النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
كتاب الحيض
عَائِشَةَ: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ◌َ فَقَالَ: ((ذلِكَ عِرْقٌ،
وَلَيسَتْ بِالحَيضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحِيضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَذْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي)).
٢١ - باب لاَ تَقْضِي الحَائِضُ الصَّلاَة
وَقَالَ جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ: (تَدَعُ الصَّلَاةَ)).
٣٢١ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي
مُعَاذَةُ: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟
كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِّ ◌َّةِ، فَلَا يَأْمُرُنَاَ بِهِ، أَوْ قَالَتْ: فَلَا نَفْعَلُهُ.
ولم يُفْصِح بعبرة التمييز بالألوان، بل أخرج أثراً عن عائشة رضي الله عنها يدل على
هدره .
قوله: (بالُّرْجَة) (دبيه)
قوله: (القصة البيضاء) (قلعى جونه)
قوله: (وعابت عليهن) قيل: إنَّ النظرَ في جوف الليل مطلوب في نفسه، لأنه إن انقطع
دمها تصلي العشاء وإلا لا، فَلِمَ عابت عليهن؟ وأجاب عنه السَّرَخْسِي رحمه الله تعالى بأنه لم
يكن يحتاج له إلى السُّرُج والمصابيح، وكان يكفي لها الإحساس بالبلل.
قلت: وهذا ليس بوجيه، لأنه لا يتبين منه أنها رطوبة الفرج أو دم الحيض، فلا بد من
السِّراج، وقد كان جوابه تبين لي ثم رأيته في كلام الشَّاطِبي الشافعي مصرحاً. فالوجه أن العيب
على تعمقهن أزيد من الحاجة بما لم يُؤْمَرْنَ به، فإنَّ الشرع لم يُضَيِّق عليهن بهذه المثابة، وإنما
الأمر أن يكتفين بيِلَّة الكُرْسُف إذا كانت عادتهن معلومة، كما في الفقه أنها إذا وضعت كُرْسُفاً ثم
لم تَرَ عليه أثراً في الصبح تصلي العشاء، ولا إثم عليها، وإن رأته ملوثاً تَعُدُّ نفسها حائضةً.
ومما ينبغي أن ينبَّه عليه في هذا المقام أنه يلزم من كتب الفقه والحديث أنها تُعِيد العشاء
إذا علمت أنها طَهُرَتْ في الليل، ولا تكون آئمةً بتركها في الوقت، وذلك لعدم التبين في الوقت
وعدم تكليف الشارع إياها بالتعمق. وراجع ((القنية)) لمسائل الحيض والمعذور. والحاصل: أنَّ
الشرعَ إذا لم يأمرها بالمراقبة في كلُّ أوان، وأمرها بأدائها عند ظهور الطهور مع عدم التأثيم
على قضائها في الوقت، فعابت عليهن على تعمقهن بما لم يكلفهن الله.
٢٢ - باب النَّوْمِ مَعَ الحَائِضِ وَهِيَ فِي ثِيَابِهَا
٣٢٢ - حدّثنا سَعْدُ بْنُ حَفصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ
زَيْنَبَ ابْنَةٍ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: حِضْتُ وَأَنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌ِ فِي الْخَمِيلَةِ،
فَانْسَلَلتُ، فَخَرَجْتُ مِنْهَا، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَلَبِسْتُهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ :
((أَنْفِسْتِ؟)) قُلتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ فِي الحَمِيلَةِ. قَالَتْ: وَحَدَّثَتْنِي أَنَّ

٥٠٢
كتاب الحيض
النَّبِيَّ وََّ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ وَّهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الجَنَابَةِ.
[طرفه في: ٢٩٨].
وظاهر القرآن أنَّه لا يقربها أصلاً، وقد مرَّ معنا أنه كيف المشي على اللفظ عند وضوح
الغرض، ولا سيما عند ظهور المناسبة، وأنه ينبغي أن يُبحث عنه بشكل المقدمة، فإنه يدور
النظر فيه كثيراً كما ترى ههنا، لأنَّ ظاهرَ لفظِ القرآن الاعتزال وعدم القُربان. والغرض الاعتزال
عما تحت الإزار مع بقاء الاستمتاع بما فوقه، كما يدلّ عليه قوله وَّ: (لك ما فوقَ الإزار)) على
نظر الحنفية، مع أنه قد ظهر أثر لفظ الاعتزال، وتأيَّد بقول: ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فهل
يُعتمد في مثل هذه المواضع على نظم القرآن، أو يعمل بالغرض المستفاد من الحديث؟
٢٣ - باب مَنْ أَخَذَ ثِيَابَ الحَيضِ سِوَى ثِيَابِ الطُّهْرِ
٣٢٣ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ
زَيْنَبَ ابْنَةٍ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌ََّ، مُضْطَجِعَةً فِي خَمِيلَةٍ،
حِضْتُ فَانْسَلَلتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، فَقَالَ: ((أَنُفِسْتِ؟)) فَقُلتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي،
فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الحَمِيلَةِ.
صَدَعَ بأن تعدد الثياب لهذا المعنى ليس من الإسراف في شيء، كما مر عليه التنبيه من
قبل.
٢٤ - باب شُهُودِ الحَائِضِ العِيدَينِ
وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلنَ المُصَلّى
وكذلك يَحْضُرْنَ عندنا أيضاً، كما في ((الهداية)). وفي ((العيني)) هكذا عن سِراج الدين
البُلْقيني الشافعي، وهو تلميذ مُغَلْطَاي الحنفي. وأما الآن فالفتوى أن لا تخرج الشوابُّ لا في
الجمعة، ولا في الجماعات، وهكذا ينبغي، لظهور الفساد في البَرِّ والبحر وقِلّة الحياء،
والتواني في أمور الدين. أما على أصل المذهب فيصح للحُيَّضِ أن يَحْضُرْنَ دعوة المسلمين
كما يَحْضُرْنَ في عَرَفَة، ويعتزلن المُصلَّى. والمراد بالدعوة: الكلمات الدُّعَائية التي في خلال
الخُطبة، لأنه لم يثبت عن النبي ◌َِّّرُ دُبُرَ صلاة العيدين دعاءٌ ولو مرةً، كما مر آنفاً .
ثم إنَّ كثيراً من الألفاظ قد شاعت في غير معانيها اللغوية حتى لا تكاد تُدرك معانيها
الأصلية، ولا تنتقل إليها الأذهان أصلاً، كالدعاء فإنه شاع الآن في الدعاء بالصورة المعهودة،
وليس له في اللغة أصل، وإنما وُضع له لفظ السؤال. والدعاء في اللغة: "بكارنا" ﴿أَدْعُواْ
رَبَّكُمْ﴾ [الأعراف: ٥٥] وقوله: ﴿وَمَا دُعُِّ اَلْكَفِينَ﴾ [الرعد: ١٤] إلخ، فاعلمه .
ثم إنَّ المُصَلَّى في الزمان القديم لم يكن له أحكام المساجد، أما الآن فينبغي أن يكون
في حُكم المسجد، لإحاطته بالجدران، وبنائه على هيئة المساجد، فينبغي أن لا يَدْخُلْنَه .

٥٠٣
كتاب الحيض
٣٢٤ - حدّثنا مُحَمَّدٌ، هُوَ ابْنُ سَلام، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ
حَفْصَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنُّ فِي الْعِيدَينِ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ، فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي
خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا، وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ الَنَّبِيِّ وَّهِ ثِنْتَي عَشَرَةَ، وَكَانَتْ أُخْتِي
مَعَهُ فِي سِتّ، قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِي الكَلْمَى، وَنَقُومُ عَلَى المَرْضى، فَسَأَلَتْ أُخْتِي النَّبِيَّ ◌َّ:
أَعَلَى إِحْدَانًا بَأُسٌ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لِهَا جِلْبَابٌ، أَنْ لَا تَخْرِجَ؟ قَالَ: ((لِتُلِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ
جِلْبَابِهَا، وَلتَشْهَدِ الخَيرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ)). فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، سَأَلْتُهَا: أَسَمِعْتِ
النَّبِيَّ ◌ََّ؟ قَالَتْ: بِأَبِي، نَعَمْ، وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ إِلَّا قَالَتْ: بِأَبِي، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((يَخْرُجُ
العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ، أَوِ العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الخُدُورِ، وَالحُيَّضُ، وَلَيَشْهَدْنَ الخَيرَ وَدَعْوَةَ
المُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى)). قَالَتْ حَفصَةُ: فَقُلتُ: الحُيَّضُ؟ فَقَالَتْ: أَلَيسَ
تَشْهَدُ عَرَفَةَ، وَكَذَا وَكَذَا! [الحديث ٣٢٤ - أطرافه في: ٣٥١، ٩٧١، ٩٧٤، ٩٨٠، ٩٨١، ١٦٥٢].
٣٢٤ - قوله: (محمد بن سلَّام): وهو البِيكَنْدي رفيق أبي حفص الكبير، ويقال لابنه: أبو
حفص الصغير، كانت بينه وبين البخاري موذَّة، وأقام البخاري عنده حين أُجلي عن وطنه، وكان
يُرسل إليه الهدايا أيضاً، ومع ذلك لم يزل خلافُ البخاري مع الحنفية كما كان.
قوله: (نُدَاوي الكَلْمى)، وهكذا مصرَّح في سيرة محمد بن إسحاق أيضاً.
قوله: (لتلبسها) ... إلخ عُلِم منه أن الجِلْبَاب مطلوب عند الخروج، وأنها لا تخرج إن
لم يكن لها جِلْبَاب. والجِلْباب: رداء ساتر من القَرْن إلى القدم. وقد مَرَّ معنا أن الخُمُرَ في
البيوت والجلابيب عند الخروج، وبه شرحتُ الآيتين في الحجاب: ﴿وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى
جُيُوِبِنَ﴾ [النور: ٣١] والثانية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَ مِن جَبِيِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩].
قوله: (العَواتِقِ) أي مَن قاربْنَ البلوغ. والأصل أنهن بناتٌ مُعْتَقَةٌ عن خدمة والديهِنَّ، ولعلّه
کان في عُرفهم أنهم لم يكونوا يستخدمونهن.
قوله: (الخُيَّض) يعني أنهن إذا كُن حُيَّضاً فما يفعلن بحُضورهن المُصَلي؟ فقال العلماء:
الإِراءة شوكة المسلمين.
٢٥ - باب إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرِ ثَلاَثَ حِيَضٍ، وَمَا يُصَدَّقُ النِّسَاءُ
فِي الحَيضِ وَالحَمْلِ وفِيما يُمْكِنُ مِنَ الحَيضِ
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِلُ لَنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِىّ أَزْحَامِهِنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]،
وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيّ وَشُرَيحِ: إِنِ امْرَأَةٌ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا، مِمَّنْ يُرْضى دِينُهُ، أَنَّهَا
حَاضَتْ ثَلَاثاً فِي شَهْرٍ صُدِّقَتْ. وَقَالَ عَطَاءٌ: أَقْرَاؤُهَا مَا كَانَتْ. وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ. وَقَالَ
عَطَاءٌ: الحَيضُ يَوْمٌ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ. وَقَالَ مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ: سَأَلتُ ابْنَ سِيرِينَ عَنِ
المَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ، بَعْدَ قُرْئِهَا بِخَمْسَةٍ أَيَّامِ؟ قَالَ: النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذلِكَ.

٥٠٤
كتاب الحيض
٣٢٥ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ
عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِيِ حُبَيشٍ، سَأَلَتِ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَتْ:
إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَظْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: ((لَا، إِنَّ ذلِكَ عِرْقٌ، وَلكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ
قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي)).
وهذه الترجمة لا تستقيم على مذهب أحد، إلا على مذهب مَن اختار عدم التوقيت في
الحيض، كمالك رحمه الله تعالى. أما الشافعية رحمهم الله فأقلُّ الحیض عندهم يوم وليلة،
والظُهر أقلُّه خمسةَ عشرَ يوماً إجماعاً. والعِدَّة عندهم بالإطهار، فيحتاج إلى خمسةٍ وأربعين يوماً
للإطهار، ويومين للحيضتين، فلا تمضي عدتُها إلا في سبع وأربعين يوماً عندهم. نعم لو فرضنا
أنه طلقها في آخر الظُّهْر، فيجب عليها أن تتربص ظُهرين آخرين، وثلاث حِيَض، فلا تمضي
عِدَّتُها إلا بثلاثٍ وثلاثين يوماً .
وأما الحنفية فأقلُّه عندهم ثلاثةُ أيام، فلا تمضي عِدّتُها إلا بتسعةٍ وثلاثين يوماً: تسعة أيام
لحيضها، وشهر لظهرها.
فالحاصل: أن فَتوى عليٍّ وشُرَيح رضي الله عنهما لا تستقيم على المذهبين، وَلْيُمْعِنِ
النظرَ فيه كلُّ مَن كانت له عينان، لأنه مؤثر في مسألة أقلّ الحيض وأكثره جداً. وجمع الحافظ
رحمه الله تعالى طُرُقه، وأخرج لمذهبه مخرجاً، فأتى بروايةٍ من الدارمي وفيها: ((خمساً وثلاثين»
يوماً بدل الشهر، وادَّعى أنَّ الراوي حذف الكسر فاستراح منه. قلت: وإذا تُسومح في حَذْف
الخمس فليكن هَيّناً لَيِّناً في حقّ الأربعة أيضاً، وليقل: إن الراوي حذف تسعة أيام ولا عجب.
ثم السَّرَخْسي أجاب عنه بوجه آخر، وقال: إنَّه مِن باب التعليق بالمُحال، لأن حرف ((إن))
يستعمل في المحالات أيضاً، وحينئذ حاصله أنها تُصَدَّقُ إن جاءت ببينة مِن بِطانة أهلها، ولكنه
مُحال، لأن القضاة كانوا يعلمون أن مُضي العدة في تلك المدة غير ممكن. وإذا كان الزمانُ
زمانَ التدين فلا يشهد لها أحدٌ من بطانة أهلها، فلا يمكن أن تُصَدَّق في هذه المدة وهو كما
ترى، على أن في الفقه أنها لا تُصَدَّق عند الخصومة إلا بالشهرين، كذا في ((الدر المختار)) من
باب الرجعة. واختلفوا في تخريجه، فقيل: شهر للحِيَض الثلاث على أن أكثره عشرة، وشهر
للظُّهرين. وقيل: بل يُؤخذ للحِيَض الوسط، لا أقلَّ ولا أكثر، وهو خمسة أيام، فيكون نصف
الشهر للحيض، والباقي للطهر.
ووجهه: أنَّ المرأةَ إذا ادعت بانقضاء عدتها وأنكره الزوج، وجب رعاية الطرفين، فلم
نأخذ بالأقل وأخذنا بالمتيقّن. ولأن العدة يدخل فيها القضاء، ولا سيما عند الخصومة، وتتعلق
بها الأحكام، فإنها تَنْكِح بعدَها زوجاً آخر، وربما يُحتمل أن تكون كَذَبَتْ في أخذ طَمْئها
بالأقل، وتكرار الطَّمْث في شهر أيضاً نادر، فلا يحمل القاضي عليه، فلا بد أن لا تُصَدَّق بأقل
من شهرين لتنقضيَ عدتها بيقين. وهكذا فعله المالكية رحمهم الله تعالى بعينه، فإن الحيض وإن
أمكن عندهم ساعةً لكنهم قدَّرُوه في باب العدة احتياطاً، فما دامت المعاملة كانت في بيتها من
أحكام الصلاة والصيام فَوَّضوه إلى رأيها، وإذا تعلق بها حقُّ العبادة عينوه، لعين ما قلنا .

٥٠٥
كتاب الحيض
وأتصرف فيه من قِبل نفسي - وإن لم يكتبه أحدٌ - وأقول: إنه إن لم تقع الخصومة بينها وبين
الزوج، وادعت المرأة بانقضاء عدتها في تسعة وثلاثين يوماً تُصدَّقُ ديانةً.
وما في المتون فهو مسألة القضاء عندي قطعاً، فإنهم إذا عينوا الأقل والأكثر من الحيض
والطهر في بابيهما، وجعلوه كلية، فمن هدمه في هذا الباب، فإن لم نعتبره في باب العدة
تناقضت المسألتان، لأن تحديد الأقل والأكثر يستلزم تصديقها بانقضاء عدتها إذا احتملت
المدة، وعدم تصديقها إلا بالشهرين يستلزم هدر هذا التحديد، ولهذا جزمتُ بأن ما في الكتب
مسألةُ القضاء دون الدِّيانة .
والحاصل: أنَّ عدمَ تصديقها إلا بالشهرين ليس بناء على عدم الحيض بالثلاث، أو على
هدر التحديد المذكور، بل بناؤه على عدم التصديق عند النزاع رعايةً للجانبين. وإن أمكن مضيُّ
عدتها بأخذ تسعة أيام للحيض بناءً على أنَّ أقلَّه ثلاثةٌ وشهر للظُهْرَين، وحينئذ محظُّ الشهر في
فتوى شُريح ليس نفيَ الكسر بل نفي الشهرين، فجاز أن يكون الكسر خمسةً كما قال الحافظ
رحمه الله تعالى روايةً، أو تسعةً كما قلنا ولا يذهب عليك أن هذا تصرف في التعبير والتقرير
فقط، لا تغيير في المسألة. وكم من مواضع سلكتُ فيها هذا المسلك.
قوله: (وما يُصَدَّقُ النِّساءُ) ... إلخ يعني أنه يصدّق بقولهن في باب الحمل والحيض فيما
يمكن انقضاء الحيض في تلك المدة، ولذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِىّ
أَزْحَامِهِنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فنهى عن الكتمان، ولو لم يكن قولُهن معتبراً لما كان في نهيهن معنى،
فإذا نَهين عن الكتمان وجب للقوم أن يعتبروا بقولهن، إلا أن يَقُلن بما يخالف البداهة من انقضاء
العدة فيما لم يحتمل انقضاؤها فيه، فاستدل به المصنّف رحمه الله تعالى على عبرة قول المطلّقة
إن ادَّعت بانقضاء عدتها في شهر.
قوله: (ويُذْكَر عن عليٍّ وشُرَيح رضي الله عنهما) ... إلخ وشُرَيح هذا كان قاضياً منذ نصّبه
عمر رضي الله عنه. فمرّ علىٍ عليّ رضي الله عنه يوماً، فأمرَهُ أن يحكم في تلك القضية. قال
شُرَيح: أَبين يدي الأمير أَحْكُم؟ قال: نعم. ثم حَكَم شُرَيح بما في الكتاب. وفي ((الفتح)): أن
علياً صوّبه، وقال قالون: وهو في لسان الروم بمعنى أحسنت.
قوله: (بِطَانَة أَهْلِها) يعني خواصَّ أهلها (ابنى خاص كنبه ين سى)، وقد سمعت أنَّ هذا
الأثر مخالفٌ للشافعية والحنفية، وأقرب بِمَنْ لم يَرَ التوقيت في أمر الحيض. وأجاب عنه
الحافظ رحمه الله تعالى بما في الدارمي بزيادة الكسر، وأجبتُ عنه بِحَمْله على الدِّيانة، فلم
يخالف ما في المتون من أنها لا تُصَدَّق إلا بالشهرين، فإنه في حقّ القضاء. أما حذف الخمسة
أو التسعة فالأمر فيه سهل(١)، وإنما ينازع فيه مَنْ يتعصب لمذهب الحنفية، ولا يتحمل أن
(١) قلت: ويمكن أن يؤيد الحنفية بما أخرجه الحافظ رحمه الله تعالى عن الدارمي بإِسناد صحيح إلى إبراهيم قال:
((إذا حاضت المرأة في شهر، أو أربعين ليلةً ثلاث حيض ... ))، فذكر نحو أثر شُرَيح رحمه الله تعالى، وعلي
رضي الله عنه.

٥٠٦
كتاب الحيض
يصيبهم خير من ربهم، على أن محط الشهر نفي الشهرين كما مرّ.
وحاصله: أنَّ شُرَيحاً حكم بالدِّيانة دون القضاء، وحينئذ المقصود أنه لم يحكم بالشهرين
اللذين كانا بحُكُم القضاء، ولذا حَذَفَ الكسر ولم يتعرض له. بقي أن شُرَيحاً كان قاضياً،
والظاهر من أمره أن يكون حُكمه بحُكُم القضاء.
قلت: ولا يجب على القاضي أن يحكم بحكم القضاء دائماً، بل له أن يحكم بحكم
الديانة إذا تراضى الخصمان. نعم لا يكون حُكْمه بالديانة حجةً ملزِمة وفاصلاً، فلو رضي به
الخصمان جاز له أن يحكم بالديانة، كما في ((الدر المختار)): ويُفتي القاضي ولو في مجلس
القضاء، وهو الصحيح ... إلخ.
وفي ((الطحاوي)) في باب الصدقات الموقوفات: عن أبي يوسف، عن عطاء بن السائب
قال: سألت شُرَيحاً عن رجل جعل داره حَبْساً على الآخر، فالآخر من ولده؟ فقال: إنما أقضي
ولست أُفتي. قال: فناشدته، فقال: لا حبس على فرائض الله ... إلخ. فهذا شُريح القاضي
أنكر أولاً أن يُفتيَ بحكم الديانة، ثم إذا ناشده أفتى بها، فهذا دليل على أن للقاضي أن يحكم
بالديانة أيضاً.
قوله: (وقال عَطَاءُ) أقْرَاؤها ما كانت. وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى القديم، كما
في ((النهاية)). وأما الجديد فهو مشهور ويُعْلَم منه: أن الأقراء بمعنى الحيض، كما قال به
الإمام.
قوله: (وقال مُعْتَمِرٌ) ... إلخ. ولا يَنْحِلُّ مرادُ ابن سيرين إلا بعد مراجعة أبي داود
مُفَصَّلاً. قال أبو داود: وروى يونس عن الحسن: الحائضُ إذا مدَّ بها الدم - يعني استمر بها
وزاد على عادتها - تُمْسِك بعد حيضتها يوماً أو يومين - يعني عن الصلاة والصيام فهي عنده إلى
يومين حائضة - فهي - أي بعد يومين - مُستَحاضةٌ. وقال التيميُّ: عن قَتَادة: إذا زاد على أيام
حيضها خمسةُ أيام فلتُصَلِّي. قال التيمي: فجعلت أَنْقُصُ حتى بلغتُ يومين، فقال: إذا كان
يومين فهو من حيضها. وسُئل ابن سيرين عنه، فقال: النساءُ أعلم بذلك. انتهى. يعني أن ابن
سيرين لم يُجِبْ فيما زاد على أيامها خمسة أيام، بخلاف ما نقله التيمي عن قتادة، فإنه جعلها
استحاضةً، واليومين حيضاً .
وهذه المسألة تُسمَّى بالاستظهار عند المالكية: وهي أنها تنتظر بعد أيامها إلى ثلاثة أيام،
فإن ظهر الدم فيها فإنه يُعَدُّ من حيضها ويُلحق بما قَبْله، وإلا فيكون استحاضةً. وعندنا إنْ ظهر
الدم في العشرة يُعَدُّ المجموع حيضاً، وإن تجاوز عنها رُدّت إلى عادتها. فالعبرة عندنا بظهوره
في أيامه أو بعدها، والعبرة عند مالك رحمه الله تعالى بظهوره في ثلاثة أيام، أو بعدها. وقد مرّ
معنا أن التمييز بين دم الحيض والاستحاضة مُشْكِل جداً، فإنهما دمان مشتبهان، ولذا اختُلِف في
إفراز الحيض من الاستحاضة، وإنما عَيَّن مَنْ عَيَّن تقريباً وتسهيلاً لإجراء الأحكام. ثم إنَّ هذا
كلّه فيما تجاوز الدم على أيامها، فإن تصرَّم عليها فجوابه كما في الفقه.

٥٠٧
كتاب الحيض
تنبيه
وبعض الناس لمّا لم يَدْرِ مسألة الاستظهار عند المالكية كتبوه بالطاء، وهو غلط.
ولعلك علمت من هذه المسائل أنها لو ترقَّبت ولم تُصلِّ، ثم بدا لها أنها كانت طاهرةً ولم
تكن حائضة، أنها غيرُ آئمة بِتَرْك صلاتها في تلك المدة، وأن القرآن إنما بَنَّى على رأيهن فقال:
﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوُهُرَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] إلخ لأن رأيهن معتبر في هذا الباب(١).
تنبيه
واعلم أنه قد سها العيني رحمه الله تعالى في شرح قول صاحب ((الكنز)): ((ولا حَدَّ لأكثره
إلا عند نصب العادة في زمن الاستمرار)). والصحيح كما في ((البدائع)) و((خُلاصة الفتاوى))،
ولعل السهو فيه من المتأخرين، ولا أدري وجه ما اختاروه.
٣٢٥ - قوله: (ولكن دَعِي الصلاةَ قَدْرَ الأيام). وقد مرّ في هذه الرواية لفظ الإقبال
والإدبار من قَبْل، فدل على أن الرواة لا يعتنون بهذه التعبيرات وإنما هو تفنن منهم، فتارةً كذا،
وتارة كذا، وإنما اعتنى بها بعض المحدثين حتى بَنَوا عليها تغليط الرواة، كما مرّ مُفَصَّلاً.
٢٦ - باب الصُّفرَةِ وَالكُدْرَةِ فِي غَيرِ أَيَّامِ الحَيضِ
٣٢٦ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْماعيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ
عَطِيَّةً قَالَتْ: كُنَّا لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئاً.
هدر البخاري مسألة التمييز بالألوان إلا أنه قيدها بغير أيام الحيض، ومفهومه اعتبارُها في
أيام الحيض، ثم أخرج عن أم عَطية أنها قالت: ((كنا لا نَعُدُّ الكُدرةَ والصُّفرةَ شيئاً)). قال
الحنفية: معناه أنه لم تكن عندنا مسألة التمييز بالألوان، فكنّا نعدها كلها حيضاً. وقال الشافعية:
معناه إن كنا نعد التمييز بالألوان، فنعد الحُمرة والسواد حيضاً، ولا نعد الكُدرة والصُّفرة شيئاً
لكونها استحاضةً. والشرح الثالث للبخاري.
وحاصله: إنا كنا نُلغي الألوان في غير أيام الحيض، ومفهومه أنه كنا نعتبرها في أيام
الحيض، ففصل بين رؤية الألوان في أيام الحيض وبين رؤيتها في الخارج، وهذا التفصيل من
جانبه. وكأن البخاري ذهب إلى التمييز بالألوان من وجهٍ، وهَدَرَه من وجهٍ (٢). وبالجملة لكلامه
(١) قلت: وفي تذكرة للشيخ رحمه الله تعالى عندي أن الحافظ رحمه الله تعالى شرح أثر ابن سيرين بخلاف ما مرّ
وهو ليس بصحيح، فراجعت ((الفتح)) لأطلع على شرحه وأعرف خطأه من صوابه، فلم أجد فيه شرحاً للحافظ
رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم.
(٢) قلت: وفي تذكرة أخرى عندي، قال الشيخ رحمه الله تعالى: إن البخاري أقرب إلينا، ثم قرره بعده، إلاّ أني ما
تحصَّلتُ مرادَه، وكانت مُسَوَّدتي مشكوكة أيضاً. والظاهر أنه حمل عبارته في تلك السَّنَّة على الشرح الأول، وفي
السنة الأخرى على الثانية ولا بدع فيه، لأن العبارة تحتملهما فتارةً ذكر هذا، وتارة هذا.

٥٠٨
كتاب الحيض
ثلاثة شروح: الأول: أنا لم نكن نعتبر الألوان في مدة الحيض وتُعْتَدّ كلها من الحيض. نعم كنا
نعتدّ بها إذا رأيناها من غير أيام الحيض، وحينئذ وَافَقَنَا المصنِّف رحمه الله تعالى في مسألة
التمييز بالألوان وهدرها. والثاني: إنا لم نكن نَعُدّ الألوان شيئاً من غير أيام الحيض، أما إذا
كانت في أيام الحيض فكنا نعتبر بها، وهذا موافق للشافعية. والثالث: عدم عبرتها مطلقاً.
٢٧ - باب عِرْقِ الاسْتِحَاضَةِ
٣٢٧ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ لَّهَ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتَ
سَبَّعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللّهِ وَلَعَنْ ذلِكَ، فَأَمَرَّهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فَقَالَ: ((هذا عِرْقٌ)).
فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
يعني أنه ليس من دم الرَّحِم بل من العِرْق، واسمه العاذِل. قلت: وإن كانت الاستحاضة
دم عِرْق والحيض دم رَحِم، إلا أنه مع ذلك بينهما ارتباط يوجِب الارتباط في الأحكام
أيضاً.
٣٢٧ - قوله: (فكانَتْ تَغْتَسِل) ... إلخ. وعند أبي داود: الغُسْل لكل صلاةٍ مرفوعاً أيضاً.
وصححه الحافظ رحمه الله تعالى. وعدَّه الشوكاني من التكليف بما لا يُطاق. وحَمَله الطحاوي
على العلاج، أي لإزالة التلطخ بالدم في الحالة الراهنة، فهو لتقليل العُذْر لا للعلاج الطبي،
والجمع فيه عندنا فعليّ فإن قلتَ: إن طهارة المعذور تُنْتَقَضُ عندكم بخروج الوقت، أو بدخوله
فلا يصح الجمع فعلاً أيضاً. قلت: وفيه عند أبي داود: ((وتتوضأ فيما بين ذلك)). قالوا: فهو
لهذا المعنى. والتحقيق عندي يجيء في باب المواقيت، لأن هذا الوضوء عندي للحوائج
الأخرى تعرض له في تلك المدة، لا لأن الطهارة بطلت بخروج الوقت، أو بدخولها على
اختلاف القولين، وإن كان اللفظ صالحاً له.
٢٨ - باب المَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ الإِفَاضَةِ
٣٢٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةً بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنَ عَائِشَةَ زَوْجٌ
النَّبِيِّ وََّ: أَنَّهَاَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللّهِ بَ ◌ّهَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُبَيّ قَدْ حَاضَتْ؟
قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّرَ: ((لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا، أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ؟)). فَقَالُوا: بَلَى، قَالَ:
«فَاخْرُچِي)).
٣٢٩ - حدّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رُخِّصَ لِلحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا حَاضَتْ. [الحديث ٣٢٩ - طرفاه في: ١٧٥٥،
١٧٦٠].

٥٠٩
كتاب الحيض
٣٣٠ - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ: إِنَّهَا لَا تَتْفِرُ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَنْفِرُ، إِنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ رَخَّصَ لَهُنَّ. [الحديث ٣٣٠ - طرفه في: ١٧٦١].
ويسقط عنها طواف الصَّدَر إجماعاً وإليه رجع ابن عمر رضي الله عنه بعدما عُلِم المسألة
كما في الحديث الآتي :
٣٢٨ - قوله: (لعلها تَحِبِسُنا) ... إلخ. وإنما قال هذا لأنه لم يكن يعلم أنها طافت
للزيارة، ثم عَلِم أنها لم يبق عليها غير طواف الصَّدَر.
٢٩ - باب إِذَا رَأْتِ المُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَلَوْ سَاعَةً، وَيَأْتِيهَا زَوْجُها إِذَا صَلَّتْ، الصَّلَاةُ
أَعْظَمُ.
٣٣١ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ زُهَيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ
قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّةَ: ((إِذَا أَقْبَلَتِ الحَيضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ
وَصَلِّي)).
يعني من استمرَّ بها الدم ثم انقطع حِسّاً فهل تنتظر بعده شيئاً، أو تغتسل وتصلي ولا تراعي
عَوْدَه وإن كان ممكناً؟ فقال ابن عباس رضي الله عنه: أنها تغتسل من ساعته وتصلي ولا تنتظر
عَوْدَهُ، ثم إذا وجبت عليها الصلاة - وهي أعظم - كيف لا يأتيها زوجها، وهو أهون. وهذا يُشْعِر
بأن المراد من التطهر في النص عند ابن عباس رضي الله عنه هو الغُسْل. وعند الحنفية مُضِيّ
الوقت قَدْرَ الاغتسال في حكم الاغتسال، فتحِلّ لزوجها بعد مُضِيِّ الوقت أيضاً(١).
٣٠ - باب الصَّلاَةِ عَلَى النُّفَسَاءِ وَسُنَّتِهَا
٣٣٢ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيج قَالَ: أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُسَين
المُعَلِّم، عَنِ ابْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِّ جُنْدُبٍ: أَنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ فِي بَظْنٍ، فَصَلَّى عَلَيهًا
النَّبِيُّ نَّةَ، فَقَّامَ وَسَطَهَا. [الحديث ٣٣٢ - طرفاه في: ١٣٣١، ١٣٣٢].
(١) قلت: وفي تذكرة أخرى للشيخ رحمه الله تعالى: عندي أنَّ بعض السلف ذهبوا إلى عدم التوقيت في الظهر
والّمْث، فإِذا رأت الدم فهو الَّمْث، وإذا انقطع فهو الطهر، ولا عجب أن يكون البخاري اختاره أيضاً استئناساً
من قوله: ((ولو ساعةٍ))، لأنه لم يأتِ في الباب بترجمة تُشعر بالتوقيت عنده، وهناك قول عند مالك رضي الله عنه
ويسمّونه تلفيقاً. وقالوا: إنها إذا رأت اليوم دماً تترك الصلاة، وإذا انقطع غداً تصلي، ثم تسلسل كذلك إلى ستة
أيام: فثلاثة منها حيض، وثلاثة ظُهر. وقال آخرون: إن الظُهر المتخلِّل بين الدَّمَيْن كالدم المتوالي. وراجع
تفصيله من (شرح الوقاية)). ورسالة الشيخ محمد البركلي المعروف ((بالطريقة المحمدية)). وشرحها للشامي
لمسائل الطمث، ((والجوهر النَّقي) لمسائل الإقبال والإِدبار، والشيخ علاء الدين التُّرْكُماني شيخ لشيخ الحافظ
ابن حجر، فإِن الحافظ رضي الله عنه تلميذ لزين الدين، وهو تلميذ للتُّرْكُماني فاعلمه.

٥١٠
كتاب الحيض
يعني به أنه يُصلَّى عليها، وزاد: ((وسنتها)) إشارة لما في الحديث: ((فقام وسطها)). والسُّنَّةُ
فيها عندنا أن يقوم الإمام حِذَاء الصَّدْرِ من الرجل والمرأة كليهما، وما ذهب إليه الإمام الشافعي
رحمه الله تعالى هو روايةٌ عن إمامنا أيضاً على أن لفظ الوسط لا يتعين في القيام بحِذَاء
العَجِيزة، لأن الساكن منه متحرك والمتحرك ساكن، ولا يتعيَّن فيه واحد منهما، وإنما يكون
دليلاً لهم لو كان متحركاً ((وسطها)) فهو للوسط الحقيقي، ولا يكون إلا واحداً، بخلاف ما إذا
كان ساكناً، أي ((وسطاً) فإنه يَصْدُقُ على الوسط الإضافي فهو متعدِّد، وهو معنى كونه متحرِّكاً.
ولعله راعى ما في أبي داودٍ أن أنساً رضي الله عنه صلى على جنازة، فقيل له: يا أبا حمزة،
هكذا كان رسولُ الله ◌َلّم يصلّي على الجنازة كصلاتك عليها؟ قال: ((نعم)). فعبّر بلفظ السُّنة. ثم
عند أبي داود قام عند عَجِيزتها، فاندفع التأويل المذكور ولا حاجة إلى الجواب، فإنه أيضاً
رواية عن إمامنا الأعظم رحمه الله تعالى.
٣١ - بابٌ
٣٣٣ - حدّثنا الحَسَنُ بْنُ مُذْرِكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِىِ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ
مِنْ كِتَابِهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ خَالَتِي
مَيِمُونَةً، زَوْجَ النَّبِيِّ وَِّ: أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ حَائِضاً لَا تُصَلِّيَ، وَهيَ مُفتَرِشَةٌ بِحِذَاءِ مَسْجِدٍ
رَسُولِ اللَّهِ وَّةِ، وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَتِهِ، إِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي بَعْضُ ثَوْبِهِ. [الحديث ١٣٣
أطرافه في: ٣٧٩، ٣٨١، ٥١٧، ٥١٨].
وإنما لم يترجم، لأن هذا الحديث ليس من تلك السلسلة التي وضعها وإن كان مناسباً في
الجملة. وفيه عبد الله بن شدَّاد صحابيّ صغير وتابعي كبير، يروي حديث: ((قراءة الإمام له قراءة)) .
قوله: (مَسجد رسولِ اللّهِ وَل﴾) تعني به مسجد البيت.
٣٣٣ - قوله: (خُمْرَته): وهي التي تحفظ الجبهة عن التراب. وفَهِم الروافض أنها بهذا
القدر فقط، وليس كذلك، وإنما أراد أهل اللغة بيان الغَرَض منها، لا أنها مقصورة عليه فقط.
وإنما سُمِّي خُمْرَة لاختمار لُحْمتَه من سُدَاه.
وفي الهند قومٌ يُدْعون ((خُمْرَة)) وأنهم يصنعون الحصير والخُمرة، فدلّ العمل أيضاً على أن
الخُمرة هي الحصير الذي يصلح للصلاة عليه، ولا يقتصر على الجبهة فقط.
قوله: (أصابني بعضُ ثوبه). وفي الفقه: أن النجاسة المفسِدَة ما يُعَدُّ المصلي حاملاً لها
وما لا يحملها فليست بمفسدة، كما في ((العَالْمَكِيرِيَّة)): أن جُنِباً لو ركب على رجل يصلي وثيابُه
نجسةٌ؛ فإن أمسكه فسدت صلاته، وإلا لا. وفي ((المنية)): أن الثوب إذا كان واسعاً بحيث لا
يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر، وأحد طرفيه نجس، فصلى رجلٌ ملتفّاً بالطرف
الآخر، جازت صلاته، وإن تحرَّك الطَّرَف الآخر بتحريك ذلك الطرف بطلت صلاتُه.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٧ - كِتَابُ التَّيَمُّم
قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ
مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
١ - بابٌ
والتيمم: القَصْدُ لأمر وقيع، والصعيد: من الصعود: ما ارتفع من الأرض، سواء كان
مُنبتاً، أَو لا. ووافق فيه صاحب القاموس أبا حنيفة رحمه الله تعالى مع أنه يراعي مذهبه في بيان
اللغة أيضاً، إلا أنه لم يجد ههنا بداً من موافقته. وفي ((الزُّرْقَاني): وإنما سمَّى وجه الأرض
صعيداً، لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض.
نظرة وفكرة في أن أيّ الآيتين نزلت في التيمم
قال ابن العربي: هذه مُعضِلة ما وجدتُ لدائها دواء، لأنا لا نعلم أيَّ الآيتين عَنَتْ عائشةُ
رضي الله تعالى عنها. قال ابن بَطَّال: هي آية النساء، أو المائدة. وقال القُرطبي: هي آية
النساء، لأن آية المائدة تسمَّى آية الوضوء؛ وآية النساء لا ذِكْرَ فيها للوضوء. قال الحافظ
رحمه الله تعالى: وظهر للبخاري ما خفي على جميعهم من أنَّ المراد بها آية المائدة بغير تردد
الرواية عمرو بن الحارث إذ صرَّح فيها: فنزلت ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ الآية
[المائدة: ٦]، وأشار إليها البخاري فتلاها في الترجمة، لهذا قلت: وهو الأظهر عندي وإن ذهب
ابن كثير إلى أنها آية النساء، وجزم به، لأن ما تمسك به في إسناده ربيع بن بدر، وهو ساقط
وأخرجه الطحاوي أيضاً (١).
(١) قلت: وفي تذكرة أخرى عندي: ولعل مراد القاضي من المُعضِلة التي لم يجد لها دواء أنَّ آية التيمم إن قلنا: إنها
نزلت قبل هذه الواقعة فلِمَ انتظروا وتركوا الصلاة في هذه الواقعة مع حكم التيمم عندهم من قبل؟ وإن قلنا: إنها
نزلت في تلك الواقعة بخصوصها ولم يكن عندهم عِلمٌ من التيمم قبل ذلك، فلِمَ نزلت الآية الثانية، فإِنَّ التيمم
قد عَلَّمته الآية الأولى فلا فائدة في نزول الآية الثانية، لأنه لا فرق بينهما إلاّ بحرف واحد وهو ﴿مِنْهُ﴾؟ قلت:
وجوابه على ما ظهر لي أن آية التيمم التي تَعَلَّم الناسُ منها مسألة التيمم في آية النساء كما جزم به ابن كثير دون
المائدة فإنها آخرها نزولاً وما استشهد به ابن كثير وإن كان في إسناده ربيع بن بدر وهو ضعيف إلاّ أنه أخرجه
الحافظ ضياء الدين المقدسي في مختاراته، وشرطه معلوم، فدلّ على ثبوتها عنده بإسناد آخر غير هذا الإِسناد فلا
بأس بضعف هذا الإِسناد، لأنه تأيَّد بطريق آخر صحيح، إذا علمتَ هذا، فاعلم أن آية النساء إنما سيقت لبيان =
٥١١

٥١٢
کتاب التيمم
أبدع تفسير لآية التيمم
قوله: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَلَوَةَ﴾ واعلم أنَّ الآية سيقت لأحكام الإتيان إلى الصَّلاة لا لأحكام
المسجد كما فهمه الشافعية، ولا لأحكام الصلاة نفسها كما فهمه الحنفية. فاحتاج الشافعية إلى
تقدير المضاف وقالوا: معناها لا تقربوا مواضع الصلاة، أي المساجد، إلا أن تكونوا عابري
سبيل، أي مجتازين بها، فيجوز لكم المرور في حالة الجَنَابة اجتيازاً. ونشأ على مختار الحنفية
سوء ترتيب، لأنهم أرادوا بالصلاة فعلَها، أي: لا تصلوا، فلم يرتبط به الاستثناء.
والوجه عندي أنَّه جعل الصلاة في تلك النظرة مأتية كأنها ليست من فعله بل هي منفصلة
عنه يرد عليها ويصدر عنها وهي شاكلة الجماعة في المسجد، وعليه قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ
لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٥٨]، وقوله
تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّ وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤]، ففُرِضت الصلاة في هذه الآيات
كأنها منفصلة عنه، وكذا في قوله ◌َِّ: ((إذا أقيمتِ الصلاةُ فلا تأتوها تَسْعَونَ)) وحينئذ معناها أن
لا تأتوا الصَّلاةَ في حال السُّكْر، ولا في حال الجنابة إلا أن تكونوا عابري سبيل إلى المسجد،
فالعبور ليس في المسجد بل في الطريق إلى المسجد عند الإتيان إلى الصلاة (١).
قوله: (إلا عَابِري سَبِيل). وترجم عليه البخاري. وعدَّ العيني رحمه الله تعالى هناك نحواً
من عشرة أنفس كانوا يقعدون في بيوتهم معطلين، فدعت الحاجة إلى الاستثناء، وأن المرور
والاجتياز جائز.
قوله: (وإنْ كُنتُم مُرْضَى) وإنما أعادها مع ذكرها في المائدة، لدفع تَوَهُّم نَسْخ ما في
المائدة، فإنه لو اقتصر على قوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ لتوهم نَسْخ تيمم الجُنْب المذكور في المائدة،
وتعين إيجاب الغُسْل فقط، فأعادها ثانياً تقريراً للتيمم، وهذا كالتكرار في آية الصيام حيث كرر
قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِذَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤]، واضطرب فيه
المفسِّرون، وكتب كلَّ ما بدا له، وأنا أيضاً كتبت فيه ما أراني ربي.
حكم الحَدَثِ الأكبر والتيمم منه، وحينئذٍ انتظارهم إنما كان لأنهم لم يكونوا يعلمون التيمم من الحدث الأصغر
=
كيف هو، فتركوا الصلاة حتى نزلت آية المائدة، وهي التي سيقت لبيان حكم الحَدَث الأصغر، وأَن التيمم منه
كالتيمم من الحدث الأكبر، فعند ذلك فُرُجَ عنهم وتيمموا وصلّوا، والحاصل: أن التيمم من الحدث الأكبر كان
معلوماً عندهم، وقد تعلَّموه من آية النساء، ولم يكونوا يعرفون التيمم من الحدث الأصغر أنه كيف هو. ثم إذا
فقدوا الماء ولم يكونوا يعلمون صفةً التيمم من الحَدَث الأصغر ترددوا ودُهِشوا حتى نزلت آية المائدة وتعلّموها
منها، وهذا كما ترى صريح بعكس ما اختاره البخاري والشيخ رضي الله عنه نَفْسُه، فراجعتُ الشيخ في ذلك
وذكرتُ له رأيه في درسه، ورأيه في تذكرته فقال: كلاهما صحيحان، يعني به أنهما نظران. فهذا نظر، والمختار
عندي ما اختاره البخاري، وأما ضياء الدين فإِنه وإن شرط الصحة في كتابه، لكنه لا يوازي البخاري، فيترجح
عليه ما أخرجه البخاري.
(١) قلت: وإنما بَيَّن الرُّخْصَة لهذا المرور خاصة لأن الآتي إلى الصلاة في حكم الصلاة في نظر الشارع، والذي ينتظر
الصلاة كالذي يصلي، ولذا كُرِه له التشبيك كما كُرِه للمصلي، فكان التعرض إليه أهم، فأباح له هذا المرور.

٥١٣
كتاب التيمم
وحاصله: أنَّ صدر الآية ليس في رمضان بل في الأيام البيض، وكانت فريضة قبل رمضان
ثم نسخها الله بعد، فاحتاج إلى التنبيه بأن صيام البيض وإن نسخت إلا أنَّ مسألة القضاء باقٍ
على ما كانت، وإلا لأمكن أن يتوهّم أحدٌ بنسخِها نسخ مسألة القضاء أيضاً، وسيجيء تقريره في
موضعه تفصيلاً إن شاء الله تعالى.
قوله: (أو على سفر) والمراد به السفر الشرعي. ففرق القرآن بين عُبور السبيل والسفر،
ودل على أنَّ السقَّر في نظره أمر وراء عبور السبيل. فمن أطلق في السفر وحمله على اللغة فقط
وجعل له أحكاماً من القصر والفطر وغيرهما، فكأنَّه لم يراع ما أومأ إليه القرآن، وحينئذ اندفع
إيراد التكرار أيضاً. والفرق الثاني: أن آية المائدة وإن سيقت في الحدث الأصغر لكنها انجرت
إلى حكم الحدث الأكبر أيضاً، ثم ذكر التيمم بعدهما، فلم تكن صريحة في التيمم للجنب،
واحتملت أن يكون التيمم فيها مقصوراً على الحدث الأصغر. ولذا نُسِب إلى عمر رضي الله عنه
أنه كان يتردد في التيمم للجُنب. ومِثْلُه نُسب إلى ابن مسعود رضي الله عنه، بخلاف آية النِّساء،
فإنها لما سِيقت للحدث الأكبر من أول الأمر كانت صريحة في التيمم منهما .
والحاصل: أنها في حكم الإتيان عندي، وهكذا أقول في تفسير آية المائدة أنَّ المرادَ من
قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦] ليس هو القيامُ إلى الصلاة - أي التحريمة - بل الذهاب
إلى المسجد لأجل الصلاة. يعني إذا قمتم من مجالسكم لأجل الصلاة فتوضؤوا، فآية النساء
والمائدة كلتاهما على سياق الإتيان إلى المساجد عندي، والله تعالى أعلم. وقد مرَّ الكلام على
بقية أجزائه في كتاب الوضوء.
٣٣٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ القَاسِمِ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِّ بََّ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ يََّ فِي بَغَضَِ أَسْفَارِهِ،
حَتَّى إِذَا كُنَّا بالبَيْدَاءِ، أَوْ بِذَاتِ الجَيشِ، انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَّى
التِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَّى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، فَقَالُوا:
أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللّهِ ◌َِّ وَالنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَىْ مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ
مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ◌َِّ وَاضِحُ رَأْسَهُ عَلَىَ فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ
رَسُولَ اللَّهِوَّهِ وَالنَّاسَ، وَلَيسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيسَ مَعَهُمْ مَاءٌ! فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو
بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعَنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ
التَّخَرُّكِ إِلَّ مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ◌َّ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِوَّ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيرِ
مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التََّمُم فَتَيَمَّمُوا، فَقَالَ أُسَيدُ بْنُ الحُضَيرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ
أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الَّبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيهِ، فَأَصَبْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ. [الحديث ٣٣٤ - أطرافه
في: ٣٣٦، ٣٦٧٢، ٣٧٧٣، ٤٥٨٣، ٤٦٠٧، ٤٦٠٨، ٥١٦٤، ٥٢٥٠، ٥٨٨٢، ٦٨٤٤، ٦٨٤٥].
٣٣٤ - قوله: (في بعض أسفاره)، أي غزوة بني المُصْطَلِقِ، وفيها قِصَّةُ الإِفْك.
قوله: (بالبَيْدَاءِ) وقد سها النووي في تَعْيينه، وهو موضعٌ بين مكة والمدينة.

٥١٤
کتاب التيمم
قوله: (ما هي بأَوَّلِ بَرَكَتِكُم يا آلَ أبي بكر) بل هي مسبوقة بغيرها. وفي رواية: ((فواللهِ ما
نزل بكِ أمرٌ تَكْرَهِينه إلا جعل اللّهُ للمسلمين فيه خيراً)) وفي النكاح: ((إلا جعل اللّهُ لك منه
مَخْرجاً وجعل للمسلمين فيه بركة)). وهذا يُشْعِر بأنَّ هذه القصة كانت بعد قصة الإفْك. فإن
فُقدان القِلادة، والتماسَ الناس، والبركةَ لهم، والمَخْرِجَ لها كلَّها في قصة الإفْك، وإليها يتبادر
الذهن لشهرتها. فإن جعلناها قصةً في غزوة بني المُضْطَلِق لم يلتئم معه هذا القول، لأن قصة
الإفك فيها .
ولقائل أن يقول: لِمَ لا يجوز أن يكون هذا إشارة إلى قصةٍ غيرِ الإفْك؟ ولكنه ليست هناك
قصة أخرى اشتهرت بالبركة للمسلمين، والمخرج لها غيرَ قِصَّة الإفْك. فقيل: إن العقد انقطع
في تلك الغزوة مرتين. ففي قصة الإفْك: أنها ذَهَبَتْ لِطَلَبِها وتأخرت عنهم حتى أنهم رخَّلُوا
الهَوْدجِ، وكُنَّ النساء إذ ذاك خفافاً، فظنوا أنها فيه، فارتحلوا وارتحل النبيُّ اقَّر. ثم جاء
صفوانُ ورأى سوادَ إنسان، وجاء بها إلى القافلة حين ارتفع النهار وشاع ما شاع. وفي هذه
القصة أن النبيَّ ◌َّ بعث الناس لِطَلَبِها، وكان رأسهم أُسَيد بن حُضَير، فلم يجدوا، ثم رجعوا
ووجدوا العِقْد تحت البعير، ثم ارتحلوا وارتحل النبيُّ لَّ* وعائشةُ رضي الله عنها معه. فإذا كان
بين القصتين مغايرة، لا بد لنا أن نقول بتعدد الواقعتين.
قلت: وهو كذلك، إلا أنه لا دليل فيه أنهما كانتا في سفر واحد، والذي يظهر أَنَّهما كانتا
في سفرين لأمرين :
الأول: لِمَا أخرجه الحافظ رحمه الله تعالى عن الطبراني من طريق عَبَّاد بن عبد الله بن
الزبير، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان من أمر عِقْدي ما كان، وقال أهل الإفْك ما
قالوا، خرجت مع رسول الله وَّفي غزوة أخرى، فسقط أيضاً عِقْدي حتى حُبِس الناسُ على
التماسه، فقال لي أبو بكر: يا بنيةُ في كلِّ سفرٍ تكونين عناءً وبلاءً على الناس، فأنزل الله عز
وجل الرخصة في التيمم. فقال: إنك لَمباركةٌ ثلاثاً. وفي إسناده محمد بن حميد الرازي، وفيه
مقال. قلت: ولكنه يُعَدّ في طبقة الحفاظ فالرواية صحيحة عندي.
والثاني: لما أخرجه الطحاوي عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود حدثه: أنَّ سَمِعَ عُروة
يخبره عن عائشة رضي الله عنها قالت: أَقْبُلْنا معَ رسولِ الله وَّمن غزوة له، حتى إذا كنا
بالمُعَرَّسِ - قريباً من المدينة - نَعَسْتُ من الليل، وكانت عليَّ قِلادةٌ، تُدْعَى السِّمْطَ تبلغ السّرَّةَ،
فجعلت أَنْعس فخرجَتْ من عُنُقي، فلما نزلتُ مع رسول الله 3 4* لصلاة الصبح، قلت: يا
رسول الله، خرّت قِلادتي من عُنُقي. فقال: أيها الناسُ، إنَّ أُمَّكم قد ضَلَّت قِلادتَها فابتغوها،
فابتغاها الناس ولم يكن معهم ماء، فاشتغلوا بابتغائها إلى أن حضرَتْهُمُ الصلاةُ ووجدوا القِلادةَ
ولم يقدروا على ماء، فمنهم مَن تيمم إلى الكفّ، ومنهم مَنْ تيمم إلى المَنْكِب، وبعضهم على
جسده. فبلغ ذلك رسولَ الله ◌َّله فنزلت آيةُ التيمم.
فهذا أيضاً يدلُّ على أنَّ قصة فُقْدان القِلادة وقعت مرتين. وفي إسناده ابن لَهِيعة، ولكنَّ

٥١٥
كتاب التيمم
اختلاطه يؤثر فيما يروى من حفظه، وظَنِّي أنَّ روايته هذه عن الصحيفة، لأنَّه يروي ههنا عن أبي
الأَسود وكان عنده صحيفة منه، فإذا كانت روايته تلك عن الصحيفة فلا يضرُّ اختلاطه أصلاً.
ولما صحَّت الروايتان في تَعَدُّدِ القصة، هان علينا أن نلتزم تَعَدُّدَ القِصَّتين.
قوله: (يَطْعَن) بفتح العين، بمعنى الطعن باليد أو غيرها فهو للطعن حِسّاً، وبضم العين
للطعن مَعْنَی.
قوله: (فَأَنزِلَ اللّهُ آيَةَ التيمم) وقد مرَّ الكلامُ فيه أنَّ المرادَ منها آية المائدة.
٣٣٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ (ح). قَالَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ
النَّضْرِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، هُوَ ابْنُ صُهَيبِ الفَقِيرُ،
قَالَ: أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ: أَنَّ النَّبِيَّنَِّ قَالَ: ((أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَخَّدٌ قَبْلِي:
نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرِ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي
أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلَيُصَلِّ، وَأَحِلَّتْ لِيَ المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةً،
وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عامَّةً)). [الحديث ٣٣٥ - طرفاه في: ٤٣٨،
٣١٣٢].
٣٣٥ - قوله: (أُعطيتُ خمساً) ومفهوم العدد غير مُعتبر عند الكل، فلا تكون الخصائص
منحصرة في هذا العدد فقط، حتى إن السيوطي رحمه الله تعالى صنف فيها تصنيفاً مستقلاً،
سماه بـ ((الخصائص الكبرى))، وعَدَّ فيه خصائصه تزيد على المئات.
قوله: (جُعِلَت لي الأَرضُ) وقد مرَّ أنَّ الأممَ السابقة كان فيهم التوسيع في الأوقات،
والتضييق في الأمكنة بعكس هذه الأمة، فعلينا التضييق في الأوقات، والتوسيع في الأمكنة،
وصِفْتُنا في الكتب السابقة: أمةٌ يراقِبون الشَّمس، فأوقاتُ صلاتنا وُزِّعت على أحوال الشمس من
الطلوع، والغروب، والدُّلوك. وعند الدَّارِمي: ويصلون ولو في الكُناسة.
قلت: وهذا لا ينافي الطهارة، لأنَّه أُخْرِج مُخْرجَ المبالغة، والمعنى: أنهم يراقبون
الأوقات فيصلون أينما أدركتهم الصلاة ولو في الكُناسة، وهو قوله وَله: ((صَلَّوا في مَرَابِضٍ
الغنم)). فالصلاة في مرابض الغنم كان لهذا، لا لطهارة أزبال مأكول اللحم كما فَهِمَه الذاهبون
إليها، وقد مَرَّ تفصيله فتذكره.
قوله: (طَهوراً) واستدل به المالكية أَنَّ الماءَ لا يكونُ مستعملاً أبداً، لأنَّ الله تعالى وصَفَهُ
بالطّهور، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ ◌َهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] والطّهور ما يطهر مرةً بعد أخرى. فلو
قلنا: إنه لا يَظْهُر بعد الاستعمال - وإن بقي طاهراً - لم يصحَّ وَصْفُه بالظُهورية. وأجاب عنه
الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى في ((الفتح)) فراجعه.
قلت: وأوزان صِيغ المبالَغة أربعةٌ في الصرف، والذي وُضع لمعنى التَّكرار هو وزن فَعَّال

٥١٦
كتاب التيمم
كضَرَّاب للذي يضرب مرةً بعد أخرى. والفَعُول وُضِع للقوة، فالطَّهُور ما يكون قوياً في الطهارة،
لا كما فَهِمَه المالكية، والله تعالى أعلم.
:
قوله: (فأيُّما رَجُلٍ من أُمَّتي أَدْرَكَتْهُ الصلاةُ) ... إلخ. قال الحنفية: إنَّه من قبيل إفراد
الخاص بحكم العام، فلا يكون مفيداً للتخصيص. ويكون الحاصل: أنَّ المسجدَ إن كان قريباً
فالمطلوب الصلاة فيه، والاهتمام لها، وإن لم يكن قريباً كما في السفر فالاهتمام بالوقت،
فاعلمه .
٣٣٥ - قوله: (بُعِثْتُ إلى النَّاسِ عامَّةٌ). قيل إنَّ دعوة نوح عليه السَّلام أيضاً كانت عامَّةً
لجميع مَن في الأرض، وإلا لما أُهْلِكوا، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّ مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
[الإسراء: ١٥]. فالجواب كما قاله ابن دقيق العيد: يجوز أنْ يكونَ التوحيدُ عامّاً في بعض الأنبياء
وإن كان التزامُ فروع شريعته ليس عامّاً. ويحتمل أنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح عليه
السلام إلا قومُ نوح عليه السلام فبعثته خاصة إلى قومٍ فقط - وإن كانت عامةٌ صورةٌ - لعدم وجود
غيرهم.
قلت: وقد مرَّ معنا في كتابِ العلم أنَّ دعوتَهَم وإن كانت عامة في التوحيد، لكنَّها كانت
باختيارهم، بخلاف النبيّ ◌َّرَ فإنَّه كان مأموراً بالتبليغ لجميع مَنْ في الأرض ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا
بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧](١).
٢ - باب إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلاَ تُرَاباً
دخل المصنِّف في مسألة فاقد الظَّهورين، واختار أنَّه يُصلِّي كذلك، وهو أحدُ وجوه
الشافعية، ذكرها النَّووي رضي الله عنه. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يتشبه بالمصلين ويقضي
إذا قَدِرَ بما قَدِر. ثم التشبه إنما هو في الركوع والسجود فقط دون القراءة، ولما علمنا أنَّ الحُكمّ
في الحج والصوم أنَّ الحاج إذا فَسَد حَجُّه يتشبه بالحاج ويمضي في أفعاله، وأنَّ الظَّامِثَ إذا
طَهُرت، والكافر إذا أسلم، والصبي إذا بلغ في رمضان، أنهم يتشبَّهون بالصائمين، ويُمْسِكُون
(١) قلت: وقد مر معنا أنه لو ثبت عموم البعثة في نوح عليه الصلاة والسلام، أو إبراهيم عليه الصلاة والسلام أيضاً لا
تكون تلك إلّ في عرض الزمان، لا في طوله فتقتضر على أهل زمانه ولا تنسحب إلى يوم القيامة. ولم أر الشارحين
إلّ أنهم يريدون إثبات التخصيص في عرض الزمان، ولم يتكلموا في طول الزمان بِحَرْف، وهذا يُشْعِر بأنه لو سَلَّمنا
عموم بعثة أحد غير النبي ◌َّ لخالف ذلك عموم بِعْثَتِه ◌َّر في نظرهم، والذي يظهر أنه من خصائصه {قَّهُ في كلّ
حال، لأن عموم بعثة النبيِّ ◌َّهُ إنما هو طولاً وعرضاً، فهو كما أنه مبعوثٌ لجميع أهل زمانه، كذلك لمن سيُولَدُ
بعده، فهو نبيّ لجميعهم حياً وميتاً، بخلاف بعثة نوح عليه الصلاة والسلام فإنها لو كانت عامة لكانت لأهل زمانه
فقط، وهو الذي نعني بعرض الزمان، فلو سلمنا أن بعثته أيضاً كانت عامة، لما كان فيها معنّى يخالف عمومَ
بعثتِهِ وَّهُ وكونَه من خصائصه. وإنما أردت بذلك بيانَ قِلَّة نظري وقصور فهمي، لا بيان حقيقة، أو إبداع تحقيق،
فإني رجلٌ فقدت بصري وبصيرتي، فإن شيخي رضي الله عنه هو الذي كان سمعي وبصري الذي أسمع به، وأبصر
به، وأما الآن فالأبواب تدفعني أطرقها فلا تفتح لي، وأدخلها فلا يُرحب بي أُسَلِّم فلا يُردّ عليّ والله المستعان.

٥١٧
کتاب التيمم
بقيَّة يومهم، ألحقنا الصلاة بأخويها، وقلنا: إنه إذا فَقَد الظَّهُورين يتشبَّهُ بالمصلِّين حُرمةً
للوقت(١).
٣٣٦ - حدّثنا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ
عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ
اللّهِ وََّ رَجُلاً فَوَجَدَهَا، فَأَدْرِكَتْهُمُ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذلِكَ إِلَى رَسُولٍ
اللَّهِ وَسِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّم، فَقَالَ أُسَيدُ بْنُ حُضَيرٍ لِعَائِشَةَ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيراً، فَوَ اللَّهِ مَا
نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ ذلِكَ لَكِ وَلِلمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيراً.
٣٣٦ - قوله: (وليس معهم ماءٌ فَصَلُّوا) يعني أنَّ الماءَ إذا لم يكُن عندهم، وحُكْمُ التيمم
لم يَنْزِل بعد، فكانوا كفَاقِد الطَّهورين فَصَلّوا، أي أُسَيد بن حُضَير ورفقاؤه الذين كانوا ذهبوا معه
لطلب القِلادة، فَعُلِم أنَّ الأداء واجبٌ، والقضاء غير لازم. قلت: وهذا استدلالٌ مِن فِعْلهم ومن
التبادر ببلوغ خِبرِهِم إلى النبيِّ وََّ، وفي كليهما نظر - ولنا في تَرْكِ الصلاةِ ما رُوي عِنِ عمر
رضي الله عنه أَنَّه أَجْنَبَ ولم يُصلِّ، على أنَّه قياسٌ لنادرِ الوقوع على كثيرِ الوقوع، فإنَّ فُقْدان
الماء مما يَكْثُرُ وقوعُهُ، بخلاف فُقْدان الطّهورين(٢).
٣ - باب التَّيَّهُم فِي الحَضَرِ إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ وَخَافَ فَوْتَ الصَّلَاةِ
وَبِهِ قال عَطَاءٌ، وَقَالَّ الحَسَنُ، فِي المَرِيضِ عنْدَهُ المَاءُ، وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ: يَتَيَمَّمُ.
وَأَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ أَرْضِهِ بِالجُرُفِ، فَحَضَرَتِ الَعَصْرُ بِمَرْبَدِ الغَنَمِ فَصَلَّى، ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ
وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، فَلَمْ يُعِدْ.
ونُسب إلى أبي يوسف رضي الله عنه أنَّه كان يُنكِرُ التيممَ في الحَضَر لوُجْدَان الماء على
الأكثر، وندرة فُقْدانه فيه. واعلم أنَّ في الباب ثلاثَ وقائع على اختلافٍ في ألفاظها، ينبغي
للباحث أن يراعيها لأنها يتناقض بعضها ببعض، وتُبْتنى عليها مسائل مختلفة، فليحرِّرها قبل أَخْذ
المسائل منها، ليعلم أنها متعددةٌ، أو واحدةٌ والاختلافُ من الرواة، وأنَّ اللفظ الراجح ما هو،
ليصحَّ بناءُ المسألة عليها(٣).
(١) قلت: ومن العجائب ما حرره الحافظ في قصة التيمم في حديث أبي الجُهَيم أنه قيل: إن النبيَّ بَّ لم يُرِد بذلك
التيمم رَفْعَ الحَدَث ولا استباحةَ محظور، وإنما أراد التشبه بالمتطهرين، كما يشرع الإمساك في رمضان، لمن
يباح له الفطر أو أراد تخفيف الحَدث بالتيمم، كما يشرع تخفيف حدث الجُنُب بالوضوء، والمسألة طويلة
الأذيال فصَّلناها في تقرير الترمذي.
(٢) قلت: ولعله لا يَرِد على البخاري، لأنه لم ينزل إذ ذاك طهورية التراب، فكان الماء هو الطَّهُورَ، فَفَقْدُ الظَّهور
الواحد حال كونه طهوراً فقط كَفَّقْد الطهورين عند مشروعية الطهارة بهما، ولا أفهم بينهما فرقا، والله تعالى
أعلم.
(٣) قلت: ولا ينكشف الغطاء عن وجه المقصود ما دامت ألفاظها، وقد جمعتُها مع بيان الفروق بينها وها هو
هذا :
=

٥١٨
كتاب التيمم
فمنها حديث أبي الجُهَيم، ومنها حديث ابنِ عمر رضي الله عنه، ومنها حديث مُهاجر بن
قُنْفُذ. أما حديث أبي الجُهَيم ففيه: أنَّ رجلاً سَلَّم عليه وهو مُقْبِلٌ من نحو بئر جَمَل، فكان
السلامُ فيه بعدَ البول لا حال البول، وفيه رَدُّهُ قَلَّ عليه بعد التيمم، وليس فيه ذِكْرُ العِلّة.
وأمَّا حديث ابن عمر رضي الله عنه ففيه: أنه سَلَّم عليه حالَ البول، وفيه أنه لم يَرُدَّ عليه
السلامَ. وفيه عند الطحاوي، وأبي داود جواب السلام بعد التيمم، مع ذكر التعليل،
والاختلاف في أنَّ السلامَ كان بعد خروجه من غائطٍ أو بولٍ، فاختلف حديثه: ففي الترمذي
ومسلم والطحاوي في طريق: أن السلامَ كان حالَ البول، وعند الطحاوي من طريق آخر وأبي
داود: أنه كان بعد الخروج من الغائط، أو البول.
أما حديث مهاجر ففيه اختلاف أيضاً، فعند ابن ماجه: أنه سلَّم عليه وهو يتوضأ، فلم يردّ
عليه السلامَ حتى فَرَغ من وضوئه، مع ذكر التعليل. وهكذا عند الطحاوي في طريق. وعنده من
طريق آخَرَ وأبي داود: أنه سلَّم عليه وهو يَبُولُ، وعلى الأول فيه استدلالُ الطحاوي على
اشتراط الطهارة للأذكار، كما ذكره في باب التسمية على الوضوء، على خلاف مذهب الشافعية.
الأولى: ما عند ابن ماجه عن المهاجر بن قُنْفُذ قال: أتيتُ النبيَّ ◌َّ وهو يتوضأ فسلمتُ عليه فلم يَرُدَّ عَلَيَّ، فلما
=
فرغ من وُضوئه قال: ((إنه لم يمنعني مانع، مِن أن أَردَّ عليك، إلا أني كنتُ على غير وضوء، وهكذا عند الطحاوي
بلفظ: ((وهو يتوضأ))، مع بعض تغيير في لفظ التعليل. وعنده من طريق آخر عنه: أن النبيّ بٍَّ كان يَبُولُ، أو قال:
مررت به وقد بال، فسلمت عليه فلم يردّ علي حتى فَرَغْ من وُضوئه، ثم ردّ عليّ. وعند أبي داود: وهو يبول،
بدل وهو يتوضأ.
والثانية: ما عند ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: مرّ رجلٌ على النبيِّ ◌َِّ وهو يبولُ، فسلَّم عليه فلم يَرُدَّ
عليه، وهكذا عند الترمذي ومسلم بدون ذكر التعليل. وعند الطحاوي عنه: أن رجلاً سلّم على النبيِّ ◌ٍَّ وهو
يبولُ، فلم يَرُدَّ عليه حتى أتى حائطاً فتيمم. وعنده أيضاً أنه قال: مرَّ رجلٌ على رسولِ الله ◌ِصّ في سِكَّةٍ من
السّكَك، وقد خَرَج مِن غائطٍ، أو بولٍ فسلم عليه فلم يَرُدَّ عليه السلام حتى كاد الرجل أن يتوارى في السُّكَّة
فضرب بيديه على الحائط فتيمم بوجهه، ثم ضرب ضربةً أخرى فتيمم لذراعيه، قال: ثم رَدَّ عليه السلام وقال:
((أما إني لم يمنعني أن أَرُدَّ عليك السلامَ إلا أني كنتُ لستُ بطاهر)). وفيه التعليل أيضاً. وأخرج أبو داود نحوه .
يعني مع بيان التعليل، ثم عَلَّله. قلت: والذي يظهر من كلامه أنه علَّله لحالٍ ذِكْر الذراعين لا لحال التعليل، والله
تعالى أعلم.
والثالثة: ما أخرجه البخاريّ ومسلم، ولفظ مسلم: فقال أبو الجَهْم (والصحيح مُصَغَّراً كما في البخاري): أقبل
رسولُ اللهَ وَِّ من نحو بئر جَمَّل، فلقيه رجلٌ فسلم عليه فلم يردّ رسولُ اللهَ وَّلِ حتى أقبل على الجدار، فمسح
وَجْهَهُ ويَدَيْهِ ثُم ردَّ عليه السلام. وهكذا عند الطحاوي وأبي داود بدون ذِكْر التعليل.
والرابعة: ما عند ابن ماجه عن أبي هريرة قال: مَرَّ رجلٌ على النبيِّ ◌َ﴿ وهو يَبُولُ، فسلّم عليه فلم يردّ عليه، فلما
فَرَغْ ضَرَب بِكَفِّه الأرض فتيمم، ثم ردّ عليه السلامَ.
والخامسة: ما عنده عن جابر بن عبد الله: أن رجلاً مَرَّ على النبيِّ ◌َِّ وهو يَبُولُ فسلم عليه، فقال له رسولُ اللَّهِ ◌ِّ:
(إِذا رَأيْتَنِي في مثل هذه الحالة فلا تسلم عليّ، فإنك إن فعلت ذلك لم أردّ عليك)). ولم أجد هاتين غيرَ عند ابن
ماجه، ولا سمعت فيها شيئاً من شيخي، والذي لا أشك فيه - والله تعالى أعلم - أنها قصة مهاجر رضي الله عنه، أو
ما ذكره ابن عمر رضي الله عنه. وإذن تحصل من مجموع الروايات ثلاثُ قصص مع مغايرات بينها.

٥١٩
كتاب التيمم
وأورد عليه ابن نُجيم أنه ينتفي منه الاستحباب أيضاً، مع أنها مستحبةٌ في المذهب.
قلت: وهذا غيرُ واردٍ عليه، لأنَّه ذهب إلى نَسْخِهِ وقال: إنَّ الطهارةَ كانت واجبةً للأذكارِ
في زمنٍ، ثم نُسِخَت. وذكره في ((باب ذِكْر الجُنب، والحائض، والذي ليس على وضوء،
وقراءتهم القرآن)) عن عبد الله بن علقمة بن الفَغْواء عن أبيه قال: كان رسول الله وَّ إذا أُهْرَاق
الماءَ إنما نكلِّمُه فلا يكلِّمُنا، ونسلِّمه فلا يردُّ علينا، حتى نزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ
إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦]. انتهى وإذا نُسخ الوجوبُ فلا بأس بقول الاستحباب.
قلت: وفيه جابر الجُعْفي وهو ضعيف، وعلى الثاني يعني إذا كان لفظه: وهو يبول،
تَحَوَّلَ إلى مسألة أخرى، وهي ما في حديث ابن عمر رضي الله عنه. والذي تبين لي أنَّ قصةً
أبي الجُهَيم، وقصة ابن عمر رضي الله عنه واحدةٌ، لما عند الدارقطني (١) ((وكنز العمال)) في
قصة ابن عمر رضي الله عنه كما في حديث ابن عمر رضي الله عنه، يعني أنَّ السلامَ كان حالَ
البول. وما في حديث أبي الجُهَيم ففيه تقديم وتأخير في سرد القصة، فمجيئه من نحو بئر جَمَل
كان بعد الفراغ عن البول، وبعد سلامه عليه، يعني كان النبيُّ وَِّ يَبُول فَلَقِيه ذلك الرجُلُ وسَلَّم
عليه فلم يردَّ عَليه، حتى إذا أقبل من نحو بئر جَمَل بعد البول تَيَمَّمَ وردًّ عليه السَّلام.
وأمَّا في حديث مهاجر فإنَّه قِصَّةٌ أخرى، وحينئذ تَحَصَّل أنهما قِصَّتان، غير أنَّ حديثَ
مهاجر يتردد بين أَنْ يكونَ فيه مسألةُ اشتراط الطهارة للأذكار، أو عدم رَدّ السلامِ حالَ البول،
على اختلاف لَفْظَيه عند ابن ماجه رحمه الله تعالى، وأبي داود كما عَلِمْتَ، والسلام فيهما حال
البول، والجواب: بعد التيمم أو الوضوء مع التعرض إلى التعليل. ويُشْكِل فيه التيمم حال
وُجْدَان الماء، وكراهة الذِّكْر بدون طهارة.
والحَلِ: أنَّ التيممَ للأشياء التي لا تحتاج إلى الطهارة صحيحٌ حال وُجْدَان الماء أيضاً
عند صاحب ((البحر))، وإن ردَّ عليه الشامي. والصواب عندي: ما اختاره ابن نُجيم صاحب
((البحر)).
وأما حَلُّ المسألة الثانية: فإن كان الأمر فيه أنَّ الوقائعَ كلها تُرَدُّ على مورد واحد وأن
السلام فيها كان حال اشتغاله بالبول كما قررت، كان معنى قوله: ((إلا أَني كَرِهت أن أذكرَ اللّهَ
إلَّا على ظُهْر، أي الظُّهر من البول وعدم اشتغاله به، ويكون حاصل التعليل بقرينة وقت السلام:
(١) قلت: وسياقه عند الدارقطني هكذا: عن ابن الهاد: أن نافعاً حدثه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: أقبل
رسولُ الله ◌َُّ من الغائط فلقيه رجلٌ عند بئر جَمَلَ، فسلم عليه فلم يرد عليه رسولُ الله ◌َّحتى أقبل على
الحائط، ثم مسحَ وَجْهَهُ ويديه، ثم ردَّ رسولُ الله ◌َُّ على الرجل السلامَ ونحوه في الكنز أيضاً ففيه دليلٌ على أن
القصة في حديث ابن عمر رضي الله عنه هي القصةُ عند بِثر جَمَل. وَتلك القصة ليست إلا لأبي الجُهَيم، فظهر أن
القِصّتان في حديثي ابن عمر رضي الله عنه، وأبي الجهيم واحدةٌ. وإذا تحقق عندك أنها قصةٌ واحدة فما بقي من
المغايرات بين الحديثين فهي من تلقاء الرواة، فليطلب لهما مَحْملا كما تفعل عند المغايرة في طُرُقٍ حديثٍ
واحد، فاعلمه. وإذن تحصَّل من المجموع قصتان فقط: قِصة أَبي الجُهَيم، وقصة مهاجر، وهما على اختلاف
ألفاظهما تتلخصان على ما وجهناهما في الصلب، فافهم.

٥٢٠
كتاب التيمم
أَني كَرِهت أن أذكرَ اللّهَ حالَ اشتغالي بالبول، فلم أرد عليك، وإن كان اللفظ عاماً. وفيه نظر
من وجهين :
الأول: لِما في ((العمدة)) عن الطبراني بزيادة وهي: أنَّه دعا بوَضوءٍ فتوضأ، ورَدَّ عليَّ
وقال: ((إني كرِهت أَنْ أذكرَ اللّهَ على غير وضوء)). فإن كانت محفوظةً ففيها تصريح بأنَّ الكراهةً
كانت لعدم كونه على الطهارة، لا لاشتغاله بالبول.
والثاني: أنَّه لم يجب بعد الفراغ عن البول أيضاً إلا بالتيمم، أو الوضوء، فعاد الإشكال،
لأنه إذا صرفنا قوله: ((إلا على ظُهرٍ)) على معنى الطهر عن البول، وعدم الاشتغال به، فنحن وإن
خرجنا منه عن عهدة القول، إلا أنَّه لم يزل فِعلُه وارداً علينا، فإنَّه لم يجب بعد الفراغ أيضاً،
فدل فِعْله على أنَّ جواب السلام ينبغي أن يكون على حال الظّهر. ولكن في ((العمدة)) عن ابن
دقيق العيد أنَّه أَعلَّ الحديث لِما في البزَّار بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنه: أن رجلاً مَرَّ
على النبيِّ وَلّ وهو يبولُ فسلم عليه الرجل فرد عليه السلام، فلما جاوزه ناداه وقال: ((إني
رددتُ عليك خشيةَ أن تقولَ سلمتُ ولم يُجِبْني، فلا تسلّم علي، فإنك إنَّ تَفْعَل لا أردُ عليك)).
فاضطرب الحديث جداً، وراجع ((نصب الراية)).
وما تحرر عندي في هذا الباب: أَنَّ السلامَ كان حالَ البول، والجواب: بعد التيمم مرةً،
وبعد أَنْ أَقبل النبيُّ وَ لّ من نحو بئر جَمَل، كما ذكره أبو الجُهَيم. فإذا رأيت في القصتين
إتيانَه وَ لِّ من نحو بئر جَمَل حَكَمْتَ أنها قصةٌ واحدةٌ، بقي الاختلاف بكون السلام بعد البول
عند أبي الجُهَيم، وحال البول عند ابن عمر رضي الله عنه، فالأمر فيه سهل ويُحمل على توسع
الرواة. ويقال: إن الواقعة على صرافتها الوضوء أخرى، ثم أظن أنَّ ردَّ السلام واجبٌ على
الفورٍ، فإن تأخر سقط عنه (١) إلا أن التأخير ههنا لما كان لمانع شرعي، وهو أنه أراد أن يذكرَ
اللّهَ حالَ الطهارة فيحمل فيه التأخير بقدر الوضوء، أو التيمم، ولم يسقط عنه الجواب وساغ له
أن يردَّ عليه بعد الوضوء أو التيمم.
وفي ((المسند)) لأحمد عن عبد الله بن جابر قال: إني سلمت على النبيِّ وَِّ ثلاثَ مرارٍ لا
يُجِيبُني كلَّ مرةٍ، حتى دخل حجرته وتوضأ مستعجلاً، وردَّ عليَّ ثلاث مرار. وليس فيه ذِكر
البول، ولا ذِكْر التعليل، ويَخْرُج منه أنَّ العزيمةَ فيما لم يَخَفِ الفَوْتَ وكان بصدد الطهارة، أن
يردّ بعدها، وهو عند ابن كثير أيضاً. وعبد الله بن جابر اختلف فيه، قيل: إنه بياضي من بني
بياضة، وقيل: عبدي.
وحاصل: المسألة عندي أنَّ الذِّكر المختص بالوقت كقوله: غفرانك، يُؤتى به في وقته
(١) قلت: وترددوا مثله في جواب الأذان أنه إن أجاب المؤذن بعدما تمَّ الأذان، هل يُخْرِز الثواب ويشترك معه في
الأجر أم لا؟ وتعرض إليه السندي في ((حاشية النسائي))، والظاهر أنه إن تلافى عقيبه وأجاب على الفور يُرجى له
الأجر، وإن أخر بُرْهةً ثم أجاب لا يحصل له هذا الثواب، لأنه فات فيه معنى الإِجابة، وَوَعْد الأجر نيط به،
والله تعالى أعلم.