النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
كتاب الإيمان
مواضع المشقة، والمجاهدة، كقيام الليل فيذهل فيه عن النية أيضاً من جهة أخرى، لأن ما
فيه مِن حَمْل المشاق وإتعاب النفس، ومقاساة الأحزان، يعدُّه المرء طاعةً بنفسه، ولا يرى فيه
جهة غير تلك الجهة على نقائض المصائب السماوية، فإنه لا يرى فيها جهةَ الطاعة. فوجه
الشارع ههنا أيضاً إلى توفير النية ليزداد أجراً، أو في موضع يعدّه الرجل خفيفاً غير موجب
لأجر، كما في الإنفاق على الأهل والمجيء من البُعْد للصلاة، فإن الأولَ واجبٌ عليه طبعاً
وعرفاً، والثاني وسيلة. فالمرادُ منه توفير النيةِ، واستحضارُهَا، وإشعارُ القلب بها في تلك
المواضع، فهو مرتبة عِلم العلم، دون العلم، وقد مر معنا أنه لا حاجةً لإحراز مطلق الأجر
إلى نية زائدة على ما تكون في الأفعال الاختيارية، بل تكفي منها ما يكون قُبيل الأفعال
الاختيارية.
نعم، لا بد من انتفاء النية الفاسدة، وبعده لا تجب عليه نية أخرى لتحصيل الثواب، وهذا
الشرح أخذته من حديث ((مسند أحمد)): ((من هَمّ بحسنة كتب له عشر حسنات إذا أشعر به قلبه
وحرص ... الخ)). فهذا هو الاحتساب عندي أي إشعار القلب، وهو أمر زائدٌ على نفس النية،
فالنيةُ وإن كانت كافية لإحراز الأجر إلَّا أن في الاحتساب معنى ليس فيها(١).
٢٧ - بابُ الجِهَادِ مِنَ الإِيمَانِ
٣٦ - حدّثنا حَرَمِيُّ بْنُ حَفصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةٌ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((انْتَدَبَ اللَّهُ
لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسَلِي، أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ
أَجْرٍ، أَوْ غَنِيْمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الَجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلَفَ سَرِيَّةٍ،
وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ)). [الحديث ٣٦ -
أطرافه في: ٢٧٨٧، ٢٧٩٧، ٢٩٧٢، ٣١٢٣، ٧٢٢٦، ٧٢٢٧، ٧٤٥٧، ٧٤٦٣].
٣٦ - قوله: (إيمان بي وتصديق) ... إلخ. وهذا تنوينٌ في المُسند إليه، فلا تخلو عن
فائدة، وإنما الخلاف في تنوين المسند، كما مر فتفيد التبعيض، وتدل على أن إيماناً دون إيمان
(وتصديق برسوله) إن كان بأو العاطفة، فالغرض أنه لا فرق بين الإيمان والتصديق ههنا، إلا
باعتبار المتعلق، وهو الله في الإيمان، والرسول في التصديق، بخلاف ما إذا كان بالواو
العاطفة، قال الشيخ الأشعري: إن التصديق كلام نفسي، وهو قوي أيضاً. لأن الشريعة جعلت
غايةَ القتال قول: لا إله إلا الله، فقال ◌َّ: ((أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله))،
فجعل قولَ تلك الكلمة إيماناً، ومبدأ القول هو الكلام النفسي، والمرادُ منه قول النفس، فإذا
قال النفس بتلك الكلمة تبعه اللسان، وأقر بها. وقد مر تفصيله من قبل.
(١) قلت ويتوهم من بعض الألفاظ دخول قسم في قسم آخر، وإنما لم نهتم بتمييزه في التعبير لوضوح المراد، فعليك
بالتأمل، في الأمثلة ليتبين لك تباين المراد.

٢٠٢
كتاب الإيمان
(من أجر أو غنيمة) قيل: إن ((أو)) لا يناسب ههنا. فإنها للترديد بين الأمرين، ولا ترديد
ههنا، فإن المجاهد لا يخلو عن الأجر بحال. قال القرطبي: إن الكلام في الأصل كان هكذا
من أجر فقط، أو أجر وغنيمة، وكان فيه تكرار، فحذفَ الأجرُ من المعطوف، فصار من أجر أو
غنيمة، والاختصار في مثل هذه المواضع شائع. لأن حصولَ الأجر معلومٌ، ومفروغ عنه، فصار
ذكره حشواً، فحذفه اعتماداً على فَهْم السامع. ونظيره ما قرره الطحاوي رحمه الله تعالى في
قوله وَّر: ((إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف عن قومك))، فإن التقابل في الظاهر غير مستقيم،
وسيجيء الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى.
أقول: والذي ظهر لي أنه يكفي لاستعمال ((أو)) العاطفة تغاير الحقيقتين فقط، وإن اجتمعا
في الخارج، فلا يُشترط فيها المنافاة بحسبِ الخارج. وعلى هذا فاستعمال ((أو)) بين التابع
والمتبوع لإفادة أن هذا أمرٌ وهذا أمرٌ آخر، كما في الحديث: ((من أجر أو غنيمة))، فإن الغنيمة
تابعة للأجر. ولما كان الأجرُ مغايراً للغنيمةِ صح استعمال ((أو))، وهكذا قلت في قوله تعالى:
﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَنِهَا خَيْرً﴾ [الأنعام: ١٥٨] استدل به الزمخشري على أن الإيمان بدون الأعمال
غير منج، وقال: تقديرُ الآية هكذا: لا تنفعُ نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو آمنت ولم
تكسب في إيمانها خيراً لتصح المعادلة. وهذا صريحٌ في أن الإيمان بدون كسب الخير غيرُ
منج، وهو مذهب المعتزلة. وأجاب عنه ابن الحاجب في ((أماليه)) وأبو البقاء في ((كلياته))،
والشيخ ناصر الدين في ((حاشية الكشاف))، وكذا الطيبي في ((حاشية الكشاف))، وابن هشام في
((المُغنى))، وكلامُ الطيبي أجودُ من الكل.
والذي عندي هو أن ((أو)) ليست لبيان التنافي بين المعادلين، بل جيء بها لإفادة أن
الإيمان شيءٌ آخر والكسبَ شيءٌ آخر. وحاصل المعنى: نفي الكسبِ والإيمانِ جميعاً، أي
لا تنفع إيمانُ نفس لم تكن آمنت ولم تكسب في إيمانها خيراً. فانتفاءُ النجاة ليست لانتفاء
الكسب مع وجود الإيمان، بل لانتفاءِ الإيمان وكسب الأعمال جميعاً، ولا نزاع فيه.
فإن سمحت به قريحتُك بقَبوله فاقبله، وإلا فشأنك، وسنقررها بأبسط منه فيما سيأتي،
فانتظره .
٢٨ - بابُ تَطَوُّعِ قِيَامٍ رَمَضَانَ مِنَ الإِيمَانِ
٣٧ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ عَبْدٍ
الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِن ◌َّهِ قَالَ: ((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ
مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). [طرفه في: ٢٥
٢٩ - بابٌ صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَاباً مِنَ الإِيمَانِ
٣٨ - حدّثنا ابْنُ سَلام قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ،

٢٠٣
كتاب الإيمان
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً
وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
٣٠ - بابُ الدِّينِ يُسْرِ
وَقَوْلُ النَّبِّ ◌َ﴿: (أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ)).
يريد: أن الإيمانَ بعد كونه كاملاً بجميع أجزائه ينقسم: إلى العسر، واليسر، ومع هذا هو
إيمان، فصار كالكلي المتكرر بالنوع.
(الحنيفية) واعلم أن القرآنَ جعل اليهودية، والنصرانية، مقابلاً للحنيفيّة، قال تعالى:
﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًّا أَوْ نَصَرَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِنَهِمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]، فالقرآن يذمُّ اليهودية،
والنصرانية، ويمدح الحنيفية، ولا يُدرى وجهه، فإنهما أيضاً من الأديان السماوية، نعم، لو
كانت المَذَمَّة على المتبعِين لما كان فيه إشكالاً، إلا أنها على هذه الأديان. فالوجه عندي: أن
اليهوديةَ والنصرانية في الأصل ألقابٌ لأَتباع التوراة والإنجيل، ولما حرَّفُوهما وبدلوا كلام الله
من بعد ما عَقَلُوه، واشتروا به ثمناً قليلاً، وَبَاؤوا بغضب من الله، صارت اليهوديةُ والنصرانيةُ،
ألقاباً لأتباع التوراةِ المحرفة، والإنجيل المحرَّف الذي في أيديهم، فذمه القرآن، وقابل بينهما
وبين الحنيفَيّة لهذا .
والحنيفُ في الأصل لقبٌ لإبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام، وهو الأصل في هذا
اللقب، وسائرُ الناس فيه تبعٌ له. لأنه كان مبعوثاً إلى الكفار، بخلاف موسى، وعيسى
عليهما الصَّلاة والسَّلام فإنهما كانا مبعوثَيْن إلى بني إسرائيل، وهم مسلمون نسباً فلم يُلقبًا
به، وإن كان حنيفين قطعاً. قالوا: الحنيف: هو المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحقِّ
سُمّي به إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام لميله عن الباطل إلى الحق. قلت: الحنيف هو
الذاهب إلى الدين الحق بدون التفاتٍ منه إلى الجوانب والأطراف، وإليه أشار الشيخ فريد
الدين العطار:
يك دل ويك قبله ويك روى باش"
"از يكى كو وزدونى يكسوى باش
وقد أمرَ اللَّهُ جميع الناس بالحنيفية فقال: ﴿وَمَّا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اُلْدِينَ حُنَفَآءَ﴾
[البينة: ٥] ثم رأيت في ((الملل والنحل)): أن الحنيف مقابل للصابىء، وليعلم منه أن الحنيفَ هو
المعترف بالنبوة، والصابىء هو المنكر بالنبوة، ومر عليه الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى في
مواضع، ولم يكتب شيئاً شافياً، وقال: إن قوم نمروذ كان صابئياً، وكان فيهم الفلسفة، ومن
هؤلاء تعلمه الفارابي، ثم مر على تلك الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالضَِّينَ
مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحَزَنُونَ
[البقرة: ٦٢] ولمّا لم يدرك حقيقةَ الصابئين غَلِطَ في تفسيرها، ففسر قوله: ﴿مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ
الْآخِ﴾ إلخ بالصابئين الذين كانوا مؤمنين، وزعم أن اليهود والنصارى كما أنهم كانوا مؤمنين في

٢٠٤
كتاب الإيمان
زمنهم مع بقائهم على اليهودية، والنصرانية، كذلك الصابئون أيضاً كانوا مؤمنين في زمانهم، مع
بقائهم على الصابئية، مع أنهم لم يؤمنوا قط، فإن فريقاً منهم كان يتدينُ بأول المبادىء على
طريق الفلاسفة، وفرقة أخرى كانت تتعبدُ بالنجوم في هياكلهم، وأخرى كانت تنحت الأصنام
وتعبدها، صرح به في (روح المعاني)) والجَصَّاص في ((أحكام القرآن)).
وقد بحث العلماء عن شؤون الصائبة، وأحسنُ من بحث عنهم هو الإمام أبو بكر
الجصاص، تكلم عنهم في ثلاثة مواضع من تفسيره: ((أحكام القرآن)) كلاماً جيداً شافياً محققاً،
وكذا ابن النَّديم في ((الفهرست)) فليراجع(١)،
(١) قال الجصاص في تفسير سحر أهل بابل: إنهم كانوا قوماً صابئين يعبدون الكواكب، السبعة ويسمونها آلهة،
ويعتقدون أن حوادثَ العَالم كلها من أفعالها، وهم معطّلة لا يعترفون بالصانع الواحد المبدع للكواكب، وجميع
أجرام العالم، وهم الذين بعث الله إليهم، إبراهيم خليله صلوات الله عليه، فدعاهم إلى الله تعالى ... وكان أهل
بابلَ والعراق والشام ومصر والروم على هذه المقالة إلى أيام بيوراسب الذي تسميه العرب: الضحاك ... وكانت
علوم أهل بابَل قَبل ظهور الفرس عليهم الحيل والنيرنجيات، وأحكام النجوم، وكانوا يعبدون أوثاناً قد عملوها
على السماء والكواكب السبعة، وجعلوا لكل واحد منها هيكلاً فيه صنمه، ويتقربون إليها بضروب من الأفعال
على حسب اعتقاداتهم موافقة ذلك الكوكب الذي يطلبون منه بزعمهم فعلَ خيرٍ أو شرٍ فمن أراد شيئاً من الخير
والصلاح بزعمه، يتقرب إليه بما يوافق المشتري من الدخن، والرقي والعقدِ، والنفث عليها، ومن طلب شيئاً من
الشر والحرب والموت والبوار لغيره، تقرب بزعمه إلى زحل بما يوافقه من ذلك، إلى آخر ما بسطه من خرافاتهم
وأباطيلهم كذا في ((أحكام القرآن)).
وقال في آخر باب تزوج الكتابيات:
قال أبو بكر: الصابئون الذين يعرفون بهذا الاسم في هذا الوقت، ليس فيهم أهل كتاب، وانتحالهم في الأصل
واحدٌ، أعني الذين بناحية حرَّان، والذين بناحية البطائح في سواد واسط، وأصلُ اعتقادهم تعظيم الكواكب السبعة،
وعبادتها، واتخاذها آلهة، وهم عبدة الأوثان في الأصل، إلاّ أنهم منذ ظهر الفرس على إقليم العراق وأزالوا مملكة
الصابئين، وكانوا نَبطاً لم يجسروا على عبادة الأوثان ظاهراً، لأنهم منعوهم من ذلك، وكذلك الروم، وأهل الشام
والجزيرة كانوا صابئين فلما تنصَّرَ قسطنطين حملهم بالسيف على الدخول في النصرانية فبطلت عبادةُ الأوثان مِن
ذلك الوقت ودخلوا في غمار النصارى في الظاهر، وبقي كثير منهم على تلك النّحلة مستخفين بعبادة الأوثان،
فلما ظهر الإِسلام دخلوا في جملة النصارى، ولم يميز المسلمونَ بينهم وبين النصارى، إذ كانوا مستخفين بعبادة
الأوثان، كاتمين لأصل الاعتقاد، وهم أكتم الناس لاعتقادهم، ولهم أمور وحيل في صبيانهم إذا عقلوا في كتمان
دینهم .
وعنهم أخذت الإسماعيلية كتمان المذهب، وإلى مذهبهم انتهت دعوتهم، وأصلُ الجميع اتخاذ الكواكب السبعة
آلهة وعبادتها، واتخاذها أصناماً على أسمائها، لا خلاف بينهم في ذلك، وإنما الخلاف بين الذين بناحية حرَّان
وبين الذين بناحية البَطَائح في شيء من شرائعهم، وليس فيهم أهل كتاب، فالذي يغلب في ظني في قول أبي حنيفة
في الصابئين أنه شاهد قوماً منهم أنهم يُظهرون أنهم من النصارى وأنهم يقرؤون الإِنجيل وينتحِلُون دين المسيح
تقيةً، لأن كثيراً من الفقهاء لا يرون إقرارَ معتقدي مقالهم بالجزية، ولا يقبل منهم إلاّ الإسلام أو السيف، ومن كان
اعتقاده من الصابئين ما وصفنا، فلا خلاف بين الفقهاء أنهم ليسوا أهل كتاب، وأنه لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح
نساؤهم. انتھی.
=

٢٠٥
كتاب الإيمان
وظني: أنهم كانوا يعتقدون بمخترعاتِهِم، وتسويلاتِ شياطينهم، وكان عندهم من أشياءِ النبوة
أيضاً، إلا أنهم لم يكونوا يتبعون نبياً خاصاً، وقال بعضهم: إن المراد من ﴿ومن آمن بالله﴾
وتعلّمُ نحوه في باب أخذ الجزية من أهل الكتاب ورُوي في ذلك اختلافاً بين التابعين. وقد بسط ابن النديم في
=
كتابه ((الفهرست)) في أحوالهم بما لاَ مزيد عليه، فذكر في الفن الأول من المقالة التاسعة معتقداتهم، وصلواتهم،
وصيامهم، وذبائحهم، وسائر أحكام دينهم مفصلاً، ثم ذكر حكاية أخرى في أمرهم فقال: قال أبو يوسف أيشع
القطيعي النصراني في كتابه في الكشف عن مذاهب الحرانيين المعروفين في عصرنا بالصابئة: إن المأمونَ اجتاز
في آخر أيامِهِ بديار مصر، يريد بلاد الروم للغزو، فتلقاه الناس، يدعون له وفيهم جماعة من الحرَّانيين وكان
زيهم إذ ذاك لبس الأقبية، وشعورهم طويلة بوَفْرَات كوَفْرة جدٍ سنان بن ثابت، فأنكر المأمون زيهم وقال لهم:
من أنتم من الذمة؟ فقالوا: نحن الحرنانية، فقال: أنصارى أنتم؟ قالوا: لا، قال: فيهود أنتم؟ قالوا: لا، قال:
فمجوس أنتم؟ قالوا لا، قال لهم أفلكم كتاب أم نبيٌ، فمجمجوا في القول، فقال لهم: فأنتم إذاً الزنادقة عبدة
الأوثان، وأصحاب الرؤوس في أيام الرشيد والدي. وأنتم حلالٌ دماؤُكم، لا ذمة لكم فقالوا: نحن نؤدي
الجزية . . .
فاختاروا الآن أحد أمرين: إما أن تنتحلوا دينَ الإسلام، أو ديناً من الأديان التي ذكرها الله في كتابه، وإلاّ قتلتكم
عن آخركم، فإني قد أنظرتكم إلى أن أرجعَ من سفرتي هذه، فإن أنتم دخلتم في الإسلام أو في دين من هذه
الأديان التي ذكرها الله في كتابه، وإلاّ أمرت بقتلكم واستئصال شأفتكم - ورحلَ المأمونُ يريدُ بلد الروم، فغيروا
زِيهم، وحلقوا شعورهم وتركوا لبس الأقبية، وتنصر كثيرٌ منهم، ولبسوا زنانير، وأسلم منهم طائفة، وبقي منهم
شرذمة بحالهم، وجعلوا يحتالون، ويضطربون، حتى انتدب لهم شيخ من أهلٍ حران فقيه، فقال لهم: قد وجدتُ
لكم شيئاً تنجون به وتسلمُون من القتل فحملوا إليه مالا عظيماً من بيت مالهم ...
فقال لهم: إذا رجع المأمونُ من سفره فقولوا له: نحن الصابئون، فهذا اسم دين قد ذكره الله جل اسمه في القرآن،
فانتجِلُوه فأنتم تنجون به. وقضى أن المأمون توفي في سفرته تلك بالبذندون ... وانتحلوا هذا الاسم منذ ذلك
الوقت، لأنه لم يكن بحران ونواحيها قومٌ يسمَون بالصابئة، فلما اتصل بهم وفاة المأمون ارتد أكثر من كان تنصر
منهم، ورجع إلى الحرنانية،، وطولوا شعورهم حسب ما كانوا عليه قبل مرور المأمون بهم، على أنهم صابئون،
ومنعهم المسلمون من لُبْس الأقبية، لأنه من لُبْس أصحاب السلطان، ومن أسلم منهم لا يمكنه الارتداد خوفاً من
أن يقتل، فأقاموا متسترين بالإسلام، فكانوا يتزوجون بنساء حرانيات، ويجعلون الولد، الذكرَ مسلماً، والأنثى
حرانية، وهذه كانت سبيل كل أهل ترعوز، وسلمسين، القريتين المشهورتين العظيمتين بالقرب من حران إلى منذ
نحو عشرين سنة .
كان الشيخان المعروفان بأبي زرارة، وأبي عروبة، علماء شيخ حران بالفقه والأمر بالمعروف، وسائر مشايخ أهل
حران وفقهائهم احتسبوا عليهم ومنعوهم من أن يتزوجوا بنساء حرانيات، أعني صابئات، وقالوا: لا يحل للمسلمين
نكاحهم، لأنهم ليسوا من أهل الكتاب هكذا في النسخة، وبحران أيضاً منازل كثيرة إلى هذه الغاية بعض أهلها
حرنانية ممن كان أقام على دينه في أيام المأمون، وبعضهم مسلمون، وبعضهم نصارى ممن كان دخل في الإسلام
وتنصَّر في ذلك الوقت إلى هذه الغاية، مثل قوم يقال له: بنو أبلوط، وبنو قيطران، وغيرهم مشهورين بحران، اهـ.
وقد فصل أحوالهم وذكر في خاتمتها - وقد كان هارون بن إبراهيم بن حمَّاد بن إسحاق لما كان يلي بحران وأعمالها
القضاء، وقع إليه كتاب سرياني فيه أمر مذاهبهم وصلواتهم، فأحضر رجلاً فصيحاً بالسريانية والعربية ونقله له
بحضرته من غير زيادة ولا نقصان، والكتاب موجود كثير بيد الناس، واحتسب هارون بن إبراهيم حملَه إلى أبي
الحسن علي بن عيسى وفي ذلك الكتاب مشروح، فلينظر فيه فإنه يغفي عن كثير من الكتب المعمولة في معناه.
انتھی .

٢٠٦
كتاب الإيمان
من يؤمنُ في المستقبل، وإنما اضطروا إلى هذه التوجيهات، لأن في ظاهر الآية تكراراً في
قوله: ﴿مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾ لما مر ذكره في صدرِ الآية أيضاً. والوجه عندي: أن ﴿مَنْ ءَمَنَ﴾
الثاني استئناف للكلام السابق، للفصل بينه وبين ما يترتب عليه، فإن قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ
رَبِّهِمْ﴾ مرتبط مع قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فأعيد بالاستئناف ليظهرَ الترتب. ثم إني رأيت في
كُتُبِ أهل الكتاب أن الحنيفَ عندهم لفظ المذمة، والكاهِنُ من ألفاظ المدح، حتى أنهم
كانوا يستعملونه في الأنبياء أيضاً، وفي عرفنا بالعكس: الحنيف من أوصاف الأنبياء،
والكاهن من أوصاف الكفار. قال مثل: ((من أتى كاهناً وصدقه فقد كفر)) أو كما قال،
والحاصل: أن المرادَ من الحنيفية الآن هو الملةُ الإبراهيمية، وسيجيء بعض الكلام في باب
التيمم .
٣٩ - حدّثنا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ
الغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ﴾ قَالَ: ((إِنَّ الدِّينَ
يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالغَدْوَةِ
وَالرَّوْحَةِ وَشَيءٍ مِنَ الدُّلجَةِ)). [الحديث ٣٩ - أطرافه في: ٥٦٧٣، ٦٤٦٣، ٧٢٣٥].
٣٩ - (لن يشادَّ الدين) ... إلخ أي من أراد أن يعملَ بالعزائم فقط ولا يترخص بالرخصٍ،
يكون مغلوباً من الدين، ويَغْلِبُ عليه الدين آخراً ولا يستطيعُ أن يداومَ عليه، فليعمل بالعزائم
والرخص.
(فسددوا وقاربوا) من السداد بالفتح، وهو: القصد. وحاصله عندي: أن اقتصدوا في
الأعمال واتركوا التعمق، وترجمته في الهندية (ميانه روى كرو اور بلنديروازى نكرو) فاغتنمه
غنيمةً باردةً، فإنه سهلٌ ممتنعٌ، وإن كثيراً من الناس عن حقيقتِهِ لغافلون، فلا يدركونَ مراد هذين
اللفظين .
(واستعينوا بالغدوة) ... إلخ وكان مولانا قطب العالم الشيخ الجنجوهي رحمه الله تعالى
يؤوله بالذكر في الغدوة والرَّوْحة وشيء من الدُّلجة، وإن ورد الحديث في الجهاد.
٣١ - بابُ الصَّلاَةِ مِنَ الإِيمَانِ
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمَّ﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي صَلَاتَكُمْ عِنْدَ
البَيتِ.
واعلم أن ههنا إشكالين: الأول: أنه لا خفاء في أن العمل بالمنسوخ قبل نزول الناسخ
مقبولٌ، فما وجه إشكال الصحابة رضي الله تعالى عنهم فيمن ماتوا وهم يصلون إلى بيت
المقدس؟ والجواب: أنه كان أول نُسْخ في الإسلام، كما رُوِي عن ابن عباس رضي الله تعالى
عنه فلم يكونوا يعلمون المسألة. والإشكال الثاني على ترجمة المصنف رحمه الله. وحاصله:
أنه لم يكن للصحابة تردد في الصلوات التي صُليت إلى بيت الله، إنما كان الترددُ فيما صليت

٢٠٧
كتاب الإيمان
إلى بيت المقدس، وإذن لا معنى لتفسيره بالصلاة عند البيت، فإنه لم يكن لهم إشكال في تلك
الصلوات، مع أنه روى النسائي وغيره في الحديث المذكور فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ
إِيمَنَّكُمْ﴾: صلاتكم إلى بيت المقدس، وعلى هذا فقول المصنف رحمه الله تعالى: ((عند البيت))
مشكلٌ، مع أنه ثابتٌ في جميع النسخ.
قال بعض العلماء: إن المرادَ من البيت هو بيتُ المقدس، و ((عند)) بمعنى إلى، فصار
الحاصل: يعني إلى بيت المقدس.
قلتُ: والمعروف من البيتِ عند الإطلاقِ بيتُ الله، دون بيتِ المقدس. وأجاب عنه
النووي: أن المراد منه الصلوات بمكة، وهو أيضاً كما ترى، فإن الترددَ والشبهة إنما كان في
الصلوات التي صُليت بالمدينة سبعةً عَشَرَ شهراً إلى بيت المقدس. وقال الحافظ رحمه الله:
مقاصد البخاري في هذه الأمور دقيقة وبيان ذلك: أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان
النبي وَليّ يتوجه إليها للصلاة وهو بمكة، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه وغيره: كان يصلي
إلى بيت المقدس، لكنه لم يكن يَسْتدبر الكعبة، بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس. وأطلق
آخرون: أنه كان يصلي إلى بيت المقدس. وقال آخرون: كان يصلي إلى الكعبة، فلما تحول
إلى المدينة استقبلَ بيت المقدس، وهذا ضعيف، يلزمُ منه دعوى النَّسخ مرتين، والأول أصح،
وراجع التفصيل من ((شرح المواهب)) للزُّرْقَاني.
وكأن البخاري أراد الإشارةَ إلى الجزم بالأصح، من أن صلاتهم عند البيت كانت إلى
بيت المقدس، واقتصر على قوله: ((عند البيت))، ولم يقلْ إلى بيت المقدس، اكتفاءً بالأولوية،
لأن صلاتهم إلى غير جهة البيت، وهم عند البيت، إذا كانت لا تضيع، فأحرى أن لا تضيعَ إذا
غابوا عنه، فتقديرُ الكلام هكذا يعني: صلاتكم التي صليتُمُوها عند البيت إلى البيت المقدس.
قلت: إن ((عند)) ههنا للزَمان، والمراد منَ البيت هو بيت الله. والمعنى: أن صلاتكم إلى بيت
المقدس لم تضيع عند كون البيت قبلة، وحينئذٍ ((عند)) زمانية لا مكانية.
بحثٌ أنيقٌ في استقبال الكعبة واستقبالِ بيت المقدس، وهل كانا قِبْلتين،
أم كانت الكعبة قِبلة لجميع الملل، وهل النسخ وقع مرة أو مرتين؟
بقي الكلام في أن استقبالَ بيت المقدس كان من الاجتهاد، أم من الوحي، فحقق ابن
القيم رحمه الله تعالى في ((هداية الحيارى)) أن مكةً شرفها الله وبيتَ المقدس كانتا قبلتين من
قبل، وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام عيَّنهما، فالقبلتان إبراهيميتان. وذهب جماعة (١) إلى أن
(١) وفي ((حاشية جامع البيان)) عن ((بدائع الفوائد)) - واليهود كانوا ينصِبُون التابوت ويصلون إليه من حيث خرجوا،
فإذا قَدِموا نصبَوه على الصخرة وصلوا إليه، فلما رُفِعَ صلوا إلى موضعه وهو الصخرة - كذا في ((مُشكلات القرآن))
للشيخ رحمه الله، ص٤٠.

٢٠٨
كتاب الإيمان
بيت المقدس لم تكن قِبلة قط، وإنما كان بنو إسرائيل مأمورينَ باستقبال التابوت في صلواتهم،
ولم تكن لهم جهة متعينة لصلواتهم، وإنما كانوا يستقبلون بيت المقدس من عند أنفسهم، لا أنها
كانت قِبلة لهم، ووجهه أن سليمان عليه الصَّلاة والسَّلام لما بناه في زمانه، وضع التابوت في
البيت، فجعلوا يستقبلونه لأجل التابوت، لا لكونها قِبلة، إلا أنه لما استمر بها العمل اشتهر أنها
قبلتهم .
قلتُ: ولي فيه تردد. والأصلُ أن الذبيحَ اثنان: إسحاق عليه الصَّلاة والسلام وقرب به في
بيت المقدس، فكانت قِبلة لبني إسرائيل، وقرب بإسماعيل عليه الصَّلاة والسلام في بيت الله،
فجعلت قبلة لِبَنِيهِ، وفي التوراة تصريحٌ بأن يعقوبَ عليه الصَّلاة والسَّلام كان غَرَزَ خَشَبَةً في بيت
المقدس، وكان أوصى لبنيه أن يجعلوها قِبلةً عندما تفتحُ عليهم الشام، وكان أصل التعيين من
أبيه، وحينئذٍ تحصَّلَ أن القبلتين كانتا على تقسيم البلاد، فبيت الله كانت قبلةً لأهلها، لأنهم
كانوا بني إسماعيل عليه الصَّلاة والسَّلام، وبيت المقدس لأهل المدينة وأمثالهم، لأنهم كانوا
من يهود بني إسرائيل، فلما كان النبي ◌َّ في مكة توجه إلى البيت تبعاً لأهل بلدته، لأن قِبلتَه إذ
ذاك كانت هي البيت، لكونه في بلدة قبلتها تلك البيت، فلما تحول إلى المدينة توجه إلى ما
كان أهلُ تلك البلدةِ يتوجهون إليها، على ما مر أن تقسيم القبلتين كان على تقسيم البلاد، لا أن
بيتَ الله كانت قبلةً ثم صارت بيت المقدس، قِبلة، بل كلتاهما كانتا قبلتين على السوية، إلا
أنهما كانتا على تقسيم البلاد، فلم تكن القبلتان في مكة والمدينة من اجتهاده وَّ، بل كانتا على
الأصل، يعني من لدن إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام، ولكنه توجه النبيُّ ◌َّ في الموضعين
بحَسَب تقسيم البلاد، وإنما كان النبي ◌َّ يحب أن يوجَّه إلى البيت، لأنه كان من بني إسمعيل،
فكان يحب قبلة أجداده.
وعلى هذا التقرير، لا حاجةً إلى القول بتكرر النسخ كما علمت. ولك أن تقول: إن حاله
في الاستقبال يُشبَّهُ بحاله ليلة المعراج، فكما أنه عُرج به من بيت المقدس، ولم يُعرج به من
البيت ابتداءً، كذلك أمر النبي ◌ّر بالاستقبال إلى بيت المقدس أولاً، ثم إلى البيت ثانياً، فإن
المقرَّ ونهاية السفر هو بيت الله، وحينئذٍ لا بِدْعَ في تكرر النسخ. وقد عدّ السيوطي رحمه الله
تعالى عِدَّة أشياء تكرر فيه النسخ، على أن بيتَ الله كالديوان الخاص، وبيتَ المقدس كالديوان
العام، لا يكون إلا لحاجة، والمقرُّ الأصليُ هو الديوان الخاص، فهذا النظر أيضاً يؤيد كون
البيت قبلة بمكة، ثم بيت المقدس بالمدينة لحاجة، ثم البيتُ قِبلة إلى الأبد.
واعلم أن إطلاق الإيمان على الصلاة ليس من باب إطلاق الكل على الجزء كما قال
بعضهم، بل لأن صلواتهم إلى بيت المقدس في ستةَ عَشَر أو سبعةَ عشَرَ شهراً إن ضاعت كلها،
فكأنه ضاع إيمانهم، وهذا وإن كان فيه إطلاق الإيمان على الصلاة أيضاً، إلا أنه ليس من الباب
الذي فهم، بل هو راجعٌ إلى باب السِّراية دون الجزئية، وحينئذٍ يضعُف استدلال المصنف
رحمه الله تعالی منه.
٤٠ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ:

٢٠٩
كتاب الإيمان
أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلَ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ: أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ،
وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْراً، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْراً، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ
قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيتِ، وَأَنَّه صَلَى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ العَصْرِ، وَصَلَّى مَعُهُ قَوْمٌ، فَخِرَجٌ
رَجُلٌ مِمَّنْ صَلّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيِثُ
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَما هُمْ قِبَلَ البَيتِ، وَكَانَتِ اليَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ
يُصَلِّي قِبَلَ بَيتِ المَقْدِسِ، وَأَهْلُ الكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ البَيتِ أَنْكَرُوا ذلِكَ.
قَالَ زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إسْحاقَ، عَنِ البَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هِذا: أَنَّهُ مَاتَ عَلَى القِبْلَةِ قَبْلَ
أَنْ تَحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُوَلُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ
إِيمَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. [الحديث ٤٠ - أطرافه في: ٣٩٩، ٤٤٨٦، ٤٤٩٢، ٧٢٥٢].
٤٠ - (أول صلاة صلاها صلاة العصر) وفي السير أنها الظهر وجمع الحافظ رحمه الله
تعالى بينهما بأن أول صلاةً صُليت إلى بيت الله هي صلاة الظهر، نزل النسخ فيها بعد
الركعتين(١) وكان النبي ◌َّ﴾ إذ ذاك في مسجد ذي القِبْلتين، وأول صلاة صلاها بتمامها إلى
البيت هي صلاة العصر، وكانت في المسجد النبوي.
وفي ((وفاء الوفى بأخبار دور المصطفى)) للسَّمْهُودي وهو تلميذ ابن حجر رحمه الله تعالى
ما يدل على أنها نزلت في المسجد النبوي، دون مسجد ذي القبلتين، والحافظ ذَهَلَ عنه. ثم
رأيت في تفسير الشيخ محمود الألوسي رحمه الله تعالى عن حاشية السيوطي رحمه الله تعالى
على البيضاوي: أنه كان يردُ توجيه الحافظ، ويرجح رواية السِّير على ((صحيح البخاري))،
والسيوطي رحمه الله تعالى وإن لم يكن مثل الحافظ، لكن رأيت الألوسي رحمه الله تعالى أيضاً
اختار ترجيح رواية السير، فترددت فيه بعده أيضاً.
(فمر على أهل مسجد) قال العيني: إن هؤلاء أهل مسجد القِبْلتين، ومرّ عليهم المار في
صلاة العصر، وأما أهل قُباء، فأتاهم آتٍ في صلاة الصبح.
(وأهل الكتاب) قيل: إن كان المرادُ منهم اليهود فقد مر ذكرهم، وإن كان النصارى
فليست قبلتهم بيت المقدس، بل هي بيت لحم، جانب الشرق من بيت المقدس، وهو مولد
عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام، فكان الأمران عندهم سواء، فَلِمَ سخطوا على التحويل عنها؟
والجواب: أن المراد منهم النصارى، ووجه إنكارهم أن النبي ◌ّ إذا كان يستقبلُ بيتَ المقدس
(١) ونقل الحافظ رحمه الله عن شرح الحافظ برهان الدين الحلبي على البخاري: أن نِصفَ صلاته كانت إلى بيت الله
ونصفَها إلى بيت المقدس، والحافظ برهان الدين حنفي من جهابذة الحفاظ، كان من حفاظ اليمن كما أن ابن
حجر رحمه الله كان من حفاظ مصر - وكان كثير التصانيف، إلاّ أن ملك تيمور حرق كتُبَه كلها بين عينيه، فلم يبق
من تصانيفه نقير ولا قِظْمِير، إلّ ما كان الناس أخذوه نقلاً، وقد أحال الشيخ ابن الهمام رحمه الله تعالى على
شرحه في موضع من باب المهر، فلعله يكون عنده نقل عنه، ويمكن أن يكونَ بلغ كلامه إليه من أفواه تلامذته،
هكذا في تقرير الفاضل عبد العزيز معربا. اهـ.

٢١٠
كتاب الإيمان
وهو بالمدينة، كان يقع استقباله إلى بيت لحم أيضاً، فإنهما في سَمتٍ واحد من المدينة، فلما
ولَّى عنها لزمَ التحولُ عن قبلتهم أيضاً، فأنكروا لهذا. أو يقال: إنهم أيضاً كانوا يسمون بيت
المقدس قِبلةً، فإنهم كانوا يدعون بتعبد الديانة الموسوية، والقبلة فيها بيتُ المقدس. والله تعالى
أعلم .
(قال زهير) قال الكَرْماني: إنه تعليق. قلت: والصواب ما قاله الحافظ رحمه الله تعالى:
إن المصنف رحمه الله تعالى ساقه في التفسير مع جملة الحديث عن أبي نعيم عن زهير.
(اقتلوا) قال الحافظ رحمه الله تعالى: لم أجد روايةٌ سوى رواية زهير تدل على قتلِ رجلٍ
قبل التحويل، لعدم وقوع غزوة في تلك المدة. أقول: إن نفي القتل مطلقاً مشكل، ويمكن أنّ
يراد به القَتْلُ بمكة لا المدينة كما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى آخراً.
(فلم ندر ما نقول) المشهور أن الشبهة كانت في صلواتهم. ويحتملُ عندي أن تكونَ الشبهةُ
في دفن الموتى، فإنها دُفنت قبل القِبلة، وأثرُهَا باقي بعد التحول أيضاً، بخلاف الصلاة، ولذا
خصَّها الراوي بالذكر. وعلى الوجه المشهورِ لا يظهرُ بتخصيص الموتى معنى، فإن الأحياء
والأموات كلهم مشتركون في إضاعة الصلوات لو ضاعت(١) وقد مر أن وجه الإشكال فيه كونه
أول نَسْخ كما رُوي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. قلت: فيه نظر إلّا أن يكون أولاً باعتبار
الشُّهرة، فإنه أولُ نسخِ اشتُهر، لنزاعٍ أهل الكتابين فيه .
٣٢ - بابُ حُسْنِ إِسْلاَمِ المَرْءِ
٤١ - قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زَيدُ بْنُ أَسْلَمَ: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ
الخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، يُكَفِّرُ اللَّهُ
عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذلِكَ القِصَاصُ: الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمائِة
ضِعْفٍ، وَالسَّيَِّةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا)).
٤٢ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ،
عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّهِ: ((إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ
حَسَنَةٍ يَعْمَلُها تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ
بِمِثْلِهَا».
قسم الإسلام إلى الحُسن وغيره بعد تقسيمه إلى العسر، واليسر، والحُسن أيضاً من
الإيمان، كما أن حُسنَ الوجهِ من الوجه. واعلم أن ههنا إشكالاً: وهو أن المصنفَ رحمه الله
تعالى تركَ قِطعة من الحديث وأخرجها النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) وقال: ذكره
(١) قلت هذا الاحتمال جيدٌ جداً لو كانت الألفاظ تُؤَيدُه، ولم أسمع من شيخي رحمه الله تعالى غير تلك القطعة،
ولا اتفقَ لي مراجعةٌ في هذا الباب، والله أعلم، فلا أدري ماذا قال الشيخ؟ وماذا فهمت؟.

٢١١
كتاب الإيمان
الدارقطني في غريب حديث مالك، ورواه عنه من تسع طُرُق، وثبت فيها كلَّها أن الكافرَ إذا
حَسُنَ إسلامهُ يُكتب في الإسلام كل حَسَنَة عملها في الشرك. انتهى.
وهذه القطعة ليست في البخاري فقال قائل: إن المصنفَ رحمه الله تعالى حَذَفَها
لإشكالها، لأنها تدلُ على أن حسناتِ الكافر أيضاً معتبرة.
قلت: وهو كما ترى، والوجه عندي: أن تلك القطعة الواردة في حديث أبي سعيد
الخُدري رضي الله تعالى عنه ليست في أحدٍ من الروايات التي رُويت في هذا الباب، أي في
معنى هدم معاصي الكفر بعد الإسلام، وإن كانت ثابتة في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى
عنه، فحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ((الإسلامُ يهدمُ ما كان قَبْله)) وإن كان مغايراً
لحديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه بحسَب ضابطة المحدثين، إلا أنه لاتحادِ المعنى يمكنُ
أن يكونَ واحداً عند المصنف رحمه الله تعالى. ولما لم ترد تلك القطعة في أحد من
تلك الروايات سوى حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه فيما أعلم تردد فيها وتَركها والله
أعلم.
بقي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قلنا يا رسول الله أنؤاخذُ بما
عملنا في الجاهلية؟ فقال: ((من أحسنَ في الإسلام لم يؤاخذْ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء
في الإسْلام أُخِذَ بالأولِ والآخر)). فقال النووي رحمه الله تعالى في ((شرحه)): إن المراد
بالإحسان الدخولُ في الإسلام ظاهراً وباطناً، ومن الإساءة عدم الدخول في الإسلام بقلبه،
وكونه منقاداً في الظاهر مُظهِراً للشهادتين غير معتقدٍ للإسلام بقلبه، فهذا منافق باقٍ على كفرِهِ
بإجماع المسلمين، فيؤاخذُ بما عمل في الجاهلية، قبل إظهار صورة الإسلام، وبما عمل بعد
إظهارِهَا، لأنه مستمرٌ على كفره. انتهى.
قلت: والمراد من إحسانِ الإسلام عندي أن يُسلم قلبُهُ، ويتضمن إسلامهُ التوبة عما فعل
في الكفر، فلم يعد بعد الإسلام إليها، فَهذا الذي غُفر له ذنبه. ومن إساءة الإسلام أن يُسلم ولم
يتضمن إسلامُهُ التوبة عن معاصيه التي زلفها في الكفر، واستمر على ما كان، فهذا وإن صار
مسلماً إلا أنه يُؤخذُ بالأول والآخر، وعلى هذا فحديث الهدم محمولٌ على ما تضمن إسلامُهُ
التوبة، وحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه على ما لم يكن كذلك.
ثم ههنا حديث آخر عن حكيم بن حزام عند مسلم: أنه قال لرسول الله وَلهم أرأيتَ أموراً
كنت أتحنثُ بها في الجاهلية هل لي فيها من شيء؟ فقال له رسول الله مصر: ((أسلمت على ما
أسلفت من خير)) وهذا يدل على اعتبار حسناتِ الكافر في كفره. وأوَّلَه الناسُ بتأويلات ذكرها
النووي رحمه الله تعالى. وعندي لا تأويل فيه، بل هو على ظاهرِهِ، وليَ جزمٌ بأن طاعاتٍ
الكفار نافعة بتاً، كما مر في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه صراحةً من أن الكافرَ إذا حَسُنَ
إسلامه يكتب له في الإسلام كلُ حسنة عملها في الشرك.
إلَّا أن حسناتِ الكافر على نحوين منها كالحِلْم، وصلة الرَّحم، والإعتاق، والصدقة،

٢١٢
كتاب الإيمان
فهذه كلُّها نافعةٌ له في الآخرة، وإن لم تكنُ منجية، فإن المنجيَ من النار هو الإيمان لا غير،
إلَّا أنها تصير سبباً لتخفيف العذاب شيئاً، ولذا أجمعوا على أن الكافرَ العادل أخفُّ عذاباً من
الكافر الظالم، وكذا عُلم من الشريعة تفاوت دركات العذاب، وليس هذا إلا لنفع الطاعات
يسيراً .
بقيت العبادات، فلا تعتبرُ أصلاً، فما أول به النووي في ((شرحه)) قول الفقهاء، وقال:
وأما قول الفقهاء: لا تصح من الكافر عبادة، ولو أسلم لم يُعتدّ بها، فمرادهم أنه لا يعتد له بها
في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة. انتهى. ليس بصواب عندي قطعاً، فإن
عبادات الكفار ليست بمعتبرة في أحكام الدنيا ولا في أحكام الآخرة، ولذا لم تُذْكر في حديث
حكيم بن حِزَام غير العتق وأمثاله، ولم تذكر فيها العبادات أصلاً.
فالحاصل: أن الطاعاتِ والقُرُباتِ، كلُّها نافعةٌ للكافر، أما العبادات فغيرُ معتبرةٍ أصلاً بلا
تأويل والله أعلم بحقيقة الحال.
٣٣ - بابُ أَحَبِّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمِهِ
أي ينقسم الدين إلى الأحبُّ وغيره، كما انقسم إلى العسير، واليسير، والأحسن،
وغيره. ثم ذلك أيضاً إيمان. قال العلماء: إن القليل الذي دِيم عليه خيرٌ من الكثير الذي لم
يداوَم عليه، كما في الحديث، ومثّلَه الغزالي رحمه الله تعالى أن الماء إذا قَطَرَ على حجارةٍ
قطرة قطرة، ولم يزل كذلك يقطرُ، فإنه يثقبُ فيه يوماً، بخلاف إذا صُبَّ صباً، فإنه لا يؤثر فيه
بشيء.
٤٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ
عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ قَالَ: ((مَنْ هذهِ؟)) قَالَتْ: فُلَانَةٌ، تَذْكُرُ مِنْ
صَلَاتِهَا، قَالَ: (مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا)). وَكَانَ أَحَبَّ
الدِّينِ إِلَيهِ مَا دَاوَمَ عَلَيهِ صَاحِبُهُ. [الحديث ٤٣ - طرفه في: ١١٥١].
(لا يمل) قيل: إن الملال لا يُنسب إلى الله تعالى، فالنفى فيه على سبيل المُشَاكلة،
والمراد منه أن الله تعالى لا يترك الإثابة ما لم تتركوا العبادة. قلت: وشاكلتُه كاليد، والأصابع،
والوجه، فما قُرر فيها يقرر فيه أيضاً. وسيجيء عليه الكلام في موضعه إن شاء الله تعالى ما
يكفي ويشفي .
٣٤ - باب زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَزِدْنَهُمْ هُدَى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿وَيَزْدَادَ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيمَا﴾ [المدثر:
٣١]، وقَالَ: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فَإِذَا تَرَكَ شَيئاً مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ ناقِصٌ.
٤٤ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ

٢١٣
كتاب الإيمان
النَّبِّ ◌ََّ قَالَ: ((يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّ اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيرٍ،
وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إِلَّ اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَّنْ
قَالَ لَا إِلهَ إِلَّ اللَّهُ وَفِي قَلِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيرٍ)) .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ: ((مِنْ
إِيمَانٍ)) مَكَانَ: ((مِنْ خَيرٍ)). [الحديث ٤٤ - أطرافه في: ٤٤٧٦، ٦٥٦٥، ٧٤١٠، ٧٤٤٠، ٧٥٠٩،
٧٥١٠، ٧٥١٦].
٤٥ - حدّثنا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاح، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ: حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيس:
أَخْبَرَنَا قَيسُ بْنُ مُسْلِم، عَنْ طَارِقٍ بْنَ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: أَنَّ رَجُلاً مِنَ
اليَهُودٍ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيّرَ المُؤْمِنِينَ، آيَّةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ
نَزَّلَتْ، لاتَّخَذْنَا ذلِكَ اليَوْمَ عِيداً، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفَنَا ذلِكَ اليَوْمَ،
وَالمَكَانَ الّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ بَّهِ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ. [الحديث ٤٥ - أطرافه
في: ٤٤٠٧، ٤٦٠٦، ٧٢٦٨].
وقد مر بعض الكلام عليه في باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال . ورُوي عن إمامنا
الأعظم رحمه الله تعالى أن الإيمانَ يزيدُ ولا ينقص، وكأنه مأخوذٌ مما رُوي عند أبي داود في
كتاب الفرائض عن معاذ بن جبل: ((أنه ورث المسلم عن الكافر ولم يورثه من المسلم وقال:
الإسلام يزيد ولا ينقص)). قيل في شرحه: أي يعلو ولا يُعلى. وقد مر معناه: ((أن رجلاً من
اليهود)) قيل: هو كعب الأحبار(١)، وكذا وقع في بعض الروايات مُسمّى، وقوله يدل على حقية
الإسلام عنده.
٤٥ - (قال عمر رضي الله تعالى عنه): حاصلُ جوابِهِ القولُ بالموجَب، لأن نزولَ الآية في
حَجَّةِ الوداع من يوم عرفة في عرفات التاسع من ذي الحِجَّةَ.
٣٥ - بابُ الزَّكاةِ مِنَ الإِسْلَامِ
وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَمَّ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اٌلِيْنَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْثُواْ الزَّكَوَةَ
﴾﴾ [البينة: ٥].
وَذَلِكَ دِينُ اَلْقَيِّمَةِ
٤٦ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيلِ بْنِ مَالِكِ،
عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ طَلحَةَ بْنَ عُبَيدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ،
(١) وكان وَهْب بن مُنَبِّه أيضاً يهودياً عالماً بالتوراة، ثم أسلم إلاّ أنه كان أصغرَ من كعب، وكان كعب من علماء
الشام ووهب من اليمن، هكذا في تقرير الفاضل عبد القدير.

٢١٤
كتاب الإيمان
ثَائِرُ الرَّأْسِ، قال: يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ
الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ)) فَقَالَ: هَل عَلَيَّ غَيْرُهَا؟
قَالَ: ((لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: (وَصِيَامُ رَمَضَانَ)) قَالَ: هَل عَلَيَّ غَيرُهُ؟
قَالَ: ((لَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)) قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ الزَّكَاةَ قَالَ: هَل عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ:
(لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)) قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هذا وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ اَلِهِ: (أَفَلَحَ إِنْ صَدَقَ)). [الحديث ٤٦ - أطرافه في: ١٨٩١، ٢٦٧٨، ٦٩٥٦].
واعلم أن قِصة هذا الرجل تُشبه بقصة ضِمام بن ثعلبة، فاختلفوا فيه أنهما واقعتان، أو
واقعة واحدة، وأتى ضِمام في السنة الخامسة، فاعلمه.
٤٦ - (إلّا أن تطوع) واستدلَ منه الشافعية على نفي(١) وجوب الوتر، وليس بشيء.
واستدل منه الحنفية أيضاً على أن النوافلَ تلزمُ بالشروع، وجعلوا الاستثناء متصلاً، أي فإنه يجب
عليك. وجعله الحافظ رحمه الله تعالى منقطعاً. قلت: إن مالكاً رحمه الله أيضاً يوجب القضاء
فيما أبطله بلا وجه. وأجمع الكلُّ في إيجاب القضاء بعد إفساد الحج. ونظر الحنفية في سائر
العبادات كنظرهم في الحج.
وأحسنُ ما يُستدل به للمذهب ما اختاره صاحب ((البدائع)) وقال: إنه نذرٌ فعليّ، فقسم
النذرَ إلى قولي وفعلي، وجعل الشروعَ نذراً فعلياً، وهذا جيد جداً. أما الاستدلال بقوله
تعالى: ﴿وَلَ نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فليس بناهضٍ، لأن الآيةَ إنما سيقت لبطلان الثواب
لا للبطلان الفقهي، كما يدل عليه السياق، فهي كقوله: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِأَلْمَنِ وَالْأَذَى﴾
[البقرة: ٢٦٤].
ثم أقول: إن الحديث خارجٌ عن موضع النِّزَاعِ، فإن الإيجاب المذكورَ فيه إنما هو
الإيجابُ من جهة الوحي، ومسألة لزوم النفل بالشروع إنما هو في إيجاب العبد على نفسه شيئاً
بِخَيْرَتِهِ وطوعه، فافهم ولا تعجل.
((وأبيه)) وفيه حَلفٌ بغير الله. قال الشوكاني: وهو من فَلَتَات لسانِهِ مَّ هِ. والعياذ بالله أن
تجري على لسانه فَلْتة ما تكون فيه شوائب الشرك. مع أنه قد ثبت عنه في نحو أربعة أو خمسة
(١) نقل المَقْرِيزي في ((تلخيص قيام الليل)) لمحمد بن نصر حكاية أن رجلاً سأل أبا حنيفة رحمه الله أن الله تعالى كم
فَرَضَ من الصلوات؟ فقال: خمسا، فقال: أين الوتر؟ فأعاد عليه السؤال، كل ذلك يجيبُه الإمام رحمه الله تعالى
بأنها خمس، فسخِر منه الرجل وقال: إنه لا يدري الأعداد أيضاً. ((قلت)): أما محمد بن نصر فما أقول فيه، فإنه
رجل عظيم القدر، أما هذا السائل فإنه عَجزَ أن يفهم جواب الإمام رحمه الله تعالى، مع أنه كان أجابه مرتين،
فإن الوتر تابعٌ للخمس وإن كان مستقلاً في بعض الأنظار وبعض المسائل، وقد أنكر صاحب (البدائع)) من كونه
تابعاً للعشاء، وإني أعلنُ على رؤوس الأشهاد بأنه تابعٌ للعشاء عندي قطعاً، وإن لم يكن تابعاً في بعض
الملاحظ، فذلك أمرٌ آخر.

٢١٥
كتاب الإيمان
مواضع، وقيل: إنه تصحيف ((والله))، وقيل: إنه منسوخ وهو مهمل. وأحسنُ الأجوبة ما ذكره
الجلبي(١) في ((حاشية المطول)) على لفظ: ((ولعمري))، والشامي على ((الدر المختار)) في
(١) وقال فاضل الروم حسن جلبي في ((حاشية المطول)): ويمكن أن يكون المراد بقولهم: لعمري وأمثاله ذكر صورة
القسم لتأكيد مضمون الكلام وترويجه فقط، لأنه أقوى من سائر المؤكَّدَات، وأسلمُ من التأكيد بالقسم بالله
تعالى، لوجوب البِرِ به، وليس الغرضُ اليمينَ الشرعي، وتشبيه غير الله به في التعظيم، حتى يردَ عليه أن الحَلِفَ
بغير اسمه تعالى وصفاته عزّ وجلّ مكروه كما صرح به النووي في ((شرح مسلم))، بل الظاهرَ من كلام مشايخنا،
أنه كفرٌ إنْ كان باعتقادِهِ أنه حَلِفٌ يجب البرِ به، وحرام إن كان بدونه، كما صرح به بعض الفضلاء وذكر صورة
القسم على الوَجْه المذكور لا بأس به، ولهذا شاع بين العلماء، كيف وقد قال عليه الصلاة والسلام ((قد أفلح
وأبيه إن صدق)) وقال عزّ من قائل ﴿لَعَمُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَنِهِمْ يَعْمَهُونَ (٣)﴾ [الحجر: ٧٢] فهذا جري على رسم اللغة
وكذا إطلاق القَسَم على أمثاله. اهـ. وكذا في ((رد المحتار)): والجلبي في لغة الروم، بمعنى مولانا، ثم إن
الحسن الجلبي هذا متقدم على أخي الجلبي محشي ((شرح الوقاية)) كذا قاله شيخنا رحمه الله. قال الحافظ
فضل الله التُّورِبِشْتِي رحمه الله في شرحه على المصابيح: وقد ذهب فيه بعض العلماء إلى النسخ طلباً للتوفيق بين
ما نقل فيه عن النبي ◌َّلر، وعن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وبين النهي الوارد فيه، ولا أراها إلّ زلةً من
عالم، فإن النسخ إنما يتأتّى فيما كان في الأصل جائزاً وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: سمعت
رسول الله ◌َّة يقول: ((من حلف بغير الله فقد أشرك)). وكل ما كان راجعاً إلى إخلاص الدين وتنزيه التوحيد عن
شوائب الشرك الخفي فإنه مأمورٌ به في جميع الأديان القويمة وسائر القرون الخالية.
وإنما الوجه فيه - والله أعلم - أن نقول: قد رُوي عن النبي ◌َّر في حديث طلحة بن عُبيد رضي الله تعالى عنه: جاء
رجل من أهل نجد ثائر الرأس إلى رسول الله وَالر ... الحديث. وفيه قال رسول الله عليه أفلح الرجل وأبيه إن
صدق - فإنه ليس بحَلِفٍ، فإن النبيِ وَل﴿ لم يكن يشرك بالله، وقد أخبر أنه شِرْك، وإنما هو تدعيمٌ للكلام وصلة له،
وهذا النوع وإن كان موضوعاً في الأصل لتعظيم المحلوفِ به، فإنهم قد أسبغوا فيه حتى كانوا يدعمون به الكلام،
ويوصلونه وهذا النوع لا يراد القسم، وأما غير النبي ◌ِّر ممن جمعه زمان النبوة فإن بعضهم كانوا يحلفون بآبائهم
تعظيماً لهم، وبعضهم عادةً، وبعضهم عصبيةً، وبعضهم للتوكيد، وقد أحاط بسائرها دائرة النهي، وإن كان بعضها
أهون من بعض، لئلا يلتبس الحق بالباطل ولا يكون مع الله محلوف به، والنبي ◌َ ◌ّله وإن امتازَ عن غيره بالعصمةِ
عن التلفظِ: بما يكادُ يكون فادحاً في صِرْف التوحيد، ولا يشبه حالُه في ذلك حالَ غيره، فالظاهر أن اتساعه في
استعمال هذا اللفظ قد كان قبل النهي، ولم يعد إليه بعده كيلا يقتدي به من لا يهتدي إلى صِرْف الكلام. والله
تعالى أعلم. انتهى.
وقال الخطّابي: هذه كلمة جاريةٌ على ألسن العرب، تستعملها كثيراً في خطابها، تريد بها التوكيد، وقد نهى
رسول الله ﴿ أن يَحلِفَ الرجل بأبيه، فيَحتملُ أن يكون هذا القول منه قبل النهي، ويُحتمل أن يكون جرى ذلك منه
على عادة الكلام الجاري على الألسن، وهو لا يقصد به القسم، كلغو اليمين المعفو عنه، قال الله تعالى: ﴿لَّا
يُؤَاسِدُ كُمُ اللّهُ بِلَّغْوِ فِيَّ أَيْمَئِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِّ كَسَبَتْ قُلُوبُّكُمْ﴾ الآية قالت عائشة: هو قول الرجل في كلامه: لا والله،
وبلى والله، ونحو ذلك. وفيه وجه آخر: وهو أن يكونَ بَّه أضمرَ فيه اسم الله كأنه قال: لا ورب أبيه، وإنما
نهاهم عن ذلك لأنهم لم يكونوا يضمرون ذلك في أيمانهم، وإنما كان مذهبهم في ذلك مذهبَ التعظيمِ لآبائهم
ويُحتمل أن يكون النهي إنما وقع عنه إذا كان ذلك منه على وجه التوقير له، والتعظيم لحقه دون ما كانَ بخلافه
والعرب قد تطلق هذا اللفظ في كلامها على ضربين: أحدهما: على وجه التعظيم؛ والآخر: على سبيل التوكيد
للكلام دون القَسم .
=

٢١٦
كتاب الإيمان
خطبته: أنه قَسَمٌ لغوي لا شرعي، والمقصودُ في الأول تزيينُ الكلام لا غير، والمطلوبُ من
الثاني التأكيدُ مع تعظيم المحلوف به، والممنوعُ هو الثاني دون الأول، والمذكورُ هو الأول
دون الثاني. ثم عندي أنه ينبغي الحجرُ عنه مطلقاً سداً للذرائع لئلا يتساهل فيه الناس.
بقي أن هذا الرجل حلف على ترك السنن والمستحبات فكيف هو؟ قلت: أولاً في بيان
المسألة: إن الأمرَ مع الوعيدِ على الترك يفيدُ الوجوبَ عند ابن الهمام رحمه الله تعالى وابن
نجيم كليهما، والمواظبة الكلية بدون الوعيد على الترك يفيد الوجوب عند ابن الهمام رحمه الله
تعالى، والسنة عند ابن نجيم، والفعل أحياناً مع الترك أحياناً يفيد السنية عندهما(١).
وههنا اختلاف آخر: وهو أن ترك السنة يوجبُ العتاب أو العقاب؟ فذهب الشيخ ابن
الهمام إلى أن ترك السنة عِتابٌ، وابن نجيم إلى أنه يوجب العقاب. قلت: ولعل النزاع لفظي،
لأن السنة التي يجبُ بتركها العقابُ عند ابن نجيم، داخلة في الواجب عند ابن الهمام رحمه الله
تعالى، والإثم بترك الواجبٍ متفقٌ عليهِ، فحينئذٍ فالإثم فيه عند ابن الهمام لكونه تركاً للواجب
عنده، وإن كان عند صاحب البحر تركاً للسنة المؤكدة، فالإثم عند ابن نجيم يكون على تركٍ
الواجب، وترك السنة المؤكَّدةِ كليهما، غير أنَّ الإثمَ في الأول أزيدُ من الإثم في الثاني، وأنا
مع ابن نجيم رحمه الله تعالى في تلك المسألة. هذا إذا كان الاختلاف المذكور من تفاريع
الخلاف الأول، وإن كان الاختلاف فيه مبتدئاً فله وجه، ولا أدخلُ فيه، فإنه حكمٌ بالتأثيمِ على
جميع الأمة.
=
قال ابن مَيَّادَةً :
أظنت سفاها من سفاهة رأيها
فلا وأبيها إنني بعشيرتي
لأهجوها لما هجتني محارب
ونفسي عن ذاك المقام لراغب
وليس يجوز أن يُقسِمَ بأب من يهجوه على سبيل الإعظام لحقه.
وقال آخر لعبيد الله بن عبد الله بن مسعود أحد الفقهاء السبعة -:
لما لا تلاقيها من الدهر أكثر
لعمر أبي الواشين أيام نلتقي
وينسون ما كانت على النأي تهجر
يعدون يوماً واحداً إن لقيتها
وقال آخر :
لقد كلفتني خطة لا أريدها
لعمر أبي الواشين لا عمر غيرهم
وهناك جواب آخر للبيضاوي وحاصله: أن الأقسام في القرآن ليست لتعظيم المحلوف بِه، أعني به الأقسامَ
العُرفية عند الفقهاء، بل مدخولُ الواو فيها شهادات لما يأتي بعدها فهي شهادات، وما بعدها مشهود عليه، لا
خَلِفٌ عليه ليرد الاعتراض ومن شاء تفصيله فليراجع رسالة الحافظ ابن القيم رضي الله عنه في ((أقسام القرآن))
(قلت)»: ما ذكره صواب، وإذن فالخطأ من النُّحاة في التسمية، حيث سموها واو القسم، ولو كانوا سموها واو
الشهادة لم يرد شيء، وبتسميَتهِم بواو القسم يتبادرُ الذهن إلى القَسَم المعهود، هكذا أفاده الشيخ رضي الله
عنه. وسيأتي أيضاً.
(١) يقصد ابن عابدين رحمه الله تعالى وكتابه ((رد المختار على الدر المختار))، المشهور بحاشية ابن عابدين.

٢١٧
كتاب الإيمان
نعم، قال محمد رحمه الله تعالى في ((موطئه)): ليس من الأمر الواجب الذي إن تَرَكَه تارٌ
أثم فخرجَ منه أن ترك السنة قد لا يوجبُ الإثم، كما أن التثليثَ سنةٌ وتركُهُ لا يوجب الإثم.
قلت: وينبغي أن يُقيدَ بتركه أحياناً، أو بقدر ما ثبت عنه ◌َّ لا مطلقاً. وهو الذي اختاره
المحقق ابن أمير الحاج تلميذ ابن الهمام رحمه الله تعالى وصرح بالإثم إذا اعتاد الترك. ثم إن
عبارةَ محمد رحمه الله تعالى تدلُ على ثبوتٍ مرتبة الواجب، فإنها تشعر بتقسيم الواجب عنده:
إلى ما لا إثم بتركه، وإلى ما بتركه إثم، وليست تلك المرتبة عند الجمهور، وهي عند الشافعي
رحمه الله تعالى في الحج فقط، وعندنا في جميع العبادات المقصودة، وتُوجد هذه المرتبة في
(المبسوط)) أيضاً. وليس له اسم في كتاب الطحاوي، وهو من المتقدمين، ولذا اعتنيتُ بلفظِ
محمد رحمه الله تعالى هذا.
(والله لا أزيد على هذا ولا أنقص) قيل في توجيهه: إنه محاورةٌ لتحفظ الأمور(١).
وقيل معناه: لا أزيدُ عددَ الفرائض ولا أنقُص منها وهو مهمل. والأول ينتقض بما أخرجه
البخاري في الصيام من طريق إسماعيل بن جعفر: والله لا أتطوع فإنه صريحٌ في نفي التطوع
والقصرِ على الفرائض، فسقط ما أجاب به المجيبون. والوجه عندي أن هذا الرجل جاء إلى
صاحب الشريعة واسترخَص منه بلا واسطة، فرخَّصَ له الشارع خاصة، فيصير مستثنى من
القواعد العامة، كما في الأضحية ((ولا تجزىء عن أحد بعدك)). وهذا أيضاً باب يعلمه أهل
العرف، فلا أثر له على القانون العام، فمن أراد أن يترخصَ برخصتِهِ فليسترخص من الشارع،
وإذ ليس فليس.
وأشار إليه الطّيبي رحمه الله تعالى أيضاً إلَّا أنه لم يفصِحْ بمراده، وأراد الزرقانيُّ إعلالَ
تلك الرواية من جهة إسماعيل بن جعفر. قلت: وهو غير مسموع، كيف وقد أخرجه البخاري.
وعند أبي داود من باب المحافظة على الصلوات عن عبد الله بن فَضَالة عن أبيه قال: علمني
رسول الله ◌َّ﴾ فكان فيما علمني: وحافِظ على الصلوات الخمس، قال: قلت: إن هذه ساعات
لي فيها أشغال، فمرني بأمرٍ جامع إذا أنا فعلتُهُ أجزأ عني فقال: ((حافظ على العصرين)» إلخ ومر
عليه السيوطي رحمه الله تعالى وقال: ولعل هذا الرجل إنما فرضت عليه هاتان الصلاتان فقط،
واستثناه النبي ◌َّ عن الحكم العام.
قلت: بل التخصيص بهما لمزيد الاهتمام بهاتين الصلاتين، وقد ورد التأكيد بهما في حق
جميع الأمة أيضاً، كما رواه أبو داود مرفوعاً ((لا يلج النار رجلٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل
أن تغرب)). ورواه غيره: ((من صلى البَرْدَين دخل الجنة)) فليس في حديث فَضَالة غير ما في تلك
الأحاديث، وحينئذٍ ليس هذا الرجل مخصوصاً من قاعدة كليةٍ كما زعمه السيوطي رحمه الله
(١) قلت: ونظيره ما عند الترمذي في أبواب السِّير في قصة معاوية رضي الله تعالى عنه وعَبَسة رضي الله تعالى عنه: لا
يحلن عقداً ولا يشدنه مع أنه لا بأس بالشد، فقالوا: إنه كناية عن التغيير.

٢١٨
كتاب الإيمان
تعالى. وعندي عليه رواية أيضاً، وهنا إشكال آخر: وهو أنه كيف بشره بالفلاح على أداء الزكاة
والصلوات الخمس فقط، مع أن في الإسلام أحكاماً غيرها. وجوابهُ أن في بعضٍ طرقه: فأخبره
بشرائع الإسلام.
٣٦ - بابُ اتَّبَاعِ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ
والمشيُّ عندنا خلفَ الجنائز أولى لأنه للتعظيم. وعند الشافعي رحمه الله تعالى أمامها
أولى لأنه للشفاعة، ولفظُ الاتباع بماذَّتِهِ أقربُ إلى نظر إمامنا رحمه الله تعالى.
٤٧ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيّ الِمَنْجُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا
عَوْفٌ، عَنِ الحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيَهُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَسِيرِ قَالَ: ((مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ
مُسْلِمٍ إِيمَاناً وَاحْتِسَّاباً، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلّى عَلَيْهَا، وَيُفْرَغَ مِنْ دَفِنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ
الأَجْرِ بِقِيرَاطَينِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ
بِقِيرَاطِ» .
تَابَعَهُ عُثْمَانُ المُؤَذِّنُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ
نَحْوَهُ. [الحديث ٤٧ - طرفاه في: ١٣٢٣، ١٣٢٥].
٤٧ - (واحتساباً) إنما جيء به لأن الناس لا يحتسبون فيه أجراً بل يحسَبونهُ من مراسم
المودة، فهو موضعُ ذهولٍ عن النية، فنبَّه عليه الشارع لئلا يُذْهَل عنها ويُحرم عن توفير
الثواب .
(حتى يُصلى عليها) قال العلامة القاسم في ((فتاواه)): إن صلاة الجنازةِ في المسجد
مكروهة تنزيهاً. وعند بعضهم مكروهة تحريماً. والعلامة القاسم تلميذ لابن الهمام كابن أمير
الحاج. وقال صدر الإسلام أبو اليَسَر: إنها إساءة، وهي رتبة بين التحريم والتنزيهة. وإنما
اشتهرُ بأبي اليَسَر لكون تصانيفه أقرب إلى الفهم، ويسمى أخوه الكبير بفخر الإسلام أبو
العسر، لكون تصانيفه على خلافه. وعند محمد رحمه الله تعالى: لا تجوز، لأن النبي
بنى له مكاناً منفصلاً إلى جنب المسجد ولو جازت فيه لما كان إلى بنائه حاجة ولم يثبت
عنه بَّ صلاة الجنازة في المسجد إلا مرةً أو مرتين، فلا تكون أصلاً وضَابطة، وخروج
النبي والر من المسجد للصلاة على النجاشي دليل على كراهيتها في المسجد، فإنه لم يكن
هناك احتمال التلوث أيضاً، ومع ذلك لم يصل فيه. ولم يقف الحافظ ابن حجر رحمه الله
على تعيين مصلى الجنائز، وذلك لأنه حج مرتين فلم يتفق له تحقيق الأمكنة، بخلاف تلميذِه
السَّمهودي فإنه أقام بالمدينة مدةً مديدة وحققَ المواضع، فالعبرةُ لقولِ السمهودي في أمثال
هذه المسائل.

٢١٩
كتاب الإيمان
٣٧ - باب خَوْفِ المُؤْمِنِ
مِنْ أَنْ يَخْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيِمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّباً،
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى
نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانٍ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: مَا خَافَهُ
إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ، وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالعِصْيَانِ مِنْ غَيرِ
تَوْبَةٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]
وهذا التعبير مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [ الحجرات: ٢]
واعلم أن هذه الترجمة لها تعلق وارتباط مما قبلها من التراجم: كفر دون كفر وباب المعاصي
من أمر الجاهلية.
وحاصلها عندي: التحذير من الجَرَاءة على المعاصي، وأنه ينبغي للمؤمن أن يخاف من
سوء الخاتمة، ولا يغتر بكونه على صلاح الحال، فإن الكفر قد يطرأ في وسط العُمُر، وأخرى
عند الموت، والعياذ بالله. وهذا كفر تكويناً لا تشريعاً، يعني أن الرجل ربما يرتكب المعاصي
ولا يحكم عليه بالكفر لأجلها، لكنها قد تؤدي إلى سلب الإيمان عند الموت من جانب الله
تكويناً، فحذّر المصنف رحمه الله تعالى عن هذا النوع من الكفر، أو أراد به الرد على المرجئة
خاصة القائلين: بأنه لا تضرُ مع الإيمان معصية، فرد عليهم: بأن المعاصي من شأنها إحباط
العمل حتى تؤدي إلى سلب الإيمان أيضاً، كما كان رد قبلَها على المعتزلة في باب المعاصي
من أمر الجاهلية.
ومن أقوى شبه المعتزلة: أن المعصيةَ دليلٌ لنقصان التصديق، فإن من أذعن بكون الحيةِ
في هذا الجحر مثلاً، لا يُدْخِلُ يده فيها أبداً، فكذلك من صدَّق بأن الزنا موجبٌ للنار، ينبغي
أن لا يأتي به. وإتيانُهُ دليلٌ على ضَعفٍ في تصديقه ونقصانٍ في اعتقاده.
قلت: كلا، بل الإنسان قد يقتحم المعاصي مع بقائه على التصديق واليقين، اعتماداً على
أبواب المغفرة وتوثقاً برحمة الله تعالى. فإذا همّ بالسيئة تطلَّع قلبه في تلك الأبواب حتى يقعَ في
المعصية. وهذا كالسارق يَسْرِقُ مع أنه مذعنٌ بأن السَّرِقة جَرِيرة، وجزاؤه الحبسَ في الحكومة
الحاضرة وما ذلك إلا لتطلعه في أبواب أُخر، فيزعم لَعَله لاَ يظفرُ به مثلاً، ولو ظفر به فلعله لا
تثبت عليه جَرِيرته، ولو ثبتت فلعله يُعفى عنه إلى غير ذلك من الاحتمالات. فكذلك فيما نحن
فيه، يخوض الإنسان في المعاصي ويعتمد على رحمته تعالى، أو أنه يتوبُ قبل الموت وغير
ذلك.
وبالجملة قد يحدثُ بين الأسباب تزاحمٌ، فيميل القلبُ تارةً إلى هذا وأخرى إلى ذاك،
على أن الناس خُلقوا على أصناف: فمنهم من تغلِبُ عليه القوة الشهوانية فيزداد في المعاصي

٢٢٠
كتاب الإيمان
ولا يحاشى، ومنهم من يكونُ على عكسِه فيزداد في الطاعات، ألا ترى أن كثيراً من الدُّغَار
واللصوص يفسدون في الأرض، ويعلمون كالشمس في نصف النهار أنهم يعُذَّبون بأصناف من
العذاب، ثم لا يتوبونَ وذلك لِغِلَبَةِ الشهوة والهوى فيهم.
وبالجملة الإقدام على المعاصي لا يوجب النقصان في التصديق الذي هو مدار النَّجاة.
ومن أقوى شبه المُرْجئة أن المؤمنَ العاصي لو دخل جهنم لزمَ دخولُ الإيمان فيها، وإذا
لم يدخل الكفرُ في الجنة، فكيف دخل الإيمان في جهنم؟ والجواب: أن العاصي إذا دخل في
النار يُنْزَعُ عنه إيمانه ويوضُع عند باب النار؛ كما يُنْزَعُ اليومَ ثياب المجرم عند باب السجن، ثم
إذا خرج من سجنه يُعطى ثيابَه. كذلك المؤمن يُنْزَعُ عنه الإيمان عند إلقائه في النار، ثم يُعطى
إيمانَه بعد تعذيبه على قدر ذنوبه وإخراجه من النار.
وقد علمت سابقاً أن المصنف رحمه الله تعالى تعرض في هذا الباب إلى التخويف
المجرد، ولم يرض بأن يأولَ الأحاديث التي أطلق فيها لفظ الكفر على المعاصي: بأنه على
طريق التخويف دون التحقيق. وقد مر من قبل بعض ما يتعلق به فراجعه.
(كلهم يخاف النفاق) فمن أين جاز للمُرجئة أن يقعدوا مطمئنين بإيمانهم !! فعلى المؤمن
أن يخافَ كل آن. أما اختلافهم (١) في جواز القول: بأنا مؤمنٌ إن شاء الله تعالى، فلا يرجع
(١) وفي عقيدة السفاريني واعلم أن الناس في جواز الاستثناء على ثلاثة أقوال: منهم من يوجبه، ومنهم من
يُحرِّمه، ومنهم من يجوزُ الأمرينِ باعتبارين، وهذا الأخير أصح الأقوال، فالذين يحرمونه هم المرجئة،
والجهمية، ومن وافقهم، ممن يجعلُ الإيمانَ شيئاً واحد يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق بالرب ونحو ذلك
مما في قلبه، فيقول أحدهم: أنا أعلم أني مؤمن، كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، وكما أعلم أني قرأتُ
الفاتحة، وكما أنه لا يجوزُ أن يُقال: أنا قرأت الفاتحة إن شاء الله، كذلك لا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله،
لكن إذا كان يشك في ذلك فيقول: فعلته إن شاء الله، قالوا: فمن استثنى في إيمانه فهو شاُ وسموهم
الشَّاكة. والذين أوجبوا الاستثناء لهم مأخذان: أحدهما: أن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان، والإنسان إنما
يكون عند الله مؤمناً أو كافراً باعتبار الموافاة وما سبق في علم الله أنه يكونُ عليه - وما قبل ذلك فلا عبرة به.
قالوا: والإِيمان الذي يتعقبُه الكفر فيموت صاحبه كافراً ليس بإيمانٍ، كالصلاة التي يُفسدها صاحبها قبل
الكمال، وكالصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب، فصاحب هذا هو عند الله كافرٌ، يعلمه بما يموت عليه
وكذلك قالوا في الكفر. انتهى مختصراً.
ثم قال: والذين قالوا بالموافاة جعلوا الثبات على الإيمان إلى العاقبة والوفاء به في المآل شرطاً في الإيمان شرعاً،
لا لغةً، ولا عقلاً، حتى إن الإمام محمد بن إسحاق ابن خزيمة كان يغلو في هذا ويقول: من قال: أنا مؤمن حقاً
فهو مبتدع: قال شيخ الإسلام: ومذهب أصحاب الحديث كابن مسعود وأصحابه، والثوري، وابن عُيَيْنة، وأكثر
علماء الكوفة، ويحيى بن سعيد القطّان، فيما يرويه عن علماء البصرة والإمام أحمد بن حنبل، وغيره من أئمة
السنة: كانوا يستثنون في الإيمان، وهذا متواترٌ عنهم، لكن ليس في هؤلاء من قال: إنما أستثني من أجل الموافاة،
وأن الإيمان إنما هو اسم لما يُوافى به، بل صرح أئمة هؤلاء بأن الاستثناء إنما هو لأن الإيمانَ يتضمنُ فعلَ جميع
الواجبات، فلا يشهدون لأنفسهم بذلك كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى، فإن ذلك مما لا يعلمونه وهو تزكية
لأنفسهم بلا علم.
=