النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ كتاب بدء الوحي وإنما لم يقل: ((الأفعال بالنيات)) لأن بين العمل والفعل فرقاً، فالعمل "ساختن" والفعل "كردن" يعني أن العمل فيما يتمادى ويطول، بخلاف الفعل، ولذا قال: ﴿ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧]. ولم يقل: افعلوا وفعلوا، دلالة على الدوام والاستمرار. ذكر الكلام في الفرق بين النِّيَّة والإرادة واعلم أنَّ المعتبر في الإرادة هو إصدار المراد، ولا يعتبر فيه غرضٌ للمريد، بخلاف النية، فإنها يعتبر فيها غرض، ولذا لا يكاد يُتْرك معها ذكر الغرض، فيقال: نويت لكذا، بخلاف الإرادة، فإنها تُستعمل بدون ذكر الغرض أيضاً، فيقال: أراد الله سبحانه، ولا يجب معه ذكر الغرض، ولذا لا يقال: نوى الله، بل يقال: أراد الله. أقول: حاصله أن النية لما اعتُبر فيها الغرض، فلو أطلق لفظ النية في جنابه تعالى لأوهم تعليل أفعاله بالأغراض، مع أنهم قالوا: إن أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض وقد مر منا تحقيقه في المقدمة، وأنه لا استحالة في كون أفعاله تعالى معللة بالأغراض، وأن ما زعموه في إبطاله باطل. نعم، لما استعمل الإرادة في لسان الشرع دون النية اقتصرنا في الإطلاق على ما ورد به الشرع، ورأينا التحرُّز عما لم يَرِد به الإطلاق أولى. وكذا حجروا عن إطلاق العزم فيه تعالى، وقد وقع في مقدمة مسلم، وجوَّزَه التِّبَرِيزي، والله تعالى أعلم. واعلم أنهم تكلموا على هذا الحديث، وأطالوا فيه الكلام من الجانبين، وحَمَلَهُ كلٌّ على مسائله، وجرَّه إلى مختاراته. ولما لم يكن فيه بُدُّ من التقدير، إذ لا معنى لكون ذوات الأعمال بالنيات، لثبوتها حِساً وصورة من غير اقتران النية بها، فمنا من قدَّر الثَّواب بدليل قوله فيما بعد : ((فهجرته إلى الله ورسوله)) وهذا هو الثواب، ومنا من قدَّر الحكم كشارح ((الوقاية))، فمعناه عندنا: ثواب الأعمال أو حكم الأعمال بالنيات، على اختلاف التقديرين. وقدر الشافعية الصحة، لأن متعلَّقات الظروف لا تكون إلا من الأفعال العامة، والصحة منها، فإن الثواب بعد الصحة، فمعناه عندهم: صحة الأعمال بالنيات. وعلى هذا فالأعمال عند عدم النيات تصير خالية عن الثواب عندنا وباطلة عندهم. ثم بنوا عليه اشتراط النية في الوضوء. أقول: وكلام شارح ((الوقاية)) وإن كان أولى من غيره، إلا أنه خلاف الوجدان. أما تقدير الثواب والصحة فلا يصح عندي. أما الأول: فلأن تقدير الثواب يؤدي إلى تخصيصين في الحديث: الأول بالدار الآخرة، فإن الثواب والعقاب من أحكام الآخرة. والثاني: تخصيصه بالطاعات فقط، لأنها هي التي یثاب عليها . بخلاف المعاصي، فإنها يعاقب عليها، فلو قلنا: ثواب الأعمال بالنيات، يقتصرُ الحديث على أحكام الآخرة، ثم على الطاعات. وأحكام الدنيا والمعاصي تخرج عن قضية الحديث ٠ ٨٢ كتاب بدء الوحي ومدلوله، ولا تُبقي له علاقه بها، مع أن الحديث عام قطعاً، فإن المعاصي مذكورة في آخر الحديث صراحةً كما قال: ((ومن كانت هجرته إلى دنيا)) .. إلخ فعُلِم أن الحديث لم يَرِدْ في الطاعات فقط. على أن صحة الأعمال والطاعات هي كونها بحيث يترتب عليها الثواب فإذا خلت عن الثواب فقد بطلت، فصار مآل تقدير الثواب والصحة واحداً، فيلزم عليهم ما لزم على من قدّر الصحة أيضاً . والتزمه المصنفون إلا أنهم رأوا فيه نفعاً يسيراً في الجواب عن مسألة النية، فرضوا بهذا النفع اليسير بالضرر الكثير، واختاروا هذا التقدير مع أنه لا يجدي أيضاً كما سيجيء. وأما الثاني: أي تقدير الصحة فيؤدي إلى تخصيصين أيضاً: الأول بأحكام الدنيا، فإن الصحة اسم لاستجماع الشرائط والأركان، بحيث يَسْقط الفرض عن ذمته، وكذا البطلان نقيضه، وهما من أحكام الفقه والدار الدنيا، وحينئذٍ يقتصر الحديث على أحكام الفقه والدار الدنيا، ولا يَشْملُ أحكام الآخرة. والثاني أن من الأفعال ما لا يقال فيه: صَحَّ أو بَطَلَ، فإن الصحة تجري فيما فيه جهتان، الحِلة والحُرمة، أما الحرام قطعاً أو الحلال قطعاً فلا يقال فيه: إنه صح أو بطل، مثل من قتل رجلاً أو زنى أو سرق، فلا يقال فيه: إنه صَحّ قتله وزِناه وسرقتُه أو بطل. فيكون الحديث ساكتاً عن هذه الأحكام، مع أنه عام لجميع الطوائف كما علمت. على أن الصحة والبطلان بهذا الاصطلاح من المصطلحات الحادثة، ولا ينبغي أن يُحمل الحديث على مصطلحات الفنون، بل يجري على صرافة اللغة، هذا كلام على شرحهم. أما الكلام على مسائلهم فقال الحنفية: إن النية لا تُشترط في الوضوء، وقالوا بصحته بدونها. والحديثُ واردٌ عليهم، فقال بعضهم: إن الحديث إنما ورد في العبادات دون القُرُبات والطاعات، ونحن نلتزم أن الوضوء بدون النية لا ينعقدُ عبادة. أما أنه لا يصلح لكونه مفتاحاً للصلاة، فلا يدل عليه الحديث أصلاً. قال الشيخ زكريا الأنصاري: العبادة يشترط فيها النية ومعرفة من يُتقرَّب إليه. والقُرْبة يُشترط فيها معرفة من يتقرب إليه دون النية، كتلاوة القرآن. والطاعة لا يشترط فيها شيء، كالنَّظر الموصل إلى الإسلام. ثم أقول مراعياً مسائل الدين إجمالاً: إن الدين مركبٌ من خمسة أشياء: العبادات، والعقوبات، والمعاملات، والاعتقادات، والأخلاق. أما الأخلاق والاعتقادات فالبحث عنهما في فنونهما، والبواقي مذكورة في الفقه. أما العبادات فالمقصود منها: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج. والنية شرط لصحتها بالإجماع. وأما المعاملات فأيضاً خمسة: مناكحات، ومعاوضات مالية، وخصومات، وتركات، وأمانات. ولا تُشترط النية لصحتها بالإجماع. ٨٣ كتاب بدء الوحي وأما العقوبات فخمسة أيضاً: حد رِدَّة، وقذف، وزنا، وسرقة، وقصاص. ولم يَشتَرِط فيها النية واحد منهم(١). فيا ليت شعري! كيف زعموا أن الحديث واردٌ علينا وموافق لهم؟! مع أنهم أخرجوا عنه المعاملات والعقوبات بتمامهما أيضاً، فلو كان الحديث يرد علينا في الوسائل فقط، فقد ورد عليهم في المعاملات والعقوبات. ثم أقول: إن من الوسائل ما يشترط فيها النية عندنا أيضاً، كالتيمم، والوضوء بالنَّبيذ، فإنها شرط للصحة فيهما. والعجب أن الإمام الأَوْزَاعي، والحسن بن حَيّ، لا يشترطان النية في التيمم أيضاً كما في العيني، فقد سبقوا إمامنا أبا حنيفة في عدم اشتراط النية. أما اشتراط النية في التيمم عندنا، فلأن الأرض ليست طهوراً بطبعها، وإنما هو بالجَعْل، كما قال ◌َّليل: (جُعِلتْ لي الأرض مسجداً وطهوراً)). وإنما يُسْتعمل الجعل فيما ينصرف الشيء عن حقيقته، فالأرض ليست بطهور في أصلها، وإنما جُعلت طهوراً لهذه الأمة كرامة لها، بخلاف الماء فإنه ليس طهوراً بالجعل، بل أُنزل على هذه الصفة كما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، فلا يحتاج فيه إلى النية، بل تقع به الطهارة بمجرد استعماله، نعم، لا يكون عبادةً بدون النية كما هو مُصرَّح في كتبنا، بخلاف التراب، فإنه ليس طهوراً بالطبع، فاحتاج إلى ضمّ النية ليظهر معنى الجَعْل. وهذا كما شرط الشافعية النية للجمع عند الجمع بين الصلاتين، فإنه لو مضى وقت الصلاة الوقتية ولم ينو جمع التأخير، يكون فاسقاً عندهم، فلا بد له أن ينوي الجمع قبل مضي الوقت في التأخير، وقبل السلام في التقديم. فكذلك شرطنا النية في التراب. بقي النَّبيد، فلعلهم شرطوا النية فيه لأجل نقص في معنى الطَّهورية، فإنه لم يبق على الصفة التي أنزل عليه، وإن كان طهوراً وطاهراً . ويقول العبد الضعيف: معناه أن النَّبيذ ماءٌ مُطلق عندنا، إلا أنه ليس كالقَرَاح، فكأنه بين المطلق والمقيد، وكثير من الحقائق ما يدور النظر فيها ولا يزال يتردد ولا يقنع إلا بعد إقامة المراتب. فالنبيذ إن قلنا: إنه ماء مقيد فلا يُناسب أذواقنا، وإن قلنا: إنه مطلق فكذلك، فإنه ليس كالقَرَاح، فصار نظر إمامنا أنه أقرب إلى الإطلاق، فوضعه تحت المطلق وفوق المقيد، وشَرَط فيه النية إظهاراً لدنو رتبته، ولو علم الخصوم مُدْرَك إمامنا لما طعنوا عليه في هذه المسألة، وهذا كالحقيقة القاصرة تعسَّر عليهم دَرْجُها في الحقيقة المطلقة، وكذا في المجاز، فأقاموا المراتب، وجعلوها فوق المجاز وتحت الحقيقة وسمَّوها: حقيقة قاصرة. فالحاصل: أن في الوسائل أيضاً نية عندنا ولو في الجملة. ولو تعمقنا النظر فالنية مرعية (١) قال العبد الضعيف: وقد كان شيخي رحمه الله تعالى ذكر وجه عدم ذكرهم حد الخمر فيها، وأنا نسيتها، اللهم إلا أن يكون إنه لا يجري على أهل الذمة. ٨٤ كتاب بدء الوحي في الوضوء من الماء المطلق أيضاً، فإنهم إن أرادوا بالنية الملفوظة والعبارة المخصوصة فلن يجدوا إليها سبيلاً. وقد صرح ابن تيمية وغير واحد من العلماء: أن التلفظ بالنية لم يثبت عن النبي ◌َّ مدة عُمُره، ولا عن واحد من الصحابة والتابعين، ولا من الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى. وإن أرادوا بها النية التي تكون قبيل الأفعال الاختيارية، فنحن وهم فيه سواء ولا ننكرها أصلاً. والنية قبل الصلاة ليست إلا أن يعلم بقلبه أنه أيُّ صلاة يصلي، فكذلك في الوضوء. ولا أرى أحداً من الحنفية أنه يتوضأ ثم لا يكون له شعور في نفسه أنه يتطهر أم لا، فالنية أمرٌ قلبي لا مَنَاص عنها في الأفعال الاختيارية. وإن أرادوا بها زائداً على هذا القَدْر، فليس إليه إيماء في الحديث ولا حرف ولا شيء. وجملة الكلام أن النية التي لا تصح العبادات والأعمال بدونها لا تزيدُ على ما قلنا. وهي توجد في وضوء الحنفية والشافعية سواء بسواء، فأين الخلاف وأين الإيراد؟ اللهم أن يفرض كفَرَض - المناطقة زيداً حماراً - أن رجلاً جاء وقد مَطَر السحاب من فوقه وابتلت أعضاء وضوئه، فإنه لم توجد منه تلك النية، فهل يُباح له أن يجتزىء بذلك الوضوء ويصلي؟ فلو كان الاختلاف في هذا الجزء الذي قلما يتفق أن يُبتلى به في عمره فالأولى أن يفرز بالبحث عنه ويترك تحت مراحل الاجتهاد، ولا يدخل في مراد الحديث لئلا يصير مرادُه نَظَرياً بعدما كان بديهياً. ولكن يُعلم من كلام الطرفين أنهم يزعمونه، كأنه مصرَّحٌ في الحديث، فيُلزِم كل واحد منهم الآخر أنه خالف الحديث مع أن الحديث لا مِسَاس له بموضع النِّزاع، كما ستعرف عن قريب إن شاء الله تعالى. فالحاصل: أن الحديث إن قصرناه على العبادات كما يُعلم من كلام الطرفين، وعلى الثواب، كما يعلم من كلام فقهائنا، فنحن نلتزم أن الوضوء بدون النية لا ينعقد عبادةً. أما أنه لا يصلح للشروع في الصلاة، ولا يقع مفتاحاً لها فلا نسلِّمه، فإنه أمرٌ حسي، ومعنى الطهورية فيه أظهر، فيقع المفتاحية بلا مٍرية. وإن ادعوا أن الضروري منه هو الذي يقع عبادة ولا تصح الصلاة إلا به، فذلك نداء من بعيد. ثم إنهم إن أرادوا بالعبادة ما مر تفسيرها في كلام شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، فعليهم أن يُقيموا عليه دليلاً، أن الضروري هو الوضوء بهذه الصفة. وإن أرادوا بها ما يؤجر عليه فمسلم. ونحن نلتزمه ونقول: إنّ في وضوئنا أيضاً أجراً وإن لم يكن عبادة بالتفسير الذي مر، فإن القُرُبات والطاعات أيضاً عبادة، بمعنى أنها يؤجر عليها . ثم نُورد عليهم سوى ما ذكر: أنكم أوجبتم الدِّية في الخطأ مع أنه لا نية فيه. وقلتم بطهارة الثوب ولا نية فيها أيضاً. فما الفرق بين طهارة الأنجاس والأحداث؟ حيث جعلتم النية شرطاً في إحداهما دون الأخرى، فأجابوا عن الأول: أن الحديث إنما ورد في الخطاب التكليفي، وهو متعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء والتخيير، دون الوضعي، وهو أن يكون هذا سبب ذلك أو شرطه، كالدُّلوك للشمس والقتل من الثاني. وعن الثاني: أنه من قبيل التُّروك دون الأفعال. قلتُ: وكلها تفلسف وأمارة عن عدم إدراك المراد وعدم إصابة المرمى. ٨٥ كتاب بدء الوحي هذا خلاصة كلام الأكثرين منهم، ويحوم حوله كلمات الباقين، والأمرُ بعد في الخفاء! والذي أراه: هو أن الحديث لم يَرِد في وجود النية وعدمها كما يُشعر به تفاريعهم. وإنّما ورد في بيان الفرق بين النية الفاسدة والصحيحة فقال: ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله)) فهذه نية صحيحة. وقال: ((ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها)) فهذه نية فاسدة، فالحديث فصَّل بنفسه آخراً ما أجمله أولاً. وصرَّح بأنه لم يرد في بيان حكم الأعمال التي فيها النية والتي ليست فيها النية، بل جاء لبيان منفعة النية الصحيحة ومفسدة النية الفاسدة، وللتنبيه على أن للأعمال ربطاً بالنيات، فلا يغتر أحد بحسن علانيته مع قُبح سريرته، فإن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم وهذا الذي يناسب علوم النبوة. أما الكلام في الصحة، والبطلان، والجواز، والكراهة، فإنما هو وظيفة الاجتهاد. وما يجبُ عليه التنبيه من جهة النبوة. هذا لأن رجلاً يصلي طول ليله، ويصوم طول نهاره، ويجاهد بنفسه وماله، ويحج ويسعى، ومع ذلك لا يزن عمله عند الله جَنَاح بعوضة إذا كان لغرض من الأغراض الدنيوية، وهذا كله لفساد سريرته. ويكون رجل آخر فلا يكون له عمل صالح يُذكر، فييأس من مغفرته، ثم تخرُج له بِطاقة وتُوزَن بسائر أعماله الطالحة فيزنها ويرجحها، وهذا لحسن طويته وطيب نيته. حتى أن الأعمالَ قد تنقلب بالنيات حسنات، كما أنها قد تنقلب بها سيئات. قال تعالى: ﴿فَأُوْلَبِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]. والحاصل: أن بركة الأعمال ومحقها تناط بالنيات على نحو ما عند ((ابن ماجه)) في: باب التوفي على العمل، يقول: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إنما الأعمال كالوعاء، إذا طاب أسفله طاب أعلاه، وإذا فسد أسفلُهُ فسد أعلاه)). وإسناده ضعيف. وكما في الحاشية: الإناء يترشح، بما فيه. والظاهر عنوان الباطن. فتنوع الأعمال وتلوُّنها تدور بالنيات. وليس عملٌ إلا وله صِبْغ بلون نيته؛ إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً. فالنية الصحيحة مثمرة للبركات، وتوجب النماء في الأعمال. والفاسدة تمحو الأجور وتحبط الأعمال. وفي مثل هذا قص الله سبحانه: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَّوَةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا وَهُمْ فِهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود: ١٥، ١٦] فنعى على من كان نيته هكذا أنه قد حبط عمله. وقال تعالى: ﴿كَلَّذِى يُنفِقُّ مَالَهُ رِئَّةَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الَْخِرِّ فَمَثَلُهُ, كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ ثُرَبُ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤] ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الَّهِ وَتَثْبِينًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلٍ جَنَةِ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَتَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٥]. ولما انكشف الغطاء عن وجه المقصود، وظهر أن الحديث ورد في جميع أنواع الأعمال، ولم يختص بحكم دون حكم. وإنه لم يتعرض إلى ما فيه نيته وما ليست فيه تلك، ولكنه جاء مادحاً لمن نوى نيةً حسنةً، وقادحاً فيمن نوى نيةً فاسدةٌ فحبط عمله، علم أن ما ليس فيه نية خارج عن متناول الحديث. وأن الحديث لا مساس له بموضع النزاع، فينبغي أن يفوض صحة الوضوء بالنية وعدمها إلى الاجتهاد. وما يدلك على أن الحديث عام كما قلتُ ما قال البخاري ٨٦ كتاب بدء الوحي نفسه باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحِسبة، ولكل امرىء ما نوى، فَدَخل فيه الإيمانُ، والوضوءُ، والصلاةَ، والزكاةُ، والحجُ، والصومُ والأحكام ... إلخ. ثم الحديث لما كان عاماً عندي فينبغي أن يكون التقدير أيضاً كذلك كالنماء، والزكاة، والعبرة، والثمرة، والحِسبة: فمعناه، نماء الأعمال وزكاؤها وعبرتها وحسبتها بالنيات. ولست أريد من العبرة والحِسبة الفقهي، لئلا يرجع الكلام إلى موضوعه بالنقض، بل أريد على حد قوله عليه: ((إنما الأعمال بالخواتيم))، وفي لفظ: ((العبرة بالخواتيم)) أو ما سواها من الألفاظ التي تدل على اعتناء جانب الموافق، وعدم البطلان بجانب المخالف. وهذه الألفاظ كلها كذلك. وكأن تقدير الألفاظ إليك بعد ما عرفت حقيقة المراد. فهناك ثلاثة أشياء: العمل، والنية، والغاية. فأشار إلى الأول بقوله: ((فمن كانت هجرته)) فالهجرة عمل، وإلى الثاني بقوله: ((إلى الله)) فهو نية، وإلى الثالث بقوله: ((فهجرته إلى الله ورسوله)) وهو غايته، وهكذا في الجملة الثانية . الفرق بين القرينتين قد سبق إلى بعض الأذهان أن قوله: ((وإنما لكل امرىء ما نوى)» مؤكد لقوله: ((إنما الأعمال بالنيات)) مع أنهما يفترقان من وجوه. منها كما قال الشيخ السِّندي: أن الجملة الأولى جملة عرفية تجربية وليست بتشريع. أقول: وله نظائر كقوله: «لكل أمةٍ أمين، وأمينُ هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)). ((ولكل شيء زينة، وزينة القرآن آخر البقرة)). فكون الأمين في كل أمة وكون الزينة في كل شيء أمر يعلمه أهل العرف أيضاً ويستعملونه فيما بينهم. ثم جاءت الشريعة ونبهت على أن تلك الحقيقة سرت إليها أيضاً، فدلت على أمين هذه الأمة. وهذا مما لا يُعلم إلا من تلقائه على حد. ((وزينة القرآن)) وهي لا تُقتنى إلا من جهته، فبيَّن أنها البقرة، وكذلك: ((الأعمال بالنيات)) جملة يستعملونها أهل العرف ويقولون: هذه ثمرة أعماله "يعني عملون كي بهل " . والجملة الثانية: ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) حكم من جانب الشرع وتشييدٌ لما جرى بينهم وتحقيقٌ لما اعتبروه. وقيل: إن الأولى علة فاعلية، والثانية غائية، ففي الأُولى بيان للنية وهي مؤثرة، وفي الثانية بيان للغاية والثمرة. إلا أن الأغبياء جعلوا الغاية أيضاً علة فاعلية لفاعلية الفاعل، إلا أن يفرَّق بين الفاعلية للشيء وبين الفاعلية لفاعلية الفاعل للشيء. وحينئذٍ وإن كانت الغاية فاعلية، لكنها لفاعلية الفاعل للشيء، دون الشيء نفسه. وقيل: إن الأولى في حال الأعمال، والثانية في حال العالمين. وقيل: مفاد الأولى ضرورة النية في الأعمال، فهي المدار لحبطها وعبرتها. والثانية في تعيين المنوي، فإن لكل امرئ ما نوى، فلا بد أن يعين المنوي. ثم ما المراد بقوله: ((ما نوى)) هل المراد منه الغاية والثمرة؟ أو عين ما نوى؟ والأظهر عندي هو الثاني. فكلٌ يجدُ في آخرته عينَ عمله وعين ما ينويه في دُنياه. ولهذه الدقيقة ورد الجزاء بعين ألفاظ الشرط. والناس لما لم ينتقل أذهانهم إليه شمروا للجواب عن اتحاد الشرط ٨٧ كتاب بدء الوحي والجزاء، مع أن في الحديث أذان من الله ورسوله إلى من هاجر إليهما في الدنيا أنه يجدُ هجرته تلك بعينها في الآخرة. ومن هاجر إلى دنيا أو امرأة لا يجدها إلا تلك ﴿وَلَا يَظْلُِّ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ، [الكهف: ٤٩] وقال تعالى: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩] فهذه حقيقة غَفَلَ عنها الناس، وفهموا أن في الدنيا أعمالاً وفي الآخرة ثمراتها. ثم أشكل عليهم مسألة التقدير، وقالوا: إن الأعمال لما كان من إقداره وتقديره، فترتب الجزاء عليها غير ظاهر. وفيه نظم لي طويل: وقد وجدوا ما يعملون وعوَّلوا وليس جَزَاءُ ذاك عينَ فِعَالِنَا ولكنَّ سِتراً حالَ سوف يزولُ وفي الحَال نارٌ ما تورط ههنا وسنقرره إن شاء الله تعالى في مقامه. هل يُشترط سُنُوح الجُزئيات لإحراز الثواب؟ فقوله: ((إنما الأعمال بالنيات)) يُشعر بكفاية النية الإجمالية، وقوله: ((إنما لكل امرىء ما نوى)) يُشعر بتفصيلها. فإنه إذا وجد ما نواه ولم يجد ما لم ينوِ، فقد لزم منه التفصيل. والذي يظهر أن النية الإجمالية كافية لإحراز الثواب قطعاً ولا يجب سنوحها. ألا ترى أن من ربط فرساً في سبيل الله يحصل له الأجر على روثه، وبوله، واستنانه، وريِّه، وعلفه، وشربه، مع أنه لم يَسْنَح له هذه الجزئيات عند ربطه في سبيل الله. نعم، بسط النية دخيل في انبساط الأجر، فإن الأعمال وثمارها تابعة للنيات، فقبضها بقبضها وبسطها ببسطها . والحاصل: أن الحديث فَرَّق بين النية الفاسدة والصحيحة نصاً. أما كونها مجملة أو مفصلة فلم يعط فيه تفصيلاً من عنده. وقوله: ((ما نوى)) أيضاً مجملٌ ومعناه: ما نوى نية إجمالية أو تفصيلية. بقي أن القدر الضروري هو النية نفسها، أو يشترط شعورها أيضاً. والأوضح أن النية في مرتبة العلم كافية، وهي التي تسبق الأفعال الاختيارية، ولا يشترط في مرتبة علم العلم. وحينئذٍ فصورة الذهول ليست بمذكورة في الحديث. وحاصله: أن النية العرفية تكفي لإحراز الثواب، ولا يشترط شعورها وتقررها واستحضارها. وهو العرف في هذه المواضع، ولا ينساق الذهن إلى المرتبة المنطقية، وهي علم العلم، فلا يُحْمَلُ عليها الحديث أصلاً. بخلاف الخصوم، فإن كلامهم أقرب إلى مرتبة علم العلم. تنبيه: ومما ينبغي أن يُحْفَظَ ولا يُذْهَلَ عنه ما اختاره الغزالي فيما يتعلق بالثواب: أنه إن كان القصد الدنيوي هو الأغلب لم يكن فيه أجر، أو الديني أُجِرَ بقدره، وإن تساويا فتردَّد القصدُ بين الشيئين فلا أجر. وأما إذا نوى العبادة وخالطها شيء بما يغاير الإخلاص، فقد نقل أبو جعفر بن جرير الطبري عن جمهور السلف: أن الاعتبار بالابتداء، فإن اعتراها فساد بعد الشروع - والعياذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر - فنرجو من رحمة الله أن يتغمده بغفرانه ولا يُخْبِطَ ٨٨ كتاب بدء الوحي عَمَلَه. فعلى المحسن الخاشع المريد وجهَ الله أن يصحح نيته، ويسعى فيهما عند الشروع في العمل، ويبذل في استقامتها جهده، ثم يسأل الله أن يقيمَه. وهي غنيمة باردة للإنسان الذي خُلِقَ ضعيفاً، وصدق الله عزَّ وجلَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وثانياً: أن الأجساد هي البادية في هذا العالم والنية مستورة بالمرة. وينعكس الأمر في المحشر، فتكون النيات متبوعة والأعمال تابعة، وتكون هي البادية. فيراها أهل المحشر كلهم عِيَاناً، كالأجساد في هذا العالم، فإن ظهورَ كل شيء ما ناسب مكانه ومحله، والمحشر هو محل ظهور النيات، فإن الله سبحانه لا ينظر إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم، ومن يرائي يرائي الله به، ومن سمع سمع الله به. فهذه كلها ظهور النيات. وعلى هذا لو اشتمل عمل على ألف نية، تكون ألف عمل يوم القيامة، والله تعالى على ما يشاء قدير. وقوله: ((إنما الأعمال بالنيات)) بحرف القصر في مقابلة من زعم عبرة الأعمال ونماءها بالنية الفاسدة، أو أن الأعمال لا تأثير فيها للنيات، فجيء ((بإنما)) على طريق قصر القلب، كما قال عبد القاهر في ((إنما)). ثم تحير الشارحون في وجه حذف البخاري قطعة من الحديث وهو قوله: ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ... إلخ)) مع أنه ذكره من غير طريق الحُميدي مستوفى، وقد راجعت نُسخة الحُميدي - غير مطبوعة - فوجدت تلك القطعة فيها. فعلم أن التصرف من جانب المصنف رحمه الله. ومحصل الجواب أن الجملة الأولى المحذوفة تشعر بالقربة المحضة، والجملة المذكورة تحتمل التردد. فلما كان المصنف رحمه الله كالمخبر عن حال نفسه في تصنيفه هذا بعبارة هذا الحديث، حذف الجملة المُشعرة بالقُربة المحضة فراراً من التزكية. كذا في ((الفتح)) والتفصيل في الشروح. أما وجه مناسبة الحديث مع الترجمة فمن وجوه ذكرها الشارحون، وما يحكم به الخاطر الفاتر هو أن ورود الأفعال إنما هو بالوحي وصدورها بالنيات. فالوحي مبدأ لوجودها، والنية مصدر لصدورها ونعني بورود الأفعال مبدئياً، أي الأوامر والنواهي. فالأوامر والنواهي ليست إلا من تلقاء الوحي، فيكون مبدأ لها. وكذلك صدورها لا يعتبر في الشرع بدون النية، فتكون مبدأ أيضاً. فالأفعال ذو حظ من الطرفين، والعلاقة هي الوحي في جهة: والنية في جهة. فالوحي والنية علاقتان لها: إحداها لوجودها، والثانية لصدورها والله تعالى أعلم. ولنا أن نقول فى وجه المناسبة، ولنمهد لذلك مقدمة: إن كل شىء إنما يعرف بآثاره، فإن كانت آثارهُ حسنة، كان الشيء حسناً، وإن كانت قبيحة، كان الشيء أيضاً كذلك. كيف لا وإنما الثمرة تنبىء عن الشجرة، ولذا تراهم عدوا الاستدلال من الأثر على المؤثِّر تحولٌ من الحُجة. وبعد ذلك نقول: إن أحوال العرب قبل مبعثه ◌َليل غير خافية على من له شيء من الخبرة، فإن ظلمات الكفر والطغيان قد كانت متراكمة على ضواحي الدنيا، لم يكن يُعرف الحق من الباطل، ولم يكن فيهم من كان يعبد الله على حرف، وكانت الكلمة الإبراهيمية قد انطمست، والملة الحنفية قد اندرست وانعدمت، ومصابيح الهداية أطفئت، ورياح العلوم الحقة ركدت، ٨٩ كتاب بدء الوحي حتى أنهم كانوا عاجزين أن يفهموا أن لهم رباً، فنحتوا الأصنام وعبدوها . أما أخلاقهم فلا تسأل عنها، كان سفك الدماء، وهتك الأعراض، ونهب الأموال من عظم مفاخرهم، يبولون كما يبول الإبل، يمشون وهم عراة، لا يفرقون بين المحارم وغيرها، يرثُ أكبر الأبناء زوجةً أبيه، يئدون البنات، قاموا العصبية الجاهلية، ودعوا لعصبة الجاهلية، وإذا هاج شر قَضم بعضهم بعضاً كالفحل، وعاثوا في الأرض، حتى انقطعت السُّبُل والتجارة، وتعذر الخروج إلا في الأشهر الحرم، وكانوا في تَرَحِ وَمَرَح، إذ بعث الله فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فلم يترك شيئاً من دينهم ودنياهم إلا وعلمهم، حتى سادوا الناس وملكوا الأرض، فضُرِبت بهم الأمثال، واهتزت الأرض من الأنوار الإلهية، وملئت عدلاً وأمناً، وأخرجت الكلمة شطأه حتى قامت على سوقها ليغيظ بها الكفار، فمن كان صاحب تلك الآثار وقريبها، ما ظنك به؟ لا ريب في حسن نيته وكونه موحى إليه، ومن هنا ظهرت المناسبة من وجه آخر. ٢ - باب ٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ الحَارِثَ بْنَ هِشَامَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَيِّ: ((أَحْيَاناً يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَاناً يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلاً، فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ))، قَالَّتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيهِ الوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيُفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقاً . [الحديث ٢ - طرفه في: ٣٢١٥]. حديث صلصلة الجرس واعلم أن المصنف لما فرغ عن النية التي هي مبدأ الأعمال من جهة، شرع في الوحي الذي هو مبدؤها من جهة أخرى، وهو المقصود ههنا. أما الوحي والكلام فيه فالحق إنه خارج عن موضوعنا كما ذكره الشيخ الأكبر في ((الفتوحات))، أن ما لا يحصل لنفسه لا يُدْرِدُ كُنْهَه . وذكر أنه دخل مرة في ملأ من الأولياء وهم في ذكر من المقام الموسوي، فَوَكَلوا الكلام إليه، فقال: لا يحل لي أن أتكلم فيه، لأنه لا يحصل لي، فكذلك الوحي لا يُدْرِك كنهه إلا لمن اتصف به. ولم يرو في هذا الباب عن السلف شيء كثير، إلا ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه: أن الوحي هو القذف في القلب - أي في الآية التي سنتكلم عليها آنفاً - ولم ينفصل الأمر منه، فإن القذف والقذف يتغايران فلا ندري ما كيفيته، فإننا أيضاً نقذف في قلوبنا. وقد ذكر العلماء أقسامه. والأولى عندي أن يقتصر على ما اقتصر عليه النص، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيًا﴾ إلخ [الشورى: ٥١]. ٩٠ كتاب بدء الوحي تفسير آية الوحي إجمالاً واعلم أولاً أن الوحي على ثلاثة أنحاء: الأول: أن يُسخّر باطن المُوحى إليه إلى عالم القدس، ثم يُلقى في باطنه، فلا توسُّط للملَك في هذا النوع. الثاني: ما يكون فيه دخل لحواس المُوحى إليه، فَسمِعَ فيه الصوت، وهو صوت الباري تعالى عند البخاري، بحيث لا يُشبه أصوات المخلوقين، ليس فيه مخارج ولا تقطيع. وقال الشيخ المجدِّد السَّرهندي رحمه الله تعالى: وليس بجزء ولا كل وليس بزماني ولا مكاني وسيجيء الكلام فيه. والثالث: أن يجيء المَلَكَ وهو على نحوين: الأول: أن يُسخر الملك باطن النبي. والثاني: أن يتمثل بنفسه في صورة البشر، كقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]. إذا علمت هذا فاسمع منا تفسير الآية: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ أي نبي ورسول، فالمراد منه هو النبي أو الرسول وإن كان اللفظ عاماً، وإنما لم يقل: لنبي أو رسول صراحة، حذراً عن شبهة المصادرة على المطلوب. فإنهم لما قالوا: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ .. ﴾ [البقرة: ١١٨]، أجابهم بأنه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ وحينئذٍ لا يناسب وصفه بالنبوة أو الرسالة، لأنه أول النزاع، وهو اعتراضهم أن الله لم لا يكلم واحداً منا ويكلم هؤلاء !! فأجاب بنحو تعميم في اللفظ مماشاة معهم كما قال الرسل: ﴿إِن ◌َّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [إبراهيم: ١١] ﴿أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ والمراد منه عندي: الإعلام بخفية، وهو النوع الأول، ويدخل فيه الإلهام والمنام. ولا يقصر على الإلهام والمنام فقط كما قالوا: ﴿أَوْ مِن وَرَآٍِ حِجَابٍ﴾ إشارة إلى النوع الثاني: وهو ما تيسر له وَّج٤ ليلة المعراج ولموسى عليه الصَّلاة والسَّلام على الطور. الكلام في أنه وَِّيه هل جمع بين الرؤية والكلام ليلة المعراج بقي الكلام في أن النبي ◌َّ- هل جُمع له بين الكلام والرؤية ليلة المعراج أو كانت الرؤية بدون الكلام والكلام من وراء حجاب؟ فالله أعلم به. نعم، التفسير المذكور يُبنى على الفصل بينهما، فإن قوله: ﴿مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ حينئذٍ يدل على أنه لم تكن وقت الكلام رؤية، بل حصل له الكلام بدون الرؤية. وإن قلنا بالجمع له بين الرؤية والكلام أي كانا معاً، فالجواب على حديث مسلم أن الرؤية أيضاً كانت في الحجاب: ((عن أبي موسى: أن حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)). وفي ((القاموس)): سبحات وجه الله: أنواره. فعُلم منه أن الحجاب لا يُكشف، ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه. فالرؤية في الحجاب، والحجاب هو النور. ٩١ كتاب بدء الوحي وعند مسلم (١) ((نورٌ أَنَّى أراه))؟! يؤيده فإنه لا ينفي الرؤية مطلقاً، ولكنه ينفي اكتناهه والإحاطة به والتحديق إليه ورؤيته متمكناً؛ فإن كمال النور يمنع الإدراك، وحينئذٍ لو كانت بدون الحجاب لأمكن أيضاً. فالنبي وَلّ حصل له الرؤية ألبتة، ولكنها كانت رؤية دون رؤية، وهي التي تليق بشأنه تعالى؛ فإنه لا يمكن لأحد أن يتقرر بصره على وجهه تعالى، وهو العلي العظيم، فإن مهابة كبريائه مانعةٌ عن النظر إليه متمكناً، ولكنه رؤية دون رؤية، كما يتيسر لنا لأحد من الكبراء في الدنيا بطريق مسارقة النظر. ولذا ترى الألفاظ فيها واردة بالإيجاب مرة والنفي أخرى. ولا تريد أن تؤدي تلك الرؤية في العبارة إلا جاء التعبير هكذا موجباً مرة ونافياً أخرى. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَى﴾ [الأنفال: ١٧] فجاء فيه النفي والإثبات معاً، فهكذا أمر الرؤية. والحق أن المعاملات الربانية كلها لا توفيها الألفاظ كما هي، فيحدث هذا العُسر لضيق نطاق البيان. فاختلاف الإثبات والنفي ليس تنافياً وتضاداً، بل كل منهما أحد طرفي المراد. وإذا هو رؤية المتأدب، ورؤية بين رؤيتين، ورؤية دون رؤية. فلو شئت أن تثبتها أثبتها، ولو شئت أن تنفيها نفيتها، لا بمعنى أنها لم تحصل، بل بمعنى أنها رؤية تتحمل الإثبات والنفي معاً. وحينئذٍ لو كان لفظ مسلم: ((نُورٌ أَنَّى أرَاه)» لصح أيضاً، فإنه رأى ربه ألبتة وكان نورانياً. وقد وقع إطلاق النور عليه في القرآن أيضاً: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]. ولكن هذا أيضاً رؤية دون رؤية، فإن شئتَ أثبتها وقلت: كان نورانياً حين رآه. وإن شئتَ نفيتَ عنه وقلت: ((نور أنَّى أراه)) فإنها ليست رؤية بتمامها وكمالها. وفي لفظ: ((رأيت نوراً)) وهذا أيضاً يحتمل المعنيين: أي رأيت نوراً فحسب دون الذات، ومنعني النور عن رؤيتها. أو رأيت ذاتاً منوراً. وقد فهم الناس التقابل بين هذين الاحتمالين، وهما عندي واحد، فإن الرؤية التي حصلت (١) قال بعض المحققين في شرحه على منظومة في العقائد: أن الإدراك في قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ في أَحد تفسيري ابن عباس رضي الله عنه: هو الرؤية على نحو الإحاطة بجوانب المرئي، إذ حقيقته النيل والوصول ومن المعلوم أن الرؤية المكيفة بكيفية الإحاطة أخص مطلقاً من الرؤية المطلقة، فلا يلزم من نفيها نفي المطلقة وثاني تفسيري ابن عباس رضي الله عنه: أنه لا تدركه الأبصار إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، فإنه إذا تجلى بنوره الذي هو نوره لا يقوم له بصر، لأن هذا التجلي مغنٍ للمتجلّى له، كما يشير إليه حديث أبي موسى حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، بخلاف التجلي الشمسي والقمري أي التجلي في النور الوارد في حديث: ((هل تضارون في الشمس)) ... إلخ ((هل تضارون في القمر)) اهـ. فإنه لا يغني المتجلى له، فيتمكن من الرؤية وعلى الأول يُحمل حديث أبي ذر رضي الله عنه: ((نور أنَّى أراه)) وكذلك حديث عائشة رضي الله عنها في نفيها الرؤية، يُحمل على نفي الرؤية لهذا النور، لا مطلقاً. ويُحمل حديث أبي ذر رضي الله عنه أيضاً عند مسلم: ((رأيت نوراً)) على التجلي في نور يقوم له البصر أي التجلي الشمسي أو القمري ... إلخ ص ٣٠٦ . قلت: وإن كان الجمع بين الحديثين يحصل منه أيضاً، لكن ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى في وجه الجمع الطف منه؛ فإن الرؤية عنده رؤية يتأتَّى فيها الإثبات والنفي معاً، لكون رؤيته دون رؤيته. ٩٢ كتاب بدء الوحي له *ّ كانت رؤية حقيقة وأمكن أن تكون بدون الحجاب أيضاً، إلا أن مهابة الكبرياء مَنَعَ التحدیق إلیه، فصارت بین بین، وکان كما قيل: نظراً إليه وردَّه أشْجَانُه فبدا لينظرَ كيف لَاحَ فلم يُطِق ولكنه ◌َّ تشرَّف برؤيته تعالى، ومَنَّ عليه ربُّه بها وكرَّمَه، وتفضَّل عليه بنوالِهِ، وأفاضَ عليه من أفضاله، فرآه رآه كما قال أحمد رحمه الله تعالى مرتين. إلا أنه رآه كما يرى الحبيبُ إلى الحبيب، والعبد إلى مولاه، لا هو يَمْلِكُ أن يَكُفَّ عنه نظرَه، ولا هو يستطيع أن يُشخص إليه بَصَرَه. وهو قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا ◌َنَى (1﴾ فالزيغ: أن يتغافل عن جمال وجهه، فلا يراه مستجمَعاً. والطغيان: أن يراه، ولكن يتجاوز عن حَدِّه، فيقع في إساءة الأدب. وهذا إثبات لرؤيته في غاية اعتدال. فالحاصل: أنها كانت بحيث لا يصفُها واصف، أمَّا أنَّها كيف كانت؟ فلا تَسأل عنها، فإنها كانت وكانت. أطرقتُ من إجلالِهِ أَشْتَاقُهُ فإذا بَدَا ولو كانت(١) رؤية منام لما اخْتِيج إلى تلك الاحتراسات. ومن ههنا اختلفوا في نفس الرؤية لعامة المسلمين في الجنة. هل تحصل برفع الحجاب؟ أو تكون في الحجاب؟ فجنح الشيخ الأكبر إلى أن رداء الكبرياء لا يُرفع في الجنة أيضاً، فإن المرئي في الرداء يُعَدُّ ذاتُهُ مرئياً عُرفاً، كما لو رأيت رجلاً في ملبوس، لا تقول إلا أنك رأيتَ ذاته حقيقة. ولا يُشترط لرؤية الشخص رؤيته مجرداً عن اللباس. وإنما يكون المراد منه ما هو المعروف، والمعروف فيها ما قلنا. فكذلك الله سبحانه يكون مرئياً البتة، إلا أن رؤيته تكون في رداء الكبرياء عنده، وهي التي بَشَّر بها الله سبحانه عبادَه بالغيب. وذهب العلماء إلى أنها تكون برفع الحجاب، على ما وقع من تشبيه رؤيته برؤية القمر ليلة البدر. وهذا التشبيه لا يَرِدُ على ما اختاره الشيخ، كما سبقت الإشارة إليه، فإن المراد في الأحاديث من عدم الحجاب عنده، سوى (١) وقد أجاب الشيخ رحمه الله تعالى عما روى أن المعراج كان مناماً ما حاصله أن الأنبياء عليهم السلام يرون في اليقظة ما يروه العامة في المنام، ونظيره أن الأولياء يرون في كشوفهم أشياء بعين الباصرة ولا نراها، كذلك الأنبياء عليهم السلام يرون المغيبات بأعين الباصرة في اليقظة إلا أنها لما تكون غائبة عن حسنا وباصرتنا يعبر عن رؤيتهم تلك بالمنام لأن النائم أيضاً يرى أشياء ولا نراها، فلما اشتركت رؤيتهم في اليقظة برؤية النائم في نومه عبر عنها بالنوم تارة وبالرؤيا أخرى ولا لفظ يؤدي مؤداه، يكشف عن مغزاه غيره وهكذا كان يحققه منذ زمان ثم رأى مثله عن السيوطي رحمه الله تعالى في تنوير الحوالك فرضي به جداً. وبالجملة هناك كيفيات يضيق عنها نطاق البيان ولن يفقهها إلا ذووها، ولهذا العسر تراهم يختلفون في الرؤية ليلة المعراج لكونها رؤية المغيبات بعين الباصرة، وتلك الرؤية لا لفظ لها، فقد يعبر عنها بالنوم، وتارة بالرؤيا، وأخرى بالرؤية فيحدث الانتشار. ومن هذا الباب قوله تنام عيناي ولا ينام قلبي كلها كيفيات يذوقها صاحبها ويشهد له ما في المشكاة في باب فضائل سيد المرسلين، وسأخبركم بأول أمري دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني، ص ٥١٣، ففي اللمعات ينبغي أن يحمل الرؤيا على الرؤية بالعين. قلت وإنما اضطر إلى حمله على الرؤية بالعين لأنه زعم أن الرؤيا تختص بالنوم وقد كشف شيخي عن معناها، فالحديث دليل له لا أنه يحتاج إلى تأويل. ٩٣ کتاب بدء الوحي حجابه الذي هو نوره ورداؤه الكبرياء، والرؤية مع الرِّداء رؤيةٌ للذات عرفاً وشرعاً بلا تأويلٍ وتأمل. قلتُ: وليس هذا اختلافاً وإنما هو اختلاف الأنظار، ونَظَرُ العلماء أحكم، ونظر أرباب الحقائق أسبق وألطف، فهم يُمَثِّلون على ما يظهر من ظاهر الشريعة، وهؤلاء يراعون ما كَشَفَ الله سبحانه عليهم من حقائق الشريعة وخبيئة أسرارها. وفي الحديث: ((لكلِّ آيَةٍ ظهر وبطن، ولكلٍّ حدٍّ مطلع)). والأمر إلى الله سبحانه. وسيجيء بقية الكلام فيه إن شاء الله تعالى في موضعه في آخر الكتاب. ولعله ◌َّ تشرَّف بالإيحاء أولاً، ثم انتهى الأمر إلى الرؤية، وكانت عِياناً. ولذا انتقل إلى تحقيقه وتثبيته في سورة النجم. ولم يكن في الإيحاء أمر بديع في حقه، فذكره كأنه أمرٌ مفروعٌ عنه. وإذا نزل إلى ذكر الرؤية أكَّده بأنها كانت بالفؤاد والعين معاً. وكانت بدون الطغيان والزيغ. وهذا على نحو ما وقع لموسى عليه الصَّلاة والسَّلام: الكلام أولاً ثم الرؤية ثانياً. ولكنه رآه تعالى ثم نغُشي عليه؟ أو لم يره وغَشِي قبله. فأمرٌ يعلمه الله سبحانه، إلا أن نبينا وَّ رآه قطعاً(١) ولم يُغْشَ عليه، ولكن خَرَّ ساجداً كما كان يليق بهذا الوقت، وبقي صاحياً لم يأخذه غَشْيٌّ، مؤدِّياً وظيفة العبودية، مؤذَّباً في حضرة الربوبية. فانظر كيف ذَكَرَ رؤيته حيث لم يجعلها مقصودة بالذكر؟ فكأنها أمرٌ مما لا يُنكر، إذ كان ◌َّر دُعِي لذلك، وإنما اهتم برفع ما يمكن أن يقع فيه من اشتباهات، فأزاحها وأكدها بما لا مزيد عليه، فنفى عنه: الضلال، والغواية، والنُّطق عن الهواء، والزيغ، والطغيان، وذَكَرَ عِلْمَه، وحال معلِّمِهِ، والمباسطة بينهما، وأثبت له الرؤية بالفؤاد، والعين، وأنه قد تصادقا عليه، فما رآه البصر صدَّقه الفؤاد ولم يكذبه، ولا تردد فيه، وما ذاك إلا لأنها كانت رؤيةً بصريةٌ يَقظَةً. ﴿ فَّأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ولكن ﴿وَمَن لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: ٤٠] والله تعالى أعلم. ثم لنرجع إلى ما كنا بصدده ونقول: إن قوله: ﴿مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ إشارة إلى النوع الثاني. (١) قال بعض المحققين في شرحه على المنظومة في العقائد في تفسير قوله تعالى ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني أي وأنت على حالتك هذه من غير الصعق، ومفهومه وإن لم يستقر مكانه فلن تراني وأنت على حالتك هذه بل لابد من الصعق فلما تجلى ربه للجبل الذي هو من جملة الأشياء التي تسبح بحمد الله المستلزم لحياته وعلمه جعله دكاً (مفتتا) فلم يستقر مكانه فلم يتحقق شرط الثبات على حالته التي كان عليه ولذا خر موسى صعقاً مغشياً عليه أو ميتاً فعلى هذا بقية الآية دليل على وقوع الرؤية لسيدنا موسى بعد دلالة أولها على جوازها والله أعلم. ووجه الجمع حينئذ بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم: ((أن الله أعطى موسى الكلام وأعطاني الرؤية وفضلني بالمقام المحمود والحوض المورود)». أخرجه ابن عساكر عن جابر كما فى الجامع الكبير للسيوطي هو أن الرؤية التي أعطاها الله لنبينا صلى الله عليه وسلم عدد خلقه، هي الرؤية مع الثبات على الحالة التي كان عليها قبل الرؤية، كما أن الكلام الذي أعطى موسى كذلك بخلاف الرؤية التي حصلت لموسى فإنه لم يثبت معها وصارت سبباً لصعقة. ٩٤ كتاب بدء الوحي وقوله : ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ إشارة إلى النوع الثالث مع قَسِيمَيْه. فإن قلت: إذا قال في الثالث: ﴿فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ﴾ فهذا وحي، والأول أيضاً كان وحياً، فلم يستقم التقابل بين الأقسام. قلتُ: بل الأول وحي، وهذا إيحاء، وبينهما فرق، فإنه جاءت المعهودية الشريعية في الوحي، وهو ما عُرِف نزولُه على الأنبياء، يَعْرِفون به شريعتهم، بخلاف الإيحاء، فإنه على صَرَافة اللغة كالنبوة والنبي، فإن النبوة على صرافة اللغة فيقال: قد نبأنا الله من أخباركم، ولا يقال: إنه نبي ذلك. ولهذه الدقيقة نُسِب الإيحاء إلى غير الرسل أيضاً. بخلاف الوحي فقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ﴾ .. إلخ [النحل: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أَمِّ مُوسَىٌّ﴾ [القصص: ٧]. فالإيحاء ههنا على اللغة بخلاف الوحي، فإنه لم يُستعمل إلا في شأن الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام. وأيضاً إنما صح التقابل بينهما لأن بينهما عموماً وخصوصاً. فإنهما يشتركان في التسخير ويختلفان بمجيء المَلَك في الثالث دون الأول. ولذا جمع ههنا بين الإرسال والإيحاء فقال: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوجِىَ بِإِذْنِهِ﴾ إلخ. ففي هذا النوع إيحاء أيضاً، إلا أنه بتوسط المَلَك. والحاصل: أن الله سبحانه لا يُكَّلَم مشافهة، ولا يليق بشأن العبد أن يكلِّمه عِياناً، فإما يكلمه خُفْيَةً، أو مِن وراء حجاب، أو بتوسط المَلَك. أما الفرق بين الكشف والإلهام، فكما قال الشيخ المُجَدِّد السَّرْهَنْدِي: إن الكشف أقرب إلى ما سمَّوه أهل المعقول بالحِسِّيات، والإلهام إلى ما سمَّوه بالوجدانيات، ولعل الإلهام أقرب إلى الصواب من الكشف، فإن الكشف: رفع الحجاب عن الشيء، والإلهام: إلقاء المضمون. ٢ - (أحياناً يأتيني) وفاعله باعتبار الظاهر هو الوحي. ولكن المصنف [رواه] بوجه آخر عن هشام في بَدْء الخلق قال: ((كل ذاك يأتي المَلَك)). ويُعلم منه أن الفَاعل بالحقيقة هو الملك. والصلصلة قيل: هي صوت المَلَك بالوحي، وقيل: هي صوتُ حَفِيفِ أجنحة المَلَك، وعليه اعتمد الحافظ . (مثل صلصلة الجرس) والصلصلة: صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أُطلق على كل صوت له طنين، ولا يَرِدُ أنه تشبيه محمودٍ بمذموم، فإن التشبيه لا يلزم فيه التساوي من جميع الوجوه، بل يكفي اشتراكهما في صفة. ووجه الشَّبه ههنا هو تدارك الصوت بدون مبدأ ومقطع، فكما أن صوت الصلصلة والسلسلة متدارك ومسلسل، كذلك صوت الوحي يكون بسيطاً بدون مبدأ ومقطع. وهذا بخلاف أصوات البشر، فإنه ينطوي على مبادىء ومقاطع، فهذا هو وجه الشبه. وما ألطف ما قال الشيخ الأكبر: إن صوت الباري جل ذكره يُسمع من كل جهة، ولا تتعين له جهة. وصوت الصلصلة أيضاً كذلك، فوجه الشَّبه حينئذٍ مجيئُهُ من جميع الجوانب ومن جميع الجهات. ونُقِل أنَّ موسى عليه السلام كان يسمع كلامه تعالى على الظُّور من كل جهة. ولذا أقول: إن الصلصلة هي صوت الباري تعالى على خلاف ما اختاره الشارحون. واعلم أن ههنا مطلبان: الأول: ثبوت الصوت للباري تعالى ولا تردد لي في ثبوته، ولكن لا كأصوات المخلوقين سبحانه وتعالى. واختاره البخاري أيضاً في آخر كتابه. ٩٥ كتاب بدء الوحي والثاني: أن تلك الصلصلة هل هي صوت الباري عَزَّ اسمُهُ أم لا؟ وأختار فيه من عند نفسي أنها صوت الباري تعالى، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. والسّرُّ فيه أن ذلك الصوت ثابت في ثلاثة مواضع: عند صدوره من الحضرةِ الربوبية، وعند تلقِّي المَلَك، وعند إلقائه على النبي. فمبدؤه من فوق العرش ومنتهاه إلى النبي، وليس مقصوراً على هذا الموضع فقط، فينبغي أن لا يُغْفَلَ عنه، فإنه يتحدس منه أنه شيء واحد من هناك إلى ههنا. ويُستفاد من كلامهم أنهم قَصَرُوا ذلك الصوت على الموضع الأخير فقط، فحكموا عليه أنه صوت أجنحة الملائكة. وفي حديث النَّواس بن سمعان عند الطبراني وأخرجه الحافظ في باب قول الله عز وجل: ﴿وَلَا نَفَعُ الشَّفَعَةُ﴾ [سبأ: ٢٣] تحت حديث أبي هريرة ما نصه: ((أَخَذَتْ أهلَ السمواتِ منه رَعْدَةٌ، خوفاً من الله، وخَرُوا سُجَّداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل فيكلمه الله بما أراد)) اهـ. (وبالجملة): الصوت هو صوت الباري تعالى. ويجيء الكلام في ثبوت الصوت وسائر صفاته تعالى في آخر الكتاب مبسوطاً إن شاء الله تعالى. ثم إن هذا الصوت هل يبلغ إلى النبي بعينه كما يبلغُ إلى أهل السموات؟ أو يتلقاه المَلَك ويحفظه كما تُحفظ الأصوات في الألواح المعروفة اليوم : - بما يسمى بالفونوغراف. فأمرٌ يدور النظر فيه. ولم يتعرَّض إليه الحديث. فلذا اكتفيت بقدر ما أثبته الحديث، وكففت عما سكت عنه الحديث. فإن قلتَ: في إثبات الصوت تشبيهٌ؟ قلتُ: كلا، فإنه صوتٌ بحيث لا يُشبه أصوات المخلوقين، فلا تشبيه. والتنزيه عند أهل السنة ليس كتنزيه الفلاسفة. وكذا التشبيه عندهم ليس كتشبيه المُشبِّهة. بل نقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فنفى المِثليَّةَ وأثبتَ السمع والبصر بدون تأويل وتشبيه، فليس ربُّنا مجرداً عن السمع والبصر منزهاً عنهما كما زعمه عقلاء الفلاسفة، ولا مشبَّهاً سمعُهُ بسمعنا، وبصَرُهُ يبصرنا، كما توهمه جهلاء المشبِّهة، وإنما أمرنا بين التَّعطيل الصِّرف والتشبيه البحت كما قال الشيخ الأكبر: وتَعْرُوهُ عن الخَلْقِ فلا تَنْظُرِ إلى الحقِّ وتَكْسُوهُ سوى الحقِّ ولا تنظر إلى الخلق وقُمْ فِي مَقْعَدِ الصِّدْقِ ونَزِّهْهُ وَشَبِّههُ وترجمةُ قوله: ونَزِّهْهُ وشَبِّهْهُ: (أور تنزيه كي جااور تشبيه دائى جا) (وهو أَشَدُّه عَذَيِّ) ولمَّا كان في هذا النوع تسخيرٌ لباطنِهِ وانسلاخٌ عن بعض أوصافه، كان شديداً من سائر أنواعه، وإن كان الوحيُّ كلَّه شديداً. وهو إشارة إلى النوع الأول: (فَيَفْصِم عني) أي إذا انقطع الوحي فيُقْلِع ويَتَجلّى ما قد غشيتني من الشِّدة. (وقد وَعَيت عنه ما قال) إنما جاء بصيغة الماضي إشارة إلى مزيد التثبُّت فيه، ودفعاً لِمَا قد يختلجُ، من أنه إذا كان مثل الصَّلصلة فلعله لا يَفْهَمُ معناه، أو يتعسَّر فهمُهُ، فأزاحه أنه كان يَعِيهِ ويحفظه بدون تردد، وإنما التشبيه لمعنى آخر . ٩٦ كتاب بدء الوحي (وأحياناً يتمثل) ... إلخ إشارة إلى النوع الثالث. ولعل العسر لو كان فيه لكان على جبريل عليه السلام، بعكس ما في الأول، لأنه هو التاركُ لصورته الأصلية، والنازلُ إلى الصورة البشرية، وترك النَّشأة هو الموجب للعسر والشدة. وإنما لم يذكر الثالث لنَذْرَته وكونه مخصوصاً في الإسراء. فإن قيل: كيف تَمثِّلُه مع عِظَم ◌ُثَّته؟ قلت: هذا أمر لا ندخل فيه، ونؤمن حقاً بما أخبر به نبينا وَّة، وهو كقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]. وسئل إمام الحرمين عنه في الطواف، فأجاب بما تفصيله من ((الفتوحات)): إن الأرواح على نوعين: طيبة، وخبيثة. فالأولى: الملائكة، والثانية: الجِنّ، ثم جعل الشيخ رحمه الله الملائكة، والشياطين، والنفوس الناطقة الإنسانية عالماً برأسه. وسمّاه: عالم الأرواح، وقال: إن أشياء هذا العالم تتمكن أن تتصور بصور متنوعة، وتتشكَّل بأشكالٍ مختلفة، وتَكْبُر ما كانت صغيرةً، وتَصْغُر ما كانت كبيرةً، بلا زيادة أمر ونقصانه، بخلاف الأجساد، فإنها لا تتمكن أن تتغير بتلك التغيرُّات، وهذه المسألة تسمى اليوم: بتجسد الأرواح، وتروُّح الأجساد. قلتُ: وهكذا قال الصدر الشِّيرازي، وهو صوفي شيعي لا يَسُبُّ الصحابة رضي الله عنهم، ولكنه يُسيء الأدب في شأن الأشعري والرازي، وذكر أن أرواح المرتاضين رضي الله عنهم، تقدر على ذلك. قلتُ: ولا أعلم أحداً من علماء الإسلام قال بتشكّل أرواح الإنسان غير الشيخ الأكبر(١) . (فأعي ما يقول) وقوله: (وعَيْتُ) يدلّ الثاني على الفهم مع الصوت، والأول على الفهم بعده، كما هو الطريق المعروف عند مخاطبة رجل برجل. والفرق ما أشرنا إليه. (لَيَتَفَصَّدُ) مأخوذ من الفَصْد: وهو قَظْع العِرق لإسالة الدَّم. شُبِّه جبينُه بالعِرْقِ المفصود مبالغةً في كثرة العَرَق. وفي قولها بيان لما رأته من الشدة، ودَلالة على كثرة معاناة التَّعب، لما في العَرَق في شِدَّة البرد من مخالفة العادة. وقد وردت في بيان نقله أخبار، فلتُظْلَب من مواضعها. والله تعالى أعلم. ٣ - باب ٣ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيرِ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِىَءَ بِهِ رَسُوَّلُ اللَّهِ مَّهِ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيهِ الَّخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: ((مَا أَنَا بِقَارِىٍ،)) قَالَ: فَأَخَذَنِي (١) قلت وفي نسخة الإنجيل الموجودة بأيدينا أن عيسى عليه الصلاة والسلام كانت تتبدل صورته في أبصارهم وأعينهم وما ذاك إلا لغلبة الروحانية ومنه سمي روح الله - والله تعالى أعلم بالصواب -. ٩٧ كتاب بدء الوحي فَغَطِّي، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ((مَا أَنَا بِقَارِىٍ))، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّىِ بَلُّغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلتُ: (مَا أَنَا بِقَارِىءٍ))، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَّالَ: ﴿أَقْرَأْ بِسِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ ﴿٦ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ اقرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾ [العلق: ١ - ٣]. فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ ٢ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلٍِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَ: ((زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي))، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وأَخْبَرَهَا الخَبَرَ: ((لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفسِي)) فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا، وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَداً، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى، ابْنَ عَمَّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَأَ تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَّابَ العِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيخَاً كَبِيراً قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهَ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هذا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعاً، لَيتَنِي أَكُونُ حَيَّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾: ((أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟)) قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَظُ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ. [الحديث ٣ - أطرافه في: ٣٣٩٢، ٤٩٥٣، ٤٩٥٥، ٤٩٥٦، ٤٩٥٧، ٦٩٨٢]. ٤ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْي، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا المَلِّكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: ((زَمِّلُونِي))، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيُّهَا الْمَُِّّرُ قُرْ فَذِرْ ﴾﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَأَهْجُرُ ﴾﴾﴾ [المدثر: ١ - ٥]، فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ. تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ، وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: بَوَادِرُهُ. [الحديث ٤ - أطرافه في: ٣٢٣٨، ٤٩٢٢، ٤٩٢٣، ٤٩٢٤، ٤٩٢٥، ٤٩٢٦، ٤٩٥٤، ٦٢١٤]. الحديثُ الثَّالث (الرؤيا) قد كنتُ حققتُ في سالفٍ من الزمان أن الرؤيا ليست بنوم ولا يقظة، بل هي حال متوسطة بينهما، ولذا لا تزال تتسلسل ولا تنقطع إلا بالنوم الغَرِق أو اليقظة، ثم اطلعتُ بعد زمن طويل على ((دائرة المعارف)) لفريد وجدي، فرأيت فيها تحقيق أهل أوروبا الآن بعين ما كنت حققته سابقاً . ٩٨ كتاب بدء الوحي رؤيا الأنبياء ولا شك أنه وحي وإن احتاج إلى التعبير، ولذا لما رأى إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام أنه يَذْبح ابنه تَشمَّر للذبح، وكان من شأنه كما قصَّه الله سبحانه وتعالى، ولولا أنها وحي لما اجترأ على مثل هذا. واعلم أن أهل الكفر كانوا يذبحون أولادهم تقرُّباً إلى الله، ولم يكن هذا في دين سماوي قط. وتأويل رؤياه ما وقع منه فحسب، وبه تمّ الاختبار والابتلاء، ولم يكن الذبح مراداً من أول الأمر، فلما صلَّقه وامتثل به وأجراه على ظاهره، ناداه ربه: ﴿أَن يَإِبْرَهِمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَاً﴾ [الصافات: ١٠٥]، ثم فداه بكَبْشٍ، فإن شاكلةً وحي الرؤيا على خلاف شاكلة الوحي الصريح، فإنه قد يكون أُنموذجاً يكفي لّصدقها في الخارج نحو من الوجود، لا كما قال الشيخ الأكبر: إن إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام كانَ مأموراً بذبح الكَبْش من أول الأمر، ولكنه شدَّد على نفسه، وأراد أن لا يُؤول رؤياه، بل يُجربها على ظاهرها، فكشف الله سبحانه عن مراده: أنه ذَبْحُ الكَبْش. ومعنى قوله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَاً﴾ عنده أي أمضيتها على ظاهرها، مع أن المراد منها كان هو ذبح الكَبش، دون ذبح الولد. فإن الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام، أقرب فهماً لهذه الأمور من الأولياء والصواب أنها تحتاج إلى التعبير كرؤيا يوسف عليه الصلاة والسلام وكرؤيا نبينا وَّلـ في دار هجرته، فذهب وهْله إلى أنها اليمامة وكانت هي المدينة، وفي هزيمة المسلمين، ثم في فتحهم،. فرأى سيفاً، هَزَّها مرة فانقطعت، ثم هَزَّها مرة أخرى فعادت كأحسن ما كانت، وفي كَذَّابَيْن حيث رأى في يديه سواران من ذهب، وفي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أُرِيِهَا في سَرَقَةٍ من حرير وغيرها. وما نقل في واقعة الحُدَيْبِيَة فافتراء محضٌ ليس له إسناد ولو ضعيفاً. اجتهاد النبي ◌َّ واعلم أن النبي ◌َل* ينتظر الوحي في الأمور كلها، فإذا لم ينزل عليه وَدَعَتْ له حاجة اجتهد. ثم لا يُتْرَكُ على الخطأ لو وقع فيه، ولا يَسْتَقِرُّ عليه حتى الموت قط، وهو تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] الخ وسنعود إلى تفسيره إن شاء الله تعالى. وما ذكره المفسرون من القصص ههنا فكلُّها باطلة. وقول إبراهيم عليه الصَّلاة والسلام ﴿هَذَا رَبِ﴾ [الأنعام: ٧٦] من هذا القبيل عندي. والناس ذكروا عنه وجوهاً من رَظْبٍ ويابس، وما نُلْقِي عليك الآن هو أنه لم يكن هناك شيء في الخارج، بل السلسلة كلها حكاية عن انتقالاته التدريجية الفكرية، حتى انتهى إلى العِلم الحقيقي. ولم يكن لهذا المعنى لفظ يؤدي مؤدَّاه، فسبق الوَهْم من مجرد التعبير إلى ما سبق، وكان المراد منه هو التدرّج، ولذا كرر قوله: ﴿هَذَا رَبِ﴾ ثلاث مرات. معناه: أنه اجتهد في أنه ربه أم لا؟ ثم اجتهد واجتهد حتى تبيَّن له أنَّ مَنْ كان محطاً للتحوُّلات، ومحلاً للتغيرات، وآفلاً بعد كونه طالعاً، ومُظلماً إثْرَ كونه مضيئاً ومستضيئاً، لا تليق به الألوهية، فتبرَّأ منه حنيفاً مسلماً. ولفظ الاجتهاد حادثٌ، والتدرج لم يكن في الخارج بلفظ، ولكنه نية على نحو التقادير، وما المانع عنه عند ٩٩ كتاب بدء الوحي ظهور الحُجة شيئاً فشيئاً، فإبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام ما كان له أن يعتقد بقوله: ﴿هَذَا رَبِّ﴾ ، ولكنْ تَدرجَ نحو العلم الحقيقي شيئاً فشيئاً حتى بلغ إلى حقيقة العِلم، ولم يستقر على ما يلوح من ظاهر الألفاظ، ولو كلمحة برقٍ خاطفٍ، فاعلمه . الرؤيا الصالحة في النوم وعند المصنف في التعبير: ((الرؤيا الصادقة)). وبينهما فرق ظاهر، فإن رؤيا الأنبياء لا تكون إلا صادقة. وقد تكون غير نافعة، كرؤياه وَّر في أحد: وإنما بُدىء بذلك ليكون له تمهيداً وتوطِئةً لما يكون في اليقظة. كتسليم الحجر عند مسلم، وكسماع الصوت عند بناء الكعبة أن: ((اشْدُدْ عليكَ إزارَكَ)) وهو في البخاري عن جابر، وهذا الصوت عندي صوت المَلَك، وكرؤية الضوء، وكلها لتقريبه إلى عالم الرُّوحانيات وعالم الغيب(١). (فَلَقِ الصبحِ) قال ابن أبي جَمْرَة: إنما شبهه به دون غيره؛ لأن شمس النبوة كانت الرؤيا مَبَادىء أنوارها، فما زال ذلك النور يتسع حتى أشرقتِ الشمس، فمن كان باطنه نورياً كان في التصديق بَكْرِياً كأبي بكر، ومن كان باطنه مظلماً كان في التكذيب خفَّاشاً كأبي جهل، وبقية الناس بين هاتين المنزلتين، كل منهم بقدر ما أُعطي من النور. كذا في ((الفتح)) من كتاب التعبير . (ثم حُبِّبَ إليه الخلاء) وهذا على نحوٍ من مجاهدات الصوفية وخلواتهم ثم إن اعتكاف الفقهاء وخلوات الصوفية عندي قريب من السَّواء. والفرقُ من جهة تعيين الأيام. (اللياليَ ذَوَاتِ العَدَد) وأُبهم العددُ لاختلافِهِ. وفي تفسير (روح المعاني)): عن الصفيري أن النبي ◌َّ- كان يذهب إلى حِراء في رمضان، ويمكث إلى أربعين يوماً. قلت: أما ذهابه في رمضان فقد تحقق عندي. وأما مكثُهُ إلى الأربعين فلم أقف عليه سوى ما ذكره الصفيري. ولا أدري حاله؟! وقد تحقق عندي أنه كان يذهب خارج رمضان أيضاً، كما يُستفاد الإكثار من هذا الحديث. وأما وجه خَلوته في حِرَاء خاصة. فكما عند الحافظ في التعبير: عن ابن أبي جمرة، أن المقيمَ فيه كان يمكنه رؤية الكعبة، فيجتمع لمن يخلو فيه ثلاث عبادات: الخلوة، والتعبد، والنظر إلى البيت. وفيه أيضاً: أن جدَّه عبد المطلب كان يخلو به أيضاً، وكان على الفطرة، ويمكن أن يكون على الحنيفية. وتنْقَلُ من كلماته ما يدل على إقراره بالقيامة، وأخلاقه الحسنة، وكان أُخْبِرَ بنبوته ◌َ بأن ابنه هذا يكون له شأن من الشرق إلى الغرب، وعلى هذا أمكن أن يكون ناجياً، إلَّا أنْ يثبت عنه الشِّرك وعبادة الأصنام. والله تعالى أعلم. (١) قلت: وذكر الحافظ في كتاب التعبير رواية عن عبيد عمير أنه وقع له في المنام نظير ما وقع له في اليقظة أيضاً من غظ الملك وأمره بالقراءة وغير ذلك مما وقع له في اليقظة. ١٠٠ كتاب بدء الوحي (جَاءَهُ الحقّ) أي جبرائيل عليه السلام، أو المراد أنه انكشف له الحال الآن، وتحقق جلياً أن سماعَ الصوت ورؤية الضوء وسلام الحجر وغيرها، كان تمهيداً للأمر الذي بُعث به. (اقرأ) ليس من باب التكليف، بل من باب التَّلقين والتلقي لما يقوله، كما إذ يَحْضُر الصبيُّ قِبَلِ المعلِّم وكتابُهُ معه، فيقول له أستاذه: اقرأ، لا يريد بذلك تكليفه بالقراءة، ولكنه يكون تلقيناً له أن أقرأ كما أقرأ لك الآن (١). (ما أنا بقارىء) واختُلف في هذا التركيب أنه مفيد للقصر أم لا، وذهب السكّاكي إلى أنه يُفيد القصر، وهو المختار عندي، ولكنه ليس بمطَّرِد. قيل: (ما) في المرة الأولى نافية، أي لستُ بقارىء، وفي البواقي استفهامية، أي أيَّ شيء أقرأ؟ والأرجح عندي أنها كلها نافية، وترجمته: "مین وه شخص نهین جس سی قراءت هوسکی". (فغطني) ذكر العلماء: أنه كان ضَرْباً من التنبيه. وقال الصوفية - كَثَّرهم الله تعالى -: إنه كان للإلقاء في القلب، وللتقريب إلى المَلَكِيّة وإحداث المناسبة بها، وفيه أن للمعلِّم حقاً على المُتعلِّم. فقال: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ ... إلخ(٢) وإنما أضاف لفظ الاسم ولم يقل: اقرأ بربك، تبرُّكاً باسمه تعالى، فكما أن ذاتَه مَجْمَعُ البركات، كذلك صفاتُهُ وأسماؤه تعالى، فأدخل لفظَ الاسم وتبرَّك به إيذاناً بذلك، وإنما بدأ بالقراءة لأنها الأهمُّ إذ ذاك، وأما اسمُ الله تعالى فيصلحُ لبداية جميع الأمور، وليس له اختصاصٌ بشيء دون شيء. الكلامَ في أولِ السُّورِ نُزُولاً واعلم أنه اختُلف في أول ما نزل من القرآن، فقيل: وهو الصحيح: أنه: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾، وهو الظاهر من هذا السياق، وله أدلة أخرى، مذكورة في موضعها. والقول الثاني: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾﴾، ويُؤيده ما في الصحيحين، عن أبي سَلَمة عن جابر: سمعتُ رسول الله وَّه، وهو يُحدِّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: ((بينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء، فإذا المَلَكُ الذي جاءني بحِراءَ جالسٌ على كرسي بين السماء والأرض، فرجعت فقلت: زمِّلوني فدتَّروني، فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قلت يؤيده ما عند الحافظ في التفسير رواية قال: أتاني جبريل نمطاً من ديباج فيه كتاب، فقال اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، قال السهيلي: قال بعض المفسرين: أن قوله آلم ذلك الكتاب إلخ، فيه إشارة إلى الكتاب الذي جاء به جبريل، حیث قال له اقرأ . فلما قال ثلاثاً ما أنا بقارىء، قيل له اقرأ باسم ربك، أي لا تقرؤه بقوتك ولا بمعرفتك، لكن بحول ربك (٢) وإعانته، فهو يعلمك كما خلقك، وكما نزع عنك علق الدم ومضمر الشيطان في الصغر، وعلم أمتك حتى صارت تكتب بالقلم بعد أن كانت ... ذكره السهيلي كذا في الفتح.