النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كتاب الإيمان وهمزة الإفعال إذا دخلت على الفعل المتعدي، فإما أنْ يعديه إلى مفعولٍ ثانٍ، أو يجعله لازماً على معنى الصَّيرورة. فالأول، أي التَّصديق، منقولٌ من الأفعال المتعدية، يقال: آمنته فلاناً، أي جعلتُه آمناً منه، وآمَنْته غيري، أي جعلت غيري آمناً منه، وكلا المعنيين اللغويين، معنيان حقيقيان لِلَفظ الإيمان، وُضِعَ أولاً لجعل الشيء أمناً من أمر، ثم وُضِع ثانياً لمعنىً يناسبه وهو التَّصديق، فإنك إذا صَدَّقْتَ المخبر فقد أمنته من تكذيبِكَ إياه. وتعدِيتُهُ بالباء لتضمِينه معنى الاعتراف، فإنك إذا صدَّقت شيئاً فقد اعترفت به. والمعنى الثاني منقول من الأفعال اللازمة، بمعنى صار ذَا أمن، فيتعدى بالباء، ليقال: آمن به، أي وثِقَ به، لأن الواثِقَ بالشيء صار ذا أمنٍ منه، وحينئذٍ لا يحتاج إلى التَّضمين. وأضاف الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى على معناه اللغوي، فبدأ قيداً آخر، وقال: إن الإيمان اسم للتَّصديق بالمغيبات خاصة، ولا يطلق الإيمان على غير ذلك، فلا يقال: آمنت بذلك في جواب من قال: السماء فوقنا، ولذا قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ﴾ [البقرة: ٣]، فقيَّد الإيمانَ بالغيب، لأنه لا يتعلق إلَّا به، وقال: إن الإيمانَ هو تصديق السامِع للمخاطب، واثِقَاً بأمانته، ومعتمداً علی دیانته. وأصلُ الإيمان تبجيل الذاتِ وتعظيمها، ثم استعمل في التصديق مطلقاً، ويتعلق بالذوات والأخبار. فإن تَعَلَّقَ بالذات يُؤْتَى بالباء في صِلته، وإن تعلق بالأخبار فباللام لتضمينه معنى الإقرار، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي بمقر لنا، ولم يقولوا: بنا، هو أنهم لم يجعلوها كالأجزاء للإيمان، فإنهم قالوا: الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، فجعلوها مؤثرة في = نماء الإيمان وعدمه، لا أجزاء له وحينئذ لا يكون مسألة الزيادة والنقصان من تفريعات قولهم قول وعمل، ويكون الأعمال دخيلة في الزيادة والنقصان، لا داخلة في الإيمان. وقد صرح ابن تيمية (رحمه الله تعالى) بكون قولنا الإيمان لا يزيد ولا ينقص من بدعة الألفاظ، فكأنه لم يجد بداً من تسليم صحة مقالته (رحمه الله تعالى) فالصواب أن الكل على الحق، ولكل أطراف، وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً، ولكل وجهة هو موليها، والوجه: إنه من باب متقضيات الأحوال، وهل النسبة بين الأعمال والإيمان، كنسبة الأجزاء إلى الكل، والأسباب إلى المسبب؟ فهما نظران، قيل: بالأول: وقيل: بالثاني، ثم بدا لي أن نسبة الأعمال إلى الإيمان ليس كنسبة المكمل إلى المكمل أيضاً، كما هو المنسوب إلى الحنفية، ولا كنسبة الأجزاء إلى الكل، كما هو مذهب المحدثين، بل هو كنسبة الفرع إلى الأصل وهي كونه نابتاً عنه ويشهد له القرآن (أصلها ثابت وفرعها في السماء) ولعل تعبير الأعمال بالشعب في حديث الصحيحين نظراً إلى فرعيتها، لا لجزئيتها، واعلم أن مسألة عدم الزيادة والنقصان لم أجدها مروية عن أبي حنيفة (رحمه الله تعالى) غير أن ابن عبد البر نسبها إليه في التمهيد وأثبت شيء في عقائد الإمام الأعظم (رحمه الله تعالى) وصاحبيه عقيدة الطحاوي وفيه ما يدل على أن الإمام (رحمه الله تعالى) إنما ينفي الزيادة في مرتبة محفوظة بحيث لو انحط عنه لزال اسم الإيمان، وأما فيما بعده فيقول بهما وروى الزبيدي في شرح الإحياء عن أبي حنيفة (رحمه الله تعالى) الزيادة فيه مع نفي النقصان وهو يرجع إلى ما قاله الطحاوي والله أعلم. فدونك بطاقة حاوية محتوية، كافية كفيلة، جميلة جليلة، جزيلة وجيزة، غير طويلة في باب الإيمان. ١٢٢ كتاب الإيمان لأن المرادَ التصديقُ بخبرهم دونَ ذَوَاتِهِم، وفي خلافه يكون التَّضمين، ولم نجد تعديتُهُ بعلى إلا ما عند مسلم: (ما مِنْ نبيٍّ إلا أوتِي من الآيات ما مثلُّهُ آمن عليه البشرُ) أي آمن معتمداً عليه البشر. ثم الكفر لغةً: الستر وجَحْدُ النِّعمة وتناسيها، وحينئذٍ لم يبق التقابل بين الإيمان والكفر لغة إلا باعتبار اللازم، فإنّ جحود النعمةِ والتناسي لا يجتمع مع التَّصديق بأحد، وتصديقه لا يجتمع معه جحود نعمتِهِ، وأما ضِدُّه الصريح فهو الخيانة، كما أن ضِدُّ الكفر هو الشكر. ثم ههنا ألفاظ ينبغي الفرق بينها فالعلم "دانستن " والتصديق إن كان صفة القضية فمعناه: "راست داشتن" وإن كان صفة القائل فمعناه: "راست كوداشتن وباوركردن " والمعرفة "شناختن" واليقين إزاحة الشَّكِ وتحقيق الأمر، والفِكْر "انديشيدن " والفهم "فهيمدن" فهذه ألفاظ ميزها أهلُ اللغة أي تمييز، فَرَاعِها تغنيك عن حدودِهِم الطويلة . الإيمانُ وتَفْسِيرُهُ عند الشَّرْعِ قال عامة الفقهاء والمتكلمين: إن الإيمان تصديق بأمور مخصوصة عُلِم كونُها من الدين ضرورة. فلنتكلم أولاً على معنى التَّصديق وما يتعلق به، ثم لنبحث عن معنى الضرورة فالتَّصديق هو الإذعان عند الحكماء، وهو إما إدراك أو من لواحق الإدراك، والحق عندي هو الثاني ثم التَّصديق قد يجتمع مع الجُحود أيضاً وهو كفرٌ قطعاً قال تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنْهَاَ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وقال تعالى أيضاً: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِةٍ﴾ [البقرة: ٨٩] فانظر كيف اجتمع اليقين والإذعان، والمعرفة مع الجحود !! فيلزمُ على التعريفِ المذكورِ أن يجتمع الإيمان مع الجحود، واللّزمُ باطلٌ، ولذا جعل الفقهاء الإقرارُ شرطاً للإيمان، لإخراج تصديق الجاحدين، فإن الجاحد لا يُقر بلسانه البتة، ومن أقر باللسان لا يمكن منه الجحود، فكأنهم فهموا أن الإقرار مقابلٌ للجحودِ فجعلوه شرطاً، أو شطراً، احترازاً عن مثل هذا اليقين والمعرفة. وحينئذٍ فالجواب عندهم: إن هؤلاء وإن كانوا مستيقنين به، لكنهم لم يكونوا يقرُّون بألسنتهم، بل كانوا يجحدون، فلم يعتبر تصديقهم، ولم يُحكم عليهم بالإيمان، لأن التصديق المعتبر ما كان مع الإقرار باللسان ولم يوجد، وهو الفاصل في الباب. واختلف فيه صدر الشريعة رحمه الله تعالى، والعلامة التَّفْتَازَاني رحمه الله تعالى، فقال صدر الشريعة رحمه الله تعالى: إن التصديق المنطقي أعم من الاختياري والاضطراري، والمعتبر في الإيمان هو الاختياري فقط؛ لأن الإيمان مُثَاب عليه، والثواب لا يترتب إلا على فِعله الاختياري، فما هو معتبر في باب الإيمان ليس بجامع مع الجحود، وما هو بجامع معه ليس بمعتبر في الإيمان، وكأنه فَهِمَ أن الرجل إذا صدّق أحدًاً عن اختياره وطوعه، بدون إكراه مُكْرِهِ، لا يتمكّن على الجحود. والذي يجحدُ به لا يُمكنه التَّصديق عن اختياره. نحو أن يقعَ بصرَكُ على الجدار، ويحصلُ لك الإذعان بوجوده اضطراراً، فهذا النوع من اليقين يمكن أن يجامع الجحود، فإنه ليس من فعله، بخلاف ما صدر عن اختياره، فإنه فعله، والظاهر أنه إذا ١٢٣ كتاب الإيمان فعل فعلاً عن اختياره لا يفعل نقيضه إلا أن يكون به جِنَّة، أو يكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً . وادعى التفتازاني أن تلك المعرفة الحقة اليقينية المجامعة مع الجحود ليست بتصديق، بل هي من التصورات والتصديق اسمٌ لليقين المجامع مع التسليم، فكأنه أخرجَ تصديقَ الجاحدين عن مُسَمَّى التصديق ومتناولاته رأساً، وحينئذٍ ساغَ له أن يقول: إن المعتبر في الإيمان هو التصديق، وما وُجِد منهم هو اليقين المجامع مع الجحود، وهو تصورٌ وليس بمعتبر في الإيمان، وكأنه فَهِمَ أن التّصديق إذا قارنه التسليم لا يكون إلا اختياراً. وحينئذٍ فالتصديق عنده مساوٍ للإيمان، بخلافه على الأول، فإنه كان أعم من الإيمان. والذي يظهر عندي أن الصواب مع صدر الشريعة، فإن أرباب المعقول لعلهم لا يحكمون على تلك المعرفة اليقينية بكونها تصوراً، والظاهر أنها تصديق عندهم ثم العجب من صدر الشريعة كل العجب حيث اعترض على شيخ التسليم في ((باب الزكاة)) من ((شرح الوقاية)» بقوله: فانظر إلى هذا الذي أدرج ركناً زائداً في الإيمان ... إلخ كيف، مع أن صدر الشريعة أيضاً قيدَ التصديقَ بالاختياري، وهذا الاختياري ليس أمراً وراء التسليم، على أنه مصرحٌ به في القرآن أيضاً: ﴿فَلَ وَرَيْكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا ◌ِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ ◌َسَلِيمًا (2)﴾ [النساء: ٦٥] فهذا التسليم هو الذي أضافه الشيخ رحمه الله، فلم يكن أمراً زائداً، كما ألزمه صدر الشريعة. والحاصل: أن الفقهاء رحمهم الله شرطوا الإقرار لإخراج مثل هذا التصديق عن مُسمّى الإيمان. والشيخ الهروي: التسليم. وصدر الشريعة وإن عَمَّم التصديق أولاً، لكنه خصصه آخراً، وأراد منه الاختياري فقط، والتفتازاني خصصه من أول الأمر، وأخرجه عن مُسمّى التصديق ابتداءً، فلم يحتج إلى التخصيص، فالبيت واحدٌ وتلك أبوابه فأته من أيها شئت، ولعلك علمت مما ذكرنا مرامى الفقهاء والعلماء، وأنهم لماذا يختلفون في العبارات وماذا یریدون منها . ثم رأيتُ حكايةً في ((الفتح)) عن أحمد رحمه الله تعالى لا أرى في نقلها بأساً، وأريد أن أنبه على ما استفدت منها. قال أحمد رحمه الله: بلغني أن أبا حنيفة رحمه الله يقول: إن الإسلام يهدم ما كان قبله، وكيف يكون هذا مع أنه رُوي عن ابن مسعود في الصحيحين، أن المرء إذا أسلم فأحسن في إسلامه، فهو كفارة له، وإلا فيؤخَذُ بالأول والآخر، فإنه يدل على أن الإسلامَ لا يهدم ما كان قبله مطلقاً، بل تبقى عليه المؤاخذة بعده أيضاً. واستفدت منه أن الإيمان عند أحمد رحمه الله كالتوبة الكلية، وهي عزمٌ على الإقلاع عن المعصية فيما يأتي، فمن أحسن بعد إسلامه، فقد صحت توبتُهُ وصار إسلامه كفارةً له، ومن أساء بعده ولم يقلع عن المعصية لم تصح توبته، فيؤخذ بالأول والآخر، وإذا كان الإسلام عنده كالتوبة، يكون وسيلة للأعمال، والأعمال مقصودة، فإنها المقصودة من التوبة، وإليه يشير ما نُقل عنه، أن الإيمان ١٢٤ كتاب الإيمان معاقدةٌ على الأعمال(١)، أي أنه عقدٌ على التزام الطاعات على نفسه، والعقد يكون وسيلةً للمعقودِ علیه . والإمام الهمام رحمه الله تعالى جعله من أكبرِ الأعمال وأساسها، ومقصوداً لذاته غير وسيلة لشيء. ثم لا اعتراض عليه بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فإنه إن كان عند أحمد رحمه الله حديث ابن مسعود رضي الله عنه، فعنده أيضاً حديث صريح عند مسلم: ((إن الإسلام يَهدِمُ ما كان قَبْلَه)) فلو كان عند أحمد رحمه الله محمل لحديث الهدم، فيمكن أن يكون عند الإمام الأعظم رحمه الله أيضاً محملٌ لحديثه. والله تعالى أعلم. بحث في معنى الإِقْرار (٢) وأخْتُلِفَ في الإقرار، فقال المرجئة: إن الإقرار ليس بشطرٍ ولا شرطٍ للإيمان، فالتصديق (١) ثمَّ تفصيل كون الإيمان عند أحمد رحمه الله تعالى عقداً: أن الإيمان عند أحمد رحمه الله اسم للبيعة من النبي ◌َّر على الإتيان بجميع ما يأمره به والترك بجميع ما ينهاه عنه، والبيعة أمر واحد تنسحب على مجموع ذلك، فلما خالف الشرع وأتى بما لم يكن له أن يأتيَ به فقد خالف بيعته، فانتقض إيمانُه لا محالة، فأحمد رحمه الله تعالى ذهب إلى الزيادة والنقصان في الإيمان مع كون الإيمان شيئاً واحداً عنده أما المحدثون فجعلوه أموراً، ثم قالوا بالزيادة والنقصان. والإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى جعل الإيمان أمراً مستقلاً برأسه مفرزاً عن الأعمال، ولذا لو انتقص في الأعمال لم ينتقص منه إيمان، فإن الإيمان أمر على حدة عنده. ونظيره أن مَلِكاً مسلماً عاهد ملكاً من الملوك على أمور وصالحه عليها، فإن وفّى به فهو على عهده، وإلا فهو غادر، قد نقض العهد والصلح. وهذا على نظر أحمد رحمه الله، وأما على نظر إمامنا، فالمَلِك المعاهد صار بمنزلة الرَّعية للمسلم، والرعيةُ تبقى رعية وإن فسقت، فلما كان الإيمان كالبيعةِ من النبيِ وَلّ، صارَ الفاسقُ كالباغي عند أحمد رحمه الله، فانتقض عهده وانتقص إيمانه لا مَحَالة. وعندنا هو بمنزلة الرَّعية، فاستحق العِقاب والعُقوبة، ولم يُوجِبُ ذلك نقصاناً في أصل إيمانه. ولذا لم يرد الشرعُ بخلود الفاسق، فالنزاع في الأصل ما ذكرنا: أي أن الإيمان أصل واحد كما يقول إمامنا رحمه الله تعالى، أو أمور متعددة كما يقوله المحدثون، ثم إنه كالبيعة كما هو نظر أحمد رحمه الله، أولاً كما هو نظر إمامنا رحمه الله، وليس نزاعاً لفظياً كما قالوا. ثم إن مَثَلَ الكافر عند أحمد رحمه الله إذا أسلم فاقتحم المعاصي، كمثل المعاهد الغادر، فيؤخذ بالأول والآخر. وعندنا هو كرجل دخل في رعية سلطان، فإن ارتكب الجرائم يُعاقبُ عليها، ولكن لا يُعدّ باغياً وناقضاً للعهد. وهذا معنى الزيادة والنقصان، ومعنى البيعة عند أحمد رحمه الله، وعدمها عند إمامنا رحمه الله. والأصوب ما ذكره الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى كما علمت. هكذا فَهِمنَاه من بعض تقارير الشيخ رحمه الله تعالى. قال الشيخ بدر الدين العيني رحمه الله تعالى: اختلفوا في الإقرار أنه ركن للإيمان أم شرط له في حق إجراء (٢) الأحكام؟ قال بعضهم: إنه شرط، فمن صَدَّق فهو مؤمن بينه وبين الله تعالى وإن لم يقر بلسانه. قال النَّسفي رحمه الله تعالى: هو المروي عن أبي حنيفة رحمه الله، وإليه ذهب الأشعري رحمه الله في أصح الروايتين. وهو قول أبي منصور الماتريدي رحمه الله تعالى. وقال بعضهم: هو ركن، لكنه ليس بأصلي له، كالتصديق، بل هو ركنٌ زائد، ولهذا يسقط حالة الإكراه والعجز. وقال فخر الإسلام إن كونه ركناً زائداً مذهب الفقهاء، وكونه شرطاً لإجراء الأحكام مذهب المتكلمين. والمحدثون قالوا: إن الإيمان فعل القلب واللسان مع سائر الجوارح. انتهى بتغيير يسير عمدة القاري ينظر ص ١٢١ ج١. ١٢٥ كتاب الإيمان وحده يكفي للنجاة عندهم، حتى اشتهر القول عنهم: بأنه لا تضرُ مع الإيمان معصية. وعلى خلافهم الكرَّامية، فإنهم زعموا أن الإقرار باللسان يكفي للنجاة، سواءٌ وُجِدَ التصديق أم لا ، فكأنهما على طرفي نقيض. وعندنا لا بد من الإقرار أيضاً، إما شطراً أو شرطاً . قال التفتازاني: إن الإقرار لو كان شرطاً لإجراء الأحكام فلا بد أن يكون على وجه الإعلان والإظهار للإمام وغيره من أهل الإسلام، وإن كان لإتمام الإيمان، فإنه يكفي مجرد التكلم به وإن لم يظهر على غيره. ومن جعل الإقرار ركناً كالتصديق فرّق بينهما بكون التصديق لا يحتملُ السقوطَ في حال، بخلاف الإقرار، فإنه يسقطُ عند الأعذار. وفي ((المسايرة)) وجَعْلُ الإقرار بالشهادتين ركناً من الإيمان هو الاحتياط بالنسبة إلى جعله شرطاً خارجاً عن حقيقة الإيمان. ثم إنه شرطاً كان أو شطراً، لا بد منه عند المطالبة عند الكل، فإن طُولِبَ به ولم يُقْر، فهو كافر كفر عناد، وهو معنى ما قالوا: إنّ تَرْك العناد شرطٌ في الإيمان. كذا صرح به ابن الهمام رحمه الله. تنبيه: وههنا إشكالٌ يردُ على الفقهاءِ والمتكلمين وهو أن بعضَ أفعال الكفر قد توجد من المُصدِّق، كالسجود للصنم والاستخفاف بالمصحف، فإن قلنا: إنه كافر، ناقض قولنا: إن الإيمان هو التصديق. ومعلومٌ أنه بهذه الأفعال لم ينسلخ عن التصديق، فكيف يُحْكم عليه بالكفر؟ وإن قلنا: إنه مسلم، فذلك خلافُ الإجماع. وأجاب عنه الكَسْتَلِّي تبعاً للجُرْجَاني: أنه كافر قضاءً، ومسلم دِيَانَة. وهذا الجواب باطلٌ مما لا يُصْغى إليه، فإنه كافر دِيَانة وقضاءً قطعاً، فالحق في الجواب ما ذكره ابن الهمام رحمه الله تعالى، وحاصله: أن بعض الأفعال تقوم مَقَّام الجحود، نحو العلائم المختصة بالكفر، وإنما يجب فى الإيمان التبرؤ عن مثلها أيضاً، كما يجب التبرؤ عن نفس الكفر. ولذا قال تعالى: ﴿لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرَّتُم بَعْدَ إِبِمَنِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]، في جواب قولهم: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبٌ﴾ [التوبة: ٦٥]، لم يقل: إنكم كذبتم في قولكم، بل أخبرهم بأنهم بهذا اللعب والخوض اللذين من أخصِّ علائم الكفر خلعوا رِبْقَةَ الإسلام عن أعناقهم، وخرجوا عن حِمَاهُ إلى الكفر، فدل على أنّ مثلَ تلك الأفعال إذا وجدت في رجلٍ يُحكم عليه بالكفر، ولا يُنظر إلى تصديقه في قلبه، ولا يلتفت إلى أنها كانت منه خوضاً وهزاً فقط، أو كانت عقيدة. ومن ههنا تسمعهم يقولون: إن التأويل في ضروريات الدين غيرَ مقبول، وذلك لأن التأويلَ فيها يُساوِق الجحود وبالجملة: إن التصديق المجامع مع أخصِّ أفعال الكفر، لم يعتبره الشرع تصديقاً، فمن أتى بالأفعال المذكورة فكأنه فاقدٌ للتصديق عنده وأوضحه الجصَّاص، فراجعه. المحورُ الذي يدورُ عليه الإيمان وإذ قد علمت أن التَّصديقَ والتسليمَ والمعرفةَ واليقينَ كلُّها يُجَامِعُ الجحود، فلا بد من تفسير يتميز به الكفرُ من الإيمان. كيف وهذا القرآن يشهدُ بمعرفة الكفار، قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمَّ﴾ [البقرة: ١٤٦] وهذا أبو طالب يُقِرُ بنبوتِهِ ونباهته وَُّ ويُعْلِنُ بها في أبياته، حتى دارت وسارتْ، فيقول: ... ١٢٦ كتاب الإيمان وصدقت فيه وكنت ثَمّ أمِينا ودعوتَني وزعمتَ أَنَّكَ صادِق من خيرِ أديانِ البَرِيَّةِ دِينا وعرفتُ دينَك لا محالةَ أنه لوجدتَّني سمحاً بذاك مُبِينا لولا الملامةُ أو حَذَارِ مَسَبَّةٍ وهذا هرقل عظيم الروم يقول: لو أني أعلم أني أَخْلُصُ إليه لتجَشَّمْتُ لقاءه، ولو كنت عنده لغَسَلْتُ عن قدميه، وفي ((فتح الباري)): عن مرسل ابن إسحق عن بعض أهل العلم: أن هرقل قال: ويحك، والله إني لأَعْلَمُ أنه نبيٌ مرسل، ولكني أخاف الرومَ على نفسي، ولولا ذلك لا تَّبعتُهُ. فهل تريدُ من التصديق أمراً وراء ذلك؟ فلما وُجِد منهم التصديقُ والتسليمُ والإقرارُ بهذه المثابة، وَجَبَ على التعريفِ المذكورِ أن يُحْكم عليهم بالإسلام، مع اتفاقهم على كونهم كافرين. فأقول: إنّ الجزءَ الذي يمتاز به الإيمان والكفر، هو التزام الطاعة (١) مع الردع والتبري عن دين سواه، فإذا التزم الطاعة فقد خرجَ عن ضلالة الكفر ودخل في هَدْي الإسلام. وحينئذٍ تبين لك وجه كفر هؤلاء الكفرة مع تصديقهم ومعرفتهم، وذلك لأن أبا طالب وإن أعلن بحقية دينه، إلّا أنه لم يلتزم طاعته، ولم يدخل في دينه، ولذا قال: لولا الملامة أو حذار مسبة .... إلخ، فآثر النار على العار. وهكذا هِرَقل، وإن تمنى لقاءه وَبِجَّلَه وعظمه بظهر الغيب، لكنه خشي الرومَ أشدَّ خشية، فلم يلتزم طاعته. وكذلك حال الكفار الذين أخبر الله سبحانه عن معرفتهم، فإنهم مع معرفتهم الحقَ، صفحوا عن كلمة الحق، ولم يَدِينُوا بدين الإسلام. ولذا أقول: إن الإيمان من الإرادات وترجمته في الهندية (ماننا) فهذا هو الصواب في تفسيره، فقد نقل الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى الإجماعَ على كون هذا الجزء مما لا بد منه في باب الإيمان، وحينئذٍ ينبغي أن يراد من الإقرار في قول الفقهاء: الإقرار بالتزام الطاعة. وإن كان المراد منه الإقرار بالشهادتين كما هو المشهور، يبقى الإشكال. ثم إنهم اكتفَوا بِذكر هذه الأشياء، وفسروا بها الإيمان، لأن الإيمانَ بعد تحقَّقِها يتحققُ في أكثر المواد، وإن تخلّف عنها في بعض، فبالنظر إلى مواد الاجتماع، جعلت كاللوازم المساوية له. وزعم أنها عين الإيمان، ثم إذا أمعنتَ النظرَ في مادة الافتراق وعلمت أنها ليسَت بإيمان ولا لوازمَ مساوية له، وجب عليك أن تطلبَ أنَّ حقيقةً الإيمانِ ماذا؟ فهذا الذي نبهناك عليه، هو حقيقة الإيمان، وذلك وإنْ لم يقرع سمعُكَ، لكنه هو الصواب إن شاء الله تعالى، فإن هذا الجزء لا یجامعُ الكفر بأنواعه، أي نوع کان. (١) قلت: ومحصل البحث أنّ الإيمان هو الاعتمادَ والوثوقَ بالرسول في كل ما جاء به علماً وعملاً، ومن ههنا قال النبي ◌َّلَر: ((لا إيمان لمن لا أمانة له)). فإن الأمانةَ أيضاً عبارة عن وصف به يعتَمِدُ الناس، وبه يثقون على أحد، فمن لا تكون فيه تلك الصفة فيما بينه وبين العباد، كيف يحصل له الإيمان، وهو صفة الاعتماد فيما بينه وبين الله ورسوله؟ فعمدةُ الإيمان هو الوثوق والاعتماد على الرسول، ولذا قالوا: إن رجلاً لو أذعن بكل الشرائع، بَيْدَ أنه لا يعتمد على الرسول - ولكنه حققها من عند نفسه كسائر التحقيق - فهو كافر قطعاً، نعم، إذا وثق بالرسول أذعن معتمداً عليه، فذلك هو الإيمان. وهذا هو وجه الاشتراك بين الأمانة والإيمان، فافهم. ١٢٧ كتاب الإيمان ونُقِل عن إمام الحرمين رحمه الله تعالى وعن الأشعري رحمه الله تعالى أيضاً كما في ((المسايرة)): أنّ الإيمانَ كلامٌ نفسيٍّ، وكأنهم أرادوا به: أن القلب إذا تكلَّمَ بكلمة الشهادةِ وأذعن بها فقد تم الإيمان، لأنه لا يمكن منه الجحود بعده، بخلاف الإقرار باللسان، فإنه يمكن الجحود بعده أيضاً. فالإيمان على هذا التقدير ليس عِلماً من العلوم، بل قول من أقوال القلب. فقول القلب تصديقٌ وإيمان عندهم، وقول اللسان إقرار. ويمكن أن يُحْمَل عليه قول مَنْ قال: إن الإيمانَ قولٌ وعملٌ. ولست أريدُ أنّه مراد البخاري رحمه الله تعالى أو المحدثين، بل أريدُ أن له وجهاً أيضاً. وأما ما نُقل عن(١) إمامنا رحمه الله تعالى: أن الإيمان معرفة. فالمراد منه المعرفةُ المصطلحةُ عند الصوفية رحمهم الله تعالى، وهي التي تحدثُ بعد الرياضات، وهي الإيمان الكامل. وتلك لا تجامِعُ الجحود أصلاً، بل قلما توجد في قلوب عامة المسلمين، وليس المرادُ منها المعرفة اللغوية ونحوه. نُقل عن علي رضي الله عنه وأحمد رحمه الله: أن الإيمان معرفةٌ بالقلب، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ بالأركان. وأما ما شَرَطَه جَهْمٌ، فقد ردّ عليه إمامنا رحمه الله، كما نقله أصحابنا، فالمراد من المعرفة ما يستوجب العمل، لا التي تجامع الجحود أيضاً، وهي التي تراد في مواضع المدح، وهي التي من الأحوال والأعمال. أما الإيمان أو المعرفة إذا أطلق على غير هذا مما لا يكون معتبراً، فيُخْترسُ هناك ولا يُتركُ بدون تنبيه. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨] فنَّه أن إيمانهم غير معتبرٍ. ثم اعلم أنه أطلق في ((الإحياء)) الحال على الإيمان. أقول: والأولى لفظ العمل، لأن العمل في اللغة يختص بالاختياري وأما ما يقال: ((مات زيد))، فمات فعلٌ، فهو اصطلاحُ النُّحاة. وأما أهل اللغة فلا يُسمُّونَه فعلاً، وإنما الفعلُ عندهم ما يصدر عن اختيار، فالإيمان فعلٌ اختياري، ولا بُدٌّ، فإن المرء لا يُثاب إلا على ما فعله من اختياره، بخلاف الحال، فإنه يُنبىءُ عن عدم الاختيار، ثم له وجه أيضاً، فإن الإيمان وإن كان عملاً في الابتداء، لكنه بعد الرسوخ يصيرُ حالاً غير اختياري، فإطلاق الحال عليه أيضاً صحيحٌ بنحو من الاعتبار. وعن أحمد رحمه الله: أنه معاقدةٌ على الأعمال، أي الإيمان عقدٌ، على أنه التزامٌ بأداءٍ جميع الأعمال على نفسه. أقول: وحينئذٍ يكون الإيمان كالوسيلة، والأعمال مقصودة، فإن العقد (١) نقله الإمام الحارثي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وأورد عليه الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن الإيمان كيف يكون معرفة، مع أنها حاصلةٌ للكفار أيضاً؟ ثم لما رُوي ذلك عن أحمد رحمه الله تعالى أيضاً، جعل يؤوِّل فيه ويطلبُ له محامل. قلت: ليته فَعَلَ مثله في مَقُولةٍ الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أيضاً واعلم أن («المسند» للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى لم يجمعه هو بنفسه، بل جمعَه بعض الأئمة بعده، ويبلغ إلى خمسة عشر. وأحدُ جامعيه هو هذا الحارثي. انتهى. هذا تقريب ما في تقرير الفاضل عبد القدير الكاملفودي مع تهذيب. ١٢٨ كتاب الإيمان وسيلةٌ، والمقصودُ هو المعقود عليه، مع أن الإيمانَ من أسنى المقاصد، وبعد اللُّتيا والتي أن الإيمان تصديقاً اختيارياً كان، أو معه تسليم، كلاماً نفسياً كان، أو معرفة، أو معاقدة، لا ينفك عن هذا الالتزام، والطاعة له رَّ في جميع ما جاء به. فأما أن يراد بألفاظهم هذا، أو يُزادُ عليها هذا الجزء. بقي إصلاح الاصطلاحات والألفاظ، فهذا أمر نَكِلُهُ إليك، ولسنا بصدده بعد وضوح حقيقة الحال. والله تعالى أعلم وعلمه أتم. المَعْرِفَةُ شرطٌ في الإيمان أم لا؟ فالمشهور عن الأئمة الأربعة رحمهم الله: أنها ليست بشرط، بخلاف المعتزلة فإنها شرط عندهم، ومعناه عندهم: أن يكون عنده من الدلائل على التوحيد والرسالة ما يوجب اليقين، بحيث لا يزولُ بتشكيكِ المشكِّك، ويجبُ عند أئمتنا اليقين، ولا يجب سُنُوحُ الدلائل معه، وهو الحق، فإنه يُعلم من الصحيحين العبرةُ بإسلام رجالٍ أسلموا في الحروب والسيوف تلمع عليهم. وكذلك أمرنا أنْ نَكُفَّ سيوفنا عمن قال: لا إله إلا الله، لأنه دليل صادق على رضائه بالإسلام، والترك لدينه، وحسابُهُم على الله، وأين تحضرهم الدلائل في هذا الحين. وهذا معنى ما يقال: إن إيمانَ المقلدُ معتبرٌ عندنا، فمن آمن تقليداً وأذعن به قلبه، فإنه مؤمنٌ وإن لم يكن عنده دليل على ذلك، بخلاف المعتزلةِ وزعم بعض السفهاء: أن الاختلافَ في عبرةٍ إيمان مقلدي الأئمة رحمهم الله تعالى وعدمها، وهو حمقٌ، والصواب ما علمت. والحاصل: أنّ أولَ الواجبات عند المعتزلة: هو المعرفة، ثم الإيمان. وعندنا: الإيمان، هو أول الواجب، وليست تلك المعرفة شرطاً أصلاً، ثم رأيتُ، في ((جمع الجوامع)): أن لو حصل لرجل ظن، ولم يكن عنده اعتقادٌ جازمٌ، فهو أيضاً كاف لإيمانه، بشرط أن لا يخطر الكفرُ في قلبه، ولا يوسوس به صدرُهُ، ولا تترددُ فيه نفسُه. قول وعمل وفي عامّة نُسخ البخاري: قولٌ وفعلٌ، ولا أعلم وجهَه. ولفظ السَّلف: الإيمان: اسم للاعتقاد والقول والعمل، فلا أدري ما وجه تغييرِهِ عُنوان السلف، ووضعُ الفعل بدل العمل، مع أن الأظهرَ هو العمل. ولما أراد البخاري من القول ما يوافقُ الباطنَ اندرج الاعتقاد تحته. ولذا حذفه من مقولتهم. فالإيمان عند السلف عبارة عن ثلاثة أشياء: اعتقاد، وقول، وعمل. وقد مر الكلام على الأولين: أي التصديق، والإقرار، بقي العمل، هل هو جزءٌ للإيمان أم لا؟ فالمذاهب فيه أربعة : قال الخوارج والمعتزلة: إن الأعمال أجزاءٌ للإيمان، فالتارك للعمل خارج عن الإيمان عندهما. ثم اختلفوا، فالخوارجُ أخرجوه عن الإيمان، وأدخلوه في الكفر، والمعتزلةُ لم يدخلوه في الكفر. بل قالوا بالمنزلة بين المنزلتين. والثالث: مذهب المرجئة فقالوا: لا حاجة إلى العمل، ومدار النّجاة هو التصديق فقط. فصار الأوَّلونَ والمرجئة على طرفي نقيض. ١٢٩ كتاب الإيمان والرابع: مذهب أهل السنة والجماعة وهم بين بين، فقالوا: إن الأعمال أيضاً لا بد منها، لكنّ تَارِكها مُفَسَّقٌ لا مُكَفَّر. فلم يُشددوا فيها كالخوارج، والمعتزلة، ولم يهوِّنوا أمرها كالمرجئة. ثم هؤلاء افترقوا فرقتين، فأكثر المُحدِّثين إلى أن الإيمانَ مركبٌ من الأعمال. وإمامنا الأعظم رحمه الله تعالى وأكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أن الأعمال غير داخل في الإيمان، مع اتفاقهم على أن فاقدَ التَّصديق كافرٌ، وفاقدَ العمل فاسقٌ، فلم يبق الخلاف إلا في التعبير. فإن السلف وإن جعلوا الأعمال أجزاء، لكن لا بحيثُ ينعدمُ الكل بانعدامِهَا، بل يبقى الإيمان مع انتفائها . وإمامنا وإن لم يجعل الأعمال جزءاً، لكنه اهتم بها وحرَّضَ عليها، وجعلها أسباباً سارية في نماء الإيمان، فلم يهدُرها هَدْر المرجئة، إلا أن تعبيرَ المُحدِّثين القائلين بجزئية الأعمال، لما كان أبعد من المرجئة المنكرين جزئية الأعمال، بخلاف تعبير إمامنا الأعظم رحمه الله تعالى، فإنه كان أقرب إليهم من حيث نفي جزئية الأعمال، رمي الحنفية بالإرجاء. وهذا كما ترى جور علينا فالله المستعان. ولو كان الاشتراك بوجه من الوجوه التعبيرية كافياً لنسبة الإرجاء إلينا، لزم نسبة الاعتزال إليهم، فإنهم قائلون: بجزئية الأعمال أيضاً كالمحدثين، ولكن حاشاهم والاعتزال، وعفا الله عمن تعصب ونسب إلينا الإرجاء، فإن الدين نُصْحٌ كله، لا مُرَامَاة ومُنابذة بالألقاب. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. تعدد الاصطلاح في الإرجاء صرح الشَّهرستاني في ((الملل والنِّحل)) على تعدد الاصطلاح فيه، وقال: إن المرجئة على قسمين : مرجئة أهل البدعة، وهم الذين أهملوا الأعمال وزعموا التَّصديق كافياً للنجاة، فلا يضر عندهم مع الإيمان معصية. والثاني: مرجئة أهل السنة، وهم المنكرونَ جُزئيتها، مع شَغفِهم بالأعمال والأوامر من حيث الائتمار، والنواهي من حيث الاجتناب. وعُدّ الحنفية من القسم الثاني. وفي عقائد الحافظ فضل الله التُّوْرِشْتي رحمه الله تعالى: عندي أن المرجئة(١) هم الذين قالوا: إنه لا اختيار للعبد، والتوربشتي هذا حنفيُ متقدِّم على الرازي رحمه الله تعالى، وكتابه هذا أجودَ من ((شرح المقاصد)) وغيره. فليس النزاعُ بين الأئمة إلا في كون الإيمان مجموع الأجزاء، أو التصديق فقط. أما كون الأعمال واجبة، فلا اختلاف بينهم في ذلك. (١) قلت: وأخرج الترمذي في أبواب القدر عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ الر: ((صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيبٌ: المرجِئَةُ والقَدَرية)). اهـ. قال ابن ملك: المرجئة هم الذين يقولون الأفعال كلها بتقدير الله تعالى، وليس للعباد فيها اختيار، فإنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. كذا في اللمعات. ١٣٠ كتاب الإيمان شَرْحُ قَوْلِهِم: قَوْلٌ وَعَمَلٌ فلنشرح أولاً مراد السلف، ولنكشف الغطاء عن قولهم: الإيمان: قول وعمل، ثم لنبحث أن الأعمال هل تصلح لجزئية الإيمان أم لا؟ فاعلم أن قولهم هذا ليس نصاً في الجزئية كما فهموا، لأنه ليس من لفظ السلف أن الأعمالَ أجزاءٌ للإيمان، بل لفظهم: ((قول وعمل)) وهو يحتملُ شروحاً يصدقُ بعضها على مذهبنا أيضاً، بل هو أولى الشروح كما ستعرف. الأول: ما فهمه عامةُ الناقلين وأرباب التصانيف، وهو أن الإيمانَ مركبٌ من القول أي الشهادتين والعمل، وهذا الشرحُ دائرٌ فيما بينهم. والإيمان على هذا الشرح ذا أجزاء كالجدار واللُّبِنات. ثم إنهم قالوا: إن المُخلَ بالتصديق فقط مع القول الظاهر، منافقٌ، والمخلُ بالتصديق والقول كافرٌ مجاهِرٌ، والمخلُ بالعمل فقط فاسقٌ. وحكمه: أنه لا يخلدُ في النار، ففرقوا بين جزء وجزء فبانتفاء البعض حكموا بانتفاء الكل، كالتصديق، وبانتفاء بعض آخر لم يحكموا بانتفاء الكل، كالعمل. واستشكله الرَّازي وقال: إن الأجزاء كلها متساوية الأقدام في أن انتفاءَ بعضها أي بعض كان - يستلزمُ انتفاءَ الكل قطعاً، ولا نتعقَّلُ فرقاً بين جُزء وجزء. وأجابوا عنه بأجوبةٍ كلها مشي على القواعدِ وغَفْلةٍ عن الحقائق. فقال قائل: إن الأجزاءَ على قسمين: حقيقةٌ، وعُرفيةٌ. وبانتفاء الأول ينتفي الكل، بخلافٍ الثاني. والعمل من الثاني دون الأول، وحولَهُ تَحُومُ أجوبة أخرى. والحق في الجواب: إن المجموعَ المركبَ من الأجزاء لا يلزمُ من زوالٍ بعض أجزائه انعدامُ هذا المركب أيضاً. نعم، تزول تلك الهيئة السابقة، لكن لا يقتضي التباينُ بينها وبين اللاحقة، وذلك كالإنسان مثلاً، فإذا أصابت بعض أعضائه عاهة، لم يخرج عن كونه إنساناً، نعم يقال من حيث الصورة: إنه إنسان ناقص، فإذا زاد النقصُ ربما خرجَ عن تسميته إنساناً ظاهراً، بل لا أجد أحداً من الأشياء يزولُ اسمه بزوال جُزء منه. نعم، ههنا مجال للنظر، فمن أهلكَ الحرثَ والنَّسل وفعلَ كلَّ مُنكَر، ولم يأت بخير ما، فلا علينا أن لا يُسمّى بأشرف أسماءِ الأمة. فإن قيل: فما مِقْدَارُ الطاعات التي يَخْرُجُ بتركها من الإيمان؟ قلنا: عِلمُها عند الله، وعدم علمنا بمقدارها، لا يقتضي أن لا يكون لها مقدار في الواقع. وهذا كالسواد والبياض، إذا انتقصت من السواد درجة، لا يأخذُ البياضُ مكانها. نعم، لا تزال تنحطّ منه درجة بعد درجة، حتى إذا انتفت جميع مراتب السواد، يجيء البياضُ بدله. فهكذا الإيمان والكفر، لا يزال الإيمانُ ينقصُ بالمعاصي، حتى إذا انتفت المرتبة التي هي مَدَار النَّجاة، استخلَفه الكفر، فيصبح من الكافرين. والعياذ بالله فافهمه، فإنه يُنْجِيك من الشُّبهات. فالعملُ على هذا التقدير حاصل المصدر، ومثلُهُ القول. والشرح الثاني: أن الإيمان تصديقٌ يظهرُه اللسان والجوارح. وحاصله: أنه التصديقُ المساعدُ بالقول والعمل، وحينئذٍ لا يكون الإيمانُ إلا التصديق فقط، ويبقى القول والعمل ساعداً ومُساعداً للإيمان لا أجزاء له. فالتصديقُ الذي يخلو عن الإقرار والأعمال، كأنه ليس بتصديق. وهذا أيضاً نظرٌ على حد قوله: ((المسلمُ مَنْ سَلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ویده)»، ١٣١ كتاب الإيمان ((والمؤمنُ من أمِنَه الناسُ على دمائهم وأموالهم)). رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفي القرينتين حصرٌ، وهو يؤدي انتفاء اسم الإسلام والإيمان عند عدم سلامة الناس، وعدم الأمن منه، فمن كان مسلماً ينبغي أن يشهدَ لَه عملُهُ، وهو سلامةُ الناسَ من لسانه ويده، ومن كان مؤمناً يجب أن يأمَنَه الناسُ على دمائهم. وبدون ذلك، إسلامه وإيمانه، غير مصدَّقٍ من العمل، وإذا لم يصدّق عمله، فإذن هو أمرٌ يدَّعيه هو، ولا ندري أهو كذا أم لا!؟ الشرح الثالث: إن التصديق منسحب على القلب، والجوارحِ، فتصديق القلبِ هو التصديق الباطني المُسمّى بالإيمان، وتصديق الجوارح يُسمّى عملاً وأخلاقاً. فالشيءُ واحد من هناك إلى ههنا. ويختلف الأسامي باختلاف المواطن. فالإيمان على اللسان قولٌ، وعلى الجوارح عملٌ. وهذا أيضاً محتملٌ، كقول الأطباء: إن الإرادة شيءٌ واحد، وهي التي تُسمّى في اليد: بقوة التحريك، وفي القلب: بالإرادة. فهكذا ما دام التصديقُ في القلب فهو إيمانٌ. وبعد كونِهِ مجبُولاً عليه يصيرُ أخلاقاً. وبالظهور على الجوارح يسمّى أعمالاً. فهذه كلها أنظار، والأخير تفلسف. لا كما زَعَمُوه: أنه حدٌّ كحدِ المناطقة، فجعلوا عليه الطرد والعكس. والأمرُ كما عَلِمْتَ أنه نظرٌ من الأنظار، وهو الذي يليق أن يدورَ في السلف، لا تحديدُهُ، فإنه من طريق الخَلَفِ المشتغلين في الفنون. وهناك شرح رابع: وهو أن الإيمان اسم للتصديق الذي يَعقبُهُ القول والعمل، فينبغي أولاً أن يُصدِّق، ثم يُقر، ثم يعمل، والقولُ والعمل على هذا التقدير مصدر، لا الحاصل بالمصدر، وهذا نحو ما نقل الحافظ في ((الفتح)) في: باب الإنصات للعلماء من كتاب العلم: عن سفيان: أول العلم الاستماع، ثم الإنصات، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر. وعن الأصمعي تقديم الإنصات على الاستماع. فانظر كيفَ رأيتَ قولَه هل هو تحديدٌ له وذكر لأجزائه؟ بل مُراده أن حقَّ العلم أن يترتب عليه تلك الأشياء، فهذه الأشياء من مقتضياته، وهو داع لها. فكذلك الإيمان ليس تصديقاً فقط، بل من حقِّه أن يصدقه اللسان والجوارح، وهو القول والعمل. إذا علمتَ هذا فقد علمتَ أن قولهم: لا ينحصرُ في الجزئية، بل هو أحدُ شروحِهِ والظاهر أنهم ليسوا بصدد التحديد. وبيان الأجزاء، بل ببيان الأنظار، وأنَّ ما ينبغي أن يكون، وإذن يتأتَّى قولهم على مذهبنا أيضاً. وإذ قد فرغنا من شرح مقولتهم، فلنعرِّج إلى أن الأعمالَ هل هي أجزاءٌ للإيمان أم لا؟ بحثٌّ في أنَّ الأعمالَ أَجْزاءٌ للإيمانِ أم لا؟ والظاهر أنَّه أيضاً نَظرٌ جعلَهُ الناسُ عقيدة. واعلم أن إطلاق الإيمان على الأعمال مما لا يمكن إنكاره، فقد تواتر به الحديث. لكن صنيع القرآن على خلافه. فإنه ينبىءُ أن الإيمان هو التصديق وحده من غير أن يعتبِرَ معه العمل، لأنه تعالى كلما ذكر الإيمانَ في القرآن أضافَهُ إلى القلب، وظاهره أن فعل القلب هو التصديق وحده . ١٣٢ كتاب الإيمان والثاني: أنه تعالى عَطَفَ عليه العمل الصالح في مواضع لا تحصى. ولو كان ذلك داخلاً فيه، لكان مجرد ذكره عبثاً، فضلاً عن أن يُذكر بطريق العطف. والثالث: أنه سبحانه وتعالى ذكر الإيمان في مواضع وصفاً للعُصاة، مقترناً بالمعاصي، فلو كانت الطاعةُ داخلةً في الإيمان، لكانت المعصية منافيةً له ممتنعة الاجتماع معه. قال تعالى: ﴿وَإِن ◌َاِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ﴾ [الحجرات: ٩] فوصف المقتتلين بالإيمان، مع أن تقاتل المؤمنين حرام ومعصية. وأجاب الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى عن عطف القرآن، وقال: إن الأعمالَ وإن كانت داخلة في قوله: آمنوا، إلا أنها عُطفت عليه استقصاءً واستيفاءً للبيان، ولئلا يَذْهَل عنه. وهذه النُّكتَةُ غير ما ذكروها من أن العطفَ قد يكون من عطف الخاص على العام، لأنها لا تتمشَى ههنا. فإن الخاصّ في مثله يكون أشرف، وههنا المعطوف هو العمل، وهو أدونُ من الإيمان. فالعطف ههنا لبيان الاهتمام. فعلم منه أن التخصيص بعد التعميم، قد يكون لزيادة اهتمام الأدنى أيضاً، لئلا يَذْهَل عنه ذاهلٌ فيتركه، ويُحرم عما قدِّر له من منازلِ الجنة. وكلامه وإن كان متيناً دالاً على فطانته، لكنّ الأمر هو كما قال الإمام الهُمام، لأن هذا الجواب وإن سلَّمناه في العطف، لكنه ماذا يقول في آية أخرى؟ قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: ٩٧] إلخ. فجعل الإيمانَ قيداً للأعمال، وليس فيها عطفاً . بقي الجوابُ عن إطلاق الإيمان على الأعمال في الحديث، فلا نُنكرُ أنه أيضاً إطلاق، لكنه لا ينحصِرُ فيما قالوه، بل يجوز أن يكونَ من إطلاقِ الكل على الجزء، كما فهموه. ويجوز أن يكونَ من باب إطلاق المبدأ على الأثر، كما فهمنا، فالمبدأ هو الإيمان، والعمل أثره. ولو انحصر الأمرُ في أنّ الحديثَ أطلق الإيمان على الأعمال، والقرآن جعلها مغايرةً له، بعطفها عليه، كان اتِباعُ القرآن، والتأويل في الحديث، هو الأَوْلى. فالحقيقة أدَّاها القرآن، والحديث ورد على الاعتبار، لأن القرآنَ يؤدي الحقيقةَ ويُوفِّي حقها، والحديث قد يَردُ على المصالح ويُراعيها أيضاً. فإن شئت أخذَ الحقيقة كما هي فلا تجدها إلا في القرآن. وقد رأيتُ أن القرآنَ لا يجعلُ الأعمال أجزاءٌ للإيمان، فكانت حقيقة الإيمان مغايرة للأعمال. كما قلنا، ولما أمكن أن يُفرِّطَ فيه مفرطٌ أزاحه الحديثُ وأطلق الإيمان على الأعمال، تنبيهاً على أهمية الأعمال، وتلافياً لما قد يسبق من عطف الأعمال على الإيمان من المغايرة، بحيث لا تبقى لها سراية في زيادته أيضاً. وهذا صنيع الحديث مع القرآن كثيراً، فما يتركُه القرآن يأخذه الحديث، وما يُشكل عليه يزيحهُ. وبالجملة لا خلاف بعد الإمعان إلا في التعبير، فإن كان إمامنا رحمه الله تعالى غيَّر تعبيرَهم، وأخرج الأعمال عن حقيقة الإيمان، فله فيه سَلَفٌ وقدوة، فإن ذلك صنيعُ القرآن، فلو كان المحدثون اختاروا جزئية الأعمال نظراً إلى إطلاق الإيمان على الأعمال في الأحاديث، فإمامنا رحمه الله تعالى اختار تغايرَهُما، نظراً إلى تغاير القرآن بالعطف، فأي الفريقين أحق، وأي النَّظَرين أصوب؟ !! ١٣٣ كتاب الإيمان وبعد اللُّنيا والتي إذا لم تكن نِسبة الأعمال إلى الإيمان كنسبةِ الأجزاءِ إلى الكل، ولا كنسبة الأوراق، والعُروق، والأغصان إلى الشجرة، فكيف نسبتُهُ إليها؟ فالجواب: أن النِّسبة بينهما على نَظَر الحنفية كنسبةِ الأصل إلى الشجرة والشجرة إلى الثمرة، فكما أن الشجرةَ نابتةٌ من أصلها، ثم الثمرةُ من تلك الشجرة، كذلك الأعمال تنبت من الإيمان، فهو المبدأ وهذه آثارها. وكما أن الثمارَ تبدو وتسقط، تجيء وتذهب، كذلك حال الأعمال مع الإيمان فتكون قد وقد. وقوله تعالى: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتُ وَفَرَّعُهَا فِى السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] فالأصلُ هو الإيمان، والفُروعُ هي الأعمال، ولعل حديث شُعب الإيمان أيضاً على الفرعية لا الجزئية. فلا أقول كما هو المشهور: إن نِسْبةَ الأعمال إلى الإيمان كنسبة المُكمِّل إلى المُكمَّل، ولا أجعله في التعبير مكملاً للإيمان، بل لا أحب أن أقول: إنها كنسبة الثمرة إلى الشجرة أيضاً، فإن المقصود من الشجرة الثمار، فتكون الأعمالُ مقصودةً، والإيمان تابعاً مع أنه أصل وهي فرع تنبت منها. فالتعبير الأوفى هو: الأصلية والفرعية. ثم إني مع التُّع البالغ لم أجِدْ صورةَ الإيمان في المحشر، ووجدت صورَ الأعمال كلها تقريباً. وهو على ما أقول: إن الأعمالَ تتجسدُ في الآخرة، وتتحولُ الأعراضُ إلى الجواهر. فدل على أن الإيمان لعله منفصلٌ عن الأعمال. وإليه يُشير قوله ◌َلِّ: ((مُلئت إيماناً وحكمة)) فما صُبّ في صدره كان هو الإيمان، وهو المصبوبُ حقيقة، وإنما الأعمال ثمراته، والمقصود منها الإتيانُ بها، والحكمةُ غير العمل، وسيجيء تحقيقها . نعم، رأيت صورة الإسلام والإيمان في رواية مرسل عن قتادة: أن الإيمان يجيءُ يوم القيامة ويقول: أنت المؤمن، وأنا الإيمان، فاغفر لمن كسبني، ويجيءُ الإسلام ويقول: أنت السلام وأنا الإسلام ... إلخ. ولكنه لا يدري أنه صورةُ الإيمان وحده أو المركب من الأعمال وههنا نَظَرٌ يفيدنا وهو: أن مدَار دخولُ الجنة على الإيمان عند الكل، وكذا الخلودُ في النار على الكفر. وإنما الأعمالُ للدخولِ أولاً والتجنُّبِ عن النار. فعُلم أن الإيمانَ غير الأعمال، وأنها خارجة عنه. والقول الفصل ما اختاره الشاه ولي الله رحمه الله تعالى: أن للإيمان إطلاقين: الأول: الإيمان الذي هو مَدَارُ الأحكام في الدنيا، ولا ريب أنه عبارة عن الاعتقاد فقط. والثاني: ما هو مدارُ للأحكام في الآخرة، وهي النجاةُ السرمدية، والفوزُ بالجنان بدون عذاب. ولا ريب أنه عبارة عن مجموع الأعمال والأخلاق، والله تعالى أعلم بالصواب. وهذا الذي عناه الغزالي رحمه الله تعالى في (الإحياء)): أن الإيمانَ المبحوثُ عنه في علم الكلام لا يزيد ولا ينقص. ولذا اتفقوا على تسليم إسلام المصدِّق، وإن كان فاسقاً. وكذا اتفقوا على أنه ليس بمرتد ولا كافر. وأما الإيمانَ المبحوثُ عنه في الأحاديث، فإنه يزيد وينقص البتة . وبالجملة من جَعَله مركباً جعله كالكلِّي المشكِك، ومن جعله بسيطاً جعله كالمتواطىء، لا تفاوت في صِدْقِهِ على أفراده. فظهر أن النزاعَ ليس لفظياً، فإنه بعيدٌ عن أئمة الدين، بل ١٣٤ كتاب الإيمان الاختلاف في تحقيق حقيقة الإيمان، أنها التصديق فقط أو المجموع، على حد نزاعهم في مُسمّى الصلاة أنها اسم للمجموع من الأركان إلى الآداب، أو اسم للأركان فقط؟ وسيأتي عن قريب . ذِكْرُ الزِّيادَةِ والنُّقْصَان واعلم أن نفي الزيادة والنقصان وإن اشتهر عن الإمام الأعظم، لكني متردد فيه بعد. وذلك لأني لم أجد عليه نقلاً صحيحاً صريحاً، وأما ما نسب إليه في ((الفقه الأكبر)) فالمحدِّثون على أنه ليس من تصنيفه. بل من تصنيف تلميذه أبي مطيع البلخِي، وقد تكلم فيه الذهبي، وقال: إنه جَهْمِيٌّ. أقول: ليس كما قال، ولكنه ليس بحجةٍ في باب الحديث، لكونه غير ناقد. وقد رأيت عدة نُسخ للفقه الأكبر فوجدتُها كلها متغايرة. وهكذا (كتاب العالم والمتعلم)) ((والوسيطين)) الصغير والكبير، كلها منسوبة إلى الإمام، لكن الصواب أنها ليست للإمام. أما الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى فإنه وإن نسب الزيادة والنقصان إلى إمامنا رحمه الله تعالى، لكنّ في طبعه سَوْرَةٌ وحِدَّة، فإذا عَطَفَ إلى جانب عَطَفَ ولا يبالي، وإذا تصدى إلى أحد تصدى ولا يُحاشي، ولا يُؤمَنُ مثله من الإفراط والتفريط، فالتردد في نقله لهذا، وإن كان حافظاً متبحراً. ونقل في ((شرح عقيدة الطحاوي)) بسند أبي مطيع البَلْخي عن النبي ◌ّ ما معناه: أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. قال ابن كثير: وفي إسناده كلهم مجروحون. ورأيتُ هذا الحديث في ((الميزان)) في ترجمة البلخي، فأسقطه الذهبي. ثم رأيت في ((طبقات الحنفية)) تحت ترجمة: إبراهيم بن يوسف تلميذ أبي يوسف، وأحمد بن عمران، أنهما كانا يقولان: بزيادة الإيمان ونقصانه، مع كونهما من كبار الحنفية. فهذا أيضاً كان يَرِيبُني. ولما انعدمت النقول الصحيحة عن الإمام رضي الله تعالى عنه كِذْت أن أنفي عنه تلك النسبة، غير أني رأيت أن أبا عمرو المالكي نسبه في ((شرح الموطأ)) إلى شيخ إمامنا حَمّاد، وهو من المتقنين المتثبتين في باب النقل، فلا مناص من تسليم تلك النسبة أما المحدثون فكلهم إلى أن الإيمانَ يزيد وينقص. وأثبت شيء في هذا الباب عقيدة الطحاوي، فإنه كتب في أوله أنه يكتبُ فيه عقائد الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأبي يوسف رحمه الله تعالى. وأحسن شروحه شرح القُونوي، وهو حنفي المذهب، تلميذ ابن كثير. ويُستفاد منه أن الإمام رحمه الله تعالى إنما نفى الزيادة والنقصان في مرتبة محفوظة، كما سيأتي ولا ينفي مطلقاً، وكيف ما كان سلمت القول المذكور. فنقول: إنّ الزيادةَ والنقصان في الإيمان يحتمل أربعةَ معانٍ: الأول: الزيادة والنقصان في نفس الإيمان. والثاني: الزيادة والنقصان في الإيمان باعتبار التصديق. والثالث: الزيادة والنقصان في التصديق، باعتبار انبساطه وانفساحه في الصدر، لا باعتبار الحقيقة، فالانفساح والانشراح غير التصديق. ١٣٥ كتاب الإيمان والرابع: الزيادة والنقصان في الصورة الإيمانية التي هي صورته، وهو بالحقيقة راجع إلى الثالث. أما الزيادة والنقصان في التلبس بتلك الكلمة، فمُسلِّمُ عند إمامنا أيضاً، وهذا كالزيادة والنقصان في التلبس بالصلاة عند أبي داود في ((باب ما جاء في نقصان الصلاة)) عن عَمَّار بن يَاسر قال: سمعت رسول الله وَلَ* يقول: ((إن الرجل لينصرف وما كُتبَ له إلا عشر صُلاتِهِ تسعها، ثمنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُها، خمسها، ربعها، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا)). اهـ. فهذا المعنى لا ننكر في التلبُّس بالكلمة أيضاً . وبعد ذلك أقول إن الزيادة والنقصان في الإيمان باعتبار التصديق، لم يجر البحث عنهما في السلف، لا نفياً ولا إثباتاً، فإن الكلام في أجزاء الشيء بعد التحليل، بحثٌ منطقيّ. وإنما أو جَدَه المتكلمونَ من المتأخرين، وأول من تكلم فيه القاضي أبو بكر البَاقِلاني. والكلام في السلف، إنما كان في زيادة الإيمان ونقصانه، سواء كان من تلقاء الأجزاء أو من جهة السراية . وعلى هذا فالبحث عنه في ((صحيح البخاري)) لغو. إلا أني أتكلم عليه يسيراً على طورهم. فأقول (١): إن الزيادة والنقصان في الإيمان بحسَبَ نفس التصديق، مما يمكن عقلاً قطعاً، وإن لم يتكلم فيه السلف. وغاية ما ذكروه في النفي أمران : الأول: أن التصديق ماهية من الماهيات، فلو قلنا بالزيادة والنقصان لزم التشكيك في نفس الماهيات، وهو باطل. قلتُ: الاستمداد في مثل هذه المسألة بقواعد الحكماء مما لا يزول عنك عاره. فالعجب من الشيخ ابن الهمام رحمه الله تعالى كيف استمد به! مع أن المسألة في نفسه باطلة عند محققيهم أيضاً. وقد جوَّزَ بحر العلوم التشكيك في الماهية بنوعيه، على أنه يلزم حينئذٍ أن لا تكون الصلاةُ أيضاً ناقصة وزائدة بعين ذاك الدليل، لأنها أيضاً ماهية من الماهيات، مع أنَّ الزيادة والنقصان فيها مما لا ينكِرُه أحد. والثاني: أنهم قالوا: لو جُوِّز التشكيكُ في التصديق. لزمَ اجتماعه مع الشك، لأنه إذا انتفى جزءٌ منه جاء جزءٌ من الشك بدله، فلا يبقى منجياً، فلا يكون إيماناً. قلت: وهو أفحشُ من الأول، ألا ترى إلى سواد الثوب فإنه أضعفُ من سواد الغُرَاب بدَاهة، ولا يقول عاقلٌ إنه إذا كان أضعفُ لزمَ أن يكون فيه جزء من البياض، فكذلك لا يلزمُ من فوات جزءٍ من التصديق أن يجيءَ بدلَه جزء من ضِده. والحق إن السوادَ عَرْض عريض، وفيه مراتب لا يَعُدها عادّ، وبنقص واحد منها لا يجيء جزءٌ من البياض بدله، بل إذا انتفى جميعُ (١) قال بعض المحققين: أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان، بوجهين: الأول القوة والضعف، لأنه من الكيفيات النفسانية وهي تقبل الزيادة والنقصان كالفرح، والحزن، والغضب. ولو لم يكن كذلك يقتضي أن يكون إيمان النبي صلى الله عليه وسلم وأفراد الأمة سواء وأنه باطل إجماعاً. الثاني التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان يثاب عليه ثوابه على تصديقه بالآخر. كذا في العيني بحذف، ص١٢٨ ج١. ١٣٦ كتاب الإيمان مراتبه ولم تبق مرتبة منه يجيءُ البياضُ قطعاً، وما دام مرتبةٌ من مراتب السواد باقية، لا يَحْكم عليه عاقلٌ أن جزءاً من البياض موجودٌ فيه. ونحوه نقولُ في تقسيم الجسم، بأن تقسيمَ الجسم ليس إلى ما لا نهاية له كما زعمه الفلاسفة، بل ينتهي إلى العدم، فإنهم قالوا: إن الاتصال ذاتي للجسم، فإذا فات جميع الاتصالات فلينعدم الجسم لا محالة على قولهم، فإن ارتفاع الذاتي يستلزمُ ارتفاع الذات ومنشأ غلطهم: أن إعدام جميع الاتصالات ليس في طوق البشر؛ لأنه في الحقيقة إعدامٌ للشيء، والإعدامُ والإيجادُ كلاهما في يد المبدىء والمعيد، لا إله إلا هو، فإذا لم يقدروا على إعدام جميع الاتصالات، فهموا أن تقسيم الجسم لا ينتهي إلى نهاية، وليس كذلك، بل ليس هذا في قُدرَتِنَا. ولو استطعنا إفناء جميع الاتصالات لانْتَهَى التقسيم، وانعدم الجسم، إلا أنه بيد الواحد القهار، لا شريك له هو يحيي ويميت. فكما أنّ الجسمَ لا يزالُ ينقسم، ويطلق عليه الجسم ما دام يبقى فيه اتصال ما، ولا يجيءُ العدم أصلاً إلا إذا فات جميع مراتب الاتصال، كذلك التصديق لا ينتفي إلا بعد انتفاء جميع مراتبه. ولا يلزمُ بانتفاء جزء منه أن يقومَ مَقَامَهُ جزءٌ من الكفر، فإن الإيمان أيضاً عَرْض عريضٌ. نعم بفوات مرتبة بعد مرتبة، يجيءُ زمان ينتفي فيه جميع مراتبه، ثم يطرأ الكفر عليه البتة. ولكنا لا ندري عدد هذه الأجزاء، وأنه متى يجيءُ زمان فوات جميعها؟ إلا أنه نعلم إجمالاً أنه يجيءُ وقتٌ ما قطعاً ينتفي فيه جميع مراتبه. وحينئذٍ ينسلخ عنه اسم الإيمان. وقد نبهتُك آنفاً على أن هذا البحث لم يجر في السلف، بل هو بحث عقلي، أوجده المتأخرون من جانبهم عقلاً. والسلف إنما اختلفوا في نفس الإيمان، لا في جزءٍ منه بعد التحليل. فمن قال: إنه قول وعمل، ذهب إلى الزيادة والنقصان أيضاً، لأنه إذا أدخل العمل في الإيمان، فمن عمل عملاً صالحاً فقد تم إيمانه. ومن نَقَصَ فيه انتقص إيمانه لا محالة على تحقيقه. ومَنْ لم يُدخل الأعمال في الإيمان، بل جعله عبارةٌ عن التصديق، لم يلزم عليه ذلك. فأصل النزاع في إدخال الأعمال في مُسمّى الإيمان، وإخراجها عنه، وإن الإيمان أمرٌ أو أمور. ولذا بؤَّبَ البخاري فيما بعد: باب أمور الإيمان نعم، من يجعل الإيمان مركباً يلزمه أن يذكر له أموراً، ومن يجعله بسيطاً لا تكونُ له أمور عنده. ولذا قيل: إن تلك المسألة ليست مستقلةً، بل من فروع الأُولى، أي كون الإيمان قولاً وعملاً. هكذا كنتُ أفهمُ تحقيق الاختلاف، وإليه ذهب أكثر الشارحين. ثم رأيت(١) زيادةً في مَقُولَة السلف، انقلب منها المراد ففهمتُ حقيقة الحال، وهي أنهم قالوا: الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، فبان منه أنهم قائلون بالزيادة والنقصان في التصديق الباطني، دون الإيمان (١) ذكر الحافظ أبو القاسم هبة الله اللالكائي في ((كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)): أن الإيمان يزيدُ بالطاعة وينقص بالمعصية. كذا في العيني، ثم عدد أسماء الذاهبين إليه من الصحابة وغيرهم رضي الله عنهم في نحو نصف صفحة. من شاء فليراجع. ١٣٧ كتاب الإيمان المركب. فإن عبارتَهم هذه تدلُ على أن الأعمال دخيلةٌ في ازدياد الإيمان ونقصانه، وسبب له، لا أنها داخلة وإن لها سرايةً وتأثيراً في نماء التصديق والإيمان، لا أنها أجزاء. فلم يكن الإخلال بالعمل عندهم كقطع الغصن من الشجرة، بل كعدم سقيها بالماء، فلا بد أن تيبس. وتبيَّنَ منه أن البخاري اختصر في نقل قولهم اختصاراً مخلاً. والحاصلُ: أن الأعمال على الشرح الأول كانت كالأصابع لليد، بخلاف هذا الشرح، فإنها أسباب. وإن الاختلاف على الأول كان بحَسَب الكمية، والآن جاء البحث في الكيفية فقولهم: الإيمان قول وعمل يحتمل شروحاً، كما مر، وقولهم هذا انحصر في السببية، وليس له شرح غيره. وحينئذٍ صارت تلك أيضاً مستقلة. ولم تَصِر من فروع الأولى. فإن الإيمان مركباً كان أو بسيطاً يصلحُ محلاً لاختلاف الزيادة والنقصان بهذا المعنى. ثم الزيادة والنقصان بهذا المعنى لا ينكره الإمام أيضاً، فإن الانفساخ والانشراح زائدٌ وناقصٌ قطعاً، وهو المبحوثُ عنه في القرآن. وعليه يحمل ما تلا المصنف من الآيات. وحاصل الخلاف على هذا التقدير: أن الإمام الأعظم رحمه الله تعرَّض إلى أمرٍ لم يتعرض إليه السلف، فإنه تكلم في مرتبة محفوظة، وهي التي يدور عليها أمر النجاة، وليس بعدها إلا الكفر. فالتصديق وإن كان زائداً، أو ناقصاً، باعتبار مراتب الكمال، والانفساح، والانشراح، إلا أن الإمام الهُمام أفرز بالبحثِ حصةً منه، وهو التصديق بمعنى انتفاء الشك، ولا تفاوت بين الانتفاءِ، والانتفاء. وإنما التفاوت في الانشراح والاسْتِيلاء. قال الغزالي رحمه الله: إن الإيمان قد يطلق على اليقين، بمعنى انتفاء النقيض، ولا تفاوت فيه، فإن الانتفاء رأساً لا تقام فيه المراتب، وقد يُطلق على استيلاء اليقين على القلب وجعلِهِ الجوارحَ تابعاً له وهو الأكثر، وهذا هو الذي فيه التفاوت، فوقع الالتباس بين المعنيين، فقيل ما قيل، فإما أن نقول: كما قال الغزالي، أي بتعدد الإطلاق في الإيمان. أو نقول: إن الإمام بحث في جُزء من الإيمان، لأن نَظَرَ الفقهاء يتعلق بالخلود والنجاة، أولياً، كان أو مآلياً، بخلاف أنظار المحدثين، فإنها تقتصرُ على النجاة الكاملة الأولية، ولا يمكن إلا بالأعمال الصالحة. فالفقيه يبحثُ عن مراتبِ التصديق عما هو مدارٌ للنجاة، ولو مآلاً، ومن الكفر عما يوجب الخلود. وهذا كالشهادة، فإن الفقهاء إنما يبحثون عنها باعتبار أحكامهم في الدنيا، والذين تجري عليهم تلك الأحكام قليلون، بخلاف ما في الحديث، فإن إطلاقَ الشهادة فيه أعمُ وأعم. ومثله وقعٍ في كثير من المواضع، فالقرآن والحديث إنما تعرَّض إلى انفساح التصديق. والانفساحُ أيضاً تصديق في نظر، لأنه تابعٌ له ناشىء عنه، ولذا أطلقَ عليه البخارَيُّ الإيمانَ، والإمام الهُمَام لم يتعرض إليه، بل تعرض إلى مرتبة مخصوصة، كما يدل عليه عبارة الطحاوي في ((عقيدته))، وهي أثبتُ شيءٍ في هذا الباب. قال: الإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، والتفاضل في الخشية، والتُّقى ومخالفة الهوى، وملازمة التقوى ... إلخ فجعل للإيمان أصلاً، وجعل الناسَ كلهم فيه سواء، وهو الذي لو انحط عنه الإيمان لجاء الكفرُ مكانَهُ، وأبقى ١٣٨ كتاب الإيمان التفاضل في أمور تتعلق بالإيمان من الخشية وغيرها. فالإيمانُ بمعنى التقوى والخشية، يزيد وينقص، والناس يتفاضلون فيه على نص الطحاوي نعم، هناك أصلُ الإيمان، وهو واحد، ولا تفاوت فيه . ومن ههنا علمت: أن هذا الاختلاف ليس من باب النزاع اللفظي على اصطلاح المناطقة، فإنه ليس من دَأب المحصلين، فضلاً عن الأئمة المجتهدين، بل من باب الاختلاف في الأنظار، بمعنى أن هذا مؤدٍ لِطرفٍ صحيح. وهذا أيضاً لطرفٍ آخر صحيح. وعند كل حِصةٌ صحيحة. والناجي عندَ واحدٍ ناج عند آخر، وكذلك الهالك عند واحد هالك عند آخر. وإنما تعرض الإمامُ إلى تلك المرتبة، لأن الإيمانَ عند السلفِ كان عبارة عن المجموع، ولم يكن هذا المجموع مداراً للنجاة، بحيث تنعدم النجاةُ بانعدام جزء منه، فوجب أن يُنَبِّه على الحصة التي يدورُ عليها أمر النجاة، وهذا أيضاً كان أهم، فنَّه الإمام على أن الإيمانَ المركبَ ليس مداراً للنجاة المطلقة، بل هو مدارٌ للنجاة الأولية. أما الذي تنتفي النجاةُ بانتفائه مطلقاً فهو التصديق، ولذا لم ينقل أحد في لفظ الإمام: بأن الإيمان لا يزيد بالطاعة، ولا ينقص بالمعصية. وهو النقيض الصريح لما يقوله السلف، ويلزمُ منه انتفاءُ الزيادة والنقصان، بمعنى السراية والتأثير أيضاً، ولم يكن مراداً للإمام، فأُورِدَ النفيُّ على غير محل الإيجاب. والحاصل: أنه نُقل عن السلف: إثبات الزيادة والنقصان مجملاً، فأوهم ثبوتهما باعتبار نفس الإيمان، ثم نقل عنهم إثباتهما من تلقاء الأعمال، فتحققت السراية. وإذا كانت الأعمال أسباباً، لم يبق الإيمان إلا عبارة عن التصديق، والزيادة فيه على طريق السلف لا تكون إلا في نمائه ونوره، فانكشف الأمرُ وثَلَجَ به الصدر. وأن ما يزيد وينقص عندهم هو انبساط الإيمان، وللأعمال سراية فيه، وهو تصديق أيضاً إطلاقاً للشي على مبدئه. ولو أرادوا جُزئية الأعمال لقالوا: الإيمانُ يتحقق بالطاعة وينعدمُ بعدمها، فلم يتوجهوا إلى الجزئية، بل أرادوا به بيانَ سراية الأعمال وتأثيرها في الإيمان. والإمام لما لم يقل: إن الإيمانَ لا يزيد بالطاعة، ولا ينقص بالمعصية، عُلم أنه لم يَرد بنفي الزيادة إلا الزيادة في مرتبة محفوظة، ولذا لم ينف الزيادة في الانبساط بالطاعات، وإنما نفاها عن أصل الإيمان الذي يحصل قبل الأعمال، وأبقى الزيادةَ والنقصانَ في الخشية والتقوى، كما مر عن الطحاوي رحمه الله تعالى، فلم يكن مورِد النفي عين مورِد الإيجاب، فمعنى قوله: لا يزيد ولا ينقص: أي أصله، ومعنى قولهم: يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، أي بهائه ونمائه، فأين الخلاف؟ نعم أدى كلَّ حِصة صحيحة. ولذا صرح الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى بكون مقولتِهِ من بدعة الألفاظ، فكأنه لم يجد بُداً من تسليم صحة مقولة الإمام رحمه الله تعالى. ثم رأيت في ((الكشاف)) من الإمام الهمام رحمه الله تعالى نفسَه في الجواب عن الآيات التي تدل على الزيادة والنقصان، أن الإيمان كان يزيد في زمن النبي و 18 باعتبار المؤمن به، لأن ١٣٩ كتاب الإيمان الشريعة كانت تنزلُ وتزيدُ يوماً فيوماً. أما إذا كملت الشريعة وتمّ الدين ولم يبق احتمالٌ للنسخ والتبديل، استحالت الزيادة فيها، فلا زيادة ولا نقصان في الإيمان بعد زمنه وفَّره، واستفدت منه أن الإيمان عند الإمام رحمه الله تعالى إرادةٌ على إطاعة النبي ◌َّر بجميع ما جاء به. وتلك الإرادة تنسحِبُ على جميع الشريعة، بحيث لا يشذُ عنها شاذ. فمعنى قوله: لا يزيد ولا ينقص أن يدخل جميعُ المؤمن به تحتَ الالتزام، لا أنه يلتزم بعضاً دون بعض آخر. فإذا كان الإيمان اسماً لالتزام الجميع بحيث لا يزاد عليه شيء ولا ينقص منه شيء فكيف يزيد الإيمان وينقص بهذا المعنى؟ فالنفي بالحقيقة راجعٌ إلى المؤمن به دون الإيمان. وإذن معنى قولهم: يزيد وينقص أي الإيمان بنفسه. ومعنى قوله: لا يزيد ولا ينقص أي باعتبار المؤمن به. وظاهر أنه لا تفاوت فيه بين إيمان أبي بكر رضي الله تعالى عنه وبين إيمان أدنى مؤمن من أمته وَّ، لأن إيمان أدنى مؤمن يشتملُ على جميع الأشياء التي يشتملُ عليها إيمان أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فكما أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه التزم الإتيان بجميع الشريعة، كذلك أدنى مؤمنٌ من الأمة أيضاً التزم بجميعها، فلا فرق في هذا المعنى. إنما الفرق في الخشية والتُّقى ومخالفة الهوى. فلو وزنت إيمانَه بهذا المعنى لترجح إيمانه، على جميع أمته . ونظيره ما روى الترمذي عن عبد الله بن عمر وقال: خرج رسول الله رَّلل وفي يديه كتابان، قال: ((أتدرون ما هذان الكِتَابان؟)) قلنا: لا يا رسول الله إلا أن تُخْبِرَنا فقال للذي في يده اليمنى: ((هذا كتابٌ من رب العالمين فيه أسماءُ أهلِ الجنة، وأسماء آبائهم، وقبائِلِهم، ثم أجمل على آخِرِهم، فلا يُزَادُ فيهم ولا يُنْقَصُ منهم أبداً)) ... إلخ فكما أن نفي الزيادة والنقصان راجع فيه إلى من فيهما من أسماء أهل الجنة والنار، كذلك نفي الزيادة والنقصان عن الإيمان راجع باعتبار ما فيه من الأحكام، وهي المؤمن بها . بقيت الصورة المثالية فهي زائدة وناقصة قطعاً . وإذا سمعت أن الاختلافَ فيه اختلاف الأنظار فقط، فلننظر أن أي النظرين أنفع، فنقول: إن الإيمان إذا كان اسماً للمجموع لم تتضح له مزية على الأعمال في التعبير. ويتوهم كون جميع أجزائه متساوية الأقدام. ولما كان الإيمانُ من أسنى المقاصد، وأبرِّ الأعمال، وشرطاً لسائرها وأساسها ودعامتها، لا كما يُتوهم مما قاله أحمد رحمه الله تعالى: إنه معاقدة، جعلناه منفرداً عن الأعمال تاماً بنفسه، ومختَتَمَاً بذاته، غيرُ منتظر إلى الأعمال، فلا يُخفف أمره، ولا تُحطّ رتبته، بجعله مركباً مع غيره، فإن الأعلى لا يعدّ مع الأدنى، والأصل مع الفرع، والتابع مع المتبوع، فلا بد أن يُظْهِرَ حقيقته في نفسه أيضاً، ويرى مكانه ومنزلته. ولا يمكن إلا بجعله منفصلاً عن الأعمال، وإذا انفصل أصلُ الإيمان لعظمة أمره عن الأعمال، فلا يكون إلا بسيطاً . فما قاله السلف أيضاً نظر صحيح. وما قاله الإمام الهمام أيضاً نظر صحيح. إلّا أنّ كلامَ السلف يُبْنى على النظر الإجمالي وعَدِّ متعلقات الشيء والفروع مع الأصل. وكلام إمامنا يكشف عن الحقيقةِ ويعطي كل ذي حظ حظه، ويضعُ كل شيء مكانه. ولا خلاف في الحقيقة كما مر مراراً. ثم بعد التفتيش عُلم أن هذه الأقوال لم تصدر عنهم في بيان العقيدة، وإنما هو من باب ١٤٠ كتاب الإيمان مقتضيات الأحوال، لأن السلف أرادوا الردّ على المرجئةِ الآخذين من الإيمان التصديق فقط، والقائلين بأنه لا يضرُ مع الإيمان معصية. فكأنهم حظُوا الأعمال عن مرتبتها، وعظَّلُوها؛ وجعلوها كالمطروح في البين، وهذا جهل عظيم فردّ السلفُ عليهم واهتموا بذكر الأعمال، حتى أوْهَم بجزئيتها وانتفاء الإيمان بانتهائها . فقالوا: إن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، فله تعلقٌ عظيمٌ مع الأعمال، حتى إن ازديادَها مؤثر في زيادته، ونقصَانها في نقصانه، فأين هؤلاء من الإيمان؟ فكأنهم أرادوا بهذا القول أن لا يتهاون الناس في أمر الأعمال، ولذا تواتروا بذلك القول، وتتابعوا عليه، حتى صارَ علماً لأهل السنة والجماعة عندهم. ومن خالفهم في هذا القول رَمَوه بالإرجاء وغيره، لأنهم ابتلوا بهم، فمن خالفهم ولو في التعبير، أدخلوه في زمرتهم وحزبِهم، وزعَمُوه معيناً ونصيراً لهم . ثم جاء إمامنا الأعظم رحمه الله تعالى ورأى في زمنه فتنة الاعتزال والخروج، وكانوا يقولون: إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، فأراد الردّ على هؤلاء المتوغلينَ في أمرِ الإيمان والمعطين الأعمال ما ليس لها بحق، فلو قال: في مقابلتهم أيضاً كما قال السلف لكان إعانة لهم فغير عنوانهم، فقال: إن الإيمانَ لا يزيد ولا ينقص، فالأعمال ليست كما قلتم، بل هي وإن كانت أهم في نفسها، إلا أن أمرَ الإيمان أيضاً ليس بهينٍ، فهو أيضاً أمرٌ مستقلٌ وليس بتابع، بل أصلٌ وعليه يدور أمر النجاة. فلو لم يعمل أحدٌ طولَ عمره، وكان آخرُ كلامِهِ: لا إله إلا الله، دخل الجنة، لا كما قلتم: إن الرجل لو آمن وصدق أي تصديق، ثم صدرت عنه كبيرة لا يغفر له فجعل الأعمال كالمطروح في العبارة فقط، دون الحقيقة ليظهرَ استقلالُ الإيمان وتماميته بدونها، فأراد أن يكشفَ عن حقيقةِ الحال لئلا ينخدع أحدٌ من عبارة السلف، فيجعل الأعمال داخلة في الإيمان، مع أنها كانت دخيلة، فينفي النجاة بترك الأعمال(١). تتمَّةٌ في بَحْثِ الزِّيَادةِ والنَّقْصَانِ وليعلم أن القرآن لا يدل بمنطوقه إلا على زيادة الإيمان، أما على نقصانه فلا، إلا أن يؤخذ عنه باللزوم، ويقال: إن الإيمان إذا ثبتت فيه الزيادة أمكن فيه النقصان أيضاً. وعند أبى داود حديث في كتاب الفرائض، عن معاذ رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: أن النبي ◌َّ قال: ((الإسلام يزيدُ ولا يَنقُصُ)). واستدل منه معاذ رضي الله تعالى عنه في قصة التوريث ونحوه. روى (١) قلت: وآخر ما رأيت شيخي رحمه الله تعالى يقرر محصل الاختلاف بعبارة أخرى، وهي أوضح. قال في رسالته: ((اكفار الملحدين)) ما حاصله: من قال: قولٌ وعملٌ يزيد وينقص أي بالطاعة والمعصية. أراد أنه لا بد هناك من الفرق بين المؤمن الكاملِ والعاصي، فمن زاد طاعة زاد إيماناً، أي يكون مؤمناً كاملاً، ومن نَقَصَ طاعة نقص إيماناً أيضاً، ولا يكون في مرتبته، أي يكون مؤمناً ناقصاً. فهذا الذي أراده السلف ومن قال: إن الإيمان لا يزيدُ ولا ينقصُ، أراد أن الإيمان لا يتبعض، بل يكون بمجموع ما جاء به النبي ◌َّه بحيث لا يشُذ عنه شاذ، ثم جاء المشغوفون بالخلاف، فحملوا عبارة كلٍ فوق ما أرادوا، من التشكيك في نفس الاعتقاد أو الإرجاء.