسةِ، وفروعَهُ في السابعةِ، فَصَحَّ كونُهَا في السادسةِ والسابعةِ معًا. قالوا في وجهِ تَسْمِيَتِهِ بسدرة المنتهى، أنّهَا تَنْتَهِي إليها أعمالُ الناسِ، وما تَبَيَّنَ لي يَقْتَضِي تمهيدَ مقدمةٍ وهي: أن السّماواتِ السبع مع الأرضينَ كذلك كلَّها عِلاَقَةُ جهنمَ عندي، والجَنّةَ عِلَاقَتُهَا فوقَ السّماواتِ السبع، وسَقْفُها عرشُ الرحمن، إذا عَلِمْتَ هذا فاعلم أن أَصْلَهَا في عِلَاقةٍ جهنّمَ، وجِذْعُهَا في عِلَاقةِ الجنةِ لكونِهِ فوقَ السّماواتِ السبع، ونَصَّ القرآن على أنَّ ﴿عِندَهَا جَنَّةُ الْوَى ﴾﴾ [النجم: ١٥]، فعلم أن علاقة (١) وتفصيله: أن الالتباس إنما جاء من حيث اشتراك الاسم، فإدريس اسمه الأصلي عليه السلام وأُطلق عليه إلياس بالمعنى الوصفي، لأنه بالعبرانية عبد الله، وكذا إلياس اسمه الأصلي، ويقال له إدريس أيضًا، فالأقرب أن يُؤَيّدَ قول الجمهور ويُؤَوَّلُ قول البخاري . ٠ ٨ كتاب الصلاة الجنة تبتدأ مِنْ هناك، وتنتهي عِلَاقة جهنمَ، ومنه سُمِّيَتْ سِدْرَةُ المُنْتَهَى عندي يعني لكوِنِهَا على مُنْتَهَى عِلَاقةِ جهنمَ ومبدأ عِلَاقةِ الجنةِ، والله تعالى أعلم. وأما ما غَشِيَهَا مِنَ الألوانِ فَلَعَلَّهَا كانَتْ ملائكةُ الله يَقِدُون على تَجَلَِّاتِ رَبَّانِيّةٍ هناك، وفي رواية عند مسلمٍ فراشٌ من ذهب. قوله: (حبائل من لؤلؤ) أي أسلاكُ اللُّؤْلُوِ المنظّمة يُرْخُونَهَا علىَ الغُرَفِ في زَمَانِنَا لأجل التَّزَيُّنِ . ٣٥٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ قَالَتْ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا، رَكْعَتَينٍ رَكْعَتَينِ، فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأَقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ. [الحديث ٣٥٠ - طرفاه في: ١٠٩٠، ٣٩٣٥]. ٣٥٠ - قوله: (فأقرت صلاة السفر) وهذا صريحٌ للحنفيّة في أنّ القَصْرَ في السفرِ رُخْصَةُ إسقاطٍ لا رخصةً ترفِيه، وأجاب عنه الشافعيّة بوجُوه ردّها الحافِظُ رحمه الله تعالى كلِّها، ثم أُجَابَ مِنْ عِنْدَ نفسه وقال: والذي يظهر لي أنَّ الصّلواتَ فُرِضَتْ ليلةَ الإسراء ركعتين ركعتين، ولا المَغْرِب - ولعلّه إلا المَغْرِبَ - ثم زِيدَتِ عَقِبَ الهِجْرَةِ إلا الصبحَ كما روى ابن خُزَيمَة عَنْ مَسْروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((فُرِضَتْ صلاةُ الحضرِ والسفرِ ركعتينِ ركعتينٍ، فلما قَدِمَ رسول الله وَّر واطمأنَّ زِيدَ في صلاةِ الحضرِ والسفر ركعتانِ ركعتانٍ، وتُرِكَتْ صلاَةُ الفَجْرِ لطولِ القراءةِ، وصلاة المَغْرِبِ لأَنّهَا وِتْرُ النهار)) اهـ. ثم بعد أن استقرَّ فرضُ الرُّبَاعِيّة خُفِّفَ منها في السفر عند نُزُولِ الآيةِ السَّابِقَةِ. وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [النساء: ١٠١] وحينئذٍ المرادُ بقولِ عائشة فَأُقِرَّتْ صلاةُ السفرِ، أي باعتبار ما آل الأمرُ إليه من التَّخْفِيف لا أنَّها استمرتْ كذلك منذ فُرِضَتْ، فلا يَلْزَمُ من ذلكَ أنَّ القصر عزيمةٌ. انتهى مختصرًا. وحاصل جوابِهِ: أنَّ بناءَ استدلالِ الحنفيّة على أنَّ الصلاةَ في الأصلِ لم تكنْ أرباعًا قَطْ، فما يصلِّيها المسافرُ ليست قصرًا لِيُتَوَسَّع فيها بالإِتمام، وإنما هي على أصلِهًا كما كانتْ، وحينئذٍ الإتمامُ لا يكون إلا زيادةً، وذا لا تَجُوز. ولما عَلِمْتَ أنَّها صارَتْ أربعًا وإنْ كانت في الأصل ركعتينٍ، ثم نَزِلَتْ فيها الرُّخْصَة فَسَدَ المَبْنَى، وَظَهَرَ أنَّ صلاتَهُ قَصْرٌ، وحينئذٍ لا يكونُ الإتمامُ زيادةٌ، بل يكونُ القصرُ للتَّرفيه لقوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ُ فمن شاء قَصَرَ ومن شاءَ أَتَمّ. قلتُ: وفيه نظرٌ: لأنَّه يَلْزَمُ على ما اختارَهُ النّسْخُ مرَّتينٍ، الأول: من الركعتينِ إلى الأَرْبَعِ. والثاني: من الأربع إلى الركعتينٍ، وليس عندَهُ دليلٌ على قولِهِ هذا غيرُ قولِ العلماءِ، أنَّ آيَةٍ القَصْرِ نَزَلَتْ في السُّنةِ الرابعةِ، فَاسْتُنْبِطَ منه أنَّ المسافرينَ كانوا يُصَلُّون أربعًا في تلك المدةِ، وليس عندَهُ نَقْلٌ خصوصيٍّ على أنَّ الْمسافِرِينَ كانوا يُتُمُّون صلاتَهُمْ في هذه الأيَّامِ سِوَى لهذا الاجتهادِ، ولهذا لم يُشَدِّدْ فيه، وأَلَانَ الكلامَ. قلتُ: ولي فيما اسَتَدلَّ به الحنفيةُ أيضًا نَظَرٌ، لكنْ لا لِمَا قَالَهُ الحافِظُ كما عَلِمْتَ، ولا لِمَا قَالَهُ بعضُهُمْ أَنَّه لو كان الأمرُ كما قالتْ به عائشة رضي الله عنها، لتَواتَرَ به النَّقلُ مع أَنَّهُ لا يَنْقُلُه أَحَدٌ غيرُهَا؛ لأنَّه إذا نُسِخَ واستَقَرَّ الأَمْرُ بِخِلَافِهِ كيفَ يَبْقَى التواتُرُ بأمرٍ قد نُسِخَ؟ فَانْقِطَاعُ ٩ كتاب الصلاة التواتُر لِمَا قُلْنا، لا لِمَا فُهِمَ، وكأَنَّ هذا القَائِلَ غَفَلَ عن هذِهِ النُّكْتَة، فَجَعَلَ حالَ المَنْسُوخِ كغيرِهِ بلٍ لِمَا أَقُولُ: وهو أَنَّ اسْتِدْلَالَهُمْ يَنْبَنِي على صورةٍ تعبِيرِهَا وأَلْفَاظِهَا فَقَظْ حيثُ قَالتْ: ((فَأَقِرَّتْ ... وزِيدَتْ)). والأمرُ في التَّعْبِيرِ واسعٌ، ويُمْكِنُ أَنْ تكونَ الصلاةُ أربعًا، ثُمَّ نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ للمسافرينَ. إلَّا أَنَّ صلاةَ الحاضرينَ لَمّا كَانَتْ ضِعْفَ صَلَاةِ المسافرينَ في الحِسِّ، وصلاةَ المسافرينَ على نِصْفِ صلاةِ الحاضرينَ فِيهِ، وُسِّعَ لك أنْ تقولَ: إنَّ هذه كانتْ أربعًا وتلك قصرًا، أو إنَّها كانت في الأَصلِ ركعتانِ ثم زِيدَتْ في الحَضَرِ، فإنَّ المآلَ واحدٌ، وهو كونُ الصلاةِ في الحَضَرِ أربعًا وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنٍ، سَوَاء خَرَّجْتَه على ما خَرَّجَتْ عليه عائشة رضي الله عنها، أو على ما خَرَّجَهُ ابن عبّاس رضي الله عنه، فتلك أَنْظَارٌ عَبَّرَ عنها في الأَلْفَاظِ فلا تُدَارُ عليها المَسْأَلَةُ، سِيّما إذا وَرَدَتْ بِالنَّحْوَيْنِ في الجَانِبَيْنِ، وهذه سبيلي أَدْعُوكَ إليه ومن اتَّبَعَنِي، وذلك لأنَّ ابنَ عبّاس رضي الله عنه يُخْبِرُ بِخِلَافِهَا، فقال: ((فُرِضَتِ الصلاةُ في الحَضَرِ أربعًا وفي السَّفَرِ ركعتينٍ)) أخرجه مسلم. وإليه مالَ الشُّهَيْلِي رحمه الله تعالى في ((الرَّوْض)). قلتُ: وقد يَخْطُرُ بالبالِ أنَّ ما رَوَتْهُ عائشة رضي الله عنها، محمولٌ على الزّمانِ الذي كان يصلى فيه الصلاتينِ فقط، الفجر والعصر، وذلك قبلَ الإِسراءِ، ولَعَلَّهُمَا كانتا إذ ذاك ركعتينٍ ركعتينِ كما وَصَفَتْهَا، فَلَمَّا فُرِضَت في الإِسْرَاءِ، فُرِضَتْ ابتداءً على الشَّاكِلَةِ التي رواها ابن عباس رضي الله عنهما . وحاصِلُهُ: أنَّ ما رَوَتْهُ عَائِشَةُ رضي الله عنها هو حالُهَا قَبْلَ فَرْضِيَّةِ الخَمْسِ، وقد عَلِمْتَ أَنَّها كانتْ ركعتين ركعتينٍ، وما يَذْكُرُهُ ابنُ عَبّاسٍ رضي الله عنهما هو حالُهَا بعَدَ فَرْضِيَّتِهَا في الإِسْرَاءِ، ولم يكنُ بعدَهُ إلا أربعًا، فمعنى قَوْلِهَا: ((فَرَضَ اللَّهُ الصلاةَ حينَ فَرَضَهَا ... )) يعني قبلَ الإِسْرَاءِ، لا يقالُ: إنّه لم تَكُنْ فَرِيضَةٌ قَبْلَهُ صلاة، لأنّا نقولُ: إنّا لَمْ نَسْلُكْ هذا المَسْلَكَ وقد اخْتَرْنَا: أنّ الصلاتينِ كانتا فريضَتَيْنِ قبلَهُ أيضًا، فلا إِشْكَالَ علينا، وَمَعْنَى ما رواه ابنُ عَبّاسٍ رضي الله عنهما: فُرِضَّتِ الصّلاةُ في الحضر أربعًا، يعني بعد ما فُرِضَتْ في الإِسْرَاءِ، وبه يَجْتَمِعُ الحديثانِ، إلّ أنَّهُ يُخَالِفُهُ ما أَخْرَجَهُ البخاري في الهجرةِ عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((فُرِضَتِ الصلاة ركعتينٍ، ثُمَّ هاجرَ النبيُّ ◌ََّ، فَفْرِضَتْ أربعًا)) فَعَيَّنَتْ في هذه الرِّوَايةِ أنَّ الزِّيَادَةَ في قولِهِ: ((وزِيدَ في صلاةِ الحضر ... )) وَقَعَتْ بالمدينةِ، مع أَنّ الإِسْرَاءَ قد مضى في مَكّةَ، فلا يَصِحُ التَّوْجِيهُ المذُورُ. قلتُ: ويُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عنه أَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ في عامّةِ الرِّواياتِ، وأَكْثَرُ أَلْفَاظِهَا ساكِنَةً عَنْ مَوْضِع الزِّيَادةِ أَنّها أَيْنَ وَقَعَتْ، ومَتَى وَقَعَتْ، فَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ وَهْمًا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ السُّهَيْلِي رحمه الله تعالى في «الرَّوْضِ الأُنُفِ»، والله تعالى أعلم. ٢ - باب وُجُوبِ الصَّلَةِ فِي النِّيَابِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وَمَنْ صَلَّى مُلتَحِفَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: ((يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ)). فِي إِسْنَادِهِ ١٠ كتاب الصلاة نَظَرٌ، وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَرَ أَذْى، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ◌َ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالبَيتِ عُرْيَانٌ. ٣٥١ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الخُيَّضَ يَوْمَ العِيدَينِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةً المُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ، قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِحْدَانًا لَيْسَ لَهَا جِلبَابٌ؟ قَالَ: (لِتُلبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا)). وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّ بِهذا. [طرفه في: ٣٢٤]. دَخَلَ المصنِّفُ رَحِمَهُ الله تعالى في شَرَائِطِ الصلاةِ، وصرَّحَ أنَّ التَسَتُّرَ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلاةِ وَفَرَائِضِهَا، خلافًا لبعضِهِمْ حيث قال: إنّه فَرْضٌ في نفسِهِ، سنةٌ في الصلاةِ، والمُعْتَبَرُ في سترٍ العَوْرَةِ عند فُقَهائِنَا أنْ يكونَ بحيث لا يُمْكِنُ النّظرُ فيها، وما ظَهَرَ منها بالتَكَلَّفِ فغيرُ مُعْتَبَرٌ. قوله: (﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾) وهذه مِنَّةٌ عظيمةٌ من المصنِّف رحمه الله تعالى على رقابِ النّاسِ. وعلينا أنّه يَسْتَعْمِلُ القرآنَ في كلِّ مَوْضِعٍ ممكنٍ، وإنْ لم يكنْ رَاضِيًا عن إمامِنَا الأعظم رحمه الله تعالى، وأرى جماعةً من أصحابٍ محمدٍ وأبي يوسف رحمهما الله تعالى يروي عنها المصنّفُ - رحمه الله تعالى في كتابه، ثم لم تَخْرُجْ مَنْقَبَةٌ من قلمهِ للأئمةِ الثلاثةِ فيا للعجب!؟ واعلم أنَّ الله سبحانه لَمَا فَرَغَ من ذكرٍ آدم عليه الصَّلاة والسَّلام، وقِصَّةٍ نَزْعِ اللِّبَاسِ عنه، انتقل إلى مسألةِ اللَُّاسِ والسَّتْر، وهذا الذي كنتُ أَفْهَمُهُ. ثم رأيت السُّهَيْلِي رَحمه الله تعالى ذَكَرَ مِثْلَ ما ذَكَرْتُ في ربطِ الآيةِ، وإنّمَا قال ﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ لا: عندَ كلِّ صلاةٍ؛ لأنَّ الصلاةَ في نظرِ القرآنِ ليستْ إلا في المسجدِ، وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤]. فالسُّتْرُ وإنْ كان لأجلِ الصلاةِ لكنَّهُ خَصَّصَهُ بالمسجدِ لما قُلنا، وليس قولُهُ ﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ كنايةً عن الصلاةِ، بل المُرَادُ هو السِّتْرُ عندَ المسجدِ وإن كان لِحالِ الصَّلاةِ، سيَّمَا إِذَا كانَ الكفّارُ يَطُوفُونَ بالبيتِ عرايا، ففِيهِ رَدُّ لزعم الجاهليةِ، فإنَّهم كانوا يَتَحَرَّجُونَ عن دُخُولِهِمُ المسجدَ الحرامَ في ثِيَابِهِمُ التي أَتَوْا فيها كُلَّ مُنْكَرٍ، فَهَدَاهُمُ القرآنُ إلى الأصلح، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا ثيابَهُمْ عِنْدَ كُلُّ مسجدٍ، ثم لا يَخْفَى عليك أنَّ سَتْرَ العورةِ واجبٌ من بَّدْءِ الخَلْقِ، وإنّمَا نَزَعَ الثيابَ عن آدَمَ عليه السلام تعزيرًا، ولذا اضْطَرَّ إلى سَتْرِ عورتهٍ من الأوراق. ثم إنَّ لفظَ الزِّينةِ يَقْتَضِي أنْ يكونَ الرجلُ عندَ المسجدِ أَحْسَنَ حالًا مما سِوَاه، وبيّنه الحديث والفقه، ففي الحديثِ أنّ عِمَامتَهُ وَ﴿ كانت في صلاتِهِ سبعةَ أَذْرُع، وفي الفقه أنّه يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصلّى في ثلاثِ ثيابٍ، منها العِمامة، أما تركُ العِمَامَة فليس بمكروهٍ عندي، ولم يُصَرِّحْ بالكراهَةِ أحدٌ إلا صاحبَ الفتاوى الدينية، وهو من تصانيفِ علماءِ السندِ، ولا أدري رتبةً هذا المصنفِ. والمحقَّقُ عندي أنّها تُكره في البلادِ التي تُعَدُّ فيها شيئًا محترمًا، بخلافِ البلادِ ١١ كتاب الصلاة التي لا اعتيادَ لهم بها ولا اعتدادَ، فلا تكونُ مكروهةً، ثم إذا علمت أنَّ السياقَ ما قلنا لم تَبْقَ حاجةٌ إلى مفهومٍ قولهِ: ﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ . قوله تعالى: ﴿مِن سَوْءَاتِهِمَا﴾ فسَتْرُ العورةِ من خصائصِ الجنَّة، ولما انكَشَفَ عورتُهُمَا هبطا إلى الدنيا، وفُرِضَ السِّتْر. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقِيلُهُ﴾ ويَنْعَكِسُ الحالُ في المحشر، فنراهم ولا يَرَوْنَنَا والله تعالى أعلم. قوله: (ومن صلى ملتحفًا ... إلخ) وبَوَّبَ الطحاوي على الصلاة في الثوبِ الواحدِ، وحاصِلُهُ: أنَّ المخالفةَ بين الطرفينِ، وهو التَوَشُّحِ والالتِحَافُ فيما يكون سَعَةً في الثَوبِ، وإلَّا فيُعْقَدُ على القَفَا وإلا فَفَوْقَ السُّرُّةِ، والغرضُ منه استعمالُ الثَّوْبِ كلِّه في السِّتر، أما أحمد رحمه الله تعالى فحملَ الأوامرَ الواردة فيها على ظاهِرِها، حتى ذَهَبَ إلى فساد الصلاةِ لو كانت في الثوبِ سِعَةٌ فصلى فيه كاشفًا عن أحدٍ مَنْكِبيه، مع أنَّ العورةَ ليست عندَهُ إلا ما في المشهورِ، وهذا لأنه لم يصرف الثوبَ في سَتْرِ جسدِهِ مع الوُسْعَةِ فيه، ولعلَّهُ ذَهَبَ إلى تأكُّدِ السَّتْرِ في غير العورةِ أيضًا والله أعلم بمراده. ثم إن كان الثوبُ واحدًا وأدخلَ فيه يديه أيضًا يُسَمَّى اشتمال الصَّمَاءِ، واشتمالَ اليهودِ، وهو ممنوع، وفي ((البحر)): أنَّ المَنْعَ فيما إذا لم يكن عليه إلّ ثوبٌ، فإنْ كان عليه ثوبان لا بأسَ أَنْ يُدْخِلَ يديه تَحْتَهُ، لأنّهُ يُمْكِنهُ إخراجُهُما عند الضرورة بدون كشفِ العورةِ، ثم إذا كان المقصودُ التَّحَرُّزَ عن هذا الاشتمالِ فالأَنفع هو التَّوَشُّحُ، لحصولِ السَّتْرِ فيه مع صرفِ الثوبِ، وإمكانِ استعمالِ اليدينِ عند الضرورة بدون كشف العورة. ثم الالتحاف عندي كَشَدِّ الوَسَطِ عند الأمراءِ، وهو المعنِيّ في عقدِ اليدين تحت السُّرْةِ عندي، فإذا كان المقصودُ والمعنَى هو عقد اليدين في القيام بين يدي المَلِكِ الجبّارِ، فهو إذْنٌ عَامٍّ سواءٌ كان فوق السُّرَةِ أو تَحْتَهُ، أَما فَوْقَ الصدرِ فليس بشيء عندي، وليس العقدُ فوقَ الصدرِ في واحدٍ مِنْ كُتبِ الشافعية إلا ((الحاوي))، وفي عامَّتِهَا أنّه تَحْتَ الصدر، فهو مَحْمُولٌ عندي على المسامَحَةِ. قوله: (ولو بشوكة) وهو مُسْتَحَبٌّ، وإلا فالنَّظَرُ إلى عورتِهِ ليس بمُفْسِدٍ عندنا . قوله: (ولم ير فيه أذى) وهذا أيضًا دليلٌ على أَنَّهُ ذَهَبَ إلى نجاسَةِ المَنِيّ، وأَمْرُ النبي ◌ِّـ يعني أنّ بعضَ الفرائض مشتَرَكٌ في الصلاةِ والحج كسَتْر العَوْرَةِ. ٣٥١ - قوله: (فيشهدن [المصلى]) والمرادُ منه حضورُهُنَّ بدونِ الاقتداء، ويُسْتَعْمَلُ الشهودُ في شَرِكَةِ الجماعةِ أيضًا، كما في الحديث: هل شَهِدْتَ مع رسول الله وَّرَ؟ قال: نَعَمْ، فمرادُهُ في شرِكَتِهِ الجماعةِ . ثم إنّ الأحاديثَ الواردةَ في باب السَّتْرِ ليستْ على شرطِهِ، فأُخْرِجَ هذا الحديثُ استئناسًا فقط . ١٢ كتاب الصلاة ٣ - باب عَقْدِ الإِزَارِ عَلَى القَفَا فِي الصَّلاَة وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ: صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ عاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ. ٣٥٢ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا عاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ، وَثِيَابُهُ. مَوْضوعَةٌ عَلَى المِشْجَبِ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وََّ؟ [الحديث ٣٥٢ - أطرافه في: ٣٥٣، ٣٦١، ٣٧٠]. ٣٥٣ - حدّثنا مُطَرِّفٌ أَبُو مُصْعَب قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي المَوَالِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدرِ قَالَ: رَأَيتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ: رَأَيتُ النَّبِيَّ وََّ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ. [طرفه في: ٣٥٢]. وقد مَرَّ أنَّ أحمدَ رحمه الله تعالى نَظَرَ إلى ظواهرِ الأحاديثِ، وإلاّ فلا معنى لبطلانٍ الصلاة إذا لم يَسْتُرْ إحدى منكبيه مع كونِهِ خارجًا عن العورة عِنْدَهُ. ٤ - باب الصَّلاَةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ مُلتَحِفًا بِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: المُلتَحِفُ: المُتوَشِّحُ، وَهُو المُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيهِ، وَهُوَ الإِشْتِمَالُ عَلَى مَنْكِبَيهِ. قَالَ: قَالَتْ أُمُّ هَانِىءٍ: التَحَفَ النَّبِيُّ ◌َّرَ بِثَوْبٍ، وَخَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيهِ . ٣٥٤ - حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَين طَرَفَيهِ. [الحديث ٣٥٤ - طرفاه في: ٣٥٥، ٣٥٦]. ٣٥٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عُمَرَ بْنٍ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ◌َّهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فِي بَيتِ أَمِّ سَلَمَةَ، قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيهِ. [طرفه في: ٣٥٤]. ٣٥٦ - حدّثنا عُبَيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، مُشْتَمِلًا بِهِ، فِي بَيْتٍ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيهِ. ٣٥٧ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي النَّصْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيدِ اللَّهِ: أَنَّ أَبَا مُرَّةً مَوْلَىَ أُمِّ هَانِىءٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِىءٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وََّ عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، ١٣ كتاب الصلاة وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ، فَقَالَ: ((مَنْ هذهِ؟)) فَقُلتُ: أَنَا أُمُّ هَانِىءٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: ((مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِىٍ)). فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، مُلتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّ انْصَرَفَ، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلَانَ ابْنَ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِىءٍ)) . قَالَتْ أُمّ هَانِىءٍ: وَذَاكَ ضُحَّى. [طرفه في: ٢٨٠]. ٣٥٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِنَ ◌ّهِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانٍ؟)). [الحديث ٣٥٨ - طرفه في: ٣٦٥]. ٣٥٧ - قوله: (ثماني ركعات) وعند أبي داود صراحةً أنّه كان يُسَلِّم على ركعتين، قيل إنها كانت صلاة الضّحى، وقيل شكرًا للفتح. والأحاديثُ القوليةُ فيها كثيرةٌ، أما الفعليةُ فقليلةٌ جدًا، أما الوجهُ في قِلَّةِ العملِ مع كثرةٍ الترغيب، فراجِعْهُ من ((نيل الفرقدين)). وقولُهُ وَّهُ: ((آمَنَّا مَنْ آمنتِ)) جرى على العرفِ، أي عَدَمِ نَقْضِ أمانِهَا، وإلاّ فقد حَصَلَ الأمان حين آمَنَتْ. ٥ - بابُ إِذَا صَلَّى فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ فَلَيَجْعَل عَلَى عَاتِقَيهِ ٣٥٩ - حدّثنا أَبُو عَاصِم، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيسَ عَلَى عَاتِقَيهِ شَيءٌ)). [الحديث ٣٥٩ - طرفه في: ٣٦٠] .. ٣٦٠ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُهُ - أَوْ كُنْتُ سَأَلْتُهُ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِّعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَه يَقُولُ: ((مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلْيُخَالِفِ بَيْنَ طَرَفَيْهِ)). [طرفه في: ٣٥٩]. وهو مذهبُ أحمدَ رحمه الله تعالى، وقد مرَّ الِوَجْهُ فيه أنه تأثُّرٌ من ورودٍ صِيَغ الأمر في الالتحافِ والتَّوَشُحِ. واعلم أَنَّ مراتبَ الأمرِ والنهي كلَّها من بابِ الاجتهادٍ، ولذا تراهُم يختلفونَ عند ورودِ الأمرِ وَالنهي، فَيَحْمِلُ واحدٌ على الوجوبِ والتحريم، والآخرُ على الاستحبابِ والكراهةِ، وبعد كلٍ منهم كأنه عَمِلَ بالحديثِ، فلا يَغْتَرِضُ هناكَ أحد على أحد، نَعَمْ إذَا تَرَكَ الحديثَ بجميعٍ مراتِبِهِ فحينئذٍ يُعْتَرَضُ عليه ويُرْمَى بتركِ الحديثِ، فهذا صريحٌ في أنَّ المراتِبَ عندهُم اجتهادِيَّةٌ، نعم إذا وَرَدَ الحديثُ بالوعيد على التَّارِكِ أو الفاعلِ يَتَعَيَّنُ الوجوبُ أو الحُرْمةُ، ولا يتأتى فيهِ الاستحبابُ. ٦ - بابٌ إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا تنبيهٌ على أن الثوبَ إذا كان ضيقًا لا يتيسرُ فيه الالتحافُ والتوشُّحُ ماذا يفعل؟ ولا توجدُ ١٤ كتاب الصلاة كثيرٌ من المسائل في الفقه، وتعرَّض إليه الحديث، فمن زَعَمَ أن الدِّين كلَّه في الفقه بحيث لا يبقى وراءه شيءٌ، فقد حاد عن الصواب. ٣٦١ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ صَالِحِ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الصِّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َلَ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، وَعَليَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلتُ بِهِ، وَصَلَّيتُ إِلَى جَانِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟)). فَأُخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغَتُ قَالَ: ((مَا هذا الإِشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيتُ؟)). قُلتُ: كَانَ ثَوْبٌ، يَعْنِي ضَاقَ، قَالَ: ((فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِف بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ)). [طرفه في: ٣٥٢]. ٣٦١ - قوله: (يحيى بن صالح) وهو حنفي المذهب، ساكن الشام، عديل الإِمام محمد رحمه الله تعالى في سفر الحج، وشيخ البخاري. قوله: (في بعض أسفاره) عيَّنه مسلمٌ أنه غزوةُ بَواط، وهي من أوائل مغازيه وَّر . قوله: (لبعض أمري) وفي رواية مسلم: أنه وَّ كان أرسله هو وجبار بن صخر ليُهيئا الماء في المنزل. كذا في ((الفتح)). قوله: (فاشتملت) وهذا التعبيرُ ناقصٌ، لأنه كان أمسكَ طرفي ثوبه تحت ذقنه، وليس هذا باشتمال. وإنما فعلَهُ لعدم علمه بالمسألة، فإِنَّ الواجب فيه العقد. قوله: (كان ثوبًا) أي كان ثوبًا واحدًا. وفيه أيضًا نقصٌ، لأنه لم يكن فيه دخل لوحدة الثوب، بل لضِيقِهِ، فالأولى أن يقول: كان الثوبُ ضيّقًا . ٣٦٢ - حدّثنا مُسَذَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ سُفيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِم، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّلََّ عاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى أَغْنَاقِهِمْ، كَهَيئَةِ الصِّبْيَانِ، وقَالٌ لِلنِّسَاءِ: ((لَا تَرْفَعْنَ رُؤُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجالُ جُلُوسًا)). [الحديث ٣٦٢ - طرفاه في: ١٢١٥،٨١٤]. ٣٦٢ - قوله: (لا ترفعن) ... إلخ وليس هذا النهيُ لحصول التعقيب المطلوب عند الشافعية بين الإِمام والمقتدي، بل لأجل مصلحة كما عند أبي داود، وهي أنْ لا يَلْمَحْنَ شيئًا من عورات الرجال. ودل الحديث على مسألة الحنفية: أنه لو أمكن النظرُ إلى عورتِهِ بتعنُّتٍ وتكلفٍ لا تفسد صلاتُهُ. ٧ - بابُ الصَّلاَةِ فِي الجُبَّة الشَّامِيَّةِ وَقَالَ الحَسَنُ فِي الِّيَابِ يَنْسِجُهَا المَجُوسِيُّ: لَمْ يَرَ بِهَا بَأْسًا، وَقَالَ مَعْمَرٌ: رَأَيتُ الزُّهْرِيَّ يَلْبَسُ مِنْ ثِيَابِ الْيَمَنِ مَا صُبِغَ بِالبَوْلِ. وَصَلَّى عَلِيٌّ فِي ثَوْبٍ غَيرِ مَقْصُورٍ . ٣٦٣ - حدّثنا يَحْيى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ ١٥ كتاب الصلاة مَسْرُوقٍ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: ((يَا مُغِيرَةُ، خُذٍ الإِدَاوَةَ)). فَأَخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللّهِ بَِّ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضى حَاجَتَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ، فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَّسَحَ عَلَى خُفَّيهِ، ثُمَّ صَلَّى. [الحديث ٣٦٣ - أطرافه في: ١٨٢، ٣٨٨، ٢٩١٨، ٥٧٩٨]. والظاهرُ أن نظرَه إلى قِطَعِه يعني أن الثوبَ إذا قُطع على طريق غير طريق العرب، جازت الصلاة فيه، فإن النبي ◌َّوَ صَلَّى في الجبة الشامية، وليس نظرُهُ إلى مسألة الطهارة والنجاسة كما فَهِمُوه. ثم اعلم أن مسألة الشعار إنما تجري فيما لم يرد فيه النهيُ من صاحب الشرع خاصة، وما ورد فيه النهيُّ، فإنه يمنع عنه مطلقًا، سواءٌ كان شعارًا لأحدٍ أو لا. أما إذا لم يرد به النهيُ وكان شعارًا لقوم يُنهى عنه أيضًا، فإِن لم يكُفُّوا عنه حتى حصل فيه الاشتراك أيضًا، واختارَه الصُّلَحَاءُ بکفِّ اللسان عنه (١). ثم إنه يتبادر من كتب الفتاوى هدرُ الاحتمالات بالكلية، والذي أظن أن الأمرَ ليس بهذا التوسيع. ففي المتون أنهُ يكره سؤرُ الدجاجة المُخَلَّاة. وفي ((فتح القدير)) أن الكراهة تنزيهية، فدل على عبرتها شيئًا، فعلى هذا ينبغي أن لا يوسع فيه كل التوسيع. ولا تلغى الاحتمالات بأسرها. وفي ((البحر)) أن الماء إذا كان في فَلَاة من الأرض وكانت حولَهُ آثارُ أقدام الوحوش كُرِه، مع أنهم قالوا: إن الماء إذا كان كما وُصف لا يتنجَّسُ، ما لم توجد مشاهدة جُزئية، أو إخبار بوقوع النجاسة، كذلك ثيابُ الكفار التي تُجلب من بلادهم لا يحكم عليها بالنجاسة، ما دام لم يوجد فيها أحد الأمرين. وكذلك قال الفقهاء: إن في الأطعمة والأشربة والألبسة والأدوية يعتبرُ بالاحتمالِ الغالب، ولا معتبرَ بالمرجوح، وقد مر فيه بعض الكلام. قوله: (قال الحسن) ... إلخ وهكذا عندنا. وقد مر مني أنه وإن كان فيه توسيعًا في كتب الفتاوى لكن فيه تفصيلٌ في المتون، فينبغي أن يفضَّلَ بالقِلة والكثرة، ويعتبرُ بما يكثُرُ وقوعهُ، ويهدرُ بما قل وقوعه. قوله: (رأيت الزهري) ... إلخ ولعل المراد منه اللُّبس بعد الغَسْل، لأن مذهَبَه نجاسة الأبوالٍ كما مر عن ((مصنف عبد الرزاق))، ويومىء إليه ما عند البخاري: ((هل تشرب أبوال الإِبل)) ... إلخ. فالاستدلال منه على طهارته عنده في حيِّزِ الخفاء، ورأيت أثرًا في الخارج أن عمر رضي الله عنه أراد أن ينهى عن ثياب اليمن وكانت تصبغ بالبول، فقام أبيُّ وقال: إنك لا تستطيعهُ، لأن النبي ◌َّرلم ينه عنه، فسكت عمر رضي الله تعالى عنه. (١) قلت: وقال الحافظ رحمه الله تعالى: إن هذه الترجمة معقودةٌ لجواز الصلاة في ثياب الكفار ما لم يتحقق بنجاستها، وروي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى كراهية الصلاة فيها إلا بعد الغَسْل، وعن مالك إن فعل يعيد في الوقت. انتهى مختصرًا . ١٦ كتاب الصلاة ٨ - بابُ كَرَاهِيَةِ التَّعَرِّي فِي الصَّلاَةِ وَغَيرِهَا ٣٦٤ - حدّثنا مَطَرُ بْنُ الفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُوَلَ اللّهِ وَ لَيْ كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الحِجَارَةَ لِلِكَعْبَةِ، وَعَلَيهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ، فَجَعَلتَ عَلَى مَنْكِبَيكَ دُونَ الحِجَارَةِ، قَالَ: فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُؤِيَ بَعْدَ ذلِكَ عُرْيَانًا وَِّ. [الحديث ٣٦٤ - طرفاه في: ١٥٨٢، ٣٨٢٩]. قال الفقهاء: أول الفرائض الإِيمانُ، ثم ستْرُ العورة، فهو فرضُ عينٍ في الخارج، وشرطٌ لصحة الصلاة . ٣٦٤ - قوله: (فحلَّه)، وفي عُمْره عليه الصَّلاة والسَّلام إذ ذاك اختلاف في السِّير، وينبغي أن يؤخذ بالأقلِ فالأقل منها. وقد علمت سابقًا أن الأشَاعِرَة جَوَّزوا الصغائر قبل البعثة، ونفاها المَاتِرِيدِيَّة(١) وقَالوا بالعصمة قبلها وبعدها. ثم هذا التَّعري كتعري موسى عليه الصَّلاة والسَّلام حين أَذاه قومه . ٣٦٤ - قوله: (فسقط مغشيًا عليه) وهذا يدل على أنه لم يزل بعين الرضا منه، وهو لفظ الأشعري في حق أبي بكر الصديق رحمه الله تعالى. وحاصله: حِفَاظتُهُ عما لا ينبغي من بدءٍ الأمر، وإن لم يتوجه إليه الخِطاب بعد (٢). (١) والشيخ أبو منصور تلميذ لمحمد رحمهما الله تعالى بثلاث وسائط، ومعاصر للأشعري، ولعل الأشعري أسنَّ منه، وقد جرى بينهما في بعض المسائل خِلافٌ أيضًا، وعدَّهُ شيخ الإسلام في حاشية البيضاوي في اثنين وعشرين موضعًا، وبعد الإمعانِ يشْبِهُ النزاعَ اللفظي، وأصحابنا المتقدِّمون ينسبونهم إلى الماتريدي مع حسن الأدب بشأن الأشعري، وليسوا كالحنابلة، فإنهم يُسيئُون بشأنه، والحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى إِذَا مرَّ بشيءٍ من أشياءٍ يُسْقِطُ له في الكلام ولا يُحَاشي، كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز. (٢) قلتُ: والذي فهمتُ من مرادِ الشيخ رحمه الله تعالى وإن لم يكنْ من صريح ألفاظه، أنه لا ينبغي الشكُّ من مثل هذه الوقائع على وقوع الصغائر من الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلامِ قبل البعثة، لأنها واقعةٌ واحدة فقط، وقد عُلم فيها من أمره أيضًا أنه غُشي عليه، فالله سبحانه رباه وأدَّبه بهذا الطريق، ولهذا لم ير بعده عُريانًا . وكذلك الأنبياءُ عليهم السلام تربى بأعين الرب الحقيقي، فتلك أمورٌ تُلقى عليهم مرة أو مرتين من حيث كونهم بشرًا، ثم يُنبِّه عليها تكوينًا، كإلقاءِ الغَشْي ليكونوا على أُهْبَةٍ من أمرهم في المستقبل ولا يعودوا إليه، ومعلومٌ أن الوحيّ لا ينزلُ إلا بعد البعثة، فلم يكن إلى تهذيبهم سبيلٌ إلا بمثل هذه الأمور. وهذا كشقِّ صدره في أوان صِبَاه، وطرح حَظُ الشيطان منه، فهذا من سنة الله، حيث خلقَ فيه حظّ الشيطان أولاً، ثُم طُرِحَ عنه، مع أنه أمكن أن لا يكون خلقه في خُلقه وبنيته، ولكنه يفعلُ ما يشاء ويحكمُ ما يريد، فكذلك ههنا أَلقى عليه التعرِّي ثم ألقى الغَشْيَ منه وإن أمكن التحفُّظُ قبل إلقاء التعري أيضًا، إلاَّ أنه لم يظهر فيه معنى التربية والتأديب، وكان لا بد نظرًا إلى نسق هذا العالم، فالله سبحانه لا يحبُّ لأنبيائه قبل البعثة ما لا يحب لهم بعدها، ولكنه يربيهم بهذا الطريق. اهـ منه . ١٧ كتاب الصلاة ٩ - بابُ الصَّلاَةِ فِي القَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالثُّبَّانِ وَالقَبَاءِ السراويل كان من قطع الإِيران دون العرب. قوله : (والتبان) (جانیکیا). ٣٦٥ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النُّبِيِّ ◌ََّ، فَسَأَلَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، فَقَالَ: (أَوَكُلَّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَينٍ؟)). ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ، فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانَ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانِ وَقَمِيصٍ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: فِي تُبَّانٍ وَرِدَّاءٍ. [طرفه في: ٣٥٨]. ٣٦٥ - قوله: (إذا وَسَّع الله فأَوسعوا) رُوي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ((أن الْبَسُوا من الثياب عند صلواتكم، ما تحبون أن تكونوا فيها في مجالسكم، فإِن كان يعتادُ في مجالسها بالثيابِ الرفيعة يُستحب له أن يُصليَ فيها. وحاصلهُ: أن يتجَمَّل لقيامه بين يدي ربه كما يتجملُ لحضورهِ في مجالسه. وكان مالك رحمه الله تعالى يهتمُّ بمجالسِ الحديث، ما لا يهتمُّ لغيرها . نُقل أن الشافعي رحمه الله تعالى أراد أن يستفيد منه، فحفظ ((الموطأ)» في ثلاثة أيام، واستشفع إليه بحاكم مكة شرفها الله، فكتب حاكمُ مكةَ إلى نائبه في المدينة أن يذهبَ معه إلى مالكٍ ويشفعَ له، وقال للشافعي رحمه الله تعالى في الطريق: إني شافعٌ، ولكني لا أدري هل أشفع أم لا؟ فإن مالكًا من أغنى الناس نفسًا، فلما بلغَ إليه وباحَ بحاجته أجازَ له أن يجلسَ في حلقته، وقال: ليس لي فُرصة غير ذلك. ولم يُرخص له الاستفادة في الخارج، فقبِلَه الشافعي رحمه الله تعالى وقعد إليه. فلما كان من الغد قرأ الشافعي رحمه الله تعالى عبارةَ ((الموطأ)»، فلما قرأهُ عَرَفَ مالكٌ رحمه الله تعالى أنه رجلٌ، فقرأ الثاني والثالث فقال له مالك: ادخل عليَّ متى شئت وسل عما شئت، فأقام الشافعي رحمه الله تعالى عنده مدةً، فلما استرخَصَ منه أعطاه مالكٌ رحمه الله تعالى فرسًا وشَيَّعَه على أرجله - فإنه لم يكن ينتعلُ بالمدينة ولا يركبُ فيها، مخافةً أن تقعَ قدمُهُ على موضعٍ وقعت قدم النبي ◌ِّر عليها - وودَّعه أحسن توديع. ونقل أيضًا أن مالكًا كان إذا جلس للتحديث جلس في أحسن ثيابه متطيبًا، وقصصه في ذلك معروفة. وبالجملة ما أحسن بالرجل أن يعبدَ ربَّه في أحسن ثيابه إذا قدر. قوله: (جمع رجل) ... إلخ ولم يذكر فيه العِمَامة، وفي فقهنا العمامة أيضًا. ٣٦٦ - حدّثنا عَاصِمُ بْنُ عَلِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللّهِ بَلِ فَقَالَ: مَا يَلْبَسُ المُخْرِمُ؟ فَقَالَ: ((لَا يَلْبَسٍ القَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا البُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا وَرْسٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدِ ١٨ كتاب الصلاة النَّعْلَيْنِ فَليَلْبَسِ الخُفَّينِ، وَلَيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَينِ)). وعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ: مِثْلَّهُ. [طرفه في: ١٣٤]. ٣٦٦ - قوله: (أسفل من الكعبين) وسأل هشامٌ محمدًا رحمه الله تعالى عن الكعبين، فأجابه: أنه العظم النابت ومَعقِدُ الشِّرَاك، وكان فسَّره في باب الحج ثم نقلَ تفسيره في الوضوء، وهو باطل، وهشامٌ هذا هو الذي نَزَلَ عنده محمد رحمه الله تعالى حين دخل الرَّي. ١٠ - بابُ مَا يَسْتُرُ مِنَ العَوْرَةِ ٣٦٧ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا لَيثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَة، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّه عَنِ اشْتِمَالَ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيءٌ. [الحديث ٣٦٧ - أطرافه في: ١٩٩١، ٢١٤٤، ٢١٤٧، ٥٨٢٠، ٥٨٢٢، ٦٢٨٤]. واعلم أن المصنفَ رحمه الله تعالى كثيرًا ما يستعملُ في تَرَاجِمِهِ ((ما)) و ((مِنْ)) كما ترى ههنا. والشارحونَ قد يجعلون ((مِنْ)) بيانية وأخرى تبعيضية، وراجع الفرقَ من الرّضي، فإنها لو كانت بيانيةً لاطَّردَ الحكمُ على جميع مدخُولِهَا وإلا لا. وجعلتها تبعيضيةً في جميع الأبواب لتكونَ شاكلتُهَا في كلها سَوَاء. فإن قلت: كيف يستقيم التبعيضُ في ستر العورة؟ قلت: العورة لغةً: هي ما يُستحى منه، فيستقيم فيها التبعيض أيضًا. ثم اعلم أن العورةَ عندنا من السرة إلى الرُّكبة. وعند مالك رحمه الله تعالى هي أول الفخذ دون سائرها. وقد مر مني أنه من باب إقامةِ المراتب، وهذا الباب كثيرٌ في الفقه. ففي ((الفتح)) في باب الجمعة: أن الجمعةَ فريضةٌ وآكدُ من الفرائض الخمس، فأقام المراتبَ بين الفرائض أيضًا، وجعلَ بعضَها آكدُ من بعض. وإنما صرح به الشيخ ابن الهُمَام لمسألة ذكرها في القُدُورِي وهي: من صلى الظهرَ في منزلِهِ يوم الجُمعة قبل صلاةِ الإمام ولا عُذْرَ له كُرِه له ذلك وجازت صلاتُهُ، ويُتوهَّمُ منها عدمُ فرضية الجمعةِ عندنا، فصرَّح بأن الجمعة فرضٌ قطعيُّ عندنا، بل آكد من سائر الفرائض. وكذلك في (البحر)): أن الفاتحةَ واجبةٌ والسورةَ أيضًا واجبةٌ، إلا أن الفاتحةَ أوجبُ، فهذه نقولٌ تدُل على عِبرة المراتب عندهم، وهذه هي الحقيقةُ التي سرت عليها مسألة ستر العورةِ، والاستقبال، والاستدبارِ، والنواقضِ الخارج من السبيلين وغير السبيلين، ومس المرأة، ومس الذكر . وقد مرَّ ذكرُهَا في الأبواب السابقة مُفصلًا، فرأسُ الفَخِذِ عورةٌ أيضًا، كما أن أصلها عورةٌ، إلا أنها أخفُّ بالنسبة إلى الأصل، ولذا تجدُ فيها الدلائل في الطرفين، فبعضها يدُل على ١٩ كتاب الصلاة أنها عورة، وبعضها يدلُ على أنها ليست بعورة، بخلاف أصل الفخذ فإنك لا تجدُ دليلًا يُشعر بعدم كونها عورة. وكأني أريدُ أن الاختلافَ في الأدلة قد يكونُ من جهةِ الشارع قصدًا، ولا يكون من الرواة، وهذا حيث يريدُ صاحبُ الشرع بيان المراتب، فإذا لم تكن عنده مراتبُ في جانب الأمرِ أو النهي لم تعط مادةٌ تدلُ بخلافه، وإذا كانت فيه مراتب بعضها أخفُّ من بعض وأرادَ فيها توسيعًا يؤديه بعرْضٍ الكلام ولا يأخذه في الخطاب، لأنه لو أخذه في الخطاب فات الغَرَضُ وهو العمل، فإنه إنما يبقى ما دام الإجمال، وإذا جاء التفصيلُ ذهبَ العملُ، ولذا نرى العوام قد يسبقونَ على العلماءِ في العمل، فإنهم لا يفرِّقون بين الفرائض والسنن والنوافل، فيؤدُّونَها على شاكلةٍ واحدةٍ. وأما الذين يعلمون أن النوافلَ في طوعه كلما شاء فعل، وإذا لم يشأ لم يفعل، فإنهم تفترُ هِمَمُهم، وتتقاعدُ عَزَائِمُهُم، فَيُفْقَدُ العمل. فإذا كان حالُ التخفيف في الخطاب ما قد علمتَ، ولم يكن بدٌّ من بيان حقيقة الأمر أيضًا، احتاج إلى التنبيه عليه بنحوٍ من أنحاء الكلام وجوانبه وأطرافه، بدون أخذِهِ في العبارة وطريقهُ أن تَرِدَ الدلائل في الطرفين، فيوجدُ الاختلاف ولا يحصلُ الجزمُ بجانب فيخِفَّ الأمر، وهذا أيضًا نحو بيانٍ إذا لم يَرِد التصريح به . وهذا الذي أراده صاحب ((الهداية)) حين قَسَّمَ النجاسة إلى الغليظة والخفيفة، حيث قال: إن التخفيفَ إنما يثبت عند أبي حنيفة رضي الله عنه بتعارُضِ النصين، وعند أبي يوسف رضي الله عنه باختلاف الصحابة والتابعين، فنظر أبو حنيفة رضى الله عنه إلى تعارض الأدلة، فجاءت المراتب عنده من حيث قَطْعيَّةِ الدليل وعدمها، ونظر صاحباه إلى التعامل، لأنه شيءٌ فاصل في الباب، بخلاف الأدلة فإنها موارد للاحتمالات. إلا أن صاحب ((الهداية)) قرر الخِفَّة لتعارض الأدلة. وأقول: إن تعارضَ الأدلة لأجل الخِفة في نظر الشارع. فأدَّاها بهذا الطريق، لا أنه اتفقَ تعارضُ الأدلة باختلاف الرواة، فأورث خِفةً فيها، بل تلك النجاسات بحقائقها كانت خفيفةً بالنسبة إلى الدم مثلًا، فأراد التنبيه على الفرق بينهما، فلو صرَّح به لتهاون بها الناس، مع أن المطلوب التوقي منها، فأذَّها بإِعطاء المادة للطرفين، ليتردد فيه النظر ويَخِف الأمر مع بقاء العمل. وعلى هذا وَسِعَ لي أن لا أتأول في أحدٍ من الأحاديث التي وردت في هذه الأبواب على خلاف مذهبنا وأكتفي بالمراتب. وأقول: إن أصل الفخذ عورة ولكن أمرها أشد من رأسها، وكذلك الاستدبار، وإن ورد به حديث ابن عمر رضي الله عنه، لكنه لا يثبتُ به، إلَّا أنه أخفُّ بالنسبة إلى الاستقبال أو الصحراء، وهكذا النواقض كلها كما دلت عليها الأحاديث، إلَّا أنَّ أمرَها أخفُ مما ذهب إليه الحنفية رضي الله عنهم، فافهمه بعين الإنصاف وإمعان النظر، ينفعك في مواضع لا تُحصى. ٢٠ كتاب الصلاة ٣٦٨ - حدّثنا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهى النَّبِيُّ ◌َّهِ عَنْ بَيعَتَينِ: عَنِ اللَّمَاسِ وَالنِّباذِ، وَأَنْ يَشْتَمِلَّ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ. [الحديث ٣٦٨ - أطرافه في: ٥٨٤، ٥٨٨، ١٩٩٢، ٢١٤٥، ٢١٤٦، ٥٨١٩، ٥٨٢١]. ٣٦٨ - قوله: (نهى عن بيعتين) ولعل الراوي جمع بين الحديثين: الأول: في الاحتباء في ثوب، والثاني: في البيع. واللُّمَاس: أن يَغمضَ المشتري عينه ثم يضعُ يده على شيء ويُلزمُ به البيع. والنِّبَاذ: أن ينبذ البائع شيئًا إلى المشتري مُغْمِضًا عينيه ويكون منه بيعُهُ بهذا فقط. ثم قيل: إنه كان قطعًا للخيار، وقيل: بل كان هو طريق الإِيجاب والقَبُول، وراجع كتاب (الآثار)) لمحمد رحمه الله تعالى. ٣٦٩ - حدّثنا إِسْحاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنٍ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلكَ الحَجَّةِ، فِي مُؤَذِّنِينَ يَوْمَ النَّحْرِ،َ نُؤَذِّنُ بِمِنَّى: أنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ العَام مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالبَيتِ عُرْيَانٌ. قَالَ حُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحَْمْنِ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ عَلِيًّا، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَّ بِبَرَاءَةٍ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٍّ فِي أَهْلِ مِنْىَ يَوْمَ النَّحْرِ: لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرٌِ، وَلَا يَطُوفُ بِالبَيتِ عُرْيَانٌ. [الحديث ٣٦٩ - أطرافه في: ١٦٢٢، ٣١٧٧، ٤٣٦٣، ٤٦٥٥، ٤٦٥٦، ٤٦٥٧]. ٣٦٩ - قوله: (ثم أردف رسول الله وَلَه) ... إلخ واعلم أنَّ مكةَ فُتحت السنةَ الثامنة في رمضان. وعُمْرَةُ الجِعِرَّانة أيضًا كانت في تلك السنة، ولم يحُج النبي ◌َّ السنة التاسعة لعدم كون الحج في أشهره في هذه السنة، فإنهم كانوا يزيدون شهرًا بعد سنين على عادتهم في الجاهلية، وهو المراد من النَّسِيء في القرآن، فإذا جاء الحجّ في أشهره في السنة العاشرة حجّ النبي ◌َّر. ومن ههنا اندفع ما كان يَخْتَلِجُ أن الحجَّ إنِ افترضَ قبله فلِمَ أخَّرَه النبي ◌َّ؟ وهِو وإن لم يكن واجبًا على الفور لكن المسارعةَ مطلوبٌ، وفيه دليلٌ على عبرة الأغلاط التي تعذّرَ إصلاحها، فإن الذين حَجُوا قبلها قد اعتُبِرَ حجهم قطعًا، ولم يأمر واحدًا منهم بالقضاء، وإنما بعث النبي ◌َّ﴾ عليًا رضي الله عنه لأنه أراد أن ينبذَهُم على سواء، فبعث أقربَ رجلٍ إليه على عادةِ العرب. ١١ - بابُ الصَّلاَةِ بِغَيرِ رِدَاءٍ ٣٧٠ - حدّثنا عَبْدَ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي المَوَالِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قَالَ: دَخَلتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ مُلتَحِفًا بِهِ، وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوٌ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، تُصَلِّي وَرِدَاؤُكَ مَّوْضُوَعٌ؟ قَالَ: نَعَمْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَرَانِي الجُمَّالُ مِثْلُكُمْ، رَأَيت النَّبِيَّ ◌َّهِ يُصَلِّي هكذا. [طرفه في: ٣٥٢].