النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ مقدمة محمد أنور شاء الكشميري أما عند علماء الشرع، فليس هناك إلا عالمان، عالم الأرواح، وعالم الأجساد، وقد يَخْطُرِ بالبال أنَّ ما سماه الصوفية عالم المِثَال هو الذي سماه أهل الشرع عالم الأرواح، لأنهم عَدُّوا الملائكة والجِنَّ والنفوسَ من عالم المثال، وهي بعينها معدودةٌ عند علماء الشرع في عالم الأرواح، فلم يَبْقَ فرقٌ إلا في التسمية أما ما سماه الصوفية الأرواح المجرّدة فلم يَبْحَثْ عنها العلماء. والرُّوحِ عندهم: جسمٌ لطيف مُشَاكِلٌ للبدن ساريةٌ فيه، تنفخ وتنزع، يَدُه كالكُمَّ لها، وهكذا، حتى إنك لو رأيتَها ما ميَّزتَ بينها وبين زيد بعينه. فإذن ليست هي مجرَّدةً كما رامه الصوفية. ولا أدري أحداً من علمائنا ذهب إلى تَشَكُّل الأرواح الإنسانية غير الشيخ الأكبر، فإنه صَرَّح أن الأرواح تتمكن أن تتحول إلى أشكال مختلفة، نعم الملائكة تقدر على ذلك عند علمائنا أيضاً. ثم إن عالم المثال ليس اسماً للحَيِّز كما يُتَوَهَّم بل هو اسم لنوع من الموجودات، فما كان من عالم المثال ربما يُوجد في هذا العالم بعينه، كالملائكة فإنهم من عالم المثال عندهم، ومع ذلك تتعاقب في هذ العالم بُكْرَةً وأصيلاً . واعلم أن الاحتياج إلى الزمان والمكان إنما يَحْدُث من تِلقاء المادة، فالشيء كلما كان منغمساً في شوائب المادة كان أحوجَ إلى الزمان والمكان، وكلّما كان أبعدَ عنها كان أغنى عن الزمان والمكان، ولما كان الواجبُ الحقُّ في أقصى مراتب البُعْدِ من المادة كان أغنى عنهما، وليس عند ربِّك صباحٌ ولا مساء. ونِعْمَ ما قال الشيخ المُجَدِّد السرهندي رحمه الله تعالى: إن الله سبحانه خالقٌ للزمان والمكان بأسرهما، فكيف يكون محتاجاً إليهما؟ والملائكةُ وإن لم تكن مجردةً على اصطلاح المعقول، لكنهم لما كانوا فوقَ عالم الأجساد خفَّ احتياجُهُمْ إلى المكان بالنسبة إلى الماديات. فالبحث في كيفية نزولهم وإيابهم وذهابهم ليس في موضعه، وإذ الشريعة قد تواترت بنزولهم على الأرض من غير تخييل ولا تشبيه، وكونهم مبصَرِين من غير تلبيس ولا تخليط، فهو إذن من ضروريات الدين، يَكْفُر جاحدها، ونعوذ بالله أن نَفَّفُو ما ليس لنا به علم ونكون من الجاهلين. هل الإِجْمَالُ يكون باعتبار المراد أيضاً؟ واعلم أن الإجمال في عامة كتب الأصول إنما يتأتّى من جهة غرابة اللفظ أو ازدحام المعاني لا غير، وقد سبق من قلم بعض المحشيين أنه قد يكون باعتبار مراد المتكلم أيضاً، وإن لم يكن فيه بحسَب اللغة إجمال. قلت: ولم أجده في ((التحرير))، نعم يترشَّح بعضه من ذيول الكلام، كما حَرَّر بعضُ الأصوليين في بحث تعديل الأركان أن قوله تعالى: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ [الحج: ٧٧] محمولٌ على مفهومه اللغوي عند الطَّرَفَيْن رحمهما الله تعالى. فالمأمور به هو القدر الذي يَصِحُّ به إطلاقُ اسم الركوع والسجود عليه لغةً، وهو الفرض، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى محمولٌ على مفهومه الشرعي، وهو الذي اعتبره الشرع مع التعديل والظُّمأنينة، فيكون التعديل فرضاً، ويترشَّحُ منه أن قوله تعالى: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ ٦٢ مقدمة محمد أنور شاه الكشميري مجملٌ باعتبار المراد عند أبي يوسف رحمه الله تعالى، وأُلْتَحَقَ الحديثُ بياناً له، ولعل هذا هو النزاع بين صاحب ((الهداية)) والشيخ ابن الهُمَام، حيث ادعى صاحب ((الهداية)) أنَّ آيَة المَسْحِ مجملةٌ وحديثَ المغيرة لحق بياناً له، ورَدَّ عليه الشيخ ابن الهُمَامِ. قلتُ: يمكن أن يكون صاحب ((الهداية)) أراد من الإجمالِ هذا النوعَ، ولا ريب أنها مجملة بهذا المعنى، لأنه لا يُدْرَى أنه أُريد منه الكلُّ أو البعضُ، وعلى الثاني أي بعض منه؛ والشيخ ابن الهُمَام يُنْكِرِه، فالاختلاف بينهما يُبْنَى على اختلاف النَّظَرَين، وبالجملة لم أجِد الإِجْمال باعتبار المراد عن أحد من رجال هذا الفن. كلماتٌ من الجامع لا بُدَّ من إلقائها على الرفقاء السائرين بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَيَةِ اللهم لك الحمد حمداً دائماً مع خلودك، ولك الحمد حمداً لا مُنْتَهَى له دون عِلمك. ولك الحمد حمداً لا يريد قائله إلا رضاك. ولك الحمدُ حمداً مليّاً عند كل طَرْفَة عَينٍ وتنفُسٍ نَفَسٍ. اللهم اجعل صلواتِك ورحمتك وبركاتِك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتمٍ النبيين، محمدٍ عبدك ورسولِك، إمام الخير، وقائدِ الخيرِ، ورسول الرحمة. اللهم ابعثه مقاماً محموداً يَغْبِطُهُ فيه الأولون والآخرونَ. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وعلى سائر أصحابه الحاملين لسننه وآدابه . لو أنَّك تَسْتَضِيءُ بهم أَضاؤُوا مِن البِيض الوُجُوهِ نجومُ هُدَىّ هُمُ حَلُّوا من الشَّرَفِ المُعَلَّى ومِنْ حَسَب العَشِيرَةِ حيث شاؤُوا اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علماً. الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار. اللهم الطف بي في تيسير كل عسير، فإن تيسيرَ كلِّ عسيرٍ عليك يسير، وأسألك اليُسْرَ والمعافَاةَ في الدنيا والآخرة. أما بعد، فإنّ فنَّ الحديث لم يزل يَخْدُمه العلماء قديماً وحديثاً. ويَسْعَون إليه في كل عصر سعياً حثيثاً، حتى دَبَّ إلى الناس داءُ الأُمم السالفة، فَقَلَّت رغبتهم بكتاب ربهم، وسنة رسولهم ◌َّر. وجلت بفنون لا تعنيهم كالمنطق والفلسفة، فَتَهَوَّكوا فيها، ونَسُوا حظاً مما ذُكِّرُوا به، حتى لم يَبْقَ من العلماء إلا كالرُّقْمَة البيضاء في جلد الثور الأسود، فكَسَدَ القول الفصل، وَنَفَقُ الزُّور والجهل. ذهب ماء الإسلام ورُوَاؤه، وعادت لياليه الضاحية مظلمة. وأيامه المستنيرة مُكَدَّرة. وما ذلك إلا لشؤمهم وشؤم ما عندهم من الجهل الذي حسبوه علماً. فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم إن هذا مِنْ وَعْدِ الله على لسان نبيه بَّرُ أنه سيبعث على رأس كل مائة سنة مَنْ يُجَدِّد دينَه، فأنجز وعده، وأنشأ رجالاً اصطفاهم وهداهم إلى صراط مستقيم، كالشاه وليّ الله في الهند وأنجاله الذين زَهَتِ الأمة الإسلامية بنبوغهم على وجه الأرض، فقاموا لإحياء السنة ونُصرة الدِّين، وحَمَوْا بيضَة الإسلام، وَنَفَوْا عنه زيغ الزائغين وانتحال المنتحلين، ونشروا علوم الحديث والتفسير حتى حَمِيَ وَطِيسُ العِلم، فدار وسار، جعل الناس يضربون إليهم بالأكباد، ويَصْدُرون عنهم بأوقار من العلم، فمضى الحال على ذلك إلى ما شاء الله أن يمضي، ثم خلت ٦٣ ٦٤ كلمات من الجامع تلك الأمة أيضاً وتركت الناس في ظُلَم دهماء، وفِتَنِ عمياء، يخبِطون فيها خَبْطَ عشواء، فَأَيْتَمَ الدين، وأجدبت الأرض مرة أخرى. فبينما هم كانوا هائمين في المَهَامِهِ والمَوَامي، إذ أدركتهم الرحمة الإلهية، فأحدثت من ناحية كشمير سحابةً عرضت، فتهطّلت حتى تضاحكت الرياض، واصطفقت الحياض، اهتز به كل قطعة غبراء، وشكر له كل فصيح وعجماء، أعني بها إمام العصر، رحيب الباع في الفنون بأسرها، الشيخ محمد أنور قُدِّس سِرُّه العزيز، آية من آيات الله بلا فِرْيَة، ورحمة إلى أهل الأرض بلا مِرْيَة . وإنَّ قميصاً خِيظَ من نَسْجِ تِسْعَةٍ وعشرينَ حَرْفاً عن مَعَالِيهِ قَاصِرُ لو نظرتَ إليه لنظرتَ إلى رجل يُضَاهي الذهبيَّ رحمه الله تعالى في حفظه، ويُمَائل ابنَ حجر في إتقانه وضبطه، ويُسَاجِل ابنَ دقيقِ العيدِ في عدله ودِقَّةِ نظره، ويُشَابِهِ البُخْتُريَّ في شِعْرِه، ويُحَاكِي سَحْبَان في بيانه وسِحْرِه. بلى وليس ذلك ببعيد من صنع الله عز وجل. أن يَجْمَعَ العَالَمَ فِي واحد وليس على اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ فدعى الناسَ إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله وَّهَ دعوةً فتحت آذاناً صُمًّا، وأَعْيُناً عمياً، وقلوباً غُلفاً، فأفاض بحورَ العلم، وقعد لدرس الحديث مقعدٍ صِدْقٍ، فجعل الناسُ يهجمون عليه من كل صوب، وأخذوا عنه العلم بين مُقِلٍّ ومُكْثِر، وإنَّ كلَّ ذلك لمَّا كان في بطون الأوراق، منتشراً عند الطلبة في الآفاق، كأنه على جُرُفٍ هارٍ كاد أن ينهار، مَسَّتِ الحاجةُ إلى جمعه في صورة الكتاب، وأين الكتاب من الخِطاب! لكن جمعه وتهذيبه ثم تعريبه لم يكن رَكْباً ذَلولاً، فبقي الأمر كذلك يُغْزَل ويُنْقَض، يُحَلُّ ويُعْقَد، يُصَاغ ويُكْسَر، إذ قضى الله سبحانه أن يُثْمِر شجرهم، ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (﴾﴾ [يس: ٨٢]. فأتاح ليَّ القدرُ جمعَه من حيث لا أحتسب، وَلَشَأَنِي أحقرُ في نفسي منِ أن أُرْزَقَ على أصح الكتب خدمةً، ولكن قال تعالى: ﴿ وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥]، فخرجت القُرْعة باسمي، والنفوس تستشرف إليه، وذلك من فضل الله عليَّ، أيّ فضل ﴿وَمَا كُلَّا لِتَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَمَنَا ◌َللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] إلا أني ما كنت أقتحم هذا الأمر الخطير خشيةَ أن أَخْرِمَ مراده، فأتقوَّل عليه ما لم يَقُلْهُ، فإني كنت كَبَنَانِ كفٍّ ليس فيها ساعد، وكان المأمول جزيلاً بين شِدْقَي ضَيْغَم، فكان باعي يقصُر عن نيله، حتى إذا تشرفتُ بالقراءة عليه مرةً بعد مرة، ورأيت أني قد فهمت منه شيئاً أو بعض شيء، شحذتُ غَرار عزمتي مرة أخرى، ولكني وجدتُ أن الأمر صعبٌ عليَّ أصعبُ مما كان، وصَدَق القائل: وإنْ كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ فإنْ كنتُ لا تدري فتلكَ مُصيبةٌ فلم أزل أُقَدِّم رجلاً وأؤخِّر أخرى، إذ بلغني نَعْيُهُ، فوجدتُ في ظهري اقتصاماً، فَتَمَظَّأْتُ لها. فها أنا ذا قد طار قلبي شعاعاً، وتَثْعَب عيناي دماً، ويلتهب حشاي جَوَىّ، ولله دَرُّ القائل: أَشكُو الذين أَذَاقُونِي موذَّتَهم حتَّى إذا أيقظوني بالهوى رَقَدُوا فلما أَفَقْتُ من غشيتي، وفُرِجَتْ عني غُمَّتي، وتحقق لي أن الشيخ لَحِقَ بالأبرار، ورحل ٦٥ كلمات من الجامع إلى دار القرار، علمتُ أن ما بعد العشية من عِرَار، فتفكّرت ساعة في أمر أَبَرُّهُ به بعده، فما وجدتُ أبرَّ البِرِّ إلا أن أحفظ علومه عن الضياع، وأجمعها للطلبة الجياع. فَطَفِقْتُ أؤلفه في ضوء النهار ولموع الكواكب، وجلبت له كل راجل لي وراكب، فطالما صَعُبَ عليَّ تحصيل مراده ومعناه، وكثيراً ما عصى عليَّ تهذيبه حسب مرماه، لأني كنت أخذتُ ما أخذتُ حين كان الشيخ رحمه الله تعالى يَخُبُّ في مجاله، ويَهْدِر شقاشق ارتجاله، وما كان يُمْهِلنا ريثما نضبط كلامه، فتفاقم الأمر واحتاج إلى حفظ جيد، وتيقُّظِ تَامٌّ، ونظر حديد، وقلم سريع، وذِهْن سائل، وفكر بالغ، قلَّما يجمعها الله لأحدٍ . فكنا إذا أصغينا لكلامه فات عنا الإملاء، وإن أكبينا على الكتابة فات عنا الاستماع، فصرفت جهدي المقدور لئلا أغادر من كلامه صغيراً ولا كبيراً، وأجمعه بأسره نقيراً وقِظْمِيراً، ومع ذلك بقيتْ أشياء مهمةٌ لم استطع ضبطها، بل كثيراً ما وقع التصحيف في أسامي العلماء والكتب(١)، حتى وقع التحريف في نقل المذاهب أيضاً، فكانت تلك مراحل، وفوق ذلك أني كنت أجمعها من تقريراتٍ شتى كنت ضبطتها في السمواتِ الماضية، فأشكل عليَّ الالتقاط منها، ثم نظمتها كلها في سلك واحدٍ، وقد وقع لي غير مرة أني هَذَّبتُ مقاماً وبسطته على وجه أرتضيه، ثم وجدتُ شيئاً آخر لم يكن لي بُدُّ من دَرْجِه، فدمجته في أثناء الكلام، فاختلَّت العبارة لا محالة. ثم التعريف بعد ذلك صار ضِغْئاً على إيَّالة، لأني رجل لم أرتضع من ثَدْيَي الأدب رَضْعَة، ولم أَمَصَّ منها مَصَّة، ويا ليت حظي منه بجرعة فأعلِّل بها نفسي، وأخرج منَ مَعَرَّة العِيِّ إلى منطق الفصاحة. وكانت نفسي تتوق أن لو كان عندي من أماليه لأحد من فضلاء تلامذته أيضاً، فاستفيد منه فيما فاتني الاستماع، وأنتفع به فيما لم يحصل لي الانتفاع، فحمداً لله عز وجل على ما رزقني من تقريري الفاضلين اللذَين قرءا عليه الصحيح ثلاث مرار، وضبطا عنه ما ضبطا بعد تدرُّب ليل ونهار، أعني بهما الفاضل عبد القدير، والفاضل عبد العزيز، الأستاذين بالجامعة الإسلامية، فلا أَغْمِطُ بِرَّهُمَاً ما دُمْتُ حياً. وكانت لي أماني أن أكون جمعته في حياة الشيخ رحمه الله ليُطَالِعِه ويُصْلِحَ ما وقع من الخطأ والنسيان فيه . وكم حَسَرَات في بطونِ المقابر فإذا الشيخ قد اختطفته المنايا، فالرَّزيَّة قد جَمَعَتِ الرَّزَايا. وإذ ظَلَلتُ بعد وفاته كإِلِ لا خِطَامَ لها ولا زِمَام، مع أنك تعلم أن الإنسان يَزِلّ من قلمه أكثرَ مما يَزِلّ من قدمه، وأنه قد ينسى ويسهو، كما أن الجواد يعدو ويَكْبُو، والسيفَ يَضْرِب فيقطع ويَنْبُو، والزَّند يقدح فيُورِي ويَخْبُو، فكنت أحوجَ إلى من يقودني إذا تعبتُ، ويأخذ بيدي إذا عَثَرْتُ، ويُذَكِّرني إذا نَسِيتُ، ويُسَدِّدني إذا ضللت، فقدَّر شيخاً كان صِنْواً لشيخي رحمه الله تعالى، نَبَعًا من عينٍ واحدة، وارتضعا العلوم من ثدِيٍ واحد، أعني به محقق العصر الشيخَ العلامة شَبِير أحمد، نَظيرَ نفسه (١) قد بذلنا في تصحيح هذه الأمور جهد المستطاع. (من المصحح البنوري). ٦٦ كلمات من الجامع ونَسيج وَحْدِهِ، مَلَكَ درس البخاري بعد وفاة الشيخ رحمه الله تعالى، فأبرز علوماً مُعْجِبَة، وأفكاراً رائقة، ونقولاً مخبية - صاحب التصانيف الجليلة (١) والمَلَكَات الباهرة - متَّعنا الله بطول بقائه - فألححتُ عليه أن يُسَرِّح فيه نظره، فأسعفني بمأمولي، وطالع تقريرَ النصف الآخر من الصحيح مستوعباً، ومن النِّصف الأول نحو جزءٍ ومواضع متفرقة أخرى، فشكرتُ الله ورأيت أن جهادي قد حاز مغنماً، وقَدَحِي الفَذُّ قد صار توأماً، ولَعَمري كان ذلك ثَلْمَةً فسدَّها، والحمد لله على أنه استحسن هذا المجموع، ودعا لي بالبركة والقَبول. ثم ها أنا أنادي أن مَثَلي فيه كَمَثَلِ ابن سبيلٍ يقطع الطريق وما في مِزْوَدِهِ كَفُّ سويق، غير أني لما أَبْتُلِيتُ به لم آلُ جهداً في تحريرَه، وكابدتُ فيه بما يعلمه الله، وبعدُ فلم أخلُص فيه من السهو والأغلاط بالأنواع كلها . وما أُبرِّىءُ نفسي إنني بَشَرٌ أسهو وأُخْطِىءُ ما لم يَحْمِني قَدَر وجُلُّ ذلك لأني قد فَرَغْتُ من تسويده في نحو سنتين بفضل الله وكرمه، مع ما بي من شواغل المدرسة، ودوائر تدور على الإنسان، فإنه خُلِقَ وبجنبه تسع وتسعون منيَّة، فلم أنتهز فرصة لتحريره كما أريد، وسمّيته: فيض الباري على صحيح البخاري وقد علَّقْتُ عليه حاشية سمّيتها ((البدر الساري إلى فيض الباري))، وكنت أرجو قبل الخوض فيه أن يكون ذُخراً لي في غدي، فلما اقتضيت حُلْوَهُ ومُرَّه، وبلوتُ عواقبه وأعباءه، عرفتُ أنَّ نفسي ضعيفة لا تُطيق حملها، وحينئذٍ رضيت أن أَخْرُج منه رأساً برأس. وَأَخْلُصَ منه لا عَلَيَّ ولا لِيَا على أنني راضٍ بأَنْ أحمِلَ الهَوَى نعم، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما تقدَّمت إلى هذا الأمر الخطير، ولكن جفَّ القلم بما هو كائن، فالآن ألتمس من العلماء أن يُخبروني بما اطلعوا عليه من العثرات والزلَّات ويدعو لي بظهر الغيب، وبَيَّضَ الله وجوهاً دعوا لي وستروا العيب. اللهم هذه بِضَاعَةٌ مُزْجَاة، أتيتك بها راجياً عفَوك، طَامِعَاً في رحمتك، فتقبلها بقبولٍ حسن، وانفع بها الناس وإياي، واجعله خالصاً لوجهك الكريم لا يشوبه رياء ولا سمعة، واجعله لي ذُخْراً في يوم الحساب بفضلك وكرمك برحمتك يا أرحم الراحمين، وما ذلك على الله بعزيز . يُبَارِك على أوصالٍ شِلْوٍ مُمَزَّع وذلك في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشَأْ (١) ومن أبدع تصانيفه ((الفوائد على القرآن)) نَمّقها باللغة الهندية قد تداولها الأَكُفّ حتى طبعت في بُرهة قليلة ثلاث مرار، وطارت إلى الآفاق. ومنه شرحه على مسلم وهو أعز شرح برز على وجه الأرض، دقَّتْ مبانيه، وَجَمَّت معانيه، فهو نفسه ثناؤه، قد أكبَّ عليه العلماء في ديار الهند، وطُبع منه إلى كتاب الطلاق في ثلاث مجلدت ضخام، ونحن ندعو الله أن نرى باقيه في أعجل مدة. ٦٧ كلمات من الجامع فيض الباري واعلم أنه عِدَّة أسباق بين غنيمة وفيء، ألقاها الشيخ علينا شيئاً بعدٍ شيء، لم يَقْصِد بها الاستيعاب بما قيل في الباب، ولكن مداخل بحث هي شُعُوفٍ وذكرى لأولي الألباب، يرتاح بها كل من كان سئم من القيل والقال، ومَدَّ العُنُق إلى من يُخَلِّصه من الداء العُضَال، ثم كان فَطِنَاً لَقِنَا رُزِق ذوقاً صحيحاً من الله المتعال، ويشمئز منها مَنْ عَضَّ بالقواعد، واكتفى بالزوائد عن الفرائد، لا له فقه في النفس ودراية، ولا روِيَّة ورواية، أو من اعتزى إلى حزب فتعصَّب له ودعا بدعوى الجاهلية، وزعم أن العلم انحصر فيه، فجعل يهزأ بما لا تسمع أُذُناه، فإنه محروم لو بلغ الرزقُ مولاه قفاه. ثم إنه بَرْضٌ من عِدِّهِ، وقطرةٌ من بحره، احتجرناها ارتواء للعطشان وسلوةً للهيمان، وكل ما حكيناه فيه فهو على لسان الشيخ رحمه الله تعالى، وسلكنا فيه سبيل الاعلام دون الأَغْفَال، فذكرنا أساميَ العلماء والكُتُب في أكثر المواضع. نعم لم نسرد الأحاديث بألفاظها روماً للاختصار، إلا في مواضع دعت الحاجة إليها وكذلك لم نُعَرِّج إلى نقلِ عبارات المصنِّفين بِرُمَّتها، وإن كان أهم في بعض الملاحظات لأنا قد جرّبنا مراراً أن مرادهمٌ كان محجوباً تحت الأستار، أو لا يتضح إلا بعد نقل الأوراق، وألقاه الشيخ رحمه الله تعالى علينا في جُمَلٍ موجزة كأنها مُخُّ الكلام، فرأيناه عِلْماً، فآثرنا المعاني على الألفاظ، ولم نعتنٍ بها ولم نهتمَّ، ولا سيما إذا لم يكن الكتاب من النوادر فلا هَمَّ ولا غَمّ، وكذا جربنا في بعضهم أنه يفهم شيئاً من كلامه ولا يريد أنْ يُفْصِح به لمصالح تَسْنَح له، وذلك كثير في الأدباء، فلا يَطلع عليه إلا مجرب، ولا يتنبّه على أغراضهم إلا متيقِّظ أحاط بطُرُقهم، وسَبَر عاداتهم، ومن يُجَرِّب الأمور يعرف أنَّ أخذ المراد من كلام العلماء لا يسهل في كل أوان. ثم إِنَّ المُحَشِّي إذا فصَّل المقام وقضى عنه وَظَرَه خَفَّتْ علينا مؤنة شرحه، فلم نَعْطِف لِحَلِّه ثانياً . تنبيه وإيقاظ ثم إني أعلنتُ لك جهاراً وأسررتُ لك إسراراً، أنه لم يتيسر لي المراجعة إلى الأصول وتصحيح النقول في جملة الفصول، نعم، إذا اعتَرَتْ لي شُبهة راجعتُ لها، ومَنْ يُطالع تلك الأوراق يعترف أن تصحيح النقول كلها يحتاج إلى فُرَصٍ طويلة، فاعتمدت فيها على ما كنتُ حررتُ حين قراءتي عليه، فإن عَثَرَ أحدٌ على الاختلاف في موضع فلا يرمينَّ به الشيخ، فإنه بريء منه كما برىء الذُّئْبُ من دم ابن يعقوب أو برئت قَائبة من قُوب، وليعذرني فإني قد صدقتك صدق القَطَا أني ما سَلِمْتُ فيه من الخَطَا، لأني كنت أضبطه في الدرس فاحتوى اللوح على خطأ من العقل والقلم، وإذا أتى المرء بما في اللوح لم يُلِمّ، نعم اعتنيتُ بتصحيح نقول الصحاح الست في الجملة، ومهما اطلعت فيه على سورة في الكلام وترفعاً فيه أو ببقيقة في زقزقة، فكلّه من سوء تعبيري وخبث نفسي، وكنتُ أَوَدّ أن لا تفشيَ سرَّها فأبت إلا أن تترشح بما ٦٨ كلمات من الجامع فيها، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وليعلم أنه قد دخل في ((الفيض)) كلامي في كلام الشيخ رحمه الله تعالى في بعض المواضع، وذلك لسقْم المُسَودة، فمتى وجدتَ فيه بين القوسين ((قلت)) أو ((يقول العبد الضعيف» فهو من الحقير، كما وقع في ص (٧٠)، ويمكن أن يَمُرّ عليك مثله فيما يأتي أيضاً فَلْيتَنَبَّه. اللهِمِ أعطِ نفسي تقواها وزَكِّها أنت خيرُ من زَّاها، أنت وَلُّيها ومولاها، اللهم ألهمني رشدي وأَعِذْنِي من شر نفسي. البدر الساري هو تعليق من العبد الحقير، وما كان بي إليه من حاجة، بَيْدَ أَنَّ أموراً حملتني عليه، وسأتلو عليك منه ذكراً. فاعلم أنك قد عرفت من تبخّر الشيخ رحمه الله تعالى فيما مَرّ، وإن لم تعرفه فستعرفه بعد مطالعة هذه الأمالي إن شاء الله تعالى، فكان الشيخ يأتي بغُرَر النُّقول في درسه، ويطوي كَشْحَه عن ساقطتها ولاقطتها، فاعتنيت في بعض المواضع أن يكون عندك من أصلها شيء، إما لكونها من الكتب النادرة أو لكون الشيخ رحمه الله قد أحال عليها إجمالاً، فأحببت أن تكون عندك تفصيلاً . ومنها أني اعتمدتُ في ((الفيض)) على درسه الأخير وجعلته عموداً، فإذا وجدتَ في إملاء الشيخ في السنوات الماضية ما يُخَالِفه وجبَ عليَّ التنبيه عليه، وجُلُّ ذلك لكون المقام ذا الوجوه، فكان يَذكُر أحدَ الوجوه في سنة وآخر في سنةٍ أخرى حسب ما تيسر له المقام والحال، ولا يَعُدُّ ذلك تخالفاً ولا تضاداً. ومنها أنه قد يكون نشيط النفس فيبسط في الكلام ويُبدي عن خبيئات أسراره، وقد يكون منقبضَ النفس، فيكتفي بالإجمال، فإن عَثَرْت على تحقيق المقام في تقريرٍ سابق ولم أجده في درسه الأخير ألحقتُهُ منه في هذا التعليق إفادةً، وإنما لم أهتمَّ بها في جميع المواضع لأني راعيتُ الاختصار مهما أمكن، فإني قد بلوتُ اليوم سآمة الطبائع العامة من الكتب الطويلة، ولذا تجد أني أكثرتُ في الإحالة على درس الترمذي، ومع ذلك قد أومأت إلى بعض المباحث المهمة وإن لم أبسطه كل البسط، لأن ما لا يُدْرَك كلَّه لا يُتْرَك كله. ومنها أني ما فهمتُ أشياء من درسه في حياته، إما لِدِقَّتها، أو لإجماله في بيانها، أو لعدم بلوغ صوته إليّ، أو لاختلاطها عليّ، فإذا فهمتُهُ بعد وفاته نظراً إلى ألفاظ المُذَكِّرة ذكرتُهُ في التعليق خشيةَ أن لا يكون مراده وأكون أنا ممن عزاه إليه، ثم إني أخشى على مثله في الفيض أيضاً، لأني أوضحتُ البيان من عند نفسي، وقدّمتُ وأخَّرتُ في الترتيب، ونقلتُ كلامَه من موضع إلى موضع، وحذفتُ من موضع، فلا آمَنُ أن أكون غيَّرتُ مرادَه بهذه التصرفات، لأني جرَّبت أن نقل كلام الكبار ينبغي أن يكون على أحرفه، والتصرف فيه يعود مَسخاً أو نسخاً. فلألفاظهم شوكة، ولتعبيراتهم تأثيرٌ في النفوس، ولعباراتهم احتواء على المعاني اللطيفة ٦٩ كلمات من الجامع مع جزالة الألفاظ، ومع ذلك يكون فيها رمي على الغرض، فإذا نقله من لا يُدَانِيه في العلم فَيُحَرِّف المعاني، ويُرَكِّك الألفاظ، ويُطَوِّل في العبارات بدون طائل، ويرمي في الليل. وبالجملة تُفْقَدُ منه الروح، إلا أني أُلْجِئْتُ إلى التصرف في الترتيب والإيضاح والبيان والتطويل والتكرير تسهيلاً للطلبة، والله على ما نقول وكيل، والمرجو منه أن يعفوَ عني زلاتي، وأرجو من العلماء أن يُغْمضوا عن مزلاتي، فإنّ جَهْدَ المُقِلّ دموعُهُ. ومنها إذا رأيت شيئاً يَرِدُ على كلام الشيخ رحمه الله تعالى في الظاهر، وبدا لي جوابه ذكرتُهُ في التعليق، وإن اختلج أمر في صدري ولم يظهر لي جوابه أبديته أيضاً، فإنّ السؤال نصفُ العلم، وأنا أعرف أن الناس على أذواق، فبعضهم لا يذوق ما ذُقته، ولا يَهُمّه ما أهمني أمرُه. نعم وفي ضمن ذلك قد أذكر أشياء استملَحَها نظري، وأموراً نسجها فكري، وما تكلفت لها أصلاً، ولا أردتُ بها إبداء علم أو ادعاء فضلٍ، وأيّ علم في إبداء الشبهات أو إبداع النُّكات، وأينٍ هم مني ومن شيخيّ رحمه الله تعالَى، وأيمُ الله لو أن أحداً كان استفاد من شيخه، فأنا كُلِّي استفادة من شيخي من القَرْنِ إلى القدم، وكلُّ ما ذكرتُه فيه إن كان صواباً فهو إما من صريح كلامه أو لازمه، أعزوه إليه أولاً . ومنها أن عندي نقولاً من مُذَكرته الخاصة له، التي لم يكن يُلْقي منها شيئاً على الطلبة لكونها تليق بشأن التأليف، فذكرتُ منها شيئاً في بعض المواضع حيثما قُدِّر لي. ومنها أنه كان عندي بعض أجوبته في الهندية عن الاستفتاءات التي استفتي بها، فعربتها إرفاداً للطلبة لما رأيتها أنفع لهم. ومنها أن الشيخ رحمه الله تعالى قد كان يبحث في بعض المسائل كأبحاث العلماء المحققين إجمالاً، فأوضحته لئلا يَخْتَلَّ عليك مسلكه، ولا تعزو إليه ما لا يريده، فإن الدرس يجري فيه الكلام من كل باب، وشأن التصنيف يغايره، ثم إذا عَظُمَتْ مَضَرَّة بعض النقول عند القاصرين لم أذكره رأساً، لأن العلماء قد اقتحموا في كل وادٍ فذكروا النقول بكل نحو صحت أم لا، والطريقُ بناءُ المذهب على النقول المُحْكَمة المعتمدة دون الشاذة الفاذة، فإذا رأيتَ أنّ في نقلها دلالةً للزائغين على سبيل الغيّ أمسكتُ عنها، وذلك لأن كل أحد لا يُطيق أن يسمعَ كلَّ كلامٍ، وطبائعُ الناس اليومَ أرغبُ في الإغراب. فإياك وأن تخرجَ عن أقوال الأئمة، أو تسلك مسلك عدم الاعتماد عليهم والقَدْح فيهم، فإنهم إن صاروا مطعونين فمن ذا الذي نعتبر به مِن بعدهم! فإن الدين لم يصل إلينا إلا من قِيلَهم. ونرى طوائف من العلماء مشغوفين بالكلام في المتقدمين وتَتَبُّع مَثَالبهم، ويُسَمُّونَه عدَم التعصُّب، ذلك مبلغهم من العلم، ولو سلّمنا بعض ما يُشِيعون عنهم فماذا كان؟ فإنما المعصوم من عصمه الله، وهذا الذي قد نبأنا به رسول الله ◌َّيمٍ أن من أمارات الساعة أن يَلْعَنَ آخرُ هذه الأمةِ أوَّلَها، فقد رأيناها بأعيننا وصدق الله ورسولُهُ، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ٧٠ كلمات من الجامع هُدَاةُ الدِّين قد ضَلُّوا وقد بانَتْ خسارَتُهم وباعوا الدِّينَ بالدُّنيا فما رَبِحَتْ تِجَارَتُهُم ومنها أني قد صَدَعْتُ فيما مَرَّ أنه لم يتيسر لي الرجوع إلى الأصول في جملة الفصول، فإذا راجعت في بعض المواضع ثم لم أجده نبهتُ عليه في التعليق لا محالة، ليراجع إليه المراجع في فرصة ما، أما أنا فلم أجد فرصةً للمراجعة حقاً، وحكمتُ ما حكمت على طريق من يقول : لَا يَأْلَفُ الدِّرهمُ المضروبُ صُرَّتَنَا لكنْ يَمُرّ عليها وهو مُنْطَلِقٌ فلا عبرة به . ومنها أنه كان عندي تقاريرُ من بعض المشايخ كشيخ الهند رحمهم الله، فإذا ذُقْتُ من كلامه شيئاً لم أَملك نفسي إلا أن أذكره، فذكرته في بعض المواضع في التعليق، فهذه ونحوُها ودونها وفوقها أمورٌ حملتني على هذا التعليق، فإن شئتَ فاعذرني، وإن شئت فلُمنِي. كشف بعض الرموز مع بعض تنبيهات لا بد من ذكرها ومما يجب أن يُعلم أني مهما أقول ((قال الحافظ)) فهو ابن حجر، و ((الفتح)) هو شرحه الشهير، وكلما أذكر قال الشيخ في العيني، أو قال الشيخ في ((الفتح)»، فهو في الأول الحافظ بدر الدين العيني رحمه الله، وفي الثاني الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله، والكتابان هما كتاباهما . ومهما أسكتُ عن ذكر الكتاب فليُعيَّن من القرائن الظاهرة عند المشتغلين، وإذا قلت بعد نقل عبارة: انتهى، فهو على اللفظ، وإذا قلت: بالمعنى، فهو على خلاف ذلك، وذلك كثيرٌ، وقليلاً ما أسكت عنه فذلك مما ينقسم إليها . وليعلم أني لم أذكر كلام البخاري بتمامه، ولا أخذتُ متنَ الحديث بجُمَّتِهِ، ولكن اكتفيتُ بصدره رَوْماً للاختصار، فعليك أن تَرْجع أولاً إلى الكلام بتمامه وإلى الحديث بأسره، فإن المَرَام لا يَحْصُل دونه، وهذا مهم جداً لا ينبغي التكاسل فيه أو التغافل عنه. وجملة ما نقلتُ فيه من كلام الحافظ فضل الله التُّورِبِشْتِيّ الحنفي، فهو من ((التعليق الصبيح))، الشرح ((لمشكاة المصابيح))، لصديقنا المحترم الورع التقيّ الفاضل مولانا محمد إدريس الكاندهلوي، زادت معاليه، وهو أعزّ الشروح وأنفعها للطلبة، ومع ذلك أخصرها وأيسرها، وأجمعها للنقول، وألطفها لإبراز لطائف المحدثين، وكِفاتُ الشريعة. طُبع بالشام من خير مدائن الأرض، والصديق المذكور من فضلاء تلامذة حضرة الشيخ رحمه الله تعالى، صاحب تأليفات منها حاشيته على ((مقامات الحريري))، ورسائل في علم الكلام. ونقلتُ في مواضع من ((شرح المنظومة))، وهو شرح نفيس جداً على منظومة الشيخ أحمد بن محمد المقدسي الأنصاري الشهير بالقُشَاشي، وقد أدهشني تبحر الشارح وطول باعه في العلوم، والأسف أني، أقف على اسمه لأجل ضياع أوراق من أول الكتاب، إلا أنه يُعْلم ٧١ كلمات من الجامع من الشرح أن الشارح من تلامذة الناظم شرحها في حياة الناظم (١). هذه عدة أبياتٍ أَنْشَدَهَا مَنْ لا يُحسِن الإنشاد على حضرات الأفاضل الذين اجتمعوا عند تمام هذا التأليف في وليمة. تَوَالَتْ لك الثَّعْمَاءُ إني أُشِيعها لك الحمدُ أضعافاً على ما هديتني وكم نعمةٍ أنعمتَ راقَتْ فأعجبتْ تَّتَابَعَ آلاءُ الإلهِ فأوجبتْ ((صحيح البخاري) في الصِّحَاح مُسَلَّمٌ وكم من شروحٍ أُلِّفَتْ في علومِهِ صحائف علمٌ أو بطاقاتُ حكمةٍ و((إرشادُ سارٍ)) ((عمدةٌ)) (فتح بارىٍ)) إذا ما شُعاع الشمس عَزَّ فإنها فيا ربِّ لهُذي أسطرٌ قد سَطَّرتُهَا إذا ما أتحتَ الجمعَ والطبعَ كلَّه ويا ربِّ أدركني بلطفٍ يَعُمني عُتُوّ وطغيانٌ فسادٌ وشقوةٌ فإن تَعْتَبِر أمري فأمري مفرط وقَدْرُ أحاديث الرسول تربني أكون لها خيرَ الرَّضيع لأمِّهِ وعُلَّ ضريح الشيخ عَلَا فإنه وبارىءُ قوسِ العلم صاحبُ بيته تَدُرُّ غوادي جوده فتزينت تجلّى ضياءُ العلم منه فنوَّرَتْ نَوَالٌ وإدراكُ الضعيفِ ورِقَّةٌ وبارِكُ لقاريها وعلِّمْه حكمةٌ وأكرِمْ مقاماً مَنْ يَنْظُم أمرَها لك الحمدُ والخيراتُ دوماً نَصِيعُها لشرح البُخاري للمعاني نَجِيعُها وتلك لَعَمْرِي في الجميعِ بَدِيعُها ثناءً يوازيها ومَنْ يَسْتَطِيعُها وأفضلُ من بين الصِّحاحِ رَفِيعُها وكشفٍ مَبَانِيه فهذا تَبِيعُها وطاقاتُ أزهارٍ زَهاهَا رَبِيعُها (مصابيحُ)) ((مشكاةٌ)) فطاب طلوعها كواكبُ دُرّى كفاك لمُوعُها وأنت الذي بعد القَبولُ تُذيعها إذن سوف تُبقيها فكيف تُضِيعُها ذنوبي وإسرافي فإني صَرِيعُها وأصنافُ أوزارٍ عليَّ جميعُها وأن تغتفر ذنبي فإني وَلُوعُها وتُرْضِعُني دهراً وإني رَضِيعها بإخلاص قلبٍ لا أزالُ أُطِيعُها هو العينُ فوَّاراً وإني بَضِيعُها ومَنْ قد بدا للمُبْدِعَاتِ بَدِيعُها رياضُ علومِ جَذْبُها ومَرِيعُها دياجرَ جهَّلٍ أَسْبَطَرَّ فُرُوعُها وسائرُ أوصافِ الكِرَامِ صَنِيعُها وأَجْزِل ثواباً للأُنَاسَ تُشِيعُها ومَنْ جاء يَشْرِيها كذا مَنْ يبيعُها (١) قال البَنُوري: الشيخ أحمد القُشَاشي ترجمته مذكورة في ((الأُمم)) ص ١٢٥، (طبع حيدر آباد)، توفي سنة ١٠٧١ هـ، شرح المنظومة للشيخ إبراهيم بن الحسن الكوراني الشافعي، نزيل المدينة المنورة، من أصحاب القُشَاشي، توفي سنة ١١٠١ - هـ، ويسمى هذا الشرح ((قصد السبيل بتوحيد العلي الوكيل))، وهو في مجلد ضخم موجود في دار الكتب المصرية من كتب التوحيد تحت رقم (١٣٤). ٧٢ كلمات من الجامع فيَسْمَع منكم للحقير سميعُها أيا نُخْبَةَ الأعلامِ عوجوا بدعوة غياثِ البرايا للحساب شفيعها وصلُّوا على خير الأنام محمدٍ وهذه صورة الإجازة التي كتبها لي إمام العصر الشيخ السيد محمد أنور شاه، جعل الله الجنة مثواه، ألحقتها تيمّناً وتبرّكاً، وأدعو الله تعالى أن يَصْدُقَ فيّ ظنُه، ويُبَارِك لي في يومي وغدي(١) . بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ الحمد لله الذي جل ذكره، وتعالت صفاته ونُعُوتُه، وعَزَّت أسماؤه، وتواترتْ وتَسَلْسَلَتْ آلاؤه ونعَماؤه، وحَدَّثَتْ بربوبيته أرضُه وسماؤه، إنَّ في السماء لغيراً، وإن في الأرض لِعَبَراً، فالعظمة إزاره والكبرياء رداؤه، واتصلت مِنَنهُ، وصحَّ إحسانه، وَوَضَحِ بُرهانه كمشكاة في مصباح، بهر نوره وضياؤه، فالكلُّ عبارةٌ وأنت المعنى، يا من تبارك وتقدَّسَتْ عَلياؤه وَلأُلَاؤُه، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، والكلّ حوادث أعراض، وهو السَّنَدُ الله الصَّمَد، وما عداه فهي شواهده وأنباؤه. والصلاة والسلام على خير خلقه وخيرته، خاتم الأنبياء والرسل، المبعوث إلى خير الأمم بالطريق الأمم، وأكمل الشرائع وأوسط السبل، وانقطعت بوجوده النبوة والرسالة، وكان بقي من قَصْر النُّبُوَّة موضع لَبَنة، فكأنها وقد تَمَّ البناء وكَمُل، فهو دعاء أبيه إبراهيم، وبُشْرَى عيسى، وهو أولُ الفِكْرِ وآخرُ العمل، وعلى آله وأصحابه الشاهدين لأحكامه وأيامه، والمتابعين لسُنَّنِهِ وسَنَنِه، وهَذْيهِ وهداه، لا يعدل بهم من عَدَل، والتابعين لهم بإحسان وتبعهم، ومَن اقتدى بهم إلى يوم الدين، وإلى آخر الأجل آمين. ثم آمين. أما بعد، فإن علم الحديث مرفوعٌ أعلامه، وصحيحٌ آثاره، وطَيِّب أخباره، ومستفيضٌ بركاته وأنواره. هذا إذا غاب أو هذا إذا حَضَرا حديثُهُ وحديثٌ عنه يُعجبني لكنَّ أحلاهما ما وافق النَّظَرَا كلاهما حَسَنٌ عندي أُسَرُّ بِهِ وهو أساس الدِّين وأُسُّه، وعليه طرده وعكسه، و ((مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خيراً يُفَقِّههُ في الدِّين»، وإن أخانا في الله الذكي الزكي الأحوذي، المُكَرَّم المفخَّم المولوي، بدر العالَم ابن الحاج الناسك تهور علي قد اشتغل عليّ ((بجامع الترمذي)) و ((الجامع الصحيح)) للإمام الهُمَام البخاري، رفع الله درجاتهما في أعلى عليين، وقرأهما وسمع مني ثلاث مرات في نحو ثلاث سنين، وعلّق عني أشياء، وذاكر معي وراجع، حتى أحسبه - والله حسيبه - أنه قد فهم علوم المحدِّثين من تَتَبُّعِ الطُرق، وفنِّ الاعتبار والمتابعات والشواهد ومذاهب الأئمة، وفَحْصٍ غرض الشارع، (١) والعبد قد لازمه بعد ذلك مُدَّةً مديدة، لا أراها أقلَّ من سبع سنين، فتلك عشرة كاملة، ولو أن أحداً فاز بتلك المدة لملأ صدره علماً وحكمة، لكني كنت كالقِيعان لا تجمع ماء ولا تُنْبِت كَلاَّ، فهل من حر ليسامحني على أقذائي ويجاملني بدعوة صالحة، وأجره على الله. ٧٣ كلمات من الجامع وجَمْع المتغاير وغير ذلك. والآن لما استجاز مني أجزته، إبقاءً للإسناد، عن شيخي ومولاي مُسْنِدِ الوقت، مولانا محمود حسن الدُُّوبَنْدِي، عن شيخه الإمام مولانا محمد قاسم النَّانُوتَوِي، عن شيخه العارف مولانا الشاه عبد الغني الدِّهْلَوِي، ثم المدني، بإسناده المُثْبَت في ((اليانع الجني)) لهذين الكتابين وللكتب الأُخَر. وأولئك آبائي فجئني بِمِثْلِهِمْ هذا، وقد أجازني السيد حسين جِسْر الطرابُلُسي الشامي، صاحب ((الرسالة الحميدية)) عام ثلاث وعشرين من المائة الحاضرة، عن والده، عن الشيخ محمد أمين، الشهير بابن عابدين، صاحب (ردّ المحتار)) بإسناده المُثْبَت في ثَبَتِهِ، وعن السيد أحمد الطَّحْطَاوي، محشي ((الدُّر)) أيضاً . وأُوصِيهِ وإياي بالاشتغال بكُتُبِ الحديث، وذِكر الآخرة، وتقوى الله، والتزام السُّنَّة، وحسن العمل، والله الموفِّق لنا وله. الأحقر الأفقر محمد أنور شاه الكَشْمِيري ابن مولانا مُعَظّم شاه. سنة ١٣٤٢ هـ ٦ من ذي الحجة. كلمة لمحقَّق العصر الأستاذ المُحَدِّث الشيخ شَبِّير أحمد العُثْمَانِي صاحب ((فتحُ الْمُلْهِم على صحيح مسلم)) وشيخ الحديث بالجامعة الإسلامية بدابهيل سُورَتْ الهند في التقريظ على ((فيض الباري)). بِسْمِ الهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ حامداً ومُصَلِّياً ومسلِّمَاً. قال الشيخ تاج الدِّين السُّبْكي في حق القَفَّال المروزي: كان إماماً كبيراً، وبحراً عميقاً، غوَّاصاً على المعاني الدقيقة، نقيَّ القريحة، ثاقبَ الفهم، عظيمَ المَحَلّ، كبيرَ الشأن، دقيقَ النظر، عديمَ النَّظير في زمانه. اهـ. وحكى قول ابن السَّمْعَاني فيه: كان وحيدَ زمانه فقهاً وحفظاً وورعاً. اهـ. هذه كلمات كنتُ رأيتها في حق ذاك الإمام، وصادفتها تصدُق في نابغة الهند الشهير وعالمها، بحر العلوم مولانا السيد محمد أنور شاه الكشميري ثم الدُّيُوبَنْدِي رحمه الله، سواء بسواء، من غير شطط وإطراء، فكان إماماً كبيراً،، وبحراً عميقاً، غوّاصاً على المعاني الدقيقة إلى آخر ما قال. لم أكن في عِدَاد أصحابه وتلامذته، غير أني وُفِّقْتُ للاستفادة من صحبته ومجالسه ومذاكراته في المشكلات والغوامض برهة غير قصيرة. ومن طالع كتابي ((فتح الملهم على شرح صحيح مسلم)) تبيَّن له ذلك. فمثل هذه الشخصية البارزة العظيمة القدر أغنى عن التعريف بحاله. كيف وقد أصبح هو سبباً للتعريف بحال من يُعْتَزَى إليه، درساً واستفادة من علماء الهند. إن العلوم العالية الغزيرة التي كان يسمح بها فضيلته في دروسه وأماليه ظلت تذاعٍ وتنشر، وتُقَدَّمُ للقوم بخدمة أصحابه ومستفيديه ناصعة المطالب واضحةَ البيان في نضرة وبهاء فللّه الحمد على ذلك. فكان كما قال القاضي أبو الطيب الطَّبَرِي: وَجَاهُكَ منهمُ ظِلٌّ ظَلِيلٌ نَوَالُكَ للوَرَى غِيثٌ مَطُولُ يَؤُمُّكُ منهمُ جيلٌ فَجِيلُ عَمَمْتَ الكُلَّ بالنَّعْمَا فأضحَوْا لَهُ فِي كلِّ ناحيةٍ نُزولُ وسَارَ بِعِلْمِكَ الرُّكْبَانُ حتى كنا نتأسف على أن الدُّرَرَ المنثورة في مؤلفاته، ومذكراته بقيت مبعثرة، ووافاه الأجل قبل أن يَنْظُمَهَا في سلك تأليفٍ جامع بيده الشريفة. لكنَّ المشيئة الأزلية أرادت أن يكون لأصحابه ٧٤ ٧٥ كلمة لمحقّق العصر الأستاذ المُحَدِّث الشيخ شَبِّير أحمد العُثْمَانِي وخواصِّ تلامذته حظّ من خدمة مآثره العلمية، وتجديد آثارها فأصحابه الذين يَسْعَون في نشر علومه بُشْرى لهم وأيّ سعادة. وأوشك أن يَشْملَهم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبَعَنْهُمْ ذُرِّيَّنُهُم بِمَنٍ أَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَمَا أَنْتَهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَّءٍ﴾ [الطور: ٢١]، على ما فسرها الشاه عبد القادر الدِّهْلِوي، ترجمان القرآن في الهند. ومن هؤلاء مكرَّمُنا العزيز مولانا بدر عَالَم المِيرتَهي، المدرِّس بالجامعة الإسلامية بدابهيل سُورَتْ - بارك الله في عمره وعلمه وعمله - حيث قدَّم لأهل العلم علومَ الشيخ التي كان يسمح بها في دراسة ((صحيح البخاري))، بعد ما كابد في جمعها العَنَاء أعواماً، ورتَّبها بتحقيقٍ وتدقيق، واختيار طريقة وُسطى بين التطويل والاختصار، بما تَقَرُّ به عيون أهل العلم، نَعَم هو كاسمه فيضُ بارىٍ على الجامع، حيث أنجز اللَّهُ بيده مثل هذه الخدمة المهمة، لم تتفق لي مطالعة الكتاب كلِّه إلا أن القدر الذي يتعلق بالشطر الثاني من الصحيح، ومبادىء تتعلق بأوائله، طالعتها، فنظراً إلى البصيرة التي حصلت لي على مشكلاته في تدريسه بِضْعَ سنين، يمكن أن أقول: إن كلَّ موضع كما يحتاج إلى الشرح والإيضاح يوجد هناك. وإن بقي موضع يحتاج إلى البيان، فيكون في موضع آخر ما يَجْبُره بما يكفي. ومَثَلُ الشيخ رحمه الله تعالى كَمَثَلٍ بحرٍ قد يُرَى وَجْهُهُ ساكناً إلا أنَّ دَرَكَه الزَّاخر يموج بعضه في بعض دائماً. فربما كَانَ يَصْدعَ بَكلمات موجزة، ونرى أن بحراً للحقائق والمطالب تزخر تحتها، فلم يكن من السهل للجامع أن يَغُوص في عُبَاب هذا البحر الزاخر ويُخْرِج هذه اللآلىء التي يصعب تناولها . وربما كان رحمه الله يُكْثِر من الإِحالة على الكتب لغزارة اطلاعه واستحضاره، فالمراجعة إلى المصادر لنقلها بلفظها لم يكن أمراً هيناً، فيكون من الظلم البَيِّن لو لم نُقَدِّر معاناته التعبَ الكثيرَ في ذلك الصدد. أولاً: أنه جمع أقواله المتفرقة من أماليه ما يخص موضوعاً واحداً في موضع واحد. ثانياً : أنه راجع إلى مئين من الحوالات فجمعها مع بعض زيادات. ثالثاً: أنه أوضح كثيراً من كلماته الموجزة وفسرها في مواضع، بعبارة واضحة مؤثرة. رابعاً: أن كل موضع أَحَسَّ إخلالاً في ضبطه، أو قصوراً في أداء غرض الشيخ، فَجَبَرَهُ بالتنبيه حسب مقدرته . وبالجملة: ليست منزلةُ جامع هذه الأمالي على ((صحيح البخاري)) فيما أرى مثل منزلة جامع أماليه على ((جامع الترمذي))، بل فاقه بكثير حتى جمعها في شكل كتاب مستقل. تقبَّلها الله تعالى وجعلها له وسيلة للبركات في الدارين. ٧٦ كلمة لمحقّق العصر الأستاذ المُحَدِّث الشيخ شَبِير أحمد العُثْمَانِي ومن الحَتْم علينا أن نشكر في هذا الصدد مساعي جمعية العلماء في ((جوهانسبرج» في افريقيا الجنوبية،َ لطبع الكتاب، وخدمة ((المجلس العلمي)) في ((دابهيل)) سُورَتْ، للإشراف على الطبع وغيره، ولا سيما خدمة مؤسِّس المجلس الحاج محمد بن موسى السملكي الإفريقي، ثم سعى مولانا السيد أحمد رضا البَجْنُوري، مدير المجلس العلمي، ومولانا محمد يوسف البَنّوري، مدرس في الجامعة الإسلامية (بدابهيل)، المجتهدين في توفية شأنه وخدمته بإخلاص ونشاط، حيث أصبحت مجهوداتهم البالغة في هدوء وسكون، وسيلةً لأهل العلم لتيسير الحصول على مثل هذه المطبوعات الجليلة، التي يتحمل لها أسفاراً مترامية الأطراف، بارك الله في شؤونهم وزادهم همةً وتوفيقاً . ٢٨ جُمَادى الأولى سنة ١٣٥٧ هـ شَبِّير أحمد العُثْمَانِي عفا الله عنه دابهيل - سُورَتْ - الهند بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ ١ - كتاب بَدْءِ الوَحْي قَالَ الشَّيخُ الإِمَامُ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ المُغِيرَةِ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى آمِينَ: ١ - بابٌ كَيفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ. وَقَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيْنَ مِنْ بَعْدِهِ،﴾ [النساء: ١٦٣]. ١ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيرِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَىِ بْنُ سَعِيدِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيَمَ التَّيِمِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ عَلقَمَةَ بْنَ وَقَّاصِ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ يَقُولُ: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ)). [الحديث ١ - أطرافه في: ٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣]. الحمد لله رب العالمين والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. قال الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المُغِيرة بن بَرْدِزْبَه الجُعْفِي البُخَاري رحمه الله تعالى : (بسم الله الرحمن). وليُعْلم أن حديث: ((كل أمر ذي بال)) .. إلخ، اضطربت فيه الألفاظ الواردة، بعضها: ((باسم الله))، وبعضها: ((بحمد الله)). وخَالَ بعضُهم التعارض، وظن اختلاف الألفاظ اختلاف الحديث. والحال أن الحديث واحد، ومع اضطراب كلماته حسَّنه الحافظ الشيخ أبو عمرو بن الصَّلاح، وهو شيخ الإمام النووي، دقيقُ النَّظر، واسع الاطّلاع، وليس صاحبه النووي مثله في الحديث. فالعمل بالحديث إما بصورة الجمع، فيراد ذكر الله، ويؤيده ما ورد في رواية: ((بذكر الله))، وإما يرجَّح اللفظ الأول، لأن أول ما نزل من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِأُسِْ رَبِّكَ﴾، فالتَّأسي به يحصل بالشروع بالبسملة، وأيضاً يؤيده افتتاح كُتُب رسول الله وَّةٍ، إلى الملوك، وكُتُبِهِ في القضايا بالبسملة. وراجع ((الفتح)) و((العمدة)) للتفصيل(١). (١) أي فيما ذُكر في المقدمة. ٧٧ ٧٨ كتاب بدء الوحي وبالجملة: فلا إيراد على الإمام البخاري في افتتاحه الصحيح بالتسمية دون التحميد، وما يُذكر من حمل الابتداء بالحقيقي في لفظ، وبالإضافي في لفظ، أو العرفي، فلا يُعبأ به، لأن مدارَ ذلك على تعدُّد الحديث. وذِكْرُ الاحتمالات التِّسْعةِ من بين صحيح وباطل ههنا كلها من سَقْط الكلام. (باب): لفظُ الباب مضاف. أو مبني كمَثْنَى وثُلاث. قال الرَّضِيّ: إن المفردات على سبيل التوارد مبنية. وقد عَلِمت من عادات المصنّف رحمه الله تعالى أنه يُصدِّرُ الأبواب بصيغة السؤال، ولا يجيب عنه، بل يوجه النَّاظر إلى الحديث ويكون الجواب فيه. (بَذْء): مهموز، وقيل: بدو، بمعنى الظهور، والأول أولى، لما في بعض النسخ: ((كيف ابتداء الوحي)) ولأنه نظير قوله فيما بعد: ((بَدْء الأذان)) و((بدء الحيض))، فهذا بَدء الوحي على شاكلة أخويه. واعتُرضَ عليه، أنه لو قال: كيف كان الوحي؟ لكان أحسن، لأنه تعرض فيه لبيان كيفية الوحي مطلقاً، لا لبيان كيفية بدء الوحي فقط. وأجاب عنه شيخ الهند رحمه الله تعالى أن البدء ههنا عام، سواء كان زمانياً، أو مكانياً، أو باعتبار صفات المُوحَى إليه، فيدخل فيه سائر ما يتعلق بالوحي، وجواب آخر للشاه ولي الله رحمه الله تعالى فراجعه من "تراجمه" . وما سنح لي بعد الإمعان في صنيعه، والنظر إلى نظائره، كبدء الأذان وبدء الحيض، أن البدء عنده لا يختصُ بالحصة الابتدائية، بل يعتبر مما يضاف إليه لفظ البدء بما فيه من أحواله أولاً، ثم يضاف إليه لفظ البدء ثانياً، ثم يُسأل عنه أن بدء هذا المجموع كيف كان؟ وحينئذٍ فيندرج تحته جميع أحواله، وهكذا فعل المصنف رحمه الله تعالى فيما بعد أيضاً. فقال: ((بدء الأذان، وبدء الحيض))، ثم لم يقتصر على أول الحال فقط، بل ذكر حالهما من الأول إلى الآخر، ففهمت من صنيعه أنه لا يريد من لفظ البدء البداية في مقابل النهاية، بل بدؤه بعد أن لم يكن، ووجوده من كَتْم العدم، فهو سؤال عن هذا الجنس بتمامه، أنه كيف بدأ؟ فالحاصل: أن معناه، السؤال عن جنس الوحي، وجنس الأذان، وجنس الحيض، أنه كيف جاء من كتم العدم إلى ساحة الوجود؟ وحينئذٍ معناه كونه بعد أن لم يكن، لا بدايته قبل نهايته، وهذا التصرف في لفظ البدء مستفادٌ من كلام المصنف رحمه الله تعالى نفسه، لا أني تصرفت في كلامه، وصرفته عن ظاهره(١) . (١) ويقول العبد الضعيف، وتؤيده نسخة البدو: وإن نظر فيها الحافظ رحمه الله تعالى، لأن بدء الوحي بهذا المعنى هو بدوه وظهوره، فصار مآل النُّسختين واحداً، غير أن النظر في لفظ البدء إلى ظهوره أولاً، بخلاف البدو، فإنه الظهور مطلقاً، فإن شئت قلت: كيف ظهر الوحي وكيف بدأ؟ وإن شئت قلت: كيف وجدت تلك الحقيقة أولاً، فهو إذاً بمعنى لا سابق له، لا بمعنى المتقدم على الغير، كما في الفقه، لو قال: ((أول عبد أملكه فهو حر، فملك عبداً عتق)) مع أنه لم يملك غير هذا العبد، فكذلك معنى بدء الوحي وجوده أولاً بعد أن لم يكن، فلم يلاحظ في هذا الاعتبار أجزاء الوحي، ليكون البدء أول أجزائه، بل اعتبرت الحقيقة جملة، كالحقيقة البسيطة، ولا يكون بدؤها إلا ظهورها، ثم معنى الأولية مراعاً فيه، فإن الوحي كان انقطع بعد زمن عيسى عليه السلام ثم بدأ من زمن = ٧٩ كتاب بدء الوحي وبعبارة أخرى، معناه: كيف بدأت تلك المعاملة مع المخلوقات؟ ولك أن تقول: إن بدء الوحي مقصود بالذات، وبقاءه مقصود بالتبع. أما معنى الوحي فسيجيء الكلام فيه عن قريب. ولعمري أن المصنف رحمه الله تعالى أبدع في بدء كتابه، فصدَّره بالوحي على خلاف دأب المصنفين رحمهم الله تعالى، إشارة إلى أن أول معاملة العبد مع ربه إنما تقوم بالوحي، ثم بالإيمان، ثم بالعلم، ثمٍ بسائر الأعمال، كما قال تعالى: ﴿مَا كُنْتَّ نَّدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] الآية ثم علّمَه ما علمه بالوحي، فهو مقدمه للإيمان والأعمال، فهو مقدمٌ طبعاً، فلا بد أن يكون مقدَّماً وضعاً. (وقول الله عزَّ وجل) أراد به التوجيه إليه، والرعاية له والاستيناس منه، دون الاستدلال به. ثم اعلم أن المصنف رحمه الله تعالى ربما يذكر قطعة آية ولا يذكرها بتمامها. ويكون مقصوده في اللاحق أو السابق، فيتحير هناك الناظر، حيث لا يرى لها مناسبة بالمقام، فاعلم ولا تغفُل. وإنما انتخبها المصنف رحمه الله تعالى من بين سائر الآيات لكونها أبسط آية في باب الوحي، والغرض منه بيان مبدأ الوحي، أنه هو سبحانه وتعالى، وأنه إذا كان مبدأ هذا الوحي هو مبدأ وحي نوح عليه السلام والنبيين من بعده، فوجب لأهل الكتابين أن يؤمنوا به كما آمنوا بوحيهم، وأنه لما كان مبدؤهما واحداً، فإنكار هذا الوحي كأنه إنكار لوحيهم أيضاً. وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا﴾ بيان سنة، أي إيحائنا سنة قديمة من لَدن نوح إلى يومنا هذا، وليس بأمر جديد ليتوحش منه متوحش، ويتأخر عنه متأخر. وإنما خص نوحاً بالذكر، ولم يذكر آدم عليه السلام، لأن الوحي قبله كان في الأمور التكوينية، ولم يكن فيه كثير من أحكام الحلال والحرام، كما ذكره الشاه ولي الله رحمه الله في رسالته: ((تأويل الحديث)). وذكر الشاه عبد العزيز رحمه الله تعالى: أنه لما هبط آدم عليه السلام من الجنة أعطي بذوراً للزرع، وأكثر أحكامه كانت من هذا القبيل، ثم تغيرت شاكلته من زمن نوح، فنزلت الأحكام والشرائع، كما يُعلم من التفاسير، أن الكفر إنما ظهر في السِّبط السادس من قابيل، وأول رسول بعثه الله تعالى لِزَهْقِهِ هو نوح عليه الصَّلاة والسَّلام ولم يكن قبله كفر، ومن ههنا صار لقبه: ((نبي الله) فإنه أول نبي بعث لإزهاق الكفر، والناس كلهم الآن من نسلِهِ، فهو آدم الثاني، ومنه نُشر العالم من بعد لفه، كذا ذكره المؤرخون. ثم إنه لما بُعث ودعا الناس إلى التوحيد ولم يؤمنوا به، وكان من أمره ما كان، واستقر = نبينا ◌َُّ فهو كقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَنَا أَوَلَ خَلْقٍ تُعِيدُهُ﴾ معناه كما خلقناكم بعد أن لم تكونوا شيئاً، كذلك نبعثكم ثانياً بعد موتكم، فخلقُ العالم جُملة من الأول إلى الآخر هو بدؤه، فهكذا بدء الوحي معناه: وجود تلك الحقيقة أولاً، وإنما طوَّلت فيه هذا التَّطويل، لإيضاح مراد الشيخ وتفهيمه، مع الإيماء بتأييده من نسخة أخرى. ثم إن الفرق بين كلامه وكلام شيخ الهند رحمه الله تعالى أن شيخه أخذ العموم في البدء بحسب الزمان والمكان، وشيخنا رحمه الله تصرف في الوحي، وأخذه جملة بما فيه، ثم سئل عنه، أنه كيف ابتدأت تلك الحقيقة، فليس سؤالاً عن جزء من أجزاء الوحي، بل عن الحقيقة، وهي تتحقق في جميع موارد تحققها، فذكر جميع أحوالها باعتبار تحقق تلك الحقيقة هناك، لا باعتبار جزء دون جزء، وحال دون حال. ٨٠ كتاب بدء الوحي فُلْكُه على الجُوديِّ، نزلت الشريعة وبعض من الحلال والحرام. فعند النَّسائي من كتاب الأشربة من الطّلاء - ما يدل على بعض أحكام شريعته عليه الصَّلاة والسَّلام - عن أنس بن سيرين. قال: سمعت عن أنس بن مالك يقول: إن نوحاً بَّرُ نازعه الشيطان في عود الكَرْم، فقال: هذا لي، فاصطلح على أن لنوح ثلثها وللشيطان ثلثيها. وإن نوحاً قد كان وضع عود الكَرْم، ومن كل حيوان زوجين حين ركب الفُلْك وطغى الماء، فإذا استوت سفينته ونزل منها نازعه الشيطان في عود الكرم وادّعاه لنفسه، فإن الخمر يتخذ منه، ثم انفصل الأمر كما في الحديث. قلت: وهو يفيدنا في جواز المُثَلث من الأشربة، فإن الثلث صار لنوح عليه الصلاة والسلام، فيكون حلالاً البتة، وصار الثلثان للشيطان فإن بقي فيه شيء من الثلثين لم يحل، لكون حظ الشيطان باقياً، فإذا ذهب ثُلثاه بقي حق نوح عليه الصَّلاة والسَّلام فيكون حلالاً. قال ابن رشد في ((التهافت)): إن تعليم القيامة لم يكن قبل التوراة: أقول: بل هو مدار النبوة، وأساس الأديان السماوية، وشرائع الأنبياء، فلا بد أن يكون تعليمه من بدء الأمر، فإن الشريعة وإن اختلفت، إلا أن أصولها لم تختلف قط. وفي التفاسير: إن حرمة الخنزير كانت من زمن آدم عليه السلام. نعم تحتاج أمثال هذه النقول من المفسرين إلى الانتقاد، فكيف بالقيامة واعتقاد حقيتها، فإنها من أصول الدين؟ شرحُ الحديث على نحو ما قالوا واعلم أن الحديث تكلموا عليه قديماً وحديثاً، وهو من أساس الدين، حتى رُوي عن الشافعي رحمه الله تعالى: أنه يدخُلُ فيه نصف العلم. ورُوي عن أحمد رحمه الله تعالى: أنه ثُلث الإسلام، أو ثُلث العلم. وقيل: ربعه كما قيل: أربعٌ قالهنَّ خيرُ البريه عُمدة الخيرِ عندنا كلماتٌ ليس يَعْنِيك، واعمَلَنَّ بنيه اتق الشُّبُهات، وازْهَد، ودع ما ونسبهما علي القاري رحمه الله تعالى إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى "وهو سهو منه، بل هما لشاعر آخر كما يُعلم من شرح" ((عقود الجمان)) للسيوطي رحمه الله تعالى. ثم الحديث مروي عن إمامنا أبي حنيفة أيضاً في ((مسنده)) بلفظ: ((الأعمال بالنيات)) رواه عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التَّيمي، عن علقمة، عن أبي وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله وَلثر: ((الأعمال بالنيات)) .. إلخ. ورواه بهذا اللفظ ابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم في ((أربعينه))، وصححه. واقعته: ما رواه الطبراني بسند رجاله ثقات عن ابن مسعود رضي الله عنه: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أُمُّ قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها. قال: فكنا نسميه: مهاجرَ أم قيس. قال ابن دقيق العيد: لم يُصنّف أحد في شأن ورود الأحاديث، إلا ما بلغني عن أبي حفص العُكْبَري، أنه صنف في هذا الموضوع شيئاً، ولو فعله أحد لنفع جداً .