النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
كتاب الوضوء
وأما حديث جابر رضي الله عنه ففيه بعض ما مرَّ في حديث ابن عمر رضي الله عنه، مع أنَّ
الظاهر أن رؤيته كانت في سفر من أسفارِه في الصحارَى دون البنيان، لأنه لم تكن له قَرَابة من
النبي وهل﴿ ليكون طَوَافَه على النبيِ وَيَ كأهل البيت، فالظاهرُ أَنْ يكون رآه في الصحارَى، وهذا
خلافُ ما رَامه الشافعية رحمهم الله تعالى.
وأجابَ عنهما بعضهم أَنَّ النبي ◌َّرَ كان أفضلُ من البيت قطعاً، فجاز له الاستقبال
والاستدبار خاصة، بخلاف سائر الأمة. قلت: ومما ينبغي أن يُعلم أن الطريقَ المختارَ عند
الجواب أن يُستشهدَ بأمر خاص رُوي في هذا الباب بعينه دون التمسكِ بالعمومات، وكونه وَّل
أفضلُ من البيت أمرٌ عامٌ، فالتمسك به على جواز الاستقبال والاستدبار غير مَرْضِي عندي ما لم
يؤت بخصائصه التي رُويت في هذا الباب بعينه، لأنه يجوز أن يقال: إن أفضليته إنّما ظهرت في
عالم التكوين، أما في المسائل فلم تظهر بعدُ، فإِنه مأمورٌ بالاستقبال كسائر الناس، وكثيرٍ من
أحكامه في التشريع مثل أمته.
فالوجه عندي في تقريره أنَّه محمولٌ على خصوصيتِهِ وَِّ، لكِنْ لا لكونه أفضل، بل لكونه
مختصاً ببعض الأحكام مِنْ هذا الباب. فإِذا علمنا خصوصيتَه في هذا الباب هَان علينا أن نحمل
استقباله أيضاً على الخصوصية. ومما وجدنا من خصائصه في هذا الباب ما في ((المواهب))،
ثم إن في الفرق بين الاستقبال والاستدبار معنًى صحيحاً يعرفه العامة، لأنَّ ما ينحطُ عند الاستدبار إنما ينحط إلى
الأرض دون جهة القبلة، بخلافه عند الاستقبال، ولأن قضاءَ حاجته والبيتُ يواجهه أبعدُ عن الاحترام مما إذا كان
يقضيها وهو يستدبره، وهذا معنًى صحيحٌ يفهمه كل ذي فطرة سليمة، ولذا مُنع عن البصاق نحو القِبلة، فإن البيتَ
يواجهه، والمناجاةً قائمةٌ بينه وبين القبلة، وعن مَسْح الحصى في الصلاة، لأنَّ الرحمة تواجهه، ففي المواجهة
معنى ليس في غيرها.
ومعنى قول ابن عمر رضي الله عنه: نهى عن ذلك مجهولاً. أنه ليس فيه عنده نهيّ صريحُ إنما هو اجتهاده من نظرةٍ
نَظَرَها إلى رسول الله بَّله وهو قاعد لحاجته. ولو كان عنده حديث مرفوع لأتى به لاسيما عند المعارضة، وإنما لم
يتعقبْه مروان بعدَه لأنه ليس من دأب السلف سيما بحضرة ابن عمر رضي الله عنه، فإنه صحابي جليل القدر ولعلك
علمتَ أن بناءَ المذهبِ على التشريع العام والقانون الكلي أولى من بنائه على واقعة أو واقعتين، فإن الوقائع الجزئية
لا تنكشف وجوهُها وأسبابها، وربما يكون تحت الأعذار، كما ثبت عنه أنه بال قائماً عند سُبَاطة قوم، فلم يذهب
أحدٌ إلى أن البولَ قائماً سنة.
فكذلك ينبغي أن لا يقال بجواز الاستدبار والاستقبال من جهة الوقائع الجزئية، بل الواقعةُ الواحدة فقط مع ورودٍ
ضابطةٍ كلية صحيحة صريحة في الباب، وهذا هو دأب الحنفية في جميع الأبواب، وهذا كمسألة البول، فإنهم لم
يختاروا طهارة أبوال مأكول اللحم نظراً إلى حديث العُرَنيين، فإِنه واقعةٌ جزئية، مع ورود التشديد في الباب،
فاختاروه وجعلوه مذهباً، وكذلك مسألة الفصلِ والوصلِ بين المضمضة والاستنشاق، لم يختاروا فيه الوصل
لحديث عبد الله بن زيد مع صحتة لكونه واقعة جزئية كا سيتضح، وذهبوا إلى حديث عثمان وعلي رضي الله
عنهما، وكذلك حديث القُلْتين رأوه كالواقعة الجزئية لكونه غير منكشف الوجه والسبب، فلم يجعلوه مداراً للطهارة
والنجاسة، بل طلبوا له مَخملاً صحيحاً، وكذلك، مسألة الأوقات المكروهة جعلوا الأحاديث الواردة فيها قدوةً لم
يستخفوها لأجل الوقائع الجزئية، وهكذا في غير واحد من المسائل.

٣٤٢
كتاب الوضوء
عن الدارقطني: أن عائشة رضي الله عنها سألت النّبي ◌َّةُ: إنا لا نجدُ في خلائك شيئاً يا
رسول الله قال: ((أَمَا تعلم أنَّ الأرض تبلغ عَذِرات الأنبياء)). وإسناده قوي بالمعنى -. وعند
الترمذي في المناقب أنه قال لعلي رضي الله عنه: ((لا يجوز لأحدٍ أن يجنبَ في المسجد غيري
وغيرك)) أي يمرُّ في المسجد جنباً، وحسَّنه الترمذي، وتصدى إليه ابن الجوزي فأدخله في
الموضوعات فَهْمَاً منه أن الروافضَ لما رأوا فضيلة أبي بكر رضي الله عنه في إبقاء خَوْختِهِ
خاصّة، أرادوا أن يخترعوا له خصوصية أيضاً، فوضعوا له هذا الحديث. وردّه الحفاظُ وقالوا:
الحديث قوي.
ثم ما زلت أتفكرُ في وجه الإباحة لهما خاصة وأقول: لعلهما لم يكن لهما طريق إلا من
المسجد. ثم رأيتُ في (السيرة المحمدية)) أَنَّ موسى وهارون عليهما الصلاة والسَّلام لمَّا بنيا
المسجد في مصر أعلنا أَنْ لا يَقْعُدَ في المسجد جنباً غيرهما، فتبين لي أنَّ جواز الدخول جنباً
مِنْ خصائص النبوة، ولذا تحت الخصائص ذكره صاحب ((السيرة)). وعلى هذا أقول: إنَّ
مرورَه ٤َّ من المسجد جُنباً أيضاً من هذا الباب، وليس من عدم وجدانه طريقاً آخر، وإنَّما
رّص لعلي رضي الله عنه مع عدم نبوته، لما في الصِّحَاح: ((أنت مِنِّي بمنزلة هارونَ من
موسى)) ... إلخ.
فلمَّا كان عليٍّ رضي الله عنه بمنزلة هارون منه أباحَ له أيضاً ما أَبيح له، ثم صرَّح بقوله:
((إلا أنه لا نبي بعدي))، أَنَّه لا ينبأَ بعده أحدٌ لئلا يُختَدَع منه دجَّال من أمته فيضل الناس بغير
علم، كما وقع لميرزا غلام أحمد القادياني فادَّعى النبوةَ وجعله أمه الهاوية. وتمسك من مثل
هذه الأحاديث مع صَدْعها بخلافه، لعنه الله.
ثم مسألةُ طهارة فَضَلَات الأنبياء توجد في كتُب المذاهب الأربعة، ولَكِنْ لا نَقْلَ فيها
عندي عن الأئمة إلا ما في ((المواهب)) عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى نقلاً عن العيني، ولكنِّي
ما وجدتُه في العيني. وفي ((كَنْزِ العمال)) أنَّ أجساد الأنبياء نابتةٌ على أجساد الملائكة. وإسناده
ضعيف. ومرادُه أن حالَ الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام في حياتهم كحال الملائكة، بخلاف
عامة الناس فإنَّ ذلك حالَهم في الجنة، فلا تكون فضلاتهم غير رَشَحَات عَرَقٍ .
والحاصل: أنَّ هذه عدة خصائصه تتعلقُ بأحكام الخَلاء جنساً أو نوعاً، فليكن الاستقبال
أيضاً من خصائصه كأخواته هذه، وهذه الطريق أقرب من ادِّعاء الخصوصية أوَّلاً، فإِنَّ الذهنَّ إذا
تصوَّر بعض خصائصِهِ من هذا الباب تيسر له أن يقيسَ عليها الأخرى ويُلحِقَها معها .
وأما حديث عِرَاك فقد استُشْكِلِ جوابهُ على النَّاس، فنازع بعضُهم في وصلِه وإرساله. فتُقل
عن ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) أَنَّ أحمد أَعَلَّهُ وقال: إن عِرَاكاً لم يسمع من عائشة رضي الله
عنها. وأجيبَ أن مسلماً أثبت سماعه وأَخْرَجَ في ((صحيحه)) حديثَه عن عائشة رضي الله عنها من
رواية يزيد بن أبي زياد مولى ابن عباس عن عِرَاك عن عائشة رضي الله عنها: جاءتني مسكينٌ
تحمِلُ ابنتين لها ... إلخ.
٠

٣٤٣
كتاب الوضوء
قُلْتُ: أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أولى بالاتباع في هذا الباب، فهذا الحديثُ وإن
كان صحيحاً عند مسلم لكنه معلولٌ عند أحمد. وقال الذهبي في ترجمة خالد بن أبي الصَّلْت:
إنهِ منكرٌ. وصَخَّحَ البخاري وقفَه، ثُمَّ إن خالداً هذا جعفر بن ربيعة الضابط والحجة في عِرَاك،
فإنَّه رواه عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تُنكر ذلك ولم يرفعه، وأوضح القرائن
على وقفِهِ أَنَّه حَدَثَ بمجلس عمر بن عبد العزيز، عن عِرَاك، عن عائشة رضي الله عنها فلم يَعمَل
به .
رواها الدارقطني من طريق هارون بن عبد الله، والبيهقي من طريق يحيى بن أبي طالب
كلاهما عن علي بن عاصم حدثنا: خالد الحَذَّاء، عن خالد بن أبي الصَّلْت قال: كنت عند
عمر بن عبد العزيز في خلافته وعنده عِرَاك بن مالك، فقال عمر: ما استقبلتُ القِبلة ولا
استدبرتُها منذ كذا وكذا، فقال عِرَاك: حدثتني عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين أن
رسول الله ◌ٍَّ لما بَلَغَهُ قولُ النَّاس في ذلك أمر بمقعدتِهِ فاستقبل القِبْلة، وهو عند الطحاوي
أيضاً. ومع ذلك لم يعمل به عمر بن عبد العزيز، حتى إن مذهبه أن التَّفْل في جهة القبلة حرام،
فكيف بالغائط! وما ذلك إلا أَنَّه رآه موقوفاً .
ثم إن الحديث أجنبي في الباب ولا يرتبطُ مما رُويَ عنه ◌َ﴿ في هذا الباب، لأنَّه لا
يخلو(١) إمَّا أَنْ يكون مقدَّماً على حديث أبي أيوب أو متأخراً عنه، فإنْ كان الأول فقد نَسَخَه
حديث أبي أيوب، وإن كان الثاني فلا معنى لإنكارِه عليهم بعد الأمر به بنفسه، ولا يتعقل عاقلٌ
أنَّ النبي ◌َلِّ نَهَاهم عن الاستقبال والاستدبار أولاً، ثم تعجّب عليهم حين امتثلوا بأمره وانتهوا
عن نهيه، فهذا الحديث يدل على كونه موقوفاً. وإِنما الأمر أنَّ عائشة رضي الله عنها هي التي
تعجبت من فعلهم، ثم أمرتهم بما أُمِرَت، وليس ذلك عن النَّبِيَِّهِ إِنْ شاء الله تعالى. ولعلّ
الدار قطني قد عدَّه من أفرادِهِ لمثل هذا(٢) .
(١) قال ابن حزم في ((المحلى)): إن حديث عِرَاك عن عائشة رضي الله عنها ساقط، ثم نوضح لما كانت فيه حجة لأن
نصَّه ◌ِّ يُبين أنه إنما كان قبل، لأن من الباطل المحالِ أن يكون رسول الله بَّ نَهَاهم عن استقبال القبلة بالبول
والغائط ثم يُنكر عليهم طاعة في ذلك. هذا ما لا يظنه مسلمٌ ولا ذو عقل. اهـ.
قلت: وحديث عائشة يدل على أن الكَنِيف في بيت رسول الله بَّه لم يكن مبنياً نحو القبلة، وإنما حوَّل بعد ما
(٢)
بلغه من الناس ما بلغ، والصحيح أنه حولته عائشة رضي الله عنها. لا يقال: إن حديث ابن عمر رضي الله عنه
أدل على مذهب الشافعية، لأنه يدل على أن الكنيف في بيت حفصة كان مبنياً قِبَلَ الشام، ويلزمُ للقاعِدِ عليه أن
يستدبر القبلة، فثبت الجواز في البُنيان.
قلت: وهل عندك فيه غير رؤية ابن عمر رضي الله عنه؟ وتلك أيضاً كانت مفاجأةً مع كونه محجوباً عليه بِلَبنَة،
فكيف يصلُح لك أن تبني عليها مسائل الحل والحُزمة، مع وجودٍ حديث في الباب مسفراً إسفارَ الصبح؟ فينبغي أن
يرجع في مثل هذه المسائل إلى الأقوى والأنص والأصرح، وقد أقر ابن حزم وابن القيم: أن جمهورَ الصحابة
والتابعين كانوا يختارون النهي مطلقاً وما نقله الحافظ رضي الله عنه من موافقة الجمهور إياه بعيد عن الصواب، إلاّ
أن يكون أراد من الجمهور جمهور الأئمة أي أكثرهم لا جمهور السلف. وصرح القاضي أبو بكر بن العربي في
(شرح الترمذي)) أن الأقرب والأقوى في الباب مذهبُ الحنفية.
-

٣٤٤
كتاب الوضوء
ثم اعلم أنهم اختلفوا في معنى النَّهي ما هو، ليُعلم أن التفصيلَ في النهي أولى أو
الإطلاق. فقال قائل: هو إكرام الملائكة وقيل: حرمة المصلين، وقيل: احترام القِبلة(١).
وأيَّد ابن العربي الثالث بخمسة أوجه ذَكَرها في الشرح مفصّلة. والظاهر أنَّ المعنى هو احترام
القِبلة، لأنَّه نص عليه من جانبه، وقال: لا تستقبلوا القبلة ... إلخ. فذكره بلفظه وأشار إلى
أن النهي لأجله، ولذا أباحهما، لأنَّ التغوطَ في هاتين لا ينافي معنى الاحترام، فقد أخذه
طرداً وعكساً وأدار عليه النهيُّ والإِباحة كيف والقِبلةُ يوجه إليها عند الصَّلاة، فلا يُستقبل بها
عند الغائط؟
ثم إنَّ العيني تمسّك للمذهب مما أخرجه ابن حِبَّان في ((صحيحه)) من حديث حذيفة
مرفوعاً: ((من تفل تُجاه القِيْلة جاء يوم القيامة وتفلُه بين عينيه)) وإذا كان حال التَّفْل هذا، فما بال
الغائط؟ قلت: وهذا المضمون يوجدُ في عامة الكتُب مقيداً بقيدِ الصَّلاة وفيه: «فإنَّ ربَّه بينه وبين
القِبْلة)) فتردد النظرُ فيه أنَّ هذه المعاملةَ دائمةٌ أو تقتصرُ على حال كونِهِ في الصَّلاة فقط؟ واختار
أبو عمرو أنَّه مستمر في جميع الأحوال.
ونقله الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)) واعتراه النسيان، لأنَّه يسقط به تفصيل الفيافي
والبُنيان، ويبقى النَّهي على إطلاقه كما كان. نعم، لو ثبت أنه مقتصرٌ على حين الصلاة فقط،
ولا يستمر في جميع الأحوال - لو هي استدلال العيني رحمه الله تعالى به والوجدان - يحكمُ أنه
مستمرٌ، لكنه لا نقل عندي. وليكن آخر الكلام أني لم أجد في أحدٍ من المرفوع التفصيل الذي
ذهب إليه الآخرون، غير ما في هاتين الواقعتين مع ما فيهما وقد علمت حاله.
١٤٤ - قوله: (شرِّقوا أو غربوا) واستنبطَ منه الغزالي أنَّ العالم منقسمٌ على الجهات
الأربعة، وأنَّ المعتبر في الاستقبال هو الجهة. قلت: مسألةُ(٢) استقبالِ الجهة أو العين لا ترجِعُ
إلى كثير طائل. ومبناها عندي على العُرف فقط دون الدقائق الهندسية، فإنهم قالوا: إن المعتبرَ
فيمن كان يشاهدُ البيتَ هو العين، ولمن كان بعيداً منه هو الجهة. ثم قالوا: إنَّ المعتبر في
المُسَامتة وصولُ خطٍ خارج من جهة المصلى إلى البيت، فما دام أمكنَ أن يصلَ خطّ بينه وبين
البيت تصح صلاته، وإلا لا. قلت: وهذا في حق البعيد، أمَّا من كان قريباً فيمكن وصولُ الخطّ
مع الانحراف أيضاً، مع أنَّه لا تجوز صلاته، فَآل الأمرُ إلى العِرفِ. وقد طالعت له أسفاراً
وزيراً. وما قاله المَقْرِيزي فلم أجد المقال يرجع إلى طائلٍ، فالتحقيق أنَّ الاستقبال لا يتوقف
على البراهين الهندسية، بل يرجع إلى العُرف.
(١) قلت: وقد ظهر اعتبارُه في الطواف عُريانا أيضاً، أعني به أن التعري إذا كان شنيعاً في جميع الأحوال، فإنه عند
البيت أشنع، وإذا كان التعري عنده أشنع، كان التخلي إليه أشنع بالأولى، وكأن هذا من مناسباته، والشيءُ،
بالشيء یذکر ولیس باستدلال.
(٢) ومن شاء تفصيل المسألة فليرجع إلى رسالة العالم الجليل المولوي محمد يوسف البنوري فإنه قد أتى فيها بما لا
مزيد عليه، وهي رسالة عزيزة جداً.

٣٤٥
كتاب الوضوء
١٢ - باب مَنْ تَبَرَّزَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ
١٤٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيِى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
إِنَّ نَاساً يَقُولُونَ إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ فَلاَ تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا بَيتَ الِمَقْدِسِ. فَقَالَ عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدِ ارْتَقَيتُ يَوْمَاً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَّنَّاَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ
مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ. وَقَالَ: لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِم؟ فَقُلتُ: لَاَ
أَدْرِيَ وَاللَّهِ. قَالَ مَالَكٌ: يَعْنِي الَّذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ، يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِفٌ
بِالأَرْضِ. [الحديث ١٤٥ - أطرافه في: ١٤٨، ١٤٩، ٣١٠].
١٤٥ - قوله: (يُصَلَّونَ على أَوْرَاكِهم) وهنَّ النِّساء، وهو كناية عن عدم عِلْمِه بالمسائل.
وتصدى الناس في بيان مناسبته مما قبله. قلت: إنه تعريض إلى وَاسع بن حَبَّان بأنك تتعجبُ من
جلوسي مستدبرَ القبلة، وإني رأيت رسول الله وَ﴾ مستدبراً قاعداً لحاجته، كما يتضح من سياق
مسلم، ولفظه عن واسع: كنت أصلي في المسجد وعبد الله بن عمر رضي الله عنه مسندٌ ظهرَه
إلى القِبلة، فلما قَضَيت صلاتي انصرفت إليه من شقي فقال عبد الله: يقول ناس ... إلخ. وقال
الحافظ رحمه الله تعالى: لأجل هذا الحديث أنَّ ابن عمر رضي الله عنه لعلَّه رأى منه في حال
سجودِهِ شيئاً لم يتحقق عنده، فقدَّمها على ذلك الأمرِ المظنون ولا بعدُ أن يكونَ قريبُ عهدٍ بقولٍ
من نَقَلَ عنهم ما نقل، فأحبَّ أن يعرِّفه هذا الحكم لينقله عنه، على أَنَّه لا يمتنعُ إبداء مناسبةٍ بين
هاتين المسألتين، بأن يُقال: لعل الذي يسجد وهو لاصقٌ بطنَه بوَرِكيه كان يظنُّ امتناعَ استقبالٍ
القبلة بفرجه على كل حال، فأشار ابن عمر رضي الله عنه إلى أنَّ السترَ بالثياب كافٍ، كما أنَّ
الجدارَ كافٍ في كونه حائلاً بين العورة والقِبلة. اهـ(١).
(١) قلت: والأسهل ما اختاره العيني في ((شرحه)) وحاصله: لعلك من الذين لا يعرفون السُّنَّة، إذ لو كنتَ عارفاً
بالسنةِ لعرفتَ جواز استقبال بيت المقدس، ولما التفتّ إلى قول القائلين بعموم النهي عن الاستقبال والاستدبار
في الصحراء والبُنيان. وإنما كنَّى عن الجاهلين بالسنة بالذين يصلون على أوراكهم، لأن المصليَ على الوَرِك لا
يكون إلّ جاهلاً بالسنة، لأن السنة في السجود هو الرفع. قوله: فقلت: لا أدري، أي قال واسع: لا أدري أنا
منهم أم لا: ولا أدري السنة في استقبال بيت المقدس؟ انتهى مع تغيير يسير.
وفيه بعد لأنه أراد من الناس في قوله: إن ناساً يقولون: إلخ أمثال أبي أيوب الأنصاري، وإنما يصحُ الكلام معهم
في إطلاق النهي في الصحراء والبُنيان أو اقتصارٍهٍ على الصحراء فقط، لا في بيت المقدس، مع أن كلام ابن عمر
رضي الله عنه ممن كان إنما كان في بيت المقدس دون عموم النهي فيما أردنا، ثم لم ينكشف عندي معنى قوله:
والله لا أدري، ولعله سقطت من البين قطعة من الكلام فليحرر والله تعالى أعلم.
ثم رأيت في تقرير الفاضل عبد العزيز مما ضَبَطَه من أمالي الشيخ رحمه الله تعالى أنَّ المقصود هو التجهيل فقط،
بأنك لست تعلمُ طريقَ السنة وإن لم تكن له مناسبة مما قبله. ثم رأيت في القَسْطَلَاني مثله وهذا نصه: ((لعلك من
الذين يصلون على أوراكهم)) أي من الجاهلين بالسنة في السجود من تجافي البطن عن الوَرِكين فيه، إذ لو كنت =

٣٤٦
كتاب الوضوء
١٣ - باب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى البَرَازِ
١٤٦ - حدّثنا يَحْيى بْنُ بُكَيرِ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيلٌ، عَنِ ابْنٍ
شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ بََّكُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللّيلِ إِذَا تَبَرَّزْنَّ إِلَىَ
المَنَاصِعِ، وَهُوَ صَعِيدٌ أَفيَحُ، فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ بَّ: احْجُبْ نِسَاءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ
اللَّهِ وَلَ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ نَلِّلَيلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتِ
امْرِأَةً طَوِيلَةٌ، فَنَادَاها عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفَنَاكِ يَا سَوْدَةُ، حِرْصاً عَلَى أَنْ يُنْزَلَ الحِجَابُ، فَأَنْزَلَ
اللَّهُ أَيَّةَ الْحِجَابِ. [الحديث ١٤٦ - أطرافه في: ١٤٧، ٤٧٩٥، ٥٢٣٧، ٦٢٤٠].
١٤٧ - حدّثنا زَكَرِيَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بََّقَالَ: ((قَدْ أُذِنَ أَنْ تَخْرُجْنَ فِي حَاجَتِكُنَّ)). قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي الْبَرَازَ.
قوله: (كن يخرجن) وعُلم منه أنهنَّ لم يكنَّ يخرجن في النهار قبل نزول الحجاب أيضاً.
وفي المقام إشكالات عديدة: الأول: أنه يُعلم من رواية الباب أنَّ سَوْدَة رضي الله عنها خرجت
قبل أن ينزلَ الحجاب، ثم قال عمر رضي الله عنه ما قال، وبعده نَزَلَ الحجاب، ويعلم مما
أخرجه المصنف رحمه الله تعالى في التفسير أنها خرجت بعد ما ضُرِب الحجاب، مع أنَّ الرواية
متحدةٌ متناً وسنداً. وأجاب عنه الحافظ بتقسيم الحجاب، فمنه ما يكون بإدناء النِّقَاب عند
الخروج وأُسمِّيه حجاب الوجوه. والثاني: أسميه حجاب الأشخاص. فما في الباب محمولٌ
على خروجها قبل نزول حجابِ الأشخاص، وما في التفسير محمولٌ على خروجها بعد نُزُولٍ
حجاب الوجوه فصحَّ الأمران.
قلت: ولي فيه نظر، لأنَّ حديثَ البابِ يدُل على أنَّ عمر رضي الله عنه كان يحب
التضييق، ولذا قال: قد عرفناكِ يا سودة رضي الله عنها حِرْصاً على أن يُنزلَ حكمُ الحجابِ
أضيقَ منه. وحينئذ فالظاهر من قوله: ((فَأَنْزَلَ اللهُ الحجاب)) أَنْ يكونَ نَزَلَ التضييق كما أراده،
لأنَّ الحجابَ يعدّه عمر رضي الله عنه مما وافق فيه ربه كما في البخاري، ومعلوم أنه لم يكن
يحبُ إلا التضييق، مع أنه نَزَل فيه التوسيع. وقال النبي ◌َّه ((قد أُذنَ لَكُنَّ)) ... إلخ. كما في
الرواية التي بعدها فهذا لا يرتبط من السياق، لأن قوله: ((فأنزل الله الحجاب))، يُشعر بنزول
التضييق والرواية الأخرى بعدها تدل على إذن الخروج، وكذا لا يلتئمُ بقول عمر رضي الله عنه:
وافقت ربي في الحجاب، فإِنَّ ربه خَالَفَه فيه ولم يُنزِل فيه التضييق كما أراد، فما معنى
الموافقة؟
فالوجه عندي أنَّ الراوي قدَّم وأَخَّر هنا في سرد القصة، والصحيح كما في التفسير أنَّها
ممن لا يجهلها لعرفتَ الفرقَ بين الفضاء وغيره، والفرقُ بين استقبال الكعبة وبيت المقدس قال واسع: فقلت: لا
=
أدري والله أنا منهم أم لا؟ أو لا أدري السنة في استقبال الكعبة أو بيت المقدس. اهـ. قال الشيخ رضي الله عنه:
وإنما قال واسع: لا أدري أدباً للصحابي.

٣٤٧
كتاب الوضوء
خرجت بعدَ نُزُول الحجاب. كان عمر رضي الله عنه يحبُّ حجاب الشخصِ فلم يوافقه الوحي
فيه، وإنما عدَّ الحجاب من مُوَافقاتِهِ لنزول حِصة منه على وَفْقِ رأيه. ثم إنَّ قوله ◌َِّ: ((قد أَذن
لُكُنَّ)) لم يكُن مستفاداً من الآية، بل لعله كان من وحي غير متلوٍ أو استنباط منه. ولذا لم يذكر
نزول آية هناك.
وسياقه في التفسير هكذا: عن عائشة رضي الله عنها قالت: خَرَجَتْ سَودةُ بعدما ضُرِبَ
الحجابُ لحاجتها .... فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة أما والله ما تخفَينَ علينا
فانْكَفَأت ... فقالت: يا رسول الله إنِّي خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر: كذا وكذا، قالت:
فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه ... فقال: ((إنَّه قد أُذِنَ لكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لحاجتكنَّ)) ففيه تصريح
بأنَّها خرجت بعد نزول الحجاب، وليس فيه أنَّه إذْنُ الخروج كان من وحي متلوٍ، بل يُمكِن أن
یکون من وحي غير متلو .
هذا هو الترتيب عندي، فاندفع منه إشكالُ التعارُضِ بين الروايتين، وكذا لم تبق في قوله:
((فأنزل الله الحجاب)) رِكَّة، لأنَّه مقدَّمٌ في الأصل وإنَّما أخره الراوي فأوهمَ رِكَّةً، وكذا لم يبق
في قوله: ((قد أُذِنَ لكُنَّ)) قلقٌ، لأنَّ الإِذن على هذا التقدير ليس مُستفاداً من جهة الآية شرحاً
لها، بل من جهة أخرى، بخلاف ما إذا كان الترتيب كما في رواية الباب، فإِنَّه يدل على أن
الإِذن مستفادٌ من آية الحجاب وأنَّ التوسيع من جهة الوحي فيوهم رِكَّةً، لأن السياقَ يوجبُ نزولَ
التضييق وكذا لا يرتبط مع قول عمر رضي الله عنه، فإِن قوله: إذا كان قَبْلَ نزول الحجاب كما
في هذه الرواية ونزول الحجاب بعده.
فالظاهر أنه نَزَلَ حَسَب رأيه وَوَافقَه الوحي فيه كما في البخاري عنه. وهذا كله لسوء
الترتيب، ولو كان الترتيبُ كما في التفسير لم يرد شيءٌ مِنْ هذا. ومن زَاول تصرفات الرواة لا
يستبعد ما قلنا. وأمَّا من كان عنده علم بدون تجربة فإنَّه يضيق منه، فليكُن هكذا فإِنَّه الأولى
بشأنه. وللحافظ رحمه الله تعالى أن يقول: إن قوله: ((فأنزل الله الحجاب)) إشارة إلى أن
الحجاب الذي نَزَلَ أولاً ولأجله عدَّه عمر من مُوَافقاته لا إلى الحجاب الذي نَزَل الآن، فإِنه لم
ينزل في هذه الواقعة حجاب الشخص كما كان عمر يحبه ولا شيء.
والإِشكال الثاني: أنَّ هذه الرواية تدل على أن الآيةَ نزلت في قصة سودة رضي الله عنها .
وما عنده في التفسير يدُل على أنها نزلت في وليمة زينب رضي الله عنها. قال الحافظ: إِنَّ هناك
واقعة أخرى أيضاً وكلها متقاربة وآخرها واقعةُ زينب رضي الله عنها، وفيها نَزَلت آية الحجاب،
إلا أنَّ كلَّها لما كانت متقاربةً نُسب نزولُها إلى هذه وهذه. قلت: والمتبادر من ألفاظ الأحاديث
نزولها في كل منها، لا أنها نزلت في واحد منها ثم نُسب نزولُها إلى الأخرى لتقاربها فلتكن ما
في قصة سودة رضي الله عنها غير ما نزلت في قصة زينب، إلا أنَّ الحافظ رحمه الله تعالى أتى
برواية صريحة أنَّ الآية التي نزلت في قصة زينب رضي الله عنها هي بعينها نزلت في قصة سَودة
رضي الله عنها، وإسناده لا بأس به.
ثم اعلم أنَّ المشهور بآية الحجاب هي التي نَزَلت في قصة زينب رضي الله عنها، يعني

٣٤٨
كتاب الوضوء
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُوْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ... إلخ. فلعلها هي
الدَّعامة في هذا الباب والبواقي تفاصيلها. وليعلم أن في قصة زينب رضي الله عنها أيضاً
إشكالاً، فعن أنس رضي الله عنه أن الحجاب نزل بعدما خرج القومُ حين أراد أنس رضي الله عنه
أن يدخلَ بيته الشريف. وعنه في تلك القِصة أنَّه نَزَل الحجاب ثم خرج القوم.
فإن قلت: إن الآية التي نزلت في واقعة زينب رضي الله عنها ليس فيها حجابُ الوجوه ولا
حجاب الشخص، بل فيها أمرٌ ثالثٌ وهو نهيُ الدخول عليهن. قلت: ويعلم منها بطريق العكس
نهي الخروج عليه مع استثنائه عند الحوائج (١) ثم اعلم أن هناك آياتٌ أخرى متعلقةٌ بمسألةٍ
الحجاب، فمنها: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَدِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] إلخ. فحكم الرجال والنساء
بغض البصر، ومِنها: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. ومنها: ﴿وَلْضْرِيْنَ
بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُيُوبِنَ﴾ [النور: ٣١] والجِلباب: هو الرِداء الساتر لجميع البدن، والخِمار: ثوب صغير
يُلقى على العمائم، وتجعله النساء على رؤوسهنَّ لستر الجيب.
فإن قلت: إن إدناء الجِلباب يُغني عن ضرب الخُمُر على جيوبهن. قلت: بل إدناء
الجِلباب فيما إذا خرجت من بيتها لحاجة، وضرب الخُمُر في عامة الأحوال، فضرب الخُمُر
أيضاً محتاج إليه. ومنها: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] إلخ. قيل: الزينة هي الوجه
والكفان، فيجوز الكشف عند الأمن عن الفتنة على المذهب، وأفتى المتأخرون بسترها لسوء
حال الناس. وقيل المراد بها: الزينةُ المكتسبة من الثياب والحُلي، فما ظهرَ منها بعد مُرَاعاة
التسترُ يكون عفواً.
قلت: وهو المراد عندي، فإِن التي يعدُّونها أهل العرف زينةً هي هذه لا غير، وإليه يشيرُ
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِيْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] أي لئلا تنكشف زينتهم
المكتسية. ومنها: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ إلخ [الأحزاب: ٣٣] والخطاب فيها وإن كان خاصاً إلا أن
الحكمَ عامٌ، ثم الخروج عند الحوائج ليس من تبرج الجاهلية في شيءٍ، إنما تبرجهم أن
يخرجن كالرجال بالوقاحة وعدم التسترُ. فهذه نسق آيات الحجاب عندي والله تعالى أعلم
بالصواب.
اطلاع: واعلم أن القَسْطَلَاني أوضح مرادَ الحافظ رضي الله عنه في هذا الموضع
فراجعه(٢).
(١) قلت: وإنما أخذ نهيَ الدخول في العنوان لحال المورد إذ ذاك، وقد مر في كتاب الإيمان أن القرآن يذكرُ المسألةَ
مع إشارته إلى المورد للارتباط ويحدُث منه الإِشكال.
(٢) قال العلامة القسطلاني: قوله: ((قد أذنَ لَكنَّ أن تخرجن لحاجتكن)) دفعاً للمشقة ورفعاً للحرج، وفيه تنبيه على
أنَّ المراد بالحجاب الستر، حتى لا يبدو من جسدهنَّ شيء، لا حجب أشخاصهن في البيوت. والمراد بالحاجة
البراز كما وقع في الوضوء من تفسير هشام بن عروة، وقال الكِرْماني وتبعه البراوي: فإن قلت: قال ههنا: إنه
كان بعد ما ضرب الحجاب، وقال في كتاب الوضوء باب خروج النساء إلى للبراز: أنه قبل الحجاب. ((قلت)):
لعله وقع مرتين، اهـ، ومراده أَنَّ خروجَ سَوْدة للبَزَار وقول عمر رضي الله عنه لها ما ذُكر، وقع مرتين=

٣٤٩
كتاب الوضوء
١٤ - باب التَّبَرُّزِ فِي البُيُوتِ
١٤٨ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيِى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غُمَرَ قَالَ: ارْتَقَيتُ فَوْقَ
ظَهْرِ بَيتِ خَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَّأَيَتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهَ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ، مُسْتَذْبِرَ القِبْلَةِ،
مُسْتَقَِّلَ الشَّأْمِ.
١٤٩ - حدّثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيى،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيِى بْنِ حَبَّنَ: أَنَّ عَمَّهُ وَاسِعَ بْنَ حَبَّنَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ
قَالَ: لَقَدْ ظَهَرْتُ ذَاتَ يَوْم عَلَى ظَهْرٍ بَيْتِنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَاعِداً عَلَى لَبِنَتَينِ،
مُسْتَقْبِلَ بَيتِ المَقْدِسِ.
وإنَّما ترجم البخاري باستثناء الجدار والبناء فيما مر، نظراً إلى هذا الحديث. وإنما لم
تنتقل إليه أذهانُ العامة لأنه لم يترجم عليه بذلك. والمصنِّف رضي الله عنه إنما يترجم به على
هذا الحديث لأنه قد فرغ عنه مرة وأدرجه فيما سبق(١).
لا وقوع الحجاب وقول الحافظ ابن حجر عقب جواب الكِزماني. قلت: بل المرادُ بالحجاب الأول غير الحجاب
=
الثاني.
وذكره العيني وقال: وفيه نظير، إذ ليس في الحديث ما يدل لذلك، بل ولا أعلم أحداً قال بتعدد الحجاب، نعم،
يحتمل أن يكون مراده الحجاب الثاني بالنظر لإرادة عمر رضي الله عنه أن يحتجبن في البيوت فلا يبدين
أشخاصهن، فوقع الإذن لهن في الخروج لحاجتين دفعاً للمشقة كما صرح هو به في ((الفتح))، وليس المرادُ نزول
الحجاب مرتين على نوعين، وأما قوله أيضاً: تقدم في كتاب الوضوء(*) من طريق هشام بن عروة عن أبيه ما
يخالفُ ظاهر روايتي الزُّهري هذه عن عروة، یعني روايته هذا الباب فلیس کذلك فإن روايته هذا الباب لیس کذلك،
فإن روايته هذا الباب إنما هي من طريق هشام بن عروة عن أبيه والسابقة المصرحة بالقبلية من طريق الزُّهري عن
عروة. فلعله سبقُ قَلَم. اهـ.
فائدة
ثم اعلم أَنَّ شيخي لم يكن يتصدى إلى التوفيق بين ترتيب القصص وإخراج المحامل لها، إذا لم تكن مداراً
للمسألة، وكان يزعمه من باب الرَّجم بالغيبٍ والرمي في الليل، فإن كان مداراً للمسألة كان أرغبَ الناس في ترتيبه
وأبذَل الناس جهداً في تهذيبه. وَلَعمْري إنه قدوةٌ حسنٌ لمن كان يريد الاشتغال بالحديث، فإنه كثيراً ما نرى العلماء
يعرقُ جبينُهم في ترتيب القصص ويرونَه عِلماً لدُنيا ومعلوم أن الترتيب على وجهه لا يمكن إلاّ لمن كان شاهد
الواقعة وشَهِدَها، أما من لم يَشْهذها فإنه لا يزيدُ إلاّ ظلمةً على ظلمة فجاء واحد وركَّبَ من عند نفسه ترتيباً، ثم
جاء آخر وركَّب ترتيباً آخر مع أن الواقعةَ لا تكون إلاّ على أحد هذه الوجوه، نعم إن كانت مسألةٌ هناك تُغزَلُ أو
تُنقض فلا بد من التوجه إليه.
(١) قلت: ولعل المصنّف رحمه الله تعالى لم يترجم على هذا الحديث بالاستثناء لأنه رأى فيه ضعفاً، وعلم أنه لا
يقومُ دليلاً على جوازهما في البناء لوُجُوه مر ذكرها فيما سبق، فالمسألة التي كانت فيه عنده ترجم بها، وهو
التبرز في البيوت. ونحن أيضاً لا ننكره أما مسألة جَوَاز الاستقبال والاستدبار في البُنيان فلا دليل، عليه=

٣٥٠
كتاب الوضوء
١٥ - باب الاسْتِنْجَاءِ بالمَاءِ
١٥٠ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ،
وَاسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيمُونَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ََّ إِذَا خَرَجَ
لِحَاجَتِهِ، أَجِيءُ أَنَا وَغُلَامٌ مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ. يَعْنِي يَسْتَنْجِي بِهِ. [الحديث ١٥٠ - أطرافه في:
١٥١، ١٥٢، ٢١٧، ٥٠٠].
واعلم أن الاقتصارَ على أحدهما جائزٌ والجمعُ مستحبٌ. وأفتى الشيخ ابن الهُمَام بسنيته
في زماننا، لأن الناس لكثرة أكلهم يَثْلِطُون ثلطاً. وقد ثبت الجمع عن عمر رضي الله عنه كما في
((الأم)) للشافعي رحمه الله تعالى. ويُعلم مِنَ الروايات المرفوعة إشارةً أيضاً، كما في حديث
المُغيرة رضي الله عنه أنَّ النبي ◌َّ ذهب لحاجة ثم جاءَه لطلب الماء، ويُستبعد أَنْ يكونَ
النبي ◌َّه جاءَه ولم يستنج بالحَجَرِ، لأنَّه يوجبُ التلوث والتنجُس. ثم إذا استنجى بعده بالماء
ثبت الجمعُ.
١٥٠ - قوله: (غلام) قال الحافظ: إنه ابن مسعود رضي الله عنه. قلت: ولا أدري من أين
عيَّنَه الحافظ رحمه الله تعالى، مع أنَّ الغلامَ لا يُطلق على شيخ كبيرِ السن، فإِنْ كان هو لأجل
أنه كان خادمَه، فآخرون أيضاً كانوا يخدمونه بمثله، على أنَّ في روايةٍ لفظ: ((غلام من الأنصار)»
وهو من المهاجرين فالظاهر عندي أنه رجل آخر. والله تعالى أعلم.
١٦ - باب مَنْ حُمِلَ مَعَهُ المَاءُ لِطُهُورِهِ
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَلَيسَ فِيكُمْ صَاحِبُ النَّعْلَينِ وَالطَّهُورِ وَالوِسَادِ؟.
١٥١ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيمُونَةً قَالَ:
سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلَّامُ مِنَّا، مَعَنَا إداوةٌ
مِنْ مَاءٍ .
١٧ - باب حَمْلِ العَنَزَةِ مَعَ المَاءِ فِي الاسْتِنْجَاءِ
١٥٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
فيه، فلذا أغمض عنه. وهذا من دأب المصنّف رحمه الله تعالى أن يخرِّجَ حديثاً في كتابه في مواضعَ ثم لا يترجم
=
عليه إلاّ بمسألة يمكن أن يستنبطَ منه عنده، فهذا صنيع المصنف رحمه الله تعالى مفيدٌ لنا إن شاء الله تعالى.
والحاصل: أنه اختار تفصيل الشافعية ولم يخرِّج له حديثَ ابن عمر، وإذا أخرجَ حديثَه لم يترجم بهذا التفصيل،
بل ترجَمَ بغيره، فدَّل على أن حديث ابن عمر لا دليلَ فيه على مذهب الشافعية عنده، قذفه إن شئت وأشركني في
دعواتك الصالحة إن كنت من الشاكرين ..

٣٥١
كتاب الوضوء
عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيمُونَةَ: سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلَ يَدْخُلُ الخَلَاءَ،
فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةٌ، يَسْتَنْجِي بِالمَاءِ.
تَابَعَهُ النَّضْرُ وَشَاذَانُ عَنْ شُعْبَةَ. العَنَزَةُ: عَصاً عَلَيهِ زُجٌ.
١٨ - باب النَّهْي عَن الاسْتِنْجَاءِ باليَمِينِ
١٥٣ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، هُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ، عَنْ يَحْيِى بْنِ أَبِي
كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ
فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكْرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ)).
[الحديث ١٥٣ - طرفاه في: ١٥٤، ٥٦٣٠].
يعني أنَّ هذا القدرَ من الإِعانة جائزٌ، فلو حَمَلَ ماءً لمقتدى وَسِعَ له. والصَّبُ أيضاً غير
مکروچٍ، ومُرِه دلكه.
قوله: (أليس فيكم) ... إلخ وأخذ منه المصنف رحمه الله تعالى أنَّ النبيِ وَّ كان
يستخدمُ أصحابه في مثل هذه الأشياء.
قوله: "والوسادة" وفي بعض النُّسخ: السواد، ومعناه النَّجوى، فإِنه لشِدَّة وروده كان يُعدُّ
من أهل بيته، حتى أنه لم يكن له إلى الاستئذان حاجة.
قوله: (حمل العنزة) العنزة "ده لكرى جس مين شام لكى هو".
١٥٣ - قوله: (فلا يتنفس في الإِناء) بل ينبغي أن يتنفسَ في الخارج، ولذا أقول: إن
الشريعة التي تنهى عن التنفّس كيف تتحملُ الوضوءَ والشُّرب من الماء وفيه لحوم الكلاب والنَّتَن
والچِیَضِ.
قوله: (فلا يمس ذكره) واعلم أنَّ المسَّ ظاهرٌ وإنَّما عبَّر بالمسح في استعمال الحجارة
على عادتهم، فإنَّ السلف لم يكونوا يستنجون كما يستنجون في بلادنا: من المشي والتَّنَحْنُحِ
لقطع التقطير لكونهم أقوياء، فكان يكفي لأحدهم المسحَ في البول كما في الغائط فحصل الفرقَ
بين المس والمسح، ومَنْ غَفَلَ عن عاداتهم يَضْطَرِبُ فيه.
١٩ - باب لاَ يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ
١٥٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ وََّقَالَ: ((إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَّلَا يَأْخُذَنُّ ذَكَرَهُ
بِيَمِينِهِ، وَلَاَ يَسْتَنْجِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ)).

٣٥٢
كتاب الوضوء
٢٠ - بابُ الاسْتِنْجَاء بِالحِجَارَةِ
١٥٥ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ المَكْيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيِى بْنِ سَعِيدٍ بْنِ عَمْروٍ
المَكِّيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتْبَعْتُ النَّبِيَّ ◌َةِ، وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَكَانَ لَا
يَلْتَفِتُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالَ: ((ابْغِنِي أَحْجَاراً أَسْتَنْفِضْ بِهَا - أَوْ نَحْوَهُ - وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْم، وَلَا
رَوْثٍ)). فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِي، فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ عَنْهُ، فَلَمَّا قَضِىّ أَتْبَعَهُ
بِهِنَّ. [الحديث ١٥٥ - طرفه في: ٣٨٦٠].
نَقَّحَ منَاطَه أبو حنيفة رضي الله عنه بكلِ شيءٍ طاهرٍ تَافٍ قالع للنجاسة وعمم، مع أنه لا
يرد في الحديث إلا الحجارة، وقد علمتَ أنَّ تنقِيحَ المناطَ يجري في المنصوص أيضاً وعلمتَ
أيضاً أن طريقَ تعليم صاحب النبوة هو التعليم بالعمل، فما أراد أَنْ يُعَلَّمَ أمَّتَه عَمِلَ به وأمرَهم
باقتدائه، لا بأن يهيىءَ عبارةً مطردةً منعكسة ثم يُعرضها على الناس، فإنه طريقٌ مُحدَثٌ غير
فِطري فاستعمل الحجارةَ على عادتهم ولكونها سهلةُ الوصول، وكان الغرضُ أعم منه، وذهب
داودٌ الظاهري أن غيرها لا يُجزىءُ عنه.
١٥٥ - قوله: (وكان لا يلتفت) هذا من الآداب. قوله: (استنفض) أراد به إزالة النجاسة.
٢١ - باب لا يُسْتَنْجِى بِرَوْثٍ
١٥٦ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ قَالَ: لَيسَ أَبُو عُبَيدَةَ
ذَكَرَهُ، وَلكِنْ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُّ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: أَتَّى النَّبِيُّ ◌َ
الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَينٍ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ،
فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَينِ وَأَلقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: ((هذا رِكْسٌ)). وقال
إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق: حدثني عبد الرحمن.
١٥٦ - قوله: (ليس أبو عُبيدة ذَكَرَه) مع أنَّ الترمذيَّ رجَّحَه وخالف فيه شيخَه البخاري،
وادَّعى أنَّ حديثَ أبي إسحاق عن أبي عُبيدة عن عبد الله ... إلخ أصحُ عنده من حديث زهيرٍ
هذا، وذَكَرَ له وُجُوهاً في ((جامعه)). ومال الحافظ رحمه الله تعالى إلى ترجيحٍ طريق زهيرٍ كما
رجَّحه البخاري، وأجاب عما أورده الترمذِيُّ.
قوله: (وألقىَ الرَّوثة) واعلم أنهم اختلفوا في عدد الأحجار. فقال الشافعية: إن التثليث
واجبٌ والإِيتار مستحبٌ، فلو استعمل رجلٌ الحجرين وأنقى يستنجي بثالثٍ وجوباً عندهم لا
عندنا. وعندنا القلعُ واجبٌ والتثليث والإِيتار مستحب كما هو في ((البحر شرح الكنز)). وينبغي
للمشتغل بالحديث أن يويِّدَ ما في ((البحر)) ليكون مذهبُنا أقربُ إلى الحديث.
ثم الحافظ رحمه الله اعترض على الطحاوي بأنَّ التمسك منه على الاستنجاء بالحجرين لا
يصح، لما ثبت فيه من زيادة: ((وأُتِني بثالث)) قلت: إن كان هذا اعتراضاً على الطحاوي فهو
على الترمذيِّ أيضاً، لأنَّه أيضاً بوَّبَ عليه بالاستنجاء بالحجرين، فعُلِم أنَّه لم يقبل تلك الزيادة.

٣٥٣
كتاب الوضوء
ولنا ما عند أبي داود: ((من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج)) ... إلخ.
والإِيتار بإِطلاقه يشمل الثلاث فما فوقه.
أما استدلال صاحب ((الهداية)) منه على نفي سُنِّية العدد بأن الإِيتارَ يحصُّل من الواحد
أيضاً فغير ناهِضٍ، لأنَّا لو حملنا الإِيتارَ على الواحد أيضاً. لَزِمَ نفي الاستنجاء رأساً، لأنه إذا
كان الواحدُ أيضاً تحت الاختيار فقد آل الخيار إلى نفس الاستجمار، مع أنه واجب اتفاقاً
وهو كما ترى. على أنه لم يثبت عنه ◌َّهُ الاكتفاء بالواحد، فحملَهُ على الواحد مَشْيٌّ على
مجرد اللفظ. وكذا حَمْلُ البيهقي على ما فوق الثلاث إبطالٌ لغرض الشارع وإخلاءُ الشيء من
نوعه .
والذي تحصَّل لي من روايات هذا الباب، هو أنَّ مقصودَ الشارع هو الإقلاعُ وإِزالةُ
النجاسات، والثلاثُ يجزىءُ عنه في الأغلب، فجاء ذِكرهُ لهذا. والوتريةُ مطلوبةٌ في الأحوال
كلِّها، فَرُوعِيَت في هذا الباب أيضاً. ولما كان الثلاث فيه الاجتزاء والوترية معاً كَثُرَ ذكره في
الأحاديث، فَذِكرُ الثلاث لكونه قالعاً ومُجْزِئاً لا لكونه واجباً. ويشهدُ له ما أخرجه أبو داود عن
عائشة رضي الله عنها: فليذهب معه بثلاثة أحجار، فإنَّها تُجزىءُ عنه. فأشار إلى أنَّ المطلوبَ
هو الإِنقاء والاقلاع، والتثليثُ بعينه للإجزاء.
وأما أن الوتريةَ مطلوبةٌ فلما ورد: ((إن الله وِتَرٌ يحبُّ الوترَ)) وحينئذٍ حُمِلَ قوله: ((فليوتر))
على ما فوق الثلاث ابتداءً، كما حَمَله البيهقيُّ إعدامٌ لغرض الشارع، فإنَّه لم يَرِد به الثلاثُ فما
فوقه لكونه عدداً مخصوصاً، بل أراد الوترية وجعلها مقصودة. نعم، الثلاث محبوبٌ لكونه أقرب
إلى الطهارة ولتحقّقِ الوترية فيه.
ثم العجب منهم حيثُ وردَ ذلك العددُ بعينه في كثير من الأحكام فلم يَرَوه واجباً ففي
الحديث: ((أما الطِّبُ فاغسُلْه عنك ثلاث مرات)) قال النووي: إنما أمر به مبالغة في الإِزالة
فإِن حصلت بمرة كفَتْه. وهكذا في غير واحد من المواضع، وهو المُتَمَسك للحنفية في عدد
الثلاث للتطهير في النجاسات الغير المرئية، وأما في المرئية فيكفي عندهم إزالتها ولا عدد
فیھا .
وبعبارة أخرى إنَّ الشريعة إذا وردت بالإِيتار أعلنت معه بالاختيار، وقالت: من فعل فقد
أحسن ومن لا فلا حرج. وإذا وردت بالتثليث ذكرت معه الإِجزاءُ والاكتفاء، وهو قوله: فإِنَّها
تجزىء عنه، فخرجَ أنَّ التثليثَ أيضاً مستحبٌ كاستحباب الإِيتار، وإِنْ كان التثليثُ للإِجزاء
والإِيتارُ لتحصيل الوٍترية، وصار إجزاء التثليثِ واستحبابُ الإِيتار مشروحين بالحديث بدون
كُلفة، وخرج الوجوبُ من البين.
قوله: (هذا رِكْس) وقد وقع عند ابن ماجه بدله: ((رجس)) وفي النهاية: الركس شبيه
المعنى بالرجيع. قال تعالى: ﴿أُرَّكِسُواْ فِيَهَا﴾ [النساء: ٩١] أي ردوا. وقال ابن سيد الناس: رِكس
كقوله: رجع، يعني نجساً، لأنَّها أركست أي رُدَّت في النجاسة بعد أن كانت طعاماً. وقال
الخطّابي: الرِّكس: الرجيع من رَجَعَ من حالة الطهارة إلى حالة النَّجاسة. وفي رواية ((رَكيس))

٣٥٤
كتاب الوضوء
فعيل بمعنى مفعول، فإِذن هو وصفٌ لا حكمٌ وترجمته: "بهراهوا" ومالُه إلى النجاسة. وعلى
هذا يدور الحُكْم على هذا الوصف، فكلُّ ما يكون ركساً يكون نجساً .
وحينئذٍ يكونُ حجةً لنا على نجاسة الأزبال مطلقاً، سواء كانت لمأكول اللحم أو غيره،
لأَنَّا علمنا العلَّة من جهة الشرع، وهي تصدُق على الأزبال فإنَّها ركسٌ، فتكون نجساً لا محالة
بخلاف الرجس فإِنَّه لا يفيدنا وإِنْ كان صادقاً في نفسه، وذلك لكونه حكماً على تلك الروثة
فيقتصر على مورده، ولم تعط فيها ضابطة من صاحب الشرع، لنستعمله في المواضع الأخرى،
بخلاف الركس فإِنَّه وصفٌ حِسِيٌّ، فيدور عليه الحُكْم حيثما دار.
ولعلَّ الرجس رواية بالمعنى، لأنَّ مآل الركس هو الرجس كما عَلِمْت. ثم إِنْ قلنا: إن
الرجس أيضاً وصف بمعنى "بليدى" فهو وصفٌ غير منضبطٍ لأنه محوِّل إلى الطبائع ويحتاج إلى
الاستقراء، فلم تتحصل منه ضابطة. نعم، لو كان الرجس منضبطاً لصلُحِ أن يُعلل به أيضاً. وفي
رواية ابن خزيمة أنها كانت رَوْثة حمار. ونقله الشوكاني في ((النيل)) (١) وسهى فيه حيث جعله
مرفوعاً فلا يبقى حجة لنا، لأنَّ معناه حينئذ أن كونه ركساً ورجساً لأجل كونه روثة حمار، وهو
حيوانٌ غير مأكول اللحم، فلا يلزمُ منه نجاسةُ زِيْلِ مأكول اللحم، وهو في الحقيقة من جهة
الراوي كما في ((الفتح)) فإِنه يذكرُ في بيان القِصة أنَّ الروثة التي جاء بها كانت روثةُ حمار، فهذا
بيانُ واقعةٍ منه لا تعليل مِنَ النبي ◌َّر فاحفظه. وقد تكلم ابن تيمية رحمه الله تعالى على المسألة
في نحو خمسٍ وثلاثين ورقة واختار طهارة أزبالِ مأكول اللحم، وقد أَجبتُ عن كلامه في ورقة.
٢٢ - بَابُ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً
١٥٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيانُ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ◌َّهَ مَرَّةً مَرَّةً.
٢٣ - بابُ الوُضُوءِ مَرَّتَينِ مَرَّتَينِ
١٥٨ - حدّثنا حُسَينُ بْنُ عِيسى قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيحُ بْنُ
سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ
زَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّرَ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَينٍ.
وقد ثَبَت عنه وَّر الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، إلا أنَّ السنة الكاملة ثلاثاً
ثلاثاً. ثم لو تركه أحد يأثم أم لا؟ فهذه مسألة لا أتعرض إليها فإنَّه أمرٌ عظيم؛ نعم، أقول: إنَّ
الترك بقدر ما تركه النبي ◌َ ◌ّل جائز، فإِن ترك التثليثَ واعتاد عليه، مُنِعَ.
(١) واعلم أن ((نيل الأوطار)) مأخوذ من أربعة كتب: ((فتح الباري))، و(تلخيص الحبير))، و((مجمع الزوائد)) و((شرح
الترمذي)» للعراقي. وقد استفاد شيئاً من الرضي. وقد وافقنا في المسألة ابن حزم، وقد عرف منه أن قلمه كسيف
الحجاج. كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز مما ضبطه من إملاء الشيخ رحمه الله تعالى زيادة.

٣٥٥
كتاب الوضوء
٢٤ - باب الوُضُوءِ ثَلَاثاً ثَلَاثاً
ولعلَّ الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في بعض صفات وضوء النبي ◌َّ في زمن
عثمان وعلي رضي الله عنهما فاحتاجا إلى إرَاءَةِ صِفةٍ وضوئه وَّر. وظاهر حديثهما الفصل كما
هو مذهب الحنفية.
١٥٩ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ
عَفَّانَ دَعاً بِإِنَاءٍ، فَأَفرَغَ عَلَّى كَفَّيِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ،
فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثاً، وَيَدَبِهِ إِلَى المِرْفَقَينِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثمَّ مَسَحِ
بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الكَعْبَينِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ
نَّحْوَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَينٍ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفسَهُ، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
[الحديث ١٥٩ - أطرافه في: ١٦٠، ١٦٤، ١٩٣٤، ٦٤٣٣].
١٥٩ - قوله: (ثم أَدْخَل يمينه في الإِناء) لما يأتي من قوله وَ له: ((إذا استيقظ أحدكم)) وما
يتعلق به. وإنما غمس يده في الإِناء لأن إناءهم لم يكن له أُذْن يومئذ، والأُذْن ترجمته "لوئى".
قوله: (ثم صلَّى ركعتين) أي تحية الوضوء.
قوله: ((لا يُحَدِّث فيهما نفسه)) ومرَّ عليه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) وقال: إنَّ الأفصح
نفسَه بالنصب. قال بعضهم: إنَّ المرادَ بتحديثِ النفس هو ما كان له فيه دخل واختيار،
فالخواطرُ غير المكتسبة تبقى خارجةً وصاحبها يكون مشمولاً في قضية الحديث. ((قلت)): لا
حاجة إليه، وليكن النفيُ عاماً كما في الحديث وإِنْ كان أمراً عسيراً، لكنَّه إذا كان في النوافل
فلا بأس، فإِنَّه يُشَدَّد في النوافل ما لا يُشدَّد في غيرها، لكونها معاملة المرء ونفسه.
قوله: (غُفِرَ له) وأطلقه المتقدمون وفصل فيه المتأخرون.
١٦٠ - وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيسَانَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَكِنْ عُرْوَةُ
يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ: أَلَا أُحَدِّئُكُمْ حَدِيثاً لَولَا أَيَّةٌ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ؟
سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ يَقُولُ: ((لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ يُحْسِنُ وُضُوءَهُ وَيُصَلِّي الصَّلَاةَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا
بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا)). قَالَ عُرْوَةُ: الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ﴾
[البقرة: ١٥٩].
١٦٠ - قوله: (ما بَيْنَهُ) ... إلخ وعند مسلم: ((إلى صلاة أخرى)). وعند المصنِّف
رحمه الله تعالى في كتاب الرقاق عن عثمان رضي الله عنه في آخره قوله: (فلا تَغْتَروا) وهو
يرجع إلى معنى قوله: ((لئلا يتكلوا)) فبيَّن أن الوعد بهذا الإطلاق موضع الاغترار، فلا ينبغي
الغفلة عن الأعمال، فإِنَّ المغفرةَ إنما تحلُّ بالمجموع، والمجموعُ مكفِّرٌ للمجموع، وهِوِ غير
معلوم في الدنيا، فلا ينكشف الأمرُ إلا في المحشر، فلا تغتروا بهذا الوعدِ ولا تظنُّوا أَنَّ هذا

٣٥٦
كتاب الوضوء
القدرَ من العمل يكفي للنجاة، فعلم منه أنه شيء اغترار لا موضع قرار، فإِذن هذا الحديث أيضاً
في فواضل الأعمال لا في فرائضها. ومعنى الاغترار أن يغترَّ بهذا الوعد ولا يرغبُ في فضائل
الأعمال .
٢٥ - بابُ الاسْتِنثارِ فِي الوُضُوءِ
ذَكَرَهُ عُثْمَانُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيدٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَنِ النَِّّ ◌َِ.
١٦١ - حدّثنا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي
أَبُو إِدرِيسَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَلَيَسْتَنْشِرْ، وَمَنِ
اسْتَجْمَرَ فَلِيُوتِرْ)). [الحديث ١٦١ - طرفه في: ١٦٢].
قالوا: وهو من النَّثْرَة والاستفعال بمعنى تحريك النثرة، والظاهر عندي أَنْ يكون من النَّر.
١٦١ - قوله: (من استجمر) والجمهور على أَنَّ معناهُ استعمالُ الحِجَارة، وما نُقِل عن
مالك أنَّه تجمير الكفن، فإِنه لا يليقُ بشأنه ومثلُ هذه النقول البعيدة توجد في مطاوي الأسفار
وبطون الأوراق، فلا يُعتمد عليها .
٢٦ - بَابُ الاسْتِجْمَارِ وِتْراً
١٦٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَيِِّ قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلَيَجْعَلِ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَّنِ
اسْتَجْمَرَ فَلِيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَيَغْسِلِ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ،
فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَينَ بَاتَتْ يَدُهُ)) .
فلو أَنْقَىَ بالرابعة يَستعمِلُ الخامسة استحباباً تحصيلاً للإِيتار.
١٦٢ - قوله: (إذا استيقظ أحدكم) ... إلخ(١) ويدخل فيه عِدَّة مسائل، مِنْ أنَّ الحديثَ
من متعلقات الوضوء أو المياة، فإِنْ كان من مسائل الوضوء يخرج منه سُنية غَسْل اليدين قبل
الوضوء، ولا أحفظ فيه حديثاً قولياً.
(١) قال الشيخ رحمه الله تعالى: ونُقل عن الشافعي رحمه الله تعالى كما في ((الأم)) في سبب الحديث: أنهم كانوا
يستنجون بالأحجار والبلادُ حارة، فإذا نام أحدٌ عرق فلا يأمنُ النائم من أن تطوفَ يدُه على ذلك الموضع
النجس. اهـ. كذا في تقرير الترمذي عندنا. قلت: ففيه دليلٌ على أن أمرَ الغِسْل لاحتمال النجاسة. ولما كان
مدارُ النجاسة عند المالكية على التغيرِ وعدمه، ذكروا في سبب وروده شيئاً يليق بمختاراتهم، فقال الباجي
المالكي: إن النائم لا يكاد أن يَسْلَم من حَكِّ جسده وموضع بشرة في بدنه ومس رفعه وإبطه وغير ذلك من مَغَابنِ
جسده ومواضع عَرَقه، فاستحب له غَسْل اليد تنظيفاً وتنزهاً. اهـ. وهذا كما ترى جعل مرجعَ الحديث إلى باب
النظافة كما فعله ابن تيمية رحمه الله تعالى، مع أنه قد أحسن في تأويله حيث جعل العلة تَطْوَاف اليد، وابن تيمية
رحمه الله تعالى جعلها ملابسةُ الشيطان. والله تعالى أعلم بالصواب.

٣٥٧
كتاب الوضوء
وأَنَّ النجاسة الموهومة هل لها أحكامُ التطهير؟
وأَنَّ أمر الغَسْل هل يختصُ بنوم من الليل أو النهار أو يعمهما؟
وأن سببَ الغسل ما هو؟
وأن التثليثَ ضروريٍّ أم لا؟
وأنه إن غمس يده فيه فهل يفسد الماء أم لا؟
فاعلم أن ابن رُشدٍ تكلم عليه أنَّه من أي البابين، أعني من باب الوضوء أو المياه، فإِن
كان من مسائل المياه كان محظُه صيانةَ الماء لا غير، وهو أولى عندي، بقي الغَسْل قبل الوضوء
فيكون من باب الأولى، لأن صيانةَ الماءِ إذا كان مطلوباً في كل حالٍ كان للوضوء بالأولى،
فالحديث وإن كان من باب المياه إلا أنه ينجرُّ حكمه إلى باب الوضوء أيضاً. ولا تناقض بين
النظرين.
والحديثُ ناظرٌ إلى النجاسات الموهومةِ وأنَّ لها أحكام التطهير، ولذا أَمَرَهُ أن يغسل يده
قبل إدخالها في الإِناء. ثم إنه لو غَمَسَهَا فيه بدون الغَسْل لا يفسدُ الماء، بشرط أن لم يكن على
يده أثر نجاسة. نعم، كُرِه تنزيهاً، وهي الضابطة عندنا في النجاسات الموهومةِ كسور الدجاجة
المُخَلَّة إلا ما في ((المنية)). وأمرُ التثليث عندنا في النجاسات الغير المرئية خاصةً لحصولِ غلبةٍ
الظن بعده بالتطهيرِ. وهذا الحديث وأمثاله هو المتمسك في هذا الباب، وعند الترمذي: ((فلا
يُدُخِلْ يده في الإِناء حتى يُفرِغَ عليها مرتين أو ثلاثاً)). وإنما وسَّع في الحكم ولم يؤكد لكون
السبب أي وجودِ النجاسة محتمَلاً أيضاً، فحَكُم بقدر سببه .
والحديث حجةً لنا في مسائل المياه وها أنا أذكر مسألةَ المياه بقدْر الضرورة، وقد ذكرته
تفصيلاً في درس ((جامع الترمذي))، فاعلم: أن الماء يتنجسُ بالتغيُّرِ إجماعاً، وهو مذهب مالك
رحمه الله تعالى بدون فصل بين القليل والكثير، وعنه روايات أخرى. وعند الشافعي رحمه الله
تعالى: إذا بلغ الماءُ قلتين لم يحمل الخبث وإلا تنجَّس، وهو الفاصل عنده بين القليل
والكثير. وعندنا الأمر مفوض إلى رأي المُبْتَلى به، فإن رأى أنَّ النجاسةَ وقعت في جانبٍ
وخَلَصَ أثرها إلى جانب آخر فهو قليل، وإلا فهو كثير في حكم الجاري. وبعبارة أخرى: أَنَّ
الماء إذا كان جارياً أو في حكم الجاري فهو كثير وما وراءه فقليل. واختلفت الروايات عن
أحمد رحمه الله تعالى.
والحاصل: أن الموقّت والمحددَ في الباب ليس إلا الشافعية، فإنَّ المحدِدَ من لا يحكم
بمقدار العِلَّة وهم الشافعية، فإنَّهم قالوا: إنَّ الماء إذا كان ما دون القلتين ولو بدرهم تنجَّس
بقليل النجاسة وكثيرها، وإن كان قُلتين لا يتنجَّسُ ولو بِرَطل منها، وهذا هو غايةُ التحديد حتى
أنهم قالوا: إنَّ النجاسة إذا أُخرجت من قلتي الماء ولم يبق أَثرُها فالمطروحُ نجسٌ والباقي
طاهر. وأعجب منه ما رأيت في كلمات بعضهم: أنَّ ما دون القلتين يتنجس وإن كان الماء

٣٥٨
كتاب الوضوء
جارياً والباقي يبقى طاهراً، فهم الذين لا يحكمون بقدر العِلَّة، لأن حكمَ التَّنجيس إن كان لحالٍ
النجاسة فالواجبُ أن يدارَ الحكم عليها، ويكون الحكم في القلتين وما دونهما سواء. ولكن
المدار عندهم هو القلتان.
وأما أبو حنيفة رضي الله عنه فليس بمحدد أصلاً، كما قرره الطحاوي، ومسألة العشر في
العشر ليست مرويةً عن الإِمام، وأَمرُها معلومٌ لا نذكره، ثم لا فرق بيننا وبين المالكية إلا أنهم
اعتبروا التغيُّرَ باعتبار الحِسِّ، واعتبرناه بحَسَبِ ظن المبتلى به. وأنت إن تأملت ظهر لك إن
شاء الله تعالى أن أقربَ الأنظار إلى الشريعة هو الإِحالةُ إلى ظن المبتلى به، ولا أراك شاكاً في
أن ما اعتبرته الشريعة في أكثر الأبواب هو الظنُّ دون الحس، فإِن كان الأمرُ في الأبوابِ الأُخر
هو هذا، فليكن في هذا الباب أيضاً كذلك.
ثم ما من مذهب فيه إلا ويلزمُ عليه أَنْ يتركَ حديثاً من أحاديثِ الباب أن يؤوِّل فيه.
فالمالكية يستدلون بحديث بئر بُضَاعة وأمثاله، ويتركون حديثَ القُلتين وحديثَ النَّهي عن البول
في الماء الراكد وأمثالهما. وهكذا الشافعية يختارون حديث القلتين ويؤوِّلون في الباقي.
والحاصل: أن كلاّ منهم يأخذُ بحديثٍ في الباب ويجعلُه قاضياً على جميع الأحاديث، ويحصرُ
فيه مسألة المياه، فيشكِلُ عليه جمعُ الأحاديث على مورد واحد فتارة يلجأ إلى تأويل هذا،
وأخرى إلى إعلال هذا، فصار كما قيل:
إِذا سد منه منخر جاش منخر
وأمَّا إمامنا الأعظم فإِنَّه لدِقَّة نظره لم يترك في الباب حديثاً إلا وقد عَمِلَ به ووضعه على
الرأسِ والعينِ بدون ريب، وقال: إنَّ الله تعالى خَلَقَ المياه على أقسام: فمنها ماء الأنهار،
ومنهاَ ماء الآبار، ومنها ماء الفَلَوات والقِفار، ومنها ما تُحْرَز في البيوت والديار، والشريعة
الغراء قد أعطت لكلٍ منها حكماً حكماً.
فحديث بئر بُضَاعة إنَّما ورد في مياه الآبار بعد إخراج النجاسة عنها لا حَالَ كونها فيها .
وحديث القُلتين في مياه العيونِ التي في الفلوات، ويكون لها نبع من تحتها وإخراج من
فوقها، ويَبْقَى في الصحارى على طريقِ الدوام يَستقي منه النَّاسِ، يَردُون عليها ويَصْدرون عنها،
ولا يكون فيها تيقنُ النجاسة، غير أنَّها لمَّا لم تكن مصونةٌ محفوظةً، تسبقُ الأوهامُ إلى
نجاستها، ويتنزهُ العامَّة عن استعمالها .
وحديث ولوغ الكلب وأمثاله في المياه المقطوعة المحرزة في الأواني. ولذا أخذها
الحديث في العُنواَن وقال: ((طهورُ إناءِ إحدكم إذا ولغ فيه الكلب)) ... فلا يغمس يده في
الإِناء. كما أنه أخذ عُنوان الفلوات في حديث القُلتين. فدلت الأحاديث من حاقّها على
أنَّها جاءت موزعةً على مياه. ثم إنَّه لمَّا لم يتفق في البيوت إلا أن يَلَغَ فيه الكلبُ، أو تشربَ
منه الهرةُ، أو تقعَ فيه الفأرة، أو يغمسَ أحد فيه يده، فقد أخذ كله في العُنوان ثم بيَّن له
حكماً .
وحديثُ ماء الفلوات لا يكون فيها إلا ورود السِّباع، فذكر له حكماً أيضاً، فلمَّا علمنا أنها

٣٥٩
كتاب الوضوء
قد أقامت أبواباً عديدة في مسألة المياه، وقصدت أن تعُطي لكل منها حكماً حكماً فليأتها من
أبوابها ولا يختلط بينها فمياه الآبار حكمُها أنها تتنجَّسُ بوقوع النجاسات، ثم يبقى سبيلٌ
لتطهيرها بنزحها كلها أو بعضها بعد إخراج النَّجاسة عنها فلا يكونُ نجساً بحيث لا يَظْهر أبداً،
كما أنَّ المؤمن لا ينجس وأن الأرض لا تنجس. وهو معنى قوله: ((إن الماء طهورٌ لا ينجسه
شيء)). أي بحيث لا يطهر أبداً أو بحيث كما زعمتم.
ومياه العيونِ حكمها أنَّها لا تتنجس من النجاسات الموهومة غير المقطوعة أصلاً، وذكر
القُلتين لأنه إذا بلغَ هذا المقدارُ لا يظهرُ فيه أثر النجاسة غالباً ولم يرد به التحديد، ولهذا صح
فيه لفظ: أو ثلاثاً فهو للتنويع والتقريب، وإن حمله الشافعية على الشك. على أنَّ حديث القُلتين
لو حملناه على ما حملوه لكان غريباً في الباب، فإِن مسألةَ المياه مع كثرة الأحاديث لا يوجدُ
فيها ذكرٌ للقلتين، ولا نعلمه إلا من تلقاء ابن عمر. ثم لم يرو عنه غيرَ هذا. فَنَدْرَته عندهم وعدمُ
البحث عنه صريح في أنه ليس بمدارٍ بل نحو تعبير فاعلمه.
والمياه المحرزةُ حكمها أنَّها تتنجس ولا يبقى إلى تطهيرها سبيلٌ غيرُ طرحها، بل يتنجس
معها أوانيها أيضاً. ولذا قال: ((طهور إناء أحدكم ... )) إلخ فهذه أقسامُ المياه وتلك أحكامُها
فَرَاعِها وأنزلها في مَنَازِلها، ولا تُدْخِلْ جملتَها تحت حديثٍ واحد (١).
تنبيه
وهناك سهوٌ ينبغي أَنْ يَتَنَّه عليه النَّاظر، وهو أن الحنفية عند تقرير الاضطراب في حديث
القُلتين قالوا: إنه رُوي عن ابن عمر أربعين قُلة. هكذا وجدناه في ((فتح القدير)) أيضاً، وكنت
أظنّ أن الصحيحَ ابن عمرو وسقط الواو من الناسخ وحينئذ يَخِفُّ الاضطراب، حتى إذا طُبع
كتاب البيهقي وجدناه فيه عن ابن عمرو بن العاص، ففرحتُ منه فرحَ الصائم عند الإفطار. فهذا
سهوٌ قد تسلسل في الكتب فلا تَغْفُلْ عنه، والأمر كما قلنا .
أما حديث المستيقظ فحجةٌ لنا في الباب واستدل به صاحب ((الهداية)) أيضاً بأنه إذا أُمرنا
بغسل اليد عند احتمال النجاسة، علمنا أنها لو كانت على يده حقيقة نؤمرُ بغسلها بالأولى.
ومعلوم أنَّه لو غمسها وعلى يده نجاسة لَمَا تغير منها الماء لقُلتها، ومع ذلك حكمت الشريعةُ
بغسلها، وليس ذلك إلا لتنجس الماء بهذا الغمس عندها، فأمره أنْ يغسلها قبل أن يُدخِلَها في
الإِناء لئلا ينجسَ الماء كما يشير إليه التعليل بقوله: ((فإنه لا يدري أين باتت يده)) أي على
موضع النَّجاسة أو غيره.
(١) قلت: هذه نبذة في الكلام في مسألة المياه كأنه الفهرس فقط، وتمام الكلام والبحث مع الخصوم والأسئلة
والأجوبة كلها قد تركناها روماً للاختصار وذكرناها في تقرير الترمذي على أتم تفصيل، وكان شيخنا يهتم في
درس البخاري بأغراضه وبعض الدقائق، خاصة ولم يعرِّج إلى تقرير المذاهب كثيراً، وإنما ألحقت هذا الفهرس
من عند نفسي على النحو الذي كنت أسمع منه في درس الترمذي، لتكون على ذكر منه.

٣٦٠
كتاب الوضوء
فلا بد أن يكونَ لإلقاء اليدِ المحتملة النجاسة تأثيرٌ في الماء عندها وهو النجاسة، ولذا
مَنَعَه عن إلقائِها، وهو الذي فَهِمَه أحمد وإسحاق والشافعي رحمهم الله تعالى، كما يدل عليه
عبارة الترمذي والحافظ ابن تيمية، لمَّا اختار فيه مذهب مالك رحمه الله تعالى جَعَلَه من باب
النظافة، يعني أن إلقاءَها فيه حال كونِها محتملةَ النَّجاسة بعيدةٌ عن النظافة وإن لم ينجس الماء
فهو كالنهي عن البصاق في الماء والتنفس فيه، مع أنهما لا يُنَجسان الماء عند أحد.
وقال في تقريره: إن للشيطان ملامسةٌ وملابسةٌ بالإِنسان، فإِنَّه يبيت على خَيَاشيم بني آدم
ولذا أمره الشارعُ بغسل الخياشيم عند الانتباه، وهكذا له ملابسةٌ بيده أيضاً لكونها جارحة،
فوردت الشريعةُ بغسلِها قبل غمسها لأجلِ هذا النظر المعنوي لا غير، فإذن هو من باب النَّظافة
دون النجاسة.
حتى أنَّ الشيخ ابن الهُمام رحمه الله تعالى أيضاً تأثر منه وقال: ليس فيه تصريح بتنجس
الماء بتقديرِ كونِ اليد نجسة، بل ذلك تعليلٌ منها للنَّهي المذكور وهو غيرُ لازم، أعني تعليله
بتنجس الماء عيناً بتقدير نجاستها، لجواز كونه لأعم من النجاسة والكراهة. فنقول: نهى
لتنجُس الماء بتقدير كونها متنجسة بما يغير، أو الكراهة بتقدير كونها بما لا يغير.
وحاصله: أنَّه يُمكن أن يكون الماءُ على تقدير غَمْسها مكروهاً لا نجساً، وإنما يكون
نجساً إذا تغير، ولا دليلَ فيه على أنه يكونُ نجساً عند عدم التغير أيضاً، فإن النهي يكون عن
المكروه كما أنه يكون عن النجس .
قلت: أمَّا ما ذكره الحافظ ابن تيمية فقد ذكرنا أنَّه لم يذهب إليه أحد من الأئمة، وكلهم
حَمَلوه على باب النجاسة دون النظافة، ثم إنَّ ملابسَتَه إنما هي بمواضع الألواث، فإنه يلعب
بمَقَاعِد بني آدم ويبيت على الخياشيم لكونها مواضع اللوث أيضاً، أو ملابسته بالمنافذ ليُلقي
منها الوساوس إلى القلب والدِّماغ، واليد بمعزلٍ منهما، فما له ولليد؟ مع أنَّ الذكر في الحديث
لتَظْوَاف اليد وجولانها، فهو الدخيلُ في النجاسة لا ملابسة الشيطان، ولو كانت لتعرَّض إليها
أيضاً كما تعرض إلى بيتُوتته على الخياشيم، على أن في الدارقطني: ((أين باتت يده منه))
وصححه ابن مَنْده الأصبهاني(١) .
فهذا صريحٌ في أنَّ المدخل لبيتُوتة اليد على حصة من جسده، لا لبيتوتة الشيطان على يده
فجعلَ الحديثُ اليدَ طائفاً وبائتاً، وجعل ابن تيمية رحمه الله تعالى الشيطان بائتاً. وذكرَ الحديث
بيتوتَة اليد من جسدِهِ وذكر هو ملابسةً الشيطان بيده، فأين هذا من ذاك؟ .
وأما ما ذكره ابن الهُمَام فلست أُحَصِّلهُ أيضاً، لأنه لا معنى للكراهة إلا أنها لأجلِ النجاسةِ
المحتملة، فالكراهةُ أيضاً من فروع النجاسات لا أنَّها باب آخر. وتفصيله: أن الماء عندنا إما
طاهر أو نجس إن وقعت فيه نجاسة، وليس فيه قسم ثالث. أما كونه مكروهاً فليس إلا لأجل
(١) وابن مَنْدَه الأصبهاني طاف أربعين سنةً في طلب الحديث وقطع مسافة تسعةً آلافٍ ميل ماشياً، فلما انصرف كان
معه أربعون وقراً من كتب الحديث. هكذا وجدت زيادةً فيما ضبطه الفاضل عبد القدير.
٠