النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١
كتاب الوضوء
احتمال وقوع النجاسة، كما قالوا في سؤر الدجاجة المُخَلَّاة وليس حاله كالصلاة، فإِنها إما
صحيحةٌ أو فاسدةٌ أو مكروهةٌ، فالكراهة فيها قِسم مستقلٌ وليست لأجل مِظنَّة سبب الفساد،
فللكراهة أسبابٌ كما أنَّها للفساد، أعني أنَّ الصلاةَ تفسدُ بأسبابها وكذلك تكون مكروهةً
بأسبابها .
وليس مرجعُ الكراهة فيها إلى أسباب الفساد، فلا نقول فيها: إن أسباب الفساد إن
تحققت فيها بطلت وإلا صارت مكروهة، بخلاف الماء فإِنَّ الحكم بالكراهة فيه ليس من أجل
تحقق سبب مستقل لها، بل مرجعُها إلى سبب النجاسة، فإِن تحققت النجاسة فيه يُحكم
بنجاسته، وإن تُرُدِّدَ في وقوعها يُحكم بالكراهة، فلم يكن للكراهة سببٌ مستقلٌ. وإذن لا معنى
لكراهته إلا كونُه محتملَ النجاسة، فما نظر به الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى لم أفهمه نعم،
لو كانت كراهةُ الماء لسببٍ مستقل ولم يكن مرجِعُها إلى النجاسة لكان لإِيراده وجه، فإِن
الكراهةَ حينئذ كانت لأمر مستقلٍ لا تأثيرَ فيها للنجاسة، كما أن الصلاةَ تكون مكروهةً بأسبابها
لا من جهة احتمال أسباب الفساد.
ويلوح من كلام ابن رُشد أَنَّ الكراهةَ عند المالكية قِسم ثالث، كما أن الكراهةَ في الصلاة
كذلك عندنا، ولا تكون ناشئةً من جهة احتمال النجاسة. قلت: وهو كذلك عندهم. أمَّا كونها
قِسماً مستقلاً عند الحنفية فلم يثبت عندي، وحينئذ ظَهَرَ الجوابُ عن نظر الشيخ ابن الهُمَام
رحمه الله تعالى على أظهر وجه، وبقي الحديث في مسائل المياه حجةً لنا، ولله الحمد على ما
ألهم، والله تعالى أعلم.
والحاصل: أنَّ الشريعةَ أقامت أبوابَ النجاسة كما أنَّها أقامت أبواب النظافة، فإِرجاع
أبواب النجاسات إلى أبواب التزكية والتحلي والتخليط بينها بإِقامة جرِّ ثقيلٍ مما لا ينبغي،
فالبُصاق في الماء والتنفس فيه من باب النظافة قطعاً، ولذا لم يذهب فيه أحد إلى الفساد، لأنه
لم توجد هناك نجاسة ولا احتمالها، بخلاف ما نحن فيه، فإِنَّه لو كان الغَسْل لأجل النظافة
فقط، لكان النائم وغيره فيه سواء، كما ذكره صاحب ((العناية)) في قيد الدائم في قوله وَالترٍ: ((لا
يُبُولنَّ أحدكم في الماء الدائم وسيجيء)»: ولا دَخْل لنومِهِ، إلا أن يدَه احتملت التنجس لتَطْوَافها
على مواضع الأنجاس وهو لا يدريه، فكان لا بد أن تنهاه الشريعةُ عن غَمْسِها، فهذا حجةٌ على
المالكية قطعاً. وللأعذار الباردة مجالٌ وسيع(١).
٢٧ - بابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ
١٦٣ - حدّثنا مُوسى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ النَّبِيُّ بَ عَنَّا فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا
(١) قلت: ومنهم مَنْ جعله حجةً على الشافعية بأنه لم يفرِّق فيما كان الماء قُلتين أو دونهما، فعلم أن تأثير النجاسة
في القلتين وما دونهما سواء.
٣٦٢
كتاب الوضوء
العَصْرَ، فَجَعَلنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: ((وَيلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ
النَّارِ)) مَرَّتَينٍ أَوْ ثَلَاثاً.
وترجمة المصنّف رحمه الله تعالى هذه ناظرةٌ إلى تفسير الآية. ومن العجائب أنَّ ما يجعلونَه
لعنهم الله تعالى حجةً لمسح الأرجل هو بعينه حجة للغسل عند السلف، حتى أن بعضهم توهّم منه
نسِخَ المسح، ولذا كان يُعجبهم إسلام جرير، لأنَّه أسلم بعد المائدة وكان يمسحُ على الخفين، فَعُلِمَ
أنَّ حكم المسح باقٍ بعد نزول المائدة أيضاً. وفيها آية المسح بالرأس والأرجل. ثم لا يخفى عليك
أن المسحَ بالرجلين قد ثبت عند الطحاوي بإِسناد قوي، ولكنه في الوضوء فعنده عن النَّزَّال بن سَبْرة
بإِسناد قوي قال: رأيت علياً رضي الله تعالى عنه صلى الظهر ثم قعد للناس في الرُّحبة، ثم أتي بماء
فمسح بوجهِهِ ويديه، ومسح برأسه ورجليه، وشرب فَضْلَه قائماً ثم قال: إنَّ ناساً يزعمون أن هذا
يُكره، وإني رأيت رسول الله وَ لتر يصنع مثل ما صنعت، وهذا وضوء من لم يحدث.
وليعلم أنَّ الوضوء في الشرع على أقسام: فمنها ما عَلِمت، ومنها للنوم كما في حديث
ابن عباس رضي الله عنهما ومنها ما عند الترمذي. والرواة أيضاً يراعونها، ولذا تراهم يقولون:
توضَّأ وضوءَه للصَّلاة، فَعُلِم منه أن في أذهانهم أقساماً للوضوء يريدون به الاحتراز عنها، فلا
عبرة لإِنكار ابن تيمية، وعند الترمذي في باب ما جاء في التسمية على الطعام فغسل
رسول الله مَّ﴾ يديه ومسح ببَلِلٍ كفيه وجهه وذراعيه ورأسه، وقال: ((يا عِكْرَاش، هذا الوضوء مما
غيرت النار)). وفي إسناده لين.
٢٨ - بابُ المَضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ .
١٦٤ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ
يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَقَّنَ: أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيهِ مِنْ
إِنَّائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ
وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثاً وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَينِ ثَلَاثاً، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ
رِجْلٍ ثَلَاثاً، ثُمَّ قَالَ: رَأَيتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هذا وَقَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ
وُضُوَّئِي هذا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَينِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
وأخرجه ابن السَّكَن في ((صحيحه)) وفيه تصريحٌ بالفعل(١).
ولفظه عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: شهدت عليَّ طالب بن أبي طالب وعثمان بن عفان توضّاً ثلاثاً ثلاثا
(١)
وأفردا المضمضة من الاستنشاق، ثم قالا: هكذا رأينا رسول الله لل توضأ. قال مولانا ظهير أحسن النيموي:
لم أظفر بإسناده، ولكنه أخَرَجه الحافظ رحمه الله تعالى في ((التلخيص)) وعزاه إليه. وقد بَّب أبو داود في «سننه»
بالفرق بين المضمضة والاستنشاق وأخرج عن طلحة، عن أبيه، عن جده أنه رأى النبي لا يفصل بين المضمضة
والاستنشاق وفي إسناده كلامٌ أجاب عنه علماؤنا، فليراجعه.
٣٦٣
كتاب الوضوء
٢٩ - بابُ غَسْلِ الأَغْقَابِ
وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الخَاتَمِ إِذَا تَوَضَّأَ .
١٦٥ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - وَكَانَ يَمُزُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّؤُونَ مِنَ المِظْهَرَةِ - قَالَ: أَسْبِغُوا الوُضُوءَ،
فَإِنَّ أَبَا القَاسِمِنَّ قَالَ: ((وَيِلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)).
وإنما خصَّصها بالذكر لأنه لا يصلُ إليها الماء إلا بالاعتناء. ومرَّ عليه الطحاوي وجعله
ناسخاً للمسح على الأرجل، ويُفهم من كتابه مشروعيةُ المسح في زمان ثم نَسْخه، لأنَّه أخرج
عن عبد الله بن عمرو وفيه: ونحن نتوضأ ونمسحُ على أرجلنا ... إلخ. فَدَلَّ على أنهم كانوا
يمسحون على الأرجل حيناً ما؛ فلمَّا نادى بلالٌ بقوله: ((ويلٌ للأعقاب من النار)) نَسَخَ المسحَ
وصار فرضُ الرجلين هو الغَسْلِ.
قلت: وهو كما ترى، لأن التعبيرَ بالمسح إنما هو لخِفَّة غسلهم وعدم اعتنائهم به، كما
يُعلم من ألفاظه، ففي لفظ: فانتهينا إليهم وقد توضؤوا وأعقابهم تلوح لم يمسها ماء. وفي
لفظ: رأى قوماً توضؤوا وكأنَّهم تركوا من أرجلهم شيئاً. فهذا كلُّه يدل على أن ما يقصدُونه كان
هو الغَسْل، إلا أنهم كانوا يتعجلون فيه لئلا تفوتهم الصلاة، فكأنهم كانوا يمسحون لا أنهم كانوا
يمسحون لأجلِ أن فرضَ الرجل كان عندهم هو المسح ليثبت النَّسخُ.
٣٠ - بابُ غَسْلِ الرِّجْلَينِ فِي النَّعْلَيْنِ، وَلاَ يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ
١٦٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ
عُبَيدِ بْنِ جُرَيجٍ: أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعَاً لَمْ أَرَ
أَحَداً مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا؟ قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيجِ؟ قَالَ: رَأَيتُكَ لَا تَمسُ مِنَ
الأَرْكَانِ إِلَّ اليَمَانِيَيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا
كُنْتَ بِمَكَّةً أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ:
أمَّا الأَرْكَانُ فَإِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ بِّ يَمْسُ إِلَّ اليمَانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ، فَإِنِّي
رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَيَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيسَ فِيهَا شَعَرٌ،َ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبّ أَنْ
أَلَبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيِتُ رَسُولَ اللّهِ وَ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا
الإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ وَ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ. [الحديث ١٦٦ - أطرافه في:
١٥١٤، ١٥٥٢، ١٦٠٩، ٢٨٦٥، ٥٨٥١].
واعلم أنَّ المسحَ على الجَوْربين لم يثبت عندي مرفوعاً وإن كان جائزاً بشرائطه فقهاً، لأنَّ
الترمذيَّ وإن صحح حديث المُغيرة في الجَوْربين، لكنَّه معلولٌ عندي قطعاً، لأن حديث المُغيرة
واقعةٌ واحدة قد رُوي بنحو من سبعين طريقاً، وليس فيهما إلا أنَّه مسح على الخفين، فمن ذكر
الجوربين فقد وَهِمَ قطعاً. ولذا كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدثُ بهذا الحديث كما نقله أبو
٣٦٤
كتاب الوضوء
داود وأسقطه مسلم أيضاً. وأما الترمذي فقد نظر إلى صورة إسناده فقط. وكذا ذَكَرَ النَّعلين فيه
سهو أيضاً، وهو عند الطحاوي عن أبي موسى: أنه مسح على جوربيه ونعليه. وحمله الطحاوي
على ما إذا كان النعلان على الجوربين. قلت: وحديثه ليس بمتصل ولا بقوي، وهو تأويلُ
عامتهم في حديث المغيرة، وقد قلت: إِنه معلول قطعاً.
١٦٦ - قوله: (فإني لم أر رسول الله وَير يمس) ... إلخ، ومسُّ الركن اليماني جائزٌ عندنا
أيضاً.
قوله: (ويتوضأ فيها) وعند أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما: فأخذ حَفْنَة من ماءٍ
فَضَرَب بها على رجلِهِ وفيها النَّعْلِ فَقَتَلَ بها ثم الأخرى مثل ذلك، وقد مرَّ في البخاري عن ابن
عباس رضي الله عنهما أنه أخذ غَرفة من ماء فرشَّ بها، ولعله أيضاً عند التنعل، والحافظ ابن
القيم رحمه الله تعالى جعله صورةً مستقلة وقال: إن الرشَّ كافٍ في النعلين كالمسح في
الخفين. قلت: وهو احتمالٌ لم يذهبْ إليه ذاهبٌ.
قوله: (وأما الصُّفرة) واعلم أن ابن عمر رضي الله عنه كان يستعمل الصُّفرة (١). ثم كان
برفعُه إلى النبيِ بَّه مع أنه قد ثبت فيه الوعيدُ عن النبي ◌َّ. قلت: وردت فيه ألفاظٌ عديدةٌ مع
صَبغ الأشعار والثياب ثم الصَّبْغ بالزعفران وغيره لا يُدرى أن أي هذه الأجزاء رفعه. ولعله
تطرَّق فيه اجتهاده. نعم، يجوزُ التصفير علاجاً، ولم يتبين لي بعد في هذا الباب شيء صافٍ
كافٍ. ولعل الله يُحدثُ بعد ذلك أمراً.
قوله: (حتى تنبعت) ... إلخ يعني به أنَّ النبيَّ ◌َِّ كان يُهِلُ حين يركب راحِلَته، وإِنِّي لا
أركب حتى يُظُلَّ يوم التروية، فلأجل هذا لا أُهلُّ إلا في هذا اليوم، ولا أهل عند رؤية الهلال
كأهل مكة. وهذا أيضاً اجتهادٌ منه رضي الله تعالى عنه. قلت: إنه ◌َّ كان يُهل إذا شرع في
أفعال الحج، وإنما كان يُهِلُّ عند الانبعاث، لأنه كان يَقْدُم من المدينة وكان انبعاثه عند سفره،
بخلاف ابن عمر رضي الله عنه، فإنه كان مقيماً بمكة من قبل، فلا عليه أن يُهلَّ ثم يركبَ يوم
التروية. ولعله لم يرغب في تقديم الإهلال اجتهاداً منه، وإلا فالفارق موجودٌ والأولى هو
القدیم.
٣١ - بابُ التِيَمِّنِ فِي الوُضُوءِ وَالغَسْلِ
١٦٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ
سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةً قَالَت: قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: ((ابْدَأَنَ بِمَيَامِنها وَمَوَاضِعٍ
الوُضُوءِ مِنْهَا)). [الحديث ١٦٧ - أطرافه في: ١٢٥٣، ١٢٥٤، ١٢٥٥، ١٢٥٦، ١٢٥٧، ١٢٥٨، ١٢٥٩،
١٢٦٠، ١٢٦١، ١٢٦٢، ١٢٦٣].
(١) قلت: إن نكير ابن جُرَيج يدل على أن التصفير لم يكن معهوداً بين الصحابة، كما في هذا الحديث أنه قال لابن
عمر رضي الله عنه: رأيتك تصنع أربعاً لم أر أحداً من أصحابك يصنعها؟ وعد منها التَّصفير.
٣٦٥
كتاب الوضوء
١٦٨ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَشْعَتُ بْنُ سُلَيم قَالَ:
سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ مَسْرُوِقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُنُ فِي تَنْقُلِهِ وَتَّرَجُلِهِ،
وَطُهُورِهِ، وفِي شَأْنِهِ كُلُّهِ. [الحديث ١٦٨ - أطرافه في: ٤٢٦، ٥٣٨٠، ٥٨٥٤، ٥٩٢٦].
وفي ((شرح الوقاية)): أنَّ التيامن كان من عادته وَّر ثم إذا داوم عليه جاء الاستحباب. ثم
التيامن ليس في أحدٍ من أقوام الدنيا غير الإِسْلام، حتى أن كتابتهم أيضاً من جانب الأيسر.
وفي ((المشكاة)): ((أن الله تعالى خَيَّر آدم فاختار اليمين وكلتا يدي الرحمن يمين)) فهذا اختيار آدم
جرى في ذريته، كالسَّلام ورد الملائكة عليه صار سُنَّة له ولذريته، وأجدُ أشياءَ استحبها المقربون
فوقعت بمكانٍ من القَبُول، ثم سُنَّت في الشرائع.
٣٢ - بابُ التِماسِ الوَضُوءِ إِذَا حَانَتِ الصَّلاَةُ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَضَرَتِ الصُّبْحُ، فالتُمِسَ المَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَل التََّهُمُ.
١٦٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
أَبِي طَلحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ وَحَانَتْ صَلَةُ العَصْرِ،
فَالتَّمَسَ النَّاسُ الوَضُوَءَ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأَتِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَه
فِي ذلِكَ الإِناءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوضَّؤُوا مِنْهُ، قَالَ: فَرَأَيتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ
أَصابِعِهِ، حَتَّى تَوضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِم. [الحديث ١٦٩ - أطرافه في: ١٩٥، ٢٠٠، ٣٥٧٢، ٣٥٧٣،
٣٥٧٤، ٣٥٧٥].
يعني أنه لا يَجبُ قبل الوقت.
١٦٩ - قوله: (ولم يجدوا) وكان في المدينة خارجاً منها .
قوله: (من عند آخرهم) مختصر من أوَّلِهم إلى آخرهم، واختُلف في تَعداد الرجال فيه،
وحمله الحافظ رحمه الله تعالى على تعدُّدِ الواقعة.
٣٣ - بابُ المَاء الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَانِ
وَكَانَ عَطَاءٌ لَا يَرَى بِهِ بَأُساً أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا الخُيُوطِ وَالحِبَالُ. وَسُؤر الكِلَابِ وَمَمَرَهَا
فِي المَسْجِدِ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِناءٍ لَيسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرُهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ. وَقَالَ
سُفيَانُ: هذا الفِقْهُ بِعَينِهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمِّمُوا﴾ [المائدة: ٦]. وَهذا
ماءٌ - وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيءٌ - يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ.
١٧٠ - حدّثنا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَاصِمِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ
قَالَ: قُلتُ لِعَبِيدَةَ: عِنْدَنا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ نَّهِ أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَسٍ، أَوْ مِّنْ قِبَلِ أَهْلِ أَنَسٍ،
فَقَالَ: لأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنَّهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَاَ فِيهَا. [الحديث ١٧٠ - طرفه في:
١٧١].
٣٦٦
كتاب الوضوء
١٧١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا
عَبَّادٌ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ لمَا حَلَقَ رَأْسَهُ، كَانَ
أَبُو طَلحَةً أَوَّلَّ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ.
قلت: إنَّ المصنِّف رحمه الله تعالى ذَكَرَ فيها مسألة الأنجاس والآسار دون مسألة المياه
كما اختاره الحافظ رحمه الله، فهذه ترجمةٌ تتعلق بالأشياء التي قد تتفقُ أن تقعَ في الماءَ، ثم
تُفسِدُ الماء أو لا تفسده. وإنما جاء ذِكْرُ الماء تبعاً لكونه محلَّ الوقوع. أما مسألة المياه أصالة
فسيجيء ذكره. وذَكَرَ هذه الأشياء هناك تبعاً لكونها واقعة فيه. وهذا شبيهٌ بما في فِقْهنا من ذكر
بعض الأنجاس في فصل المياه مع كون باب الأنجاس مستقلاً عندهم أيضاً، فلهذه الأشياء تعلق
بالماءِ لكونها واقعةً فيه، وكونٍ الماء محلاً لوقوعها. ولهذا قد ينجرُّ ذِكرها إلى المياه، وقد
ينجرُّ ذکر المياه إليها .
ويبقى الفرق بالأصالة والتبعية، فالأصل في باب الأنجاس ذكرها فقط، وذكر الماء لكونِهِ
قد يتفق أن تقعَ فيه وإن أمكن وقوعُها في غيره أيضاً كالطعام واللبن والدهن وغيرها. وكذلك
الأصل في باب الماء، ذِكرُ مسائله خاصَّة لا ذِكرُ الأنجاس، وإنَّما تذكر استطراداً لكونها واقعةٌ
فيه. والحاصل: أن المصنّف رحمه الله تعالى ذكر في ترجمته مسألة الأشعار أولاً، سواء وقعت
في الماء أو الطعام، لا مسألة المياه.
واعلم أن في الحديث باباً لا يوجد في الفقه إلا قليلاً، وهو أنَّ الشارع إذ يحكم على
شيء بالنجاسة لا يحبُّ المعاملةَ معه والملابسة به، ويأمرُ بالاجتناب والتحرُّز عنه، قال
تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ تَجَسُ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] وقال: ﴿إِنََّ الْخَّرُ وَاُلْمَيْسِرُ
وَاُلْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوُ﴾ [المائدة: ٩٠]، وقال: ﴿فَاجْتَلِبُواْ الرَّحْسَ مِنَ
اُلْأَوْثَنِ﴾ [الحج: ٣٠] فإذا حكم على شيء بكونه نجساً أمر بالتحرُّز عنه ونهى عن قُرْبانه، فعُلِم
أنَّ الاجتناب والتحرز من لوازم النجس والرِّجْس. ورأيت عن ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما غسل اليدين بعد المصافحة بالمشرك، فكأنَّه فهم معنى النجس، وأنَّه لا ينبغي أن يقربَ
منه، ولهذا غسل يديه مع كون يدي المشرك يابساً، ومقتضاه أَلَّا يطلق النَّجِس على الثياب
والمياه.
ثم اطلعت على كلام الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير وفيه إنَّ إطلاق النَّجَس على المؤمن
لا يجوز، لا حقيقة ولا مجازاً وحينئذ ظهر شرح لطيف لقوله {وَله: ((إنَّ المؤمنَ لا يَنْجَس))
وشرح آخر لقوله: ((إن الماء طَهُورٌ لا ينجِّسه شيء)) فإن مياه الآبار لا يتنجس بحيث لا تبقى
معها معاملة، ويكون التجنب عنها ضرورياً في نظر الشارع بل يُستعمل بعد نزح البئر، فهذا عُرف
قرآني في النجس فلاحَظَه بخلاف الفقهاء، فإنهم يحكمون على شيء بالنجاسة ثم يكتبونَ مسائلَ
تُبنى على بقاء المعاملة معها كما قالوا: إنَّ الكلب إذا مر في المسجد يابساً لا يتنجَّسُ به
المسجد .
وإِنَّ المُصلي إن حَمَلَ جُرو كلب في كمِّه ولم يكن عليه نجاسةٌ تصحُّ صلاته. فباب
٣٦٧
كتاب الوضوء
الأنجاس لا يظهرُ أثرُها في الفقه إلا عند وقوعها في الماء أو المائع. أما قطعُ المعاملة عنها
والملابسة بها، فهذا بابٌ مفقود في الفقه وإن ظهر في بعض الجُزئيات كما في ((الكبيري)): أنَّه
يُكره لُبْس الثوب النجس خارجَ الصلاة أيضاً، فهذا يُشير إلى قطع المعاملة عنه ما دام نجساً.
ونحوه نَسَبَ إلينا الشوكاني أيضاً، ولذا أقول: إنَّ أمر التوضؤ بخروج المَذْي وأمثاله محمولٌ
على الفور لا عند القيام إلى الصلاة، فإِن المطلوبَ عند الشرع كونُ المؤمن على طهارةٍ
وعدم تلُخه بالنجاسات. ولم يذكره من علمائنا إلا ما يستفاد من الجزئية التي ذكرتها عن
«الكبيري)).
قوله: (وكان عطاء) ... إلخ، واختار البخاري في الأشعار مذهبَ أبي حنيفة رحمه الله
تعالى كما قال ابن بَطَّال، وأيدَه بأثر عطاء، لأنَّه لما وسَّع فيه باتخاذِ الخيوطِ والحبال لَزِمَ أن
يقولَ بطهارته جزماً، فلو سقطت في الماء لا تُفْسِدُه، إلا أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى لم يجوز
الانتفاع بأجزاء الإنسان كرامةً له وتحرزاً عن الامتهان. وفي رواية عند الشافعي أنها نجسة،
فأشكل عليهم أشعارَه ◌َ ﴿ لأنَّه ذهب جماعة إلى طهارة فَضَلاته بَُّ ونُسِبَ إلى إمامنا أيضاً، إلا
أنَّي لم أجده فاستثنوها. وأراد الحافظ رحمه الله تعالى إخمالَ هذه الرواية، لأنَّها صعب عليه
جداً، وصَدَعَ بها الشيخ العيني رحمه الله تعالى.
قوله: (سؤر الكلب) ... إلخ هذا هو الجزء الثاني من ترجمته. وفيه مسألةُ الآسار وتتعلقُ
بها مسألة المرور فذكرها استطراداً. وسُؤْرُ الكلب طاهرٌ عند مالك رحمه الله تعالى(١). وفي
((المدونة)): أنه سُئل عن وجه الحديث المرفوع، فقال: لا أدري. ولعلَّه عدَّهُ من سواكن البيوت
كالهرة، فصار من الطَّوَّافين فسقطت نجاستهُ عنده. ثم جاء فضلاء المالكية وقالوا: إنَّ الغَسْل منه
لأجل صفاء الباطن، فإنَّه أطلق عليه لفظ الشيطان في الحديث، فهو من باب التزكية والتحلية
دون النجاسة. قلت: فارتفع باب الآسار عند مالك رحمه الله تعالى، حتى أن سؤر الخنزير
أيضاً غير مؤثرٍ في الماء عنده، فإنَّ الكلاب والسِّبَاعِ كلها يَرِدُون علينا ونردُ عليهم، فلا أثر
لآسارهم في التَّنْجِيسِ عنده.
واختار الشافعي رحمه الله تعالى نجاسةَ سؤرِ الكلب والخنزير خاصة، ولم ير بسؤرِ السِّباع
بأساً. ثم شَرَطَ التَّسبيعَ في سؤر الكلب، وهو مذهب أحمد رحمه الله تعالى فيه وفي سائر
النجاسات، حتى رأيت في كلام بعضهم التسبيع في الاستنجاء أيضاً.
والواجبُ فيه عندنا هو التثليث كما في البول والغائط، فإِنَّ سؤرَ الكلبِ ليس بأغلظ
منهما. نعم، التسبيع مستحب كما في ((الزَّيْلعي شرح الكنز)). وصرَّح (الوبري) باستحباب
التسبيع عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى كما في ((التحرير)). وإنما اعتنيتُ بهذا النقلِ لأنه ليست
(١) قلت: قال الخَطَّابي: وذهب مالك والأوزاعي إلى أنه إذا لم يجد ماءً غيره تَوضَّأ به. وكان سفيان الثوري
يقول: يتوضأ به إذا لم يجد ماءً غيره ثم يتيمم بعده. اهـ. قلت: وإذن صار كالنبيذ عند إمامنا رحمه الله
تعالى.
٣٦٨
كتاب الوضوء
في الكتب رواية عن أبي حنيفة، فيمكن أن يكونَ استحبابه من باب الخروج عن الخلاف،
بخلاف ما في ((التحرير)) فإنَّه صريحٌ في كونه روايةً عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فصار
التسبيع مستحباً على المذهب لا على طريق الخروج عن الخلاف، فإِنَّه باب آخر يجري فيما لا
يكون فيه رواية عن الإِمام أيضاً.
ثم إن راوي الحديث أبو هريرة أفتى بالثلاث أيضاً كما عند الطحاوي، وصححه ابن دقيق
العيد. وما أخرج عنه الحافظ رحمه الله تعالى من فتوى التسبيع فإنه لا يضرُّنا، بل يؤكد
الاستحباب، ثم فتوى الثلاث رفعه الكرابيسي كما في ((الكامل)) وهو حسين بن علي الكَرَابيسي
من معاصري أحمد رحمه الله تعالى، من كبار العلماء - وإنما حَمَلَ ذكره لما جرى بينه وبين
أحمد رحمه الله تعالى من الخلاف.
ومنه تعلَّم البخاريُّ وداود الظاهري مسألة: لفظي بالقرآن مخلوق، ولم أطلع عليه بِجَرْحٍ
فيه، فإِن كانت هذه المسألةُ هي سببُ الجرح فيه، فالبخاري أيضاً يصيرُ مجروحاً. ومع هذا
أتردد في رفعه، ولعله وَهَمّ منه.
ثم فتوى التثليثُ وإن لم تكن مرفوعةً، لكن أخرجَ الطحاوي في باب سؤر الهرة إسناداً أن
كلَّ حديثٍ أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّرَ، وإنَّما كان يفعلُ ذلك لأن أبا هريرة لم يكن
يحدثهم إلا عن النبي ◌َّ فدلَّ على أن فتوَاه وإن كانت موقوفةً لكنها في حكم المرفوعِ. قلت:
الكُلِّية محل ترددٍ عندي، نعم، كل ما رواه ابن سيرينَ عنه فهو مرفوع قطعاً، ثم لا عَليك أن
تحمل التسبيع على زمان كان فيه التشديد في أمرِ الكلاب(١)، ثم خُفِّف فيه، فلعل أمر التسبيع
كان عند أمره بقتل الكلاب، وإذا خفف في الكلاب وأباح لهم الاصطيادَ بها خفف في أمر
التطهير أيضاً .
ونظيره النهي عن استعمال الأواني المخصوصة بالخمر(٢). ثم قال: ((إن الأواني لا تحرم
شيئاً ولا تحلله)) فاستعملوا كلها غير أنه لا تشربوا مسكراً. وألزم الطحاوي أنكم لو عملتم
بالتسبيع لأجل حديث أبي هريرة فعليكم أن تقولوا بالثامنة لحديث عبد الله بن مُغَفَّل ففيه:
((وعفِّرُوه الثامنة بالتراب)).
قلت: وهو رواية عن أحمد رحمه الله تعالى أيضاً إلا أنَّ النَّووي حَمَله على أن المراد منه
اغسلوه سبعاً واحدةً منهن بالتراب مع الماء، فكان الترابُ قائماً مَقَام غَسْله، فسميت ثامنة لهذا.
(١) قلت: إن النبي ◌َل إنما أمر بقتلها حين لم يلقه جبريل بعد مُوَاعدة منه، فعند مسلم: فأصبح رسول الله صَل﴾ يومئذٍ
فأمر بقتلِ الكلاب ... إلخ. كذا في ((المشكاة) من باب التصاوير. وعند أبي داود الدارمي: «لولا أن الكلابَ
أمةٌ من الأمم لأمرت بقتلها كلّها فاقتلوا منها كل أسود بهيم))، كذا في ((المشكاة)) من باب ذكر الكلب، قلت:
ولذا قال النبي ◌َلّ: ((إن الكلب الأسود يقطعُ الصلاة)) كذا في أحاديث السترة.
(٢) فقد أخرج الترمذي في الأشربة عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ◌َّه: ((إني كنت نَهيتُكم عن
الظروف، وإن ظرفاً لا يُحلُّ شيئاً ولا يحرِّمه، وكل مسكر حرام» هذا الحديث حسن صحيح.
٣٦٩
كتاب الوضوء
وقد تصدَّى بعضهم إلى إثبات الاضطراب فيه. ففي رواية: ((أولاهُنَّ بالتراب)) وفي رواية:
((أخراهن))، وفي أخرى: ((إحداهن)). قلت: بل ينبغي أن تجوزَ الصور كلها ولا اضطرابَ ولا
حاجة إلى إقامة الترجيح كما قال بعضهم: إن الراجحَ أولاهن.
ثم الوجه في الأمر بالثامنة عندي أنَّ الترابَ لمَّا كان له دخلٌ في التطهير عدَّه الراوي غسلاً
مستقلاً، فهو داخلٌ في السبع، ودليله أنَّه أمَرَه في عين تلك الرواية بالتسبيع، ثم قال: وعَفِّرُوه
الثامنة. ولو أرادَ الغسل ثمان مرات لقال: فاغسلوه ثمان مرات، وعفروه الثامنة ... إلخ. ولكنه
أَمَر أولاً بالتسبيح، فذكر العددَ المطلوب ثم فكَّكَ الراوي منها واحدةً وعدَّها ثامنة في التعبير
فقط .
قال الحافظ ابن تيمية: إنَّ الكلب يكثر من فِيهِ اللعاب فيغلبُ على الماء ولا يتميز منه
لكونه مائعاً أيضاً. وأنت تعلم أنه تغيَّرَ به المناظُ، لأنه كان في أصل التغير وعدمه. ثم لا أدري
ماذا أراد به؟ فإن أراد أنَّ الماءَ كان في الأصل طاهراً إلا أنه تنجَّس لأجل عدم تخليص اللعاب
منه وهو نجس، فهذا مجرد اعتبار، لأنهم لا يعنونَ بحكم التَّنجيسِ على شيء إلا اختلاطُ
النجَاسة به، ولا معنى لكون الشيء نجساً غيره وهل يتنجسُ الطاهر إلا باختلاط النجاسة، فأي
اعتبار هذا. وقد يتعللُ بأن لعابَه لزجٌ فلا يستحيل بالسرعة. قلت: وخرج منه مناظٌ آخر غير ما
ذكره أولاً، وهو الاستحالة وعدمها، فالحافظ رحمه الله تعالى مع جلالة قدره اضطرب كلامهُ
في المناط، ولا أظن بالشريعة أن تنوطَ أحكام النجاسة والطهارة فيها على الاستحالة وغيرها،
مما لا يُدرى إلا بعد الممارسة الطويلة، ولشرحها موضع آخر.
قوله: (وممرها) ... إلخ وفي الكلب روايتان عن أبي حنيفة: في رواية أنه نجسُ العينِ،
هوٍ ما يكونُ نجساً بجميع أجزائه ولا يُستثنى منه شيء. وفي المشهورة أنه نجسُ اللحم، فإن
صلَّى حاملاً إياه في كمه، صحت صلاتُه إذا لم ير عليه أثر نجاسة. قيل: إنما كانت الكلاب
تُقْبِلُ وتدبر لأنه لم يكن للمسجد إذ ذاك باب. قلت: ويمكن ذلك مع وجود الأبواب أيضاً كما
هو مشاهد في زماننا، وعند أبي داود: تبول أيضاً، وحينئذٍ أشكل.
قوله: (قال الزهري) ... إلخ قال الحافظ رحمه الله تعالى: إن البخاري اختار مذهبَ
مالك رحمه الله تعالى. وقال العيني رحمه الله تعالى: إنه اختار مذهب أبي حنيفة رحمه الله
تعالى، وهو الأوجه عندي. فإِنه لم يُفصح في ترجمته بما يدل على طهارة سؤر الكلاب، ولا
أخرج حديثاً يكون دليلاً على ذلك، بل أخرج حديث الغَسْل سبعاً الذي يدل على كونه من أغلظ
النجاسات. وأما أثر الزهري فلا دلالة فيه على طهارته عنده، بل رُوي عنه في ((مصنَّف عبد
الرزاق)» الأمر بإراقة سؤرها .
أما ما أخرجه البخاري فهو نظيرُ مسألتنا: أَنَّ المُصلي إذا لم يجد إلا ثوباً نجساً هل يُصَلي
عُرياناً أو في ذلك الثوب. فكما أنها لا تدل على عدم نجاسة هذا الثوب عندنا، كذلك قول
الزهري فيمن لم يكن عنده غيرُ هذا السؤر، لا يكون دليلاً على طهارته وهو ظاهر.
٣٧٠
كتاب الوضوء
وأمَّا أثر سفيان فأيضاً كذلك، ونظيرها ما عن محمد رحمه الله تعالى في النَّبيذ أنه يتوضأ
منه ويتيمم، بل تردده يشعر بخلافه. والحاصل: أنه ليس في ترجمته شيء صريح يدل على
طهارة سؤرها عنده، فلا ينبغي لنا أن نعزو إليه هذه المسألة.
٣٤ - باب إِذَا شَرِبَ الكَلبُ
فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلَيَغْسِلهُ سَبْعاً
١٧٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِ قَالَ: ((إِذَا شَرِبَ الكَلبُ فِي إِناءٍ أَحَدِكُمْ فَلَيِّغْسِلُهُ
سَبْعاً)).
١٧٣ - حدَّثنا إسحاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَبْدٍ
اللَّهِ بْن دِينَارٍ قَالَ: سَمُعْتُ أَبِي، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َةِ: ((أَنَّ
رَجُلاً رَأَى كَلَّباً يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُقَّهُ فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَّهُ بِهِ حَتَى أَرْوَاهُ،
فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ)). [الحديث ١٧٣ - أطرافه في: ٢٣٦٣، ٢٤٦٦، ٦٠٠٩].
١٧٤ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عِن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي
حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتِ الكِلَّابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُذْبِرُ فِي المَسْجِدِ فِي زَمانِ
رَسُولِ اللّهِ مَِّ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيئاً مِنَ ذلِكَ.
وإنما تردد نظر الشارحين في مختاره لأنه أخرج المادَّة للطرفين تحت باب واحدٍ،
فالأول: يدل على النجاسة. والثاني: يمكن أن يستدلَ منه على طهارته وإن كان ضعيفاً. قلت:
ولا حجة في قصة الإسرائيلي على الطهارة. أمَّا أولاً، فلأنه لم يذكر أنه سَقَاه من خُفِّه أو حَفَرَ
حُفرة ثم سقاه منه، وكذلك ليس فيه أنه غَسَلَ الخفَّ أولاً. وسكوتُه هذا ليس سكوتاً في معرض
البيان، لأنه بصدد ذكر القِصة فقط لا ببيان المسألة. والرواةُ إذا سردوا قصةً لا يقصدون إلا
ذكرَها على ما كانت في الخارج ولا يتعرضون إلى تخاريج المسائل ولا يراعونها في عباراتهم
ثم يجيء علماءُ المذاهب ويأخذون المسائل من تعبيراتهم. وهذا طريق ضعيفٌ جداً فاحفظه فإِنه
يُنجيك عن كثير من المضائق وستمر عليك نظائره في هذا الكتاب.
قوله: (وقال أحمد بن شَبِيبٍ) ... إلخ وفيه لفظ مشكل وهو ((تبول)) كما مرَّ: ولعل
البخاري تَرَكه عمداً. وقد ثبت عندي أنه من عادة البخاري حذفُ الجملة المشكلة أو اللفظ
المشكل ولا قلق فيه، فإِنَّه يعلم من موضعه.
والحاصل: أن الشريعةَ لا تحكم بالنجاسة إلا بالمشاهدة الجزئية أو الإِخبار، فإِذا لم يكن
هناك إِخبار ولا مشاهدة جُزئية، فإنه لا تحكم بالنجاسة بمجردٍ تطرقِ الأوهام وتوسوس
الصدور. واعلم أن الشريعةً لم تهدر الاحتمالات بالكلية وكذا لم تعتبرها بالكلية. والذي تبين
لي أن تُقسَمَ على الأحوال فيعتبرُ مرة ويهدرُ أخرى. وإن كانت عامةُ عبارات فقهائنا تذهبُ إلى
٣٧١
كتاب الوضوء
التعميم فإنهم قالوا: إن ما يُحمل إلينا من دار الحرب فإِنه طاهر مطلقاً (١). وعندي أن مطبوخات
الهندوسيين كلها مكروهةٌ لغلبة الظن بنجاستها، كما قالوا في سؤر الدجاجة المُخَلَاة.
قوله: (فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك) على الشافعية رحمهم الله تعالى. وهذا لا يردُ
على الحنفية، فإنهم قائلون بطهارة الأرض باليُبْس. وأبعد الخَطّابي في تأويله بأنها كانت تبولُ
خارجَ المسجد ثم تمر في المسجد. قلت: ما أظرفَ وأعقلَ هذه الكلاب! فهلا قال: إنها كانت
تستنجي أيضاً. ثم تجيء في المسجد! واعلم أن ترك البولِ في أرض المسجد حتى اليُبس
مستنكرٌ عندنا أيضاً فلم أرد به شرحَ الحديث من أن طهارةَ أرضٍ المسجد عندهم كانت على هذا
الطريق، بل أردت التعريضَ فقد ليفهمَ الخصومُ أن الحنفية رحمهم الله تعالى أيضاً لهم مُسْكَةٌ في
الباب.
والوجه عندي أن غرضَ الراوي منه بيانٌ عدم علمهم الخصوصي بمواضع أبوالها، مع
حصول العلم الكلي وجنسه عندهم، فإِنها إذا كانت تُقبلُ وتدبر فأمكن أن تبول أيضاً فيقول: إنه
لم يحدث من هذا الجنس في تطهير المسجد أمر جديد، بل عُدَّت طاهرة كما كانت قبل ذلك.
والحكمُ بالنجاسة لا يمكن عندنا إلا بمشاهدة جُزْئية أو إخبار صحيح. وأما الظُّنُون فلا تغني عن
الحق شيئاً. وبمثله نقول في حديث القُلتين وبئر بُضَاعة أيضاً، فإنه ليس هناك إلا عِلمٌ كليٍّ في
مرتبة الجنس دون العلم الجزئي فاعلمه.
ثم استدلَّ الشافعية على أنَّ الأرض لا تطهر إلا بالغسل بحديث بولِ الأعرابي في المسجد
وإهْرَاق الدلو عليه كما أخرجه أبو داود. قلت: وهذا أيضاً سبيل آخر لتطهيرها عندنا وفيه نفع
أيضاً، وهو إزالةُ الرائحة الكريهة، والتطهير على الفور. مع ورودِ التصريح بحفرِ هذا الموضع
أيضاً، كما هو عند أبي داود، فكأنه اكتفى بإسالة الدلو في الحالة الراهنة ليطهر سطحها وأمرَ
بعده بحفرها تطهيراً لباطنها. وكيف ما كان مسألة طهارة الأرض باليُيس مستقيمة على كل حال.
١٧٥ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنٍ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ
عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ فَقَالَ: ((إِذَا أَرْسَلَتَ كَلِبَكَّ المُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ،
وَإِذَا أَكَلَ فَلَا تَأْكُلّ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَّى نَفسِهِ)). قُلتُ: أُرْسِلُ كلبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلباً آخَرَ؟
قَالَ: ((فَلَا تَأْكُل، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلبٍ آخَرَ)). [الحديث ١٧٥ - أطرافه
في: ٢٠٥٤، ٥٤٧٥، ٥٤٧٦، ٥٤٧٧، ٥٤٨٣، ٥٤٨٤، ٥٤٨٥، ٥٤٨٦، ٥٤٨٧، ٧٣٩٧].
١٧٥ - قوله: (إذا أرسلت) ... إلخ واتفقوا على أنَّه إن قَتَلَ خنقاً لا يكون حلالاً، بل
يكون ميتة، فلا بد من الجرح. وشَرَطَ بعضُهم الإِدماء أيضاً .
(١) قلت: وأخرج الترمذي عن أبي ثعلبة الخشني يقول أتيت رسول الله وَ لّ فقلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل
كتاب نأكل في آنيتهم؟ قال إن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها فإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها اهـ هذا
حديث حسن صحيح ويعارضه ما عنده عن هلب قال سألت النبي ◌َّر عن طعام النصارى فقال لا يختلجن في
صدرك طعام ضارعت فيه النصرانية اهـ هذا حديث حسن.
٣٧٢
كتاب الوضوء
قوله: (فإِنما أَمْسَكَهُ) ... إلخ وفيه إشارة إلى أن الكلب بعد فَنَائه في رضاءِ مولاه يصيرُ آلةً
له، ولا يبقى له حكمه بل يصير كالمُذْيَة. قلت: فما ظنُّك بالعبد الذي انتصب لمعاداةٍ مولاه في
اتباع هَوَاه، فمثله كَمَثَل الكلب أو أسوأ منه، فالكلبُ بعد طاعة مالكه صار في حُكْم المالك،
والمَالكُ بمعصية مولاه صار أسوأ من الكلب. ووجه الاستدلال منه على طهارته: أنه لم يأمره
بغسل لعابه ولو كان نجساً لأمر به، فدلَّ على أنه طاهر .
قلت: التمسكُ بالمبهمات بعد ورودِ الأحاديث المصرحة في الباب بعيدٌ جداً على أنَّه
استدلال بالمسكوت، وهو في غاية الضَّعف، فإِنَّه كما لم يأمر بغسل لعابه لم يأمر بغسل الدم
الذي خَرَجَ من جرحه، ولا أمر بإخراج النجاسات التي في بطنه، فمن ذهب إلى طهارتها؟ وإنما
لم يتعرَّض إلى الغسل لأنه معروفٌ في الصيد فاستغنى عن ذكره.
ومُحَصِّل الكلام: أنه لا يُظن بمثلِ المصنّف رحمه الله تعالى أن يكونَ ذهب إلى طهارته
مع وُرودِ القطعياتِ الدالة على النجاسةَ في الباب، وغايتُه أن يكونَ فوض الأمر إلى النَّاظر،
ولذا أخرج الأحاديث للطّرفين، وهذا أيضاً من دأبِهِ فإِنَّه إذ يرى قوةً في الجانبين يذكر الحديثَ
للطرفين ولا يجزم بأحد الجانبين والله تعالى أعلم.
٣٥ - بابُ مَنْ لَمْ يَرَ الوُضُوءَ إِلاَّ مِنَ المَخْرَجَينِ:
القُبُلِ وَالدُّبُرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ اُلْغَابِطِ﴾ [المائدة: ٦]
وَقَالَ عَطَاءٌ - فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ، أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ القَمْلَةِ .: يُعِيدُ الوُضُوءَ.
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَم يُعِدِ الوُضُوءَ. وَقَالَ
الحَسَنُ: إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ أَوْ أَظْفَارِهِ، أَوْ خَلَعَ خُفَّيهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَّيهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:
لَا وُضوءَ إِلَّ مِنْ حَدَثٍ. وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ نََّ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَرُمِيَ
رَجُلٌ بِسَهْم، فَنَزَفَهُ الَّمُ، فَرَكَعَ وَسَجَّدَ وَمَضى فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ الحَسَنُ: مَا زَالَ
المُسْلَمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِم. وَقَالَ طَاوُسٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيّ، وَعَطَاءٌ، وَأَهْلُ
الحِجَازِ: لَيسَ فِي الدَّم وُضُوءٌ. وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً، فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. وَبَزَقَ
ابْنُ أَبِي أَوْفَى دَماً فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَقَال ابْنُ عُمَرَ وَالحَسَنُ فِيمَنْ يَحْتَجِمُ: لَيس عَلَيهِ
إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ.
١٧٦ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ جِدَّثَنَا سَعِيد المَقْبُرِيِّ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ََِّّ: ((لَا يَزَالُ العَبْدُ فِي صَلَاَةٍ مَا كَانَ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ
الصَّلَاةَ، مَا لَمْ يُحْدِثْ))، فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْتُ،
يَعْنِي الضَّرْطَةَ. [الحديث ١٧٦ - أطرافه في: ٤٤٥، ٤٧٧، ٦٤٧، ٦٤٨، ٦٥٩، ٢١١٩، ٣٢٢٩، ٤٧١٧].
١٧٧ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّاد بْنِ تَمِيمٍ عَنْ
عَمِّهِ عَنِ النَِّّ ◌َِّ قَالَ: لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحًا)).
٣٧٣
كتاب الوضوء
شَرَعَ في النواقض ووافق فيها أبا حنيفة رحمه الله تعالى في مسِّ الذكر والمرأة ولم يَرَ
بهما وضوءاً. ووافق الشافعي رحمه الله تعالى في الخارج من غير السبيلين فلم يره ناقضاً. ثم
أَخَرَج آثاراً عديدةً ولا علينا أن لا نلتفتَ إلى جوابها، لأن جوابَ الآثارِ أن يُؤتى بآثار أخرى
تعارضها ولكنَّا نُجيبُ بخصوصها إن شاء الله تعالى. فلنتكلم أوّلاً على آية الوضوء يسيراً ثم
لنعرج إلى جواب الآثار.
فاعلم أنه يشكلُ على تكرارِ الآية الواحدة كآية الوضوء في المائدة والنساء، فإِنَّه لا فرقَ
بينهما إلا بلفظ منه في المائدة. ولا أجد التكرار مثله في باب الأحكام. نعم، قد يوجدُ في
القصص لمقاصد ومعاني ذكرها المفسرون، مع أنه راعى فيها التفنن أيضاً .
والذي تحصل لي في دَفْعِه: أن آية المائدة إنما نزلت لتعليم الوضوء عند القيام إلى
الصلاة، كما مرَّ أنَّ المطلوبَ في شريعتنا هو الوضوءُ لكل صلاة وإن كان فرضاً بعد الحدث،
وللتيمم عند فَقْدِ الماء. وآيةُ النساء نزلت لتعليم التيمم من الجنابة عند فَقْدِ الماء. ثم لمَّا كان
التيمم من الحدث الأصغر والأكبر سواءٌ، جاء الاشتراك في بعض الأشياء، وإلا فالآية الأولى
سيقت لبيان حكم الحدثِ الأصغر، والثانية لبيان الحدث الأكبر، وانجرَّ في ذيلهما ذكر بعض
أشياء تبعاً، وحينئذ لم يبق في التكرار قلق. وسيأتي بعض الكلام في باب التيمم.
ثم اعلم أنَّ الآية عند الشافعي رحمه الله تعالى أقامت أصلين في النواقض:
الأول: الخارج من السبيلين، وهو المُشار إليه بقوله: ﴿أَوْ جَّةَ أَحَدٌ مِّنَكُمْ مِّنَ الْغَابِطِ﴾
[المائدة: ٦] فنقَّح مناطه وقال: إنه الخروج من السبيلين.
والثاني: مسُّ المرأة وأَلحقَ به مسَّ الذكر أيضاً لكونهما من باب الشهوة.
وعند الحنفية المراد من المُلامسة هو الجماع، كما ذَهَب إليه ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما وعلي رضي الله تعالى عنه وغيرهما، واختَارَه البخاري وصرَّح به في التفسير، ولذا لِم
يُوجبِ من مسِّ المرأة والذكر وضوءاً. فالأصلُ عندنا واحدٌ، فإِنَّا فتشنا المناط في قوله: ﴿أَوْ
جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُم مِّنَ الْغَيِطِ﴾ فوجدنا المعنى المؤثرَ فيه خروجُ النَّجَاسة، ولم نجدْ للسبيلين أو
غيرهما تأثيراً. وإذا علمنا أنَّه المؤثرُ في زوال الطهارة أدرنا الحكمَ عليه. وقلنا: إن الخارجَ
النجسَ ناقضٌ مطلقاً .
وبالجملة حمل الشافعي رحمه الله تعالى الملامسةَ على مسِّ المرأة، فَكَان المسُّ عنده
ناقضاً بالنص وأَلحقَ مسَّ الذكر من الحدث. ونحن جعلنا الخارجَ من السبيلين ناقضاً بالنص
وألحقنا به الخارجَ من غير السبيلين بالحديث. غير أنَّ الثاني أخف عندي بالنسبة إلى النوع
الأول وإن لم يصرح به فقهاؤنا. وذلك لما ثبت عندي اختلاف المراتب تحت شيء واحد
وسنقرره عن قريب.
ومذهب الحنفية قوي. إنْ شاء الله تعالى - دِرَاية، ورواية. ويشهد له ما أخرج الترمذيُّ من
حديث نقض الوضوء من القيء وسكت عليه، وصححه ابن مَنْده الأصْبَهاني، وأوَّله الشافعي
رحمه الله تعالى وقال: إن المرادَ من الوضوء غَسْل الفم، وهو كما ترى. ثم قال الترمذي: وقد
٣٧٤
كتاب الوضوء
رأى غير واحدٍ من أهلِ العلم من أصحاب النبي بَّه وغيرهم من التابعين الوضوءَ من القيء
والرُّعَاف، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: ليس
في القيء والرُّعاف وضوء، وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله تعالى انتهى.
وقال الخَطَّابي في ((معالم السنن)): قال أكثر الفقهاء: سيلان الدم من غير السبيلين ينقض
الوضوء. وهذا أحوط المذهبين وبه أقول اهـ. فعُلِم أن مذهبَ الحنفية هو ما اختاره أكثر
أصحابه ◌َّ ولا حاجة لنا بعد ذلك إلى تَجَثُّم استدلال.
ولكِنَّا نقول: إنَّ لنا ما أخرجه الحافظ الزَّيْلَعي من «كامل بن عَدي)): ((الوضوء من كل دم
سائل)). إلا أن في النسخة سهواً من الكاتب فكتب: محمد بن سليمان وهو غير معروف، وبعد
التصحيح هو: عمر بن سليمان وقد حررته في محله. وفيه أحمد بن الفرج وقد أخرج عنه أبو
عَوَانة في ((صحيحه)) فصار الحديث قوياً.
وكذلك حديث آخر في البناء رواه ابن ماجه والدارقطني: ((من أصابه قيء أو رُعَاف أو
مَذْي فلينصرف وليتوضأ، ثم لْيبْنِ على صلاته)) ... إلخ والأصحُّ عندي أنه مرسل وإن تعقب
عليه المارديني، ومالَ إلى رفْعِهِ، وفي التخريج للزيلعي أنَّه صحيح، ولعلَّه سهو من الكاتب،
لأنَّ نسخته مملوءة من الأغلاط، فكان في الأصل غير صحيح فحرَّفه، لأن الأصح هو
الإِرسال. والمرسلُ حجةٌ عند الأكثر سيما إذا التحق به فتاوى الصحابة رضي الله تعالى عنهم،
كما في الزُّرْقَانِي وظَهَر به العمل.
ثم الأظهر عندي: أَنْ يُرادَ من الملامسة المباشرةُ الفاحشة، فيدخلُ فيها الجماعِ، بل لفظ
الملامسةِ أصدقُ على المباشرة مما قالوه. وحينئذٍ صارت الملامسةُ أيضاً أصلاً مستقلاً،
كالخروج من السبيلين، فإِن الغُسْل بالجماع لا ينوط بالإنزال، فلا يقال: إن الجماع ليس أصلاً
مستقلاً، بل هو داخلٌ تحت الخارج من السبيلين.
وعلى هذا التقرير لا يردُ ما أورده الشيخ ابن الهُمَام على مذهب الشيخين: أنهما قالا : إنَّ
المباشرةَ الفاحشة ناقضة مطلقاً، سواء خرج منه شيءٌ أو لا، وعللوه أنَّ المباشرة الفاحشة لمَّا لم
تخلُ عن خُروج شيء في غالب الأحوال أُقيم غلبة الظنِّ فيها مُقَام خروجه، فقال الشيخ
رحمه الله تعالى: إنَّ هذا الاعتبار إنَّما يناسب فيما لا يمكنُ إليه النَّظر بالحس، وههنا أمكن
تحقيقهُ بالمشاهدة، فينبغي أن يُدارَ الحكمُ على حقيقة الخروج كما ذهب إليه محمد رحمه الله
تعالى .
قلت: والراجح عندي مذهب الشيخين، لأن نقضَ الوضوء من المباشرة الفاحشة ليس لِمَا
فَهموه، فإنه يرجعُ حينئذ إلى الأصل الأول، بل هي داخلة عندي تحت الأصل الثاني، فهي من
جُزْئيات المُلامَسَة.
ثم اعلم أني أردتُ من المُلامَسة: الجماعَ، والمباشرةَ، الفاحشة كليهما، على طريقٍ
إِطلاقِ الشيء وإرادة بعض ما صدقاته وبعضُ مراتبه. فالجماعُ من أعلى مراتبه، والمباشرةُ من
أدناه وأخذُ جميع المراتب غير لازم، ليقال: إِنَّه يلزم عليه كونُ مس المرأة أيضاً ناقضاً، لأنَّ
٣٧٥
كتاب الوضوء
الشافعية أيضاً لم يأخذوا بجميع مراتبها، وقيدوها بباطنِ الكفّ ويكونها بدون حائل.
وهذا بابٌ غَفَلَ عنه النَّاس، فإن الشريعةَ تَرِدُ بشيء وتبقى مراتبُها تحت مراحل الاجتهاد،
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُواْ الْنِسَآءَ فِى الْمَحِيضِّ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فمن
أخذَه بجميع مراتبه، ومن ذهب إلى وجوبِ الاعتزال وحُرْمة القربان مطلقاً، ولكنهم أقاموا فيه
المراتب .
فقال قائل: إنَّ المراد منه أدنى مرتَبةُ الاعتزال، وهو الاعتزال عن موضع الطَّمْث.
وقال آخر: بل هو فوقه، فأراد من السُّرة إلى الركبة، وللغفلة عن هذا اضطروا إلى
التأويلات في كثير من المواضع، كقوله: ((المؤمنُ لا يَنْجَس))، ((وإن الماء الطهور لا يُنَجِّسُه
شيء)) ولو تركوا المراتبَ على الاجتهاد لَمَا احتاجُوا إليه، فسلبُ النجاسة عنه في مرتبة دون
مرتبة، وهو معنى قول الطحاوي: أي كما زعمتم، أي ليست نجاستُه بهذه المثابة، وهذه
المرتبة .
وهكذا أقول في مسألة الاستدبار والاستقبال تكلموا عليه من الجانبين وأطالوا الكلامَ،
وحقيقة الأمر أن الشريعةً لم ترد فيها بمراتب النهي، فالمطلوب أن لا يتوجه الإِنسان إلى القبلة
عند الغائط أما أنَّ أي مرتبة من التَّوقِّي مطلوبٌ فلم يتعرَّض إليه الشارع وتركه تحت الاجتهاد.
وهكذا لا تردُ الشريعة إلا بالأمرِ والنهي، ولا تُعَرِّج إلى مراتبه أصلاً، بل يفوضه تحت
الاجتهاد. فيجيء أحدٌ من الأئمة ويقول: إنه واجبٌ، ويقول آخر: إِنه مستحب، وكذا يقول
هذا: إنه حرام، ويقول هذا: إنه ليس بحرام. ووجه الاختلاف ما نبَّهناك عليه، فإِذا لم تَرِد
مراتبُ الشيء مصرحة من جهة الشرع لا بد لهم أن يختلفوا فيه. ومن ههنا عُلِم ضرُورَة
الاجتهاد، فإِنه لولاه لما علمنا مَرَاتب الشيء، ولا أدركنا غَرَضَ الشارع، فإن الشارع إذا تركه
ولم يعرج إليه، فإِذن ليس من يُنَبِّهنا إلا المجتهد.
ولعلك ما دريتَ فِقهه بهذا القَدْر من البيان، وتحتاجُ إلى مزيد التِّبْيان. واعلم أنَّ هناك
وظيفتان :
الأولى: وظيفةُ الواعظِ المذكّر، فإِنَّه يحرِّض على العمل ويرغِّب إليه، فيختار من
التعبيرات ما يكون أدعى لها، ولا يلتفتُ إلى تحقيق المسألة واستيفاءٍ شَرَائطها وموانعها، بل
يرسل الكلام، فَيَعدُ ويُؤْعِد، ويرغِّب ويرهِّب مطلقاً، ويأمر وينهى، ولا يلتفت إلى مزيد
التفاصيل.
والثانية: وظيفةُ المعلم والفقِيه، وهو يريدُ تلقينَ العلم وبيان المسألة. إما العمل بها
فبمعزلٍ عن نظره، فيحقق البيانَ ويدقق الكلام ويستوفي الشروطَ ويختارُ من التعبيرات ما لا
يكونُ مُوهِماً بخلاف المقصود، بل يكون أدلَّ عليه وأقربَ إليه، فلا يرسل الكلام بل يذكرُه
بشرائطه ويَعِدُ ويُوعِد ويرغِّب ويرهِّب بشرائطه .
فهاتان وظيفتان ومنصب الشارع منصبُ المُذَكِّر قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ
[الغاشية: ٢١، ٢٢] وليس له منصبُ المعلم فقط، فهو مذكِّرٌ ومعلمٌ
٢٢)
◌َّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ
٣٧٦
كتاب الوضوء
معاً، فوجب أن يعبِّر بما هو أدعى للعمل، وأبعد عمَّا يوجب الكسل. وهذا هو التعليم الفطري،
فإِن أكثر تعليماته مه مستفادٌ من عَمَلِهِ، فما أمر به الناسَ عمل به أولاً، ثم تعلم منه الناس.
ولذا لم يحتاجوا إلى التعليم والتعلم. ولو كان طريقُه كما في زماننا لما شاع الدِّين إلى الأبد
ولكنه عَلَّمَ الناس بعمله، ثم إذا قال لهم أمراً اختار فيه الطريقَ الفطري أيضاً: وهو الأمر
بالمطلوب والنَّهي عن المكروه ولم يبحث عن مراتبه. قال الله تعالى: ﴿وَمَاءَنَّكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧] فهذا هو السبيل الأقوم.
أما البحث عن المراتبٍ فهو طريقٌ مستحدَثٌ، سلكَه العلماء لفسادِ الزمان. وأما الصحابة
رضي الله عنهم فإنَّهم إذا أمروا بشيء أخذوه بجميع مراتبه، وإذا نُهُوا عنه تركوه بالكلية، فلم تكن
لهم حاجة إلى البحث. ولو كان الشارعُ تعرَّض إلى المراتب لفاته منصبُ المذكِّر، ولانعدمَ
العمل، فإِنه إذا جاء البحثُ والجدلُ بَطَل العمل.
مثلاً لو قال تعالى: فاعتزلوا النساء عن موضع الطَّمْث ولا تقربوه فقط واستمتعوا بسائر
الأعضاء، لربما وقع الناس في الحرام، لأنَّ مَنْ يَرتعُ حول الحِمى يُوشكُ أن يقع فيه، وإنَّما
أخذَ الاعتزال في التعبير ليكون أسهلَ لهم في العمل، ولا يقعوا في المعصية.
وكذلك إذا أحب أمراً، أمر به مطلقاً، ليأتمر به النَّاس بجميع مراتبه، ويقع في حيز
مرضاة الله تعالى مثلاً، قال: من ترك الصلاة فقد كَفَرَ، ولم يقل فَعَلَ فِعْلَ الكفر، أو مُستحِلاً،
أو قارب الكفر، مع أنه كان أسهلَ في بادىء النظر، لأنه لو قال كذلك لفات غرضُه من التشديد
ولانعدم العمل، ولذا كان السلف يكرهون تأويله.
فالحاصل: أنه إذا يأمرنا بشيء فكأنه يريدُ العملَ به بأقصى ما يمكنُ، بحيث لا تبقى مرتبةٌ
من مراتبه متروكةً، وكذلك في جانب النهي، ولذا كان يقول عند البيعة: ((فيما استطعتم)) فبذل
الجُهد والاستطاعة لا يكون إلا إذا أجملَ الكلام وإذا فصَّل يحدثُ التهاون كما هو مشاهد في
عمل العوامّ وعامة العلماء. أما الذين لهم وَجَاهةٌ عند الله، وقَبُولٌ في جَنَابِهِ، فهمُ الذين لا
تُلْهِيهم تجارةٌ ولا بيع عن ذكر الله.
فإِن كنتَ هيناً ليناً تستطيعُ أَنْ تقبلَ ما ألقينا عليك من هذا التحقيق، فاعلم أنَّ القرآن أخذَ
الملامسة في العُنوان، وهي تتناولُ مسَّ المرأة أيضاً .
لكنَّه لما كان في أدنى مرتبة منه حكمنا باستحباب الوضوء منه، ولم نقل بالوجوب،
بخلاف المُبَاشرة الفاحشة فإِنها أشد، فقلنا بإِيجاب الوضوء منها، وبخلاف الجماع فإِنَّه أشدُّ من
الكل فقلنا بإِيجاب الغُسْل.
والحاصل: أن إرادة المس باليد في مرتبةٍ تناول اللفظ، وإرادة المباشرة في مرتبة
الغرض، يعني أن اللفظَ وإن كان يتناولُ المسَّ باليد أيضاً إلا أن الغَرَض منه هو الجماع
والمباشرة، التي هي عبارةٌ من تماسِ الفرجين. ولمَّا لم يكن المسُّ باليد مراداً - وإن كان من
متناولات اللفظ - حكمنا بكونه ناقضاً في أدنى مرتبة، وأوجبنا الوضوءَ منه على خواصِّ الأمة،
ومثله قلنا في لحوم الإِبل وما مسَّت النار. وعلى هذا فقد عملنا بالآية بجميع مراتبها. نعم؛
٣٧٧
كتاب الوضوء
فرقنا في حكمها بالشدة والضَّعف، ويمكن أن يدخلَ في جُزْئيات المباشرة ما كان عليه العمل
في ابتداء الإِسلام، أعني: الماء من الماء.
ثم اعلم: أنَّ الشريعةَ قد تدل على هذه المراتب بصنيعها ولا تفصحُ عنها، ولكنَّها تُفهمها
بعرض الكلام وأطرافه، ومن جهة القرائن، فتنهى عن شيء ثم قد تردُ بفعله تارةً، فيحدثُ
التعارض في بادىء النظر. والوجه أنه يريد أن لا يرتكبه الناسُ ويجتنبوا عنه، ومع ذلك يريدُ
بيان المسألة والجواز، فيرد بالفعل تارةً ليُعْلَم جوازه. وهذا كالاستدبارِ نهى عنه الشرعُ كما نهى
عن الاستقبال. ثم رُوي عنه الاستدبار عن ابن عمر رضي الله عنه كما فهمه الشافعية. وهذا
ليُعلَم أن كراهيةَ الاستدبار دون كراهية الاستقبال، مع أن المطلوبَ التجنب عنهما، إلا أن
الاستدبار متحملٌ في بعض الأحوال. ونظائرهُ كثيرةٌ وسنعود إلى إيضاحه في باب ما يستر من
العورة بأبسط من هذا.
وبعد هذا التحقيق لم يبق تكرار في قوله: ﴿جُنُبًّا﴾ وقوله: ﴿لَمَسُْ﴾ على أنَّ ذكر
الجَنَابة والسُّكر في صدر الآية لكونهما منافيين للصلاة، ثم ذكر حُكمَ الاغتسال، ثم كرر:
﴿لَمَسْنُمُ﴾ لبيان التيمم، فاندفع إشكال الطبري.
قال ابن الهُمَام: وإنَّما ناسب حملُ اللمس على معنى الجماع ليكونَ بياناً لحكم الحدثينِ
عند عدم الماء، كما بيَّن حكمهما عند وجوده. فإن قلت: فما تقول في القهقهة فإنه ليس داخلاً
في الأصلين مع أنكم قلتم بوجوب الوضوء منه.
قلت: التحقيق عندي أن إيجابَ الوضوءِ منه ليس لكونه ناقضاً بل تعزيراً كما في ((البحر)):
أنَّ في الوضوء من القهقهة قولان: الأول أنه تعزيرٌ فقط. وفرّع عليه أنه لو قهقهه رجلٌ في
الصَّلاة فوضوؤه باطل في حق الصَّلاة فقط، على أنَّه صح فيه مرسلُ أبي العالية عند الدار قطني
وإن وَصَلَهُ الثقات، إلا أن الوجدان لا يحكمُ بوصله، فيمكنُ أن يكونَ وَهماً. واختاره الأوزاعي
أيضاً. ومن ههنا اندفع إيرادُ الزيادة على الكتاب بالخبر، فإِنّ القهقهة ليست داخلة في شيء من
الأصلين اللذين ذكرهما النَّص في باب النواقض.
فإن قلت: إنه لا مناسبةً بين المرضِ والسفر، والإِتيان من الغائط واللمس، فإن الأوَّلين
من الحالات التي يتعسرُ فيها القدرةُ على الماء، والأخيران من النواقض، فكيف ناسبَ عدهما
في سياق واحد؟ قلت: وإنما حَسُن سردُها في سياق واحد لدخولها كلها في حُكْم التيمم، فإِن
قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ﴾ [المائدة: ٦] يشمل الكلَّ، سواء كان مريضاً أو مسافراً أو آتياً من الغائط
أو جنباً، فإِن هؤلاء كلهم إذا لم يَقْدِروا على الماء لفَقْدِه أو لعدم القدرة على استعماله، فإِنَّهم
يتيممون على أنه جَمَعَ العذرين والناقضين، فكأن جمع هذا وهذا وهو لطيف.
(قال عطاء) وكذا المسألةُ عندنا.
وقال جابر رضي الله عنه: ((إذا ضَحِكَ في الصَّلاة أعاد الصلاة ولم يعد الوضوء)). قلت:
وعنه عند الدارقطني: ((من ضَحِكَ منكم في صلاتِهِ فليتوضأُ وليُعد الصَّلاة)) وتكلَّمَ عليه
الدار قطني، على أن الوضوءَ عندنا في القهقهة فقط. والحق إنَّ جابراً لا يوافقنا.
٣٧٨
كتاب الوضوء
قوله: (وقال الحسن) وكذلك المسألة عندنا، إلا أنَّه إذا نَزَع خُفية يغسل رجليه فقط، ولا
يعيد الوضوء.
قوله: (وقال أبو هريرة): قلت: وعنه في تفسير الحديث أنَّه (١) ... البخاري فيخالف
البخاري أيضاً، لأنه أخصُّ من الخارج من السبيلين أيضاً، فإِذن هو نحو تعبير فقط.
(ويذكر عن جابر رضي الله تعالى عنه) ... إلخ وأخرجه أبو داود وإنما عبّر عنه بالتمريض
لأنَّ في إسناده عبد الله بن محمد بن عَقيل. وحسَّنَ بعضُهم حديثَه وهو الراجح عندي. قال
الترمذي: وعبد الله بن محمد بن عَقيل هو صدوق، وقد تَكَلَّم فيه بعض أهل العلم من قِبَل حفظه
وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحُميدي يحتجون
بحديث عبد الله بن محمد بن عَقيل. قال محمد وهو مُقارِبُ الحديث.
قلت: والاستدلال منه غير تام، لأنَّه لم يَعلم أنَّه هل بَلَغَ خبرُه إلى النبي ◌َّأم لا؟ ثم إن
الدم نجس بالاتفاق، فكيف مضى في صلاته مع وجود الدم النجس. قال الخَطّابي في باب
الوضوء من الدم في قصة رجلين كان النبي وَّ بعثهما للحراسة على فم الشِّعب. وقول الشافعي
رحمه الله تعالى قويٌّ في القياس، ومذاهبهم أقوى في الاتباع. ولست أدري كيف يصح هذا
الاستدلال من الخبر والدم إذا سالَ أصاب بدنَه وجلدَه، وربما أصاب ثيابه، ومع إصابته شيء
من ذلك - وإن كان يسيراً - لا تصح الصَّلاة عند الشافعي رحمه الله تعالى، إلا أن يقال: إن الدمَ
كان يخرجُ من الجِراحَة على سبيل الذوق، حتى لا يصيبُ شيئاً من ظاهر بدنه، ولئن كان كذلك
فهو أمر عجب.
والوجه عندي أنه كان إبقاءً للهيئة المحمودة رجاءً للرحمة، فإنَّ الشهيد يجيءُ يوم القيامة
واللونُ لون الدم والريحُ ريحُ المسك، فهذا من باب المناقب كالموت في السجدة. وكما في
البخاري في قِصة شهادة القرَّاء، حيث استشهد رجلٌ من أصحابه {ََّ فخرجَ منه الدِمُ فأخذ من
دمِهِ وجعل يمسَحَه على وجهه ويقول: فُزت ورب الكعبة. ولم يبحث هناكَ أحدٌ أنَّ مسحَ الدم
على الوجه كيف هو. وكقوله في رجل مات في إحرامه: ((لا تخمِّرُوا رأسَه .... فإِنَّه يُبعث يوم
القيامة مُلبياً)) فإنَّه من باب البِشارة. وحملَه الخصومُ على الحكم الفقهي وليس بجيد وسنقرِرُه في
موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: (وقال الحسن) ... إلخ أي البصري ويمكنُ أن يُحمل على مسألة المعذورِ عندنا
وهذه المسألةُ ذكرها الكبير أحسن من الكل. ثم إنهم ذكروا مسألة ابتداء العُذر، أي متى يصير
معذوراً وهو بإحاطة الوقت، ومسألة بقائه وهو بظهوره مرة في وقت الصَّلاة، ولم يتعرضوا إلى
أنَّه ماذا يفعل في ابتداءِ عُذْرِه، فهل ينتظر إلى أَنْ يمضي الوقت فيتبين أنَّه كان معذوراً أولا، ثم
يُصلي ويقضي ما فاته، أو يتوضأ ويصلي قبل التَّبيُّنِ ولم أرها إلا في ((القنية)) وفيها: أنَّه يتوضأ
ويصلِّي مع عُذْرِهِ، فإِنْ أحاط عذرُه بالوقتِ صحت صلاته وإلا فيُعِيدُها .
(١) سقطت ههنا من الضبط كلمات ففات الغرض من الحوالة (المصحح).
٣٧٩
كتاب الوضوء
قوله: (قال طاوس) ... إلخ ولعلَّهَ دُ المعذورُ، أو دم غيرُ سائلٍ، كما قال الحسن على
ما عند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: ((أنه كان لا يرى الوضوء من الدم، إلا إذا كان سائلاً)).
قوله: (وعَصَر ابن عمر) .. إلخ وليس فيه أنَّ خَرَجَ إلى موضعٍ يلحقه حكم التطهير أم لا؟
مع أنَّه فرَّق بين الخارج والمُخرَج كما في ((الهداية).
قوله: (وبزق ابن أبي أَوْنَى دماً) ... إلخ، وهكذا عندنا إذا لم يكن الدم غالباً على
البُزَاق .
قوله: (وقال ابن عمر رضي الله عنه) قلت: وليس فيه أنَّه في أحكام النجاسة أو الصلاة،
لأنَّكَ قد عَلِمتَ أن الأحسنَ عند الشرع هو إزالة النجاسة على الفور دون التَّطُخ بِها. فالوضوء
من المَذْي، والمضمضةُ من اللبن، وكذلك غَسل المَحَاجم كلها ليس من أحكام الصلاة عندي،
بل المقصود منها الإتيان بها على الفور. وقد تحقق عندي أن التلُخَ بالنجاسات يوجِبُ نقصاً
في العبادات في نظر صاحب الشرع، فقال هلير: ((أفطر الحاجِمُ والمحجوم)) لهذا النقيصة
والوضوء من الرُّعَاف والقيء، وترك الصيام للحائضة كلها لهذا المعنى، والله تعالى أعلم.
وسنقرره في الصيام.
١٧٨ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنذِرٍ أَبِي يَعْلَى
الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ قَالَ: قَالَ عَلِيٍّ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءَ، فَاسْتَحْيَيثُ أَنْ أَسْأَلَ
رَسُولَ اللَّهِ ◌َّةِ، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: ((فِيهِ الوُضُوءُ)). وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ
الأَعْمَشِ.
١٧٨ - قوله: (حدثنا قُتيبة) ... إلخ وفيه الوضوء فهو من أحكام المَذْي عندي، فيستحب
له أن يَغْسِلَ ذَكَرَه عقيبه. ولمَّا كان أكثر أحكام الفقه يتعلق بالحلال والحرام، خفي ذكرُ هذه
الآداب، واقتَصرَت هذه الأبواب كلها على وقت الصلاة. ولعل الوجه فيه أن المنيَّ لمَّا كان من
الشهوة القوية أوجب منه الغُسْل، وهذا من الشهوة الضعيفةِ فأوجبَ فيه الوضوءَ وغَسْل المذاكير
فقط .
وما ذكره الطحاوي: أنَّه كان للعلاج، لم يرد به العلاج الطبي، بل دُفِعَ تذرِيقهِ في الحالة
الراهنة، كما في الجديث من الغسل والجلوس في المِرْكن للمستحاضة، فإِنه أيضاً مؤثرٌ في
تقليل الدم. وهذا يَدُلك ثانياً على أن تقليلَ النجاسة وعدم التلطخ بها مطلوبٌ في حدّ ذاته .
١٧٩ - حدّثنا سَعْدُ بْنُ حَفصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ
عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ زَيدَ بْنَ خَالِدٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قلتُ: أَرَأَيتَ إِذَا جامَعَ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ.
قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنَ رَسُولَ اللَّهَِِّ. فَسَأَلتُ عَنْ ذلِكَ عَلِياً، وَالزُّبَيرَ، وَطَلحَةَ،
وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَأَمَرُوهُ بِذلِكَ. [الحديث ١٧٩ - طرفه في: ٢٩٢].
١٧٩ - قوله: (حدثنا سعد) ... إلخ أقول: والإِجماع منعقدٌ على إيجاب الغُسل بمجاوزة
٣٨٠
كتاب الوضوء
الخِتَانين، فلعل مراد عثمان أنه يتوضأ في الحالة الرَّاهنة ليتخفَّفَ أثرُ الجنابة، ولا يريدُ به نفيَ
الغُسْلِ رأساً فإنَّه ضروري. وإنما تعرَّض إلى أمر زائد. كيف وقد صحَّ عنه فتوى الغُسْل. ويمكن
أن يُحمل على زمانٍ لم يكُن حَصَلَ عليه الإِجماعُ، حتى إذا جَمَعَ عمرُ رضي الله عنه الناس
وأعلنَ أنه من يعملُ بعده بحديث: ((الماء من الماء)) يُعَزِّرْه، فلا يُمكِن أن يقولَ به. ولذا قال
الترمذي بعد إخراج حديث الجمهور: وهو قول أكثرِ أهلِ العلم من أصحاب رسول الله وَّةٍ وعدّ
منهم عثمان رضي الله عنه أيضاً، على أن أحمد رحمه الله تعالى كان يعلله، كما في ((الفتح)).
قوله: (كما يتوضأ للصَّلاة) وهذا يُشير إلى أنَّ للوضوء أقساماً في ذهن الراوي، ولذا فيَّده
وقد ثبت نحو من الوضوء عند الطحاوي عن ابن عمر رضي الله عنهما: وهو وضوءُ مَنْ لم
يحدث. وعند مسلم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ◌َّ للنّوم. وهو أيضاً ليس
بوضوءٍ تام. وإذا ثبتت أقسامٌ في الوضوء فلا بُعْد أن يكون النبي وَلّ التزم لنفسه نوعاً منه لردّ
السلام أيضًاً، كما في قصة مهاجر بن قُنْفُذ: ((إني كرهت أن أذكر الله إلا على طُهْر)) والكلام فيه
طويل. وسَيجيء مفصلاً إن شاء الله تعالى.
١٨٠ - حدّثنا إِسْحاقُ هو ابن منصور قَالَ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ
الحَكُم، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌َ﴿ أَرْسَلَ إِلَىَ
رَجُلٍ مِّنَ الأَنْصَارِ، فَجَاءَ وَرَأْسَّهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َلِ: (لَعَلَّنَا أَعْجَلنَاكَ؟)) فَقَال: نَعَمْ،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((إِذَا أُعجِلتَ أَوْ قُحِظْتَ فَعَلَيَكَ الوُضُوءُ)).
تَابَعَهُ وَهْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ أَبُوعَبْدِ اللَّهِ: وَلَم يَقُل غُنْدَرٌ وَيَحْيِى عَنْ شُعْبَةَ:
((الوُضُوءُ)).
١٨٠ - قوله: (أعجلت) "تعجيل هو كئى تجهير" .
١٨٠ - قوله: (قحطت) من القحط "باني نه نكلا" وهو مفصلٌ عند مسلم: وهو دليلٌ
صريحٌ على أنَّ قوله: ((الماء من الماء)) كان في اليقظة لا في النوم، كما عن ابن عباس رضي الله
عنهما أنَّه في الاحتلام. وقد مرَّ منَّا تأويله في المقدمة.
٣٦ - باب الرَّجُلِ يُوَضِّىءُ صَاحِبَهُ
١٨١ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ سَلام قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ
مُوسى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ◌َِّ لَمَّا
أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ، عَدَلَ إِلَىْ الشِّعْبِ، فَقَضَىَ حَاجَتَهُ. قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيدٍ: فَجَعَلتُ أَصُبُّ
عَلَيهِ وَيَتَوَضَّأُ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: ((المُصَلَّى أَمامَكَ)).
يعني هل يجوز الاستمداد في الوضوء؟ فأجاز الحنفية الصبَّ ومثله دون الدَّلك، فهذا
أيضاً من باب إقامة المراتب، فأجازوا بعضها ومنَعوا عن بعضها. ثمَّ إن النبي ◌ِّ توضأ بعده في
المُزْدَلفة أيضاً، ولا بأس إذا كان بعد تبدُّل المجلس .