النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ كتاب العلم السَّاعَةُ؟ فَمَضى رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ لَمْ يَسْمَعْ. حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: ((أَيْنَ - أُرَاهُ - السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟)) قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)). قَالَ: كَيفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: ((إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)). [الحديث ٥٩ - طرفه في: ٦٤٩٦]. ٥٩ - قوله: (فإذا ضُيِّعَتِ الأمانة) ومعنى الضياع: أن لا يبقى اعتمادٌ لأحد على أحد، لا في الدِّين ولا في الدنيا. وقد مرَّ مني أن الأمانة صفةٌ متقدمة على الإيمان، فيجيء أولاً لون الأمانة ثم يجيء عليه لون الإيمان. ولذا اشتق منها الإيمان. وفي الحديث تأديب للسائل بأن السؤال ينبغي أن يكونَ بعد الفراغ لا عند الاشتغال. ومَنْ سُئِل عند الاشتغال يَسَعُ له أن لا يقطع كلامه ويَمضي فيه. وفيه ترغيبٌ للمجيب أن يُجيبَ بعد فراغه إن شاء، وفيه إجازةٌ لتحقيق السؤال إذا لم يفهمه . قوله: (إذا وُسِّد الأمرُ إلى غير أهله ... ) وفي ذلك حكايات عن الأئمة والمحدثين. فنُقِلَ عن الشافعي رحمه الله أنه لم يكن في سَعَةٍ من ذات يده، وكان الناسُ يُهدون إليه تحائف، إلَّا أنه لم يكن يُمْسِكُهَا، وكان يُنفقها على الفور، وكان يعيش في عُسرةٍ وتلميذه ابن عبد الحكم كان صاحب الضَّيْعَة والنخيل، فكان يَخْدُمه كثيراً . واتفق أن الإمام الشافعي رحمه الله رحل إليه مرة فأمر الطبّاخ أن يهيىء له أنواعاً من الطعام، وكتب أسماءها، فأضاف عليها الشافعي رحمه الله طعاماً آخرَ وكتب بيده، فلما علمه ابن عبد الحكم أعتق عبده من شدة الفرح. فلما كان الشافعي رحمه الله ابن أربع وخمسين، وسمع نداء الرحيل، استفتاه الناس: مَنْ يجلس إليهم بعدَه؟ ومَنْ يتولّى التدريس؟ فجاء ابن عبد الحكم أمامه يرجو أن يُعَيِّن الإمام إياه، إلّا أن الإمام الشافعي رحمه الله وَسَّد الأمر إلى أهله وقال: إنّ صاحب الحلقة بعدي يكون إسماعيل بن يحيى المُزَني خال الطحاوي، ولم يُبَالِ بما صنع إليه ابن عبد الحكم من المعروف مُدَّةً حیاته. وهكذا الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله، وكان صاحب طريقة لم يؤجِّرْ نفسه للتعليم مدة عمره، وكان متولياً للخانقاه إذ ذاك، وكان يدرّس فيه لوجه الله. وكان يأخذ منه بالمعروف غير مُتَأَثِّلِ مالاً. وكان مَلِكُ مصر من أكبر معتقديه متى تَعْرُو له حادثة سُئِل عنها، مع كون الحافظ ابن حجر رحمه الله والعينيّ رحمه الله موجودَيْن في زمانه أيضاً، فلما دنت وفاته سأل الناسُ عمن يجلس مجلسه بعده؟ قال: العلاّمة القاسم بن قُطْلُوبُغَا، وإنما انتخبه من بين سائر تلامذته؛ لأنه مع كونه عالماً كان أورعهم وأتقاهم، ومن أدلة تقواه وورعه: أن علماء المذاهب الأربعة رحلوا لتأييده في مناظرة انعقدت بينه وبين الشيخ عبد البَرِّ بن الشِّخْنَة تلميذ ابن الهُمَام رحمه الله بين حضرة الملك. وبالجملة لما كان العلامة القاسم أهلاً عنده وسَّد إليه الدرس بعده. ٢٤٢ كتاب العلم وكذلك قصة الشيخ أبي الحسن السِّنْدي من أعيان القرن الثالث عشر، لم يكن يتكلم عند الدرس بحرف، وكان يجلس ساكتاً صامتاً، فلما دنا أجل شيخه سأله الناس أن يستخلف أحداً بعده، فاستخلف أبا الحسن، فتعجَّب الناس منه حيث عَيَّن رجلاً لا يُحْسِن التكلم أيضاً، غير أن الشيخ لما تولّى الدرس بعده عَرَفَ الناس أنه هو الذي كان أهلاً لذلك، فأفاض عليهم من بحور العلوم ما أدهش الناس (١). ٣ - بابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلم ٦٠ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ◌َلِ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا - وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ - وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: ((وَيلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)) مَرَّتَينٍ أَوْ ثَلَاثاً. [الحديث ٦٠ - طرفاه في: ٩٦، ١٦٣]. أي رفع الصوت بالعلم جائز عند الحاجة. ٦٠ - قوله: (نمسح على أرجلنا ... ) أي نغسل أرجلنا، وإنما كَنَّى عنه بالمسح لعجلتهم فيه، لا كما يظهر من الطحاوي أن المسح على الأرجل كان في زمان ثم نُسِخ. ٤ - بابُ قَوْلِ المُحَدِّثِ: حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا وَقَالَ لَنَا الحُمَيدِيُّ: كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَينَةَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا وَسَمِعْتُ وَاحِداً. وقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ بَيِّ وَهَّوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ. وَقَالَ شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللّهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ كَلِمَةً. وَقَالَ حُذَيفَةُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ حَدِيثَينِ. وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َيِّ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ. وَقَالَ أَنَسٌ: عَنِ النَّبِيِّ وَ يَرْوِيِهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَّالَ أَبُوَ هُرَيْرَة: عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ يَرْوِيِهِ عَنْ رَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ. ٦١ - حدّثنا قُتَيبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّها مَثَلُ المُسْلِم، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّها النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيِيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ((هِيَ النَّخْلَةُ)). [الحديث ٦١ - أطرافه في: ٦٢، ٧٢، ١٣١، ٢٢٠٩، ٤٦٩٨، ٥٤٤٤، ٥٤٤٨، ٦١٣٢، ٦١٤٤]. (١) يقول العبد الضعيف: ومِثلُه كان دَأَب شيخي: ((رحمه الله تعالى، فإنه ... )) كان أصمت الناس بحضرة شيخه، فلما أراد شيخه أن يَحُجَّ، اشَرأبَّ الناسُ إلى أن يُفَوِّض إليهم خدمةَ الدرس، ولكنه رحمه الله تعالى وسَّد الأمر إلى أهله ونصّب شيخنا رحمه الله تعالى لتلك الخدعة، وبأنه كان أحقَّ بها - سقاهما الله تعالى من سلسبيل الجنة آمین. ٢٤٣ كتاب العلم اعلم أنه لا فرق بين التحديث والإخبار لغة. وأما في الاصطلاح فمنهم من استمر على أصل اللغة، ونَقَل الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة كما في ((الفتح)). وصرح القاري أنه مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وهكذا يُستفاد من طبقات الحنفية للشيخ عبد القادر القُرَشي فيٍ ترجمة عبد الكريم بن الهيثم، أو عمرو بن الهيثم، وهو رأي البخاري، ولذا تجد في كتابه كثيراً في الصلب حدثنا مع نسخة عليه ((أخبرنا))، وذلك لعدم الفرق بينهما عنده، ومنهم من فرّق بينهما كمسلم، فإنه كثيراً ما يحوِّل في الإسناد لأجل التنبيه على تغاير لفظي التحديث والإخبار فقط. ثم إنهم اختلفوا في القراءة على الشيخ هل تساوي السماع من لفظه أو هي دونه أو فوقه؟ فذهب مالك وأصحابه ومعظم أهل الحجاز والكوفة والبخاري إلى التّسوية بينهما. قال السُّيوطي: وعندي: هؤلاء إنما ذكروا المساواة في صحة الأخذ بها رداً على مَنْ أنكرها لا في اتحاد المرتبة، وحُكِي ترجيح السماع عليهما عن جمهور أهل الشرق. قال النووي: هو الصحيح. وحُكِي ترجيح القراءة على السماع عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى. قلت: وفي ((بستان المحدثين)): عن محمد بن شُجَاع الثَّلْجي، لأبي الليث السمرقندي، أنهما سِيّان عنده، إلّا أن محمد بن شُجَاعِ يُرْمى بالاعتزال. ويُعلم من ((الموطأ)» أن الإخبار أرجح من التحديث عند مالك، على عكس ما يُستفاد من ((الموطأ)) لمحمد ثم إن أكثرهم اتفقوا على أن التحديث يدل على السماع. قلت: قد لا يدل عليه كما في حديث مسلم، في حديث الدجال: ((إن الدجال يَقْتُل رجلاً فيقطعه جَزْلَتَيْن، ثم يُحييه فيسأله عنه، فيقول الرجل: حدثنا رسول الله وَّر ... إلخ))، فدلّ على أنه يُستعمل عند عدم السماع أيضاً، إلّا أن يكون هذا الرجل خَضِراً، لكن كونه خَضِراً غيرُ منصوص في المتن. ٥ - بابُ طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلمِ ٦٢ - حدّثنا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ وَ﴿ قَالَ: ((إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسَلِمِ،َ حَدِّثُونِي مَّا هِيَ؟)) قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّها النَّخْلَةُ، ثُمَّ قالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((هِيَ النَّخْلَةُ)). [طرفه في: ٦١]. ٦٢ - قوله: (مَثَلُ المسلم ... إلخ) ووجه الشبه أن النخلة لا تنمو بعد قطع رأسها كالإنسان، ويكون فيها ذَكَرٌ وأنثى وتلقح. حتى رأيت في بعض الروايات التي لا يُعْبَأ بها أنها عمة بني آدم، فإنها خُلِقت من بقية طينته. أما كونها كالمسلم فلكونها غير مُضِرّة بجميع أجزائها، كالمسلم يجيء بالسلامة لا غير، والأمر في باب التشبيهات سهلٌ بعدُ، فلا ضيق. ٦ - بابُ ما جاءَ فِي العِلمِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [ طه: ١١٤]. ٢٤٤ كتاب العلم ٧ - بابُ القراءةِ وَالعرضِ عَلى المُحَدِّثِ وَرَأى الحَسَنُ وَسُفْيَان ومَالِكٌ القِرَاءَةَ جَائِزَةً، قال أبو عبد الله وسمعت أبا عاصم يذكر عن سفيان الثوري ومالك أنهما كانا يريان القراءة والسماع جائزاً. حدثنا عبيد الله بن موسى عن سفيان قال: إذا قرىء على المحدث فلا بأس أن يقول حدثني وسمعت وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي القِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ بِحَدِيثِ ضِمَامِ بنِ ثَعْلَبَةَ، قَالَ لِلنَّبِيِّ وَّهِ: آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)): قَالَ فِهذهِ قِرَاءَةٌ عَلَّى النَّبِيِّ ◌َّهِ، أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَه بِذلِك فَأَجَازُوهُ. وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ: أَشْهَدَنا فُلَانٌ، وَيُقْرَأُ ذلِكَ قِرَاءَةٌ عَلَيْهِمْ، وَيُقْرَأُ عَلَى المُقْرِىء فَيَقُولُ القَارِىُ: أَقْرَأَنِي فُلَانٌ. حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ قَالَ: لَا بَأُسَ بِالقِرَاءةِ عَلَى الْعَالِمِ. حدثنا عبيد الله وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفِرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى، عَنْ سُفيانَ قَالَ: إِذَا قُرِىءَ عَلَى المُحَدِّثِ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَقُولَ: حَدَّثَنِي. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبا عَاصِمِ يَقُولُ: عَنْ مَالِكِ وَسُفيانَ: القِرَاءَةُ عَلَى العَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ. قوله: (والعرض ... إلخ) ولعل غرض المصنف رحمه الله تعالى أن التمييز فيما بين الألفاظ الثلاثة فيما قرأ على الشيخ، أما إذا قرأ التلميذ بنفسه فإنه يقول فيه أقرأني فلان والمقرىء هو المعلّم. وههنا رأي آخر وهو أن التلميذ إذا سمع من شيخه يقرأ أو يُقْرَأ عليه لا يعبِّر بالتحديث أو الإخبار ما لم يقصد الشيخ إسماعه، كما يقول النَّسَائي في الحارث بن مِسْكِين: أخبرنا الحارث بن مِسْكِين قراءةً عليه وأنا أسمع. ٦٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسف حدثنا اللَّيْثُ، عن سعيد هو المَقْبُرِيُّ عَنْ شَرِيكِ بن عبدِ الله بن أَبِي نَمِرٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: بَينَما نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ◌ََّ فِي المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ ◌َِّ مُتَكِىءٌ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ، فَقُلْنَا: هذا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِىءُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: آبْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ نَِّ: ((قَدْ أَجَبْتُكَ))، فَقَالَ الرَّجُلُ لِلِنَبِّ ◌َّهِ: إِنِّي سَائِلُكَ فَمَشَدِّدٌ عَلَيكَ فِيَ المَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفسِكَ، فَقَالَ: ((سَلَ عَمَّا بَدَا لَكَ)). فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، اللَّهُ أَرْسَلَكَّ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ)). قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، اللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ)). قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هذا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَّةِ؟ قَالَ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ))، قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، اللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هذهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ ٢٤٥ كتاب العلم النَّبِيُّ ◌َ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ)). فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَّا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ . رَوَاهُ مُوسى وَعَلَيُّ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ سُلَيمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َّ بِهذا . ٦٣ - قوله: (فأناخه في المسجد) وعند البخاري من طريق آخر، فأناخه قريباً من المسجد، وهكذا حكى الحافظ رحمه الله تعالى عن مسند أحمد رحمه الله: أنه أناخه خارج المسجد، فلا حجة فيه للمالكية على طهارة أزبال مأكول اللحم وأبواله. قوله: (ظَهْرَانَيْهِم) وهو تثنية التثنية. فإن الّهْرَانِ تثنيةُ الظهرِ، ثم ثَنَّى فصار ظهرانَانِ وسقطت النون للإضافة، وبقيت ياء التثنية. أقول: إنَّ المُثَنَّى والجمع قد يُنَزَّل منزلةَ المفرد، فيثنَّى ويُجمع كما في البخاري: حدثنا عَبْدَانُ ... برفع النون مع أنه مثنَّى، باعترافٍ جميع أهل اللغة. ولكنه بعد العلمية نُزِّل منزلة المفرد، وعُومِلَ معه ما يعامل مع المفرد، فأُعرب بإعرابه، كما في قول الشاعر: عند التفرُّق في الهيجا جمالين فإن الجِمَال جمعُ جَمَل مع أنه ثُنِّي ههنا تنزيلاً له منزلةَ المفرد. قال الخَطَّابي في ((معالم السنن)): إن الاتكاء ضِدّ الجلوس مطمئناً، فيشمل التربُّع أيضاً، وبه شرح قوله وقلّ لا آكل متكئاً . أقول: أما شرح هذا الحديث فهو كما شرح به الخَطَّابي، وأما شرح حديث الباب فهو أعم مما قاله، ومن الاتكاء المتعارَف. قوله: (اللهم نعم) هذا للتأكيد. قوله: (قد أجبتك) أي أنه وَلير سمع مقالته، وقال: قد أجبتك، مع أنه لم يُجِب الآن وهو موضع الترجمة . قوله: (رواه موسى ... إلخ). قال الحافظ رحمه الله تعالى: إنما عَلَّقه لأن سليمان ... ليس على شرطه، وتعقّب عليه العينيّ رحمه الله تعالى بأنه قد أخرج عنه في باب: يَرُدُّ المصلي من بين يديه . قوله: (لا تسألوا الخ) روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن الصحابة رضي الله عنهم لم يسألوا النبي ◌َّ﴾ إلا ثلاثة عشر سؤالاً. أقول: ولعل مراده الأسئلة التي ذُكِرَت في القرآن، وإلا فهي كثيرة . قوله: (فمن خلق الأرض) الخَلْق يكون مِنْ كَتْمِ العَدَم بالاختيار والقدرة، فالعالم بقَضِّه ٢٤٦ كتاب العلم وقضِيضِه مخلوق عندنا. وقال الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى: إنه لم يَقُل أحد من الفلاسفة بقدَم العالم، وكان أفلاطون أيضاً قائلاً بحدوثه، حتى جاء أرسطاطاليس المخذول فاعتقد بقدمه، وهو باطل قطعاً، وقائله كافر، واتفقت الأديان السماوية على حدوث العالم. نعم نُسب إلى بعض الصوفية قدم بعض الأشياء كالشيخ الأكبر، وقال الشعراني الشافعي رحمه الله تعالى: إن هذه العبارات كلها مدسوسة. أقول: وقد تفرَّد الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى ببعض المسائل أيضاً، فإنه قد اعتبر إيمان فرعون وإن لم يكن توبة، فيعاقب بما فعل، لكنه لا يُخلَّد في النار عنده، ونَسَبَ بحر العلوم إلى الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى قدم بعض الأشياء. وظَنّي أن تلك النسبة صحيحة. وأما ما نَسَبَ الدَّوَّاني إلى ابن تيمية رحمه الله تعالى من قدم العرش، فليس بصحيح عندي، كما قلتُ فيما ألحقت بالقصيدة النونية لابن القيم رحمه الله تعالى: واللَّهُ كان وليس شيءٌ غيره واللَّهُ خالقُ كلِّ شيءٍ غيره لَسْنَا نقولُ كما يقول المُـ بِدَوَامِ هذا العَالَم المشهودِ والـ وهو ابنُ سِينا القِرْمِطِي غدا مدى والعرشُ أيضاً حادثٌ عند الوَرَى وإذِ الحوادثُ لا نَفَادَ لها فلا وكغابرٍ ماضٍ وما مِنْ فارقٍ سبحانه جَلَّ العظيمُ الشانِ ما ربُّنا والخلقُ مُقْتَرِنَانِ ـلْحِدُ الزِّنْدِيقُ صاحبُ مَنْطِقِ اليُونَانِ أرواح في أزلٍ وليس بفَانِ شرك الرَّدى وشريطة الشيطانِ ومِن الخطأ حكايةُ الدَّوَّاني يَصِل المضاء لحادث الإِيَّانِ فاثبُتْ فإنّ الكفرَ في الخِذْلَانِ ولي قصيدة طويلة تزيد على أربعمائة بيت في إثبات الصانع وحدوث العالم المسماة: (بضرب الخاتم))، وأيضاً رسالة أخرى ذكرتُ فيها ما لم أُسْبَقْ إليه. فائدة واعلم أن الحدوث الذاتي لم يَقُل به أحد من الفلاسفة حتى جاء ابن سينا فاخترعه من عنده، يبتغي بذلك أن يَتَّخِذ بين الإسلام والفلسفة سبيلاً، وكان فلاسفةُ اليونان قائلين بِقِدَم الأفلاك والعناصر بالشخص، وبِقِدَم المواليد الثلاثة: الجمادات، والنباتات، والحيواناتَ بالنوع، وقد بَيَّنْتُ بُطلانه في رسالتي. وقد صنف ابن رشد كتاباً سماه ((تهافت التهافت)) وتعقّب فيه على الغزالي، وعلَّقْتُ عليه رسالة لدحض ما أَوْرَدَ على الغزالي، إلا أنه لم يتفق طبعه. وابن رشد هذا أحذق عندي من ابن سينا، ويفهم كلام أرسطو أزيدَ منه. ((حج البيت)): قيل إن مجيء ضِمَام بن ثعلبة في السنة الخامسة وفرضية الحج في السادسة أو التاسعة، فكيف ذكر الحج فيه؟ وأجيب بأن فرضية الحج من قبلُ. وأما في السادسة أو التاسعة فتفصيلٌ لأحكامه، وفيه نظر وسيأتي . ٢٤٧ كتاب العلم ٨ - بابُ ما يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ وَكِتَابٍ أَهْلِ العِلمِ بِالعِلمِ إِلَى البُلدَانِ وَقَالَ أَنَسٌ: نَسَخَ عُثْمَانُ المَصَاحِفَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الآفَاقِ. وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَيَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ وَمَالِكٌ ذلِكَ جَائِزاً. وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الحِجَازِ فِي المُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِّ وَِّ حَيثُ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَاباً وَقَالَ: ((لَا تَقْرَأُهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا))، فَلَمَّا بَلَغَ ذلِكَ المَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِّ وَّ. ٦٤ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلِ بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلاً، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَينِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَينِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَّأَهُ مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ المُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللّهِ وَيَ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ. [الحديث ٦٤ - أطرافه في: ٢٩٣٩، ٤٤٢٤، ٧٢٦٤]. المُنَاولة أيضاً حُجَّة، وإن اقترنت بالإجازة فهي الأقوى. وأما المُكاتبة فهي أيضاً حجة بشرط تعيين الكاتب والمكتوب إليه. وقال بعض القاصرين: إن الخط يُشْبِه الخط، فلا تكون حُجة، وتؤَّهم ذلك مما في (كتاب القاضي إلى القاضي)): أن الكاتب يُرسِل مع كتابه رجلين يشهدان بأن هذا كتاب فلان أرسله إلى فلان. والمحقَّق عندي أن الخط لا عبرة له في الدعاوي عند الجحود، كأن يدعي أحدٌ بأنَّ عنده كتابَ فلان، فيه إقرارٌ بألف درهم وهو يُنْكِره. وأما في سائر المعاملات: كالطلاق، والنكاح، والعتاق، فإنه معتبرٌ قطعاً، وفي عامة كتبنا تصريح بصحة وقوع الطلاق بالكتاب. وراجع ((فتح القدير)). فائدة قال ابن مَعِين: إن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كانَ يشترط في اعتبار الكتابة عدمَ النسيان من الأول إلى الآخر، وقال صاحباه بجوازها بشرط التذكر عند رؤية خَطِّه، ولا يُشْترط التذكّر من الأول إلى الآخر كما قال الإمام الهُمَام. ٦٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ وَلِ كِتَاباً، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَؤُونَ كِتَاباً إِلاَ مَخْتوماً، فَاتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ، فَقُلتُ لِقَتَادَةَ: مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنَسُ. [الحديث ٦٥ - أطرافه في: ٢٩٣٨، ٥٨٧٠، ٥٨٧٢، ٥٨٧٤، ٥٨٧٥، ٥٨٧٧، ٧١٦٢]. ٦٥ - (فاتَّخَذَ خاتماً) وعُلم منه أنه ◌َّ لم يكن يحب اتخاذ الخاتم ثم اتخذها لأجل الضرورة، فاحفظه كالأصل؛ فإنه يدلّ على أنه قد يُتْرَكُ في شيء مرضيٍّ عند الضرورة، وكان ٢٤٨ كتاب العلم نَقْشُهُ: محمد رسول الله، على اختلاف في صورته، وكان نَقْشُ خاتم عمر رضي الله عنه: ((كفى بالموت واعظاً)) وكان نقش خاتم إمامنا رحمه الله تعالى: ((قُلِ الخيرَ وإلا فاسْكُتْ))، وهذا يدلّ على أنه لا يجب كتابة اسم صاحب الخاتم على الفَصّ. وكان الخاتم في القديم أمارة لاختتام الشيء ويُختم الآن للتصديق، وقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٠] على العُرْف القديم، فلا حُجَّة فيه للشقي القادياني. فائدة واعلم أنّ المصنّف رحمه الله تعالى ذكر في تلك الأبواب عِدَّة مسائل من أصول الحديث وعمدةِ التصانيف، وأجودُهَا في هذا الباب تصنيفُ الشيخ شمس الدين السَّخَاوي، تلميذِ الحافظ ابن حجر، المسمى بـ((فتح المغيث)) و ((النُّكَتُ على ابن الصلاح)) للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أيضاً لطيف. ٩ - بابُ مَنْ قَعَدَ حَيثُ يَتْتَهِي بِهِ المَجلِسُ، وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِي الحَلقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا ٦٦ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلحَةَ: أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدِ اللَّيْثِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَه بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَّهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلاَثَّهُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ وَذَهَب وَاحِدٌ، قَالَ فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ◌َّهِ، فَأَمَّا أَحَدُهُما: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَذْبَرَ ذَاهِباً، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ مَّهِ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَآوَى إِلَى اللَّهِ فَآَوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ)). [الحديث ٦٦ - طرفه في: ٤٧٤]. ٦٦ - ( ... فأعرض الله عنه) قد سبق إلى بعض الأوهام فضلُ الرجل الأول على سائرهم، وأنَّ الثالث محروم. قلت: فإن كان ذلك معلوماً من الخارج فالأمر كذلك، أما في الحديث فلا دلالة فيه على ذلك، لأنه ليس فيه إلا الجزاء من جنس العمل، كما في قوله: ((أنا عند ظن عبدي بي ... إلخ)) بَحَثَ الناس فيه أنَّ الذكرَ بالجهر أفضلُ أو بالسر؟. قلت: وهذا البحث في غير موضعه، بل تخليط للمراد، فإن الحديث ناطق بأن الله تعالى يُعَامِلُ كُلاَّ بِحَسَبِ ظنه، فليس فيه إلاّ الجزاء من جنس العمل، فمن ذكره في ملاٍ يذكره في ماإٍ عنده، لأنه جزاء عمله، وكذلك من ذكره في نفسه يذكره في نفسه لأنه جزاء يوازي عمله، فلا تعرُّضَ فيه إلى الأفضلية ولا إيماء. وهكذا الأمر ههنا، فمن أعرض عن ذلك المجلس فإنه لم يصب حظه من هذا المجلس ٢٤٩ كتاب العلم وحُرِم عن أجره خاصة، وإن أمكن أن يكون هذا المستحي أفضل منه من جهة أخرى، فإن الحياء نصف الإيمان، ولأنه اصطفى لنفسه الخمول وتحرَّز عن الشهرة فهذا باب آخر، وفضيلة من جهة أخرى، كما في الحديث ولعله في كنز العمال أن من ترك الصف الأول لأجل أحد تواضعاً لله تعالى فإنه يَضْعُفُ أَجْرَهُ - أو كما قال - مع أن ثواب الصف الأول معلوم ولكن التأخر عنه قد يفضل التقدم إليه، فهكذا يمكن أن يكون المستجي أفضل من الداخل فيه. فمن قال: إن الثالث كان منافقاً فقد اقتفى لما ليس له بعلم. ونحوه ما عند الترمذي من حديث: ((فلير أثر نعمته عليك)) فإنه يدلّ على أن الفضل في إراءة النعمة. وحديث آخر ((من ترك ثوب الزينة تواضعاً لله ألبسه الله حُلَلَ الكرامة يوم القيامة)) - أو كما قال - يدل على أن الفضل في البذاذة. والوجه أنه لا تناقض بينهما لأنهما محمولان على بابي فضيلة فإراءة النعمة أيضاً باب وهو مطلوب بنفسه، والبذاذة فضيلة من جهة أخرى وباب آخر ومطلوب أيضاً، والشيء إذا كان ذا جهات يتأتى هناك مثل هذا فافهم(١). وأما قوله فاستحى الله منه فمبنيٌّ على صنعة المشاكلة. قوله: (فرجة) بالفتح أو الضم وفيه حكاية عن أبي العلاء النحوي، وكان إمام اللغة فجرى بينه وبين الحجاج شيء، فاضطر إلى ترك العُمْرانات وسكن بالبادية يتقي بذلك شرّه، ومضى على ذلك زمان حتى شدا أعرابي بوفاته، وأنشد: . له فرجةً كحَلِّ العقالِ ربما تَكرهُ النفوسُ من الدهرِ فلما سمع منه الفرجة بالفتح قال لا أدري أبموته أفرح أم بتحقيق هذه اللغة فإني كنت متردداً فیه. ١٠ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَّ: «رُبَّ مُبَلَّغِ أَوْعِى مِنْ سَامِعٍ)» ٦٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ النَّبِيَّ ◌َهِ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمَسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ، أَوْ بِزِمامِهِ ثم قَالَ: ((أَيُّ يَوْم هذا))؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: ((أَلَيسَ يَوْمَ النَّخْرِ؟!)) قُلنا: بَلَىِّ. قَالَ: ((فَأَيُّ شَهْرِ هذا؟)) فَسَكَتْنا حَتَّى ظنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: ((أَلَيسَ بِذِي الحِجَّةِ؟!)) قُلْنَا: بَلَى. قَال: ((فإنَّ دِماءَكُم، وَأَمْوَالَكُم، وَأَعْرَاضَكُم بَينَكُمْ حَرَامُ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، فِي شَهْرِكُمْ هذا، فِي بَلَدِكُمْ هذا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسى أَن يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ)). [الحديث ٦٧ - أطرافه في: ١٠٥، ١٧٤١، ٣١٩٧، ٤٤٠٧، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٠٧٨، ٧٤٤٧]. (١) ومحصله على ما أفهمه أن النبي ◌َّجل هداه إلى نية صحيحة في الحالين، فمن أراد أن يلبس ثوب جمال عليه أن ينوي إراءة نعمة الله تعالى. ومن أراد أن يتركه عليه أن ينوي البذاذة فهذان بابان اهـ. ٢٥٠ كتاب العلم عبّرُهُ بقول النبي ◌َّه إشارة إلى قوته، وإنما أراد به التنبيه على أن الحديث لا يختص بالحلال والحرام بل هو عام لكل ما سُمِع، وفيه أنه يمكن أن يكون في الأمة من يفضل الصحابة في الوعي والحفظ فهذا فضل جزئي. وأما الفضل الكليّ فلهم خاصة لما ثبت. فسبقهم بالإسلام والنصر. ١١ - بابُ العِلمِ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [ محمد: ١٩] فَبَدَأَ بِالعِلم، وَأَنَّ العُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَرَّثُوا العِلمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَطّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَظْلُبُ بِهِ عِلْماً سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقاً إِلَى الجَنَّةِ. وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: ٢٨]. وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِّمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَّمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ١٠ ١﴾ [الملك: ١٠] وَقَالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَّا يَعْلَمُونٌ﴾ [الزمر: ٩] وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهُ: ((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيراً يُفَقِّهْهُ في الدِّين)» وَ«إِنَّمَا العِلمُ بالتَّعَلُّم)). وَقَالَ أَبُو ذَرّ: لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هذهِ - وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ - ثُمَّ ظَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةٌ سَمِعتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ◌َِّ قَبْلَ أَنْ تُجيزُوا عَلَيَّ لأَنْفَذْتُهَا . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: ﴿كُونُواْ رَبِِّنَ﴾ [آل عمران: ٧٩] حُكمَاءَ فُقَهَاءَ عُلَماءَ، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلمِ قَبْلَ كِبَارِهِ. هذه مقدمة عقلية، واستشهد لها بقوله: (﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾) فذكر أولاً العلم ثم أردفه بالعمل وقال: ﴿وَأُسْتَغْفِرْ لِذَيْكَ﴾ ... إلخ. ١٢ - بَابُ ما كَانَ النَّبِيُّ صَنَا الله ـية وسام يَتَخَوَّلُهُمْ بِالمَوْعِظَةِ وَالعِلمِ كَي لاَ يَنْفِرُوا ٦٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفيانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ لَّهِ يَتَخَوَّلُنا بِالمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآَمَةِ عَلَيناً. [الحديث ٦٨ - طرفاه في: ٧٠، ٦٤١١]. ٦٨ - (يتخولنا) أي يتعهدنا وقتاً فوقتا لئلا يفضي إلى السآمة "نكراني كرتى تهى" قوله: (﴿هل يستوين الذي يعلمون ... إلخ﴾)، نزّل فيه الفعل المتعدي منزلة اللازم. وذكر الأُشْمُوني: أن اللازم يُجعل بالتضمين متعدياً وكذا العكس، وليس بينهما تباين كما فهم. وتلك المسألة وإن كانت من المعاني - وأهل اللغة لا يعتبرون باعتبارات علماء المعاني - إلّا أن تلك المسألة أتى بها الزَّمْخَشَري في ((المفصّل)»، وهو كتاب في النحو، فاعتبروا بها؛ لأنهم يعتبرون بالنحو . ٢٥١ كتاب العلم وأوثق كتابٍ في النحو الرَّضِيّ، وأما باعتبار جمع المسائل فالاشْمُوني، وأما كتاب سِيَبَويْه فهو ((الكتاب))، إلَّا أنه عسير جداً. وعلَّق عليه السَّيْرافي حاشية، وهو إمام النحو، فما يذكره يكون صحيحاً إلا أن إدراك مدارك سيبويه بعيد من شأنه. ٦٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَذَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَلِّرْ قَالَ: ((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا)). [الحديث ٦٩ - طرفه في: ٦١٢٥]. ٦٩ - (يحيى بن سعيد) هذا هو القطّان إمام الجرح والتعديل وأول من صنف فيه، قاله الذهبي. وكان يفتي بمذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى وتلميذه وكيع بن الجراح تلميذ للثوري وهو أيضاً حنفي. ونقل ابن معين: أن القطان سئل عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فقال: ما رأينا أحسن منه رأياً وهو ثقة. ونقل عنه أني لم أسمع أحداً يجرح على أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فعُلم أن الإمام الهُمام رحمه الله تعالى لم يكن مجروحاً إلى زمن ابن معين رحمه الله تعالی. ثم وقعت وقعة الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وشاع ما شاع وصارت جماعة المحدثين فيه فرقاً. وإلا فقبل تلك الوقعة توجد في السلف جماعة تفتي بمذهبه، ويحيى بن معين أيضاً حنفي، وعندي رسالة الذهبي وهو حنبلي الاعتقاد وشافعي المذهب وفيها: أنه كان حنفياً متعصباً، ولعل وجهه أن ابن معين جرح على ابن إدريس الشهير بالإمام الشافعي رحمه الله تعالى. وما قيل إنه غير الشافعي رحمه الله تعالى فليس بشيء، والحق عندي إنه وإن جرح عليه لكنه غير مناسب له فإن الشافعي رحمه الله تعالى له شأن لا يدركه ابن معين رحمه الله تعالى. ثم إن الدارقطني قد أقرَّ: أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى أسن منهم، وأنه لَقِيَ أنساً رضي الله تعالى عنه، وإنما الخلاف في روايته عنه. وجمع ابن جرير في كتاب ((اختلاف الفقهاء)) فقه أبي حنيفة والأوزاعي والشافعي رحمهم الله تعالى، ولم يأتِ بفقه أحمد رحمه الله تعالى ولا بمناقبه فسئل عن وجهه، فقال: إني جمعت فيه مذاهب الفقهاء ومناقبهم وأذكر مناقبه حين أذكر مناقب المحدثين، وأصرَّ على ذلك حتى استشهد بسببه. وكذا أبو عمر المالكي أيضاً ذكر مناقب هؤلاء الأئمة الثلاثة ولم يذكر مناقب أحمد رحمه الله تعالى، والبيهقي أيضاً لم يقدح في أبي حنيفة رحمه الله تعالى مع كونه متعصباً، كما ذكره الشيخ شمس الدين في ((الغاية)): أني سمعت من مشايخي أنه متعصب، ومر عليه ابن السبكي فقال: إني سمعت أن لحوم العلماء مسمومة من يأكله يموت. قلت: هو كذلك لكن من الطرفين ثم لم أر محدثاً فقيهاً أو فقيهاً فقط، يقدح في أبي حنيفة رحمه الله تعالى. نعم من كان منهم محدثاً فقط فإنه جرح عليه ثم إنه نقل عن أبي داود ما يدل على أنه من معتقدي أبي حنيفة رحمه الله تعالى حيث قال: رحم الله أبا حنيفة كان إماماً. وأما البخاري فإنه يهجوه. وأما النسائي فقد ضعفه وشدد في حسن بن زياد، وقال: إنه كذَّاب وهو خلاف الواقع، وأما مسلم فلا يدري حاله غير أن الجارود رفيق سفره حنفي وأدبه العربي ٢٥٢ كتاب العلم أعلى من مسلم. وكان مسلم يستعين منه في أشياء. وأما التِّرمذي فهو ساكت. وأما ابن سيد الناس والدُّمياطي فإنهما في ثلج الصدر عن الإمام ويوقرانه ويبجلانه حتى أنه مرّ على إسناد فيه الإمام الأعظم فصححه. وأما العراقي فلا يدري حاله إلَّا أن سلسلة تلمذته انتهت على المارديني وهو حنفي، فالله أعلم أنه هل تأدب لهذه التلمذة أم لا. بقي الحافظ ابن حجر، وهو ضَرُّ الحنفية بما استطاعه حتى أنه جمع مثالب الإمام الطحاوي والطعون فيه، مع أن أبا جعفر الطحاوي إمام عظيم لم يبلغ إلى أحد من أئمة الحديث خبره إلا حضره عنده بمصر وجلس في حلقة أصحابه وتتلمذ عليه. والحافظ البدر العيني أسنّ من الحافظ ابن حجر، وقد سمع عليه ابن حجر حديثاً من مسلم، وحديثين من مسند أحمد (١). (قال يسروا الخ .. ) أخذ المضمون طرداً وعكساً وهو من باب المحسنات. ١٣ - بابُ مَنْ جَعَلَ لأَهْلِ العِلمِ أَيَّاماً مَعْلُومَةً ٧٠ - حدّثنا عُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالمَوْعِظَةِ، كَمَاً كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَة السََّمَةِ عَلَيْنَا . يريد أن مثل هذه التعينات لا تُعَدُّ بِدعةٌ، والبدعة عندي ما لا تكون مستندةً إلى الشرع، وتكون ملتبسةً بالدين، ولذا يقال إن الرسوم التي جرت في المصائب بدعة دون التي في مواضع السرور، كالأنكحة وغيرها فإن الأولى تُعَد كأنّها من الدين فتلتبس به بخلاف الثانية. والسر فيه أن رسوم المَسَرات أكثرُهَا تكون من باب اللهو واللعب فلا تلتبس بالدين عند سليم الفطرة، بخلاف رسوم نحو الموت فإن غالبَهَا يكون من جنس العبادات فيتحقق فيها الالتباس. فائدة: وفي محق الرُّسُومات كتاب للشاه إسماعيل رحمه الله تعالى سماه: ((إيضاح الحق الصريح)) وهو أجود من كتابه ((تقوية الإيمان)) فإنه يحتوي على مضامينَ علمية، وكتابه («تقوية الإيمان)) فيه شدة فَقَلَّ نفعه، حتى إن بعض الجهلة رموه بالكفر من أجل هذا الكتاب. قلت وجميع ما فيه موجود في كتاب ((الاعتصام)) للشاطبي رحمه الله تعالى. والله الهادي إلى الصواب. أما محمد بن عبد الوهاب النَّجْدِي فإنه كان رجلاً بليداً قليلَ العلم، فكان يتسارع إلى الحكم بالكفر ولا ينبغي أن يقتحم في هذا الوادي إلَّا من يكون متيقِّظاً متقِناً عارفاً بوجوه الكفر وأسبابِهِ. (١) قلت وقد ذكر الشيخ رحمه الله تعالى أموراً أخرى وما كنت قدرتُ على ضبطها بوجهها فتركت مني أشياء من البين فلذا تركت تلك السطور الناقصة لخلل في المراد. ٢٥٣ كتاب العلم ١٤ - بَابُ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ الفقه والفهم والفكر والعلم والمعرفة والتصديق كلها ألفاظ متقاربة لا مترادفة، فالفقه: أن يفهم غرض المتكلم صحيحاً. والفكر: "انديشيدن". والفهم: "فهميدن". والعلم: " دانستن". والمعرفة: "شناختن". والتصديق: "باوركردن". فهذه فروق نبه عليها أهل اللغة لا يُهتدى إليها بعد صرف الأعمال. ٧١ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ حُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ: سَمِّغْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيباً يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: (مَنْ يُرِدٍ اللَّهُ بِهِ خَيراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هذهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لَا يَضُرُهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ)). [الحديث ٧١ - أطرافه في: ٣٣١٦، ٣٦٤١، ٧٣١٢، ٧٤٦٠]. ٧١ - قوله: (إنما أنا قاسم والله يُعِطي). واعلم أن النبي ◌َّ في النَّظر المعنوي ليس بقاسم كما أنه ليس بمعطٍ فإن الأمورَ كلّها إلى الله سبحانه فمنه الإعطاء ومنه القسمة. وإن نظرتَ نظراً صورياً فهو معطٍ أيضاً كما أنه قاسمٌ، فكيف هذا التقسيم في القسمة والإعطاء بين الله ورسولِهِ فإنه يؤدِّي إلى اعتبار جهة الصورة والمعنى معاً. ثم تبيَّن لي أنه راعى جهة الصورة فقط في الجملتين كلتيهما؛ لأن الحديث واردٌ على طور أهل العرف وهم لا يعتبرون في الإعطاء الفاعلَ الحقيقيَّ، بل ينسبونَه إلى الناس فيقولون: زيد أعطى كذا. وموجبه أن يعزوَ إلى نفسه الإعطاء أيضاً كالقسمة ويقول وأنا أُعطِي. إلَّا أنه نسبه إلى الله تعالى؛ لأنه عارضته جهة أخرى، وهي أن المُعطي يكون عالياً مستقلاً عند أهل العرف، والقاسم آلة، والآخذ سافلاً، واليدُ العليا خير من اليد السفلى، فأبقى جهة الاستقلال لصاحب القوة وهو الله سبحانه. ونسب إلى نفسه ما ناسب ضعفه، فإن الإنسان خُلِق ضعيفاً فراعى الأدب في القرينتين، لا أنه راعى مسألة توحيد الأفعال. ثم رأيت في كلام الحافظ ابن تيمية رحمه الله: أن الأنبياء عليهم السلام لا يملكون شيئاً حال حياتهم كما أنَّهم لا مِلْك لهم بعد وفاتهم، واستُدِلَّ عليه بهذا الحديث، وقال: ((إنه قاسم لا غير ولا مِلْكَ له أصلاً. فحينئذٍ بقي الحديث على ظاهره بدون تأويل. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] الخ، فإنه روعِيَتْ فيه جهة الصورة والمعنى معاً وله وجهً أيضاً. (ولن تزال ... إلخ) واختلف في تعيين مصداقِهِ وکلٌّ ادّعى بما بدا له. قلت: كيف مع أنه منصوصٌ في الحديث وهم المجاهدون في سبيل الله؟ ثم رأيت عن أحمد رحمه الله أن تلك الطائفة إن لم تكن من أهل السنة والجماعة فلا أدري من هي؟! ولم أكن أفهم مراده لأنك قد علمت أنها المجاهدون بنص الحديث. ولا يمكن عنه الغفلة لمثل أحمد رحمه الله فكيف قال إنها أهل السنة والجماعة؟ ثم بدا لي مراده: وهو أن المجاهدين ليسوا إلَّا من أهل السنة، فعلمت أنه عيِّنَهم من تلقاء جهادهم لا من جهة عقائِدِهم، ويشهد له ٢٥٤ كتاب العلم التاريخ فإنه لم يُوفَّق للجهاد أحد غيرُ تلك الطائفة. وأكثر تخريب السلطنة الإسلامية كان على أيدي الروافض خذلهم الله ولعنهم. ومعنى قوله: (ولن تزال): أي لا يخلو زمان إلا وتوجد فيه تلك الطائفة القائمة على الحق لا أنهم يكثرون في كل زمان ولا أنهم يغلبون على من سواهم كما سبق إلى بعض الأفهام، حتى أن غلبة الدين في زمن عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام عندي ليس كما اشتهر على الألسنة بل الموعود هو الغلبة حيث يظهر عليه الصَّلاة والسَّلام وفيما حواليه. أما فيما وراء ذلك فلم يتعرض إليه الحديث، والعمومات كلها واردة في البلاد التي يظهر فيها ولا تتجاوز فيما وراءها، وإنما هو من بداهة الوهم والسبق إلى ما اشتهر بين الأنام. علي بن المَدِيني: قال البخاري: وما استحقرت نفسي بين يدي أحدٍ مثل ما استحقرتُ بين يديه . ١٥ - بابُ الفَهْمِ فِي العِلمِ ٧٢ - حدّثنا عَليٍّ: حَدَّثَنَا سُفيانُ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى المَدِينَةِ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ إِلَّا حَدِيثاً وَاحِداً، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َّهِ فَأَتِيَ بِجُمَّارٍ فَقَالَ: ((إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ المُسْلِم)) فَأَرِدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ، فَسَكْتُّ، قَالَ النَّبِيُّ وَهَ: ((هِيَ النَّخْلَةُ). ٧٢ - (مجاهد) وعند الطحاوي بإسنادٍ صحيح أنه صحب ابن عمر رضي الله عنه عشر سنين ولم يره يرفع يديه مع أن ابن عمر رضي الله عنه هو الذي رفع لواء رفع اليدين فاحفظه فإنه مهم جداً . ١٦ - بابُ الاغْتِبَاطِ فِي العِلمِ وَالحِكْمَةِ وَقَالَ عُمَرُ: تَفَقَّهَوُا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا. وقَدْ تَعَلّمَ أصْحَابُ النَّبِّ ◌ََّ فِي كِبَرِ سِنِّهِمْ. ٧٣ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيانُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَلَى غَيرِ ما حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ قَيسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((لَا حَسَدَ إِلَّ فِي اثْنَتَينِ: رَجُلٍ أَتَّاهُ اللَّهُ مالاً فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلِ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا)). [الحديث ٧٣ - أطرافه في: ١٤٠٩، ٧١٤١، ٧٣١٦]. وترجمته، "ريس كرنا". وهو غير الحسد لأن المعتبر في الحسد تَمَنِّي زوال النعمة عن الغير بخلاف الغِبْطة. ٧٣ - (قبل أن تُسَوَّدوا) ليس من المعارضة في شيء بل هي من باب التكميل أو الاحتراس، زاده البخاري من قبله . ٢٥٥ كتاب العلم فائدة واعلم أن الشيخ جلال السُّيوطي رحمه الله صنّف كتاباً في المعاني والبيان وسماه ((عقود الجمان)) وهو وإن كان كتاباً حسناً إلَّا أنه لم يستوعب المسائل. وهكذا ((المُطَوَّل)). وأقول بعد التجربة كالعيان: إن كثيراً من المسائل من تلك الأبواب تُسْتَنْبَط من الكشاف، ما شممت رائحةً منها في أحدٍ من الكتب في هذا الفن، وأظن أنها تبلغ إلى نصف ما في كتب القوم فعلى المتبصِّر أن يتفخَّصَ كتابه طلباً لتلك المسائل . (على غير ما حدثناه) يريد أنه بلغ سفيان من طريقين والذي ههنا هو من طريق إسماعيل بن أبي خالد. (الحكمة) ونُقِل في ((البحر المحيط)) في تفسيرها نحوٌ من أربعة وعشرين معنىّ، وفسرها الدَّوَّاني في شرح العقائد الجلالي: "درست كارى وراست كردارى"، وهو مراد السيوطي رحمه الله بإتقان العمل. وفي ((فتح العزيز)): أنها حكمة أحكام الشرع. وطرد ابن كثير في تفسيرها على أنها السنة. وما تحقق لي هو: أن الحكمة أمر غير النبوة وغير أمور الوحي بل هي مما يتعلق بأمور الفهم، والتمييز من باب الكلمات التي تضرب بها الأمثال، فإنها لا تكاد تكذب وتكون مفيدة جداً، كذلك الحكمة تُلقى في قلوبِ الخاشعينَ الزاهدينَ في الدنيا وتكون كلماتهم نافعة للناس، فهي من باب المقولات المفيدة يستفيد بها الناس في أعمالهم وفصل أَقْضِيَتِهِم. (يقضي). واعلم أن الفتوى غير القضاء فإن الفتوى تقتضي علم المسألة فقط والقضاء يقتضي علم الواقعة أيضاً، فهو يستدعي علمين بخلاف الفتوى فإنها تجري على الفروض المجردة ولا تعلق له بما في الواقع، والقضاء يجري على الوقائع فقط ولا تعلق له مع الفروض المقدرة فاعلمه، وسيجيءُ تفصيلُ الفرق بينهما أَزْيَدَ من هذا. ١٧ - بابُ ما ذُكِرَ فِي ذَهَابٍ مُوسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي البَحْرِ إِلَى الخَّضِرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشَدًا﴾ [الكهف: ٦٦]. ٧٤ - حدّثْنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيرِ الزُّهْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَني أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابَ حَدَّثَ: أَنَّ عُبَيدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ تَمَارِّى هُوَ وَالَحُرُّ بْنُ فُيسٍ بْنِ حِصْنِ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبٍ مُوسى، قَالَ ابْثُ عَبَّاسِ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَغَبٍ، فَدُّعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيتُ أَنَا وَصَاحِبِي هذا فِي صَاحِبٍ مُوسى، الَّذِي سَأَلَ مُوسى السَّبِيلِّ إِلَى لُقِيِّهِ، هَل سَمِعْتَ النَّبِيَّ نَّهُ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((بَيْنَمَا مُوسى فِي ملأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، جاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَل تَعْلَمُ أَحَداً أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قالَ مُوسى: لَا، فَأَوْحِى اللَّهُ ٢٥٦ كتاب العلم إِلَى مُوسى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسى السَّبِيلَ إِلَيهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ أَيَّةٌ، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتَ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسى فَتَاهُ: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيِنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرُهُ﴾، ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْعَّ فَأَرْتَدًا عَلَى ◌َاثَارِهِمَا قَصَصًا (® كهف: ٦٣ - ٦٤] فَوَجَدَا خَضِراً فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ)). [الحديث ٧٤ - أطرافه في: ٧٨، ١٢٢، ٢٢٦٧، ٢٧٢٨، ٣٢٧٨، ٣٤٠٠، ٣٤٠١، ٤٧٢٥، ٤٧٢٦، ٤٧٢٧، ٦٦٧٢، ٧٤٧٨]. ٧٤ - (تمارى هو والحُرُّ) هذا الحرُّ تابعيٍّ، ووجه التَّماري: أن الحرَّ كان عالماً بالتوراة، ولم تُذْكَر تلك القصة فيها . (في صاحب موسى) واعلم أنه يُعلم من هذا الطريق أن التماري في صاحب موسى من هو خضر أو رجل آخر؟ ويُعلم من طريق آخر أنه في تعيين الذاهب نفسه أنه موسى بن عمران أو موسى بن يوسف؟ أقول: وكلاهما صحيحان، والاختلاف باعتبار الرَّجلين فمع رجل في الذاهب ومع آخر في صاحبه، ولا وهم ولا اضطراب. (قال موسى: لا) وصدق موسى، لأنه كان نبي الوقت وهو يكون الأعلم في أمته قطعاً، إلا أنه أخذ عليه مؤاخذة لفظية حسب منزلته، حيث كان الأنسب له والأليق بشأنه أن يكل العلم إلى الله سبحانه وتعالى، ويتحرَّز عن الافتيات على الله صورةً، والادعاء ظاهراً وتلك المناقشات لا تزال تجري مع الأنبياء عليهم السلام دون سائر الناس. ثم صيغة التفضيل في السؤال والجواب على العرف لا على طور أهل المعقول على حد قولهم: فلان أعلم بغداد فلا ضيق فيه . (فجعل اللَّهُ له الحوتَ آيَةً ... إلخ) وإنما أَبْهَمَ على موسى سبيله ولقيه تبكيتاً ومعاتبةً وإظهاراً لقصور علمه في كل موضع وكل مكان، ولذا ألقى عليه النسيان مرتين. (إذا فقدت) وقد كان أوصى به يوشع عليه الصَّلاة والسَّلام ولم يكن نبياً بعد. (﴿وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ﴾) نسبة النسيان إلى الشيطان كنسبة التثاؤب إليه، فهذه من الأمور الطبيعية نسبت إليه لمناسبة بينهما وبين الشيطان. وقد ثبت النسيان خمس أو أربع مرات عن النبي ◌َّ أيضاً. فدلَّ على أن النسيان لا يكون عن تسلط الشيطان دائماً. ونسيان يوشع عليه السلام أيضاً من هذا القبيل، وإنما نسب إليه لما بينا، على أنه لا دليل على أنه كان نبياً إذ ذاك، نعم لو ثبت كونه نبياً لأشكل النسيان من جهة الشيطان ولكن إذا قلنا إنه من الأمور الطبيعية لم يرد شيء. (فوجدا خَضِراً) عند مسقط الفرات في خليج فارس في العراق كذا قيل. قلت: والصحيح عند ((أيلة)) ويقال لها الآن ((العقبة)) في الجانب الغربي في الشام، وصَحَّف بعضُهُم فكتب أبلة وهو غلط. ولعل لقاءه خَضِراً في مدة إقامته بسيناء بعد العبور عن البحر. أما البحث في أن خضراً كان نبياً أم لا فلا أحب أن أقتحم فيه، غير أنه كان حاملاً ٢٥٧ كتاب العلم لنحوٍ من العلم وهو العلوم التكوينية، وموسى عليه السلام كان حاملاً لنحوٍ آخر وهو علوم الذات والصفات وعلم الشريعة وهو العلم الأعلى والمقصد الأسنى، بخلاف العلم الأول فإن كماليته في جانب الحق لا في جانب الخلق، وقد جُرِّب أن كشوف أهل التصوف من غير العلماء أكثرَها تكون في الأمور التكوينية. أما أهل العلم منهم فأكثرُها تتعلق بالأمور الإلهية، كالشاه ولي الله رحمه الله تعالى والشيخ الأكبر رحمه الله تعالى فإن كشوفهما تتعلق بحلِّ مسائل الصفات وغيرها، ونعمت الكشوف هي. وإنما أظهر أعلمية الخضر عليه السلام مع كونه مفضولاً، لأن موسى عليه السلام كان معاتباً ومناقَشاً به إذ ذاك، ولو انعكس الأمر لأظهر أعلميةَ موسى عليه السلام، ولما علم خضر من حاله لم يقُل إلا ما حكاه النبيّ وَّر عنه من قوله أنت على علم ... إلخ. ولعلك علمتَ من هذه القصة ما قَدْرُ عِلْم العبد بجنب علم الله تعالى حيث إن موسى عليه السلام مع كونه نبياً لم يكن عنده علمٌ من الجزئيات الحقيرة بل لم يستطع أن يصبر على جزئي واحد من هذا العلم، وصدق خضر عليه السلام: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧] فكأنه لم يخلق لهذا النحو من العلم. وهذا الذي علمته كان من أمر موسى وخضر عليهما السلام. أما خاتم الأنبياء عليهم السلام فإنه تمنّى أن يكون موسى عليه السلام صَبَر ليعلم من عجائب قصصهما أزْيَدَ من هذا فكأنه أيضاً لم يكن أوتي تلك العلوم فهذه عقيدة موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم في علم الله تعالى. ولقد صدق الله تعالى: ﴿وَمَّ أُوِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فالعبد عبد وإن عُرِجَ به فوق السموات العلى، والله تعالى سبحانه وراء الوراء وهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. فائدة قد صنف الشيخ تقي الدين السبكي في الرد على الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى رسالة سماها بـ((الاقتناص في الفرق بين القصر والاختصاص))، وقال فيها: إن التقديم لا يفيد القصر بل يفيد الاختصاص والفرق بين القصر والاختصاص أن الاختصاص اسم لإفادة الشيء بخصوصه بخلاف القصر فإنه اسم للإثبات والنفي جميعاً، وأحاله السبكي والزمخشري ولم أره في كلام الزمخشري. ١٨ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ)) يريد أنه غير مُنضبط بل مُختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة. وقصة العارف الجامي وذهاب أبيه إياه إلى درس العلامة الحيدرة في صباه مشهورة، وقد أحفظ أنا أيضاً كثيراً مما وقع لي في صِغَري كالواقع اليومي. ٧٥ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ)). [الحديث ٧٥ - أطرافه في: ١٤٣، ٣٧٥٦، ٧٢٧٠]. ب ٢٥٨ كتاب العلم ٧٥ - (اللهم علمه ... إلخ) وكان النبي ◌َّرَ ذَهب لحاجته فلما رَجَعَ ورأى ماءاً موضوعاً للوضوء استحسن خدمَتَهُ وفَرِحَ على فَرطِ (١) ذكائه وفهمه، فدعا له فجعله الله تعالى تَرْجَمَان القرآن ببركة دعاءِ نبيه ◌َل*، ومن بركة دعائه أنه لما ذهب إلى اليمن، وألقى عليهم تفسير سورة البقرة، قال المسلمون هناك: إنه لو سمعه اليهود والنّصارى لآمنوا كلَّهم. ١٩ - بابُ مَتَى يَصِحُ سَماعُ الصَّغِيرِ ٧٦ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدٍ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلتُ رَاكِباً عَلَى حِمَارٍ أَتانٍ، وَأَنا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الإِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يُصَلِّي بِمِنَّى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَي بَعْضِ الصَّفّ، وَأَرْسَلتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذلِكَ عَلَيَّ. [الحديث ٧٦ - أطرافه في: ٤٩٣، ٨٦١، ١٨٥٧، ٤٤١٢]. ٧٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قال: حَدَّثَنِي الزُّبَيدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: عَقَلتُ مِنَ النَّبِيِّ لََّ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي، وَأَنَا ابْنُ خَمْسٍ سِنِينَ، مِنْ دَلوٍ. [الحديث ٧٧ - أطرافه في: ١٨٩، ٨٣٩، ١١٨٥، ٦٣٥٤، ٦٤٢٢]. ٧٦ - (إلى غير جدار) واعلم أنه اختلف البيهقي والبخاري في وضع الترجمة على هذا اللفظ، فترجم البيهقي بنفي السُّتْرَة، والبخاري فيما سيأتي بإثباتها، وهذا يُبْنَى على الغور في معنى الغير. قال الشيخ العيني: إن غير في اللغة العربية قد يكون للنّعت فيقَدَّر له المنعوت، أي إلى شيء غير جدار. وقد تستعمل في الاستثناء فتنسلخ عن معناه. وتفصيل الفرق أنه إذا كان للاستثناء فهو للإخراج عن حكم ما قبله فقط بدون تعرُّضٍ إلى بيان المغايرة بينه وبين ما قبله، فمعنى قولك جاءني القومُ غيرُ زيد على الاستثناء إخراج زيد عن حكم المجيء لا بيان المغايرة بين القوم وزيد ... فيمكن أن يكون زيد مغايراً للقوم، وأن لا يكون، ومعنى قولهم: جاءني رجل غيرُك، بيان المغايرة أي أن الجائي لم يكن أنت بل كان مغايراً منك فقط، فلفظ غير إذا كان للنّعت فهو لبيان مغايرةٍ ما قبله مما بعده، وإن تبعه النفي لزوماً، فإن الجائي إذا كان رجلاً مغايراً منك فلم يكن أنت قطعاً وإذا كان للاستثناء فهو للإخراج عن الحكم فقط، ولذا قالوا: إن ((إلا)) في قوله: ﴿لَوْ كَنَ فِيهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّ اللَّهُ﴾ [الأنبياء: ٢٢] إلخ بمعنى غير، ومعنى الكلمة أنه لو (١) وابن ماجه لم يخدمه العلماء فلم يشرحوه كما ينبغي إلّ ما نقل عن الحافظ علاء الدين الحنفي فإنه شَرَحَهُ في عشرين مجلداً. أما الحواشي فقد علّقها عليه كثير من العلماء والحافظ علاء الدين مَغْلَطاي من أعيان القرن الثامن من معاصري الحافظ أبي الحَجّاج المِزي الشافعي، والحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى، كذا في تقرير الفاضل عبد القدير الكاملفوري. ٢٥٩ كتاب العلم لم يكن الله سبحانه وإن كان غيره واحداً كان أو ألفاً لفسدت السموات والأرض، فهو الذي أمسك السموات والأرض أن تزولا، فهو قيام السموات والأرض ولو لم يكن الله بفرض المحال لزالتا عن مكانهما، ولئن زالتا لم يكن أحد ليمسكهما من بعده. وغفل بعض الناس عنه فذهب يزعم أن معناها بطلان التعدد فقط، والتحقيق أنه لبيان فساد العالمين على تقدير وجود أحد غيره تعالى ولو كان واحداً أو ألفاً. إذا علمت معنى غير فاسمع أن البخاري أخذه للنعت، فمعناه أنه صلّى إلى شيءٍ مغايرٍ للجدار فثبتت السُّترة ولكنّها لم تكن جِداراً بل كانت شيئاً مغايراً له. وأخذ البيهقي بمعنى النفي المحض فمعناه أنه كان يصلي ولم يكن بين يديه جدارٌ، ولفظ غير وإن كان يستعمل للنفي المحض أيضاً، سيما إذا تقدّمته لفظة ((من)) و ((إلى)) كما في ((المطول)) لكن ما اختاره البخاري أوْلَى وعليه تظهر فائدة التعرّض إلى نفي الجدار خاصة، لأنه إذا لم يكن هناك جدار ولا غيرُهُ فالتعرض إلى نفيه خاصة لغو. (وأرسلت الأتان ... إلخ) وفي بعض طرقه أنه مرَّ بين يديهم راكباً ورأيت في بعض الشُّرُوح مسألة وهي: أن رجلاً لو مرَّ راجلاً وراءَ الإمام أثم وإن كان راكباً فلا. قلت: ولا يتأتّى هذا على مذهبنا فإن المعتبر عندنا في المرور هو المحاذاة، فإذا حاذى أعضاء المارّ أعضاءَ المصلِّي أو عضواً منه أَثِمَ بدون تفصيلٍ بين الرُّكوب وعدمه. وأجاب بعضهم على ما اختاره البخاري من ثبوت السُّترة، أن مروره كان من وراء السُّترة. قلت: نعم هذا الكلام يأتي على مسائلنا أيضاً بشرط أن يكون مروره خارج السترة، وفي كتب المالكية أن سترة الإمام ما كان بين يديه من خَشَبٍ أو رُمْحِ أو غيرِهِما، ثم الإمام بنفسه سُترة للقوم، ويلزم منه أنه لو مرَّ أحدٌ داخلَ السترة قُدَّام الإمام فلا شيء عليه؛ لأن الإمام نفسَه سُتْرَةٌ للقوم، فكأنه لم يمرّ بين أيديهم. قلت: وهذا صادق في حق القوم أما في حق الإمام فلا يَصْدُق على مذهب المالِكيّة أيضاً، فإنه قد مرّ بين الإمام وسُتْرَتِهِ وإن لم يمرّ بين القوم وسترتهم. وإنما لا يكون مُرُورُهُ بين يدي الإمام إذا فُرِضَ مُرورُهُ وراءَ السترةِ مع أنه قد فُرِضَ مرورُهُ أمام الإمام، فيكون مارّاً بين يدي الإمام وإن لم يكن مَارّاً أمام القوم، فإن الإمام سترةٌ لهم على مذهب المالكية بخلافه على مذهبنا فإنّه يأثم مطلقاً؛ فإن سترة الإمام هي سترة للقوم وليس الإمامُ نفسُهُ سترةً للقوم، فيكون المرورُ داخلَ السترةِ أمامَ الإمام كالمرورِ بين أيديهم بدونِ السُّترةِ، فإن حُكْمَهَا فيمَا وراءَها فقط . قوله: (مجة مجها) هذه مُطَايَبَةٌ مِنْه ◌َ ٢٠ - بابُ الخُرُوجِ فِي طَبِ العِلمِ وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةً شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ. ٧٨ - حدّثنا أَبُو القَاسِم خَالِدُ بْنُ خَلِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْد اللَّه بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس: ٢٦٠ كتاب العلم أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسٍ بْنِ حِصْنِ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبٍ مُوسى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّ تَمَارَيتُ أَنَّا وَصَاحِبِي هَذا فِي صَاحِبٍ مُوسى الّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَل سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيُّ : نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: ((بَينَمَا مُوسى فِي مَلأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَداً أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسى: لَا، فَأَوْحِى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلَقَاهُ، فَكَانَ مُوسى صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسى لِمُوسى: ﴿أَرَعَيْتَ إِذْ أَوَنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكْرَهُ﴾ قَالَ مُوسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْعَّ فَارْتَدًا عَلَىْ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا (®﴾ [الكهف: ٦٣ - ٦٤] فَوَجَدا خَضِراً، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ)). (ورحل ... إلخ) وقصته أنه رحل من المدينة إلى الشام حتى إذا بَلَغ الشام سأل الناس عن بيته فوصل إليه وناداه على بعيره، وكان عبد الله بن أنيس في عِلْيَتِهِ فأخرج رأسه من عِلْيَةٍ ورأى جابراً رضي الله تعالى عنه، فقال جابر رضي الله عنه: سمعت أن عندك حديثاً عن النبي وليه فحدثني به؟ فحدثه، فأخذه جابر رضي الله تعالى عنه وصرف عنان بعيره إلى المدينة ولم ينزل عن بعيره، فَأَصرَّ عليه عبد الله بن أنيس أن يَنْزِلَ من بعيره ويُقِيْمُ عنده فأبى، ورجع القَهْقَرَى. والحديث الذي رحل جابر لأجله مذكور في حاشية الصحيح وفيه: فيناديهم بصوت .... إلخ. ٢١ - بَابُ فَضْلٍ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ ٧٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسىٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ قَالَ: ((مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلم، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضَاً، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ وَالعُشَبَ الكَثِيَرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْها طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ ماءً، وَلَا تُثْبِتُ كَلِأَّ، فَذلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُّهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، ومَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذلِكَ رَأْساً، وَلَمْ يَقْبَلَ هُدَىَ اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلتُ به)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ إِسْحِقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ، قَاعٌ يَعْلُوهُ المَاءُ، وَالصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ. وعَلَّمَ من المجرد معناه "جانا". والقياس أن يكون معنى عَلَّم من التفعيل "جنوايا" إلَّا أن ترجمته "سكهلايا"؛ لأنه لا سبب للعلم إلا التعليم، وأتردد في أن هذا النوع من التعدية ثابت في لغة العرب أم لا؟ وقد أقرَّ به المالكية في قوله بَّ إذا أَمَّنَ الإمام وقالوا معناه: إذا يحمِلُكُم الإمام على التأمين.