النص المفهرس

صفحات 281-300

وأمّا حديث طارق: أَنْ رَجُلاً أَجْنَبَ، فَلَمْ يُصَلِّ، فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َِه
فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((أَصَبْتَ))، فَأَجْنَبَ رَجُلٌ آخَرَ، فَيَمَّمَ وَصَلَّى،
فَأَتَاهُ، فَقَالَ نَحْوَ مَا قَالَ لِلَآخَرِ - يَعْنِي -: ((أَصَبْتَ)) أخرجه النسائي في
(باب من لم يجد الماء ولا الصّعيد).
فيكون ترك الأول الصّلاة؛ لأنه فاقد الطهورين، وصلى الثاني؛
لأنه واجدٌ التراب، فيدل على عدم وجوب الصلاة على الفاقدٍ لهما،
وليس فيه دلالة على عدم وجوبها على واجد واحدٍ منهما.
والسابع: في ثناء الناس على عائشة في ذلك:
وقد مَرَّ بنا [ذكر] أسيد، وأبي بكر، وقيل: الناس الذين بعثهم
رسول الله في طلب العقد، هو أسيد وأصحابه على ما جاء مصرَّحاً في
بعض الروايات، وربما يؤخذ من قولها: (وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ)؛ بأنه الذي
بعث مع أصحابه في طلب العقد؛ لأن أمثال ذلك من أمور الاستعانة،
والظاهر: أنه ليس في ذلك دلالة؛ لأن أسيداً كان أحد النقباء في
العقبة الثانية .
* وقوله: (مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ)، وقوله: في
الرواية الثانية: (جَزَاكِ اللهُ خَيْراً) ثناءٌ من أسيد على عائشة بحصول
الرخصة بسببها .
وفي ((الترمذي)): أنه لمّا نزلت، قال أبو بكر لعائشة: مَا عَلِمْتُ
إِنَّكِ لَمُبَارَكَةٌ، وفي ((تفسير أبي محمد إسحاق بن إبراهيم البُستي)) من
حديث ابن أبي مُلَيكة: أن رسول الله وَّه قال لعائشة: ((ما كانَ
٢٨١

أعظمَ بركةَ قلادتِكِ)).
وبالجملة: يُعلم من الروايات أن الجماعة أثنوا عليها.
الثامن: في الجمع بين الروايات:
* قوله: (فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ)، وجاء
في رواية في ((البخاري)): (فبعَثَ رسولُ اللهِ رجلاً في طلبِها، فوجدَها،
وفي رواية أخرى فيه: (بعث أُسيدَ بنَ حُضَيْرٍ وُناساً معه في طلبها).
واعترض الداودي بأن بين الروايات تناقضاً، ثم قال: ولا أرى الوهم
إلا في رواية ابن نمير، وهي: (أن النبي بعث رجلاً في طلبه، فوجدها).
وقال المهلب بن أبي صفرة: لا تناقض في الكلام، ولا حاجة
إلى رَدِّ الرواية؛ فإن المراد بالرجل: رأسُ القوم، وهو أُسَيد، وقد
وَجَدَ أُسَيْدٌ العقدَ تحت البعير الذي عليه عائشة بعد مراجعته من
الطلب؛ فإنه لمَّا صلَّى مع أصحابه الصّلاةَ بغير وضوء، ورجع إلى
النبي - عليه السلام -، وشكا إليه ذلك، وأنزل الله آية التيمم، وفرِحَ
القوم بتلك الرخصة، وعزموا على الارتحال، بعثوا البعير، فوجد
أُسيدٌ العقد تحت البعير.
وبهذا يجمع بين الروايات، ولا غبار على ذلك، ولا تمثّل، بل
المناسب بسياق القصّة ذلك.
وفي الحديث: فوائد ترخيص التيمم، مع بيان المحافظة على
المال، وإن قَلَّ.
٢٨٢

ويستنبط من ذلك: جوازُ سلوك طريق يتيقن فيه عدمُ الماء طلباً
للماء.
وبيان جواز الإقامة في موضع ليس فيه ماء.
وجواز القلادة للنِّساء.
وجواز المسافرة بقلادة الغير بإذنه.
وجواز وضع الرجل رأسه على فَخِذٍ زوجته.
وجواز دخول والد الزوجة إلى بيتها بغير إذن الزوج، وفي حال
نومه .
وجواز تأديب الرجل ولدَه بالقول والفعل والضرب، إن كان
خارجاً من بيته متزوجاً.
وتحمُّل المَضَرَّة لأجل المصلحة؛ حيث لم تتحرك عائشة؛
لمكان رأس رسول الله بم قر على فخذها.
وجواز إسناد الفعل إلى السبب؛ لأن الناس ما حبسَتْهم عائشةُ،
بل صارت سبباً في ذلك.
وفائدة الصبر على تأديب الوالدِ، وظهور ثمرته عن قريب؛
كنزول الرخصة للمسلمين في ذلك.
وغير ذلك من الفوائد.
٢٨٣

٨٤٤ - (٣٦٨ / ١١٠) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ
أَبِي شَيْئَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ جَمِيعاً، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ عَبْدِاللهِ،
وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَّا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ
رَجُلاً أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْراً، كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلاَةِ؟ فَقَالَ
عَبْدُ اللهِ: لاَ يَّعَّمُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْراً، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ
بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْمَآءُ فَتَيَمَّعُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:
٦]؟ فَقَالَ عَبْدُاللهِ: لَوْ رُخّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الآيَةِ، لَأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ
عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِاللهِ: أَلَمْ تَسْمَعْ
قَوْلَ عَمَّارٍ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِوَه فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ،
فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الذَّابَةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ لَهُ، فَذَكَرْتُ
ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: (إِنَّمَا كَانَ يَْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَئِكَ هَكَذَا»، ثُمَّ ضَرَبَ
بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ
كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ؟ فَقَالَ عَبْدُاللهِ: أَوَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟ .
٨٤٥ - (٣٦٨ / ١١١) - وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى
لِعَبْدِ اللهِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ نَحْوَ حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا))، وَضَرَبَ
بِيَدَيْهِ إِلَى الأَرْضِ، فَنَفَضَ يَدَيْهِ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
٢٨٤

الحديث الثاني: حديث شَقيقٍ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ عَبْدِاللهِ، وَأَبِي
مُوسَى، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً
أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْراً، كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلاَةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ:
لاَ يَتَّمَّمُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْراً، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ
فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]؟ فَقَالَ
عَبْدُ اللهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، لأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ
يَتَيَّمَّمُوا بِالصَّعِيدِ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللهِ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ:
بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِوَ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي
الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيِّ وَهِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ:
(إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَّدَئِكَ هَكَذَا)). ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ
ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ؟
فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَوَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟ .
وفي رواية: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا))، وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ
إِلَى الأَرْضِ، فَنَفَضَ يَدَيْهِ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَيْهِ. أخرجه البخاري،
وأبو داود، والنسائي.
إذا عرفت هذا، فالكلام في مواضع :
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف، وهو: ذَرّ، وشيخه،
وعبد الرحمن.
أما (ذَرٌّ)، فهو ابنُ عبدالله بن زرارة الهمدانيُّ، أبو عمرٍو
الکوفيُّ.
٢٨٥

عن المسيَّب بن نجبة، وعبدالله بن شداد، وسعيد بن جُبير،
وجمع .
وعنه ابنه عمر، ومنصور، وطلحة بن مُصَرِّف، وخلق.
وَثَّقَهُ ابنُ معين وغيرُه، وأخرج له الستة.
وقال أبو داود: وكان مرجئاً.
وأمّا (شيخُه)، فهو سعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أَبْزَى الخزاعيُّ،
مولاهم، الكوفيُّ.
عن أبيه.
وعنه طلحة بن مصرِّف، وقتادة، وغيرهما.
وَثَّقَهُ النسائي، وأخرج له الستة.
وأما (أبوه)، فهو عبدُ الرحمن بنُ أبزى، مولى نافع بن عبد
الحارث، مختلفٌ في صحبته.
روى عن النبي - عليه الصلاة والسلام -، وأبي بكر، وعمر،
وأُبيّ، وجماعة.
وعنه ابناه: سعيد، وعبدالله، والشعبي، وأبو إسحاق، وخلائق.
أخرج له الستة .
قال البخاري : له صحبة.
وقال أبو حاتم: صلى خلف النبي - عليه السلام -.
وقال ابن أبي داود: تابعي.
٢٨٦

وقال ابن عبد البر: استعمله علي - كرّم الله وجهه - على
خراسان .
الثاني : في حکمه:
* (فقال عبدالله: لا يتيمم، وإن لم يجد الماء شهراً): قد مَرَّ أن
رأي عمر، وابن مسعود: أن الجنب لا يتيمّم في الحدث الأصغر،
فهذا صريح في ذلك، وإنما استشار عمرُ عماراً في ذلك؛ لأنه كان
حاضراً معه، ولم يذكر القضية وسببها، فارتاب، ولم يقنع بقوله.
ولما كان من رأي عمر، وابن مسعود: أن الملامسة المذكورة
في سورة النساء هي ما دون الجماع، وذكر التيمم في الآية عقيب
الملامسة، مَنَعا الجنب التيمّم، ورأيا أن التيمم إنما جُعل بدلاً من
الوضوء، ولم يُجعل بدلاً من الغسل.
ولما كان رأي ابن عباس، أو أبي موسى، وغيرهما: أن المراد
بها: الجماع، أجازوا للجنب التيمم، ولم يتعلق أحد من فقهاء
الأمصار ممن قال: إن الملامسةَ الجماعُ، ومن قال: بأنها دونه، بقول
عمر، وابن مسعود، وصاروا إلى حديث عمار، وعمرانَ بنِ الحصين،
وغير ذلك من الأحاديث الواردة في هذا الباب.
إلا أن من قال: إن الملامسة الجماع أوجبَ التيممَ بالقرآن، وهو
قول الکوفیین.
ومن قال: إنها ما دون ذلك أوجبه بالسنة، وهو قول مالك،
وغيره.
٢٨٧

ولما احتج أبو موسى على ابن مسعود بالآية، وكان المراد
بالملامسة فيها الجماع، لم يمكنه دفعه، فلجأ إلى قوله: (لَوْ رُخِّصَ
لَهُمْ فِي هَذِهِ الآيَةِ، لِأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ)،
وهذا عذر غير واضح - علی ما لا يخفى -.
والثالث: جواز التيمّم للبرد والجرح ونحوهما:
وقد جاء في حديث عمرو بن العاص، قال: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ
بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةٍ ذَاتِ السَّلَاَسِلِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ،
فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ◌َِه
فَقَالَ: ((يَا عَمْرُو! صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟))، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي
مَنَعَنِي مِنَ الإِغْتِسَالِ، وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللهَيَقُولُ: ﴿وَلَا نَقْتُلُوَ أَنْفُسَكُمْ
إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِنَّهِ، وَلَمْ يَقُلْ
شَيْئاً. أخرجه أبو داود.
وجاء عن ابن عباس: أَنَّ رَجُلاً أَصَابَهُ جُرْحٌ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَِّ،
ثُمَّ احْتَلَمَ، فَأُمِرَ بِالإِغْتِسَالِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللهِ وَله
فَقَالَ: ((قَتَلُوهُ - قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ؟».
أخرجه أبو داود، وابن ماجه بزيادة: قَالَ عَطَاءٌ: وَبَلَغَنَا أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((لَوْ غَسَلَ جَسَده، وَتَرَكَ رَأْسَهُ حَيْثُ أَصَابَهُ
الْجَرْحُ».
وعن عمار، قال: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلاً مِنَّا حَجَرٌ،
٢٨٨

فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، فَاحْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةٌ فِي
التَّيَّمُّم؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ
وَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ◌َ﴾، أُخْبِرَ بِذَلِكَ، قَالَ: ((قَتَلُوهُ - قَتَلَّهُمُ
اللهُ -، أَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟ وَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ
يَكْفِيهِ أَنْ يَتَمَّمَ، وَيُعَصِّبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةٌ، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ
سَائِرَ جَسَدِهِ» أخرجه أبو داود.
والإجماع قائم على [أن] من خاف من التلف في استعمال الماء،
أبیح له التیمم.
وكذا الإجماع قائم على أن المسافر إذا كان معه الماء، وخاف
العطش، أنه یتیمم، ویشربه.
وأمَّا من خاف في حدوث المرض وزيادته إن استعمل الماء،
فالصحيح من المذاهب: الجواز، وقيل: لا يجوز، وهو ضعيف.
الرابع: جواز الانتقال:
* قوله: (فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللهِ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ) فيه
جواز الانتقال في المناظرة من دليل إلى دليل عند تعجيل، والإفحام
للخصم، وقد فعله الخليل - صلوات الله عليه - في محاجّة نمرود،
على ما نطق به الكتاب العزيز، وفيه تفصيل مذكور في الأصول.
الخامس: في جواز التأويل:
* قوله: (فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ) فيه: أن المتأوِّل لا إعادةَ عليه،
٢٨٩

ولا لوم؛ لأن عماراً تأول أن المعهود يكفي لوجهه ويديه، ولا يكفي
لسائر بدنه، فتمعك في التراب؛ ليصلَ الترابُ إلى جميع بدنه، فلم
يأمره الشارع بالإعادة؛ لأنه زاد على الواجب.
وأمّا القول بأن هذا اجتهاد، واستدلالٌ من هذا على أن الاجتهاد في
زمن الرسول عليه السلام غير جائز - على مَا وقع في بعض الكتب -،
ففيه كلام.
٨٤٦ - (٣٦٨ / ١١٢) - حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بْنُ هَاشِمِ الْعَبْدِيُّ،
حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ -، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي
الْحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِهِ: أَنَّ
رَجُلاً أَتَى عُمَرَ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْتَبْتُ، فَلَمْ أَجِدْ مَاءً. فَقَالَ: لاَ تُصَلِّ.
فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ، فَأَجْنَبْنَا،
فَلَمْ نَجِدْ مَاءً، فَأَمَا أَنْتَ، فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا، فَتَمَعَّكْتُ فِي الْتُّرَابِ،
وَصَلَّيْتُ. فَقَالَ النَّبِيُّ :﴿: (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَّدَيْكَ
الأَرْضَ، ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ))؟ فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ
اللهَيَا عَمَّارُ، قَالَ: إِنْ شِئْتَ، لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ. قَالَ الْحَكَمُ: وَحَدَّثَنِيهِ ابْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِهِ، مِثْلَ حَدِيثِ ذَرٍّ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي
سَلَمَةُ، عَنْ ذَرِّ فِي هَذَا الإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَ الْحَكَمُ، فَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِيكَ
مَا تَوَلَّيْتَ.
٢٩٠

٨٤٧ - (٣٦٨/ ١١٣) - وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا
الَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَناَ شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَرّاً، عَنِ
ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَنْزَى، قَالَ: قَالَ الْحَكَمُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنِ ابْنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِهِ: أَنَّ رَجُلاً أَنَى عُمَرَ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ،
فَلَمْ أَجِدْ مَاءَ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَمِيرَ
الْمُؤْمِنِينَ! إِنْ شِئْتَ - لِمَا جَعَلَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ حَقِّكَ - لاَ أُحَدِّثُ بِهِ
أَحَداً. وَلَمْ يَذْكُرْ: حَدَّثَنِي سَلَمَةُ عَنْ ذَرٍّ.
الحديث الثالث: حديثُ عبدِ الرحمنِ بن أَبْزَى: أَنَّ رَجُلاً أَتَى
عُمَرَ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدْ مَاءِ. فَقَالَ: لاَ تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ:
أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ، فَأَجْنَبْنَا، فَلَمْ نَجِدْ مَاءً،
فَأَمَّا أَنْتَ، فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا، فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ، وَصَلَّْتُ، فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌َِّهُ: (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَئِكَ الأَرْضَ، ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ
تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ))؟ فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللهَ يَا عَمَّارُ، قَالَ: إِنْ
شِئْتَ، لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ.
قَالَ الْحَكَمُ: وَحَدَّثَنِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِهِ، مِثْلَ
حَدِيثٍ ذَرٍّ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ، عَنْ ذَرِّ فِي هَذَا الإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَ
الْحَكَمُ، فَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِيكَ مَا تَوَلَّيْتَ.
وفي رواية: قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنْ شِئْتَ - لِمَا جَعَلَ اللهُ
عَلَيَّ مِنْ حَقِّكَ - لاَ أُحَدِّثُ بِهِ أَحَداً. أخرجه البخاري والأربعة.
٢٩١

وفي رواية أبي داود: ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى نِصْفٍ
الذِّرَاعِ.
وفي رواية: ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَالذِّرَاعَيْنِ إِلَى نِصْفِ السَّاعِدَيْنِ،
وَلَمْ يَبْلُغِ الْمِرْفَقَيْنِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً.
وفي رواية: وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ وَاحِدَةً إلى المِرْفَقَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ.
قال شعبة: كَانَ سَلَمَةُ يَقُولُ: الْكَفَّيْنِ وَالْوَجْه وَالذِّرَاعَيْنِ، فَقَالَ لَهُ
مَنْصُورٌ: مَا تَقُولُ؟ فَإنُّ لاَ يَذْكُرُ الذِّرَاعَيْنِ أَحَدٌ غَيْرُكَ.
وفي ((النسائي)) مثله، وبعده حكى سلمة، فَقَالَ: لاَ أَدْرِي ذَكَرَ
الذِّرَاعَيْنِ أَمْ لاَ؟ .
ولفظ الترمذي: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ أَمَرَ عَمَّاراً بِالنَّيَقُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ.
ثم قال: وفي الباب: عن عائشة، وابن عباس.
وأقول: حديثُ عائشة قد مَرَّ.
وحديثُ ابن عباس: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ كَانَ يَخْرُجُ يُهْرِيقُ الْمَاءَ،
فَيَتَّقَّمُ بِالْتُّرَابِ، فَأَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ الْمَاءَ مِنْكَ قَرِيبٌ، فَيَقُولُ:
(مَا يُدْرِيِ؟ لَعَلِّي لا أَبْلُغُهُ)) رواه أحمد، والطبراني.
إذا عرفت هذا، فالكلام - هاهنا - في مواضع:
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف، وقد ذكرناهم في
الحديث [ ... ]؛ لأنهما في الحقيقة واحد، [ ... ].
٢٩٢

والثاني: في حكم كيفية التيمم :
وقد ذكرنا المذاهب والدلائل، وربّما يستدلّ من ذكر الضربة
الواحدة، وذكر الكفّين: أن التيمم يجوز بضربة واحدة، وإنما يجب
المسح إلى الكوع فقط.
ويجاب: بأن المراد - هاهنا -: صورة الضرب للتعليم، لا لبيان
جميع ما يحصل به التيمم؛ لأن ذلك وقع في مقابلة تمعُّك عمارٍ في
التراب، وقد جاء في روايات هذا الحديث الاختلافُ في الكيفية،
وجاء [في] آخر: التيمم بالضربتين، ووجوب المسح إلى المرفق،
فوجب الجمع.
والثالث: في اعتذار عمار في قوله: (إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ)
وفي الرواية الأخرى: (إِنْ شِئْتَ - لِمَا جَعَلَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ حَقِّكَ - لاَ
أُحَدِّثُ بِهِ أَحَداً) ليس ذلك لضعف الحديث، ولا لأن عماراً شك فيما
روى، وإنما ذلك لأجل أنه قد بلَّغ، وخرج بذلك من كونه كاتماً
للعلم، ولعل في منع عمر ذلك مصلحةً رآها، وامتثال أمر أُولي الأمر
واجبٌ فيما لا يكون فيه معصية، وهذا من جملة ذلك.
٢٩٣

(١٦)
باب
جواز التيمم في الحضر
٨٤٨ - (٣٦٩ / ١١٤) - قَالَ مُسْلِمٌ: وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ،
عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى
ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى
مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ بَّهِ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِ الْجَهْمِ بْنِ الْحَارِثِ
ابْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو الْجَهْمِ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ وَلِ مِنْ
نَحْوٍ بِثْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِع ◌َلـ
عَلَيْهِ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ
السَّلاَمَ.
فیه حدیثان :
الأول: [حديثُ] أَبِيِ الْجَهْمِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ: أَقْبَلَ
◌ِسُولُ اللهِنَّهُ مِنْ نَحْوِ بِثْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ
رَسُولُ اللهِّهِ عَلَيْهِ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّرَأَّ
عَلَيْهِ السَّلاَمَ. أخرجه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
٢٩٥

والكلام عليه في مواضع :
الأوّل: في التعريف برواته سوى ما سلف، وهو: عُمَيْر،
وعبدالله، وشيخهما .
أما (عُمَيْرٌ)، فهو ابن عبدالله الهلاليُّ، المدنيُّ، مولى ابن
عباس، وقيل: مولى أمه أمّ الفضل، روى عنهما، وعن غيرهما.
وعنه سالم أبو النصر، وإسماعيل بن رجاء، وجمع.
وَثَّقَهُ النسائي، وأخرج له الستة سوى الترمذي، وابن ماجه.
له في الكتب هذا الحديث، وحديثُ الفِطْرِ بعَرفة.
وأما (عبدُالله)، فهو ابنُ يسار مولى ميمونة.
یروي عن مولاته، وغيرها.
وعنه الأعرج، وغيره.
وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الشيخان، وأبو داود، والنسائي.
وأمّا (شيخهما)، فهو أبو جَهْم عبدُالله بنُ الحارث بن الصِّمَّة بن
عمرو الأنصاريُّ الخزرجيُّ، الصحابيُّ.
روى عنه جمع، وأخرج له الستة.
له في ((الصحيحين)) حديثان: هذا، وحديث المرور بين يدي
المصلي.
الثاني: في وجه المناسبة:
لما ذكر مسلم أن التيمم بَدَلُ الوضوء عند حصول شرائطه، أراد
أن يشير إلى التيمم عند كونه ممن يستبيح الصّلاة وهو حال الحضر،
٢٩٦

ووجدان الماء ربّما يفيد لبعض المهمّات، وفي ذلك نوع رمز إلى أنه
نوع طهارة، فعلى المشتغل بما فيه نوعُ عبادة أن يكون متيمماً إن لم
يكن متوضّاً.
والثالث: في السّند:
* قوله: (وَرَوَى اللَّيْثُ) هذا من تعليقات مسلم، والتعليق كثير
في ((البخاري))، عن يحيى بن بكير، عن ليث، ووصله - أيضاً - أبو
داود، والنسائي، ووقع في ((مسلم)) في هذا الموضع: عبدُ الرحمن بن
يسار.
وذكر الناظرون في الإسناد أنه خطأ وقع من قلم الناسخ،
والصّواب: عبدالله بن بشار - على ما في ((صحيح البخاري))، و((سنن
أبي داود))، والنسائي.
وقيل: عبد الرحمن، وعبدالله، وعبد الملك، وعطاء، أربعة
أخوة.
أما بشار كذا ذكره النووي، وهذا خطأ؛ لأن الإخوة الأربعة هم:
سليمان، وعبدالله، وعبد الملك، وعطاء، أبناء بشار، وموالي ميمونة
على ما اتفق عليه القوم، فظهر أن القول في أن عبد الرحمن آخرهم
خطأ، كما أن وقوع عبد الرحمن في الإسناد كذلك، ويحتمل أن يكون
هذا الحديث من رواية سليمان بن يسار، ولفظة: (أبي) ساقط عن قلم
الناسخ، والأصل: أبي عبد الرحمن؛ فإن سليمان يكنى بأبي عبد
الرحمن.
٢٩٧

ووقع - أيضاً - منها أبو الجهم مكبَّراً، وإنما هو مصغّر كما ساقه
البخاري، وقد ذكره مسلم على الصواب في حديث المرور، وسماه
أبو نعيم، وابن منده: عبدالله بن جهیم، وجعلاهما واحداً، ورجح ابن
الأثير کونھما اثنین.
وبالجملة: الخلاف في أن أبا الجهيم هو عبدالله بن جهيم، أو
شخص آخر، ولا خلاف في أنه أبو الجهيم - مصغراً -، وأبو الجهم -
مكبراً - على ما وقع في الكتاب خطأ في هذا الموضع.
وإنما المكبر صاحبُ الأنبجانية، واسمه حكمُ بنُ حذيفةَ بنِ غانمٍ
القرشيُّ، العدويُّ، من بني عَدِيٍّ بن كعب، وهو غيرُ مراد هاهنا،
وسيجيء في حديث الأنبجانية في (كتاب الصّلاة).
* وقوله: (ِثْرِ جَمَلٍ) بفتح الجيم والميم: موضع بقرب المدينة،
فيه مال من أموالها، ذكره أبو عبيد.
وفي النسائي: ((ِثْرِ الجَمَلِ)) - بالألف واللام -.
وهذا الحديث فيه: دليل على جواز التيمم في الحضر، إلا أنه لا
دليل فيه لرفع الحدث كما ظن القرطبي وغيره؛ لأنه تيمم لردّ السلام،
كره أن يذكر الله تعالى على غير طهارة، كما رواه حماد بن سلمة في
صيغة هذا الحديث.
وفيه: دلالة على جواز التيمم في الحضر عند خوف الفوات؛
لأنه لمّا تیمم لرد السلام، وکان له أن یردّه قبل تیممه، دل على جواز
٢٩٨

التيمم في الحضر عند خوف الفوات، بل أولى، ولكن ليس فيه دلالة
على جواز صلاة الجنائز والعيد عند خوفٍ فوتٍ؛ كما احتج الطحاوي
بهذا الحديث لأجل أصحابه.
قال الداودي: والذي يدل على سببية التيمم لأجل ردِّ السلام
ونحوه: قوله - عليه السلام - لأبي هريرة: ((الْمُؤْمِنُ لاَ يَنْجُسُ)) - على
ما سيجيء۔۔
وقد يستدل بحديث أبي جهم على عدم اشتراط الغبار في
التيمم، بل يجوز بالصخرة التي لا غبار عليها؛ لأن النبي - عليه الصلاة
والسلام - تيمّم بالجدار، وحيطانُ المدينة حجارة سود.
ويجاب: بأنه قد جاء مبيّناً في رواية أخرى عن أبي جهم: مَرَرْتُ
عَلَى النَّبِّ :﴿ وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ حَتَّى قَامَ إِلَى
جِدَارٍ، فَكَتَّهُ بِعَصاً كَانَتْ مَعَهُ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ
وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ.
وأما كونُ الجدار لغير النبي - عليه الصلاة والسلام -، وقد تيمم
بغير إذن مالكه، فقد مرّ أوجه في ذلك في بوله في سُباطة القوم.
وقد يؤخذ من تيمم النبي - عليه السلام - [في] الحضر عند فقد .
الماء: أنه لا يجوز الوضوء بغير الماء من المائعات، فإنه ما جاء أنه -
عليه السلام - توضأ بشيء منها، بل الثابت عن فعله وفعل الصحابة
التيممُ عند فقد [الماء].
٢٩٩

واختلف كلام الفقهاء في الوضوء بالنبيذ؛ فإنه جاء في حديث:
أنه - عليه السلام - تَوَضَّأَ بِنَبِيذٍ، وَقَالَ: ((تَمَرَةٌ طَيبةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ)) رواه
ابن مسعود، قال: قال لي رسول الله وَّهُ لَيْلَةَ الْجِنِّ: «مَا فِي إِدَاوَتِكَ،
أو رَكْوَتِكَ -؟))، قُلْتُ: نَبِيذٌ، قَالَ: (تَمْرَةٌ طَيَِّةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ))، فَتَوَضَّأَ
مِنْهُ. أخرجه الأربعة سوى النسائي.
وليس في رواية أبي داود: فَتَوَضَّأَ مِنْهُ.
وعن ابن عباس: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ لابْنِ مَسْعُودٍ لَيْلَةَ الْجِنِّ:
(مَعَكَ مَاءٌ؟))، قَالَ: لاَ، إِلَّ نَبِيذاً فِي سَطِيحَةٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّ:
(«تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ، صُبَّ عَلَيَّ))، قَالَ: فَصَبَيْتُ عَلَيْهِ، فَتَوَضَّأَ
بِهِ. أخرجه ابن ماجه.
وقال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من رواية أبي زيد،
وهو رجل مجهول عند أهل الحديث، وقد رأى بعض أهل العلم
الوضوءَ بالنبيذ، منهم: سفيان، وغيره.
وقال بعض أهل العلم: لا يتوضأ بالنبيذ، وهو قول الشافعي،
وأحمد، وإسحاق.
وقال إسحاق: إن ابتُلي رجلٌ بهذا، فتوضأ بالنبيذ، وتيممَ أحبُّ
إليَّ.
وقال الترمذي: وقول من يقول: لا يتوضأ بالنبيذ، أقربُ إلى
الكتاب، وأشبَهُ؛ لأن الله رَ قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا
طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣].
٣٠٠