النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كتاب الحيض
المُعْجِز؟ والكلام كلما ارتفع تحمَّل الوجوه واحتمل المعاني، ولذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَسَّرْنَا
الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن تُذَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢] وهذا أمر وراء التيسير، فالقرآن يسير ومع ذلك عسير،
انقضَّ به ظهر الفحول، ومعنى يُسْرِه قد بيِّنَاه.
ثم إنَّ الأمرَ إن كان كما سمعت آنفاً من أنه لا تحديد فيه لا في الخارج ولا في الحديث،
وإنما التحديد فيه ضرورة بالاجتهاد، فأبو حنيفة رحمه الله تعالى أَسْبَقُ فيه من الكل، وعنده في
ذلك إشارات وعبارات من النصوص، كما في حديث أخرجه الترمذي في خُطبة النبي ◌ٍَّ في
أبواب الإيمان وفيها: ((فتمكث إحدَاكُنَّ الثلاث والأربع لا تصلي)). اهـ. وتمسّك به الطحاوي(١)
في (مشكله)). وما عند ابن ماجه وفيه زيادة: وفي الخارج أن النبي ◌ٍَّ لم يكن يُضَاجِعُهُنَّ إلى
ثلاثة أيام، ثم يُضَاجِعُهُنَّ بعد أن تَتَّزِرْنَ. وهذه كلها تنزل على مذهبنا لأنه لم ينزل فيه عن
الثلاث.
ولنا أثر أنس رضي الله عنه صححه في ((الجوهر النقي) وإن تأخر عنه البيهقي، وأثر
عثمان بن العاص عند الدارقطني. وأورد علينا الشافعية أن الشهر إذا لم يَخْلُ عن طُهْرٍ وطَمْثٍ،
وتَكَرُّر الظَّمْثِ في الشهر نادرٌ، فيلزم على مذهبكم أن لا يستقيم الحساب، فإن أقلَّ الظُّهر خمسةً
عشرَ اتفاقاً بيننا وبينكم، فلو كان الظَّمْثُ أكثرُه عشرةَ أيام، يلزم أن يبقى خمسة أيام من الشهر
مهملاً غير معدود في الطمث ولا في الطهر، بخلافه على مذهبنا حيث قسمنا الشهر عليهما،
فجعلنا النِّصف للطَّمْثِ والنصف الآخر للظُهر.
أقول: أما أولاً: فعن الإمام كما في ((النهاية)): أن أكثره عشرة، وأقل الطهر عشرون
يوماً، فيستقيم الحساب على مذهبنا أيضاً. وأما ثانياً: فلأن أقلَّ الطهر ليس عندنا خمسة عشر
يوماً مطلقاً، بل هو عشرون يوماً في بعض الصور، كما في المُسْتَحاضة المبتدَأة، فيستقيم
الحساب ولو في الجملة. وأما ثالثاً: فلأن تكرُّرَ الطهر وإن كان نادراً إلا أنه ليس معدوماً
محضاً، فينبغي النظر إليه أيضاً. وفي ((المواهب اللَّدنية)) إِسناداً: ((أن الله سبحانه لما أهبط
حواء أخبرها أنها تَحْمِل كُرْهاً وتضع كُرْهاً)) وفي آخره: ((ولأُدْمِيَنَّها في شهرٍ مرتين))، ومع هذا
ذهبوا إلى أن التكرار نادر، وفي إسناده سُنَيْد، وهو من القدماء ومفسِّر للقرآن. وهذه الرواية
عند ابن كثير أيضاً إلا أنه ليست في آخره تلك الزيادة، وحينئذ يمكن أن يكون بناؤه على تكرر
الحيض وإن كان نادراً.
ثم إنهم تمسكوا من قوله تعالى: ﴿وَالَّتِى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن ◌ِسَائِكُمْ إِنٍ أَرْبَبْتُ فَعِذَُّهُنَّ ثَلَاثَةُ
أَشْهُرِ﴾ [الطلاق: ٤] حيث حسب فيه الشهر عن طهر وطَمْث، وإذا كان أقلُّ الطهر خمسةَ عشرَ
بالاتفاق، فالباقي للطمث لا محالة، وهو خمسة عشر، وبناؤه على تكرر الطمث بعيد لأنه نادر.
(١) قال الطحاوي بعد سَرْد الحديث المذكور: ولا نعلم شيئاً رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مقدارٍ
قليلٍ الحيض غير ما ذكرنا، فكان هذا مما قد دلَّ على مقداره، وأنه أيام وليال، وأوجب القول به وترك خلافه.
والله أعلم، وإياه نسأله التوفيق.

٤٨٢
كتاب الحيض
قلت: نعم بناؤه ليس على التكرر، إلا أنَّا علمنا من عاداتهن أن طهرهن في الشهر يكون أغلب
من الطمث غالباً، كما في حديث حَمْنَة، حيث عَدّ طمئها ستة أو سبعة، وهكذا هو المعروف في
عادات النساء أن طهرهن يكون غالباً على أيام حيضهن. ولمّا كانت عاداتهن مختلفة جمع القرآن
الحيضَ والطهر في الشهر تخميناً(١).
قوله: (فلا تَقْرَبُوهُنَّ) واعلم أنه قد مرَّ مراراً أن أنظار الأئمة ربما تختلف في أخذ مراتب
الآية، فيأخذ واحد مرتبتها العليا وآخر مرتبتها السفلى، ويتحير فيه الناظر، فيزعم أن هذا وافقها
وهذا خالفها، والأمر أنهم يَتَحَرَّون العمل بها أجمعون، ويجتهدون فيها بما يستطيعون، إلا أنه
تختلف أنظارهم في المراتب، والأصوليون وإن بحثوا عن العموم والخصوص والإطلاق
والتقييد، ولكنهم لم يبحثوا في مراتب الشيء وكان لا بد منه فقالوا: إن العموم والخصوص
يجري في الأفراد والآحاد، والإطلاق يكون في التقادير وأوصاف الشيء، والمراتب بمعزل
عنهما .
وظاهر الآية الأمر بالاعتزال مطلقاً، وهو عين ما كان يفعله اليهود، ووجه التفضِّي عنه
أن في الاعتزال مراتبَ وهي مجملة فصَّلها الحديث، ولذا قال النبي ◌َّر بعد نزولها افعلوا كل
شيء إلا النكاح، فمن حاملٍ حَمَلَها على الجماع والاتقاء عن موضع الطَّمْثِ خاصةً، ومن
حَامِلٍ حَمَلَها على الاستمتاعَ بما دون السُّرَّة إلى الركبة، لأن حريم الشيء في حكمه، فجعل
موضع النجاسة وما يتبعها في حكم واحدٍ، وكلاهما نوعٌ من الاعتزال ومرتبةٌ منه. أما أن
المراد في النص أيُّ قدرٍ منه وأيُّ مرتبة، فالله ورسوله أعلم. وسيجيء تحقيق المسألة في
بابه .
قوله: (يَظْهُرْنَ) قُرِىء بالتخفيف والتشديد، والحنفية يَعُدُّون القرآآت كالآيات المستقلة،
فيأخذون منها أحكاماً، فحملوا قراءة التشديد على تصرُّم الدم لأقل من العشرة، لأن التَّطَهُّر
تَفَعُّل، بمعنى تحصيل الطهارة من فعله وهو الغسل، وحملوا قراءة التخفيف على تصرُّم الدم
على العشرة، فإنَّ طَهُرَ لازمٌ، فيحصل الطهور بأمر سماوي بدون صنعه. قالوا: إنه يجامعها في
الصورة الأولى بعد الاغتسال، لأن الدم ينقطع مرة ويَدُرُّ أخرى، فيحتمل العَوْد، فلا بد أن
(١) قلت: كيف تستقيم الآية على مذهبهم مع أن المعروفَ في عاداتهن هو التوسط في الحيض، وقلّما تكون امرأةٌ
دُمُّها إلى خمسة عشر. فإِنْ كان حَمْلُ الآية على تكرُّرِ الحيض بعيداً لأنه نادر، فَحَمْلُهُ على خمسة عشر يوماً أبعدُ
منه بعين هذا البيان، لأن تكرُّر الحيض ليس بأندَر من فرض الدم إلى خمسة عشر، ثم إن ساغ لهم استيعاب
الشهر بأخذ الأكثر من جانبٍ والأقل من جانب، فلِمَ لا يجوز لنا أن نأخذ أكثر الحيض من جانب وأكثر من
الأقل في جانب آخر! وإنما لم نأخذ بالأكثر مطلقاً في الجانب الآخر لأن أكثرَ الطهر لا حَدَّ له، فلا بد أن نأخذ
أكثر من الأقل، لأن الاقتصار على أقل الطهر أيضاً نادر كما علمتَ من حديث حَمْنَة أن أيام طهرهن تكُون أغلب
على أيام حيضهن، فإن كان أخذ الأكثر من الأقل بعيداً في نظر المحاسب، فهو أقرب في نظر الباحث عن
الواقع، وإتباع الواقع أولى، وعليه ورد القرآن والحاصل أن الفصل فيه مشكل. كيف ولم يَرِد فيه تحديد من
جانب الشرع، وإنما الأمر إلى عاداتهن وهي مختلفة بحسب عِدَادِهِن.

٤٨٣
كتاب الحيض
يعتضد الانقطاع بالاغتسال، بخلاف الصورة الثانية، فإنه إذا انقطع على أكثر مدته فلا خشية
العوده، وتطهر حساً فيجوز الجماع بدون الاغتسال.
قيل: إن أبا حنيفة رحمه الله تعالى تفرَّد في إباحة الجماع بلا غُسل، لأن القرآن يدلّ على
أن الإتيان إنما يُبَاح له بعد الاغتسال فقال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي اغتسلن ﴿فَأَتُهُنَّ مِنْ
حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾ قلت: والجماع وإن كان جائزاً بدون الاغتسال لكنه يُستحبُّ لها أن تغتسل ثم
يجامعها زوجها، ويجب الغُسل للصلاة إجماعاً، فإنها غير طاهرة حكماً، وإن طَهُرَتْ حساً.
وحينئذٍ جاز لي أن أقول: إن المراد من التطهر في النص هو التطهُّر بنَحْوَيْهِ. ومعنى قوله: ﴿فَإذَا
تَطَهَّرْنَ﴾ أي وجوباً تارةً واستحباباً أخرى ﴿فَأْنُهُرجَ﴾ ... إلخ، وذلك عندي واسع في اللغة ولا
بدع عندي في إدخال مسمّى واحد وحقيقة واحدة تحت لفظ، وإن اختلفت صفاته من الخارج،
كالاستحباب والوجوب، فإن هاتين صفتان تَعْرِضان للحقيقة من الخارج مع بقائها في
الصورتين. فإن الصلاة حقيقةٌ واحدة ولا اختلاف في حقيقتها بين الفريضة والنافلة، فإنهما
صفتان لها بالنظر إلى لُحُوق الأمر وعدمه، وحينئذ لا ضَيْرَ في إدخال النوعين تحت لفظ واحد،
وقد فضَّلناه في رسالتنا ((فصل الخطاب)) بما لا مزيد عليه.
وبالجملةِ الأقربُ عندي أن القرآن إذا لم يتعرض إلى أقلّ الحيض وأكثره - كما كان غير
متعين في الخارج - فلا يُبنَى الأحكام على أقله وأكثرهِ. فالذي ينبغي أن يُشترط الغُسل للجماع
ولا بُدَّ. نعم إن قام دليل للمجتهد من الخارج على أنَّ الدم لا يتجاوز عن العشرة، فله أن يُجيز
به قبل الاغتسال لطهارتها حساً، ولكن المستحسن للقرآن هو الإطلاق، لأنه ينزل بما هو
مطلوب، وللمجتهد هو التفصيل، لأنه يبحث عن الفروع.
وتفصيله أنَّ القرآنَ عَلَّق الإتيان بالأمرين:
الأول: هو الطهارة الحسية، وهو المشار إليه بقوله: ﴿حَّ يَظْهُرْنٌ﴾ .
والثاني: الاغتسال، وهو المذكور بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾. وكأنَّ أصل الكلام هكذا: فإذا
طَهُرْنَ وتَطَهَّرْنَ فأتوهن من حيث ... إلخ. وإنما حُذِف أحدُ الفعلين اختصاراً لدلالة ما قبله
عليه، وإنما راعى الأمرين لأن من عادة النساء أنهن لا يَظْمَأننَّ في أنفسهن في ظُهورهن ما دُمنَ
لم يغتسلن، ولا يزال يبقى لهن التردد في عَوْدِ الدم، وإن كان انقطع على عادتهن، فإذا اغتسلن
فيطمئن قلبهن، فكما أن الطمأنينة في الخارج لم تحصل لهن إلا بعد الظُهْر السماوي
والاختياري كليهما، كذلك القرآن أخذ مجموع الأمرين على وَفْقِ ما في الخارج.
فهذا الذي مشى عليه القرآن، يعني على الإبهام والإجمال بدون عناية إلى تفصيل بين
الأقل والأكثر، وبدون تفصيل في البناء عليهما. ثم جاء المجتهد وقسم هذين الأمرين وقال:
إن الدم إن تَصَرَّم لأكثر مدته فالدخيل في أمر جماعها هو الطهارة السماوية فقط، فيباح له
الجماع بمجرَّد انقطاعه وإن تَصَرَّم لأقل منه فالدخيل هو الطهارة الاختيارية، أي الاغتسال،
فلا يجوز الجماع إلا بعده، فينبغي للقرآن الإطلاق في صورة الإطلاق وتفويض التفاصيل إلى

٤٨٤
كتاب الحيض
الاجتهاد. فإن القرآن أطلق في الاغتسال لأنه لم يتعرض إلى الأقل والأكثر لعدم تعيينه أو
تعسره في الخارج، فإن عَلِم المجتهد من تجرِبته أنَّ الدمَّ لا يتجاوز عن العشرة، فله أن
يُخَصِّص هذا الجزئي من اجتهاده لا بحكم النص. وهذا معنى صحيح لا يخالفه النص أصلاً.
نعم لو قلنا: إن القرآن شرط الاغتسال فيما تصرم الدم على الأكثر أيضاً لخالفه وناقضه البتة،
ولكنك سمعتَ آنفاً أن القرآن لم يُوم إليه أصلاً، وإنما جاء على عادتهن في الخارج من اعتبار
الأمرین.
وهناك أمر آخر يُعْلَم من كتاب ((الناسخ والمنسوخ)»(١) عن الطحاوي أنَّ الفرقَ بين العَشَرة
وبين ما دونها إنما نُقِلَ عن الإمام الأعظم رحمه الله تعالى في حق الرَّجْعَةِ خاصةً، فالمطلّقة إذا
انقطع دمها لأقلَّ من العشرة، وأدركت وقتَ الاغتسال والتحريمة انقطع حق الرجعة عنها، وليس
للزوج أن يراجعها بعد مضيٍّ القُرْءِ الثالث إذا انقطع لأقلها في الصورة المذكورة. فهذا الفرق
إنما كان في حق الرجعة خاصة، ثم انتقل إلى الصلاة وغيرها أيضاً، ولا ريب أن الطحاوي
أعلم بمذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى لأنه تحصَّل فقهه بثلاث وسائط، فكان ينبغي أن يُعْتَمَد
عليها، ولكني لا أعتمد على تلك النسخة لاشتهار المذهب بخلافه، نعم إن ثبت من طريق
معتبرة فیکون له وجه.
ثم إنهم قالوا: إنه إذا انقطع دمها لأقل من عشرة أيام لم يَحِلَّ وطؤها حتى تغتسل، ولو
لم تغتسل ومضى عليها أدنى وقت الصلاة بقَدْرِ أن تقدر على الاغتسال والتحريمة حَلَّ
وطؤها. وهذا يُشْعِر بأن مدة الغُسْل عندهم معدودة في زمان الحيض، ومثله ما قالوا في باب
الرَّجْعَة: أن دمها إذا انقطع لعشرة أيام انقطعت الرجعة وإن لم تغتسل، وإن انقطع لأقلَّ منها
لم تنقطع الرجعة حتى تغتسل، أو يمضيَ عليها وقت صلاة كاملة. قلت: وإنما أخذوه من هذه
الآية: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُنَ﴾ فإنه اعتُبِرَتْ فيها مدة التطهر من زمان الحيض وأُبيح الجماع
بعده، إلا أنهم لا يُفْصِحون بأن مسائلهم تلك مأخوذة من القرآن، فعليك أن تتفكر فيه لينجلي
لك الحال.
ومن هنا اندفع ما عرض لابن رُشْد من عدم الارتباط بين الغاية والاستئناف، فقال: إن.
مَثَلَهُ كمثل قولنا: لا أُعطيك درهماً حتى تدخل بيتي، فإذا دخلت المسجد فلك كذا. فالغاية
غايرت الاستئناف وكذا الاستئناف يغايرها، والصحيح من الكلام أن يقال: فإذا دخلت بيتي ...
إلخ، لاتحادهما فيه. وحاصل الجواب: أن معنى قوله: ﴿حَتَّى يَظْهُرْنَّ﴾ ... إلخ أي حتى يَطَّهَّرْنَ
ويَظْهُرْنَ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ وَطَهُرْنَ ﴿فَأْتُهُجَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾ فأخذ أحد الفعلين من المعطوف
عليه، وحذف مقابله من المعطوف ليكون ذكر الآخر قرينة على حذفه من المعطوف عليه،
فحصل الارتباط في غايته. والجواب الثاني أن قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ لا يتعلق عندي بالغاية بل
(١) وهو لأبي جعفر النخَّاس الشافعي، تلميذ الطحاوي، وكان معاصراً لابن جرير المفسِّر، وكان ابن جرير في مصر
وأبو جعفر في بغداد. كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز.

٤٨٥
كتاب الحيض
يتعلق بصدر الكلام أي ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ﴾ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُنَ﴾ إلخ. ويقال له الطَّرْدُ والعكس في
مصطلحهم فاعلمه (١).
١ - بابٌ كَيفَ كَانَ بَدْءُ الحَيضِ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ بَّ:
((هذا شَيءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ))
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الحَيضُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. قال أبو عبد الله
وَحَدِيثُ النَّبِّ ◌َّ أَكْثَرُ.
٢ - باب الأمر بالنساء إذا نَفِسْنَ
٢٩٤ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ
القَاسِمِ قَالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: خَرَجْنَا لَا نَرَى إِلَّ الحَجَّ، فَّلَمَّا
(١) قلت: وقد كنتُ في سالف من الزمان كتبتُ في تلك الآية تذكرة حين أشكل عليَّ قوله: ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِسَآءَ﴾ إلخ،
فإِنه عين ما كان اليهود يفعلونه، ثم لما رأيتُ قوله: ((اصنعوا كل شيء إلّ النكاح، ازددت مرضاً إلى مرضي،
لأنه نقيض ما يتبادر من الآية، فلم يكن التفسير يلتئم بالآية في الظاهر، وليست تلك التذكرة عندي حاضرة الآن،
وحاصلها كما أحفظ: أن الله سبحانه صَدَّر قوله بأن المحيض ﴿أَذَى﴾ أي فلا يُعامل معه إلاّ ما يُعَامل مع الأذى،
وهو الاجتناب والاعتزال عنه فقط، لا كما كان اليهود يفعلونه من المتاركة مطلقاً، فإِنه تعمُّق وحُمْقٌ، ولا كما
نُسِب إلى النصارى أنهم كانوا يخالطونهن في تلك الأيام، فلا يُعَامَلون معه ما كان ينبغي أن يعامل مع الأذى،
فهؤلاء كانوا يشددون في أمره فوق ما أراده الشارع، وهؤلاء كانوا يستخِفُّون بما أمرهم الله سبحانه، فكأنهم
كانوا على طرفي نقيض، ويجب في مثل هذا الموضع رعايةُ الطرفين ولا يوفي حقّه إلّ القرآن فقال: إن
المحيض لا يزيد على كونه أذىً، وإذا كان كذلك فعاملوا معه ما يعامل مع الأذى، وهو الاعتزال لا غير. ولذا
قال النبي ◌َّرَ: ((جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلاّ النكاح)) لأن الأذى حقُّه أن يُجْتَنَبَ عنه فقط دون ترك
البيوت، ففي قوله: ﴿أَذَّى﴾ رعايةٌ لليهود فإنهم كانوا يشددون في أمره كل التشديد وفي قوله: ﴿فَأَعْتَزِلُواْ﴾ رعايةٌ
لجهة النصارى، لأنهم كانوا يهوّنون فيه كل التهوين، فهداهم القرآن إلى ما كان ينبغي وما لا ينبغي. ولا ريب
في أن المطلوب هو الاعتزال وعدم القُرْبِ كما عند أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كنت إذا حِضتُ
نزلتُ عن المِثَال على الحصير فلم نقرب رسول الله وَّ﴿ ولم نَدْنُ منه حتى نطهر)). انتهى. ولكن الغرض من أمر
الاعتزال هو النهي عن الجماع أو ما يقربه، فأشار إليه بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُرجَ﴾ ومعلوم أنه لم يُيخ في آخرها
إلاّ ما كان نهى عنه في أولها، وإلاّ فالظاهر: فإِذا تطهرن فاقربوهن، ليناسب قوله ﴿وَلَا نَفْرَبُهُنَّ﴾ ولكنه أشار
بالنهي عن القرب أولاً والإباحة بالجماع آخراً أنَّ المقصود الأصلي من نهي القرب هو هذا، ولو قال: لا
تجامعوهن لم يلتئم مع قوله: ﴿هُوَ أَذَّى﴾ في الأول، وقوله: ﴿فَاعْتَزِلُواْ﴾ في الآخر، مع أنه مطلوب كما علمتَ،
لَبَقِيَتْ فيه إشارة إلى الاستمتاع بما دونه من حاق النص، مع أن القرآن لا يأخذ في التعبير إلاّ ما يكون أعلى
وأرضى للربِّ وأبعد عن المأثِم، فلا يأمر أحداً أن يَرْعَى سارِحَتَه حول الحِمَى، فرعاية الأطراف وإحاطة
الجوانب مع بيان الحقيقة سواء بسواء، والإيماء إلى المقصود كما هو بحيث لا يبقى فيه إبها للعامل ومجال.
للمجادِل، مما يعجز عنه البشر، وإنما هو شأن خالق القُوَى والقَدَر.

٤٨٦
كتاب الحيض
كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَأَنَا أَبْكِي، قَالَ: ((مَا لَكِ أَنْفِسْتِ؟)).
قُلتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((إِنَّ هذا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي ما يَقْضِي الحَاجُّ، غَيرَ أَنْ
لَا تَطُوفِي بالبَيتِ)). قَالَتْ: وَضَخَّى رَسُولُ اللَّهِلَ ◌ّهِ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ. [الحديث ٢٩٤ - أطرافه
في: ٣٠٥، ٣١٦، ٣١٧، ٣١٩، ٣٢٨، ١٥١٦، ١٥١٨، ١٥٥٦، ١٥٦٠، ١٥٦١، ١٥٦٢، ١٦٣٨، ١٦٥٠،
١٧٠٩، ١٧٢٠، ١٧٣٣، ١٧٥٧، ١٧٦٢، ١٧٧١، ١٧٧٢، ١٧٨٣، ١٧٨٦، ١٧٨٧، ١٧٨٨، ٢٩٥٢، ٢٩٨٤،
٤٣٩٥، ٤٤٠١، ٤٤٠٨، ٥٣٢٩، ٥٥٤٨، ٥٥٥٩، ٦١٥٧، ٧٢٢٩، ٢٩٢٥].
يعني به بَدْءَ هذا الجنس، وأنه كيف ظَهَرَ في الدنيا من كَثْم العدمِ، ولا يختص بأول أمره
فقط كما مرَّ مفصّلاً في شرح قوله: بَدْءِ الوحي. وفي رواية قويَة: ((أنَّ نساء بني إسرائيل كُنَّ
يذهبن إلى المساجد فأخذن في التشوُّف إلى الرجال، فمُنِعْنَ عن المساجد، فأُلقي عليهن
الحيض عقوبةً لهن)). وعُلِم منه أن منع النساء عن المساجد سُنَّةٌ ماضية، والبخاري لم يُبَالِ بهذا
الحديث، وأخذ من قوله: ((هذا شيء كتبه الله على بنات آدم)) أنه من الابتداء وليس بدؤه من بني
إسرائيل، ولم يوفِّق بينهما أن بدأه وإن كان من بدء الزمان إلا أنه أُلقي على بني إسرائيل قهراً،
فزِيد فيهن شيئاً نِقمةً. والله تعالى أعلم.
٢٩٤ - قوله: (سرف) هذه قصة حَجَّة الوداع، وأنا أبكي لمخافة فوات الحج.
قوله: (أنُفِسْتِ) قيل: المجهول في الولادة والمعروف في الحيض، وقيل: لا فرق
بینھما .
قوله: (غير أن لا تطوفي) إلخ. والسعي يترتب على الطواف فلا تسعى أيضاً (١).
قوله: (وضحى) وحمله محمد رحمه الله تعالى في ((الموطأ)) على دم التمتع، لأنهن
كن متمتعاتٍ، والراوي لا يبحث عن المعاني الفقهية ولا يراعيها، وإنما يرى صلوح اللغة
فقط .
قوله: (بالبقر) قيل: الأزواج كن تِسعاً فكيف جاز عنهن بقراً؟ ولقائل أن يقول: إنه اسم
جنس يجوز إطلاقه على البقرتين أيضاً، وعند النسائي: ((بقرة)) بتاء الوَحْدَة. قلت: وحينئذ
غرض الراوي بيان الشركة في البقرة بدون التعرض إلى جميعهن أو بعضهن، فلا يَرد أنه ثبت
شركة جميعهن برواية النسائي. وهذا كالألف واللام للجنس والاستغراق، فإن معنى قوله:
(١) ويترشَّح من تعليل شارح ((الوقاية)) أنَّ نهي الحائض عن الطواف لكونه في المسجد، والحائض لا تدخل
المسجد. والصواب أن الطواف لو كان من الخارج لم يَجُزْ لها أيضاً، فالتعليل به غير سديد، وشارح ((الوقاية))
هو صدر الشريعة، وجَدَّه البرهان، وإليه نُسِب ((المحيط البرهاني)) و((الذخيرة)) أيضاً من تصانيف قبيلته، ولذا يقال
له: بيت الفقه، غير أن أكثر اشتغال صدر الشريعة كان بالمنطق، حتى أنه صنَّف فيه رسالته سماها ((تعديل
المنطق)» ردّ فيها على ابن سيناء، وأراد قُطْبُ الدين أن يناظره مرةً فأرسل إليه تلميذه مبارك شاه - الذي هو شيخ
للجُرْجَاني - ليأتي بأخباره، فلما بلغه وجده يُعَلِّم كتاباً في المنطق يرد عليهم ويجيب عنهم، فلما رأى مبارك شاه
أن له شأن في المنطق كتب إلى شيخه أن لا يقصد إليه، فإنه يفضحه. كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز.

٤٨٧
کتاب الحيض
الحمد لله على الأول أنَّ جنسَ الحمد لله لا لغير الله، فمحظّ الفائدة في جانب الخبر بخلافه في
الثاني، فإنه يكون في المبتدأ، ويكون الإيجاب والسلب فيه، يعني: جميع أفراد الحمد لله
تعالى دون بعضه، فلم تظهر فائدته في جانب الخبر، وقد بينًا الفرق بينهما تفصيلاً في المقدمة.
واتفق أهل اللغة أن التاء في أسماء البهائم للوَحْدَة دون التأنيث، لكن الأولى في إرجاع
الضمير أن يراعى اللفظ أيضاً. وفي ((الكشاف)): أن قَتَادة لما ورد الكوفة دعا الناس أن يسألوه
عما هم سائلوه، وكان أبو حنيفة رضي الله عنه إذ ذاك صغيراً، فقام وقال: إن نملة سليمان كانت
ذكراً أم أُنثى؟ فسكت، فقال أبو حنيفة رحمه الله: إنها كانت أنثى لقوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾
[النمل: ١٨].
قلت: تأنيث الفعل فيه لأَجْلِ اللفظ فقط، فلم يلزم كونها أنثى، ولم أجد أحداً من النُّحَاة
يوافق الإمام في تلك المسألة غير ابن السِّكِّيت.
٣ - باب غَسْلِ الحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا وَتَرْجِيلِهِ
٢٩٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللّهِ وَ لِهِ وَأَنَا خَائِضٌ. [الحديث ٢٩٥ - أطرافه في:
٢٩٦، ٣٠١، ٢٠٢٨، ٢٠٢٩، ٢٠٣١، ٢٠٤٦].
٢٩٦ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيج
أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ سُئِلَ: أَتَخْدُمُنِي الحَائِضُ، أَوْ تَدْنُو مِنِّ المَرْأَةُ
وَهِيَ جُنُبٌ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ: كُلُّ ذِلِكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وَكُلُّ ذلِكَ تَخْدُمُنِي، وَلَيسَ عَلَى أَحَدٍ فِي
ذلِكَ بَأْسٌ، أَخْبَرَتِنِي عَائِشَةُ: أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ، تَعْنِي رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِوَّهِ، وَهِيَ خَائِضٌ،
وَرَسُولُ اللَّهِ وَ ◌ّهَ حِينَئِذٍ مُجَاوِرٌ فِي المَسْجِدِ، يُدْنِي لَهَا رَأْسَهُ، وَهيَ فِي حُجْرَتِهَا، فَتُرَجِّلُهُ
وَهِيَ حَائِضٌ.
٢٩٦ - قوله: (الحائض) قال الزَّمَخْشَري: إنه بدون التاء للسِّنّ، وبها لمن كانت تحيض
في الحالة الراهنة، وهكذا الحامل والمرضِع.
قوله: (مجاور) أي معتكف، وهذه لغة مختصة بأهل المدينة.
٤ - باب قِرَاءَةِ الرَّجُلِ فِي حَجْرِ امْرَأَتِهِ وَهيَ حَائِضٌ
وَكَانَ أَبُوِ وَائِلِ يُرْسِلُ خَادِمَهُ وَهيَ حَائِضٌ إِلَى أَبِي رَزِينٍ، فَتَأْتِيهِ بِالمُصْحَفِ،
فَتُمْسِكُهُ بِعِلَاقَتِهِ.
٢٩٧ - حدّثنا أَبُو نُعَيم الفَضْلُ بْنُ دُكَينٍ: سَمِعَ زُهَيراً، عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ: أَنَّ أُمَّهُ
حَدَّثَتْهُ: أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَاَ: أَنَّ النَّبِيَّ وََّكَانَ يَتَّكِىءُ فِي حَجْرِي وَأَنَّا خَائِضٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ
القُرْآنَ. [الحديث ٢٩٧ - طرفه في: ٧٥٤٩].

٤٨٨
كتاب الحيض
هكذا المسألة عندنا، وفي ((قاضيخان)): أنه يُكْرَه قراءة القرآن عند الجنازة قبل الغُسل
وحوالي النجاسة، وليس هكذا في الحائض، فإن نجاستها مستورة تحت الثياب.
قوله: (فُتُمْسِكُهُ بِعِلَاقَته) والمسألة عندنا أن ثوب اللابس في حكم اللابس، والذي على
القرآن فهو في حكمه، فيجوز مَسُّه من ثوب منفصل أو غلاف منفصل إذا لم يكن مُشَرَّزاً. فهذه
المسائل أقرب إلى مذهب الحنفية. وفي إسناده الفَضْل بن دُكَين، وهو اسم أبو نُعَيم، وقد وقع
في إسناد مسلم أبو نُعَيم فقط، فلم يَعْرِفْهُ بعضُ الطلبة، وهو الفَضْلِ بنُ دُكَيْن كما في إسناد
البخاري فاعلمه.
٥ - باب مَنْ سَمَّى النّفَاسَ حَيضاً
٢٩٨ - حدّثنا المَكْيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ زَينَبَ ابْنَةً أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ
النَّبِّ ◌َّةِ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، قَالَ:
((أَنْفِسْتِ؟)) قُلتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فَاصْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الحَمِيلَةِ. [الحديث ٢٩٨ - أطرافه في:
٣٢٢، ٣٢٣، ١٩٢٩].
قال الشارحون: إنَّ المرادَ منه مجرَّد بيان جواز إطلاق الحيض على النِّفاس وبالعكس،
ولمَّا وَرَدَ في الحديث إطلاق النِّفاس على الحيض استفاد منه المصنّف رحمه الله تعالى أنه يصح
إطلاق الحيض على النفاس أيضاً، وإلا فالظاهر في الترجمة أن تكون: ((مَن سمَّى الحيضَ
نفاساً)) لِمَا في الحديث من إطلاق النفاس على الحيض دون العكس. وقيل: إن في الترجمة
تقديماً وتأخيراً، فالنِّفَاس مفعول ثان وحيضاً مفعول أول، وكان أصل العبارة هكذا: ((من سمى
حيضاً النفاس)) كما في الحديث. قلت: وهل يجوز أن يكون المفعول الأول نكرة والثاني
معرفة؟ فقيل: نعم كما في ((حاشية المغني)):
كأنَّ سبيئةً من بيت رأس يكون مَزَاحُها عسلٌ وماءُ
وأقول: إن المصنّف رحمه الله تعالى لا يريد بيانَ اللغة فقط، بل يريد أن النِّفاس هو دم
الحيض، خرج بعد انفتاح فَم الرَّحِم، لأن الحامل إنما لا تَحيض لانسداد فم الرحم، فإذا خرج
الولد انفتح فمه وتنفس بالدمَ، فالنِّفاس هو دم الحيض كان مُحْتَبَساً في الرحم لأجلِ المانع فإذا
زال المانع دَرّ دُفعةً، وتلافى الطبعُ ما فاته، كما ترى في النوم، فإنك إذا سَهِرْتَ أو أَرَقْتَ يوماً،
ثم غلب عليك النوم، فربما تنام أزيدَ مما كنتَ تعتاده تلافياً لما فات.
وذكر بعضهم نكته وهي: أن الدم إنما يصير غذاء للولد بعد أربعة أشهر، وبحساب عشرة
في كل شهر يحصل أربعون يوماً، وهو أكثر مدة النفاس. ويتفرَّع على هذا التحقيق أنَّ الحامل
لا تحيض، وإليه تُشير قواعد الشرع، لأنها لو كانت تحيض كما ذهب إليه الشافعي ينبغي أن
ينعدم من الشرع باب الاستبراء، فإن الشرع جعل الطَّمْثَ أمارة لبراءة الرحم، وإذا أمكن الحيض
من الحامل أيضاً لم يَبْقَ أمارة للبراءة، فيلزم أن ينعدم هذا الباب رأساً .

٤٨٩
كتاب الحيض
قلت: وقد تحقق عندي أن الحامل أيضاً تحيض إلا أنه لا ينبغي أن يعتبره الشرع لِنَدْرَتِه
وقِلّة وقوعه جداً. ثم من العجائب أن العُلُوق عند الفقهاء لا يكون إلا واحداً، كما قالوا في
التوأمين، ويمكن العلوق على العلوق عند جالينوس، فكان ينبغي للفقهاء أن يستشيروا في هذه
الأمور الأطباء، لأنهم أعلم بموضوعهم، ولكل فن رجالٍ. وإنما تنبهت لهذا الشرح مما علقه
ابن بَطَّال على الترجمة الآتية: «قول الله عز وجل: ﴿مُحَلَقَةٍ وَغَيْرٍ مُخَلَّقَةٍ﴾)) [الحج: ٥] فإنه فَهِم
منها أن دم الحيض إذا صار غذاءً للولد فكيف تحيض الحامل، ولذا قال: إن غرض البخاري
بإدخال هذا الحديث في باب الحيض تقوية مذهب من يقول إن الحامل لا تحيض، فمن ههنا
انتقل ذهني إلى أنَّ المرادَ من هذه الترجمة أيضاً هو التقوية لمذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى
كما عَلِمْتَ تقريره.
قوله: (ثِيَابَ حَيضتي) ويُستفاد منه أنَّ النساءَ كُنَّ يُعْدِدْنَ الثياب لحيضهن أيضاً، وكانت
ثيابهن لعامة الأحوال على حِدَةٍ.
٦ - باب مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ
٢٩٩ - حدّثنا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ◌َّهُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، كِلَانَا جُنُبٌ.
٣٠٠ - وَكَانَ يَأْمُرُنِي فَأَنَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا خَائِضٌ. [الحديث ٣٠٠ - طرفاه في: ٣٠٢،
٢٠٣٠].
٣٠١ - وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.
٣٠٢ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو
إِسْحاقَ، هُوَ الشَّيبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِّ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ
إِحْدَانًا إِذَا كَانَتْ حَائِضاً، فَأَرَادَ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَنْ يُبَاشِرَهَا، أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِّرَ فِي فَوْرِ
حَيضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ◌َلَ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟! تَابَعَهُ
خَالِدٌ وَجَرِيرٌ عَنِ الشَّيَانِيِّ.
٣٠٣ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَيمُونَةَ تقول: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً
مِنْ نِسَائِهِ، أَمَرَها فَاتَّزَرَتْ وَهيَ حَائِضٌ. رَوَاهُ سُفْيَانُ عَنِ الشَّيَانِيِّ.
ذهب محمد وأحمد رضي الله عنهما إلى أنه يُتَّقى موضعُ الدم فقط، وقال أبو حنيفة وأبو
يوسف والشافعي رضي الله عنهم بالاجتناب عما دون السرَّة إلى الركبة، وهو ظاهر النص
﴿ فَاعْتَزِلُواْ الْنِسَآءَ فِىِ اَلْمَحِيضِّ﴾ يعني هو أصدق وأكثر تناولاً لمراتبه على مذهبنا، وهو سنة
رسول اللهَ وَّر في عامة الأحاديث كما عند أبي داود: ((أنَّ النبي ◌َّ كان يأمرهن بالاتِّزَار ثم
يُبَاشِرُهُنّ)). أما ما رواه أبو داود في حديث أنَّه قال: ((ادني مني، فقلت: إني حائض، فقال:

٤٩٠
كتاب الحيض
وإن، اكشفي عن فخذيكِ، فكشفتُ فخذيّ، فوضع خَدَّه وصدره على فخذي وحَنَيْتُ عليه حتى
دفىء ونام)). فإسناده ضعيف على أنَّ المراد من الكشف هو الكشف عن الثوب الزائد، ولا
يتعين في الكشف عن البدن، وبه أجاب النبي ◌َّ سائلاً حين سأله عما يَحِلّ له من زوجته فقال:
(لك ما فوق الإزار)). رواه ابن ماجه بإسناد حسن. وهو الأحوط، وهو غير خفي.
أما قوله: ((اصنعوا كلَّ شيء إلا النكاح)) عند مسلم فيخصَّص عمومه لهذه الأدلة، ويبقى
شيوعُه فيما سوى تحت الإزار، لأن عموم الكل في هذا الموضع عموم غير مقصود، والعموم
إذا كان غير مقصود فهو ضعيف جداً كالعموم في قوله تعالى: ﴿وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [النمل:
٢٣] مع أنها لم تكن أُوتِيَتْ من شيء واحد كله، فكيف بكل شيء، أو يقال: إنه كناية عن
الاستمتاع بما تحت الإزار، وإن كان صريحاً في النكاح (١) .
٧ - باب تَرْكِ الخَائِض الصَّوْمَ
٣٠٤ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيدٌ،
هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ
اللَّهِوََّ فِي أَضْحَى أَوْ فِظْرٍ، إِلَى المُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ
تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَّ أَهْلِ النَّارِ)). فَقُلنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ،
وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ
إِحْدَاكُنَّ)). قُلنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنا يَا رَسُوَّلَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((أَلَيسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ
نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟)) قُلنَ: بَلَى، قَالَ: ((فَذلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ
تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟)) قُلنَ: بَلَى، قَالَ: ((فَذلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا)). [الحديث ٣٠٤ - أطرافه في:
١٤٦٢، ١٩٥١، ٢٦٥٨].
وفيه خلاف الخوارج، وليس عِدَادهم في أهل السنة لِيُعْتَدَّ بخلافهم، ونُقِل في الحكايات
أن حواء عليها السلام أُمِرَتْ أن لا تصلَى في أيام حيضها، فقاستِ الصومَ عليها، فعُوتبت
وأُوجب عليها قضاؤه. ولم أره روايةً، نعم رأيت أنها إذا دَمِيَتْ بعد نزولها في الدنيا سألتْ آدم
عليه السلام عنه، فأُوحي إليه أنه عتاب. وعندي هذا العتاب مخصوص بهذه الدار مَن ينزل فيها
(١) قلت: قد علمت من نظر الشيخ رحمه الله تعالى في إقامة المراتب مراراً، فيمكن أن يقال: إنه يتَّقي عن موضع
الدم وعما تحت الإزار كليهما، إلاّ أن الأمر بالاتقاء عن موضع الظَّمْث أوكد، وهذا كالفرق بين مباشرتهن في
فوح حيضتهن وبعده، كما عند أبي داود: ((كان رسول الله ◌َّر يأمرنا في فوح حيضتنا أن نَتَّزر ثم يباشرنا))، وكما
عنده عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ((إذا أصابها في أول الدم فدينار، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف
دينار))، فهذه الفروق كلها تبنى على إقامة المراتب، وحينئذٍ ما نُقِل من التوسيع في أمر الحائض كله يُحمل على
أنه كان عند عدم الفوران. والحاصل أن الاتقاء عن موضع الطَّمْث أوكد مع أن المطلوب الاتقاء عما تحت
الإزار أيضاً، ثم هذا الاتقاء في فوح الحيض أوكد، وفي آخره أخف، وبه تجتمع الأحاديث كلها .

٤٩١
كتاب الحيض
يُعَاتَب هذا العتاب، ويُبتلى به، ومن يتركها مهاجراً إلى الله ويصعد إلى مأواه يخلص منه، كما
أن آدم عليه السلام حين أكل الحَبَّة وأحس بحاجة الغائط نُودي أن اهبط منها، فإنها ليست
بموضع الألواث، واذهب إلى مكان فيه ذلك. ولم يكن يعلم قبلَه عورته، فاطلع عليها بعده،
وأشار القرآن إليهما. ثم الفرق بين قضاء الصلوات والصيام كما هو مذكور في ((الهداية)).
واعلم أنَّ الطهارةَ شرط للصلاة عند عامتهم، وكذا صرحوا في الحج أن الطهارة في
المناسك واجبة في بعضها وسنة في بعضها، كسَتْرِ العورة، فإنه وإن كان فرضاً في الخارج وفي
عامة الأحوال إلا أنه من شرائط الصلاة وواجبات الحج، فاتفقوا في اعتبار الطهارة في
العبادتين .
قلت: وقد تبين لي أنها معتبرَة في الصيام أيضاً، ولم يُنَبِّه عليه أحد، فالعبادات كلها لا
تتكامل إلا بالطهارة، ومن أدخل فيها نقيصةً انتقصت عبادته، وعليه قوله ﴿ ﴿ في الجُنُب ((لا
صوم له)(١)، وفي المُخْتَجِم: ((أفطر الحاجم والمحجوم)). ثم لا يخفى عليك أن هذه النقيصة
في النظر المعنوي دون نظر الفقيه، فإنه يقتصر على أحكام الدنيا كالغِيبة في الصوم، فإنه إفطار
معنًى، لأنها أكل اللحم معنى، وإن لم يكن حساً. والحاصل: أنَّ الحدثَ كما ينافي الصلاة
كذلك ينافي الصيام أيضاً، وإن كان فرقٌ بين جهتي المنافاة.
٨ - باب تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّ الطَّوَافَ بِالبَيتِ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أَنْ تَقْرَأَ الآيَةَ. وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسِ بِالقِرَاءَةِ لِلجُنُبِ بَأُساً .
وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ. وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ يَخْرُجَ الحُيَّصُ
فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ: أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَابٍ
النَّبِّ ◌َِّ فَقَرَأَ فَإِذَا فِيهِ: (بِسْم اللَّهِ الرَّحْمُنِ الرَّحِيم، وَ: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ﴾
[آل عمران: ٦٤] الآية. وَقَالَ عَطَّاءٌ، عَنْ جَابِرِ: حَاضَّتْ عَائِشَةُ فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كلها، غَيرَ
الطّوَافِ بِالبَيتِ، وَلَا تُصَلِّي. وَقَالَ الحَكَّمُ: إِنِّي لأَذْبَحُ وَأَنَا جُنُبٌ، وَقَالَ اللَّهُ تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوْ مِمَّا لَمَ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
٣٠٥ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
القَاسِمِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َّه لَا نَذْكُرُ إِلَّ
الحَجَّ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ، طَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ وَّهِ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَّالَ: ((مَا يُبْكِيك؟))
(١) قالوا: إن لغة العرب كانت تسعمائة ألف، دُوِّن منها ثلاثمائة ألف، وأما اليوم فلا يوجد منها أيضاً إلاّ ثمانون ألفاً
(٨٠,٠٠٠) ثلاثون ألفاً في ((صحاح الجوهري)) وعشرون ألفاً سواها في ((القاموس))، فصارت خمسون ألفاً، ثم
في ((لسان العرب)» ثلاثون ألفاً أخرى، فصار المجموع ثمانين ألفاً. ورأيت في مقولة الأصمعي أن ثلاثة أشياء
جاءت من اليمن: الوَرْس، والعُصْفُر، والعَضْبُ. فدل على كونه مجلوباً من اليمن، مع أنه على معناه المشهور
يوجد في البلاد ههنا أيضاً. كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز.

٤٩٢
كتاب الحيض
قُلتُ: لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ العَامَ. قَالَ: ((لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟)) قُلتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَإِنَّ
ذلِكَ شَيءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافعَلِي مَا يَفعَلُ الحَاجُ، غَيرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالبَيتِ
حَتَّى تَظْهُرِي)) .
أباح المصنّف رحمه الله تعالى للحائض والجُنُب أن يقرأ القرآن.
قوله: (وقال إبراهيم) وهو النَّخَعِي، وفي قراءة الآية خلاف بين الكرخي والطحاوي،
وهما معاصران، وأظن أن الطحاوي كان شيخاً وهذا شَرخاً إذ ذاك، فذهب الطحاوي إلى إباحة
القراءة بما دون الآية لهما، ومنع عنها الكرخي مطلقاً .
قلت: ولعلَّ نظر الطحاوي أن التحدي لمَّا لم يقع إلا بالآية، فالإعجاز يكون فيها،
بخلاف المفردات، فإنها مستعمَلَة فيما بينهم أيضاً، فلا إعجاز فيها، ولذا لم يقع التحدي بها .
على أنّا لو منعنا عنها يلزم الحَجْر عن التكلم، لأن مفرداتِ القرآن ومفردات كلامهم سواسية.
وهذه حقيقة عظيمة راعاها الطحاوي ونَبَّه عليها، حيث دل على أن ما دون الآية ومفرداتها لا
يسمى قرآنًا، ولا يكون له حكمه، فيجوز قراءته ومَسّه، ولو لم يدلَّ عليه لبقينا في حيرة ولم نَذْرِ
أن ما دون الآية قرآن أم لا. والذي يَسبِق إلى الذهن في الظاهر أن مجموعَه قرآنٌ بما فيه،
فيكون كل لفظ قرآناً، ويُشْكِل الأمر، فَنَبَّه على أن القرآن لا يُظْلَق على ما دون الآية بل يقال له:
إنه من القرآن وجُزء منه، وهو معنى ما في ((المشكاة)).
فَضَّل فيه القرآن على الأذكار مع أنَّ جُلَّ الأذكار جزء من القرآن، فجعلها من كلام الله ولم
يجعلها كلامَ الله بعينه، فدلَّ على أنَّ الإعجاز في قيام هيئة الآية. وتلك الكلمات لمّا لم تكن آيةً
كاملة لم تكن معجزة، فلم تكن كلام الله، بل من كلام الله فانحطت درجتها عنه.
وعندنا تفصيلٌ آخرُ أيضاً، وهو: أن قراءة الآية إن كانت بطريق التلاوة لا يجوز، وإن
كانت بطريق الذِّكْر فيجوز. ثم اختُلِف في اشتراط اشتمالها على مضمون الذِّكر وعدمه، ثم إن
المصنّف رحمه الله تعالى أخرج قِطعة من قصة عبد الله بن رَوَاحة في صلاة الليل، وهي مفصّلة
عند الدارقطني، وفيها دليل على أنَّ الجُنُب ليس له أن يقرأ القرآن، ((فإن زوجته رأتهُ يطأ جاريةً
له، فغارت عليه، فوجدته نائماً، فجلست على صدره وهددته بالقتل، فقال ابن رَوَاحة: ما
جامعتُها، فجعل يقرأ أشعاراً يُرِيها كأنه يقرأ قرآناً، ولم تكن قارئةً، فحسِبته قرآناً وأرسلته))، فدلّ
على أنَّ القرآن كان ممنوعاً على الجنب عندهم بحيث كان يعلمه مَن قرأ ومن لم يقرأ.
قوله: (ولم يَرَ ابن عباس رضي الله عنه) ... إلخ. ولنا أحاديثُ مرفوعةٌ أخرجها أصحاب
السنن.
قوله: (وكان النبي ◌َّ﴿ يذكر الله على كل أحيانه) وشَرَحَهُ بعضهم أن المراد من الذِّكر هو
الذكر القلبي، وليس بسديد عندي، فإنه لا يُقال له ذِكر لغةً، إنما هو فِكرٌ، والذي يعرفه أهل
اللغة هو الذكر باللسان، جهراً كان أو سراً، والمراد عندي أنه كان يذكر الله في كل أحيانه
المتواردة، لأن حال الإنسان على نحوين: حاله المتشابه، والثاني: المتوارد، أعني به كالقيام
من القعود وبالعكس، ودخوله في المسجد والخروج منه، وكذا دخوله في السوق والبيت

٤٩٣
كتاب الحيض
والخلاء، والخروج منها، وإيواؤه إلى فراشه ونومه ويقظته وغير ذلك.
فإذا كان حاله من نوع واحد فهو حال متشابه، وإذا تواردت عليه الأحوال واحداً بعد
واحد فهي الأحوال المتوارِدة، فالمراد من أحيانه وأحواله هي تلك الأحيان والأحوال،
وأذكارها مبسوطة في كتب الحديث، وقد أُفرِد لها بالتصنيف أيضاً؛ وإلا فيُشْكِل على الإنسان
تصوره وإمكانه، فإن من الأحيان دخولَه في الخلاء ومنها أوانُ تكلمه من غير الذكر، فكيف
يَصْدُق أنه كان يذكر في كل أحيانه، فإنه يستلزم أن يكون معطلاً عن سائر الأفعال سواه. وتبيَّن
مما قلنا إن أذكارها كانت مبسوطةً ومنسحبة على الأحوال المتواردة كما يُعْلَم بالمراجعة إلى
حال الأدعية مع كونه ذاكراً في عامة الأحوال المتشابهة أيضاً، أو يقال معنى قوله: ((كان
يذكر الله)) أي لم يكون ممنوعاً عنه.
قوله: (ويدعون) واعلم أنَّه لا دعاء بعد صلاة العيدين، لأنَّ المطلوب ههنا اتصال الصلاة
والخُطبة، ولا ينفع فيه التمسك بالإطلاقات، وإنما يَسُوغ التمسك من الإطلاقات فيما لم تكن له
مادة في خصوص المقام، وصلاته تلك لم تزل إلى تسع سنين، ولم يَنْقُل أحدٌ فيها الدعاء
بعدها، فلا يصح فيها التمسك بالإطلاقات: كرفع اليدين في تكبيرات العيدين ثبت في
الأحاديث في خصوص هذه الصلاة، فالتمسك على كراهته بقوله: ((ما لي أراكم رافعي أيديكم
كأذناب خيلٍ شمس)) باطل، وكالجمع في عَرَفَة والمُزْدَلِفة، فإنه ثابت بأدلته، والتمسك بما
يخالفه على نَفيه باطل، وأمثلته غير قليلة.
قوله: (فإذا فيه) ... إلخ. وكتابة آية إلى كافر واسعة عندنا أيضاً.
قوله: (وقال الحكم) وفي ((الهداية)) في باب الأذان: أن الطهارة تُستحبُّ لكل ذِكرِ،
وذهب صاحب ((البحر)) إلى أن التيمم لمّا لم تُشْتَرَط له الطهارة مفيد مع وجدان الماء أيضاً،
كتيممه ◌َّ لردِّ السلام في رواية أبي الجُهَيم.
قوله: (ولا تأكلوا) ... إلخ. وفيه حكاية وهي أن الشافعية رحمهم الله تعالى أقاموا حفلة
في زمن ابن سُرَيج الشافعي رحمه الله تعالى وتناجَوا من قبل أن يَسأل فيه سائل عن مسألة
المُصَرَّاة لتظهر سخافة مذهب الحنفية، ففعل، فأجابه ابن سُرَيج أن فيها خلافاً بين أبي حنيفة
رحمه الله تعالى وبين النبي ◌َّيه، فأقام الحنفية بعدها حفلة أخرى لجوابهم وتناجَوا مثلهم لمثله،
فسأل فيها سائل عن متروك التسمية عامداً، فقام رجل وقال: فيه خلافٌ بين الإمام الشافعي
رحمه الله تعالى وبين رَبِّ العزة. ولا حول ولا قوة إلا بالله .
٩ - باب الاسْتِخَاضَةِ
٣٠٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي
لَا أَظْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلِ: ((إِنَّمَا ذلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيضَةِ، فَإِذَا
أَقْبَلَتِ الحَيضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي)).

٤٩٤
كتاب الحيض
واشتقاقه من الحيض، فكيف يمكن أن يكون بينهما فرقٌ لغةً، وإنما يقولون: استُحِيضت
المرأة إذا غلب عليها الدم، ثم الفقهاء يجعلون منه حيضاً واستحاضة على حسب أحكامهم،
والحديثُ يُحْمَل على اللغة دون العُرْف الحادِث. ثم إن الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
عسيرٌ جداً لا يمكن من حُذَّاقِ الأطباء أيضاً، فلا بد أن يُتَوَسَّع في الأحكام.
ثم إن الدِّعامة في هذا الباب عنوانان: الأول: عِدَّة الأيام والليالي، والثاني: الإقبال
والإدبار، والأول أقربُ إلى نظر الحنفية، لأنه إحالة على عادته بدون تعرض إلى الألوان،
والثاني أقربُ إلى الشافعية لإيمائه إلى التمييز بالألوان. واستفدتُ من ((سنن البيهقي)) أنَّ
المحدثين أيضاً فَهِمُوا بينهما فرقاً ولذا يُغَلِّطون الرواةَ إذا تفرَّد أحدُهم بذكر أحد العنوانَين مكان
الآخر، وعليه مشى أبو داود في كتابه فبؤَّب مرةً بمَن قال: تدعُ الصلاةَ في عدة الأيام التي كانت
تحيضهن، وأخرى: إذا أقبلت الحيضةُ تدعُ الصلاة. ومن ذكر منهم أحدَهما مكان الآخر نُسِب
إلى الوَهَم، ولم أدرِ من كتاب البخاري أنه راعى هذا الفرق أم لا .
أقول: أما الرواة فإنهم لا يفرقون بينهما حتى إنهم يذكرون أحدهما مكان الآخر كما مرّ
في ((صحيح البخاري)). نعم ذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في ((الأم)) إلى الفرق
بينهما، ثم إنه وإن مرَّ مني أن العنوان الأول أقرب لمذهب الحنفية لكنه ما تبيَّن آخراً - وأن
الإنصاف خيرُ الأوصاف - أنَّ محطّ هذا العنوان ليس إلغاءَ مسألة التمييز أو اعتبار مسألة
العادة، بل هو بيان المقدار يعني أنه فوَّض التردُّدَ في عدد أيام الحيض إلى أيام عادتها،
فلتعتبرها على عادتها ستة أو سبعة، فالتفويض إلى العادة لهذا لا لإلغاء مسألة التمييز. وقد مرَّ
الكلام فيه مفصلاً في كتاب الغُسل، وإنما ذكرناه ثانياً لبعض المغايرة وبعض الفوائد. راجع
((الجوهر النقي)).
١٠ - باب غَسْلِ دَمِ المَحِيضِ
٣٠٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ
المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرِ أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ نَّه فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، أَرَأَيتَ إِحْدَانًا، إِذَا أَصَابَ ثَوْيَهَا الدَّمُ مِنَ الحَيضَةِ، كَيفَ تَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ بَّهِ: ((إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الحَيضَةِ، فَلتَقْرُضْهُ، ثُمَّ لتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ
لتُصَلِّي فِیهِ».
٣٠٨ - حدّثنا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ القَاسِمَ: حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ، ثُمَّ
تَقْتَرِصُ الدَّمَ مِنْ ثَوْبِهَا عِنَّدَ ظُهْرِهَا، فَتَغْسِلُهُ وَتَنْضَحُ عَلَى سَائِرِهِ، ثُمَّ تُصَلِّ فِيهِ.
وأجمعت الأُمَّة على نجاسته، ومع ذلك استعمل فيه لفظ النَّضْحِ، فليتنبه.
٣٠٧ - قوله: (سألتِ امرأةٌ) واختُلِف في اسمها .

٤٩٥
كتاب الحيض
١١ - باب الاعْتِكَافِ لِلمُسْتَحَاضَةِ
٣٠٩ - حدّثنا إِسْحاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ
عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ، فَرُبَّمَا وَضَعَتِ
الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ. وَزَعَمَ عكرمة أَنَّ عَائِشَةَ رَأَتْ مَاءَ العُصْفُرِ، فَقَالَتْ: كَأَنَّ هذا شَيءٌ
كَانَتْ فُلَانَةُ تَجِدُهُ. [الحَديث ٣٠٩ - أطرافه في: ٣١٠، ٣١١، ٢٠٣٧].
٣١٠ - حـ قُتَيبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيِع، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ
قَالَتِ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِو ◌َ﴿ِ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الَدَّمَ وَالصُّفْرَةَ،
وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا، وَهِيَ تُصَلِّ.
٣١١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ
بَعْضَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ.
وفي فقهنا أنَّ المرأةَ تعتكف في مسجد بيتها لا في مسجد الجماعة.
قلت: والمراد به بيان الأولى كما في ((البدائع)) لأنه قد ثبت اعتكاف بعض أزواج
النبيِ وَّهَ في مسجده، ولكنه ◌َّه لم يرضَ به، بل أمر مرةً بتقويضٍ خِيَمِهِنَّ وقال: ((الْبِرَّ يُردن)»
فالحاصل: أنه لم يُرَغِّبْهُنَّ في ذلك، فإن فعلنَ من عند أنفسهن لم يَنْهَ صراحةً على شأن
خاطرهن، فكأنه رضّى مع الكراهة، كما في النهي عن حضورهن في الجماعة، فما في ((الدرّ
المختار)) من لفظ الكراهة محمول على التنزيه عندي، ولا أجترى أن أحكم على أمر ثبت في
مواجهة النبي ◌َّر أنه مكروهٌ تحريماً، والعَجَب من السيوطي حيث قال في ((حاشية النسائي)): إن
ارتكاب الكراهة تحريماً جائز للنبي وَ ﴿ لأنه شارع، فيكون ثواباً في حقه! قلت: والذي علمناه
أن ارتكابه معصيةٌ باتفاق بيننا وبين الشافعية، فلا أدري ماذا أراد به! وراجع كلام ابن رُشْد
لتنقيح المذاهب في مسألة الباب.
فائدة: كتب المَقْبِلي أنَّ النَّاسَ سلكوا في الحنفية مسلك التعصُّب، والمَقْبِلي عالم جيد
من علماء اليمن.
٣٠٩ - قوله: (العصفر) ترجمته "كسمبه" ، ويَنْبت في الكشمير فيصير زعفران، وينبت
الزعفران في الهند فيصير عُصْفُراً .
١٢ - باب هَل تُصَلِّي المَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ
٣١٢ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحِ، عَنْ
مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَ كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَّهُ شَيءٌ
مِنْ دَمِ، قَالَتْ بِرِيقِهَا، فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا .
والمحدثون ترجموا لإثبات تعدد ثيابهن ثوب لحيضهن وثوب لطهرهن كما ترى.
.

٤٩٦
كتاب الحيض
قوله: (قالت بريقهن) وعلم منه أن الريق مطهر فما طعن به المدعون العمل بالحديث على
فقهنا مردود بالنصر الصريح وحديث الصحيح.
١٣ - باب الطِّيبِ لِلمَرْأَةِ عنْدَ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ
٣١٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ
حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: كُنَّا نُنْهِى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِ أَرْبَعَةَ
أَشْهُرٍ وَعَشْراً، وَلَا نَكْتَحِلَ، وَلَا نَتَطَيَّبَ، وَلَا نَلبَسَ ثَوْباً مَصْبُوغاً إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ
رُخِّصَّ لَنَا عِنْدَ الُهْرِ، إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا، فِي نُبْذَةٍ مِن كُسْتٍ أَظْفَارِ، وَكُنَّا
نُنْهِى عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ. قَالَ: رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، عَنِ
النَّبِيِّ وََّ. [الحديث ٣١٣ - أطرافه في: ١٢٧٨، ١٢٧٩، ٥٣٤٠، ٥٣٤١، ٥٣٤٢، ٥٣٤٣].
٣١٣ - قوله: (أن تحد على ميت ... ) وهكذا أجاز محمد رحمه الله تعالى الحِدَاد لغير
الزوج أيضاً إلى ثلاثة أيام، والإحداد عندنا للمطلّقة أيضاً، ولم يوافقنا فيه غير إبراهيم النَّخَعِي.
قوله: (ثوب عَصْبٍ)(١) وقد اختلف في تفسيره بفقدانه في زماننا، وراجع ((معجم البلدان)»
للحَمَوي الحنفي في ذكر مخاليف اليمن، والمشهور أنه ثوب تُتَّخَذ من (كلاوه)، وأجازه مالك إن
لم يكن رفيعاً وثميناً، ومنعه الحنفية والشافعية كما نقله النووي، ونَسَب إلى أحمد الجواز. وفي
(فتح القدير)) عن ((كافي الحاكم)) أن القصب (٢) مكروه، ولا يُذْرَىُ أنه تصحيفُ عَصْبٍ أو المسألة
(١) قلت: وقد ظهر لي وقتَ الكتابة أن العصب هو القَصَب، لأن العصب بعد الصبغ، يَظهر كالقصب عُقْدَةً بعد
عقدة، وذلك لأن العَصْبَ هو الشَّدُّ، وكانوا يأخذون قصة من الخيط فيُشدُّون عليها كالعُقَد، ثم يصبغونها، ثم
يَحُلّون موضع العُقَد فيبقى تحته بياض غير مصبوغ وسائره مصبوغاً، فيظهر كالقصب، فإِن فيه أيضاً عُقَداً. والله
تعالى أعلم بالصواب. ثم رأيت الطحاوي مرَّ عليه في ((مشكله)) في باب إن العُضْفُر هل هو من الطيب أم لا؟
فقرر أن العصفر طِيبٌ ولذا نُهِيت الحَادَّةُ أن تَلْبَسها، ثم قال قائل: إن النهي عنه للزينة لا لكونه طيباً فأجاب عنه
أن النهي عنه: لو كان لأجل الزينة لنُهِيَتْ عن الثوب العَصْبِ، لأنه من الزينة فوق الثوب المُعَصْفَر، ثم قال: وفيه
ما يَشُدّ مذهبَ الذين يذهبون في العصفر أنه ممنوع في الإِحرام، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى
وأصحابه، ففيه دليل على أنه ثوب زينة، فلا أدري أنه كيف يُباح للحادة والله تعالى أعلم بالصواب.
(٢) واعلم أن الله تعالى إذا أراد أن يخلق ولداً يُوكل برَحِم أمه مَلَكاً، فيتطور أطواراً بين يديه وحراسته من نطفة إلى
علقة، ومن علقة إلى مُضْغة، حتى يكون خلقاً آخر كآلة الميكانيك في الدنيا لا تتحرك بأنفسها بل ينصب عليها رجل
ينظّم أمرها، فحركاتها وسكونها كلها تكون بنظم معين في أوقات معينة، بأعين رجل ذي تجربة، متيقظ واقف بها،
فليُفْهَم مثله في أمر الولد والرَّحم والمَلَك، ثم إن بعض الناس أنكروا بنفخ الروح في أربعة أشهر، وزعموا أنه
خلافٌ قولِ الأطباء، وهل حَمَّلَهم على ذلك القول غير المَسْخ؟ على أنه قد صرَّح داود الأنطاكي بنفخ الروح في
تلك المدة، وهذا الرجل هو محمد حسن الأمر وهي صنف تفسيراً وحرَّف الآيات وأوّلها بغير تأويلها ووضعها في
غير مواضعها، ثم تبعه الناس في غواياه مثل السيد أحمد ومتنبىء القاديان مرزا غلام أحمد وتمسكوا منه لتحريفاتهم
في مواضع، فإنه كان رئيسهم في ذلك، غير أنه لم يَدَّع دعوى لنفسه، وأما لَعِينُ القاديان فانتفع من تفسيره وانتحل
محرفاته، ثم ادَّعى لنفسه النبوة. أذاقه الله سوء العذاب. كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز بالهندية.

٤٩٧
كتاب الحيض
فيه؟ ثم لم أزل أتفكّر في مناط الاستثناء أنه كونه رخيصاً ومحقَّراً، أو كونه مروّجاً فيهن.
وسياق الحديث يدل على أنه كان محقراً عندهم، ولذا أُبيح في الإحداد، وما فَسَّر به عامةُ
الناس يُشْعِر بكونه ثميناً، ووجهه أنه لم يتنقَّح عندهم المناط حتى أن ابنَ القيِّم مرَّ عليه ولم
يكتب شيئاً شافياً، والذي يظهر لي أن ثوب العَصْب ثميناً كان أو رخيصاً، خشناً كان أو رقيقاً،
إنما أُبيح لهنّ في الإحداد لأنه كان هو لباسهن إذ ذاك، فلو مُنِعْنَ عنه أيضاً لضاق الأمر عليهن
لقلة الثياب إذ ذاك، فكأنه من باب اختلاف عصر وزمان لا دليل وبرهان. ثم إن عند النسائي:
((ولا ثوب عَصْب)) بدل الاستثناء في هذا الحديث بعينه، فانعكس المراد، ولا أعلم أيهما
أصح. والله تعالى أعلم. ويمكن أن يكون تصحيف ((إلا)) حرف الاستثناء.
٣١٣ - قوله: (كست) قيل: هو كب ويقال له: القُسْط، يوجد في بلاد الكشمير والصين.
قوله: (أظفار) وفي نسخة: ((ظَفَار)) قرية في أطراف البحرين، وإن كانت النسخة (الأظفار))
فهو نوع طيب كان النساء يجعلنه على هيأة الظفر، وترجمته "نك" .
١٤ - باب دَلْكِ المَرْأَةِ نَفسَهَا إِذَا تَطَهَّرَتْ مِنَ المَحِيضِ،
وَكَيفَ تَغْتَسِلُ، وَتَأْخُذُ فِرْصَةٌ مُمَسَّكَةَ، فَتَتَبعُ بها أَثَرَ الدَّم
٣١٤ - حدّثنا يَحْيى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَينَةَ، عَنْ مَنْصُورِ ابْنٍ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ
عَائِشَةَ: أَنَّ امْرَأَةَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ وََّعَنْ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ؟ فَأَمَرَهَا كَيفَ تَغْتَسِلُ، قَالَ:
((خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكِ، فَتَطَهَّرِي بِهَا)). قَالَتْ: كَيفَ أَتَطَهَّرُ بها؟ قَالَ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ،
تَطَهَّرِي)». فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ، فَقُلتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّم. [الحديث ٣١٤ - طرفاه في: ٣١٥، ٧٣٥٧].
والذَّلك شرط عند مالك كما علمتَ، ولا شك في كونه مطلوباً عندنا أيضاً.
قوله: (فِرْصَة) "أون کی جتيا" .
٣١٤ - قوله: (مُمَسَّكَة) قيل: من المِسْك، وقيل: من المَسْك بمعنى الجِلْد، قرىء مُمْسِكَة
من الإمساك، وعلى الأوَّلَين يَرِد اعتراض الاشتقاق. وراجعه في مواضعه.
قوله: (فتطهري بها) فإن كان مُمَسَّكَة من المِسْك فوجه الإشكال أن المِسْكَ لا يُتَطَهَّرُ به،
بل يُتَطَيَّب به، فلم تفهم معنى التطهر بالمِسك، وإن كان منِ المَسْك بالفتح، فوجه الإشكال عدم
درايتها طريق التطهر، حتى جذبتها عائشة رضي الله عنها وعلَّمتها .
١٥ - باب غُسْلِ المَحِيضِ
٣١٥ - حدّثنا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ:
أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَتْ لِلنَّبِيِّ وََِّّ: كَيفَ أَغْتَسِلُ مِنَ المَحِيضِ؟ قَالَ: ((خُذِي فِرْصَةً
مُمَسَّكَةٌ، فَتَوَضَّئِي ثَلَاثًا)). ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ◌َّ اسْتَحْيَا، فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، أَوْ قَالَ: ((تَوَضَّنِي
بِهَا)). فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا، فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ ◌َّهُ.

٤٩٨
كتاب الحيض
٣١٥ - قوله: (توضئي) من الوَضَاءة فهو ههنا على اللغة، فالوُضوء أمرٌ شرعي، والطهاة
أمرٌ حسي اعتبرها الشارع وضوءاً لأجل الوضاءة.
١٦ - باب امْتِشَاطِ المَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ
٣١٦ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابِ، عَنْ
عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْلَلتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَه فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتُّعَ وَلَمْ
يَسُقِ الهَدْيَ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ، وَلَمْ تَظْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيلَةُ عُرَفَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، هذهِ لَيلَةُ عَرَفَةَ، وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَثَّعْتُ بِعُمْرَةٍ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَيْ: «انْقُضِي
رَأُسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ)) فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيتُ الحَجَّ، أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمُنِ،
لَيلَةَ الحَصْبَةِ، فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي نَسَكْتُ.
٣١٦ - قوله: (فَكُنت ممن تمتع ولم يَسُقِ الهدي) واعلم أنَّ النبيَ بَُّ لمَّا خرج للحجِ
نادى به في الناس، وكانت العمرة في أشهر الحج في زمن الجاهلية من أفجر الفجور، فأهلَّ
أكثرهم بالحج، ثم لمَّا أراد النبي ◌ََّ أن يُعَلِّمهم أن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة
أمرهم برفض إحرام الحج وجعله عمرةً، فمن لم يكن عنده هديٌ رفض الحجَّ وصار متمتعاً بغير
سَوْق الهدي، أما من كان عندهم هدي فلم يرفضوا إحرامهم لمكان الهدي، ومن ههنا علمتَ أن
لا خلاف بين من قال: لا نرى إلا الحج، وبين من ذكر التمتع.
ثم المسألة عندنا أن المتمتع يجمع بين العمرة والحج، بأن يأتي أفعال العمرة أولاً ثم
يأتي بأفعال الحج، فإن كان غيرَ سائقٍ الهديَ يَحِلّ بعد عمرته ويُحْرِم بالحج يوم التروية، وإلا
يبقى محرماً ثم يُحْرِم بالحج يوم التروية. واختُلف في عائشة رضي الله عنها أنها كانت قارنة أو
مُفْرِدة؟ فقال الحنفية: إنها كانت أحرمت بالعمرة أولاً كما في الرواية الآتية: ((وكنتُ ممن أَهلَّ
بعمرة)) ثم إذا حاضت ولم تَظْهُر حتى قَرُبَ الوقوف رفضتها وأحرمت بالحج، وصارت مفرِدةً ثم
اعتمرت بعد الفراغ عن الحج مكان عمرتها التي كانت رفضتها .
قوله: (امتشطي) من المَشْط يقال: سَرَّح الشعر أي خَلَّص بعضَه عن بعض، ورَجَّلَه أي
جعله مستقيماً حتى لا يبقى فيه الجُعُودة، ويقال امتشطت المرأة شعرها أي مشطتها بالمُشْط
وهذا صريح في أنها كانت رفضت عمرتها، وأوَّله الشافعيةُ بأن المراد منه الامتشاط بالرِّفق لئلا
تنقض الأشعار، ولا ينافي الإحرام، وهو كما ترى، فكأن النبي ◌َّيّ أمرها بذلك لئلا يناقض
مذهب الشافعية رحمهم الله تعالى، بل الامتشاط على ما هو المعروف ولا يخلو عن نقض
شعر عادة. على أن النبي ◌ّير أمر أبا موسى بنقض إحرامه بمثل هذه الألفاظ كما في
الصحيحين .
(وأمسكي عن عمرتك) هذا أيضاً أقرب إلينا، ومعناه عندنا رفضُ العمرة، وقال الشافعية
معناه دعي أفعال العمرة مع إبقاء الإحرام على حاله. قلت: إذا كانت أفعال العمرة عندكم داخلة
في الحج للقارن، فلا تكون أفعال العمرة إلا أفعال الحج، فما معنى تركها! فإنها لا تطوف إلا

٤٩٩
كتاب الحيض
طوافاً واحداً ولا تسعى إلا سعياً واحداً، وتُحسب أفعالُها عنهما جميعاً، وإذن لم يبقَ لقوله:
(وأمسكي عن عمرتك) مصداق.
قوله: (مكان عمرتي التي نَسَكْتُ) هذا أيضاً يؤيدنا لأنه يُشْعر برفض عمرتها الأولى، ولذا
احتاجت أن تعتمر مكانها أخرى، وأوَّله الشافعية أنها لم ترضَ أن تكتفي بالعمرة المتضمنة
وألحَّتْ أن تعتمر منفردة أيضاً مكان عمرتها المتضمنة، فتكون لها في هذه السنة عمرتان:
عمرتها المتداخلة في حجها، وعمرتها هذه بعد الفراغ عن الحج.
قلت: وما لها أَلَخَّتْ عليه مع أن عمرة النبي ◌ّلّ أيضاً كانت مندمجة في الحج على
نظرهم، فإذا كان حالها كحال النبي ◌َّ فما الإلحاح وما الاضطراب؟
١٧ - باب نَقْضِ المَرْأَةِ شَعْرَها عِنْدَ غُسلِ المَحِيضِ
٣١٧ - حدّثنا عُبَيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مُّنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ
بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلِ، فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيتُ لأَهْلَلتُ بِعُمْرَةٍ». فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ
بِحَجّ، وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ وَهُ
فَقَالَ: ((دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِحَجّ)). فَفَعَلتُ، حَتَّى إِذَا كَانَ
لَيْلَةُ الحَصْبَةِ، أَرْسَلَ مَعِي أَخِي عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلتُ
بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي. قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ هَذْيٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ.
٣١٧ - قوله: (قال هشام ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة) وهذا
مشكل لأنه لا مناص عن الدم، أما دم القِران أو دم الرفض، على اختلاف النَّظَرَين، على أنَّ في
الخارج تصريح بذبح النبي وَلّ بقرةً عن نسائه، فلعله لم يبلغ هشاماً فذهب الناس في توجيهه كلَّ
مذهب. وأقول: إن الهدي إنما يقال لما يُهدى إلى البيت، فدلَّ من حاقَّ لفظه أنه اسم لما يكون
معه من بيته، فالنفي حينئذ محمول على أنها لم تكن ساقت الهدي معها كما كان النبي وَالـ
ساقها، فالمنفي هو كون الهدي معها لا الذبح عنها. ثم إن المتبادَر أنه من دماء الحج، فلا
يُحْمَل على الأضحية، وإنما عَبَّر عنه بالتضحية لكونه في زمان الأضحية. وراجع الهامش والله
تعالى أعلم .
١٨ - باب ﴿ أُخَلَّفَةٍ وَغَيْرٍ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]
٣١٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكِ، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَّلَ بالرَّحِم مَلَكاً،َ يَقُولُ: يَا رَبِّ نُظْفَةٌ، يَا
رَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلقَهُ قَالَ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثى؟ شَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٌ؟
فَمَا الرِّزْقُ وَالأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ)). [الحديث ٣١٨ - طرفاه في: ٣٣٣٣، ٦٥٩٥].

٥٠٠
كتاب الحيض
١٩ - باب كَيفَ تُهِلُّ الحَائِضُ بالحَجِّ وَالعُمْرَةِ
٣١٩ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ بَةٍ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِّنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا
مَنْ أَهَلَّ بِحَجّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َِّ: ((مَنْ أَخْرَّمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلِيُحْلِل،
وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَذْبِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجّ فَلَيُتِمَّ حَجَّهُ)).
قَالَتْ: فَحِضْتُ، فَلَمْ أَزَل حَائِضاً حَتَّىٍ كَانَ يَوْمُ عَرَفَةً، وَلَمْ أُهْلِل إِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي
النَّبِيُّ ◌َِّ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي، وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجِّ، وَأَتِرُكَ العُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذلِكَ، حَتَّى
قَضَيتُ حَجِّي، فَبَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنَ
التَّنْعِیم .
وتناسبه الترجمة الماضية باب من سمى النِّفَاس حيضاً، وقد مرَّ أنَّه لا يريد منها بيان اللغة
بل بيان الحُكم، أي الحيض والنفاس اسمان لدم واحدٍ، فما خرج من الحَائِل في أيامه يقال
له: الحيض، وما خرج من الحامل بعد الولادة يقال له: النِّفَاس. وراجع الحاشية لابن بَطَّال ـ
وهو مالكي المذهب وشارح متقدم للبخاري - ومن أهم فوائده أنه إذا ذكر مذهباً ذكر معه أسماء
جملةٍ من ذهب إليه من الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
قوله: (مُخَلَّقة) يعني أن الله تعالى إذا أراد أن تَلِدَها سليمةً يجعل دمَ الحيض غذاءه فتلدها
مخلَّقة وإن أراد أن يكون غير مخلقة لا يجعله غذاءً لها، وتصير سِقْطاً، فتلدها خَدجاً غير تامة.
قيل: إن تلك الأطوار على خلاف ما في الطّب. قلت: كلا بل هي في الطب كذلك كما ذكره
الأنطاكي في ((تذكرته)). واعلم أن للتقدير أنواعاً، فمنها تقدير أزلي، ومنها مُحْدَث، ومنها ما
كُتِب قبل خلق العالم بخمسين ألف سنة، ومنه ما يكون في ليلة البراءة، ومنه هذا الذي في رَحِم
أُمّه. فاعلمه .
يعني أنه يجوز لها الإحرام لأنها غير ممنوعة عنه، والحيض ليس من محظوراته.
٣١٩ - قوله: (منّا من أَهَلَّ بعمرة) يعني في الحالة الراهنة، وإن أَهَلَّ بالحج يوم التروية،
لا أنه أَهَلَّ بها فقط ولم يحجَّ في تلك السنة مع بلوغه بمكة.
٢٠ - باب إِقْبَالِ المَحِيضِ وَإِذْبَارِهِ
وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدَّرْجَةِ فِيهَا الكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ، فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلنَ
حَتَّى تَرَينَ القَصَّةَ البَيضَاءَ، تُرِيدُ بِذلِكَ الْظُهْرَ مِنَ الحَيضَةِ. وَبَلَغَ ابْنَةَ زَيدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ نِسَاءً
يَدْعُونَ بالمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيلِ، يَنْظُرْنَ إِلَى الظُّهْرِ، فَقَالَّتْ: مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ
هذا، وَعَابَتْ عَلَّيْهِنَّ.
٣٢٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ