النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
كتاب الإيمان
تعزيراً، ولنا عند أبي داود عن ابن مُحَيريزٍ أن رجلاً من بني كِنَانَة يُدعى المَخْدَجِيَّ سَمِعَ رجلاً
بالشام يُدعى أبا محمد يقول: إن الوترَ واجبٌ، قال المخدجي: فَرحتُ إلى عُبادة بن الصامت
رضي الله عنه فأخبرتُه، فقال عُبادة رضي الله عنه: كذب أبو محمدٍ، سمعت رسول الله وَّ
يقول: خمسُ صَلَواتٍ كَتبهنَّ اللَّهُ على العباد، فمن جاء بِهِنَّ لم يضيِّعْ منهنَّ شيئاً استخفافاً
بحقِّهن، كان له عند الله عهداً أن يُدخِله الجنةَ، ومن لم يأت بِهِنَّ فليس له عند الله عهدٌ، إن شاء
عَذَّبِه، وإن شاء أدخَلَه الجنة. انتهى. فلو كان تارك الصلاة كافراً لجزم بدخوله النار، ولكنه
أبقى أمره تحت المشيئة، فعلم أنه مسلم فاسق.
ونقل فيه مناظرة الإمام الشافعي وأحمد رضي الله عنهما. قال الشافعي لأحمد رضي الله
عنه: سمعتك تقول. إن تارك الصلاة كافرٌ، قال: نعم، قال: فما سبيل إسلامه؟ قال: أن
يصلي، قال: وهل تُقبل صلاة الكافر؟ فسكت أحمد رضي الله عنه.
بقي تواتر السلف بإطلاق الكفر على تارك الصلاة، فالأمر عندي أنه بمعنى كفرٍ دون كفر،
لأني لا أعلمُ من حالهم إلا أنهم عاملوا مع أمراء الجور معاملة الفُساق، حتى صلوا على
جنائزهم وصلوا خلفهم الفرائض، وتمسك النووي رضي الله عنه بحديث الباب على قتلٍ تارك
الصلاة. وفيه نظر؛ لأن القتال غير القتل(١). وفي الحديث ذكر القتال، دون القتل، والقِتَال
بمعنى الجِدال، كما في الحديث ((أقتالاً يا سعد؟)) وما عند الترمذي ((فليقاتله)) لمن مر بين يدي
(١) قاله الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد وهو من أعيان القرن الثامن، ويقال إنه شافعي، ومالكي. قال الشاه عبد
العزيز في ((بستان المحدثين)): إنه لم يخل رجلٌ مثله أجود علماً، وأدقّ نظراً لا في السلف، ولا في الخلف،
وله كتاب شهير بين الأنام يُسمى «بالإِلمام)) في خمسة عشر مجلداً، ولم يطبع وليس مفقوداً، وقد طالعت
نُسخته، وله شرح يُسمَّى ((بالإِمام)) وقد طبع من إملائه ((إحكام الأحكام))، وروي، أن الحافظ شمس الدين الذهبي
ذهب إليه مرة، وكان الشيخ في شغل له، فسلم عليه، فرد عليه السلام، وقال: من أنت، وقد كان سمع اسمه،
دون لقبه، فأجابه باسمه، ولم يذكر لقبه، فسأله الشيخ رحمه الله تعالى عن أبي محمد الكاهلي من هو، فأجاب
من ساعته أنه: سفيان بن عيينة، فنظر إليه الشيخ من القَرَن وهو المقرون الحاجبين مختار الصحاح ص ٢٢٢ مادة
(قرن) إلى القدم، وكأنه تحير من سرعة جوابه، وكان الشيخ رحمه الله تعالى معاصراً لابن تيمية رحمه الله تعالى
ولم أر في التراجم أن الحافظ رحمه الله تعالى لقي الشيخ رحمه الله تعالى أم لا، مع أن الحافظ رحمه الله تعالى
أقام بمصر إلى زمان، وكان الشيخ رحمه الله تعالى أيضاً هناك، فإن لم يكن لقيه فكأنه لم يحسن وكان الشيخ
تقي الدين رحمه الله تعالى من أهل الطريقة صاحب الكرامات الباهرة، معتدل المزاج، لم يكن يتعصب
للمذهب، ويتكلم بغاية الانصاف، حتى أنه ربما يأتي بكلام يفيد الحنفية ويترشح منه أنه يقصده، بخلاف
الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فإنه لا ريب أنه حافظ يتكلم في غاية المتانة والتيقظ، لكنه لا يريد أن ينتفع
الحنفية من كلامه ولو بجناح بعوضة، فإن حصل فذلك بلا قصد منه، ونظيرُه في العدل والنصفة منا، الحافظ
الزيلعي رحمه الله تعالى، وكان أيضاً من أهل الطريقة، وقد جربتُ من أهل الطريقة ذلك العدلُ والانصافُ،
ونرجو منهم فوق ذلك فإنهم عباد الله، والشيخ ابن الهمام رحمه الله تعالى أيضاً من أهل الطريقة وهو منصفٌ
أيضاً غير أنه قد يخرجُ عن الاعتدال يسيراً حماية لمذهبه. كذا في تقرير الفاضل عبد القدير والفاضل عبد العزيز،
ملتقطاً من المواضع المتفرقة ومعرباً .

١٨٢
كتاب الإيمان
المصلي، فمن هذا الباب، وكتب النووي رحمه الله تعالى تحته مسائل الدِّية: بأنه لو قتل المار
أحدٌ هل يجبُ به الدِّية أم لا؟ فأوهم أن المراد من المقاتلة القتل، وهو غلطٌ، وكان الأولى أن
لا يكتب هناك تلك المسائل. فإن الحديثَ لا تعلق له بمسألة القتل، وذكر تلك المسائل يوهم
ذلك.
ثم عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى أنه يقاتلُ مع قوم تركوا الخِتَان، أو الآذان،
وفهِمَ منه بعضهم أن الأذان عنده واجب.
قلت: (١) بل القتال إنما هو على تركِ شعار الإسلام والأذان، والخِتَان، من شعارِهِ فمن
نَسَبَ إليه وجوب الأذان منا فقد توهمَّ من هذه المسألة، فإذا ثبت عنه جواز القتال من هؤلاء،
فمن تارك الصلاة أولى.
ثم ههنا مهم(٢): وهو أنه كيف امتنع عمر رضي الله تعالى عنه عن قتال مانعي الزكاة مع
هذا الحديث الصريح؟ والحل ما في رسالتي: ((إكفار الملحدين)) وأوضحته في مواضع،
وخلاصته: أن اختلاف الشيخين إنما كان في غرض مانع الزكاة، فجعله عمر رضي الله تعالى
عنه بغيهم، وجعله أبو بكر رضي الله تعالى عنه الرِّدة، من حيث إن الإيمانَ اسم لالتزام كل
الدين، فمن فرق بين الصلاة والزكاة، فكأنه لم يؤمن بالكل، ومن لم يؤمن بالكل، فهو كافر
قطعاً. وهو نظر الحنفية: أن الإيمانَ لا يزيدُ ولا ينقص، لأنه لاتشكيك في الالتزام وقد مر
الخلافُ في تحقيق الواقعة، والكشف عنها ولو تحقَّق عند عمر رضي الله تعالى عنه أنهم أنكروا
الزكاة رأساً لأكفرَهَم هو أيضاً، ولم يتردد أصلاً، وذكر مثله العلامة الحافظ الزَّيلعي رحمه الله
تعالى في ((تخريج أحاديث الهداية)) من الجزية وفي ((المستدرك)) عن عمر بن الخطاب رضي الله
تعالى عنه: لأن أكون سألت رسول الله وَّر عن ثلاث أحب إليّ من حُمْر النَّعم))، وذكر منها قوماً
قالوا: نقرُّ بالزكاة في أموالنا، ولا نؤديها إليك، أيحلُّ قتالهم؟ انتهى مختصراً. وهذا حديث
صحيح على شرط الشيخين. فعُلم منه أنهم لم ينكروا الزكاة رأساً، كيف ولو أنكروها عن أصلها
(١) قال النووي: إن هذا الحديث يُستدل به على وجوب قتال مانعي الصلاة، والزكاة، وغيرهما من واجبات
الإسلام، قليلاً كان أو كثيراً. قال الشيخ العيني رحمه الله تعالى: فعن هذا قال محمد بن الحسن رحمه الله
تعالى: إن أهلَ بلدة، أو قرية، إذا أجمعوا على ترك الأذان، فإن الإمام يقاتلهم، وكذلك كل شيء من شعائر
الإسلام. اهـ. قال الشيخ: ومن هنا صار الحديث معمولاً به عندنا أيضاً فإنه لما جاز القتالُ من تاركي الأذان،
فمن تاركي الصلاة بالأولى.
(٢) وقد تعرض إليه العيني رحمه الله تعالى وراجع كلامه، وحينئذٍ تقدر قدر كلام الشيخ قدس الله سره نعم ذكر العيني
رحمه الله تعالى كلاماً وهو مفيداً. قال وسأل الكرماني ههنا عن حكم تارك الزكاة ثم أجاب بأن حكمه حكم
تارك الصلاة، ولهذا قاتل الصديق رضي الله تعالى عنه مانعي الزكاة؛ فإن أراد أن حكمهما واحدٌ في المقاتلة
فمسلم، وإن أراد في القتل فممنوعٌ؛ لأن الممتنع من الزكاة يمكن أن تؤخذ منه قهراً بخلاف الصلاة، أما إذا
انتصب صاحب الزكاة للقتال لمنع الزكاة فإنه يقاتل، وبهذه الطريقة قاتل الصديق رضي الله تعالى عنه مانعي
الزكاة، ولم يُنقل أنه قَتَلَ أحداً منهم صبراً. اهـ.

١٨٣
كتاب الإيمان
لما كان في كفرهم موضعُ رَيبٍ لمن له أدنى علم، فإنها من الضروريات وإنكارُها كفرٌ لا
محالة، وإنما زعموا أن الزكاةَ جبايةُ مالٍ، كما يجبي السلطان من الرعايا جبايات من جهات،
﴿﴾ٍ في عهده، وإذا وَلَّيْنا نحن ولاةً منا فقد سقطت، وبقيت كسائر الجبايات
فكانت إلى النبي
على رأي الوالي.
ومنصبُ الخلفاء عندي فوق الاجتهاد، وتحت التشريع، من حيث إن صاحب الشريعة
أمرنا باقتدائهم مطلقاً. ومن هذا الباب زيادة عثمان رضي الله تعالى عنه في الأذان، وجمع عمرَ
رضي الله تعالى عنه الناس في التراويح خَلْفَ إمام واحد، فلا يرجع اختلافهم إلى مسائل
الأصول. فلا يقال: إن الاختلافَ في الشيخين كان في حكم تعارضُ العموم والخصوص كما
قرروا، ولعل الأمر يحوم حول ما قررنا، فافهم واستقم.
(إلا بحق الإسلام) كالقصاص وزناً، المحصن، والارتداد.
١٨ - باب مَنْ قَالَ: إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَلُ
[الزخرف: ٧٢]
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُوْرِنْتُمُوهَا بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ
عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ العِلمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
(٩)﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣] عَنْ قَوْلِ: لَا إِلهَ إِلَّ اللَّهُ. وقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ
[الصافات: ٦١] .
٢٦ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَمُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ سُئِلَ أَيُّ
العَمَلِ أَفضَلُ؟ فَقَالَ: ((إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ))، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((الجِهَادُ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ))،َ قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((حَجِّ مَبْرُور)). [الحديث ٢٦ - طرفه في: ١٥١٩].
وبعدُ الشيخ قطب الدين في بيان الغرض حيث قال: إن المصنف رحمه الله تعالى انتقل
إلى الرد على المرجئة القائلين بأنه القول بلا إله إلا الله فقط، فقال رداً عليهم: إنه عملٌ وليس
بقول فقط. وعندي قد فرغ عنه المصنف رحمه الله تعالى من قبل، وإنما يريد الآن النصَّ على
أن الإيمانَ عملُ القلب كما كان نصَّ أولاً على أن المعرفة فعل القلب(١) والعملُ لا يكون إلا
(١) قلت: وحينئذٍ لا يرد ما أورد عليه الشيخ في ((العمدة)) بقوله: وههنا مناقشة أخرى: وهي أن إطلاق العمل على
الإيمان صحيح من حيث، إن الإيمان هو عمل القلب، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون العملُ من نفس الإيمان،
وقصد البخاري من هذا الباب وغيره إثباتَه أن العملَ من أداء الإيمان، لعل الصحيح من أجزاء الإيمان، رداً على من
يقول: إن العملَ لا دخلَ له في ماهية الإيمان، فحينئذٍ لا يتم مقصودَه على ما لا يخفي، وإن كان مرادُه جواز إطلاق
العمل على الإيمان، فهذا لا نزاع فيه لأحد، لأن الإيمان عملُ القلب وهو التصديق. انتهى. ((قلت)): وذلك لأنك
قد علمت أن البخاري رحمه الله لم يرد بهذه الترجمة إلاّ التنبية على كونه عملاً دون الرد على المرجئة، وأما قوله:
فهذا مما لا نزاع فيه. ((قلت)): وأي حاجة أن نجعلَ ترجمتَه ناظرةٌ إلى المنازعين، لم لا يجوزُ أن تكونَ بياناً
للمسألة في نفسها وهو أهم؟ لا سيما إذا كان التصديق عَلَماً عند طائفة من أصحاب المعقول.

١٨٤
كتاب الإيمان
اختيارياً، فالإيمان أيضاً فعلٌ اختياري، ووجه الإشارة أنه قصرَ الإيمانَ على العمل، أي أن
الإيمان مقصورٌ على كونه عملاً لا يتجاوزَ إلى صفة أخرى، من كونه علماً أو غيره، ولا شك
في أنه عملُ القلب، وأما من فسره بالمعرفة، فأراد بها ما تستوجبُ العمل، ولا ما تجامعُ
الجحود، كما مرّ ولو كان غرضُ المصنف رحمه الله تعالى ما فَهِمُوه لقال: إن الإيمانَ عملٌ
بدون القصر، لأن القصرَ إما قصر قلب أو إفراد ولا يصح واحدٌ منهما؛ لأن المعنى على
الأول: أن الإيمانَ عملٌ وليس بقول، وعلى الثاني: أنه عملٌ وليس بمجموع القول والعمل،
وكلاهما خلافُ المراد. وأما قصر التعيين فلا يحتملُه المقام. ومنه ظهرت المناسبة بين
الآيات، والحديث، والترجمة، فإنها أطلقت العمل على الإيمان، بمعنى أن الإيمانَ من أكبر
الأعمال، لا أن قوله تعالى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ منحصرٌ في الإيمان، وكذا سُئل النبيِوَّ عن
الأعمال، وأجاب بالإيمان، فاتَّضَحَ أن الإيمانَ عملٌ.
١٩ - باب إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلاَمُ عَلَى الحَقِيقَةِ
وكَانَ عَلَى الاسْتِسْلَامِ أَوِ الخَوْفِ مِنَ القَتْلِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ اٌلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] فَإِذَا
كَانَ عَلَى الحَقِيقَةِ، فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الّذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران:
١٩]، ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ الْإِسْلَكِمِ دِينًا فَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
قالوا: إن هذا الباب كأنه دفع دَخَلٌ مُقدَّر، وهو أنك ادّعيت أن الإسلام والإيمان واحدٌ،
مع أن الآيات والأحاديث، تدل على تغايرهما، فأجاب أن الإسلام على نحوين: الإسلام
حقيقة أي شرعاً، وهو المعتبرُ، وهو عينُ الإيمان. والثاني: الإسلام لغةً وهو غيرَ معتبر في
الشرع، وهذا الذي أريد في قوله تعالى: ﴿وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ لأن الآية عنده في حقِ المنافقين
كما صرح به في التفسير، وحينئذٍ لم تكن عندهم حقيقة الإسلام، وإنما جيء في الآية بلفظ
الإسلام على معنى الاستسلام، وليس على حقيقتهِ، فدعوى الاتحاد إنما هو في الإيمان
والإسلام المعتبر، أما الإسلامُ غير المعتبر، فهو غير الإيمان قطعاً، وفي عقيدة السفاريني: أن
الإسلامَ من خوف القتل لا يُعتبر عند البخاري، ولعله أخذه من هذه الترجمة .
قلت: وإن كان يتضح منه الدَّخْلُ ودفعه غاية وضوح، فإنه إذا لم يعتبر إسلامَ الخائفِ من
القتل، كيف يحكمُ عليه بأن إسلامَه عينُ الإيمان، فلا جَرَمَ يكون مغايراً للإيمان، أما الإسلام
الذي هو عينُ الإيمان، فهو ما يكون من طوع ورغبة قلب، بدون خوف، ولكنه كلام باطلٌ، لأنا
نجدُ أقواماً أسلموا من خوف القتلِ ثم اعتبر النبي ◌َّ إسلامَهم، نحو إسلام قوم لم يُحسنوا أن
يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا، صبأنا فقتلهم خالد ولم يعتبر إسلامَهم، ولما بلغ خبرهم إلى
النبي ◌َّيرفع يديه وقال: ((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد))، فهذا صريح في أنه اعتبر
إسلامهم، وعلى هذا فنسبةُ هذا الكلام الباطل إلى المصنف رحمه الله تعالى لا يستقيمُ بحال.
وعندي: غرضُه من هذه الترجمة الفرقُ بين الإسلام المعتبر، وغير المعتبر، لا دفع

١٨٥
كتاب الإيمان
الدَّخلَ، وحاصله: أن الإسلام قد يكون حكاية، واسمياً، ورسمياً، وانتحالاً. بدون استشعار
القلب، وهو غير معتبر وغير مُنجي، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ اٌلْأَعْرَابُ ءَامَنَّاً﴾ ... إلخ
أي هم يدّعون أن الإسلام رَسَخَ في بواطنهم وليس كذلك، وإنما عندهم اسم الإسلام،
والحكاية، بدون المحكي عنه، وهذا غير معتبر وقد يكونُ الإسلام عن جذر قلب وصدق نية لا
حكاية فقط، فهو المرضي عند الله تعالى. وهو المنجي حقيقة، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ الَهِ
الْإِسْلَمُ﴾ فجعل الإسلامَ ديناً مرضياً، وعلى هذا قوله: على الحقيقة ليس مقابلاً للمجاز، كما
فهموه، بل معناه في نفس الأمر. وإذا لم يكن الإسلامُ على الحقيقة بذلك المعنى، يكون
حكائياً واسمياً لا حقيقة له في نفس الأمر.
(أو كان على الاستسلام) من السلم أي الصلح، فمعناه الإسلام صلحاً، يعني على طريق
المصالحة مجبوراً، وادِّعاءاً فقط دون الواقع، والاستفعالُ فيه بمعنى الإتيان بشيء بدون سماحة
نفس، بل عن كُرْه، وسَخَطٍ في الباطن، وهو أيضاً من خواصِّ هذا الباب، لأني أجدُ فيه هذا المعني
في مواضع، وإن لم يذكره علماء التصريف، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَثَةَ فِيهَا هُدَى وَنُورٌ
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَِّيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أَسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ
شُهَدَآءً﴾ [المائدة: ٤٤] أي أنهم لم يحملوا كتاب الله ولم يحفظوه برغبةٍ، وطواعيةِ نفس، ولكنه حمل
عليهم حفظه على كره، ولهذا المعنى جيء بالاستحفاظ ههنا، كاستأسر أي عدَّ نفسه أسيراً مجبوراً .
يقال: استأسر الرجل إذا أُخِذ في جريرةٍ فيسلم إليه نفسه مجبوراً، وكما في قولهم:
إن البغاث بأرضنا يستنسر
مع أنه ليس بنسر، فاستسلم، معناه: أسلم، وليس بمسلم، وقد علمت أن المصنفَ لم
يتعرضْ إلى دفع السؤال الناشىء من الآية، فإن التقرير المذكور لا يدفعُ السؤالَ المذكور، فإن
الإسلامَ واقعياً كان أو حكائياً إلا أن القرآن أباحَ لهم أن يقولوا: أسلمنا، وإن نفى عنهم اسم
الإيمان، فالسؤال باق، ولكنه تعرَّض إلى المعتبر من الإسلام وغير المعتبر منه.
ولم يدخل في مسألة اتحاد الإيمان والإسلام في تلك الترجمة وإنما تعرض إليها في
ترجمة تأتي، وإنما يتبادر دخوله في تلك المسألة من جهة الآية، فإنها تفرق بين الإيمان،
والإسلام، والمصنف قائل بالاتحاد، فخيِّلَ أنه توجه فيها إلى جوابه، والظاهر أنه أراد ههنا
بيانَ الفرق بين المعتبر من الإسلام، وغيره فقط، وإنما يتردد النظر في شرح تراجمه، لأنه كثيراً
ما يذكر الشرط، ويحذف الجواب من الترجمة، ويُخرِجُ مادته في الحديث المترجم له، فكأن
السؤال يكون في الترجمة، والجواب في الحديث، وإذاً يكونُ الحديثُ محتمِلاً للوجوه، يُحدثُ
الترددَ، أنه ماذا أراد؟ كما ترى ههنا(١) .
(أو الخوف من القتل) واعلم أن فيه أحوالاً: فمن أسلم كَرْها مع السخط في الباطن فهو
(١) وكنت أسمعُ من شرح هذه الترجمة على النحو الذي شرحوا بها أيضاً، إلاّ أني وجدت فيما كتبت عن الشيخ على
خلاف شروحهم، رأيته ألطف فجعلته أصلاً ولكنه سقط منها بعض شيء فانخرم المراد، فعليك أن تتفكر فيه.

١٨٦
كتاب الإيمان
كافرٌ قطعاً، لأنه ليس عنده سوى اسم الإسلام شيءٌ، وهو الذي أراده البخاري، والثاني: من
أسلمَ وكان عنده أن قبولَ الأديان من الجائزات، فلم يختره لكونهِ حقاً في نفسه، بل كاختيار
أحد الجائزات، فهذا حَسَنٌ، وهذا أيضاً حسن، فهذا النوعُ أيضاً كافر، وهذا أيضاً يمكن أن
يدرجَ في مراده. والثالث: من أسلم كَرْها، ثم رضي به، كأنه عند الخوف من القتل، يَبْعثُ
نفسَه أن ترى الإسلامَ حقاً وتعتقده عن صميم قلب، فهذا مؤمنٌ إجماعاً. ومن نسب إلى
المصنف عدمُ الاعتبار بإسلامه، نظراً إلى ألفاظ هذه الترجمة فقد بَعُدَ بعداً بعيداً .
٢٧ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عامِرُ بْنُ
سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَشَولَ اللّهِ وَّهُ أَعْطَىِ رَهْطاً وَسَعْدٌ
جالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ثَيُّ رَجُلاً هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ما لَكَ عَنْ
قُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِناً، فَقَالَ: (أَوْ مُسْلِماً)). فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ
فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي فَقُلتُ: ما لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِناً، فَقَالَ: (أَوْ مُسْلِماً)). ثُمَّ
غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهُ ثُمَّ قَالَ: ((يَا سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِي
الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةً أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ)).
وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيّ. [الحديث ٢٧ - طرفه
في : ١٤٧٨].
٢٧ - (ما لك عَنْ فلان) قال الحافظ واسمه جُعَيل، وهو صحابي جليل القدر وله منقبة
عظيمة. عن أبي ذر أن رسول الله نَّه قال لأبي ذر: ((كيف ترى جُعَيلاً)) قلت: كشكله من الناس
- يعني المهاجرين - قال: ((فكيف ترى فلاناً؟)) قال: قلت: سيد من سادات الناس، قال:
((فجعيل خير من ملاء الأرض من فلان)). فهذه من منزلة جعيل المذكور.
(أرى) واتفق أئمة اللغة على أنه معروفاً بمعنى اليقين، ومجهولاً بمعنى الشك، ولعل
الأول مأخوذٌ من الرؤية والثاني من الرأي كما صرح به الشيخ ابن الهمام رحمه الله تعالى في
باب الصيام، وههنا مجهولاً أولى؛ لأن الحكمَ بمحضر النبي جزماً إساءةٌ للأدب، وقال قائل:
بل الأول متعين للقَسَم، فإنه قال: فوالله إني لأراه مؤمناً، والقسَمُ لا يناسبه الشك. قلت:
ويلزمه أن لا يجوز قولهم: والله لأظنه كذا، وهو باطلٌ قطعاً.
(أو) وقَرَأه الشيخ العيني رحمه الله تعالى بهمزة الاستفهام، وواو العطف (أو) يعني أتقول
كذا وهو مسلمٌ، وقيل: بل هو حرف عطف بسكون الواو (أو) والفرقُ بينهما أنه على الأول يكون
الحكمُ بإسلامِهِ، بتاً من جهة صاحب الشريعة، بخلاف الثاني، فليس فيه بتِّ وحكمٌ قطعيّ على
إسلامه، ومعناه: مهلاً ما تقول، لعله يكون مسلماً، ولا يكون مؤمناً. وقال بعضهم: إنها بمعنى
الإضراب. أقول: وإنما يفهم منها الإضراب للمقابلة، لا أنه أصل المعنى. ثم إنه طال نزاعهم في
قوله تعالى: ﴿أَوْ بَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] وسنعود إليه إن شاء الله تعالى في موضع آخر.
فإن قلت: إذا كان أمر جُعيل ما قد وُصِفَ في الحديث، فلا معنى للشك في إسلامه

١٨٧
كتاب الإيمان
وإطلاق اسم الإيمان في حقه، قلت: هو كذلك، وإنما منعه إصلاحاً له وتنبيهاً على أنه لا ينبغي
المبادرة في مثل تلك الأمور الباطنة التي قد تخفى على الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام أيضاً،
سيما بحضرة صاحب الوحي، وإن كان صحيحاً في خصوص هذا الموضع فلو كان صوبه ههنا،
ولم يمنعه لأمكن أن يستعمله في موضع آخر أيضاً لا يكون محلاً له، فمنعه مطلقاً سداً للباب،
ولم ينظر إلى خصوصِ المقام.
فإطلاق أحب الألقاب إلى الله تعالى بدون رؤية وروية هو مورِدُ النكيرِ فقط، وليس المرادُ ذم
الصحابي المذكور، فإنه ذو منقبةٍ ومكان، ورتبةٍ عند الله، وعند رسوله، وهذا كما قالت عائشة
رضي الله عنها لولد مات: طُوبَى له عصفورٌ من عصافير الجنةِ قال: مهلاً يا عائشة، وقد كان هذا
ولداً الأنصاري، ومعلوم أن أولاد المسلمينَ كلهم في الجنة، وإنما الاختلاف في أولاد
المشركين، فهذا أيضاً إصلاح كالقاعدة الكلية، أي الجزمُ بأمور الغيب قبل العلم بها مما لا
يُنَاسب مطلقاً، فكيف بمحضرٍ من صاحب الشريعة وهو أعلم، فينبغي أن يترقب ماذا يُلقى إليه من
جانبه، ثم يتلقاه منه، لا أنه يتبادر فيفْتَات عليه، ولذا ترى الصحابة رضي الله تعالى عنهم أكثر ما
يجيبونه بقولهم: الله ورسوله أعلم، ويتضح عندك مراده كل الاتضاح مما قيل في الفارسية. "خطا
اكرراست آيدتاهم خطاست" وفي الحديث أيضاً ((من فسر القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ)) وغَفَلَ
بعضهم عن هذا المعنى فجعل يأولُ في قصة عائشة رضي الله تعالى عنها، وقال: لعل الولد كان
من المشركين، ثم لما مرّ على الروايات ورأى أنه كان ولداً للأنصاري، ركب تأويلاً آخر باطلاً،
وقال: إنه كان أنصارياً نسباً وقوماً فقط، وهذا كله كما ترى لعدم البلوغ إلى حقيقة المراد. أما
المصنف رحمه الله تعالى فاستشهد بقوله فيه ((أو مسلماً)) فإنه دالٌ على تغاير بين الإيمان والإسلام
في الجملة؛ فإنه نفى عنه اسم المؤمن، مع إثباتٍ لقب المسلم، فثبتت الترجمة.
٢٠ - بابُ السَّلاَمِ مِنَ الإِسْلَامِ
وَقَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفسِكَ، وَبَذْلُ
السَّلَامِ لِلِعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ .
٢٨ - حدّثنا قُتَيبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيرِ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ أَيُّ الإِسْلَّامِ خَيرٍّ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ،
وَتَقْرَأُ السَّلَاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِف.
وإفشاؤُه نشرُه ◌ِراً وجهراً على مَنْ تَعْرف ومن لم تعرف. والمصنف رحمه الله تعالى في
مثله يتبع ألفاظ الحديث، فإن كان الحديث جعل أمراً ((من الإسلام)) يترجم المصنف رحمه الله
تعالى أيضاً بذلك، وإذا كان جعله ((من الإيمان)) يتبعه أيضاً، فتارةً يقول: ((من الإسلام)) وأخرى:
((من الإيمان)) لهذه النكتة وليس لمجرد التفنن في العبارة.
قوله: (الإنصاف من نفسك) يعني عن داعية نفس بلا رياءٍ أو حكم حاكم، وهذا إنصاف
صادر من طبعه، وحينئذٍ يكون حرف ((من)) ابتدائية، والنفس فاعلاً معنى، ويمكن أن يكون معناه

١٨٨
كتاب الإيمان
إجراءُ الإنصاف في معاملة نفسِهِ أيضاً، وحينئذٍ تكون النفس مفعولاً (للعالم) بالفتح، أي جميع
الناس (من الاقتار) أي الافتقار، و((من)) بمعنى ((في)) كما ذكره العيني رحمه الله تعالى، أو
بمعنى عند ومع، كما اختاره الحافظ رحمه الله تعالى، فالإنصاف خُلُقٌ، والإنفاقُ يتعلق بحقوق
الأموالِ، وإنشاءُ السلام أمرٌ بين الأمرين، والإيمانُ مجموعُ الثلاثة.
٢١ - باب كُفرَانِ العَشِيرِ، وَكُفرٍ دُونَ كُفْرٍ
فِيهِ أبُو سَعِيدِ الخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ◌َُّ.
٢٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((أُرِيتُ النَّارَ، فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ)) قِيَلَ: أَيَكْفُرْنَّ
بِاللَّهِ؟ قَالَ: ((يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنكَ
شَيئاً، قَالَتْ: مَا رَأَيتُ مِنْكَ خَيراً قَظُ)). [الحديث ٢٩ - أطرافه في: ٤٣١، ٧٤٨، ١٠٥٢، ٣٢٠٢، ٥١٩٧].
واعلم: أنّ هذه الترجمة أيضاً من التراجم المشكلة عندي، والجملةُ الأخيرةُ مرفوعٌ أي
إعراباً، وإعرابُها حكائي عندي، لأنه قول عَطَاء بن أبي رَبَاح، ونقل نحوه عند ابن كثير عن ابن
عباس رضي الله تعالى عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
اُلْكَفِرُونَ﴾ أي بكفرٍ دون كفر. ولعل الحافظ رحمه الله تعالى لم يُدركه ولذا نسبه إلى عطاء، ولو
أدرِكَهُ لنسبه إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنه، لأن عطاء تلميذ له، ولذا أظنُ أن عطاءَ لعله
تعلَّمَه منه؛ فأصله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه فاعلمه. قال الحافظ (١): ((دون)) بمعنى
أقرب، واختاره. وقيل: بمعنى غير، وجعله مرجوحاً .
(١) قلت: ولم أجذه في ((الفتح)) من هذا الباب، ولكنه ذكره العيني في ((العمدة)) قال معناه وكفر أقرب من كفر، ثم
قال: وتحقيق ذلك ما قاله الأزهري الكفر بالله أنواع: إكفار وجحودٌ وعِنَادٌ ونفاق، ثم فصلها، قال الأزهري
ويكون الكفرُ بمعنى البراءة، كقوله تعالى حكاية عن الشيطان ﴿إني كفرت بما أشركتمون من قبل﴾ [إبراهيم: ٢٢]
أي تبرأت. قال وأما الكفرُ الذي هو دون ما ذكرنا، فالرجل يقرُ بالوحدانية والنبوة بلسانه، ويعتقد ذلك بقلبه،
لكنه يرتكبُ الكبائر من القتل، والسعي في الأرض بالفساد، ومنازعة الأمر أهله، وشق عصا المسلمين ونحو
ذلك. انتهى. وقد أطلق الشارع الكفرَ على ما سوى الأربعة، وهو كفران الحقوق والنِّعم لهذا الحديث ونحوه،
وهذا مراده من قوله: ((وكفر دون كفر)) وفي بعض الأصول: وكفر بعد كفر وهو بمعنى الأول، انتهى مع اختصار.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله وخَصَّ كفرانَ العشير من بين أنواع الذنوب لدقيقة بديعة وهي قوله وَّةٍ: ((لو أمرت
أحداً أن يسجدَ لأحد، لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجها)) فقرن حق الزوج على الزوجة بحق الله، فإذا كَفَرت المرأة
حقَ زوجها وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية، كان ذلك دليلاً على تهاونها بحق الله، فلذلك يُطلق عليها الكفر،
لكنه كفر لا يخرج عن الملة، ويؤخذ من كلامه مناسبة هذه الترجمة لأمور الإيمان، وذلك من جهة كون الكفر ضد
الإِيمان. اهـ. ولا ريب أن تلك النكتة بديعةٌ جداً. ثمَّ راجعتُ ((الفتح)) من باب ظلم دون ظلم فوجدتُ فيه ما ذكره
الشيخ رحمه الله. قال الحافظ ((دون)) يُحتمل أن تكونَ بمعنى غير، أي أنواع الظلم مُتغايرة، أو بمعنى الأدنى، أي
بعضها أخف من بعض وهو أظهر في مقصود المصنف رحمه الله. انتهى. فلله الحمد.

١٨٩
كتاب الإيمان
قلت: والمختارُ عندي ما جعله الحافظ رحمه الله مرجوحاً. ثم إن الحافظ رحمه الله بنى
شرحَهُ على شرح القاضي أبي بكر بن العربي، وحاصله راجعٌ إلى تحقيق الحافظ ابن تيمية
رحمه الله. ومحصَّلُ تحقيقه: أن الإيمانَ لما كان مركباً أمكن أن يوجدَ في المؤمن بعض أشياء
الكفر، وفي الكافر بعض أشياء الإيمان، كالكِبْر فإنه من الكفر وقد يوجدُ في المسلم أيضاً،
وكالحياء فإنه من الإيمان وقد يوجد في الكافر أيضاً فالإسلام عَرْضٌ عريضٌ، أعلاه: لا إله
إلا الله وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما مراتبٌ لا تحصى، وكذلك الكفر أيضاً عرضٌ
عريض، فكما أن الإيمانَ المنجي ما هو في المرتبةِ الأخيرة، كذلك الكفرُ المهلك أيضاً ما كان
في تلك المرتبة. وبين أعلى الكفر، وأدناه مراتبُ لا تحصى. وعلى هذا فالكفرُ اسم للجحودِ
والفسوق .
وأقرب نظائِرِه كالصحة والمرض، فيوجدُ في الصحيح بعض أشياء المرض، وفي المريض
بعضُ أشياء الصحة، ولكن هذا التقرير يناسبُ وظيفة المُحدِّث، والمفسر، أما على طريقِ الفقيهِ
والمتكلم، فإنهم لا يبحثون إلا عن النجاة وهي المرتبة الأخيرة، فلا يجتمعُ الإيمان مع الكفر
عندهم أصلاً. قلت: كما أن المحدثين والمتكلمين اختلفوا في الحالةِ المتوسطة بين الإيمان
والكفر، فأثبتها الأولون، ونفاها الآخرون، كذلك اختلف الأطباء في الصحة والمرض فذهب
جالينوس إلى أن هناك ثلاثة أحوال: الصحيح فقط، والمريض فقط، والذي بينهما، وأنكره ابن
سينا وثنَّى القِسْمة، فالأعمى عند جالينوس ليس بصحيح من حيث فقدان حاسة البصر، ولا
مريضٍ من حيث صحة بقية الأعضاء، وعند ابن سينا هو مريض.
ومن هذا التحقيق انحل كثيرٌ من الأحاديث التي أُطلق فيها لفظ الكفر على الكبائر،
واستغنى عن التأويلات، كقوله ◌َالجر: ((من ترك الصلاة فقد كفر)). فأول فيه بعضهم أنه ليس حكماً
بالكفر، بل معناه أنه قُرْبُ الكفر. قلت: وليس بشيء، لأن الحديث يصفه به في الحالة الراهنة،
ويرميه بالكفرِ ولا ينظرُ إلى حالة أخرى، وقال قائل: معناه من ترك الصلاة مستحِلاً، وهو أيضاً
من هذا القبيلَ؛ لأنه لا يختص بالصلاة فإنه يكفر باستحلال كل حرام قطعي، وقال آخر: معناه
أنه فَعَل فِعْل الكفر، وهذا نافذ، والرابع ما أراده الحافظ ابن تيمية رحمه الله أي فقد كفرَ بكفرٍ
دون كفر، فلم يُكْفِرْه بكفر يوجب الخلود، بل بكفرٍ سُلِبَ عنه حُسْنُ الإسلام، وشأنَه بوصمةً
الكفر، وهذا أحسن من الكل.
ومقتضى هذا التحقيق جوازُ إطلاق الكافر على العاصي، لقيام مبدأ الكفر به والأعجب
إليَّ: أن يحجزَ عنه إطلاق الكفر وإن صح ظاهراً، فإن فيه مفاسد لا تخفى. وقد سمعت أن نظرَ
الحنفية لما كان مقتصراً على المرتبة الأخيرة - وهي التي تليق بوظيفتهم - لم يختاروا ذلك
التحقيق كما مر مفصّلاً.
إذا سمعت هذا فاعلم أن الحافظ رحمه الله جعل حاصلَ هذه الترجمة والترجمة الأخرى
باب ((ظلم دون ظلم)) واحداً، وقال: إن المصنف رحمه الله لما أقام المراتب في الإسلام لزمَ
منه أن يُقيم المراتب في الكفر أيضاً، وجعل (دون)) بمعنى أقرب، ليكون أسهل في الإشارة في

١٩٠
كتاب الإيمان
إقامة المراتب، فالكفر على هذا نوعٌ واحدٌ، تحته مراتب، بعضها أخف من بعض.
أقول: إن هذه الترجمة لا تبتني على تحقيق الحافظ ابن تيمية رحمه الله وإن كان تحقيقه
جيداً، ولكن المصنف رحمه الله فيما أرى لم يُشر إليه، وكذلك ((دون)) في ترجمته بمعنى غير،
على خلاف ما فهمه الحافظ رحمه الله، والوجه عندي أن المصنف رحمه الله استعمل هذا اللفظ
في مواضع عديدة ومعناه هناك ((غير)) قطعاً، منها ((باب من خص قوماً دون قوم بالعلم)) أي سوّى
قوم، وكذا أشار إليه الحديث أيضاً فإنه جعل الكفرَ نوعين، فالأول كفر بالله، والثاني كفران
بالعشير، فجعله متغايراً بالمتعلَّقاتِ ولم يقم فيه المراتب كما تقول: تَصَورٌ فقط، وتصور معه
حكم، فهذان نوعان للعلم، كذلك الكفر أيضاً نوعان: كفرٌ بالله، وكفران بالعشير، فهو كفرٌ غير
كفر، كمغايرة النوع بالنوع.
ويمشي على هذا التقدير تقرير القاضي أيضاً، لأن كونَ كفر مغايراً لكفرٍ آخر لا ينافي إقامةُ
المراتب، بل هذا أولى مما قالوه، فإن الكفر إنْ جعلناه نوعاً واحداً كما قالوه يلزمُ إثباتُ
الأحكام المختلفة لأفراد نوع واحد، وهو مستبعد بخلاف ما إذا جعلناه أنواعاً وغايرنا في أحكام
الأنواع، فنوع منه موجبٌ للخلود، ونوع آخر للفسوق، كان على طريقٍ معروف ولم يكن فيه
بعد، فلما كان تقريرهُ يمشي على هذا التقدير مع ملاءمته بكلام المصنف رحمه الله تعالى في
مواضعَ أخرى، وإيماء الحديث إليه فالحمل إليه أولى، وينجلي الأمر مما في قوله تعالى:
﴿وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] لأنهم اتفقوا أن ((دون)) فيها ليست بمعنى أقرب، بل
بمعنى غير، فلذا جزمت أن ((دون)) ههنا بمعنى غير لا بمعنى أقرب، كما شرحوا به، فالمصنف
رحمه الله تعالى عندي ليس بصدد بيان تقارب الكفر بالكفر، ولا بشرح الأحاديث التي أُطلق
فيها الكفر على المعصية، كما ذهب إليه القاضي بل بصدد بيان التنوع فيه، وتؤيده نُسخة أخرى
نقلها الشيخ العيني رحمه الله تعالى: وكفر بعد (١) كفر. وقد كان يخطرُ ببالي أن طريقَ المصنف
رحمه الله تعالى جمعُ الآيات المناسبة في ترجمة الباب وههنا لم يتعرض المصنف رحمه الله
تعالى إلى قوله تعالى: ﴿اُلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ﴾ [التوبة:
٩٧] مع كونها صريحة في هذا المراد، ثم تبين لي أن المصنف رحمه الله تعالى إنما يريد مراتب
الكفر التحتانية، وهذه تدل على الفوقانية وهي الكفر المهلك، ولما كان بين الكفرِ والكفرانِ
اشتقاقاً، لم يبال باختلاف الألفاظ واستدل به على مراده، وهذا تقرير على مذاقهم.
وأما ما سنح لي فأقول: إن المصنف رحمه الله تعالى لو كان أراد إجراء التوجيه المذكور
في الأحاديث، لأخرج تحت هذا الباب حديثاً من الأحاديث التي أطلقَ فيها الكفرُ على
(١) قلت: ولي فيه نظر لأنها تدلُ على إقامة المراتب لا على تغايرُ الأنواع، وفي تقرير عبد العزيز وكذا في تقرير آخر
عندي أن تلك النُّسخة كفر غير كفر ولا ريب أنها تؤيد ما ذكره الشيخ، بل تلكَ صريحةٌ فيه، غير أني لم أجد تلك
في العيني، بل فيه لفظ: ((بعد)) على ما عندي من نسخة العيني قال وفي بعض الأصول: وكفر بعد كفر وهو
بمعنى الأول، أي ((دون)) بمعنى أقرب.

١٩١
كتاب الإيمان
المعاصي، أو الكافر على العاصي، ليتوجه ذهنُ الناظر إلى أن هذه الترجمة شرح لمثل هذه
الأحاديث، ولكنه لم يشرْ إليه في مقام ولم يخرجْ تحته حديثاً كما وصفنا، بل ذكر أن كفراً يباينُ
كفراً آخر، ولم يجعل الكفر شيئاً واحداً وعرضاً عريضاً. فإن قلت: إنه قد أخرج حديثَ كُفْران
العشير قلت: الكفران ههنا بالمعنى اللغوي (حق ناشناسى) وهو قد يطلق على أمر لا يكون
معصيةً أيضاً، ولو كان أراد الإشارة إليه، فلا أقل من أن يُخرِّج تحته قوله وَّ: ((وقتاله كفر))
ولكنه لم يخرج مثل هذه الأحاديث في باب من أبواب الإيمان، ولم يشر إلى تأويلها في موضع
من المواضع.
فإن قلت: إن الحديث قتاله كفر وقد أخرجه في الباب الآتي. قلت: لكنه لم يبوب عليه
بكفر دون كفر بل بوب بباب آخر ولم يستفد منه هذا المعنى. والحاصل أنه إذا بوّب بترجمة
أمكنت أن تكون إشارةً إلى تحقيق الحافظ ابن تيمية لم يُخرج تحتها حديثاً، أطلق فيه الكفر
على المعصية، لتكون إشارة إلى شرحها، وإن أخرجَ حديثاً كذلك لم يترجم عليها بترجمة تكون
مُشْعِرة بشرحها، ولو كان أراد التحقيق المذكور لجمع بينهما. ولما حجر في الباب الآتي عن
إطلاق الكفر على العاصي إلا بالشرك، وقال: ((ويكفر صاحبها)) مكان ولا يكفر، وأيضاً لوجب
عليه أن يقيدَ قوله: ((ولا يكفر صاحبها)) بقيد ما، كالكفر بالله ليتم مراده، ولا أخالُ عبارة
المصنف رحمه الله تعالى تكون ناقصةً في مثل هذا الموضع، وأيضاً لما ذكر التحذيرَ من
الإصرار على التقاتل في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله، وخشية أصحابه بَّ على أنفسهم
النفاق، لأن حاصل هذه الترجمة أنه ليس بكافر في الحال، ولكنه يُخشى عليه سوء الخاتمة،
أعاذنا الله منه وأماتنا على الملة البيضاء المحمدية على صاحبها الصلاة وألف ألف تحية.
فهناك تحذيرٌ من الكفر بكفرٍ يُوجب الخروجَ عن الملة، لا حكمٌ بالكفر بكفر دون كفر في
الحالة الراهنة، كما سيأتي، وهذا يخالفُ تحقيق الحافظ ابن تيمية فإنه يُجوِّز إطلاقَ الكفر في
الحال بكفر دون كفر، فينبغي أن يُلاحظَ في شرح هذا الباب هذان البابان أيضاً، فإن لهما تعلقاً
بهذا الباب، وقد علمت: أن الترجمة التالية: ولا يكفر صاحبها يُشعر بعدم اختياره هذا
التحقيق، وكذا فيما بعده يدل على التحذير من الكفر المُخْرِج عن الملة، وليس فيه تَعرّضاً إلى
كفر دون كفر، مع عدم الإشارة إلى هذا التوجيه في باب من أبوابه، فلا يصح عندي إدخال هذا
التحقيق في شرح تراجمه .
ولعل المصنف رحمه الله تعالى إنما ترجم بكفر دون كفر نظراً إلى خصوص ألفاظٍ هذا
الحديث، ولما كان في الحديث الفعل الواحد مضافاً إلى الله والعشير، صار الكفر مختلفاً،
وبوب بكفر دون كفر، ولم يرد التأويلُ في مثل تلك الأحاديث، ومثله يفعلُ المصنف رحمه الله
تعالى في أبوابه ويضع التراجم نظراً إلى خصوص الألفاظ أيضاً، والمصنف رحمه الله تعالى
لعلو كعبه، ورفعة محله لا يزيد لأجلنا حرفاً، ويتكلم على قدر علمه فيُوجب تحيراً للمحققين
واعتراضاً للقاصرين، ولم يؤد أحدٌ حقَ تراجمه إلى يومنا هذا، فهي كالأحاجي بعد، ولعل الله
يحدث بعد ذلك أمراً .

١٩٢
كتاب الإيمان
٢٩ - قوله: (رأيت النار) وفي الحديث الآخر: ((إن لكل رجل من أهل الجنة امرأتان)) فدل
على كثرتهن في الجنة، وقد عجز الحافظ عن جوابه. والجوابُ عندي: أن هاتين من الحور
العين كما في البخاري عن أبي هريرة: لكل امرىء زوجتان من الحور العين، وأيضاً الأكثرية
عند مشاهدته إذ ذاك، ولا تنسحب على مجموع الزمان، والوجه كثرة الغِيبة واللعن فيهن، وكن
النِّساء إذ ذاك حديث عهد بالجاهلية، وكثرة الغِيبة واللعن فيهن أمرٌ معلوم، فرآهنَّ أكثر أهل
النار، ولهذا لا يلزمُ من ذلك كثرتهن بعد ما أدبهن أدب الإسلام؛ فإنهن يكن أرق قلوباً يتأثرن
بالسرعة، فكما كن في الجاهلية أكثر لعناً، صرن في الإسلام أبعد عنه، والله تعالى أعلم.
والحافظ رحمه الله تعالى لما ذهل عن هذا اللفظ تحير في الجواب، ولم يأت بما يميز القِشر
عن اللباب.
٢٢ - باب المَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ،
وَلاَ يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلاَّ بالشِّرْكِ
لِقَوْلِ النَّبِيِّ ◌َِّ: ((إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ))، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن
يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [النساء: ٤٨].
٣٠ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلِ الأَحْدَبِ، عَنِ
المَعْرُورِ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فُسَأَلتُهُ عَنْ ذلِكَ
فَقَالَ: إِنِّي سَابَيْتُ رَجُلاً فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((يَا أَبَا ذَرّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ
فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ،
فَليُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَليُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ
فَأَعِينُوهُمْ)). [الحديث ٣٠ - طرفاه في: ٢٥٤٥، ٦٠٥٠].
٢٣ - باب ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] فَسَمَّاهُمُ المُؤْمِنِينَ
٣١ - حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ المُبَارَكِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ،
عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هذا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بِكْرَةَ،
فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلتُ: أَنْصُرُ هذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
يَقُولُ: ((إِذَا التَّقَى المُسْلِمَانِ بِسَيفَيهِمَا فَالقَائِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ)) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
هذا القَاتِلُ، فَمَا بالُ المَقْتُولِ؟! قَالَ: ((إِنَّهُ كَانَ حَرِيصاً عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)). [الحديث ٣١ -
طرفاه في: ٦٨٧٥، ٧٠٨٣].
والمراد من المعاصي هي الكبائر، أما الصغائر فأمرها هينٌ برحمة الله، فإن الحسناتِ
يذهبن السيئات. ((ولا يكفر صاحبها)) أي عند الجمهور فإنهم قالوا: إن مرتكب الكبيرة ليس

١٩٣
كتاب الإيمان
بكافر ما دام يكون جازماً بالشهادتين، ومقراً بهما، خلافاً للمعتزلة، فإنهم قالوا: بالمنزلة بين
المنزلتين .
أقول: قوله: (ولا يكفر صاحبها)) على تقدير تحقيقه ((كفر دون كفر)) مُشْكِل؛ فإن موجبه أن
يجوزَ إطلاقُ الكفر ولا يتأخر عنه. والجواب عندي: على تقدير التسليم أن مراده الإيذانُ بعدم
إكفار صاحب المعصية من جانبه، والاقتصارُ به على المواضع التي ورد بها الشرع. فأينما حكم
القرآنُ والحديثُ على أمر بكونه كفراً جَاز لك إطلاق الكفرِ عليه على طريق: كفر دون كفر،
وإلا فلا يُسوَُّ لك إِطلاق الكفر عليه. وهذا كَحَذْر الشريعة عن اللّعْن، فلا يُسوَّغ لأحدٍ أن يلعن
أحداً من عند نفسه.
ووجه الإشارة أنه جاء بلفظ المضارع، فمعناه لا يكفر في المستقبل. أما الإطلاقُ الذي
مضى من جانب الشرع، فهو ماض، والمنع في المستقبل مخافةً شيوعه في المحل وغير
المحل. وعندي شرحٌ آخر أيضاً: وهو أنه لا يكفر صاحبها، لأن المتبادر من إطلاق الكفر، هو
كفر الخلود، فيمنع عن إطلاقِهِ دفعاً لهذا التوهم. وله شرحٌ ثالث أيضاً: وهو يُبنى على ما
أخرجه الهيثمي في ((الزوائد)) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه عدّ عِدَّة أشياء ثم قال:
ويقال بتركه: به كفر، ولا يقال: إنه كافر، ونحوه رأيت عن علي رضي الله تعالى عنه، ولكن
في إسناده راوٍ كذاب. وعن الدارمي(١) أيضاً مثله حيث قال: يقال: به كفر، ولا يقال: إنه
كافر .
قلت: إنه لا يُسمَّى كافراً لأن إطلاقَ اسم الفاعل على من صَدَرَ عنه الفعل مرةً ولم يتكرر،
ليس بلطيف في العُرْف، وإن جاز عقلاً. نعم إذا تكرر وصار صفةً له لَطُف إطلاقه. ولذا يقال:
إن الفعلَ للواقعة، فمن ضرب مرة يقال: إنه ضرب ولا يقال: فلان ضارب، وفلان سارق وفلان
زانٍ، إذا لم يتكرر منه ذلك الفعل. فإن قلت: إن القرآن لم يقل به كفرٌ بل أطلقَ لفظ الكافر في
قوله: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] قلت: هذا إطلاق على
الطائفة لا على الشخص، وكلامنا في الشخص دون الطائفة، فإنه يجوز أن يقال: لعنةُ الله على
الكاذبين، بخلاف لعنة الله عليك، وإن كان كاذباً .
ويمكن أن يكونَ المصنف رحمه الله تعالى أراد منه بيانَ المسألة فقط. بأنه لا يكفر
العاصي، ولم يكن أراد شرحَ الأحاديث التي وَرَدَ فيها إطلاق الكفر على المعاصي، وتأويلها
بكفر دون كفر. ويحتمل أن يكونَ أراد من قوله: كفر دون كفر، إفادة التشكيك فيه، وأراد من
(١) قال الشيخ رحمه الله تعالى: وكان الدارمي في طبقة البخاري رحمه الله تعالى، وكان أسنَّ منه، ولذا تجد
الثلاثيات عنده أزيد من البخاري، وكنيته أبو محمد، ولم يكن البخاري رحمه الله تعالى يُنشدُ شِعراً، فلما توفي
الدارمي أنشد شعراً على وفاته، وعند محمد بن الحسن رحمه الله تعالى توجد الثنائيات أيضاً، وفي تقرير الفاضل
عبد العزيز أن الثنائيات لمحمد رحمه الله تعالى قد جمعها عالم ببلدة الكشمير، وكانت عند شيخنا رحمه الله
تعالى أيضاً.
٠

١٩٤
كتاب الإيمان
المعاصي غير ما أطلق عليه الكفر. والمقصودُ أن ما أطلق عليه الكفرُ في الشرع فقد اندرج في
باب كفر دون كفر. وأما المعاصي من غير هذا النوع فلا يُطلق عليه الكفر، ولا يكفر صاحبها
لهذا النوع. ولذا أخرج تحت هذا الباب حديث: ((إنك امرؤ فيك جاهلية))، ولم يُخرج نحو:
(قتاله كفر)). وأخرج في الباب الأول حديث: كُفران العشير، لمجيء إطلاق الكفر فيه. فيقال
في أمثال تلك المعاصي: فيك جاهلية، ولا يقال: فيك كفر. ومن ارتكب القتل والعياذ بالله
يقال له: به كفر، هذا كله على ما شرحوا به .
وأما الغرضُ منه على ما قررت مرادَه، فالصدع بعدم إطلاق الكفر على المعصية،
والتصريح بأنه لم يرد من الباب السابق أن الكفر عرض عريض ولو كان ذهبَ إليه لجوَّز ذلك
الإطلاق، فكأنه احتراسٌ منه، وتصريح بعدم إطلاق الكفر من ارتكاب المعصية، والله تعالى
أعلم بحقيقة الحال.
قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَمْ﴾ وهذه الآية نصٌ لأهل السنة والجماعة. وتأوَّل
فيها الزَّمخشري. والشرك أخصُّ من الكفر، لأنه الكفرُ مع عبادة الغير، فهو أغلظُ أنواعه. فإنكار
الرسالة كفرٌ وليس بشركٍ. وإنما ذكرَ فيها الشركَ خاصة والله أعلم، لأن أكثرهم كانوا يشركون
في العبادة فوردت الآية ناعية عليهم. وإنما المراد الكفر مطلقاً(١). ثم استشهد المصنف
رحمه الله تعالى من آية أخرى وفيها أيضاً إطلاقُ المؤمن على العاصي، لأن الاقتتال معصية،
غير أنه يُوجبُ أن يكونَ اقتتالهم المذكور في الآية كبيرةً، ليثبت إطلاق الكفر عليها، حتى يلزم
صحة إطلاق المؤمن على من فيه كفر دون كفر.
قلت: إنما أراد المصنف رحمه الله تعالى في هذا الباب إطلاق المؤمن على من فيه
جاهلية، ولا ريب في كون الاقتتال من أمور الجاهلية. وحينئذٍ لا حاجة إلى جعل هذا الاقتتال
كبيرة .
(١) ووجدت في تقرير الفاضل عبد القدير فيما ضبطه من كلام الشيخ رحمه الله تعالى جوابين آخرين، وتعريبهما على
ما فهمت: أن الأولى بحال القرآن البحثُ عن أسباب الشيء لا عن نفسه، والشركُ سبب من أسبابِ الكفر،
والكُفْرُ حكمُهُ يتفرع عليه، فاستحسن التعرضَ للشرك دون الكفر، والجواب الثاني: أن عدم مغفرة الكافر غير
المشرك واضحٌّ، فإنه إما بإنكاره بوجود الله سبحانه وتعالى وعدم مغفرته ظاهر، أو بإنكار رسوله والمناواة،
والمعاداة، بذي منصب من الحكومة نفسها، فالبغاوة مع الرسول أيضاً يفضي إلى البغاوة مع الرب عز اسمه،
وليس جزاء الباغي إلاّ الهلاك، فمنكره، أيضاً هالك على ظاهر الأمر، نعم، الإشكال فيمن أقر بربه ثم جعل
يدعو له نداً في ذاته أو صفاته، فهل تناله المغفرة أو لا؟ فنبه على أنه أيضاً كأخوين إن مات عليه، و((بالجملة))
كان الغموضُ في مغفرة المقر المشرك، لذا وقع التعرض له خاصة. وهناك جواب آخر للشاه عبد العزيز رحمه الله
تعالى في تفسيره ولا يعلق بالقلب ولا ثقة بالنُّسخة أيضاً، غير أن المولوي عبد الله قال: إن نسخة من تفسيره
بلغت إلينا من حيدر آباد فطبعناها والشاه عبد العزيز رحمه الله تعالى معاصر لابن عابدين الشامي ولكنه أفقه منه
عندي، ومراد البخاري رحمه الله تعالى أن الكفرَ لما كان غير معفو وما دون الشرك معفو، لزم أنه ليس بكفر،
ولا يطلق عليه الكفر، انتهى ما نقله في تقريره.

١٩٥
كتاب الإيمان
٣٠ - قوله: (وعليه حلة) وفيه مسامحة من الراوي، لأن الحُلة اسم للثوبين من جنس، ولم
يكن عليه ثوبان من جنس، لما عند المصنف رحمه الله تعالى في ((الأدب)» بلفظ: ((رأيت عليه
بُرْداً)) وعلى غلامه بُرْداً. فقلت: لو أخذتَ هذا فلبستَه كانت حُلة ولأبي داود: فقال القوم: يا أبا
ذر لو أخذت الذي على غُلامك فجعلته مع الذي عليك لكانت حُلة. ثم أجابه أبو ذرٍ بحكاية القصة
التي كانت سبباً لذلك. ولفظُ الحديث وإن اقتضى المواساة دون المساواة، لكنه حَمَلَه على
المساواة تشديداً على نفسه. وههنا دقيقة أخرى سنذكرها إن شاء الله تعالى في موضع آخر.
(ساببت رجلاً) والرجل هو عَمَّار بن ياسر رضي الله تعالى عنه كان يطعن فيه أن أمه سُمية
أمة. والحق إنها لم تكن أمة، بل انُّخذت أمةً بالقهر. وفي ((الفتح)) أنه بلال.
واعلم أنه قال أرباب التصانيف: إن سبَّ الصحابة رضي الله عنهم فسقٌ. وقال بعضهم:
إن سبَّ الشيخين كفر، والمحققُ أن سبَّ الصحابة رضي الله عنهم كلُّهم أو أكثرهم كفرٌ. وسبَّ
صحابي واحد أو اثنين فسق، وسب أحدهما الآخر ليس بكفر، فإنه يكون الداعية، لا لمجردٍ
تبريدِ الغيظِ. بخلاف سبٍّ من بعدهم إياهم، فإنه ليس بسب صحيح، بل لمجرد تبريد الغيظ.
فإنهم قد انقطعوا عن الدنيا، ولم يبق لهم معاملة مع الناس، فلا يقعُ مَنْ يقعُ فيهم إلا لأجل
الغيظ منهم، ثم إنهم اختلفوا في إكفار الروافض، ولم يكفرهم ابن عابدين رضي الله عنه.
وأكفرهم الشاه عبد العزيز رحمه الله تعالى، وقال: إن من لم يكفرهم لم يدر عقائدهم. ثم فصل
في المسألة وبه أفتى، والله أعلم.
٣١ - قوله: (لأنصر هذا الرجل) وهو عليٍّ رضي الله عنه.
قوله: (القاتل والمقتول في النار) ومع هذا أقول: يمكن أن يكون بينهما فرقاً من جهة
مباشرة القتل من جانب، وعدم المباشرة من جانب آخر، وإن كانا في النار. وعَرْضُ هذا
الحديثَ في واقعة علي رضي الله عنه، ومعاوية رضي الله عنه في غير محله فإنَّ الحديث فيمن
قاتل على الظلم والجور. وأما عليّ رضي الله عنه فكان على الحق، وأما معاوية رضي الله عنه
فكان أيضاً على الحق عنده. ولذا كان أكثر الصحابة رضي الله عنهم مع علي رضي الله عنه، ولا
أعلمُ أحداً من الأنصار تخلّف عنه. غير أن المهاجرين اختلفوا، فتردد بعضهم، وسكت
بعضهم، كابن عمر رضي الله عنه، ودخل بعضهم مع معاوية رضي الله عنه .
ثم إن العقلَ يكادُ يعجز عن إدراك مما كان في صدورهم من تقوى الله، حيث كان علي
رضي الله عنه يقول في ابن عمر رضي الله عنه: لله دره، وكان ابن عمر رضي الله عنه حين وفاته
يبكي على تأخرِه عنه، لما تبين له الحق، ولا ينقل عنهما أن يكونَ أحدهما طعن على الآخر.
ولو كان الأمر كما هو الآن لصارا عدوين يغتابُ أحدهما الآخر ويقع فيه والعياذ بالله ثم هذا لا
يناقض قوله ((السيف محاء للذنوب)) وهو أيضاً حديث قوي. لأن موردَه فيما لم يُرِدِ المقتولُ قتلَ
صاحبه، بخلاف هذا الحديث. وإذا صح أن السيفَ محاءٌ، أي يمحو الذنوب، ظهر شرح آخر
لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَأَ بِثْمِى وَإِنَّكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ [المائدة: ٢٩] وهو أن المراد
من قوله: ((أن تبوء بإثمي)) مَحْوُه عنه من أجل سيفه.

١٩٦
كتاب الإيمان
وحاصله: إني أرضى أن تكون من أصحاب النار بإثمك، وينمحي إثمي من سيفك، لأن
السيف محاء. فكأنه إذاً انمحى عنه إثمه من سيفه، ومن فعله، فكأنه باء به ورجع بإثمه، وذهب
به معه. لا بمعنى أنه طُرِحَ عليه ليخالف قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]
فالقاتلُ حملَ وزرَ نفسِه، ولكنه محى عن المقتول ذنوبَه أيضاً، فكأنه ذهب بذنوبه معه، وإن لم
يحملها على نفسه.
والحاصل: أن قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبُوَّأَ بِثْمِى وَإِنْكَ﴾ إنما هو بطريق محو الإثم عن
المقتول، لا بحملِهِ على نفسه. وإنما ذكر هكذا في التعبير تهويلاً، والمراد ما قلنا، والقرينة
عليه ما بينا أعني حديث المحو. وقد مر بعض الكلام في حديث هِرَقْل تحت قوله: ((وعليك
إثم اليريسين))، وقد شرحت هناك أن المراد منه: إثم إهلاك اليريسين عليك، أما إثم كفرِهم
فعلیھم .
٢٤ - بابُ ظُلمِ دُونَ ظُلمٍ
٣٢ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِشْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلقَمَةَ، عَنْ عَبْد اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ:
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُ الْأَمْنُ وَهُمْ تُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، قَالَ
أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نفسه؟! فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
[لقمان: ١٣]. [الحديث ٣٢ - أطرافه فى: ٣٣٦٠، ٣٤٢٨، ٣٤٢٩، ٤٦٢٩، ٤٧٧٦، ٦٩١٨، ٦٩٣٧].
والكلام فيه كالكلام في الترجمة السابقة، أي كفرٌ دون كفر. فقال الشارحون: معناه إن
في الظلم أيضاً مراتب كالكفر، فدون عندهم بمعنى أقرب. وأقول: معناه أن ظلماً مغايرٌ لظلم،
فدون عندي بمعنى ((غير)). وهذا حديث مرفوع في الخارج. ومن عادة المصنف رحمه الله تعالى
أنَّ الحديثَ إذا لم يكنْ على شرطه ويكون مثبتاً لمقصودِهِ يضعه في الترجمة.
قوله: (فأنزل الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) ظاهر هذه الرواية أن نزولها
على السؤال المذكور ههنا. وفي رواية أخرى في جواب قولهم: ((أيّنا لم يَظْلِم)) ألا تسمعون
إلى قول لقمان: ﴿إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. وظاهره أن تلك الآية قد كانت نزلت من قبل،
وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يعلمونها. قال الحافظ رحمه الله تعالى في جوابه: إن الآية
نزلت في هذه القصة ثم استشهدَ بها النبي ◌ّل و أيضاً وبه تلتئم الروايتان. ثم إنهم اختلفوا في
محصَّل السؤال والجواب: فقال الخطّابي رحمه الله تعالى: كان الشركُ عند الصحابة أكبرَ من
أن يلقَّبَ بالظلم، فحملوا الظلمَ على ما عداه من المعاصي. ولذا قالوا: أَيُّنا لم يَظْلم، وبيَّن
لهم رسول الله وَّر أنه عامٌّ للكفر وغيره من المعاصي، وإن كان المرادُ منه ههنا كُفْرَ الخلود
فقط .
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: بل إنهم حملوا الظلم على الأعم من الشرك، فما دونه،
وخصصه النبي ◌َّه بالشرك. فحاصلُ جواب النبي ◌َُّ على شرح الخطّابي تعميمُ الظلم على كُفْر

١٩٧
كتاب الإيمان
الخلود وغيره، وعلى شرح الحافظ تخصيصهُ به، أي أنكم زعمتم أنه عامٌّ للكفر والمعاصي مع
أنه خاص بالظلم الذي ليس بعده ظلم.
أقول: ومنشأ شرح الحافظ رحمه الله تعالى ترجمة المصنف رحمه الله تعالى، فإنه عمم
الظلْمَ، وجعله ظلماً دون ظلم، ليمكن إطلاقه على الكفر والمعاصي سواءٌ بسواء، وتقام فيه
المراتب. فحمل الحافظ رحمه الله الحديث أيضاً على العموم، ليكون ألصق بالترجمة. وعندي
ما اختاره الخطّابي رحمه الله تعالى أظهر، لأنه يُبنى على حمل كلامهم على ما هو المعروفُ
بينهم، بخلاف شرح الحافظ رحمه الله تعالى، وذلك لأن المعروفَ في معنى الشرك والكفر
عندهم، كان هو لفظ الكفر والشرك، بخلاف الظلم، فإنه لم يكن عندهم معروفاً في الشرك
والكفر، بل في سائر المعاصي. فعلى هذا حَمْلُ الظلم على ما وراء الكفر حَمْلٌ على ما كان
المعروف المتعارف عندهم. ويلزم على شرح الحافظ حملُهُ على غير المتعارف عندهم، فإن
الظلمَ لم يكن عندهم معروفاً في الكفر، فهو حَمْلٌ على غير المتعارف.
أما مناسبتُهُ للترجمةِ، فبأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما فَهِمُوا من الظلم غيرَ الشرك،
وأطلق النبي ◌َّر الظلمَ على الشرك أيضاً، ثبت إطلاق الظلم على كفر الخلود وغيره، وثبت منه
ترجمة ظلم دون ظلم على هذا التقدير أيضاً. فإن قلتَ: إذا كان الظلمُ مشهوراً عندهم فيما وراء
الكفر، والمشهورُ في الشرك والكفر كان لفظاً هما دون الظلم، فمن أين أراد النبي بَّ منه
الشرك؟ قلت: إذا كان الله هو المتكلمَ، والرسولُ هو الشارع، فلا سؤال، ولا جواب. وقال
قائل: إنه أخذ التنوين للتعظيم، والظلمُ العظيم هو الشِّرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيمٌ﴾. وقال آخر: إن اللبس يقتضي اتحاد المحل، فإن الشيءَ لا يختلطُ مع شيء آخر عند
تغايرِ المحل. ولما كان محلُ الإيمان هو القلب، فلا يختلطُ معه غير الكفر، لأن ما وراءه من
الأفعال محلها الجوارح دون القلب، فلا ليس معها .
وحينئذٍ لو كان المرادُ من الظلم غيرَ الكفر من المعاصي، لما صح قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوّأْ
إِيَمَنَهُم﴾ [الأنعام: ٨٢]. فإن قلت: إن الإيمان والكفرَ ضدان، فكيف يتحد محلهما، فلا يحصل
اللبس. وأجاب عنه شيخنا الشيخ محمود حسن رحمه الله: أن الكفرَ وإن لم يختلط مع الإيمان
حقيقة، إلا أنه يمكن أن يلتبسَ معه في القلب، والالتباس غير الاختلاط، لأن في الاختلاط
يكونُ الجمعُ حقيقة، وفي الالتباس لا يكونُ الجمعُ حقيقة، بل توهم الجمع شبهة (١). ثم رأيت
في كلام السُّبْكِي: أن تفسير النبي ◌َّر بالشرك مأخوذ من قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ﴾ كما مرَّ عن شيخنا.
(١) قلت: هذا غاية تقرير الكلام، ولم أجد لإيضاحه غيرَ هذه الألفاظ، وهو واضحٌ في الهندية بلا تجشم فإن معناه:
(رلنا) لا (ملنا) ومن كان يعرفُ اللغةَ يعرف الفرق بينهما، هذا ما عندي، وتقريره على ما عند الفاضل عبد القدير
في تقريره في الهندية عن الشيخ محمد قاسم النانوتوي رحمه الله تعالى أن النبي * حمل الظلم على معنى
الشرك، بقرينة اللبس، فإن الأعمال محلها الجوارح، فلا لبس للإيمان معهما لاستدعائه اتحاد المحل، ثم رآه
الشيخ رحمه الله تعالى في ((عروس الأفراح)) عن السبكي عن والده: أن قرينة حمله عليه هي اللبس: والله تعالى
أعلم.

١٩٨
كتاب الإيمان
وعندي يمكن أن تكون هذه الترجمة مأخوذةً من مجموع قوله تعالى: ﴿ظُلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ
بَعْضٍ﴾ [النور: ٤٠]، والحديث النبوي: ((الظلم ظلمات يوم القيامة))، حيث جعلَ الظلمَ في الدنيا
ظلمات يوم القيامة، والظلمات تفوق بعضها على بعض، فثبت ظلِمٌ دون ظلم. فالمصنف
رحمه الله لعله نظر إلى هذه وترجم بظلم دون ظلم، أما الاختلاط واللَّبس، فإنه وإن احتاج إلى
اتحادِ المحل، لكنه يكفي له اتحاد الشخص أيضاً. وعلى هذا يصح اختلاط الإِيمان مع
المعاصي، مع كونها على الجوارح، والإيمان في القلب. فإن محلّهما هو ذلك الرجل بعينه،
وهو واحد، وإيجادُ تغاير المحل في الشخص الواحد بأنه القلب للإيمان والجوارح، للمعاصي،
نظر منطقي، وهو بمعزلٍ عن نظرٍ أهل العُرف.
ثم اعلم أنه يُعلم من سياق البخاري: ((أن قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ نزل بعد
قوله: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُمْ يِظُلْمٍ﴾ ... إلخ، مع أن الأمر على العكس. والجواب: أنه
أراد بتلاوته دفعَ الاستبعاد، وتفريجَ همهم، وعبَّره الراوي بالنزول كما تلا أبو بكر رضي الله
تعالى عنه قوله تعالى: ﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] إلخ في خطبة بعد وفاته وَلّهر تسلياً
لهم ودفعاً لاستبعادهم، فقال قائل منهم: كأنها نزلت الآن، وانكشف عنهم ما رابهم، فهذا
توسّع في البيان لا غيرُ.
٢٥ - باب عَلَمَةِ المُنَافِقِ
لما قدَّم تفاوت المراتب في الكفر عَقَّبَه، بكون النفاق أيضاً كذلك. ولا إشكال فيه على
تحقيق الحافظ ابن تيمية رحمه الله، فإنه يمكن أن توجدَ في المؤمن خصائلُ النفاق، بل خصائل
الكفر. نعم يشكلُ على الجمهور، فإن هذه الأشياء إذا كانت علامات على النفاق أوجب
وجودها سلب اسم الإيمان عمن تحققت فيهم. فأجاب عنه بعضهم بأنها كانت علامات
للمنافقين في عهده وَلِّر خاصّة.
وأقول: العلامة غير العلة، فهذه علامات وأمارات للنفاق، وهي تتقدم على وجود
الشيء، فيكون النفاقُ سابقاً عليها، وتلك علامات عليه. فمن تحققت فيه هذه، لا يحكم
عليه بالنفاق، لأن تحققَ العلامة لا يستلزمُ تحقق المعلّم عليه، بل يقال: فيه خَصلةٌ من
النفاق. ولأن قيامَ المبدأ لا يوجبُ إطلاقَ المشتقِ عند الأدباء، ما لم يعتاد به حتى يصير له
كالعَلَم كما مر.
وبعضهم قَسم النفاق: إلى عملي واعتقادي كما فعله البيضاوي في ((شرح مصابيح السنة)).
قلتُ: دعه، فإن النفاق أمرٌ واحدٌ، وهو العمل بخلافِ الاعتقاد، أو الاعتقادُ بخلاف العمل. أما
الأول فكالمنافقين(١) في زمنه ◌َّز، فإنهم كانوا يعملون أعمال المسلمين، مع أن باطنَهم كان
(١) واعلم أن البيضاوي لم يصنف كتابه على طور المحدثين، بل أخذ كثيراً من ((الكشاف))، وصاحبُ ((الكشاف))
يأتي في كتابه ((الفائق)) بالموضوعات أيضاً فاعلمه، هكذا في تقرير الفاضل عبد العزيز الكاملفوري.

١٩٩
كتاب الإيمان
مملوءاً ظلمةً وكفراً. وأما الثاني فكما ترى اليوم كثيراً من المسلمين، والمعصومُ مَنْ
عَصَمَهُ الله .
٣٣ - حدّثنا سُلَيمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ
مَالِكِ بْنِ أَبِي عامِرٍ أَبُو سُهَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: («آيَةُ المُنَافِقِ
ثَلَاثُ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ)). [الحديث ٣٣ - أطرافه في:
٢٦٨٢، ٢٧٤٩، ٦٠٩٥].
٣٣ - ثم إن قوله: (إذا حدث كذب) يتحقق فيما قال، أو فعل شيئاً في الماضي، فحكى
عنه بخلافه .
وقوله: (إذا وعد أخلف) يكون في المستقبل. وفيه أن الإخلافَ نوعٌ آخر غيرُ الكذبِ،
وإن كان أهل العرف يعدُّونهما واحداً، وإنما كانت هذه علامة على النفاق، لأن الظاهرَ من حالٍ
المؤمن أن يخبرَ عن الواقع كما هو في نفس الأمر، وهكذا الأليقُ بحاله أن يوفي بما وعد،
ويظهرَ الحق عند الخصومة، لكنه خالف الظاهر، فإذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا
خاصم فجر ولم يظهر الحق، فكان كذي الوجهين باطنه غير ظاهره، فصلحت تلك الصفات،
لكونها علائمَ على النفاق.
والفرق بين الوعد والعهد: أن الوعد يكون من طرف، والعهد من طرفين، وفي خلف
الوعد عندنا، قولان: الأول: إنه مكروهٌ كراهةً تحريم، والثاني: كراهة تنزيه. هكذا نقله النووي
رحمه الله تعالى. قلت: بل الأمر عندي أن يُقسَّم على الأحوال(١): فإن أرادَ الإِخلافَ عند
الوَعْد كُرِه تحريماً، وإن أراد الإنجاز ثُم مَنَعه مانعُ لا يكون مكروهاً. والعهد يقابله الغدر.
والفجور معناه أن لا يتمالَكَ نفسَه عند الخصومة، وينزل إلى السِّباب "يعني ابني آبى مين نه
رهى أو كالى كلوج براتر آوى" .
قوله: (حتى يدعها) وإنما زادها لأنه إذا ترك هذه الخصائل، حتى خرج عنها وخرجت
عنه، لا يبقى عليه حكمُ النفاق، كما في تمثيل إيمان الزاني، أنه يصيرُ كالظّلة حين يزني، فإذا
فرغ منه رجع إليه .
تنبيه
٣٤ - حدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((أَرْبَعْ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً
(١) ويؤيده ما في ((المشكاة)) في باب الوعد عن زيد بن أرقم مرفوعاً قال: ((إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي له
فلم يف له ولم يجىء للميعاد، فلا إثم عليه)) رواه أبو داود والترمذي.

٢٠٠
كتاب الإيمان
خالِصاً، وَمَنْ كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ
خَانَ، وإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)).
تَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَش. [الحديث ٣٤ - طرفاه في: ٢٤٥٩، ٣١٧٨].
٣٤ - قوله: (من كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق) يدل صراحةً على
تحقيق الحافظ ابن تيمية من أنه يوجد في المسلم أشياء الكفر.
٢٦ - بابُ قِيَامِ لَيلَةِ القَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ
٣٥ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَنْ يَقُمْ لَيلَةَ القَدْرِ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا
تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). [الحديث ٣٥ - أطرافه في: ٣٧، ٣٨، ١٩٠١، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩، ٢٠١٤].
واعلم أني متردد في معنى القيام: أنه مأخوذٌ من القيام في الصلاة، أو أنه مقابلٌ للنوم
فقط. وعلى الأول معنى قوله: ((من يقم)) أي من يصلي ليلة القدر فله كذا، وإِن كان مأخوذاً
من الثاني فمعناه: من أحيا ليلة القدر فقط، سواء كان بالصلاة أو الأذكار، أو لم ينم، فله
كذا كلفظ الوقوف في عرفات، فإنه لا يشترط فيها القيام وإن كان مستحباً. وكذا أتردد في
قوله تعالى: ﴿فُمِ الَِّلَ إِلَّا فَلِيلًا ﴾﴾ [المزمل: ٢] إن المأمور به هو القيام للصلاة، أو إحياء
الليل، واختار المفسرون أنه القيام إلى الصلاة، فإن كان الأمرُ كما قال المفسرون، فالمقصود
من الأمرِ بالقيام هو الصلاة، ويكون المقصود منه القراءة كما يستفاد من قوله: ﴿وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ
نّرِيلًا﴾ [المزمل: ٤] وإن كان المراد به مطلق القيام، فالمقصودُ هو القرآن، سواء كان في
ضمن الصلاة أو غيرها، ومن ههنا أترددُ في النَّسخ أيضاً، أنه في القيام فقط، والقرآن
باق إلى الآن، أو في تطويلِهِ مع بقاءٍ نفس القيام، والمقصود هو قراءة القرآن في ضمن
الصلاة .
فائدةٌ مهمةٌ في معنى الاحْتِسَاب
قوله: (إيماناً واحتساباً) واعلم أن الاحتساب كثيراً ما يُستعمل في الأحاديث. فاعلم أن
اشتراطَ الإيمانِ ظاهرٌ، فإنه لا عبرة بالعبادات بدون الإيمان. أما الاحتساب فهو مرتبة علم العلم
واستحضار النية، وعدم الذهولِ عنها واستشعار القلب بها. فإنا وجدناه بعد التتبع مذكوراً في
مواضع، أما في مواضع الذهول، إذا يذهل عنها ذاهل، فيوجه الشارع هناك إلى الاحتساب كما
في المصائب السماوية، فإنه لا أحدَ يرجو فيها الثواب، لعدم دخله واختياره فيها، فهذا محل
التنبيه ليحصل له الأجر، ولذا قال النبي ◌َ﴾ لمن مات ولدها: ((فلتصبر ولتحتسب)) فإن الموتَ
أمرٌ سماوي مضى عليها كما يمضي على سائر الناس، وربما يمكن أن أَن يتوجَّه الذهنُ فيه إلى
أجر، فكان موضع ذُهول.
فنبّه على أنه وإن كان أمراً سماوياً، إلَّا أنه توفرَّ لها الأجرُ إن تصبر وتحتسب، أو في