النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
كتاب الوضوء
٦٧ - باب غَسْلِ الدَّمِ
انعقد الإجماع على نجاسته، ولذا عبَّر بالغَسْلِ، وهكذا فعل في البول والمَذِيِّ والمَنِيِّ،
فقال: باب ما جاء في غَسْل البول كما مرَّ، وقال: باب غَسْل المَذِيِّ والوضوء منه، وقال: باب
غسل المَنِيِّ وفَرْكِهِ، كما سيأتي. فهذا دليلٌ على أنَّه ذهب إلى نجاسة المَنِيِّ على ما أرى، وفي
عامة كتبنا؛ أنَّ المسفوح نَجِسٌ، وغير المسفوح ليس بَنجِسٍ، وبحث فيه شارح ((المُنْيَة)) في
الكبيري، وجمع الشَّوْكَاني فقهه في رسالة سمَّاها «الدُّرر البَهِيَّةً))، ووضع فيها مسائل أخشى على
العامل بها أن لا يُغْفَر له، منها: طهارة جميع الأشياء سوى دم الحيض، وغائط الإِنسان،
وبوله. وقال: إنَّ شَخْم الخنزير ليس بحرام، لأن القرآن سمّى لحمه حراماً، والشحم ليس
بلحم، فلا یکون حراماً، ونعوذ بالله منه.
٢٢٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ، عَنْ
أَسْمَاءَ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيِّ ◌َّهِ فَقَالَتْ: أَرَأَيتَ إِحْدَانَا تَحِيضٌ فِي الثَّوْبِ، كَيفَ تَصْنَعُ؟
قَالَ: (تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بالمَاءِ، وتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ)). [الحديث ٢٢٧ - طرفه في: ٣٠٧].
٢٢٧ - قوله: (وَتَنْضَحُهُ) ... إلخ، وقد مرّ أن النِّضْح ههنا بمعنى الغَسْل عند الكل، وهو
المراد عندنا في بول الصبي، فَشاكِلَتُه عندنا من ههنا إلى هناك واحدة، بخلاف الشافعية
رحمهم الله تعالى.
٢٢٨ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِّ ◌َّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي
امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَظْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِوَّ: ((لَا؛ إِنَّمَا ذِلِكَ عِرْقٌ
وَلَيْسَ بِحَيضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَذْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ
صَلِّي)). قَالَ: وَقَالَ أَبِي: ((ثُمَّ تَوَضَّنِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذلِكَ الوَقْتُ)).
٢٢٨ - قوله: (أُسْتَحَاض) بضم الهمزة وفتح المثناة مجهولاً، وهكذا يُقْرَأ، لأن
الاستحاضة ليست من صنعها وإنما تلقى عليها من أسباب سَمَاوِيَّة. ومعناه: أنه استمرَّ بي الدم،
فلا يَرْقَأ، ولا تريد به الاستحاضة الفقهي: وهي الدماء التي تَنْقُص من عادتها أو تزيد عليها،
وأهل اللغة لا يفرِّقون بين الدماء الفقهية، ويقولون: حاضت المرأة، إذا جاء الدم على عادتها،
وإذا غَلَب عليها يقولون: اسْتُحِيضَت، ثم الفقهاء يفصِّلونها إلى دم الحيض والاستحاضة، وهو
موضوعهم. وأما اللغويون، فيحكمون على المجموع أنه استحاضة.
قوله: (فلا أَظْهُرُ) أي حِسّاً، ولم تُرِد به الطهارة الشرعية، بل معناه لا أَظْهُر حِسّاً، ولا أزال
أتلطّخ بالدماء لأجل جَرَيان الدم، فلا أَظَهُرُ حِسّاً. والشريعة قد تَحْكُم بالطهارة حال النجاسة
الحِسِّية كالمعذور، وقد تحكم بالنجاسة مع الطهارة الحسِّية كالظُّهْرِ المتخلل، فهذه من اعتبار
الشرع، فلا تريده، وإنما أرادت: أنَّ دمها غَلَبَ عليها فلا يسكن، ومنعها عن صلاتها، وبه يرتبط
الجواب، لأنها لو كانت تَعْلَمُ أنها استحاضة، لم يكن فيه إشكالٌ. وإنما أَشْكَل عليها الأمر،

٤٢٢
كتاب الوضوء
لأنها إذا استمر بها الدَّمُ لم تستطع أن تتبيَّن حَيْضَها من استحاضتها، فسألت صاحب الشرع.
قوله: (إنما ذلك دم عِرْقٌ) ... إلخ، وهذه عِلَّةٌ منصوصةٌ تدلُّ على أنَّ الخارج من غير
السبيلين أيضاً ناقضٌ، لأنه علَّلها بكونها دم عِرْق، وإنما تحقَّق خروجه عن إحدى السبيلينِ
الخصوص المقام، وإدارةُ الحكم على السبيلين في هذا المقام ترٌّ للمَنْطُوق، وأخذٌ
بالمسكوت، وهو كما ترى. وما قاله الحافظ رحمه الله تعالى: إنَّ المقصودَ من قوله: ((إنه دم
عِرْق))، توكيدٌ لعدم كونه دم الحيض، وليس بياناً لكونه ناقضاً، يأباه السياق أيضاً. ثم إن
الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى أيضاً موافقٌ للشافعية رحمهم الله تعالى في عدم النقض من
الخارج من غير السبيلين، مع أن أحمد رحمه الله تعالى نصَّ على نقض الوضوء من الرُّعَاف،
وقد مرَّ التصريح به .
قوله: (فإذا أقبلت حيضتُك) بالفتح وبالكسر يومىء إلى التميز بالألوان. واعلم أنه لا عِبْرة
للألوان عندنا في أيام الحيض، فما تراه من السَّوَاد إلى الكُذْرَة يكون كلها حيضاً. وذهب الإِمام
الشافعي رحمه الله تعالى إلى اعتباره، فجعل الأحمر الشديد والأسود منه حيضاً، ولم يَرَ باقي
الألوان حيضاً. ولفظ الإِقبال والإِدبار يؤيده، فإنه يُعْلَم منه أن دم الحيض دمٌ متميِّزٌ بنفسه، يُعْرَف
إذا أقبل وإذا أَذْبَر. فالإحالة على الدم مُشْعِرٌ بأن دم الطمث مُغَايِرٍ لدم الاستحاضة بنفسه، ومُتَمَيِّزٌ
كتمَايُز سائر المَاهِيَّات، ولذا اكتفى بالإحالة على الاسم، لأنه كان من الأشياء المتميِّزة بنفسه،
كما في رواية: ((فإِنه دمٌ أسود يُعْرَف».
قلت: ولا ريب أن الألفاظ المذكورة أقرب إلى نظرهم، إلّا أنَّه يَصْدُق على مذهبنا أيضاً،
فإِنه يمكن أن يُعْرَف الإِقبال والإِدبار باعتبار عادتها، فإذا جاء أوانُ حيضها ودَمِيت، فقد أَقْبَل
حيضها، وإذا مضى زمان الحيض، فقد أَذْبَر، ثم أقول: إن في الباب لفظ آخر، وهو أن
النبيِ وَ لّ أمر مستحاضة أن تَنْظُر عِدَّة الليالي والأيام التي كانت تحيضهنَّ من الشهر، فهذا إحالةٌ
ظاهرةٌ على عادتها بدون تفصيلٍ بين الدماء وألوانها، وإن كان يَسُوغ لهم أيضاً أن يحملوه على
التمييز، إلاّ أنَّ المُتَبَادر منه عدمه.
فالحاصل: أنَّ العُنوانَ الأول أقرب إلى الشافعية، والعنوان الثاني أقرب إلى الحنفية، وإن
أمكن حَمْل أحدهما على الآخر، ولذا وَضَع أبو داود ترجمة بهذا اللفظ، وترجمة أخرى بذاك،
لينِّه على أنهما يُنْبئان عن النظرين.
وأما قوله: «فإِنه دمّ أسود يُعْرَف)»، فقد أخرجه النَّسائي في موضعين، وأشار إلى إعلاله،
وفي ((العلل)) لابن أبي حاتم: أنه مُنْكَرٌ. وحكى الطَّحَاوي(١) عن أحمد رحمه الله تعالى
(١) قال الطّحَاوي: فلم نجد أحداً يرويه عن عُرْوَة عن عائشة، ولا عن عُرْوَة عن فاطمة إلَّا محمد بن المُثَنَّى، وذكر
لنا أحمد بن شُعَيْب أنه لم يكن عليه لمّا حدَّث به كذلك، وقيل له: إن أحمد بن حنبل قد كان حدّث به عن
محمد بن أبي عَدِي، فأوقفه على عُرْوَة، ولم يتجاوز به إلى عائشة، فقال: إنما سمعته من ابن أبي عدي مِنْ
حِفْظه، فكان ذلك دليلاً على أنه لم يكن فيه بالقوي، ووقع في القلب اضطراب محمد بن المُثَنَّى فيه، لأنه قال
فيه مرةً: عن عائشة، وقال فيه مرّةً: عن فاطمة بنت أبي حُبَيْش، وقوَّى في القلوب أنَّ حقيقتَهُ عن ابن أبي عدي.

٤٢٣
كتاب الوضوء
في ((مشكله)): أنه مُدْرَجٌ. وإن سلَّمنا، فهو محمولٌ على الأغلب، لا أنه هو المَحَظُ كما
فَهِمُوه.
والذي تبيَّن لي أن الأمر في حديث فاطمة بنت أبي حُبَيْش إنما يَدُور على العادة دون
التمييز، وإن كان لفظ الإقبال والإِدبار أقرب إلى التمييز، لأنه أخرجه البخاري بعينه في باب إذا
حاضت في شهر ثلاثَ حِيَض، وفيه: ((ولكن دَعِي الصَّلاة قدر الأيام التي كنتِ تَحِيضِينَ فيها))
مكان الإِقبال والإِدبار، فاتَّضحَ أنَّ الراوي لم يَقْصِد إِلَّا التَّفَنُنْ في العبارات، ولم يُرِد من قوله:
(أقبلت وأدبرت)) معنّى زائداً عمَّا في قوله: ((قدر الأيام التي كنت تَحِيضين فيها (٢١))، فالأمر أنها
كانت مُعْتَادة تعرف الإِقبال والإِدبار بحَسَب عادتها، لا أنها كانت تَعتَبر بالألوان وإلَّا لَمَا اختار
التعبيرَ المُخِلَّ بالمراد.
قوله: (فاغسلي عنكِ الدم)، المراد منه غَسْلِ اللَّوْث دون الغَسْل الذي هو فرض
بالإِجماع، وهو مرادٌ قطعاً وإن لم يُذْكَر في هذا الطريق، وصحَّ فيه لفظ: ((توضئي))، وإن تردَّد
فيه مسلم. وقال: وفي حديث حمَّاد بن زيد زيادةُ حرفٍ تركنا ذكره.
قلت: بل هو صحيحٌ بدون تردّد كما أثبته الطَّحَاوي، وأخرج له مُتَابعات أيضاً، فلا تفرُّد
فيه ولا تردد. وأقرّ به الحافظ رضي الله عنه أيضاً: ثم الإِسناد الذي أخرجه الطَّحَاوي فيه أبو
حنيفة، ومرّ عليه ابن سيد الناس في ((شرح الترمذي)) وصحَّحه. وهكذا استشهد أبو عمرو في
((التمهيد)) بطريق أبي حنيفة والحافظ رحمهما الله تعالى. وإن أقرّ بتلك الزيادة، إلاّ أنه لم يَسْتَعِن
بهذا الطريق، ونحن نفهم ما يريد، فافهم أنت أيضاً، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلاّ
بالله .
والحاصل: أنَّ الأمر بالوُضُوء ثابتٌ فيه، ثم هو محمولٌ على الوُجُوب عندنا، وعلى
(١) قال الطّحَاوي في ((مشكله)) في حديث حَمْنَة في شرح قوله: ((تَحِيضِين في كل شهرٍ في علم الله ستة أيام أو سبعة
أيام)). هكذا عند الطحاوي: أنه لم يأمرها رسول الله ◌َّ كما تؤَّهم أنه أمرها به مما ردًّ الخيار فيه إليها أن
تَحِيض ستاً أو سبعاً، ولكنه أمرها أن تَتَحَيَّض في علم الله ما أكثر ظنّها أنها فيه حائض بالتَّحرِّي منها لذلك، كما
أمر مَن دخل عليه شكٌّ في صلاته، فلم يَدْر ثلاثاً صلّى أم أربعاً، أن يتحرَّى أغلب ذلك في ظنِّه، فيعمل عليه،
فمثل ذلك أَمْرُهُ المرأةَ في حيضها لمّا أمرها به فيهَ، ولا يكون ذلك منه إلَّا وقد أعْلَمَتْه أنه قد ذهب عنها علم
أيامها التي تحيضهن، أي أيام هي من كل شهر؟ فأمرها بتحرِّيها، كما أمر ◌َّ المصلِّي في صلاته عند شكّه كم
صلّى منها بالعمل على ما يؤدِّيه إليه تحرِّيه فيه، وكان ما في الحديث من الستة أو السبعة إنما هو شكُّ دخل على
بعض رواته، فقال ذلك على الشكِّ، فأمَّا رسول الله ◌َّله فلم يأمرها إلّا بستة أيام أو بسبعة أيام، لا اختيار منها
في ذلك لأحد العددين، ولكن لأنَّ أيامَها كانت - والله أعلم - أحد العددين، وذهب عنها موضعها من كل شهر،
وأَعْلَمَتْهُ ێ ذلك، فأمرها به فیه. انتهى.
قلت: وهذا كلامه وإن كان في حديث حَمْنة لا في حديث فاطمة، غير أني نقلته لفائدة، ولقد تعسَّر عليّ فهم
مسائل الحيض والاستحاضة، فأنا كذلك متردِّد؟ في شرح تلك الأحاديث، فنقلتُ كلام الطَّحَاوي لتتمكّن من
شرح بعض الأحاديث شيئاً، وقد بَسَطَه الطَّحَاوي في ((معاني الآثار))، غير أني ما فَهِمْتُ منه بما يكفي ويشفي،
وأنا أسأل الله تعالى أن يرزقني فهمه.

٤٢٤
كتاب الوضوء
الاستحباب عند مالك رحمه الله، لأن عُذْر المَعذُور لا يَنْقُضُ طهارته عنده، ولذا تصدَّی بعض
المالكية إلى إسقاطه، والله تعالى أعلم.
ثم ههنا خلافٌ آخر، وهو: أنَّ وضوءَ المَعْذُور للصَّلاة أو للوقت؟ فعند الشافعية للصَّلاة،
وعندنا للوقت، فالمستحاضة إذا توضَّأت تصلِّي في الوقت ما شاءت من الفرائض والنوافل، ولا
تَبْطُل طهارته بهذا العُذْر. وتمسَّك الشافعية بلفظ: ((لكل صلاةٍ))، فإِنَّه صريحٌ في أنَّ طهارته
اعْتُبِرت في حقّ الصلاة خاصةً، وأجاب عنه الحنفية: بتقدير المضاف، ومعناه: لوقت كل
صلاة .
قلت: وأخرج العَيْنِي رحمه الله لفظ: ((الوقت)) عن ((المغني)) لابن قُدَامة، وإذن لم يَبْقَ هذا
تأويلاً مع أنه لا حاجة إليه أيضاً، لأنه شاع في الدُّور الإِسلامية توقيت الأمور بأسامي الصلاة،
فتقول: آتيك الظهر، وآتيك العصر، تريد وقته، فقوله: ((لكل صلاة)) صادقٌ فيما كانت طهارته
للوقت أيضاً، ولعلّك فَهِمْتَ أن بين حذف المضاف وبين ما قلنا بَوْن بعيد، والفصل عندي: أَنّ
الحديثَ صالحٌ للطرفين، ولا يتعيَّن لأحدٍ منهما .
والمسألة من مراحل الاجتهاد، لأنه لو ثَبَتَ لفظ وقت الصلاة، لم ينفصل منه الأمر أيضاً،
لأنه يجري البحث بعده في السبب: هل هو الصلاة أو الوقت؟ ويَسُوغ لهم أن يقولوا: إن اللام
للظرف، فوقت الصلاة ظرفٌ للوُضُوء لا سببٌ، وإنما السبب هو الصلاة، كما في قولنا: أتيت
فلاناً لخمس مَضَيْنَ من رمضان، فإِن اللام فيه للظرف، لا للسبب، فالوُضُوء يجب على المَعذُور
لأجل الصلاة في وقتها عندهم، فصحَّ ما في ((المُغَني)) ((لوقت كل صلاة)) على مذهبهم أيضاً،
ولذا قلتُ: إن المسألة مفوَّضة إلى الاجتهاد، ولا تدخُلَ تحت النص.
ونظر الإِمام الهُمَام رحمه الله تعالى فيه: أنَّ العِبْرَةَ للوقت دون الصَّلاة، كما أنَّ العِبْرةَ في
الجنون والإِغماء أيضاً للوقت، فَمَنْ جنَّ في رمضان بعدما أدرك جزءاً منه، يَلْزَم عليه قضاء
رمضان بتمامه. وكذا من أُغْمِي عليه، وأحاط إغماؤه يوماً وليلةً، يسقط عنه قضاؤها، فالجنون
والإِغماء عذران اغْتُبِرَ فيهما الوقت أيضاً، إلاّ أنه أخذ في الإغماء وظيفة اليوم والليلة بتمامها،
لأنه فَهِمَ أن بين الصلوات الخمس ربطاً، ولذا قال: إن الترتيب بين الفوائت مستحقٌ، وأخذ في
باب الصوم وظيفة الشهر، وأَلْزَم كلَّه بإِدراك بعضه فالشهر في الجنون كالصلوات الخمس في
الإِغماء، فمن لم يُدْرِك جزءاً من الشهر، وأحاط به الجنون جميع الشهر، فإِنه لا يَقْضي، كمن
أحاط بِهِ الإِغماء يوماً وليلةً.
وهكذا في مسألة الرَّجْعَة قالوا: لو انقطع دمها على العشرة، فإنها تخرج عن عِدَّتها بمجردٍ
مُضِيِّ الحَيْضَة الثالثة، وإن انقطع لأقل من العشرة، فإِنها تنتظر قدر الغُسْل، فاعتبروا فيها الوقت
أيضاً. والظاهر أَنَّ البحث فيما إذا انقطع الدَّمُ لأقل من العشرة، أنَّ انقطاع حقّ الزوج - وهو
الرجعة - يَنُوط بأمرٍ سماويّ - وهو الوقت - أو بفعل اختياري، كغسل المرأة، والذي فَهِمُوه أن
إحالته على أمر سماوي أَوْلَى، وهو الوقت، بخلاف الفعل الاختياري، فإِنَّ إبطالَ حقٍّ مِنْ فعل
أحدٍ غيرُ معقولٍ فلم يَعْتَبِرُوا فيه فِعْلَها - وهو الغُسْلِ - بخلاف الوقت، فإِنه أمر سَمَاوِيّ، ورَاجِعْ

٤٢٥
كتاب الوضوء
فيه كلام الطحاوي من كتاب تلميذه أبي جعفر النَّخَّاس، فإِنه أجود وأحسن، ولا يمكن
تلخيصه .
وإذا عَلِمْتَ أن الإِمام اعتبر الوقتَ في جميع هذا الباب، سَهْلٌ عليك أن تعتبره في طهارة
المَعْذُور، فطهارته أيضاً تَدُور بالوقت دون الصلاة، فإِنها فِعْلُه بخلاف الوقت، فإِنه أمرٌ سماوي،
وأمارةٌ للصلاة، وهو الذي يُسْتَفَاد من الشريعة، فإنَّ المَعْذُور لا يزال ينتظر الوقت، فإِذا بلغ آخره
يتوضَّأ ويُصَلِي.
والحاصل: أنَّهم اعْتَبَرُوا في الجنون الشهرَ كلَّه، وفي الإِغماء اليومَ والليلةَ، وفي المَعْذُور
وقتَ الصلاة الواحدة كلَّه، فهو من مراحل اجتهادٍ لا غير.
تنبيه: واعلم أنه قد ثَبَتَ في المُسْتَحَاضة الغُسْل لكل صلاةٍ، والجمع بين الصلاتين في
غُسْل واستبعده الشَّوْكَانِي، وقال: إن الغُسْلَ لكل صلاة أمرٌ عسيرٌ مما لا يمكن أن يَأْمُرَ به
الشرع، وهو مما لا يُصْغَى إليه، فإِنَّه ثابت قطعاً، كما قاله الحافظ رحمه الله تعالى، وأقرَّ به أبو
داود، وفي الدارمي: ((أنَّ امرأةً مستحاضةً سألت ابن عباس رضي الله عنه عن نفسها، وكانت
مُتَحَيِّرَة، فأمرها أن تَغْتَسِلَ عند كل صلاةٍ، فقيل له: إن فيه مَشَقَّة قال: لو شاء الله لشق عليها
أزيد منه))، وبمثله أفتى علي رضي الله عنه، أمَّا تعدُّد الغُسْل للمُعْتَادة والمُبْتَدئة، فحمله الطحاوي
على التبريد، وتقليل الدَّم، ودفع تقطيره، وهو المُسْتَفَاد بأمره زَيْنَب أن تَجْلِسَ في مِرْكَنَ ...
إلخ. والغُسْل لكل صلاةٍ أقطعُ للتقطير، فإِنْ تَعَسَّرَ، فالجمع في غُسْلٍ، وإلّا فالوضوء لوقت كل
صلاة، وهو الواجب عليها، أمَّا سائر الغسلات فمستحبةٌ لها .
٦٨ - باب غَسْلِ المَنِيِّ وَفَرْكِهِ، وَغَسْلِ ما يُصِيبُ مِنَ المَرْأَةِ
٢٢٩ - حدّثنا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَيَمُونٍ الجَزَرِيُّ،
عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَِّّ ◌َّزَ، فَيَخْرُجُ
إِلَى الصَّلَاةِ، وَإِنَّ بُقَعَ المَاءِ فِي ثَوْبِهِ. [الحديث ٢٢٩ - أطرافه في: ٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٢].
٢٣٠ - حدّثنا قُتَيبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ سُلَيمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ
عَائِشَةَ (ح). وَحدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيِمُونٍ، عَنْ
سُلَيمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَأَلتُ عَائِشَةَ عَنِ المَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ
رَسُولِ اللَّهِوََّ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنَّرُ الغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ بُقَعُ المَاءِ.
٦٩ - باب إِذَا غَسَلَ الجَنَابَةَ أَوْ غَيرَهَا فَلَمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ
٢٣١ - حدّثنا مُوسى بنُ إسماعيلَ المنقَريُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا
عَمْرُو بْنُ مَيمُونٍ قَالَ: سَأَلتُ سُلَيمَانَ بْنَ يَسَارٍ فِي الثَّوْبِ تُصِيبُهُ الجَنَابَةُ، قَالَ: قَالَتْ
عَائِشَةُ: كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبٍ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَأَثَرُ الغَسْلِ فِيهِ بُقَعُ
المَاءِ.

٤٢٦
كتاب الوضوء
٢٣٢ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيمُونِ بْنِ
مِهْرَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ النَّبِّ ◌َ، ثُمّ
أَرَاهُ فِيهِ بُفْعَةً أَوْ بُقَعاً .
واختار المصنّف رحمه الله تعالى نجاسة المَنِيِّ كما هو مذهب الحنفية، ووضع تراجم
ثلاث تَتْرَى تدلّ على هذا المعنى، فذكر فيها غسله، كما ذكر غسل البول والمَذِيِّ، وكذا في
الباب التالي ولم يومىء إلى طهارته وعدَّه مع سائر النجاسات في الباب الآتي: باب إذا أُلْقِيَ
على ظهر المصلّي ... إلخ، وفيه: ((وفي ثوبه دمّ أو جَنَابةٌ، أي مَنِيّ، إلخ، فَعادَل بين الدم
والمَنِيِّ، وسَوَّى بينهما، فدلّ على كونه نجساً عنده.
ثم اعلم أنَّ فقهاءنا رحمهم الله تعالى وضعوا للتطهير أنواعاً: فالاستجمار في السبيلين،
والذَّلك في الخُفَّين، والمسح فيما لا تتداخله النجاسة، والجفاف في الأرض، والفَرْك في
المَنِيِّ، فهو تطهير له عند الشرع، وإن لم يكن منه القَلْع بالكلية، فقد لا يمكن بالماء أيضاً، كما
هو المُتَبَادر من حديث عائشة رضي الله عنها الآتي، وفيه: ((ثم أراه فيه بقعة أو بُقَعاً))، لأنَّ
الظاهر أن الضمير رَاجِعٌ إلى المَنِيّ(١)، وفي فقهنا: أنه يجب إزالة الرائحة واللون إلاّ ما شقَّ
منها، وحينئذٍ لا بأس إن أردنا من الماء: هو المَنِيُّ، ومن البقعة: بقعته، مع أن المُتَبَادَرَ من لفظ
الماء: المعروف، ومن البقعة: بقعة الماء.
وحاصله عندي: أنه كان يَذْهَبُ إلى المسجد مع بقاء أثر الغَسْل في ثوبه. ولم يكن يَنْتَظِر
الجفاف.
والألفاظ الواردة فيه ثلاثةٌ :
الأول: ((وإن بُقَع الماء في ثوبه)) بقع الماء مبتدأ، وفي ثوبه خبره.
والثاني: ((وأثر الغَسْل في ثوبه)).
والثالث: ((ثم أراه فيه بقعة)).
وهذا الأخير هو الظاهر في مرادهم، إلَّا أنه لا ينبغي أخذ المسائل من ألفاظ الرُّوَاة لا
سِيَّما عند اختلاف ألفاظهم، وكانت المسألة من الحلال والحرام، أو من باب الطهارة
والنجاسة، وكذا لا مُسْكة لهم في لفظ الفَرْك، والمسح، والسَّلْت الواردة في هذا الباب، فإِن
بعضها تطهيرٌ له، والبعضَ الآخر تقليلٌ في الحالة الراهنة، وإزالةٌ لجُرمه المُتَقَّذّرِ وسَتْرُه عن أعين
الناس. كذلك رَدَّ البعض بالبعض في المُخَاط في الثوب حالة الصلاة، مع أنَّ النجاسةَ القليلةَ
(١) قلت: وقد يَخْطُر بالبال أن الفرك لو كان دليلاً على الطهارة كما فهمه الشافعية، لكان النَّضْح في البول دليلاً على
طهارة البول، فإن النِّضْح على ما عُرِفَ عندهم هو الرَّشُّ، وهو غيرُ قالعٍ ولا مقلِّلٍ، بخلاف الفرك، فإنه وإن لم
يكن قالعاً عن أصله، لكنه مقلِّل البتة، فلَزِمَهم أن يقولوا بطهارة البول، فاعلمه.

٤٢٧
كتاب الوضوء
عفوٌ عندنا (١)، ثم لا دليلَ على أنه صلّى في الثوب الذي مسح عنه المَنِيَّ، ولم يَغْسِلْه، فلا دليلَ
لهم في الأحاديث، ما لم يأتوا بما تكون صريحةً في أنَّه صلّى في الثوب حال كون المَنِيِّ فيه
ولم يَغْسِلْه، واكتفى بالمسح والسَّلْت. والعَجَب منهم حيث يحكمون بنجاسة المَذِيِّ، ويُوجِبُون
الغُسْلَ بخروج المَنِيِّ، ومع ذلك ذَهَبُوا إلى طهارته (٢).
٧٠ - باب أَبْوَالِ الإِبلِ وَالدَّوَابِّ وَالغَنَمِ وَمَرَابِضها
وَصَلَّى أَبُو مُوسى فِي دَارِ البَرِيدِ وَالسِّرْقِينِ، وَالْبَرِّيَّةُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: هَا هُنَا وَثَمَّ
سَوَاءٌ .
٢٣٣ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي
قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ غِّكْلٍ أَوْ عُرَينَةَ، فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ◌َِّ
بِلِقَاحِ، وَأَنْ يَشَّرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُوا، قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ◌َّه
وَاسْتَّاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ
بِهِمْ، فَأَمَرَ فَقَطَّعَ أَيدِيَهُمْ وَأَرْجُلَّهُمْ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَلَا
يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَهِؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ
وَرَسُولَهُ. [الحديث ٢٣٣ - أطرافه في: ١٥٠١، ٣٠١٨، ٤١٩٢، ٤١٩٣، ٤٦١٠، ٥٦٨٥، ٥٦٨٦، ٥٧٢٧،
٦٨٠٢، ٦٨٠٣، ٦٨٠٤، ٦٨٠٥، ٦٨٩٩].
٢٣٤ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنا أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ
النَّبِيُّ ◌َّهُ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يُبْنَى المَسْجِدُ فِي مَرَابِضِ الغَنَم. [الحديث ٢٣٤ - أطرافه في: ٤٢٨،
٤٢٩، ١٨٦٨، ٢١٠٦، ٢٧٧١، ٢٧٧٤، ٢٧٧٩، ٣٩٣٢].
نُسِبَ إلى البخاري أنَّه اختار في النجاسات: مذهب داود الظاهري، كما نقله الكرماني.
(١) قلت: وبلغني فيه شيء عن الشيخ الكَتْكُوهِي، وأعجبني كلامه: وهو أن الخلاف فيه يُبْنَى على اختلاف آخر،
وهو أن النجاسة القليلة مُتَحَمَّلَةٌ في الصلاة عندنا، فإن كانت دون الدرهم لا تُفْسِد الصلاة، وإلَّا أَفْسَدَت؛
بخلافها عند الشافعي رحمه الله. فإنها تُفْسِد عنده مطلقاً، قليلةً كانت أو كثيرةً، حكاه الترمذي في نجاسة الدم
عنه رحمه الله، وعلى هذا، لو كان الْمِنِيُّ نَجِساً، لَزِمَ بطلان الصلاة فيما إذا صلَّى في الثوب المَفْرُوك، لأنه
يُقَلِّلُه فقط. ولمَّا اكتفى فيه بالفرك، مع أن الفرك لا يزيله بالكلية، وإنما يقلِّله، عُلِمَ أنه طاهرٌ، ونحن نقول: إن
الفرك تطهيرٌ لا تقليل، والقليل في نظر الشرع بمنزلة العدم، كما في السبيلين والخُفين وغيرهما.
(٢) قال ابن العربي في ((شرح الترمذي)) بعدما بَسَطَ الكلام في وجوه المذاهب، أنَّ الأحاديثَ الصِّحَاح ليس فيها أكثر
من أن عائشة قالت: ((كنت أَفْرُكُه من ثوب رسول اللهِ نَّ﴾. والمراد إزالة عينه. فأمَّا الصلاة به لذلك، فليس
بمروي فيها، بل المروي فيه غَسْله عنه، وحديث عائشة رضي الله عنها بزيادة قوله: ((فيصلي فيه)) من رواية عَلْقَمة
والأسود مُتَكَلَّمٌ عليه، وغَمَزَه الدَّارَقُطْني، فلم يبق إلاّ حديث الفَرْك وحده، دون صلاة فيه، فلا حُجَّة فيه كما
بيناه، وهذه هي غاية المسألة، انتهى مختصراً.

٤٢٨
كتاب الوضوء
أقوله: أمَّا أنا، فلا أقولُ إلاّ بقَدْرٍ ما يظهر من عبارته، وأَسْكُتُ عَمَّا سَكَتَ عنه البخاري،
لأنه لا يَلْزَم باختياره بعض جزئيات الظاهرية، اختيار جميعها. وأمَّا الشَّارِحُون فيكتفون بالحكم
الإِجمالي، فإِذا رأوا أنه وَافَقَ أحداً في بعض جزئياته، يحكُمُون عليه أنه اختار مذهب فلان، مع
أنه مَجْتَهِدٌ في الفقه، فيأخذ ما شاء من مسائلهم، ويترك ما شاء، وليس من لوازم اختيار
البعض، اختيار الكل.
ثم اعلم أنه نُسِبَ إلى الظاهرية: طهارة الأبوال والأزبال مطلقاً، غير عَذِرَة الخنزير
والكلب والإِنسان، ولم يتحقَّقْ عندي مذهبهم، لأنَّ ابن حَزْم لمَّا مرَّ على حديث: ((صلُّوا في
مَرَابِض الغنم، ذهب إلى أنَّه منسوخٌ، والناسخ: ما وَرَدَ في تطييب المساجد، وهذا يُشْعِرُ
بنجاسة أزبالها عنده. وكيفما كان، لا أحبُ أن أعزُو إليه مذهب الظاهرية، فإِن شأنه أرفعُ منه
عندي، فالذي يظهر من تراجمه: أنه أخذ الأبوال في الإِبل، وترك الأزبال. وسمَّى بالإِبل
لحديث العُرَنِيين عنده، ثم زاد لفظ الدواب من عنده، وليس عنده دليل عليها من الحديث،
فأبهمه، وهو تعميمٌ بعد تخصيصٍ لدفع توهُّم الاقتصار على المنصوص.
والظاهر عندي: أَنَّه أراد منها المركوب من الحيوانات، ثم زاد عليه ((الغنم)) للحديث عنده
فيها، فما كان له دليلاً عنده سمَّاه، وما لم يكن له دليلاً من الحديث أبهمه، ثم إنه لم يُفْصِح
بالحكم بأن تلك الأبوال طاهرةٌ أم نجسةٌ؟ لأنه من عاداته أنَّ الأحاديث إذا صَلُحت للطرفين،
يُحِيلُ الحكمَ إلى الناظر، ولا يَجْزِم بجانبٍ إلاّ عند حاجة.
قوله: (ومَرَابِضها) .. إلخ، دخل في مسألة الأزبال، ولم يُعَيِّن من الحيوانات غير الإِبل
والغنم المذكورَيْن في الحديث.
قوله: (وصلّى أبو مُوسَى)، والمُتَبَادَرُ من هذا الأثر: أنَّه اختار الطهارة.
قوله: (والسِّرْقِين) ... إلخ، يعني أنَّه لو أراد أن يَتَنَخَّى عن السِّرْقِين لوَسِعه، فإِنَّ الأرض
الطاهرة كانت بجنبه، إلاّ أنَّه لم يُبَال به مبالاةً، وزَعَم أنَّ: ههنا وثَمَّ سواء. ولا دليل في قوله:
((فِي السِّرقِين)) على أن الصلاة كانت على السِّرْقِينِ، فإِنَّ الظرفية مُوَسَّعَة. وسيجيء في البخاري:
أنَّ البعيرَ كان خارج المسجد، وعَبَّر عنه الراوي أنَّه كان في المسجد.
واعلم: أنَّ بول الإِنسان وعَذِرَته نَجِسٌ بالإِجماع. واختلفوا في أبوال مَأْكُول اللحم
وأزبالها .
فذهب أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى إلى نجاستهما .
واختار مالك رحمه الله تعالى، ومحمد بن الحسن في روايةٍ طهارتهما، وهو مذهب
زُفَر. وتمسَّك القائلون بطهارة أبوالها من حديث العُرَنِيِّين، حيثُ أَبَاحَ لهم النبي ◌َِّ شربها فلو
كان نَجِساً لَمَا أمرهم بشربها. وتمسّكُوا في مسألة الأزبال من إباحته للصلاة في مَرَابِض
الغنم.

٤٢٩
كتاب الوضوء
فلنبحث أولاً في حديث العُرَنِيِّين بما فيه، ويَظْهَر في ضِمْنِه جواب الخصوم أيضاً.
فنقول: إنَّ في حديث العُرَنيين أربعة مباحث: البحث الأول في طهارة الأبوال ونجاستها،
والثاني في جواز التداوي بالمحرَّم، والثالث في مسألة الحدود، والرابع في المُثْلَة.
أمّا البحث الأول، فنقول: إن حديثهم إنما يَصْلُح حُجَّةً للطهارة، إن ثَبَتَ أن إباحة الشرب
كانت على معنى الطهارة، وإن كانت تَدَاوِياً، فلا دليلَ فيه على الطهارة أصلاً، فإِنه يَجُوزُ أن
يكونَ الشيءُ حراماً في نفسه، ثم يُبِيحُه الشارع لأجل الضرورة. وما يَتَبَادَرُ من ألفاظ الرواة هو
أنه كان لأجل التَّدَاوِي، لأنهم ذكروا في السِيَاق مرضهم. وقالوا: ((فَاجْتَوَوُا المدينة، فَعُلِم أن
الأمر بشرب الأبوال إنما كان استشفاءً. ولا إيماءً في لفظ الحديث إلى أن بناءه كان على
الطهارة.
وأيضاً عند البخاري، في باب ألبان الأُتُن قال: ((كان المسلمون يَتَدَاوَوْن بها - أي بأبوال
الإِبل - ولا يَرَوْن به بأساً)). ولِمَا عُرِف من أمر المسلمين أنهم كانوا يَتَدَاوَوْن بها، فالأسبق إلى
الذهن أن يكون ما في حديث العُرَنِيِّين أيضاً تَدَاوِياً. وفي كلام بعض الأطباء: أَنَّ رائحةً بول
الإِبل تَفِيدُ الاسْتِسْقَاء. وقال ابن سِينَا: إن أَلبانَ الإِبل تَفِيدُه.
ثم لي فيه بحثٌ آخر: وهو أنَّ التَّداوي كان على طريق الشُّرْب، أو على طريق النُّشُوق،
فقد يترشَّح من الأحاديث: أنَّه كان على طريق النُّشُوق، دون الشُّرْب. فأخرج الطحاوي عن أنس
وفيه: ((فقال: لو خَرَجْتُم إلى ذَوْدٍ لنا، فَشَرِبْتُمْ من ألبانها)). قال: وذَكَر قَتَادَة: أنه قد حَفِظَ عنه:
((أبوالها)). فالرَّاوي فَصَلَ ذكر الأبوال عن الألبان، وهكذا في النَّسَائي أيضاً، وعنده: عن
سعيد بن المُسَيِّب: (فَبَعَث رسول الله وَّ إلى لِقَاح ليشربوا من ألبانها، فكانوا فيها)). وليس(١)
فيه ذكر الأبوال؛ وعنده أيضاً: ((فبعثهم النبيّ ◌َ﴿ إلى ذَوْدٍ له، فَشَرِبُوا من ألبانها وأبوالها))،
وليس فيه: أن الشُّرْب كان بأمره، أو بدون أمره.
فللباحث أن يُمْعِنَ النظر في أن فصل الأبوال عن الألبان تارةً، والاقتصار على الألبان
تارةً، ثم رفع الشرب تارةً، وأخرى عدمه، لِمَ ذاك؟ ثم في بعض الظُّرُق ذكر الألبان مقدّم على
الأبوال، هكذا: ((وأن يَشْرَبُوا من ألبانها وأبوالها))، كما يُشْعِرُ به ألفاظ الطحاوي والنسائي، وقد
مرّت.
وحينئذٍ يجوز أن يكون من باب: عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً، ولا تكون الأبوال للشرب، بل
يمكن أن يكون الفعل محذوفاً من المعطوف مثلاً: ((ويستنشقوا من أبوالها))، وإنما حُذِفَ
(١) قلت: ورأيت عند أبي داود روايةً في باب الجُنُب يتيمَّم، وفيها: ((فقال أبو ذرٍ: إني اجْتَوَيْتُ المدينة، فأمر
لي رسول الله ◌َّ بِذَوْدٍ وبغنم، فقال لي: اشرب من ألبانها - وأشك في أبوالها )» ... إلخ: وحكم عليه
أبو داود بعدم الصحة، وقال: ذكر البول فيه ليس بصحيح، وليست زيادة في ((أبوالها)) في حديث أنس
رَضِيَ الله عنه، تفرَّد به أهل البصرة، فهذه أيضاً مهمة، وإنما نبّهت عليها، لأنها في غير بابها، ربما تَضِلَّها عند
الحاجة.

٤٣٠
كتاب الوضوء
لتقارب الفعلين، سِيَّما إذا ما رُوِيَ في ((مصنَّف عبد الرزاق)) عن إبراهيم النَّخَعِي: ((أنه لا بَأْسَ
بأبوال الإِبل، وكانوا يَسْتَنْشِقُون منها)). فَعُلِم أن طريق التَّدَاوِي كان هو النُّشُوقَ، فيكونُ قرِينَةً
على حذف الفعل من نوعه، إلاّ أن هذا الأثر عند الطحاوي أيضاً، وفيه: ((كانوا يَسْتَنْشِفُون
بأبوال الإِبل)) بدل: ((يَسْتَنْشِقُون))، فوقع التردُّد في لفظ المصنّف، ثم إن هذا كله ذكرته بحثاً
محضاً، وليس بمختارٍ عندي، والظاهر أنهم شَربُوا أبوالها أيضاً، ولكنه كان تَدَاوِياً إن شاء الله
تعالى.
أما البحث الثاني: فهو أن التَّدَاوِي بالمحرَّم جائزٌ أم لا؟ فكلام نَقَلَةِ المذهب فيه
مُضْطَرِبٌ: ففي (الكنز)): أنَّ الأبوال لا تُشْرَب مطلقاً، لا للتَّدَاوِي، ولا لغيره. وفي رَضَاع
((البحر)): أنَّ المذهب عدم الجواز، وجوَّزه مشايخنا رحمهم الله تعالى بقيودِ مذكورةٍ في الكُتُب.
وفي ((المستصفى)): أنه جائز لأجل الضرورة بالاتفاق. ولا أدري أنه أراد به اتفاق الأئمة، أو
اتفاق المشايخ، وفي (فتح القدير)): أنه جائزٌ مطلقاً. وفي ((الطحاوي)): أنَّه يجوز عند الضرورة
بما سِوَى المُسَكِّرَات (١)، ثم لا يُعْلَم أنه تحقيقه، أو مذهب لأحدٍ. وفي ((الدُّرِّ المختار)) في
موضع: عدم جواز التَّدَاوِي إلَّا بطاهرٍ، وفي موضع آخر عن ((النهاية)): يجوز إذا لم ينفع غيره،
وشَهِدَ به طبيبٌ وَرِعٌ حَاذِقٌ مُسْلِمٌ.
وفي ((غاية البيان)) للشيخ أمير الكاتب الإثْقَاني: أنَّ أبا يوسف رحمه الله تعالى سأل الإِمام
أبا حنيفة رحمه الله تعالى عن رجلٍ خَرَج في أُصبُعه خُرَاج، هل يُعَالِجُها بلف المرارة؟ فنَقَل أنه
كرهه، فخرَّج منه بعضَ توسيع.
قلتُ: ولعلّ المذهب أنَّه لا يَجُوز مطلقاً، فاللفظ من صاحب المذهب كان مطلقاً، وفضَّلَهُ
المشايخ إلى الضرورة وعدمها، وخَرَّجُوا التفصيل. وأُرِيدَ من التخريج أنَّهم عَيَّنُوا ما كان مُرَاد
الإِمام رحمه الله تعالى. وفضَّلُوا ما كان أَبْهَمَهُ، لا أنهَمْ خَالَفُوه فكان المذهب عدم الجواز،
وجاء هؤلاء فجوَّزُوه في حالة دون حالة. وعندي عليه قرائن: فعند الطحاوي عن أبي حنيفة
رحمه الله تعالى: أنه لا بأس بشدِّ السِّنِّ بالذهب، فإِذا جاز شدُّه بالذهب، فالتَّدَاوي بالمحرَّم
أَوْلَی .
وفي المتون: أَنَّه يجوز شُرْبُ غير الأشربة الأربعة بقَدْر التَّقْوى دون التَّلَهِّي، ولا أدري أنَّ
(١) قلتُ: وما فهمته من كتابه: هو أن معنى: ((أن الله لم يَجْعَلْ شِفَاءَكم فيما حرَّم عليكم)). لإِعْظَامهم إياها، ولأنهم
كانوا يَعُدُّونَها شفاءً في نفسها، وأمَّا ما عزاه الشيخ رضي الله عنه، فلم أفهمه من ((معاني الآثار))، فلينظر فيه
لِيَظْهَر حقيقة الحال، ثم رأيت في ((الفتح)): أن الحافظ رضي الله عنه أيضاً فَهِم مثل ما فَهِمْتُ، فقال في الفرق
بين المُسَكِّر وغيره: لأنهم كانوا يَعْتَقِدُون أن في الخمر شفاءً، فجاء الشرع بخلاف معتقدهم، قاله الطحاوي.
لم يظهر لي فَرْقٌ بين ما نَقَلَهَ إمام العصر عن الطحاوي، وبين ما نَقَلَه الحافظ عنه، ولأن ما نَقَّلَه الحافظ صريحٌ في
أنه لم يجعل الشفاء في الخمر، وإن كان للتّدَاوِي استئصالاً لِشَأفة معتقدهم في الاستشفاء بالخمر، فأُرِيدَ في قوله:
((ما حُرِّم عليكم)) الخمر فقط، لا مطلق الحرام، فليكن جائزاً عنده بدليل آخر، وهذا الذي أراده إمام العصر بقوله:
يجوز عنده بما سوى المُسَكّرات للضرورة، فليتنبه. (من المصحْح).

٤٣١
كتاب الوضوء
هذه القيود من الإِمام رحمه الله تعالى أو المشايخ؟ فإِن كان من الإِمام، فهو دليلٌ لجوازه عند
الضرورة. وعنه: إجازة لُبْس الحرير في الجهاد، فلعلّ في المذهب تضييقاً مع المستثنيات.
وأمَّا ما نُقِلَ من عدم الجواز مطلقاً فمحمولٌ على سدِّ الذرائع، ودفع التهاون، ولعلَّهم لم يتحقَّق
عندهم الضرورة.
وثَبَتَ عند الطحاوي: ((أنَّ النبيِوَِّ أمر عَرْفَجَة أن يَتَّخِذَ أنفاً من ذهب لمَّا أنتن من وَرِقٍ))،
وكذا: ((أباح للزُّبَيْر بن العَوَّام، وعبد الرحمن بن عَوْف لُبْس الحرير لحِكَّةٍ كانت بهما)).
وههنا أحاديث كثيرة تدلّ على المنع عند الطَّحاوِي وأبي داود منها: أنه قال: ((لا تَدَاوَوْا
بحرام)). ومنها عند مسلم: ((أنها داء ليست بدواء)). وعند الطّحَاوي: ((إن الله لم يجعل شفاءكم
فيما حرّم عليكم)) وأوَّله في ((العالمكيرية)) بما ينبو عنه السمع.
ومعنى النهي عندي: أن يَتَتَبَّع الشفاء من الحرام؛ ، فلا يَتَدَاوَى من غيره مع وِجْدَان
الحلال، فالمطلوب أن لا يَتَدَاوَى من الحرام ما دام تَيَسَّر له الحلال، وإليه يشير لفظ الجعل،
فإنه يُسْتَعْمَل فيما تَصْرفُ فيه عن حقيقته، كما مرّ تحقيقه في الحديث الأول، وبعده في مواضع.
قال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾﴾ [الواقعة: ٨٢] يعني أنه ليس رزقاً لكم من الله
تعالى، ولكنكم تجعلُونه رزقكم من عند أنفسكم، كذلك الله سبحانه وتعالى جَعَلَ لكم شفاءً في
الحلال، وأنتم تَظْلبونه من الحرام، فَتَجْعَلُون الحرام مكان الحلال، أنتم من عند أنفسكم، فهذا
تقبيح لهم. وهكذا سائر الأحاديث لا تدلّ إلاّ على كراهة التَّدَاوِي بالمحرَّم، وعدم ابتغائه في
حالة الاختيار، وإنما أُظْلِقٍ في اللفظ سداً للذرائع، ودفعاً لتهاون الناس.
ثم إنَّه اختار بعضهم أنه ليس في الحرام شفاء أصلاً، وجَعَل يؤوِّل قوله تعالى: ﴿فِيهِمَاً
◌ِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] بأن المراد من المنافع: هو منافع التجارة دون المنافع
البدنية .
قلتُ: بل المراد بها المنافع مطلقاً، لا منافع التجارة فقط، لأن ما يكون مأكولاً
ومشروباً، تكون ذاتُه مطلوبةً، بخلاف النقود، فإِنها آلَةٌ لتحصيل الغير وليست ذاتُها مطلوبةً،
حلو أَرَدْنا بها منافع التجارة فقط، ولم نُرِدْ بها المنافع في أنفسها، لأدَّى إلى جعلها في حكم
النقود .
ثم لا يَخْفَى عليك أن القرآن تعرَّض ههنا إلى مهم تَحَيَّرَتْ فيه الأفكار، وكَلَّتْ منه
الأنظار، وهو: أن الشرع إذ يحرِّم شيئاً، فهل يبقى فيه منفعة للبدن أيضاً؟ فتعرَّض القرآن إلى
هذا الأصل العظيم: أنه يحرِّم أشياء مع وُجُود المنافع فيها، لأن ضَرَرَها يكون أَكْثَرَ من نفعها،
ولذا قال: ﴿وَإِثْمُهُمَّا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَّ﴾ [البقرة: ٢١٩] فسلّم أن فيهما نَفْعاً إلَّا أن إثمهما لمَّا كان
أكبر حَرَّمَهُمَا، وهذا لا يُعْرَفُ إلاّ من جهته، فهو يَعلَمُ أن الإِثم أكبر، أو النفع أكثر، وبيده
الميزان يَخْفِضُ ويَرْفَعُ .
ثم إنَّ الحديث إن كان محمولاً على التَّداوِي، لم تُسْتَنْبَط منه مسألة طهارة الأبوال. وإن

٤٣٢
كتاب الوضوء
حَمَلْنَاه على الطهارة، لا تُسْتَنْبَط منه مسألة التَّدَاوِي بالمحرَّم. فليت شعري، كيف أخذ الناس
هاتين المسألتين من الحديث؟ مع أنَّه لا يمكن أن يُؤْخَذَ منه إلاّ إحداهما(١).
وأما البحث الثالث، فقال الشافعية رحمهم الله تعالى: إن في الحديث دليلاً على المُمَاثَلة
في القِصَاص.
قلت: بل هو محمولٌ عندنا على السِّياسة. وعند النَّسَائي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
جَزَُّؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ ... إلخ [المائدة: ٣٣] أن النبي ◌َّرِ دعا عليهم: اللهم عطشٌ من عطش
آل محمد)). وإنما دعا عليهم، لأنهم لما اسْتَاقُوا الإبل، وكانت فيها ناقته ◌َّهَ أيضاً عَطِشَ أهله،
كما في السِّيَر، فلهذا الدعاء أيضاً دَخْلٌ في هذا التعذيب، ولذا كانوا يَسْتَسْقُون، فما يُسْقَوْن
حتى ماتوا عِطَاشاً. ثم إنهم قَطَعُوا الطريق، واستاقوا الإِبل، وقتلوا الرعاة، فجَنُوا جِنَاياتٍ
عديدةً، وفي مثله الخِيَار إلى الإِمام: إن شَاءَ جَمَعَ الأَجْزِيَة، وإن شاء اكْتَفَى بالقتل. وَرَاجِعْ
كُتُبَ الفقه.
أما البحث الرابع فبأنه قَبْلَ النهي عن المُثْلَة لِمَا عند النَّسائي: ((أن النبي ◌َُّ لم يَخْطُبْ
بعده خُطْبَة إلّ نَهَى فيها عن المُثْلَة))، وعن ابن سيرين عند الترمذي: إن هذه الواقعة قبل أن تَنْزِلَ
الحدود. وتبيَّن في ضِمْن هذه المباحث: أن لا حُجَّة في الحديث على طهارة الأبوال.
وأما مسألة الأزبال: فقد ذهب مالك وزُفَر ومحمد رحمهم الله تعالى في رواية: إلى طهارة
أزبال مأكول اللحم، ولا حُجَّة لهم فيما رُوِي عن النبيِ نََّ ((صَلُّوا في مِرَابض الغنم)) لأنَّا لمَّا
تَتَبَعْنَا ظُرُقه لم نَجِدْ فيه معنىَ يُخَالِفُ مذهبنا، فإِن الحديث ما لم تُجْمع ظُرُقه، لا ينكشف مُرَادُهُ،
ويُعْلَم من هذا الطريق: أنَّ الصلاة في المَرَابِض مطلوبٌ أَمَرَ بها صاحب الشرع، ولا يظهر فيه
معنى .
وهذا الحديث بعينه عند الطحاوي: ((أن رجلاً سَأَلَ النبي ◌ََّ أُصَلِّي في مَرَابِض الغنم؟
قال: نعم))، فدلّ على أن الأمر ليس ابتدائياً، بل هو في جواب سائل، فلم تَبْقَ فيه شِدَّة،
وانكسرت سَوْرَتُهُ، وعنده عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((إذا لم تَجِدُوا إلّ مَرَابِض الغنم،
ومَعَاطِن الإِبل، فصلُّوا في مَرَابِض الغنم، ولا تُصَلّوا فِي مَعَاطِن الإِبل))، فلم تَبْقَ فيه مطلوبية
أصلاً. وعُلِمَ أن أمر الصلاة في المَرَابِض إنما هو عند فُقْدَان مكان سواها، لا أن الصلاة مطلوبة
فيها مع وِجْدَان مكان غيرها .
(١) قلتُ: ومنهم من قال: إنه أُبِيحَ لهم شرب الأبوال، لأنه عَلِمَ بالوحي ارتدادهم، والكفار غير مخاطبين بالفروع.
قلت: ولستُ أُحَصِّلُه، فإِنه لم يُعَامَل مع المنافقين معاملة الكفار، مع كونهم كفَّاراً في الحالة الراهنة، فكيف بمن
كانوا مسلمين، وسيصيرون إلى الكفر؟ وليس هو بشريعة محمد رَّر، ولا شريعة موسى عليه السلام، بل هو
شريعة خِضْر عليه السلام، حيث قتل الولد المعصوم، وخَشِي أن يُرْهِقَهُمَا طغياناً وكفراً، ولم يعجبه موسى وقال:
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤] ولم يستطع أن يصير عليه. أما مسألة كون الكفار مخاطبين بالفروع، فلها
معنى آخر ذكره علماء الكلام، فليراجعه .

٤٣٣
كتاب الوضوء
ثم ظَهَرَ أنَّ الحديثَ وَرَدَ على عاداتهم، فإنهم لم يكن عندهم مكانٍ مستوٍ غيرِ مَرَابضهم،
وكانت الغنم أعزَّ أموالهم، فكانوا يَسْكُنُونِ معها، ويَجْلِسُون في مَرَابِضها، وَيَتَحَدَّثُون فيها،
بخلاف الإِبل، فإِنه لا يَجْلِس في مكانٍ مُسَطَّح، على أنه لا دليلَ فيه على أنهم كانوا يُصَلُّون
على الأبوال والأزبال أيضاً، لأنهم لَمَّا كان مَظْعَمُهم ومَشْرَبُهم ومَسْكَنُهم فيها، فلعلَّهم كانوا
يُنُظّفُون مكاناً لأنفسهم، ولصلواتهم أيضاً. ويدلُّ عليه ما عند محمد (١) في ((موطئه))، عن أبي
هريرة رضي الله عنه: ((أَحْسِن مَرَابِضَ الغنم، وأَطِبْ مُرَاحها، وصَلِّ في ناحيته))، ورفعه البيهقي،
وأَتردَّد في رفعه، يمكن أن يكون وهماً، فدلَّ على الصلاة في الناحية، أي مُتنحياً عنها .
وقد مرّ مني ترجمته في الهندية: "يكسو هوكر". وقد مرَّ عن ابن حَزْم أنه ذَهَبَ إلى
نَسْجِه، وقال: إنه منسوخٌ بما وَرَدَ في تطييب المساجد وتنظيفها عند أبي داود بسندٍ قوي، ولا
أدري ما حَمْلَه على النَّسْخِ، إلاّ أن يكونَ اختار نجاسةَ الأزبالِ والأبوالِ.
قلتُ: أمّا كونه منسوخاً، فالله أعلم به، ولكن ما تحقَّق لدي هو أنَّ المطلوب من هذه
الأمة ابتغاءُ الوقت ومراعاتها، بخلاف بني إسرائيل، فإِنهم كانوا مأمورين بابتغاء الأمكنة،
وكانت مُرَاعَاتُها عندهم أهم من مُرَاعَاة الأوقات، ولذا كانوا يطلبون البِيعَ والكنائس عند
صلواتهم، ثم لمَّا بُنِيت المساجد أُمِرْنا بتقيُّد المساجد أيضاً.
فالصلاة في المَرَابِض إنما كانت قبل بناء المساجد، كما في البخاري في باب الصلاة في
مَرَابِض الغنم، عن أنس: ((كان يُصَلِّي فِي مَرَابِض الغنم قبل أن تُبْنَىِ المساجد)). وفي هذه
الصفحة قبله بقليل: ((وكان يُحِبُّ أن يُصَلِّي حيثُ أدركته الصلاة، ويُصَلِّي في مَرَابِض الغنم)).
وفي باب قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ إِنْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]: ثنا إبراهيم التَّيْمي، عن
أبيه قال: ((سمعت أبا ذرٍ قال: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ مسجدٌ وضع في الأرض أوَّل؟ قال:
المسجد الحرام. قلتُ: ثُمَّ؟ قال: المسجد الأقصى ... ثم أَيْنَما أَدْرَكَتْكَ الصلاة، فصلِّه، فإِن
الفَضْلَ فيه)). فدلّ على أنَّ الاعتناء أولاً كان بموضع تُدْرِكُهُ الصلاة فيه، ولَمَّا كانوا يَسْكُنُون في
المَرَابِضِ، كانوا يُدْرِكُون وَقْتَها فيها، فكانوا يُصَلُّون هناك لهذا. ولذا قَرَنَ الرَّاوي بين الصلاة في
المَرَابِضَ، وبين أَحِبِيَّة الصلاة حيثٍ أَدْرَكَتْهُ، فهذا بمنزلة التَّرَقِي، يعني أنه كان يحب الصلاة،
ولو أدركته وهو في المرابض، فَيُصَلِّ فيها أيضاً.
أما أدلة النَّجاسة، فأقول: أولاً إنه يُعْلَم من سِيَاق القرآن نجاستها، لأنه عَدَّ الفَرْث مع
الدم، وقال: ﴿ُشْقِيَكُم مِمَّا فِىِ بُطُونِهِ، مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَيٍ لََّنَا خَالِصًا سَآبِغًا لِلشَّرِينَ﴾ [النحل: ٦٦ ]وأمّا عند
الترمذي: ((أنه ◌َّ نَهَى عن أكل الجَلَّالِة وألبانها))، وفي القاموس: الجَلَّة البَعْرةِ. فَعُلِمَ المناط،
ولا معنى فيها إلَّا أنها نَجِسَة، وفي الحديث: ((من دَخَلَ المسجد، فَلْيُمِطِ الأَذَى عن نَعْلَيْه))،
وقَصْرُه على عَذِرة الإِنسان مستبعدٌ جداً. (وأنَّ النبيّ وَّ نَهَى عن الصلاة في المَزْبَلة)). ((وأنه
ألقى الرَّوْث، وقال: إنها رِكْسٌ)).
(١) قلت وفي العيني عن مسند البزار أحسنوا إليها وأميطوا عنها الأذى.

٤٣٤
كتاب الوضوء
وأمّا ما نُقِل من أثر أبي موسى، فلا دليلَ فيه على أنَّ صلاتَه كانت على السِّرْقين، وإنما
يُشْتَرَطُ للصلاة طهارة موضع أعضاء السجود، لا غير كما في ((فتح القدير)). وفي القُدُوري: أن
الفرضَ في السجود وَضْعُ الجبهة وإحدى الرجلين فقط، إلاّ أن الصلاة تُكْرَه عندنا إذا كانت
النجاسة في حواليه أيضاً. فأثره وإن كان الظاهر منه الطهارة، إلاّ أنه لا يتعيّن في النجاسة.
٧١ - باب مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالمَاءِ(١)
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأُسَ بِالمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ. وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا
بَأُسَ بِرِيشِ المَيتَةِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ - فِي عِظَامِ المَوْتَى، نَحْوَ الفِيلِ وَغَيرِهِ -: أَدْرَكْتُ ناساً
مِنْ سَلَّفِ العُلَمَاءِ، يَمْتَشِطُونَ بِهَا، وَيَدَّهِنُوَنَ فِيهَا، لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأُساً. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ
وَإِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ العَاجِ.
٢٣٥ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ بن عتبة بن مسعودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيمُونَةً: أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ،َلِ سُئِلَ عَنَ فَأْرَةِ
سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: ((أَلَقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاظْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ)). [الحديث ٢٣٥ .
أطرافه في: ٢٣٦، ٥٥٣٨، ٥٥٣٩، ٥٥٤٠].
٢٣٦ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنٍ
شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيمُونَةً: أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: ((خُذُوهَا وَمَا خوْلَهًا فَاظْرَحُوهُ)). قَالَ
مَعْرٌ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ ما لَا أُخْصِيهِ، يَقُولُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيَمُونَةً.
٢٣٧ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَ﴿ قَالَ: ((كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ،َ يَكُونُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَهَيئَتِهَا، إِذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَماً، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّم، وَالعَرْفُ عَرْفُ
المِسْكِ)). [الحديث ٢٣٧ - طرفاه في: ٢٨٠٣، ٥٥٣٣].
شَرَع المصنّف رحمه الله تعالى في بيان مسألة المياه، وقد مرَّ بعض ما يتعلَّقَ بها في باب
قُلتُ: وقد حرَّرْتُ هذا المقام بعد عَنَّاءٍ وتَعَبٍ، فإِني كنتُ أتردّد في أن تلك الرواية عن أحمد رَضِي الله عنه، هل
(١)
هي في النجاسة الجامدة والمائعة؟ أو الشيء الجامد والمائع؟ أعني أن الفرق من تِلْقَاء النجاسة أو محل
· وقوعها .. ولي فيه قَلَقُ بعدُ، فإِي وَجَدْتُ في جملة التقارير عن الشيخ رضي الله عنه كما ذكرته، ثم رأيت في
((الفتح)): واستدلَّ بهذا الحديث لإحدى الروايتين عن أحمد رَضِي الله عنه: أن المائعَ إذا حَلَّت فيه النجاسة لا
يتنجَّس إلَّا بالتغير، وهو اختيار البخاري، اهـ. ففيه: أن أحمد رضي الله عنه إنما فَرَّق باعتبار الشيء الذي تقع
النجاسة فيه، أنهمائعٌ أو جامدٌ، لا لحال النجاسة، إلاّ أن تكون تلك رواية أخرى، وليس عندي فتاوى الحافظ
ابن تَيْمِيَة لأراجع إليها، فلیحرِّره.

٤٣٥
كتاب الوضوء
الماء الذي يُغْسَلُ به شعر الإِنسان ... إلخ، وقد قدَّمنا أنَّ المقصودَ هناك كان ذكر مسألة
الآسار، وكان ذكر الماء تبعاً لكونه محلاً لوقوع هذه الأشياء. وأمَّا المقصود من هذه الترجمة
فهو ذكر مسألة المياه أصالةً. وذكر الأنجاس فيها، لكونها واقعةً فيها، فَبَيْنَ الحال والمحل رَبْطٌ
يُوجِبُ ذكر أحدهما عند ذكر الآخر. وهكذا فَعَلُوه في كُتُب الفقه، فيذكرون الأنجاس في باب
المياه، ثم يعقدون لها فصلاً أيضاً، وذلك لَما نَبَّهْنَاك عليه آنفاً .
قوله: (وقال الزُّهْرِيّ: لا بَأْسَ بالماء ما لم يُغيِّرُهُ طَعْمٌ أو رَبحٌ أو لَونٌ)، هذا صريحٌ في
أنه دَخَلَ في مسألة المياه، ثم في تلك العبارة الطَّعْمُ وغيره: صفاتٌ للأشياء الساقطة، وفي
المشهورة: جعلوها صفاتٍ للماء، فقالوا: ((ما لم يغيِّر طعمه، أو ريحه، أو لونه)).
قوله: (قال حَمَّاد: لا بأس بريش الميّتَة)، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى في
الأجزاء التي لا تتداخلها الحياة، كعظم الميتة، وقُرُونِها، وَشَعْرِها، وَوَبرِها .
قوله: ((قال الزُّهْرِي في عظام الموتى، نحو الفيل) ... إلخ، انتقل فيه إلى ملحقات
الباب، والفيل نَجِسُ العين عند أبي يوسف رحمه الله تعالى، وهو ما يكون حراماً بجميع
أجزائه، ولا يكون شيءٌ منه مستثنىَ ممَّا يُسْتَثْنَى من سائر الحيوانات.
قوله: (وقال ابن سِيرِين وإبراهيمُ: لَا بَأْسَ بتجارة العَاجِ)، إنما ذكره لمجرد التَّنَاسُب،
وإلَّا فأصل مسألة الطهارة والنجاسة تتعلَّق من اللحم، ثمٍ تَسْرِي إلى السور، فإِنَّ السؤر يَتْبَعُ
اللحم. أمَّا المُلَابَسة به، والمعاملة معه، فذلك من المتعلّقات البعيدة، بقيت التجارة، فإِنها
تُبْنَى على المِلْك، دون الطهارة والنجاسة.
ثم الشيء إذا تنجَّس، هل يَنْقَطِعُ منه الانتفاع أصلاً أم لا؟ فقال (١) الحنفية رحمهم الله
تعالى في دُهْنٍ سقطت فيه فأرة: أن بَيْعَه والاسْتِصْبَاحَ به كله جائزٌ، غير أنه لا يُسْتَصْبَحُ به في
المساجد، فدلّ على جواز الانتفاع في الجملة. وأمَّا في شَحْم الميتة، فَحَجَرُوا عنه الانتفاع
مطلقاً، حتى لم يجَوِّزُوا تَظْلِيَة السُّفُنَّ أيضاً. فلمّا لم يكن جَوَاز الانتفاع دليلاً على الطهارة
ضابطة مطردة، لم يكن في جَوَاز بيع أجزاء الميتة دليلٌ على طهارتها .
أما مسألة المياه، ففيها خمسة عشر مذهباً للعلماء، ونذكر منها أربعة، وسها مولانا عبد
الحي رحمه الله تعالى في ((حاشية الموطأ)) في نقل مذهب الظاهرية.
وقد عَلِمْتَ سابقاً أنَّ مالكاً رحمه الله تعالى اعتبر التغيُّر وعدمه، وللمالكية رحمهم الله
تعالى ثلاثة أقوال كما في ((مختصر ابن الحاجب))، وأشهرها: أن العِبْرَة بالتغيُّر وعدمه، فلو
سَقَطَتْ قَظْرَةٌ من البول في قَدَح من الماء لم يَتَنَجَّسْ. وذَهَبَ أحمد رحمه الله تعالى في روايةٍ
غير مشهورةٍ عنه، كما في ((فتاوى ابن تَيْمِيَّة)) رحمه الله تعالى إلى الفَرْق بين النجاسة الجامدة
والمائعة، فالجامدة إذا وَقَعَتْ في الماء وأُخْرجَتْ من ساعتها، لم تُنجِّسْ، بخلاف المائعة. أمَّا
(١) قلتُ: روى الحافظ في الأطعمة عن ابن عمر في فأرةٍ. وَقَعَتْ في زيتْ، قال: ((اسْتَصْبِحُوا واذْهَنُوا به أدمكم)).
وعند البيهقي عنه: ((إن كان السَّمْن مائعاً، انتفعوا به، ولا تأكلوه)».

٤٣٦
كتاب الوضوء
إذا غيّرت الماء، وظَهَرَ فيه أثرها، فذلك ممَّا لا خِلَافَ في نجَاسته، سواء كانت جامدةً أو
مائعةً. أمّا مذهب الإِمام أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى، فَغَنِيٌّ عن البَيَان.
إِذا عَلِمْتَ هذا، فاعلم: أن الشارحين عامةً ذَهَبُوا إلى أن البخاري رحمه الله تعالى اختار
مذهب مالك رحمه الله تعالى، وذلك لأنه أَخْرَجَ حديث الفأرة، وفيه: ((أَلْقُوها وما حولها،
وكُلُوا سَمْنَكم))، فدل على أنَّ الباقي طاهرٌ، ولأثر الزُّهْرِي الذي مرَّ في ترجمة الباب.
قلتُ: ولا دليلَ فيه على ما قالوا، والظاهر عندي: أنَّه اختار الروايةَ الغيرَ المشهورة عن
أحمد رحمه الله تعالى التي ذَكَرْنَاها، وذلك لأنه أخرج أولاً حديث الفأرة، وهي نجاسةٌ جامدةٌ،
وأَمَرَ النبي ◌َّه فيها بأكل السَّمْنِ بعد إِخراجها، وَطَرْح ما حولها. ثم بوَّب بالبول، وهو نجاسةٌ
مائعةٌ، وأَخْرَج فيه حديثاً يَدُلُّ على النجاسة، فَخَرَج أن حكم المائعة، على خلاف حكم
الجامدة، فَثَبَتَ الجزءان من الحديث. وتلك الرواية لَمَّا لم تَكُن مشهورةً فيما بين القوم، لم
تَنْتَقِل إليها أذهانهم، فَحَمَلُوا كلام البخاري رحمه الله تعالى على مذهب مالك رحمه الله تعالى،
ولعلَّ أمر الطَّرْح حينئذٍ لا يكون عنده إلَّا على الاستحباب.
فالكلام ههنا في أربع مواضع: الأول في مختار البخاري رحمه الله تعالى عندي،
وإيضاحه. والثاني في مختاره عند الشَّارحين، وإيضاحه. والثالث في الجواب عمَّا تمسَّكَ به
الشَّارِحُون من كلامه، والرابع في الجواب عن استدلال البخاري، سواء كان مختاره ما نَسَبَهُ إليه
الشارحون، أو ما حقَّقتهُ.
أَمَا الأوَّل فقد عَلِمْتَهُ آنفاً .
أمّا الثاني، فقد عَلِمْتَ: أن البخاري رحمه الله تعالى اختار عندهم مذهب مالك رحمه الله
تعالى، ولعلّه حملهم على ذلك أمران: الأول أنه بَوَّبَ في المجلد الثاني وقال: باب إذا وقعت
الفأرةُ في السَّمْن الجامد والذائب ... إلخ، فعمَّم بالنوعين، والثاني أنه علَّل الزيادة التي رُوِيَتْ
في هذا الحديث، وهي: ((فإن كان مائعاً، فلا تَقْرَبُوه)). قال الترمذي بعد إخراج هذه الزيادة:
سَمِعْتُ محمد بن إسماعيل يقول: حديث مَعْمَر، عن الزُّهْرِي، عن سعيد بن المُسَيَّب، عن أبي
هُرَيْرَةَ، عن النبي ◌َ له في هذا خَطَأُ. فدلّ الأمران على أن حكمَ الجامد والمائع عنده سواءٌ
خلافاً للجمهور.
وهذا إنما يَصِحُ على مذهب مالك رحمه الله تعالى فقط، فإِنَّ العِبْرَةَ عنده بالتغيُّر وعدمه،
والجامدُ والمائعُ في ذلك سواءٌ، بخلاف الحنفية والشافعية رحمهما الله تعالى، فإِن القليلَ
المائعَ عندهم يَتَنَجَّسُ بوُقُوعِ النجاسة مطلقاً، لعدم إمكان خُلُوصها منه، بخلاف الجامد، فإِنِك
لا تَظْرَحُ من الذائب شيئاً، إلَّا ويَخْلُفُه غيره قبل طَرْحِك منه.
وبالجملة فرَّق الجمهور بين الجَامِد والمَائِعِ لِمَا قام عندهم من الدليل، بخلاف مالك
رحمه الله تعالى، فإِنه مرّ على أصله، فلمّا سوَّى البخاري بين حكم الجامد والذائب في حكم
الطهارة، كما صَرَّح به في المجلد الثاني، وعلَّلَ الزيادة التي تُبْنَى على الفرق بينهما، تَحَدَّسَ
للشارحين أنه اختار مذهب مالك رحمه الله تعالى، وهذا إيضاحُ قولهم.

٤٣٧
كتاب الوضوء
أمّا الثالث، وهو الجواب عنه، فأقول إن تعميمَه في الترجمة الثانية، لا يَنْحَصِر فيما
زَعَمُوه، وذلك لأنه يمكن أن يكون أَتَى بِلَفْظِ الجَامِد تَبَعاً للحديث، وأضاف عليه الذّائِب من
قِبَلِهِ توجيهاً للناظر إلى طلب حكمه، فإِنك تَعْلَمُ أن كتابه يحتوي على مسائل الفقه أيضاً، فلا
دليلَ فيه على تَسْوِيَة حكمها عنده. وكذلك جواب الزُّهْرِي لا يتعيَّن أن يكونَ للجامد والذائب
كليهما، وإن وَقَعَ السؤال عنهما، بل يُمْكِن أن يكونَ أَجَّابَ عن الجَامِد لأجل وُرُود الحديث
فيه؛ وسَكَتَ عن حكم الذائب.
وأمّا(١) ما شَرَحَهُ الحافظ رحمه الله تعالى، فلا أَرْضَى به، وكذا لا دليلَ في إعلاله الزيادة
على ما قالوا، فإِنه يُمْكِن أن يكونَ لحالها في نفسها، لا لحال المسألة، بل هو الظاهر.
وتَحَصَّل ممَّا ذكرنا أن البخاري لم يَخْتَرْ مذهب مالك رحمه الله تعالى عندي، بل اختار روايةً
غير مشهورةٍ عن أحمد رحمه الله تعالى، وهي الفَرْق بين النجاسة الجامدة والمائعة.
أمّا الجواب عنه، وهو الموضع الرابع، فبأن الحديث الذي أَخْرَجه يَدُلُّ على أنه في
الجامد، وليس في الذائب، لِمَا قال ابن العربي: إن السَّمْنَ لو كان مائعاً، لم يكن له حولٌ لأنه
لو نُقِلَ من أي جانب مهما نُقِل لخَلَفَه غيره في الحال، فَيَصِيرُ هو أيضاً ممَّا حولها، فيحتاج إلى
إلقائه كلِّه، فليس في الحديث دليلٌ على التَّسْوِية بين حكم الجامد والمائع. ونُقِلَ أن(٢)
عبد الله بن أحمد سأل أباه أحمد رحمه الله تعالى: أن الطرح إِنما يُمْكِنُ في الجامد دون المائع؟
فَغَضِبَ عليه أحمد رحمه الله تعالى، وأجاب: أنه تَظْرَحُ حثية منه .
قلتُ: وهذا لا يُتَصَوَّرُ إِلَّا إذا كان الإِناء وَسِيعاً، والشيء مائعاً ثخيناً، أمَّا إذا كان الإِناء
عميقاً كالجَرِّ، والشيء رقيقاً لا يُتَصَوَّرُ فيه ما قال. ولعلَّه غَضِبَ عليه، لأنه ضَاقَ عليه جوابه.
ثم إن عبد الله هذا حافظٌ، ومن أجله كُنِّيَ أحمد بأبي عبد الله، وله أخٌ واسمه صالح.
وبالجملة: أن الإِلقاء لمَّا لم يُتَصَوَّر إِلَّ في الجامد، تعيّن ما لا يُتَصَوَّر فيه الإِلقاء، وهو
الذائب نَجِسٌ. فحديث البخاري وإن لم يَدُل عليه بمَنْطُوقه، لكنه بمَفْهومه دليلٌ على الفرق بين
حكم الجامد والذائب. ثم مَفْهُوم حديثه، قد جاء مَنْطُوقاً في حديث عند أبي داود عن أبي
هُرَيْرَةَ، والنَّسائي عن مَيْمُونَة، وحينئذٍ صَارَ مَفْهُومه مؤَّداً بِمَنْطُوقٍ صريح الحديث.
بَقِيَ إعلاله، فالجواب عنه أنه صحَّحها إسحاق بن رَاهُويه، والذَّهْلي في ((الزهريات)) كما
في الفتح. فظهر مما قُلْنَا: إنه لا دليلَ عنده على التَّسْوية بين حكم الجامد والذائب من نصٍّ
(١) قُلْتُ: لمَّا سُئِلَ الزُّهْرِي عن الفأرة تَمُوت في السَّمْن جَامِداً، أو غير جَامِد، أجاب كما في الأطعمة: أنه بلغنا:
((أن النبي ◌َ﴾ أمر لفأرة ماتت في السَّمْن، فأمر بما قَرب منها فَطُرِح، ثم أَكل)). قال الحافظ رضي الله عنه: وهذا
ظاهرٌ في أن الزُّهْرِي لا يفرِّق بين الجامد وغيره، انتهى مُخْتَصَراً .
قلتُ: أَخْرَج الحافظ عن ابن عباس رضي عنه: ((سئل عن فارةٍ ماتت في السَّمْن، قال: تُؤْخَذُ الفأرة وما حولها،
(٢)
فقلتُ: إن أثرها كان في السَّمْن كلِّه، قال: إنما كان وهي حيَّة، وإنما ماتت حيث وُجِدَت))، ورجاله رجال
الصحيح، وأخرجه أحمد من وجهٍ آخر، وقال فيه عن جَرِّ فيه زيتٌ وقع فيه جُرَذٌ، وفيه: ((أَلَيس جال في الجَرِّ
كلِّه، قال: إنما جَالَ وفيه الروح، ثم استقرت حيث ماتت)).

٤٣٨
كتاب الوضوء
الحديث، بل حديث البخاري بِمَفْهُومه، وحديث أبي داود والنَّسَائِي بِمَنْطُوقه صريحٌ في التَّفْرِقَة
بينهما، وهذا هو مذهب الجمهور.
ثم نَقَلَ الحافظ في كتاب الأطعمة تحديد ما يُلْقَى، فَرَوى عن عطاء بن يَسَار أنه قَدْر
الكفّ .
قلت: لو كان المصنّف رحمه الله تعالى اختار مذهب مالك رحمه الله تعالى لكان لهذا
النقل فائدةٌ، أما إذا علمت أنه لم يذهب إليه فلا طائل تحته.
نعم ههنا شيء، لعله يختلج في صدرك، وهو أنَّ الأحاديث في نجاسةِ الماء بوقوع
النجاسات كلها في المائعات غير حديث الفأرة، فذلك يؤيد رواية أحمد رحمه الله تعالى، أعني
الفرق بين المائعة والجامدة. فحديث وُلوغ الكلب والنهي عن البول في الماء الدائم، وحديث
المستيقظ كلها في النجاسة المائعة.
قلت: تلك الأحاديث إنما جاءت على الوقائع في الخارج، فإنه لا يتفقُ في الماء الدائم
إلا البول لا سيما لأَعراب العرب، فإنهم لم يكونوا يحترزون عنه، بخلاف الغائط، فإنه لا أحد
يفعله بل يتقذره بطبعه، فلا حاجة إلى النهي عنه. وكذا لا يتفق في البيوت إلا ولوغ الكلب
والهرة، أو وقوع الفَأْرة، وفي الفَلَواتِ إلا ولوغ السِّباع، وكذا من عادات العامة غَسْل الأيدي
والوجه بعد الاستيقاظ، ولا بد له من إلقاء اليد، لأن أوانٍيهم لم تكن ذوات آذان، فأخذت
الأحاديث تلك الوقائع كلها لهذا لا أنها جاءت بما تُنبىء عنه روايةٌ شاذةٌ عن أحمد رحمه الله
تعالى .
واعلم: أنه لم يصنف أحدٌ، كتاباً في مختارات الإِمام البخاري كما صنفوا في مختارات
سائر الأئمة، فالنظر فيها يدور على تراجمه فَيَجُرَّهَا كلٌّ من أهل المذاهب إلى جانبه ويفسِّرُها
حسب مسائله، مع أنَّ البخاري عندي سَلَك مَسْلَك الاجتهاد ولم يقلِّد أحداً في كتابه، بل حَكَم
بما حكم به فَهْمُه، ولذا أَوفى حقَّ تراجمه أولاً، ثم انظر أنه هل وافق أحداً أم لا؟ ولمَّا لم
يدوِّنْ فِقْهَهُ ساغ لي أيضاً أن أعزو إليه ما أفهم من تراجمه، ولذا قد أخالف الشارحين في مختاره
كما فعلت في تلك الترجمة.
وبعد فليس هذا، إلا ظن أو احتمال، والعلم عند الله العلام، فإن المصنّف رحمه الله
تعالى لو أفصح بِمُرَاده لحكمنا بالجَزْم، إلَّا أنه كثيراً ما يذكر مادة الجواب ثم لا يُفْصِحُ به،
فيتردد النظر في شَرْح جوابه وذلك غير قليل في كتابه، ومثل ذلك له مقاصدُ أخرى تَعْلَمُها في
مواضعها .
قوله: (اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّم) وجه تَنَاسُبه مع الباب أن الاعتبار للمعنى دون الصورة، كما أن دمَ
الشهيد دمٌّ صورةً إلا أنه مِسْكٌ معنىً. فكذلك العبرة في الماء للمعنى وهو التغيُّر وعدمه، وكأنه
دفع ما يَرِد: أن النجاسة إذا وقعت في الماء فكيف يبقى الماء طاهراً؟ فأجاب بأن الاعتبار
للمعنى دون الصورة، فإذا وقعت في الماء ولم يتغير الماء فقد بقي على معناه وهو المعتبر في
. الباب، كما اعتُبِر في الدم. وقد يقال: إِنَّه يشيرُ إلى أنَّ العِبرة للغالب، فإذا كان ريحُ المسك.

٤٣٩
كتاب الوضوء
غالباً على لون الدم كان في حُكْم المسك طاهراً. وكذلك الماء يُعْتبر فيه الغَلَبة. ويمكن أن
يكون تَعَرَّضَ إلى العبرة بالأوصاف، فإنه ذَكَرَ في الترجمة الطَّعْم والريح، فأَراد التنبيه على أن
الشيء يتغير بأوصافه كما أن الدم تَغَيَّرَ عن أصله لأجل ريح المسك، والله تعالى أعلم.
٧٢ - باب المَاءِ الدَّائِم
٢٣٨ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قَالَ: أَخْبَرَنا شُعَيبٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ: أَنَّ عُبْدَ
الرَّحْمُنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ وَ ل﴿ يَقُولُ: ((نَحْنُ
الآخِرُوَنَ السَّابِقُونَ)). [الحديث ٢٣٨ - أطرافه في: ٨٧٦، ٨٩٦، ٢٩٥٦، ٣٤٨٦، ٦٦٢٤، ٦٨٨٧، ٧٠٣٦،
٧٤٩٥] ..
وقد تكلم الشارحون في مناسبة قوله: (نَحْنُ الآخِرُون السَّابِقُون) مع الباب، وذهبوا في
بيانها كل مذهب وأبعدوا بُعْداً بعيداً. والأمر أنَّ هذا الأعرج كانت عنده صحيفة تحتوي على
أحاديث، وقد أخذ عنها البخاري أحاديث، كما أن عند مسلم أيضاً صحيفةً عن همَّام وقد أخذ
عنها أيضاً، ثم يشير كلٌّ منهما إلى تلك الصحيفة بطريق مخصوص. أما البخاري فيذكر أول
حديثه وهو: ((نحنُ الآخِرُون السابِقون)) ثم يخرِّجُ ما يكون مناسباً لترجمته، وأما مسلم فيقول:
فَذَكر أحاديثَ منها هذا الحديث. فإِداء المناسبة في هذه المواضع تَكَلَّفٌ بارد. والوجه ما قلنا :.
إنَّه إشارةٌ إلى كونٍ هذا الحديث من الصحيفة التي أولها حديث: ((نحنُ الآخِرُون،
السابقون ... )) إلخ، كإِشارة مسلم إليها بقوله: ((فذكر أحاديث)) وهذا الحديث منها. وقد فَعَل
المصنف رحمه الله تعالى مثله في كتاب الجمعة. وكتاب الأنبياء.
٢٣٩ - وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ: ((لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ
فیهِ)).
٢٣٩ - قوله: (الماء الدَّائم الذي لا يَجْرِي) وقد تَعَسَّر الفَرْقُ على الناس بين الدائم
والراكد، حتى كاد يختفي عليهم، فقال بعضهم: الذي لا يجري، صفة كاشفة، وعندي بينهما
فرقٌ كثير، فالدائم للماء الذي يدوم أصلُه، ولا ينقطع، سواء كان تحته مددٌ كالبئر أو لا ،
والراكد ضد الجاري سواء كان دائماً أو لا. فالدوام باعتبار البقاء الزماني، وحينئذ قيد الذي
لا يجري للاحتراز عما كان دائماً وجارياً، ولذا لا يذكر هذا القيد مع الراكد، فإِن الراكد
معناه أنه لا يجري بخلاف الدائم، فإِنَّه قد يكون جارياً كالعيون، وقد لا يكون فاحتاج
إلى هذا القيد. لا يقال: وحينئذ يقتصر النهي على الماء الذي لا يجري ولا يتناول الذي
يجري .
قلت: وفي ((مجمع الزوائد)) النهيُ عن الدائم الذي يجري أيضاً، ولكنه وَهْم عندي،
فروى: ((الذي يجري)) مكان ((لا يجري))، والحُكْم عندنا فيهما سواء، فلا يبول فيهما، والأمر
في القيود سهل.
قوله: (ثُمَّ يَغْتَسِلُ فيه) وقد ذكرنا وجوه الإِعراب فيه في ((درس الترمذي)) والأمر عندي أنه

٤٤٠
كتاب الوضوء
على حدٍّ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَتِهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، كما قَرَّره الطيبي، فالنهي
مقصور، على البول، وثم للاستبعاد وبيان المآل.
وهذا الحديث لم يعمل به غيرُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى، لأنه اعتبر الجريان وعدمه،
وقال: إن الماء الجاري لا يتنجسُ بوقوع النجاسة، بخلاف غير الجاري، ولا تَعَرُّض في
الحديث إلى القُلتين وغيرهما. والتغيُّرِ وعدمِهِ. ولذا قلت: إنَّ حديث القُلَّتين (١) أجنبيٍّ في الباب
ولا نعلم تناقُله عند المراجعات (٢) مع كون المسألة كثيرةً الوقوع.
فالذي يظهر من الحديث: أنَّ الماء الذي لا يجري يتنجس بمجرد وقوع النجاسة، وإِلا
لكان البولُ فيه كَسَكب الماء، ولكان الجاري وغيره مساوياً، فلم يكن للتقييد معنى. وأجاب
عنه ابن تيمية بوجوهٍ قد استوفينا الكلام فيه في ((درس الترمذي)) منها: أنَّ البولَ فيه ليس لمعنى
النجاسة كما زعمتُم، بل لأنَّ البول في الماء الدائم يوجِب تغيُّره ولو بعد حين، فإِنَّه لو لم يَنْهَ
عنه لاعتاد الناس البولَ فيه، فنهى عنه لهذا .
قلنا: وإن كان كلامه لطيفاً إلا أنَّه يخالف الحديثَ وفَهْم الراوي أيضاً، لأنَّ الحديثَ
يَسْتَبْعِدُ الاغتسالَ بعد البول. وفي رواية: ((ثم يتوضأ منه)) ولا استبعاد فيه، إلا أنه يتطهر مما
نَجَّسَه بنفسه ولا إيماء فيه إلى التغير ولا بناء عليه، لأنه استبعد البول ثُم الغُسْل في الحالة
الراهنة لا بعد التَّغَيُّر.
وأيضاً أخرج الطحاوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه لمَّا سئل عنه قال: ((لعله يَمُرُّ به
أخوه المسلم فيشرب منه ويتوضأ)). فدل على أنه بعد البول لم يبق صالحاً للشرب والوضوء.
وإنما قال: ((لعله يمرُ به أخوه المسلم)) لأنَّ الشربَ أو التوضؤ ممن بال فيه أبعد وأبعد، فلا يتفق
إلا ممن يمر من إخوانه بعده فلا يرى فيه نجاسة في الظاهر فيشرب منه، مع أنه نجس. ومن
ههنا عُلِم أن النهي في الحديث ليس من جنس النهي عن التنفس، والبُزَاق في الماء، والتغوط
تحت الشجرة، فليس من باب الآداب، ولكنه من باب النجاسة قطعاً. ومنها أَنَّ البولَ نجسٌ،
والماء طاهر، إلا أنه لما كان مائعاً لا يمكن تميزه عنه يقيناً معطلين عن استعماله، فتعطيلُه
لأجل عدم تميُّزِ النجاسة منه لا لتنجُّسِه. قلت: وهذا عجيب لأنه لا معنى للتنجس إلا اختلاط
النجاسة بحيث لا يتميز، وكذا التعلل باستحالة البول وعمده كلّه تفلسف.
والحاصل: أنه لم يَعْمل بظاهره إلا إمامُنا، فإِنه لم يفرق بين الراكد والجاري إلا هو،
وألغاه الآخرون، فمنهم مَنْ قَسَمَ المياه باعتبار التغير وعدمه، ومنهم مَنْ جعل المدار على
القُلَّتين، ولم يعتبر أحد منهم الفرق بين الركود والجريان إلا الإمام الهمام. وكذا لم يعتبر أحد
منهم تقسيم الماء الفطري، فإِنه خلق على ثلاثة أنحاء، فراعيناه. وأعطينا حُكْم كلِّ قسم على
(١) قال الحافظ ابن القيم رضي الله عنه: ومن المعلوم أن هذا الحديث لم يروه غيرُ ابن عمر، ولا عن ابن عمر غيرُ
عبد الله وعبيد الله، فأين نافع وسالم وأيوب وسعيد بن جبير، وأين أهلُ المدينة وعلماؤهم من هذه السُنَّة؟ اهـ.
(٢) راجع لتفصيل هذه العبارة صفحة ٣٥٨. (من المصحح).