النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
كتاب الإيمان
الزَّبيدي عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه (١): أن الإيمان يزيد ولا ينقص، ولعله كلام في مرتبة
محفوظة، كما هو ملحظ الإمام، وهي التي لا تقبلُ الزيادة باعتبار الانبساط والانشراح، فلو
كان مجرد الاتباع في التعبير شيئاً، فالاتباع بلفظ الحديث أولى كما رُوي عن الإمام رضي الله
تعالى عنه .
محل الإيمان
نُسب إلى الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه أن الإيمان محله القلب، ونُسب إلى إمامنا
رحمه الله تعالى أنه في الدِّماغ، كما في ((مجمع البحار)) ولا أعتمد عليه، لأني لم أجد تلك
النسبة في أحد من كتب القدماء، مع أن في كتاب الجنائز من («الهداية»: أن الإمام إنما يقوم
حذاء الصدر، لأن الإيمان في القلب، فدل على كونه محلَّ الإيمان عند الحنفية.
قلت: وذهب الأطباء إلى أن العلوم في الدِّماغ.
وصَدَع القرآن في غير واحد من الآيات أن الإيمان في القلب وقد تحقق(٢) عندي أن مَعْدِنَ
الإيمان هو القلب، والمُظهِرُ هو الدِّماغ، ولقلة الفصل بين الانبعاث من القلب وظهوره في
الدماغ قيل: إن الإيمان في الدماغ. وإنما اضطررتُ إلى التأويل المذكور، لأن القرآن صَدَعَ في
غير واحد من الآيات بكون محله هو القلب، وإذن لا أصرفها عن ظاهرها .
فائدة: واعلم أن القلبَ كأنه إنسانٌ صغير بين جَنبي الإنسان الكبير، عليه مدارُ صحته،
وسَقمِهِ، وصلاحِهِ، وفساده، وقد خلقه الله تعالى منكوساً. ووجهه على ما ظهر لي: أن الله
تعالى خلق الخلق على أنحاء: فمنه ما هو شاخصٌ من التحت إلى الفوق كالشجر. فإن أصله
في الأرض وفرعه في السماء. ومنه ما هو منبسط في العرض كالحيوانات، فإنها خَلْق متوسط.
وأما الإنسان فإنه لما هبط من السماء إلى الأرض صارَ خلقه كله من الفوق إلى التحت، فإن
(١) قلت: قال الشيخ بدر الدين العيني رحمه الله تعالى: قال بعضهم: إن الإيمان لا يقبل النقصان، لأنه لو نَقَصَ لا
يبقى إيماناً، ولكن يقبل الزيادة لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. وقال الداودي: سئل مالك عن
نقص الإيمان، قال قد ذكر الله تعالى زيادته في القرآن وتوقف عن نقصه، وقال: لو نَقَصَ لذهب كله اهـ.
ثم نقل عن أبي الحسن بعيد هذا. وأما توقف مالك رحمه الله تعالى عن القول بنقصان الإيمان فخشية أن يتناولَ
عليه موافقةُ الخوارج. نقله في ذيل كون الإيمان زائداً وناقصاً مما اتفق عليه السلف والخلف. ثم نقل العيني ذيل
شرح قول المصنف رحمه الله تعالى: ((قولٌ وفعلٌ، يزيدُ وينقص)) عن سفيان بن عيينة قال: الإيمان قول وفعل يزيد
وينقص، فقال له أخوه إبراهيم: لا تقل: ينقص! فغضب وقال: اسكت يا صبي، بل ينقُصُ حتى لا يبقى منه
شيء. انتهى.
(٢) قلت ووجدت في تذكرتي شيئاً لا أعتمد على كونه مقولة الشيخ رحمه الله تعالى، لكني أذكره لك، فإن كان حقاً
فعليك به، لأن كلمةَ الحكمة ضالةُ الحكيم، فهو أحقُّ بها حيث وجدها قال: إن الإيمان ما دام في القلب فهو
من الأفعال، وإذا كان في الدماغ فهو من العلوم. انتهى. قلت: وهذا يدلُ على أن الأفعال الباطنية في القلب
وعلومُها في الدماغ. وإنما ترددت فيه لأني وجدت في التذكرة الأخرى خلافَه، فليحرر.

١٤٢
كتاب الإيمان
رأسه الذي هو أصلُهُ نحو الفوق على خلاف شاكلة الشجرة، فإن أصلها في الأرض وتنحدر
أعضاؤُها كلها إلى التحت كاليدين، والرجلين، والأشعار، وحينئذٍ ناسب أن يكونَ القلبُ أيضاً
إلى التحت، ففي خلقه إشعار بكونه عُلْوياً، على خلاف شاكلة سائر الخلق، ثم جعله في
اليسار ليكون مِلْكُهُ في اليمين.
وأما محل المعرفة فذهب المصنف رحمه الله تعالى: إلى أنها في القلب.
أقول: المعرفة أقرب من العلم وليست بإيمان، بل هي من مقدماته. وقال المعتزلة: إن
المعرفة الحقة اليقينية شرط للإيمان كما مر، لأنه لا إيمان عندهم إلا بالاستدلال المفيد للقطع.
وعندنا يكفي له الجزم وإن حصل بالتقليد، والاستدلال غير ضروري. ونقل النووي ههنا عن
القاضِي عِيَاض: أن الإيمان يزيد وينقص لزيادة المعرفة ونقصانها، فدل على أنها غير الإيمان،
وهذا صحيح جداً. وحينئذٍ تردد النظر في محلها هو القلب، أو الدماغ. نعم، المعرفة المكتسبة
التي تحصل بعد الرياضات، وهي الإيمان الكامل، لا شك أن محلها القلب. وعلى هذا لو قال
المصنف رحمه الله في الترجمة الآتية: وإن الإيمان فعل القلب، لكان أحسن.
واعلم أن الرُّوح: طبعي، وحيواني، ونفساني، ومحل الأول: الكبد، وفعله التغذية،
ومحل الثاني: القلب وفائدته الحياة، ومَعْدِن الثالث: الدماغ، وفائدته الحِسّ والحركة والروح
عندي بعد الإمعان واحد، وإنما تعددت أسماؤه باعتبار الاختلاف في المواطن. ثم إن الأطباء
حرروا عشرة آلاف حكمة في البدن الإنساني، غير أنهم لم يذكروا لكون القلب منكُوسَاً حكمة،
وقد ذكرتها. والعلم عند الله العليم الخبير.
النِّسْبَةُ بين الإِسْلَامِ والإِيمَان
وقد جوَّز الغزالي رحمه الله تعالى بينهما النِّسبَ الثلاث من الأربع، غير العموم من وجه،
باعتبارات مختلفة، ويقرُب منه ما قال الدَّوَّاني: إن الإسلام هو الانقياد الظاهري، وهو التَّلفظ
بالشهادتين، والإقرار بما يترتب عليهما. والإسلام الكامل الصحيح لا يكون إلا مع الإيمان،
والإسلام الظاهري قد ينفك عن الإيمان، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُوَاْ
أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] وأما الإسلام الحقيقي المعتبر عند اللَّهِ فلا ينفكُ عن الإيمان. وما وَضَحَ
لدي: أن الإيمان يتدرج من القلب إلى الجوارح، على عكس الإسلام، فهما في مسافة ذهاباً
وإياباً، فإن ظهر الإيمان على الجوارح، ورسخ الإسلام في القلب فهما واحد، وإن بقي الإيمان
في القلب واقتصر الإسلام على الجوارح فهما متغايران(١).
وأعني باتحادِ المسافة وسراية الإسلام إلى الباطن نسبةَ الإحسان. كما سيجيء في حديث
(١) قلت: وفي رواية للشيخين: قال الزهري: فنرى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل الصالح، كذا في «المشكاة))
في الفصل الثالث من باب قسمة الغنائم والغلول فيها. لا أريدُ أنه فصلٌ في الباب، بل هو نَظَرٌ من الأنظار،
ووجه من الوجوه. وإنما اعتنيت به لكونه عن عالم جليل القدر، الذي طار صيتُه إلى الآفاق.

١٤٣
كتاب الإيمان
جبريل: ((أن تعبد الله كأنك تراه)) فالعبادةُ التي هي من الجوارح، إذا حصلت بحيث يجد العبد
ربه بمرأى عينيه، فهذه أمارة على اتحاد المسافتين، فإن تلك الرؤية من صفةِ القلب، فإذا
اجتمعت تلك الرؤية مع خشوع الجوارح، فقد اتحدت المسافتان، وحينئذٍ صار إيمانُهُ عينَ
إسلامه، وإسلامهُ عينَ إيمانِهِ، لا فرق بينهما، وإلا فالإسلام على جوارحه والإيمان في قلبه، لم
يسر ذلك إلى باطنه، ولم يَرْق هذا إلى ظاهره، والله تعالى أعلم بالصواب.
وإذ قد فَرَغنا من بحث التصديق، وأنه علمٌ أو عمل، يزيد وينقُصُ، أو لا، وإن محله
ماذا؟ إلى غير ذلك من المباحث، فالآن نذكر: معنى الضرورة، والتواتر وماذا أراد منهما
المتكلمون، وماذا قصَّر فيه القاصرون، فنقول:
بحثٌ في معنى الضَّرورَةِ وما يَتَعلَّقُ بها
والمراد من الضرورة ما يُعرف كونُهَا من دين النبي ◌َّه بلا دليل. بأن تواتر عنه
واستفاض، حتى وصل إلى دائرة العوامّ وعلمَهُ الكوافّ منهم، لا أن كلاً منهم يعلمه، وإن لم
يَرْفَع لتعليم الدِّينِ رأساً، فإن جهلَه لعدم رغبتِهِ في تعليم الدين، وعلمته العامَّة، فهو ضروريٌّ
كالوحدانية، والنبوة، وختمَهَا بخاتم الأنبياء، وانقطاعها بعده، والبعث والجَزَاء، وعذاب القبر
سُمِّي ضرورياً لأن كلَّ واحدٍ يعلم أن هذا الأمر مثلاً من الدين. وإن كانت متوقفةً في نفسها على
النظر والاستدلال، كالتوحيد، والنبوة، والبعث والجزاء، فإن كلَّ واحد منها وإن كان نظرياً في
نفسه، لكن كونه من دينه ◌َّ﴾ معلومٌ بالضرورة. وكذا لا يريدون بالضرورة أن الإتيانَ بها
بالجوارح لا بد منه كما يُتَوهم.
فقد يكونُ استحبابُ شيءٍ وإياحته ضرورياً، يكفر جاحده، ولا يجبُ الإتيان به كالسِّواك،
فالضرورةُ في الثبوت عن حضرة الرسالة وفي كونه من الدين، لا من حيث العمل، ولا من حيث
الحكم المتضمن، لأن الحديث قد يكون متواتراً، ويُعلم ثبوته عنه وَّر ضرورة، ويكون الحكم
المتضمن فيه نظرياً من حيث العقل، كحديث عذاب القبر، ثبوته عنه وقّ مستفيض، وفهم كيفية
العذاب مشكل. وليُعلم أن الإيمان هو التصديق بكل ما جاء به رسول الله وَّر وإن لم يكن
متواتراً، والتزامُ أحكامِهِ، والتبرؤُ من كل دين سواه. ومن قَصَرَه من المتكلمين على الضروريات،
فلأن موضوعَ فَنهم هو القطعي، لا أن المؤمنَ به هو القطعي فقط. نعم، التكفير عندهم إنما
يكون بجحوده فقط. وأما الفقهاء فإنهم يبحثونَ عن أخبار الآحاد أيضاً، بخلاف المتكلمين.
ولذا تراهُم يكَفِّرون بإنكار الأمر الظني أيضاً، وحينئذٍ كان الأنسب للفقهاء أن لا يعرِّفُوا الإيمانَ
بالحدِّ المذكور، لأن قيدَ الضرورة يناسب موضوع المتكلمين دون الفقهاء. والمناسبُ لهم أن
يقولوا: هو الاعتقاد بما جاء به النبي وَّ إن قطعاً فقطعاً، وإن ظناً فظناً.
والسرُّ فيه أن الموجِبَ لكفر الرجل في نفسه، هو إنكار قطعيٍّ. وأما المُنَبِّهُ للمُفتي في
تكفيره، فقد يكون حديثاً آحادياً، فيُنِّههُ على أن إنكارَ أمر كذا، كفر. ثم لا يكونُ ذلك الأمرُ في
الواقع إلا قطعياً، ومثاله: أن رجلاً عالماً عدّ المتواترات والقطعيات وفهرسها، وذَهَلَ وغَفَلَ عن
بعضها، فلم يُدْخله في ذلك الفهرس، فجاء واحد آخر ونبَّه على قطعيات أُخر، فأدخله بقول ذلك

١٤٤
كتاب الإيمان
الواحد في هذا الفهرس، فقد تَنَبَّه بقول واحدٍ للقطعي. فهكذا الأمرُ ههنا لم يكْفُر الرجلُ إلا بإنكار
قطعي في نفسه، لكن المُفتي قد يأخذُ مسألةَ التكفير من خبر واحد، فيجوز بناءُ التكفيرِ على الظني
بلا خطر، لأن الظنَّ في طريق العلم بالحكم، لا في أمرِ الموجِبِ لكُفْرِ المكفَّر.
وهذا كإثبات الفرض والحرام بالقياس، نظراً إلى حقيقة الشيء، لا نظراً إلى طريق ثبوتِهِ، أو
كالإجماع المنقول آحاداً. نعم، تكفيرُ المتكلِّمينَ يكون قطعياً، وتكفير الفقهاء قد يكون ظنياً،
فليس هذا في الحقيقةِ خلافاً في المسألة وإنما هو اختلاف الفن والموضوع، فموضوع الفقهاء
فِعْلُ المكلف، وكثير من مسائلهم ظني. وموضوع المتكلمين القطع، فلو تكلم متكلمٌ في الفقه
يوافقهم في التكفيرِ، ولو ذهبَ فقيهٌ إلى فنِ المتكلمين، لا يَحْكُم به إلا بعد إنكار القطعيات.
أقسَامُ التَّوَاتُر
ثم إن التواترَ قد يكونُ من حيث الإسناد وهو معروفٌ، كحديث: ((من كذب عليَّ متعمداً
فليتبوأ مقعده من النار)). وقد يكون من حيث الطبقة كتواتر القرآن، فإنه تواتر على البسيطة شرقاً
وغرباً، درساً وتلاوةً، حفظاً وقراءةً، وتلقاه الكافةُ عن الكافة، طبقة عن طبقة، فهذا لا يحتاجُ
إلى إسناد معين، يكون عن فلان عن فلان. وقد يكون تواترَ عملٍ وتوارث، بتواتر العمل على
شيء من لدن صاحب الشريعة إلى يومنا هذا، كالسواك. والرابع: تواتر القدر المشترك، كتواتر
المعجزات، فإن مفرداتها وإن كانت آحاداً، لكن القدر المشترك متواترٌ قطعاً، كسخاء حاتم، فإن
أخباره وإن كانت آحاداً، إلّا أن سخاءه معلومٌ متواتر. وقد يجتمعُ أقسامٌ منها في شيء واحد.
وعلى هذا نقول: إن الصلاة فريضةٌ، واعتقاد فريضتها فرضٌ، وتحصيل علمُها فرض،
وجَحدها كفر، وكذا جهلُهَا، والسِّوَاك سنةٌ، واعتقادُ سنيته فرضٌ، لأنه ثَبَتَ متواتراً بأنحاء
التواتر وتحصيل علمهِ سنةٌ، وجحودهُ كفرٌ، وجهلهُ حِرمانٌ، وتركُه عتَابٌ أو عِقَاب.
ثم إن التواترَ يزعمه بعض الناس قليلاً، كما نقله الحافظ في ((شرح نُخْبَةِ الفِكر)»: أن
بعضهم أنكروا مِثاله، وبعضهم ادعوا العِزَّة فيه، ولم يأتوا إلا بمثال أو مثالين. وهو على ما
قلت كثير في شريعتنا، بحيث يفوت عنه الحصر، ويعجزُ الإنسان أن يفهرِسَه، ولكن ربما يذهل
الإنسان عن التفاته، فإذا التفت إليه رآه متواتراً كالبديهي، وهذا مما ينبغي أن يُنَبه عليه.
أَقْسَامُ الكُفْر
هذا آخر ما أردنا تحريره في هذا المقام، لتكون على ذكرٍ من أمرِ الإيمان ومواضعٍ
الخلافِ فيه، ثم يأتي عليك أشياء في أثناء الكلام. وسنقررها في مواضعها إن شاء الله تعالى.
وقد علمتَ أنّ الكفرَ بالمعنى اللغوي، لا يقابل الإيمان. نعم، يقابلُهُ بالمعنى الشرعي. قال
الوَاحِدِيّ(١): وهو كفرُ إنكارٍ، وجحودٍ، ومعانَدَةٍ، ونفاقٍ، فمن لقيه بشيء من ذلك لم يُغْفَر له.
(١) وقد يقال: إن المخالفَ للدين الحقِّ، إن لم يعترف به ولم يذعِنْ له ظاهراً ولا باطناً، فهو الكافر. وإن اعترف
بلسانه، وقلبه على الكفر، فهو المنافق. وإن اعترف به ظاهراً وباطناً، لكنه يفسرُ بعض ما ثَبَتَ بالدين ضرورةً =

١٤٥
كتاب الإيمان
أما كفر الإنكار: فهو أن يكفر بقلبه، ولسانه، ولا يعتقد بالحق، ولا يقر به.
وأما كفر الجحود: فهو أن يعرف الحقَّ بقلبه، ولا يُقرُ بلسانه، ككفر إبليس، وهو قوله
تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] يعني كفرُ الجحود.
وأما كفرُ المعاندة: فهو أن يعرفَ بقلبه، ويقرَّ بلسانِهِ، ولا يقبلُ ولا يتدينُ به، ككفرٍ أبي
طالب.
وأما كفرُ النِّفاق، فبأن يقرَّ بلسانِهِ، ويكفرَ بقلبه.
١ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ وََّ: «بُنِيَ الْإِسْلَمُ عَلَى خَمْسٍ»
وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَِزْدَادُواْ إِيمَنَا مَعَ إِيمَنِهِمْ﴾ [الفتح:
٤]، ﴿وَزِدْنَهُمْ هُذَّى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ هُدَّىٌ﴾ [مريم: ٧٦]، ﴿ وَالَّذِينَ
أَهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدَى وَءَانَهُمْ تَقْوَنَّهُمْ (٣)﴾ [محمد: ١٧]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِمَنًا﴾ [المدثر: ٣١]،
وَقَوْلُهُ: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهٍِ إِيمَنَّا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، وَقَوْلُهُ جَلَّ
ذِكْرُهُ: ﴿فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيمَنَا
وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]، والحُبُّ في اللَّهِ وَالْبُغْضُ في اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ.
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُوداً
وَسُنَنَاً، فَمَنِ أُسْتَكْمَلَهَا أُسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ، فَإِنْ
أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ، وَقَالَ
إِبْرَاهِيمُ: ﴿وَلَكِن لِيَطْمَبِنَّ قَلْبِىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وَقَالَ مُعَاذٌ: أَجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً.
وَقَالَ أَبْنُ مَسْعُودٍ: الْيَقِينُ الْإِيمَانُ كُلُّهُ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ في الصَّدْرِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ [الشورى: ١٣]، أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِيناً وَاحِداً .
بخلاف ما فسَّرَه الصحابة والتابعون، وأجمعت عليه الأمة، فهو الزِّنديق، كما إذا اعترف: بأن القرآنَ حقٌ، وما فيه
=
من ذكرِ الجنة والنار حقٌّ، لكن المرادَ بالجنةِ الابتهاجُ الذي يحصُلُ بسبب المَلَكات المحمودة، والمراد بالنار هي
الندامةُ التي تحصلُ بسببِ المَلَكات المذمومة، وليس في الخارج جنةٌ ولا نارٌ، فهو الزنديق. أو قال: إن النبي ◌ِّ
خاتم النبوة، ولكن معنى هذا الكلام أنه لا يجوز أن يُسمّى بعده أحد بالنبي، فذلك هو الزنديق. وقد اتفق جماهير
المتأخرين من الحنفية والشافعية على قتل من يجري هذا المجرى، كذا في ((المسوى)) مختصراً. ومن ههنا تبين
وجه إكفار زنديقُ القاديان الذي ادعى النبوة. وممن شاء التفصيل فليرجع إلى رسالة الشيخ الإمام «إكفارُ
الملحدين))، فإنه بسط فيها تلك المسألة بما لا مزيد عليه، والله تعالى أعلم.

١٤٦
كتاب الإيمان
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨] سَبِيلاً وَسُنَّةً.
لما أراد المصنف رحمه الله تعالى أن يعدد أجزاء الإيمان، ناسب له أن يُنبه أولاً على أهمِّ
أجزائِهِ، فصدَّر الباب بقول النبي صَ﴿ هذا: لاشتماله على لفظِ البناء الدالِّ على تَرَكُّبِ الإيمان
صراحة، واحتوائِهِ على أهم أجزاءِ الإيمان، ومن ههنا ظَهَر وجهُ تخصيصُ الخمسِ في
الحديث، وإلا فالإسلام يُطلق على أحكام مشروعة غيرها أيضاً.
ثم ادّعى أنه (قول) وأراد منه القولَ الصادقَ، الموافقُ للباطن، فاندرج تحته التصديق
أيضاً. و(فعل) وهو غير العمل، وفي لفظِ السَّلف: ((عمل)). ولا يُعلم ما وجهُ تغييرِ لفظِ
السلف، مع أنّ الأظهرَ هو العمل، وقد وقع في بعض نُسخ البخاري لفظ: ((العمل)) مكان:
(الفعل)) وكأنه استقى دعواه بجزأيه من قوله بَّر: ((بُني الإسلام على خمس)) لأنه ◌َّ فضَّلَ في
الخمسِ القول والعملَ.
فثبت: أن الإسلام والإيمان عنده واحد: (يزيد وينقص) وقد علمت أن لفظَ السلف: يزيد
بالطاعة، وينقص بالمعصية. واختصره البخاري اختصاراً مُخِلاً، فإن الصِّلة فيه دالةٌ على
السِّراية، ولا يظهرُ منها معنى الجُزئية، فيكونُ الاستشهاد من كلامهم في غير موضِعِه، إلَّا أن
يقال: إنّ المصنف رحمه الله تعالى أخذَ الباء في قولهم للتصوير، وحينئذٍ معنى قولهم: يزيد
بالطاعة، أنّ الإيمان يزيد، وصورته أنْ يطيعَ ربه، وهذا المعنى وإن كان لا يوجدُ عند النُّحاة،
إلّا أنه مستعمل فيما بين المصنفين.
ء
أما الجوابُ الجلي عن الآيات المتلوة: فلأن التمسك بها في غير محله، لكونها في شأن
الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإيمانُ جميعهم كان كاملاً، فلا معنى للزيادة والنقصان في نفس
الإيمان في حقهم، فإن أراد الزيادة والنقصان باعتبار النور والانفساح، فلا نُنْكِرُهُ أيضاً. وقد مر أن
نورَ الإيمان أيضاً عنده، فصح تمسكُهُ بقوله: ﴿لِزْدَادُوَاْ إِيمَنَّا فَعَ إِيمَنِهِمْ﴾. وليراجع له ((الكشاف))
فإنه جَعَلَ الظرفَ لغواً ومستقراً. والمعنى على الأول: أنهم كانوا على إيمان ثم زاد عليه إيمان،
ولحق بإيمانهم السابق. وعلى الثاني: أنهم زادوا إيماناً مع كونهم متلبسينَ بالإيمان من قبل.
ولما دلت الآية على زيادة الإيمان، أجاب من قِبَل الحنفية. وحاصل ما أجابه عن مثل
تلك الآيات: أنّ الزيادةَ فيها راجعةٌ إلى المؤمن به (١) فإن القرآن كان ينزلُ في زمنه وَل: نجماً
(١) فإن قلتَ: يلزمُ من هذا تفضيلُ من آمن بعد تقرير الشرائع على من مات في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام من
المهاجرين والأنصار، لأن إيمانَ أولئك أزيدُ من إيمان هؤلاء. قلت: لا نسلِّم أن هذه الزيادة سبب التفضيل في
الآخرة. وسند المنع: أن كلّ أحد من هذين الفريقين مؤمنٌ بجميع ما يجب الإيمانُ به بحَسَبِ زمانه، وهما
متساويان في ذلك، وأيضاً إنما يلزمُ تفضيلهم على الصحابة بسببٍ زيادة عدد إيمانهم - أي المؤمن به لو لم يكن
لإيمانهم ترجيح باعتبار آخر. وهو قوة اليقين، وهو ممنوع، ولا ينقصُ الإيمان بحسب العدد قبل تقررِ الشرائع،
ولا يلزمُ ترك الإيمان بنقصٍ ما يجب الإيمانُ به، ويزيدُ وينقصُ بحسب العدد بعد تقرر الشرائع، بتكرار التصديق،
والتلفظ بكلمتي الشهادة، مرة بعد أخرى ... إلخ كذا في العيني بحذف ص١٢٨ ج١.

١٤٧
كتاب الإيمان
نجماً والأحكامُ تنزلُ تدريجاً، فإذا نَزَلَ حكمٌ وآمن به زاد إيمانه، وهذه الزيادةُ كانت في الحقيقة
في المُؤمن به، فعبّر عنها بزيادة نفس الإيمان. وهذا الجواب نَسَبَه إلى الإمام الأعظم رحمه الله
تعالى. قلتُ: وهذا إن صح عن الإمام رحمه الله تعالى فليس فيه أنه أراد به توجيه تلك الآيات،
بل المرادُ بيانُ معناها عنده، كما هو مَرويٌّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في «العمدة)» و
((الفتح)) في تفسيرها .
قلتُ: ويتضحُ معناها كلَّ الاتضاح مما فصلها به ابن تيميّة رحمه الله تعالى، فقال ما
حاصله: إن الناسَ في عهده ◌َ﴿ كانوا على نحوين، الأول: مَنْ إذا عُرض عليه الإسلام
إجمالاً، آمن به، ثم إذا أتت عليه المصائب، والأعمالُ الشَّاقة، جعل يتأخرُ ويضيقُ صدرُهُ، ولا
ينطلق لسانُهُ، نحو قول بعضهم: ﴿لَا تَفِرُواْ فِى الْخَرَّ﴾ [التوبة: ٨١] إلخ وبعضهم: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا
لََّتَّبَعْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، والآخر: من كان إذا آمنَ مرة ثَبَتَ عليه، ولم تزدْهُ الدوائر
والخُطوب إلا شِدَّةً، وثباتاً، واستقامةً، وإيماناً، وتسليماً، فهذا الذي زاد إيماناً مَعَ إيمانه،
وسبقت له السوابق. فبضم هذا التقريرُ يتَّضحُ الجواب الأول، وحاصله حينئذٍ: أنهم عند نزول
الأحكام تدريجاً كانوا يثَبِتُونَ على الإيمان، لا تعتريهم شبهةٌ ولا يُزَلْزَل إيمانهم من حمل
المشاق، بل لا تزال قلوبُهم منشرحة، بخلاف الطائفة التي آمنت وجه النهار، فإذا نَزَلَ حكمٌ
وشق عليها، كفرت في آخره فالبقاء على الإيمان مع تحمُّل الشدائد في سبيل الله هو مصداق
الزيادة، والتأخر عنه هو المُسمّى بالنقصان.
﴿وَزِدْنَهُمْ هُذَّى﴾ ولما كان الهُدى، والإسلام، والإيمان، والدين، والتقوى، كلها شيئاً
واحداً عند المصنف رحمه الله تعالى، صحّ تمسكُهُ من زيادة الهدى على زيادة الإيمان، ومراده
أن هذه كلَّها متحدةٌ مِصْدَاقاً، لا مفهوماً، كالمعنى والمفهوم والمدلول، فإنها متحدةٌ مصداقاً،
لا أن كلَّها ألفاظٌ مترادفة، فإنه باطلٌ، لأن اتحاد المفهوم نادرٌ جداً، وهو أضيقُ من اتحاد
الذاتِ واتحاد الوجودِ كليهما. كما ترى في الإنسان وحدِّه التَّام، فإنهما متحدان ذاتاً ومتغايران
مَفْهُوماً. أما اتحادُ الوجود فهو أوسع من اتحادِ الذات. والمفهوم كليهما، فإنه يمكنُ مع تغاير
الذاتين، والمفهومين، كما قال ابن سينا في الجنس والفصل، فإنهما متغايران ذاتاً، مع الاتحاد
وجوداً. واعتراض المُلاّ حسن ساقط، فليراجعه في موضعه، وما قاله الأشعري: إن الوجود
عينُ الماهِيّة، لم يَرِد به المفهوم، بل الوجود الحقيقي.
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ أُهْتَدَوْاْ هُدَّىٌ﴾ يعني كانوا من قبل أيضاً على هدىّ، ثم زاد الله عليه
هدّى من عنده، كما مر في قوله: ﴿ إِيمَنَّا فَعَ إِيمَنِهِمْ﴾ أي كانوا من قبل أيضاً على الإيمان، ثم
زيدوا إيماناً، وفيه احتراس لئلا يظنَّ أحدٌ أنهم إذا زِيدُوا هدى وإيماناً، فلعلهم لم يكونوا على
هدّى وإيمان مِنْ قبل فأزيح ذلك: بأنهم زيدوا هدىّ وإيماناً على إيمان فكانوا على هدى،
وإيمان، من قبل أيضاً.
ثم اعلم أن الاهتداء فِعْلُهُم، والهدى كالثمرةِ له، والغرضُ منه أنهم فعلوا شيئاً واكتسبوه
بالجِدِّ والاجتهاد، ثم زادهم الله شيئاً من جنس فعلِهِمْ، من عنده، مِنَّةً عليهم وكرامةً لهم. قال

١٤٨
كتاب الإيمان
الشيخ ناصر الدين بن المنير: وكذا يكونُ في الكفر أيضاً، فبعض الكفر يكون من فعلِهِ، وكسبِهِ
ثم يزاد عليه كفر، نِقْمَةً عليه وسخطةً عنه، ليزداد كفراً. ويمكنُ أن يكونَ هو المرادُ من قوله
تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَآٌ﴾ [البقرة: ١٠]، أي كان مرضٌ في قلوبهم من كسبِهِم من قبل، فزِيْدُوا
مرضاً على مرضهم (١).
﴿فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ ويُعلم منه أن الإيمان يُطلق على ثباتِ قدم أيضاً ﴿إِيمَنَا وَنَسْلِيمًا﴾
الإيمان هو تبجيل الذات، والتسليم، هو التصديق بالقول، يعني إيمان "ذات كاماننا" أو تسليم
"بات كاماننا" وتفصيله: أن متعلَّق الإيمان إن كان العقائد، فهو عبارةٌ عن التصديق. وإن كان
متعلَّقه الذات، فهو عبارةٌ عن تبجيلها، أي اتباعها فيما يُؤمر ويُنهى.
(والحبُّ في الله والبغض في الله من الإيمان) ولعل الحبُّ والبغض من الأحوال، لأنهما
في الأكثر غيرُ اختياريين، ثم استدل المصنف من لفظ: ((من))، فإنه للتبعيض، فدل على
الجزئية. ونحن نقول: إنها للابتداء والاتصال كما في قوله ◌َلجر: ((أنت منِّي بمنزلةِ هارونَ من
موسى))، فلا يدلُ على الجزئية، فالمعنى: أن الحبَّ في الله إنما يَبتدأُ من الإيمان، ويتصل به،
كما أن الشجرةَ تنبت من بَذْرها. وللبخاري رحمه الله تعالى أن يقول: إن ما نبت من الإيمانِ
أيضاً إيمانٌ، وعلى هذا المِنْوال كلامُهُ، وكلَامُنَا في الاستدلال. والجواب: هو يجعلُ ((من))
تبعيضية ونحن اتصالية وابتدائية. وكذا هو يجعل ثمراتِ الإيمان ونورَه، إيماناً، ونحن نجعله
زائداً عليه. فلا نُعيده في كل موضعٍ رَوْماً للاختصار.
(وكتب عمر بن عبد العزيز) وهو وإن جعله مُرَّبَاً، لكن لفظَ الاستكمال إنما يُستعمل في
الأوصاف، بخلاف التمام، فإنه باعتبار الأجزاء، وحينئذٍ فلا حجة فيه. ثم قد مر معنا مراراً أن
للإيمان إطلاقين: الأول: على الإيمانِ الكاملِ المركبِ من الأعمال والأحوال، والثاني على
المرتبة المحفوظة، وهو غير مركب، فالجزئية في كلماتهم راجعةٌ إلى المعنى الأول.
﴿وَلَكِنْ لِيَظْمَيِنَ قَلِىٌ﴾ وهذه الآية أولى أن تكونَ حجةً لنا، من أن تكونَ علينا، لأنه لا
شك في كمال إيمانه وبلوغه إلى أقصى مراتبه، فلا يمكن أن يكونَ طالباً لزيادة في الإيمان،
ولذا قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنَّ قَالَ بَلَّىٌ﴾ فالإيمان كان حاصلاً، وإنما طلب زيادةً في المعنى الزائد.
ويحتاج البخاري في الاستدلال به إلى مقدمة زائدة لا يتم الاستدلال إلا بها، وهي: أن
الاطمئنان أيضاً من مراتب الإيمان، وقد مر بعض الكلام على الآية.
(١) قلت: وهو كما في قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ بِمَّا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَيِمَا كَانُواْ
يَكْذِبُونَ (®﴾ [التوبة: ٧٧] فكان في قلوبهم نفاقٌ من قبل من كسبهم، إلا أن نفاقَهم لما كان مع الله سبحانه -
الذي لا يخفى عليه خافية ــ زِيد على نفاقهم نفاقٌ آخر عقاباً لهم. ومنه ينحل كثير من الآيات، ويُستغنى عما
ذكروه من التوجيهات. وكتب القوم عنها مشحونة، فراجعها .
ومن ههنا سنح لي أن الحديثَ في آيات المنافق: ((إذا وعد أخلَفَ، وإذا حدث كَذَب، وإذا اؤْتُمن خان)» مأخوذٌ
منه. والله أعلم.

١٤٩
كتاب الإيمان
((نؤمن ساعة)) وظاهره أنه ليس المرادُ منه الإيمان ساعةً فقط، بل ما في ((الحصن
الحصين)): ((جددوا إيمانكم بقول: لا إله إلا الله)) أي تجديده وإحضاره والتفكر فيه. ولا يخفى
أن نَضْرة الإيمان ونَضَارَته وزهرَتَه ورِوَاءه، أمرٌ وراءَ الإيمان.
لكن عند المصنف رحمه الله تعالى كلُّها من وادٍ واحد. ((اليقين الإيمان كله)» اليقين أيضاً
يُطلق على معنيين: الأول: اعتقادٌ جازمٌ مطابقٌ للواقع. والثاني: استيلاؤه على الجوارح،
بحيث تخضعُ له الأعضاء، وهو المعروفُ بين الصوفية رحمهم الله تعالى، وهو عينُ الإيمان.
((والكل)) لتأكيد الشيءٍ ذي الأجزاء، فصح الاستدلال، قاله الكرماني. وهذا الشرحُ أقدم من
((فتح الباري)) إلا أن مصنفه ليس بمحدث، فيأتي فيه بحلِّ اللغةُ فقط، ويُكثرُ الأغلاط في فن
الحديث - كما فَعَلَه علي القاري في ((شرح الموطأ)) - وكان شرحه موجوداً عند ابنه، فلما لم
يقدِرْ على تصحيحه، أتى به عند الحافظ رحمه الله فصححه، إلا أن تلك النُّسخَة المصححة لا
توجد اليوم.
(وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) والتقوى عنده عينُ الإيمان، وهو اسم لوقاية النفس
عن الشرك، والأعمالِ السيئة، والمواظبة على الأعمال الصالحة، وبهذا التقرير صح الاستدلال
((ما وصى به الخ)) يريدُ أن الدينَ من لدن نوح عليه الصَّلاة والسَّلام إلى يومنا هذا مع الاختلاف
في الجزئيات، فكذلك الإيمانُ مع كونه ذيّ أجزاء أمر واحد. ومعلوم أنَّ الدينَ والإيمانَ، عند
المصنف رحمه الله تعالى شيءٌ واحد. وللمانع فيه مجال وسيع.
(وقال ابن عباس رضي الله عنهما) قال أهل اللغة: المِنْهَاج: الطريق الواسع، بخلاف
الشّرعة، فإنها اسم للطرق التي تنشعب من السبيل، ولما اتحدَ المنهاجُ وتعددت الشِّرعة، حصل
غَرِضُ البخاري، وجوابه: أن الكلام في الإيمان لا في لفظ الشِّرعة، وإن كان الكلُّ عندكَ
متقارباً. فالسنةَ تفسيرٌ للشرعة. واللف والنشر مشوش.
٢ - بابٌ دُعاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَؤُاْ بِكُمْ رَبٍ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾
ومَعْنَى الدُّعاء في اللُّغَةِ: الإيمانُ.
٨ - حدّثنا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ
خَالِدٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى
خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَّام الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ،
وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ)). [الحديث ٨ - طرفه في: ٤٥١٥].
(لولا دعاؤكم) وفيه إطلاق الإيمان على الدعاء، وهو من الأعمال، لأن طريقه المعروفُ
برفع الأيدي، فهو عملُ اليد واللسان، فصح استدلالُ المصنف رحمه الله تعالى. قلت: وعندي
أن الآية لا تعلقَ لها بموضع النزاع، فإنها في حق الكفرة الفجرة، كما يدل عليه قوله: ﴿فَقَدْ
كَذَّبْتُمْ﴾ والدعاء لا ينحصر في اللغة فيما شاع الآن في عرفنا، وهو ما يكونُ برفع الأيدي، بل
هو كما في قوله: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ﴾ الخ. وكما في قوله: ﴿رَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أُلِّينَ﴾

١٥٠
كتاب الإيمان
[يونس: ٢٢]، والمعنى: أن ربَّكم يكترثُ بكم ويُبالي بكم، لأنكم تدعونَه، ولولا ذلك لما عبأ
بكم، على نحول قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] وهو معنى
قوله {وَلَر: ((لا تقومُ الساعةُ حتى لا يبقى في الأرض أحد يقول: الله الله)) فبقاء الدنيا ببركة
اسم الله الأعظم.
وإن ذهبنا إلى تفسير ابن عباس رضي الله تعالى عنه فنقول: إن مرادَه التنبيهُ على ما يُعبأ به
عند الله، هو الإيمان، فإنّ رفعَ الأيدي فقط ليس أمراً يُعتدّ به، وإنما هو الإيمان الذي يرحم الله
علينا لأجله. ولما اتفقوا على أن دعاءَ الكفارِ يُستجاب في الدنيا، كما في قاضيخان فلا بأس
أن يكون في استغفارهم أيضاً نفعٌ، ولو في الجملة. وفي مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها
أنها سألت رسول الله بَّر عن ابن جدعان - رجل مات في الجاهلية - هل يَنْفعُهُ تصدقهُ؟ قال: ((لا
فإنه ما قال: رب اغفر لي وارحمني قط)). واستفدت منه: أن استغفارَ الكفارِ أيضاً ينفعُ شيئاً،
ولو لم يكن منجياً من النار. وسيجيءُ الكلام فيه في أبواب الإيمان أزيد من هذا. وعلى هذا
خرجتِ الآية عن ما نحن فيه، فإن الكلام في الإيمان والمؤمنين، والآية في الكفار، إلا أنّ
تمسكَ المصنف رحمه الله تعالى تام، فإنه من قولِ ابن عباس رضي الله تعالى عنه: دعاؤكم
إيمانكم، وهو صحيح على كل حال.
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه
وفي مصنف ابن أبي شَيْبة: الإسلام عَلانية، والإيمان ههنا، وضرب يدَه على الصدر.
رجالُهُ كلهم ثقات، إلا رجلٌ وهو: علي بن .... وقد وثقوه أيضاً. وفي هذا إيماءٌ إلى أن
الإيمانَ ينبعثُ من الباطن إلى الجوارح، والإسلامَ يسري من الجوارح إلى القلب، ثم في
((فتاوى الحنابلة)): أنه إذا لم يُصلِّ رجلٌ، يمهله القاضي ثلاثة أيام، ويفهمه، ثم يقتله كفراً.
وقال الشافعي: يقتله حداً. وقال الإمام الهُمام: بل يضربُ ضرباً شديداً حتى يسيلَ منه الدم.
قلتُ: والحنفية قد وسعوا للقاضي أنْ يقتلَ من شاء من المبتدعة، فينبغي أن يدخلَ تحته تاركُ
الصلاة أيضاً، كما هو في تذكرة الهاشم بن عبد الغفور السندي عن بعض كتب الحنفية ثم عن
أحمد رحمه الله تعالى روايةُ الكفرِ في تركٍ كلٍ من الخمس أيضاً. وسيأتي فيه الكلام مفصلاً.
٣ - باب أُمُورِ الإِيمَانِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ أَلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِلَّهِ
وَالْيَوْمِ اٌلَخِرِ وَالْعَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبِيْنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ
السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِى الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَالَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوْفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَذُواْ وَالصَّبِينَ فِى
الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِيْنَ الْبَّأْسِنُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ (٣٢)﴾ [البقرة: ١٧٧]، ﴿قَدْ أَفْحَ
اُلْمُؤْمِنُونَ ﴿٣)﴾ [المؤمنون: ١] الآية.
هذا البابُ كالأصل الكليّ تحته جُزئيات، ولما كان الإيمانُ عبارةً عن المجموع عنده،
نَزَلَ إلى تعديد أموره، وأجزائه، ليدل على أنه شيءٌ ذو أجزاء، وإن كان يحكُمُ بالفسق بفَوَات

١٥١
كتاب الإيمان
بعض الأجزاء، وبالكفر بفوات بعض آخر. وهذا نظيرُ اختلافهم في الصلاة في أصول الفقه.
فقال الشافعية: إن الصلاة اسم للحقيقة المعهودة من التحريمة إلى التسليم، وتدخل فيها
المستحبات، والسنن والأركان، ثم ينتفي اسم الصلاةِ بانتفاءِ بعض الأجزاء، وتبقى مع انتفاءِ
بعضِها. وقال ابن الهُمَام في ((التحرير)): إنها اسم للأركان فقط، والبقية مكمِّلات لها، وعلى
هذا لو فات جزء منها - ولا يكون إلا ركناً على هذا التقدير - يحكُمُ عليها بالبطلان بتاً .
أقول: والحقُّ إن النزاعَ إن كان في أنه هل يمكن أن تكون حقيقةً مركبةً من أشياء ينتفي
بعض أجزائها، ويبقى اسم الكل عليها أولاً؟ فالصواب إلى الشافعية، فإنا نجدُ أشياءً كثيرة ينتفي
بعض أجزائها، ومع هذا لا يرتفعُ اسم الكل عنها. وإن كان النزاعُ في أن المكمِّلات للشيء
تكون أجزاءً لها دائماً، فالصواب إلى الحنفية. إلَّا أن نَظَرَ الشافعية في الصلاة أصوب، وما
ذهب إليه الشيخ ابن الهمام نظرٌ معقوليٌّ، لأنه يُبنى على تجريدِ النَّظَرِ عن بعض أجزائه. وأهل
العرف لا يفرقون بين جزء وجزء، بل يجعلون الشيءَ عبارة عن مجموع أجزائه، وإن كان بعضُهَا
أدخلُ في تقوم الكلِّ من بعض آخر. وتظهر ثمرتُهُ عندهم عند الفواتَ، فيرون الشيء معدوماً
بفوات بعضها، دون بعض، مع أنه لا فرقَ عندهم في كونه جزءُ الشيء.
والسرُ فيه: أن الشيءَ عندهم عبارة عما هو في الواقع، وليست في الواقع إلا الماهية مع
عوارضها، والمجموعُ هو الذي يُعبّر عنه بالشيء عندهم. أما حقيقته المعقولية، فهي مأخوذٌ
ومنتزعةٌ عنه، تحتاج إلى تجريدِها عن عوارِضِها، فليست هي إلا نحو اعتبار، وهذا الاعتبارُ وإن
كان واقعياً، يُبتنى عليه بعض الأحكام، إلَّا أنه بمعزل عن أنظار أهل العرف. أما في الإيمان
فالأقربُ فيه نظرُ الحنفية، لأن الأعمال بعطفِهَا على الإيمان جُعلت مكمِّلات له، فلا يكون
الإيمانُ مجموعاً مركباً، فجعلها أجزاء خلاف الظاهر، فالأظهر فيه ما اختاره الحنفية. نعم،
يوجد إطلاق الإيمان على الأعمال في الأحاديث، بما لا يُحصَى، وهو على نظر الشافعية، فإما
أن يقال: إن الأصلَ هو التصديقُ، والباقي تابع له، وهذا أوفقُ بالحنفية، أو يُلْتَزَمُ اختلافُ
الإطلاق، فتارة أطلق على الجزء، وأخرى على الكل، وهذا أوفقُ بالشافعية.
(قوله تعالى: ليس البر) وإنما انتخبها من بين الآيات، إما لكونها أبسطُ في مراده، أو لأن
النبي ◌َّ تلاها في جوابٍ رجلٍ سأله عن الإيمان، كما في ((الفتح)): أن أبا ذر رحمه الله سأل
النبي # عن الإيمان، فتلا عليه: ((ليس البر)) ... إلخ. ورجاله ثقات. قلت: وعندي قوله
تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [المؤمنون: ١] ... إلخ أقرب إلى مقصوده من قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ
الْبِرَّ﴾ ... إلخ، لأن في الآية الأولى تعديدٌ للأوصاف فقط، وليست جاريةً على الإيمان. وفي
الآية الثانية الأوصافُ كلها جاريةٌ على الإيمان، لأن المعطوفاتِ كلها إما صفاتٌ مادحةٌ
للمؤمنين، أو كاشفةٌ لهم، وعلى كلا التقديرين، كونُها من أمورهِ أظهر، بقي تفسيرُ قوله: ﴿لَيْسَ
الْبِرَّ﴾ ... إلخ ونكتَةُ التعبيرِ بنفي البرِّ عما هو من أبرِّ البر، كالتولِّي إلى القبلة فسأذكره في
الصيام. وهو مهم جداً. وقوله ◌َّيّ: ((ليس من البرِّ الصيامُ في السفر)) مع كونه من أعظم
الطاعات من هذا الباب أيضاً فانتظره.

١٥٢
كتاب الإيمان
قوله: (قبل المشرق والمغرب) يعني أن أمرَ التولي إلى جهة، ليس لكون الله سبحانه
وتعالى في تلك الجهة، ليتقيد بها دائماً، فلا طاعة في الإصرار عليها، بل البر والطاعة في
الانصراف إلى الجهة المأمور بها، أي جهة كانت. قوله: ((الإيمان بضع وستون شعبة)) ....
إلخ. لما فرغ المصنف رحمه الله تعالى عن مباني الإيمان شرع في فروعه وشعبه، وذكر حديث
الشعب. أقول: إن مفهومَ العددِ غيرُ معتبرٍ في الأحكام، فلا نتعرض إلى اختلاف العدد في
الروايات. وقد تعرَّض الشارحون إلى تعديدَ تلك الشُّعب. والأحبُّ إليّ أن يُتتبع القرآن ويستوفى
ذلك العدد منه، بأن يجعلَ كلَّ ما ذكر فيه مع الإيمان شُعبة من شعبهِ، فإن وفَّى به ذلك فهو
المراد، وإلا فليفعل مثله في الحديث(١).
والحاصل: أن الإيمان مُركب من أمور أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن
الطريق. والحياء شعبة منه، وإنما نبه على كون الحياء شعبةً من الإيمان، لكونه أمراً خُلُقياً،
ربما يَذْهَلُ الذهن عن كونه من الإيمان، فدل على أن الأخلاق الحسنة أيضاً منه، وقد مر مني:
أن ظاهرَ هذا التعبير يؤيدُ نظرَ الشافعية، لأن الشعب تكون أجزاءً للشجرة، ونحوه قوله تعالى:
﴿ كَلِمَةٌ طَيِّبَةُ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] إلخ فشبّه الكلمةَ بالشجرة، والكلمة هي الإيمان،
وثمارُهَا هي الأعمال، قد تكون وقد لا تكون مع بقاء الشجرة، كذلك الأعمال تكون قد وقع،
مع بقاء أصل الإيمان، ولكنه بالعطف جعلها مغايرة له، فالنسبة إما كنسبة الأغصان إلى الشجرة،
أو الأثر إلى المؤثر، والنظرُ دائر فيه بعد. ولنا أن نقول: إن للشعب نسبة أخرى إلى أصلها،
وهي كونها نابتةٌ منه، وناشئةً عنه، وحينئذٍ لا تكونُ تلك الشعبُ أجزاءٌ، ينتفي الكلُّ بانتفائها، بل
فروعاً يبقى اسم الكل مع انتفاء بعضها .
وقد علمت: أن الاختلاف في كونها فروعاً، أو أجزاء، لا يرجع إلى إكفار مُعدَمي
الأعمال أو عدمه، بل هو اختلاف تعبير بحسَبَ الأنظار فاعلمه. وتفصيلُهُ أن أجزاءَ الشيء لا
يجب أن تكونَ كلها متساوية الأقدام، ألا ترى أن الإنسانَ يتركبُ من أجزاء ليست كلها على حد
واحد، ولكن بعضها رئيسة وبعضها مرؤوسة، كالقلب والدماغ، فإنهما جزءان له، وكذلك
الأيدي والأرجل أجزاء له أيضاً، ولكن أين هذا من ذلك؟ فجزئية الأول بحيث نِيط بها صلاحُهُ
وفلاحه، وليس كذلك الثاني، وهذه هي الحال في الشجرة، فإن فيها جِذْعاً وأغصاناً وشماريخ
وأوراقاً، وليست كلُّها متساوية الأقدام. نعم، هناك أجزاءٌ أخرى تكون على حد سواء، كاللبنَاتِ
للجِدَار، فإن كان مرادهم بإثبات الجُزئية نحو تلك، فلا نُسلَّمها ولا نَرَاهَا ثابتةً من الأحاديث،
وإن أرادوا بها الجُزئية كما في الطائفة الأولى، فإنا نقول بها. أما الحديثُ فلم يعبر إلا بكونها
شعباً، وفيه تردد بعد من حيث كونها فرعاً، وبحسب كونها جزءاً ولكل وجهة هو موليها .
٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ العَقَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ
(١) قلت: وقد فعل الحافظ رحمه الله تعالى نحوه في تعديد أسماء الله تعالى وذكره، فإذا اعتبرت ذلك وجمعت
الأسماء الواردة نصاً في القرآن وفي الصحيح من الحديث لم تزد على العدد المذكور. فراجعه ص ١٧٣ ج١١.

١٥٣
كتاب الإيمان
◌ِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ
النَّبِّ نَِّ قَالَ: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالخِّيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)).
٩ - قوله: (الحياء) وهو عندي لا ينقسمُ إلى نوعين: شرعيّ وعرفيٌ كما قالوا، بل هو أمر
واحدٌ، فمن غَلَبَ عليه ذكر الله استحى منه أن يهتكَ محارِمَه، ومن غلبتْ عليه الدنيا استحى
منها، فالفرق باعتبار المتعلَّق، واعلم: أن بعض الأخلاق الحسنة التي هي مبادىء للإيمان
مقدَّمة على الإيمان، يجيءُ عليها لون الإيمان كالأمانة، ولذا قال: ((لا إيمانَ لمن لا أمانَةً لَهُ))
فالأمانةُ متقدِّمةٌ على الإيمان، وينبغي أن يقدَّم عليه الحياء أيضاً، إلَّا أنه لما عُدّت توابعُ الإيمان
مع الإيمان، جُعِلَ شعبةً منه في الحديث، وكالجزء في التعبير فقط، ولعل الأمرَ كما قلنا، والله
تعالى أعلم. وعلى هذا فالأحوال عند السلف تكون ثلاثة: الإسلام الخالص، والكفرُ
الخالص، والثالث: ما يشتمل على صفات الإيمان والكفر، فإن الإيمانَ عندهم مركب، فيمكن
أن يوجدَ في المؤمن خصائلُ الكفر، وفي الكافر خصائلُ الإسلام، ولا يمكن هذا على طورِنا،
فإن الإيمان عندنا بسيط، فينحصر الأمرُ في الحالين فقط. فريق في الجنة وفريق في السعير.
٤ - بابٌ المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ
والجملةُ تشتملُ على تعريف الطرفين، وهو مفيدٌ للقصر، وهو من الطرفين عندي. أي قد
يكون لقصر المسندَ إليه على المسند، وقد يكون بالعكس، وقد تصلح جملة لكل منهما، لكن لا
على سبيل الاجتماع، كما اختاره الزمخشري في ((الفائق)). وما قاله التَّفْتَازاني رحمه الله تعالى:
إن القصرَ من طرفٍ فقط، والمبتدأ هو المقصور، فهو غَلَطٌ عندي. ثم إن هذا الحكم قد أخذته
الشريعة من الاشتقاق، فالمسلم مَنْ سَلِم الناس من إيذائه، وذلك لأنه وُجِد فيه مأخذ الاشتقاق،
وأما من آذى الناسَ ولم يَسْلَم منه الناس، فلم يوجد فيه مأخذُ اشتقاقِ الإسلام، فكأنه ليس
بمسلم، وهذا على نحو ما تقول: إن العَالم من اتصف بالعلم. والضارب من اتصف بالضربِ.
فكذلك المسلم من اتصف بوصف السلامة. وعلم منه أن الإسلام كما هو معاملة مع الله
سبحانه، كذلك معاملة مع الناس أيضاً .
واعلم أن الإسلام حقيقتُهُ ما يعبر عنه، بأن نقول: اطمئنَ أنت مني وأنا مُطمئنٌ منك، لأنه
كان من عاداتهم قبلَ الإِسلام: سفكُ الدماء، وهَتْكُ الأعراض، ونهبُ الأموال، فلما نزلت
الشريعةُ أرادت أن تُعينَ لفظاً بإزاء ذلك المفهوم، ليدل(١) عند أول قرع السَّمْع على الأمن، وهو
لفظُ الإسلام، ليصيرَ الناسُ في الأمن بعد الخوف، والاطمئنان بعد الفزع.
١٠ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ
وَإِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ:
(١) قال علي القاري، رحمه الله تعالى في الجنائز: إن إحدى فوائدِ السلام أن يُسمِعَ المُسلمُ المسلِّمَ عليه ابتداءً لفظ
السلام، ليحصل الأمن من قبل قلبه ... إلخ.

١٥٤
كتاب الإيمان
((المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهى اللَّهُ عَنْهُ)).
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ أَبُو مُعَاوِية: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ
بن عمرو، عَنِ النَّبِيِّ نََّ. وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى: عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ
النَّبِيِّ ◌َِّ. [الحديث ١٠ - طرفه في: ٦٤٨٤].
١٠ - ولذا قال: (المسلمُ من سَلِمَ) ... إلخ ((والمؤمنُ من أمَنَهُ الناسُ على دمائِهم
وأموالهم)) فكأنه أحاله على اللغة.
(والمهاجر) ... إلخ هذا أيضاً نوعُ هجرةٍ وفيه قصر، والقصرُ باعتبارٍ تنزيلِ الناقصِ منزلة
المعدوم، ولا أقول بتقدير الكمال. وقد مر تقريره مرة فراجعه. (قال أبو عبد الله) وإنما أتى به
لأجل التصريح بالسماع كما هو مذْهَبْه. والشَّعْبي اسمه عامر، شيخ الإمام أبي حنيفة رحمه الله
تعالی .
٥ - بابُ أَيِّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ
١١ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ يَحْيِىِ بْنِ سَعِيدٍ القُرَشِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو
بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالُوا يَا
رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الإِسْلَامِ أَفضَلُ؟ قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)).
لما فَرَغَ عن أجزاء الإسلام، أراد أن يذكرَ مراتبُ الإسلام، وههنا إشكال، وهو أنه كيف
يَستقيمُ اختلاف الأجوبة مع اتحادِ السؤال؟ فإنه قد أجاب ههنا بأن الأفضلَ: ((من سلم
المسلمون)) الخ وفي حديث آخر أجاب بغيره، والجواب المشهورُ أن الاختلافَ في الأجوبة
باعتبار اختلاف حال السائلين. قلت: وفيه أن هذا الجواب لا يجري إلا فيما صدر عنه القول
المذكور في جواب سائل. أما إن كان قاله بدايةً بدون سبق سؤال، فينبغي أن يذكرَ ما هو
الأفضلُ في الواقع لا غير، ولا يتحمل فيه هذا الاختلاف.
والجواب الثاني: أن الاختلاف باعتبار اختلاف لفظ السؤال، دون حال السائل، ففي
بعضه أيُّ الإسلام أفضل؟ وفي بعضه أيُّ الإسلام خير. والأفضلُ يكون بحَسَب الفضائل، وهي
المزايا اللازمة كالعلم، والحياة، والخير باعتبار الفواضل، وهي المزايا المتعدية، فالتشتت في
الجواب، باعتبار التشتت في السؤال، ولذا أجاب في الأول بالإسلام، وفي الثاني بإطعام
الطعام. قلت: هذا الجواب يحتاج إلى تتبّع بالغ، وإلى تعيين اللفظِ بعينه من صاحب الشريعة
والسائل كليهما، وهو أمر عسير، لفُشو الرواية بالمعنى، فما الدليل على أن هذا من لفظه،
وليس من الراوي.
والجواب الثالث للطحاوي في ((مشكله)) وحاصله: أن يجمعَ جميعَ أجوبتِهِ وَّ، ثم يجعلُ
الأفضل نوعاً كلياً يندرجُ تحته جميع الأشياء التي حُكِمَ عليها بكونها أفضل. وحينئذٍ لا يكونَ
الأفضل شخصاً لينحصر في فرد. ولا يمكنُ أفضلية الآخر معه، بل جملة ما وضعه بَّ في

١٥٥
كتاب الإيمان
المرتبة الأولى يُجعلُ كالنوع، ويدرجُ تحتَهُ ما ورد في المرتبة الأولى، وهكذا ما وضعه
النبي ◌َّ في المرتبة الثانية. يُجعلُ أيضاً كالنوع، ويدرجُ تحتَهُ جملةُ الأمور التي عُدت في
المرتبة الثانية.
وهكذا أقول: وهذا إنما يصلحُ جواباً إذا كان الاختلافُ في جواب الأفضلية، بذكر أمر
مرة وأمر آخر مكانه مرة أخرى، كما في الحديث المار، فإنه أجاب مرةً بكون الأفضل ((من
سلم)) ... إلخ ومرة بكونه (إطعام الطعام)) ولا يجري فيما إذا جعل أمراً في المرتبة الأولى في
حديث، وجعل ذلك بعينه في المرتبة الثانية في حديث آخر، فإن كونَ الشيء في المرتبة
الأولى، والمرتبة الثانية معاً غير ممكن، فلا يمكن أن تكون الصلاة مثلاً أفضلَ من الجهاد،
ومفضُولةً منه أيضاً، فإن أُجيب بتعدد الجهات، فهذا غيرُ جوابٍ الطحاوي رحمه الله تعالى، إلا
أن يتبَّعَ الطرق، فإن تحقق بعده أن التقديم والتأخير إنما جاء من قبل الراوي، فوضع ما كان في
المرتبة الأولى في المرتبة الثانية، أو بالعكس، نفذ جوابه. وإن تحقق أنه كذلك من جهة
صاحب الشريعة، وليس من جانب الراوي، بقي الاشكال ولا يدفعُهُ جواب الطحاوي رحمه الله
تعالی .
٦ - بابُ إطْعَامِ الطَّعَامِ مِنَ الإِسْلَام
١٢ - حدّثْنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللََّثُ عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الخَيرِ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عِمْرٍوٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ وَّرَ: أَيُّ الإِسْلَامِ خَيرٌ؟ قَالَ: ((تُطْعِمُ
الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِف)). [الحديث ١٢ - طرفاه في: ٢٨، ٦٢٣٦].
١٢ - (تطعم الطعام) عبّر بالمضارع إفادةً للاستمرار التجدُّدي.
(وتقرأ السلام) (١) واستثنى منه فقهاؤنا مواضع عديدة لا يقرأ فيها السلام، وليراجع له
(الدر المختار)) من ((باب الحظر والإباحة)) واعلم أن صيغة: السلام عليكم ينبغي أن يفيدَ القصرُ
لاشتماله على التعريف. قلت: لا قصر فيه. فإن شئتَ تفصيل المقام: فاعلم أن ما اشتهر
عندهم أن الجملةَ الإسمية إذا اشتملت على المعرَّف باللام وحرف يعينُ على القصر في الجانب
الآخر، يفيدُ القصر، إنما هو إذا كانت اسمية ابتداء غير معدولة عن الفعلية، وإن كانت معدولة
(١) وفي ((المشكاة)) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: ((خلق الله آدم على صورته، طوله ستونَ ذراعاً، فلما
خلقه قال اذهب فسلُّم على أولئك النفر، وهم نفرٌ من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيُّونَك، فإنها تحيتُك وتحيةٌ
ذريتك، فذهب فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله ... إلخ. وفي
رواية الترمذي ثم رجع إلى ربه فقال: ((إن هذه تحيتُك وتحيةُ بنيك بينهم))، فجرت السنة في ذريته كما في
الحديث وتلك من سنة الله أن يكونَ بعضُ الأفعال من المقربين، ويقع بمكان من القَبُول، ثم يصيرُ لمن بعدهم
شريعة مطلوبة. والأسف كل الأسف أن تلك السنة قد أمِيتَت في بلادنا حتى نقل: أن رجلين من السادات التقيا
في الطريق، فانتظرَ كلِّ منهما أن يسلِّمَ عليه الآخر، فمضيا على طريقهما ولم يُوفَّق له واحدٌ منهما. هكذا أفادنا
الشيخ رحمه الله تعالى.

١٥٦
كتاب الإيمان
عن الفعلية، فلا قصر فيها عندي، لأنه إذا لم يكن القصر في الأصل، كيف يكون في الفرع
المعدولِ؟ ومر الزمخشري رحمه الله تعالى على قولهم: ((السلام عليكم)) وتفطَّنَ أنه ينبغي أنَ
يفيدَ القصر، ثم لم يكتب فيه شيئاً شافياً، وكذا مر على قوله تعالى: ﴿ وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُّ﴾
[مريم: ٣٣] واختار أن اللام فيه للعهد. قلت: ولا يعلق بقلبي، فالجواب عندي: أن السلامَ
عليكم معدولٌ عن جملة فعلية، أو كانت في الأصل: سلَّمتُ سلاماً، فلا تفيد القصر على ما
بينا، فإن قلتَ فحينئذٍ ينبغي أن لا تكون جملة الحمد لله أيضاً مفيدةً للقصر، لأنها أيضاً معدُولةٌ
عن الفعلية، قلت: ما الدليل عليه؟ لم لا يجوز أن تكونَ اسمية ابتداء، وأي رِكَّة فيه؟ بخلاف
قولنا : السلام عليكم.
والحاصل: أن ما فيه بيانٌ للعقيدة، فالمناسب هناك جملةٌ اسمية لا غير، وما فيه إنشاءٌ،
أمر جاز فيه أن تكونَ معدولةٌ عن الفعلية. وبعبارة أخرى: إن الجملةَ الفعلية قد يعتبرُ انسلاخُهَا
عن معناها، فتفيدُ القصرَ، لأنها جملة اسمية على هذا التقدير ولا لمع فيها إلى الفعلية، كقولنا :
الحمد لله، إذا قصدنا بها الخبر لأن الأصلَ فيه الإسمية، ولا لمع فيها إلى الفعلية، فتفيدُ القصر
بخلاف ما إذا أردنا منها الإنشاء، فإن قيل: فحينئذٍ ينبغي أن لا يكون القصر في الحمد لله لأنه
إنشاء، وجعلُهُ إخباراً ليس من الحمد في شيء، فإنه إخبارٌ عن الحمد، والإخبارُ عنه ليس
بحمد. قلت: بل الإخبار عن الحمد أيضاً نوعُ حمد وإن جعل إنشاءً فلا قصر فيه أيضاً (١).
٧ - باب مِنَ الإِيمَانِ
أَنْ يُحِبَّ لأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفسِهِ
١٣ - حدّثنا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَس رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ، عَنِ النَّبِّ بَّهَ. وَعَنْ حُسَينِ المُعَلِّم قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِّ ◌ََّ قَالَ:
(لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)).
أفاد بإدخال لفظة: (من) على جملة الحديث: أن المذكورَ خصلةٌ من الإيمان، والنفي
على ما مر محمولٌ على تنزيلِ الناقصِ منزلةِ المعدوم، واعلم أن طريقَ الشارع طريق الوعظ
والتذكير، فيختارَ ما هو أدخلَ في العمل، فلو قدَّرَ الكمالَ في مثل هذه المواضع، يفوتُ
غرضُهُ، ولذا لم يكن السلف يحبونَ تأويل قوله ◌َّهِ: ((من ترك الصلاة فقد كفر)) بالترك مستحلاً،
أو أنه فعلَ فعل الكفر، فإنه بالتأويل يَخِفّ الأمر فيفقد العمل.
٨ - بابٌ حُبُّ الرَّسُولِ وَّهُ مِنَ الإِيمَانِ
١٤ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ،
(١) قلت: وكانت تذكرتي مشكوكة من هذا المقام، وإنما قررت هذا المقام بعد التصحيح ولا أدري أكان هذا هو
مرادُ الشيخ أم غَلِطتُ أنا؟.

١٥٧
كتاب الإيمان
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِنَّهِ قَالَ: ((فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ
أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ)).
١٥ - حدّثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيبٍ،
عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِّنَّه (ح). وَحَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالُ:
قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَّعِينَ)).
الباب الأولُ كان عاماً لكل مسلم، وهذا خاص كالجزئي منه، وليس الحبُّ فيه هو
الشرعي، أو العقلي، كما قاله البيضاوي: إن الحب عقلي، وطبعي، والمراد هو العقلي، وقد مر
مني أن الحب صفة واحدةٌ، تختلف باختلاف المتعلَّق، إن صرفتَها إلى الآباء والأبناء، سميت
طبعية، وإن صرفتها إلى الشرع، سُميت شرعية، فالفرق باعتبار المتعلَّق، كيف وقول الله تعالى:
﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُّكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَّكُمْ وَعَشِيرَتُ: وَأَمْوَالُ أَقْتَفْتُمُوهَا وَتَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ
تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ﴾ [التوبة: ٢٤] إلخ أوجب أن يكونَ
حبهما أزيدَ من الكل، وحب هذه الأشياء ليس إلا طبعياً. وعند المصنف رحمه الله تعالى عن عمر
رضي الله تعالى عنه أنه قال للنبي وَّر: لأنتَ يا رسولَ الله أحبُّ إليّ من كل شيء إلا من نفسي،
فقال: ((لا، والذي نفسي بيده حتى أكونَ أحب إليك من نفسك)). فقال عمر رضي الله تعالى عنه:
فإنك الآن أحب إلي من نفسي، فقال: ((الآن يا عمر))، وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: لما
حَضَرَ أحدٌ دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولاً في أولٍ من يقتل من أصحاب
النبي ◌َّهِ، وإني لا أترك بعدي أعزَّ عليّ منك، غير نفس رسول الله وَّر، وإن عليّ ديناً ... إلخ
رواه البخاري. وأمثاله كثيرةٌ تدل على أن نفسَ رسول الله و لو كان أحب عندهم مما في الأرض
جميعاً، ولم يكونوا يعلمون غير المحبة التي تكون فيما بينهم(١).
(١) قال الشيخ بدر الدين العيني: إن هذه المحبة ليست باعتقاد تعظيم - أي الحب الشرعي - بل ميلُ قلب - أي
الحب الطبعي - ولكنَّ الناسَ يتفاوتون في ذلك. قال الله تعالى: ﴿فَوْفَ بَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمِ ثُّهُمْ وَيُحِبُونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]
ولا شك أن حظ الصحابة رضي الله تعالى عنهم من هذا المعنى أتم، لأن المحبة ثمرة المعرفة وهم بقدرِهِ،
ومنزلتِهِ أعلم، والله أعلم.
ويقال: المحبة إما اعتقاد النفع، أو ميل يتبع ذلك، أو صفة مخصصة، لأحد الطرفين بالوقوع، ثم الميل: قد يكون
بما يستلذه بحواسه، كحسن الصورة، وبما يستلذه بعقله، كمحبة الفضل والجمال، وقد يكون لإحسانه عليه، ودفع
المضار عنه، ولا يخفى أن المعاني الثلاثة كلها موجودة في رسول الله مَّهِ لِمَا جمعَ من الجمالِ الظاهر والباطن،
وكمالٍ أنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين، بهدايتهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النعيم، ولا شك أن
الثلاثة فيه أكمل مما في الوالدين.
لو كانت فيهما فيجب كونه أحب منهما. ثم قال الشيخ العيني رحمه الله تعالى: وإنما يجب أن يكون الرسول أحب
إليه من نفسه، قال تعالى: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَ بِالْمُؤْمِينَ مِنْ أَنفُسِهِمَّ﴾ [الأحزاب: ٦] إلخ فلله در الشيخ رحمه الله تعالى
حيث برهن على أن حب النبي ◌َّرَ يجبُ على كل مسلمٍ أكثرَ من نفسه ووالديه، اللهم اجعل حبَّك وحبَّ رسولك
أحبَّ إلينا من أنفسنا ومن الماء البارد. آمين.

١٥٨
كتاب الإيمان
ولم يخطر ببالهم الحب الشرعي، كما اتضح من قول عمر رضي الله تعالى عنه، فإنه قابلَ
أولاً بين الحبِّ بنفسه والحب بالنبي ◌ََّ، ومعلوم أن حبَّ بنفسه لم يكن إلا طبعياً. وكذا تواتر
من حال غير واحد من الصحابة أنهم جعلوا أنفسهم تُرْساً، ووقاية للنبي وسين في الغزوات كما
رُوي عن أبي طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه وغيره فالتقسيم تفلسف. والأمر كما قلنا،
ولا تحمل ألفاظ الحديث إلا على ما تعارفه أهل العرف، واللغة، وليُعلم أنَّ حبَّ النبي :
ينبغي أن يكون من حيث ذاته الشريفة، لا من حيث إنه هداني، والقصر عليه ليس بذاك، فهو
محبوب لذاته المباركة الطيبة، ومحبوبٌ لأجل أوصافِهِ الحسنة، وملكاتِهِ الفاضلة، وأخلاقِهِ
الكاملة أيضاً (١).
ومقصودهُ أن الحلاوةَ من ثمرات الإيمان، ولما ذكر الإيمانَ وبيَّنَ أموره، وأن حب
الرسول من الإيمان، أرْدَفَه بما يُوجد حلاوةَ ذلك.
٩ - باب حَلَوَةِ الإِيمَان
١٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ،
عَنْ أَبِيِ قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ
يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبٌّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ
يَعُودَ في الكُفرِ كما يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)). [الحديث ١٦ - أطرافه في: ٢١، ٦٠٤١، ٦٩٤١].
١٦ - قوله: (ثلاث من كن فيه) إلخ، وفيه تلميح إلى قصة المريض، والصحيح، لأن
المريض الصفراوي، يجدُ طعم العسل مراً، والصحيحُ يذوقُ حلاوته، على ما هي عليه، وكلما
نقصت الصحة شيئاً ما، نقص ذوقُهُ بقدر ذلك، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يقوّي
استدلال المصنف رحمه الله تعالى على الزيادة والنقصان.
قال الشيخ أبو محمد بن أبي جَمْرة: إنما عبر بالحلاوة لأن الله شبَّه الإيمان بالشجرة في
(١) قلت: والذي يسمُّونه حباً عقلياً نحوٌّ من العلم أو قريب منه، بخلافِ الحبِّ عند أهل الفقه والعرف، فإنه من
كيفيات نفسانية أخرى، ومن مراتبه الغرام والعشق، فهو غير العلم قطعاً .
قوله: ((أحب إليه مما سواهما))، قال الشيخ العيني رحمه الله تعالى: كيف قال بإشراك الضمير بينه وبين الله عز
وجل، مع أنه أنكر على الخطيب الذي قال: ومن يعصهما فقد غوى وأجيب بأن المراد من الخطيب الإيضاح، وأما
ههنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ. وقال القاضي عياض: إنه للإيماء على أن المعتبر هو المجموع المركب من
المحبتين، لا كل واحدة، فإنها وحدَها ضائعةٌ لاغية. وأمر بالإفراد في حديث الخطيب إشعاراً بأن كل واحد من
العصيانين مستقل، باستلزامه الغواية، وقال الأصوليون: أمر بالإفراد لأنه أشدُ تعظيماً، والمقام يقتضي ذلك. انتهى
بتغيير واختصار، قلت واحفظ عن شيخي رحمه الله تعالى أن جوابه أن إنكاره على الخطيب كان من باب التأديب
والتهذيب، كقوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] وهذا الجوابُ أقوى، كما سيظهر لمن نَظَرَ في
الأحاديث.

١٥٩
كتاب الإيمان
قوله: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةُ كَشَجَرَةِ طِنِبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] فالكلمةُ هي كلمة الإخلاص، والشجرة
أصل الإيمان، وأغصانُها اتِّباعُ الأمر، واجتناب النهي، وورقُها ما يَهُم به المؤمن من الخير،
وثمرُهَا عملُ الطاعات، وحلاوة الثمر جَنْيُ الثمرة، وغايةُ كمالِهِ تناهي نضج الثمرة، وبه تظهر
حلاوتها كذا في ((الفتح)). أقول: وإنما عبر بالحلاوة لأن أهلَ العرف يَعُدون المحبة من
المذوقات، وهكذا يعبرون عنها في محاوراتهم، وفي القرآن: ﴿فَأَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ
وَاُلْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] هذا واعلم أنه قد أشكل على القوم نسبة الذوق إلى اللباس في الآية
الشريفة، فإن اللباس من الملبوسات، لا من المذوقات، ولم يُجبْ عنه أحد جواباً شافياً لطيفاً
ليطمئن به القلب، وقد أجبتُ عنه وأثبتهُ في برنامجي ولا يسع الوقت ذكره(١).
١٠ - بابُ عَلَامَةِ الإِيمَانِ حُبِّ الأَنْصَارِ
١٧ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ
قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ نَلَ قَالَ: («آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةٌ
النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَار)). [الحديث ١٧ - طرفه في: ٣٧٨٤].
لما فرغ من الحُبِّ مطلقاً وكان عاماً، أرْدَفَه بذكر محبة الطائفة، وانتخب منها الأنصار،
وجعلها علامةُ الإيمان، فذكر أولاً: الإيمان، ثم حلاوتَه، ثم علامته ومأخذ الحديث، قوله
تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ﴾ [الحشر: ٩] وفي الآية استعارتان عند علماء البيان: الأولى:
في الفعل استعارة تبعية، والثانية: في الإيمان استعارة أصلية. وعند النُّحاة هي من باب - علفتها
(١) وتلك المناظرة طويلة وأصلُ المناظرة في مسألة تقديم الكفارة على الحنث. وهاك بعض عبارات منها تتعلق
بموضوعنا. قال الطّالقَاني رحمه الله تعالى: ويدل على ذلك أن الكفارةَ وضعت لتغطية المآثم، وتكفير الذنوب،
واسمها يدل على ذلك، ولذلك قال النبي ◌َّ: ((الحدودُ كفاراتٌ لأَهلِها)) وإنما سماها كفارة لأنها تُكفِّر الذنوب
وتغطيها ... إلخ، ثم قال في ذيل كلامه على ص ١٨٤ والكفارةُ وجبت لتكفير الذنب؛ وتغطية الإثم، ثم قال
على وأما الدليل الثالث الذي ذكرته من كون الكفارة موضوعة لتكفير الذنب فصحيح ... إلخ، ثم قال في تلك
الصفحة: ولهذا قال تعالى في قتل الخطأ: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُنْتَابِعَيْنِ تَوْبَةٌ مِّنَ اللَّهُ﴾، وهذا يدلُ على أن كفارةَ
قتلِ الخطأ على وجه التطهير والتوبة. انتهى. فتلك عباراتٌ تترى تُنادي بأعلى نداء: أن الحدود كفارات لأهلها،
ولهذا تردد الشيخ رحمه الله تعالى في مذهب الحنفية، ثم الذي قال بكونها زواجر لم ينسبه إلى الإمام الأعظم
رحمه الله تعالى، فإن كان ذلك لأنه لم يُنقل عن الإمام الأعظم، فظاهر أنه لا يكونُ مذهباً، وإن كان الإغماض
لمجرد تساهل، فأمرٌ آخر.
وبالجملة: كون الحدود زواجر مذهباً للإمام محل تردد عند الشيخ رحمه الله تعالى، وذلك للاختلاف في النقول.
قال الشيخ رحمه الله تعالى في سبب انعقاد تلك المناظرة: أن القاضي أبا الطيب الطبري والقاضي أبا الحسن
الطَّالقَاني حضرا مرة في جنازة، فاشتاق الناس أن تجريّ بينهما مناظرة، ليستفيدوا من علومهما وكان بينهم القُدُوري
وأبو إسحاق الشافعي، فأبدوا بحاجتهم إليهما، ولكنهما أشارا إلى القاضيين، فجرت المناظرةُ كما سردها في
الطبقات. والناظرُ يتعجب من أبحاثهما، فإنهما تكلما في المسألة بدون أهبة ولا سابقية خبر، ثم أفاضا بحورَ العلوم
ودرر المعاني، فلله ترُهما.

١٦٠
كتاب الإيمان
تِبْناً وماءً بارداً، واختار العلامة فيه التضمين، في ((حاشية الكشاف» وأنکر علیه ابن كمال باشا،
وقال: إنه وَهْمٌ توهم من عبارة ((الكشاف)).
والمعنى عندي: الذين جعلوا الإيمان مبوأهم، ومقعدهم، كأن الإيمان أحاط بهم،
وهؤلاء قاعدون فيه، كقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَهَرٍ ﴿ فِىِ مَفْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْنَدِرٍ
۵۵
[القمر: ٥٤، ٥٥] فالإيمان ظَرْفٌ، وهؤلاء مَظْرُوفُون، وهو كناية عن كمال دينهم، وفيه ترغيب
للمهاجرين بحبهم، ولذا جعله الحديث من علامة الإيمان وفيه تنبيه على أن حب أهل ود
الرجل، والخلص من أحبائه، أيضاً ضروري وإن كانوا أجانب، فإن حبَّ أقاربِ النبي ◌َّ مما
فُطِرَ عليه كل مسلم، يعلمه من فطرَتِهِ، أما حبُّ الأنصار الذين فدَوْه من أموالهم وأنفسهم،
لكونهم أجانب قد يَذهَل الذهنُ عن حبهم، فنبَّه على أن حبَّهم أيضاً من علامات الإيمان،
لكونهم حَلَّوا منه محلَّ أهلِ البيت من الرجل، وفي الحديث: ((من بر الولد إكرام أهل ود أبيه))
(بالمعنى).
١١ - باب
١٨ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِذْرِيسَ
عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عِنهَ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْراً وَهُوَ أَحَدُ
النُّقَبَاءِ لَيلَةَ العَقَبَةِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَيْهِ قَالَ - وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ : (بَايِعُونِي عَلَى
أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ
تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيَدِيَكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى
اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذلِكَ شَيئاً فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذلِكَ
شَيْئاً ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَّا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عاقَبَهُ»، فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذلِكَ.
[الحديث ١٨ - أطرافه فى: ٣٨٩٢، ٣٨٩٣، ٣٩٩٩، ٤٨٩٤، ٦٧٨٤، ٦٨٠١، ٦٨٧٣، ٧٠٥٥، ٧١٩٩،
٧٢١٣، ٧٤٦٨].
هذا بابٌ بلا ترجمة، وهو متعلقٌ بالأول، لأنه لما ذكر الأنصار أشار إلى سبب تلقُّبهم
بالأنصار، وإنما لم يترجم به لأنه بصدد أمورٍ الإيمان: وليس هذا من أمور الإيمان، فوضع
الباب وحذف الترجمة، وذكر فيه حديث بيعة العقبة، وفي قوله: ((بين أيديهن وأرجلهن))
إشكال، ولا يظهرُ وجه التخصيص في حق الرجال. قال الخطابي: معناه لا تبهتوا الناس كفاحاً
بعضكم يشاهد بعضاً، كما يقال: قلت كذا بين يدي فلان، وفيه وجوه أُخَر ذكروها في الشروح
((فعوقب في الدنيا فهو كفارة له)) استدل به من قال: إن الحدود كفارات.
بحثّ نفيسٌ في أنَّ الحدودَ كَفَّارَاتٌ أم لا؟
وفي هذه المسألة معركة للقوم، ولم يتحقق عندي ما مذهب الحنفية بعد؟ ففي عامة كُتُب
الأصول: أنها زواجر عندنا، وسواتر عند الشافعية. وفي ((الدر المختار)) تصريح بأن الحدود